رواية هاربة ام خائنة الفصل الرابع عشر14بقلم داليا السيد
الفصل الرابع عشر
قتيل
خرج من الحمام فوجدها تقف أمام زجاج الشرفة فاتجه إليها وقبل عنقها برقة فالتفتت له وابتسمت وهي تقول "تأخرت؟"
قبلها ثم ابتعد وقال بجدية "أنا صاحب العمل يسر"
ضحكت وقالت مازحة "وتخل بالمواعيد"
ارتدى قميصه وقال "لم أحدد موعد لذهابي كي لا أخل به، هناك رحلات تخرج لزيارة المعالم لو شئتِ انضممتِ لهم"
جلست وهي تفكر "ربما، سأجد ما يشغلني"
صفف شعره ووضع عطره ونظر لهاتفه لحظة وضاقت عيونه وهو يقول "حلمي اتصل بي"
لم ترد فعاود الاتصال به فأجاب الرجل بطريقة غريبة "أين أنت ياسين؟"
تحرك وهو يتجاهل نبرة الرجل "موجود يا حاج، هل حدث شيء؟"
جاءه صوت الرجل متذمرا وكأنه يشكو له من شيء أثار غضبه "عزت أخبرني أن يُسر أوقفت التعامل مع الزيات وهو اتصل بي ويريد العودة فماذا حدث ياسين؟"
التف لها وهي تتابعه ونظراتها تمنحه فكرة عما يحدث فأجاب "الزيات يعلم لماذا هي فعلت ذلك يا حاج ولا أعتقد أن زوجتي سترتد بكلماتها خاصة وأنها تملك ما يمنحها الحق بأن تبعده"
صمت أجابه لحظة قبل أن يعود ويقول "وأنت تصدق ما تقول؟"
رفع رأسه وهو يفهم ما يلمح له الرجل فأخرج كلماته بتأني "تريدني أن أشك بزوجتي يا حاج؟"
ارتبك الرجل وهو يقول "لا ولكن، لقد كان يعمل معنا منذ البداية وأنت لم تعترض"
أجاب بهدوء "أنا لم أكن أدير المصنع يا حاج ولكن يُسر فعلت لذا هي أكثر معرفة بالأمور مني"
رد الرجل بنبرة غاضبة مكتومة "أنت تمنحها ثقة كبيرة ياسين"
قال بقوة منهيا الجدال "وهي جديرة بها"
لم يجد الرجل كلمات أخرى فأنهى الاتصال فنهضت وظلت تنظر له منتظرة كلماته وهي تسأله "يشكك بي؟"
وقف أمامها ونظر بعينيها بثبات كما كانت هي ومنحها كلماته "بالتأكيد، أنتِ الآن أصبحتِ عقبة بطريقه يُسر، منصور، الزيات، حتى عزت كلهم خيوط للعنكبوت"
ظلا متواجهين لحظة حتى قالت "أخبرتك أن نُبعد عزت"
وضع هاتفه بجيبه وقال وهو يحيط ذراعيها بيديه "ليس الآن يُسر، كل خطوة ولها وقتها، عزت أكثرهم حرصا وما لدينا لا يدينه بشيء لذا سننتظر حتى يقع بالمصيدة فأنتِ ماكرة زوجتي وتحفرين الفخ بذكاء"
ابتسمت فقبلها برقة وقال "لابد أن أذهب، لا تبتعدي عن الرجال، تبقى لكِ يومان لفك الجبيرة سيكون ذلك رائعا حتى أستمتع بأحضانك"
ابتسمت وهو يقبلها مرة أخرى ثم تركها وذهب وهو يأخذ اللاب الخاص به وما زالت هي تنظر بالفراغ الذي تركه لها وتشعر بالخوف فذهابه يعني الوحدة والصراع الداخلي والذكريات الفارغة
أمضت اليوم التالي مع نيرة وأمل على الشاطئ، وسبحت أمل بالبحر وسرعان ما انضمت لهم جينا ومروان وظافر ونزل الجميع البحر عدا هي ونيرة وكانت سعيدة بصحبة المرأة
اقترب ظافر من أمل بالمياه وقال "تسبحين جيدا"
ابتسمت ابتسامة رقيقة أعجبته وأجابت "كنت بفريق السباحة حتى الإعدادية ووقتها توقفت"
تأمل ملامحها التي تأخذ عقله وظل صامتا للحظة مترددا فيما يرغب قولاه حتى قرر وقال "أمل أنا أردت أن أتحدث معك بأمور كثيرة لكن الظروف لا تسمح"
احمر وجهها وقالت بخجل "أمور؟ أي أمور؟"
منحها الرد المباشر "أمور شخصية، مثل أني معجب بك جدا"
ارتبكت الفتاة وظهر الخجل على ملامحها ولم تواجه نظراته.. بل أخفضت عيونها فعاد يكمل "أنا لست بمراهق أمل، ربما لوقت قريب جدا كنت تائه وكدت أضيع لولا ياسين هو من جذبني بقوة من الضياع، أمل أنا بحاجة لمن يرشدني لأشياء كثيرة أفتقدها وجدتها بك"
قالت بحرص "تعلم أن ليس من اللائق أن نتحدث بتلك الأمور"
هز رأسه وأبعد الماء عن وجهه وقال "نعم ولكن لابد أن نفعل، لابد أن أعرف ما إذا كان بحياتك أحد، أعني مرتبطة مثلا"
زاد خجلها وهي تبعد وجهها وقالت "لا"
ابتسم وقال "الكلية ذهبت دون أي علاقات"
عادت تواجه نظراته والجدية ارتسمت على ملامح وجهها وهي تجيبه "نعم، فضلت صحبة البنات فصحبة الشبان تجلب المشاكل وبابا كان ما زال بالخدمة والجميع يخشى من الاقتراب مني ففضلت أنا أيضا الابتعاد"
تأمل عيونها الجميلة وظل صامتا فهمست "وأنت؟"
اختار الصدق "كنت أعيش بوهم غبي، شيطان تملكني بامرأة، ابنة صديق والدي نشأنا سويا، هي تعشق أخي وأنا كنت منبهر بها حتى أدركت أنها شر يعبث بحياتي وحياة أخي ثم رأيتك، وقتها أدركت أنها لا تعني أي شيء، أمل أنا حقا معجب بك"
ابتسمت بخجل فابتسم هو الآخر وقد اعتبر ابتسامتها إشارة بأنها تبادله الإعجاب
****
دخل مكتب خليل فوجد خطاب يجلس على الأريكة وأمامه لاب توب يعبث به وخليل يجلس خلف مكتبه نهض على الفور ولكنه اتجه لخطاب وقال
“ماذا لديك؟"
نظر له خطاب بنظرات ذات مغزى وقال "لقد باع كل شيء ياسين، سيف باع كل أملاكه هنا ورحل"
منحه اللاب ليرى الأخبار فابتسم ياسين بانتصار وقال "هو الذي عبث معي"
ابتسم خطاب هو الآخر وقال "نعم"
نظر لخليل وقال "هل تطلب لنا قهوة خليل، ولا أريد إزعاج من فضلك"
هز الرجل رأسه وتحرك خارجا..
التفت ياسين لخطاب وقال "من الجيد أنه استطاع الهرب"
تراجع خطاب وقال "أنت منحته الفرصة ليهرب"
عبث باللاب وقال "مقابل أن يترك ظافر خطاب، أنت تعلم أنه كان يشتعل غيظا من أخي فكان لابد أن أفعل ذلك"
صدق خطاب على كلماته وقال "معك حق، لنعد لحادث مدام يُسر"
****
لم تراه بالطبع طوال اليوم حتى صباح اليوم التالي، عندما داعب شيء وجنتها ففتحت عيونها على الفور لتراه أمامها وابتسامة تعلو وجهه
انحنى وطبع قبلة على شفتيها وقال "الطبيب ينتظرنا بالمكتب، سأبدل ملابسي واستعدي لنذهب"
نهضت وهو يخلع قميصه فقالت وهي تتابعه ولا يهتم بذكر النوم "أنت لم تنم"
لم يرد وهو يدخل الحمام..
ارتدت ملابسها وانتظرته ثم خرجا سويا حتى وصلا لمكتب المدير حيث ينتظرهم الطبيب والذي قام بخلع الجبيرة وفحص ذراعها وقال "الحمد لله هو بخير، فقط لا تجهديه بالبداية حتى يعود لطبيعته"
خرج الطبيب فنهض وقال "والآن ماذا تريد زوجتي بعد الحرية؟"
ابتسمت وقالت "نبقى هنا ياسين، بالغردق، الجو رائع والمكان جميل"
قربها ليُقبلها ولكن الباب دق فابتعد وظافر يدخل وقال بمرح "يُسر.. الحمد لله على الإفراج"
ضحكت بسعادة، بينما ابتعد ياسين وقال "فيم عودتك؟ كنت بطريقك للألعاب"
والتفت لأخيه الذي أجابه "أريدك أخي"
نظر لزوجته وهي فهمت رغبته فقالت "سأنتظرك بالمطعم"
لكن..
أوقفها ظافر قائلا "لا يُسر، انتظري الأمر عائلي زوجة أخي"
استند ياسين على طرف مكتبه ووضع يداه بجيوب بنطلونه وقال "عائلي؟"
تحرك ظافر تجاهه وقال "أمل"
ابتسمت يُسر بسعادة عندما فهمت ما وراء الكلمة، خاصة وأنه استبعد عهد من حياته..
سمعت ياسين يقول "ماذا عنها؟"
حدق به ظافر وقال "أريد أن أخطبها، هي فتاة على خلق وجميلة وأسرتها ممتازة فما رأيك؟"
هز كتفيه وقال ببساطته المعهودة "تعلم أني لن أتدخل باختيارك، لكن ماذا عنها؟ هل سألتها؟"
هز رأسه بالإيجاب وقال بثقة "بالتأكيد، هل تظن خطاب سيوافق؟"
تحرك ياسين تجاه زوجته وجلس بجوارها وقال "ما رأيك يُسر؟"
منحته نظراتها وهي تشعر بسعادة أنها تشاركهم أمورهم وأنها أصبحت جزء من العائلة مرة أخرى..
وكأنها نست ما مرت به وذاكرتها التاي انمحت..
وكأنها أرادت صنع ذكريات جديدة أفضل معهم وهو ما يسعدها فقالت "وما المانع؟ ظافر شاب جيد وله مستقبل رائع بعمله بالعزبة ومعك ولا أظن أن هناك ما يعيبه"
هز رأسه وصمت لحظة ثم قال "إذن لنختبر الأم أولا، وهذه مهمتك يُسر"
ضحكت ولفت وجهها لظافر وابتزته بمرح "وما المقابل ظافر؟"
ضحك وجلس على المقعد بجوارها ونظراته حملت الرضا والسرور "لن أستدعيه للعمل المرة القادمة زوجة أخي"
ضحكت وضحك الجميع
تناقشوا قليلا حتى خرج ظافر فنهض وقال "هل نذهب قبل أن تندمي من وجودنا هنا"
ابتسمت ونهضت معه وتحركوا للخارج حيث وجدوا خليل فقال ياسين "أريد طعام بغرفتي خليل"
اعتدل الرجل وقال "حاضر يا فندم"
أحاطها بذراعه واتجهوا لجناحهم وهو يقول "هل نتناول الطعام قبل أن نخرج؟"
نظرت له وأدركت أنه مجهد فقالت "كنت سأقترح أن نبقى بالغرفة اليوم ما رأيك؟"
فتح لها الباب فدخلت وهو يقول باستسلام "هل أبدو بهذا السوء؟"
منحته نظرة فهمها وهي تجيبه "أكاد أرثو لحالك"
ألقى جسده على المقعد وقال "ما زلت بخير لا تقلقي"
دق الباب ودخل الرجل بالطعام ثم خرج فأغلقت الباب لتلتفت وتفزع وهو يتلقاها بذراعيه ويقول "التحلية قبل الطعام"
ضحكت وأحاطته بذراعيها وهي سعيدة بأحضانه..
نام فنهضت وأخذت حمام وتركته وخرجت لترى نيرة تجلس ومعها أمل فاقتربت منهما وقالت "مساء الخير"
ابتسمت نيرة واعتدلت وهي تقول "أهلا مدام يسر كيف حالك؟ الحمد لله على سلامتك بعد فك الجبيرة"
منحتها نظرة شكر وهي تقول "نعم كانت قيد ثقيل، أمل ما أخبار الألعاب المائية؟"
أجابت أمل بسعادة واضحة على ملامحها "رائعة، الأستاذ ياسين يختارها بدقة"
منحتها نظرة فارغة ولكنها فكرت أن تبدأ الحديث مع نيرة ولكن عليها ابعاد أمل أولا فقالت "ولكنك لا تتمتعين بها الآن، فلماذا؟"
نظرت الفتاة لوالدتها وقالت برقة واضحة "لا أريد ترك ماما وحدها"
تفهمت يُسر ومنحتها كلمات للراحة "يمكنكِ الذهاب الآن، أنا سأبقى معها"
نظرت أمل لوالدتها التاي هزت رأسها لها تشجعها فنهضت الفتاة متحررة
ظلت يِسر تتابعها بنظراتها حتى عادت لنيرة وقالت "فتاة رائعة"
ابتسمت نيرة بفخر وعيونها مع ابنتها وهي تجيب "أنتم متقاربين بالعمر، أنت لم تتجاوزي الرابعة والعشرين أليس كذلك"
قالت "الخامسة والعشرين"
لم تذهب ابتسامتها نيرة وهي تكمل "وهي ثلاثة وعشرين، فارق كبير بينك وبين الأستاذ ياسين"
قالت بدون تردد "عشر سنوات، ولكن ياسين رائع لا تشعرين معه بأي فارق هو يتعامل مع كل الأعمار"
هزت نيرة رأسها موافقة على كلماتها فتشجعت يُسر وقالت "بصراحة كنت أريد التحدث معك بأمر ما ولكن أخشى من أن أضايقك"
تحولت نظراتها لعيون يُسر التاي كانت تواجها وظلت هادئة ويُسر تنتظر "ولماذا؟ أنتِ لا تضايقين أحد بصراحة"
تشجعت وقالت "شكرا لكِ، بصراحة الأمر خاص بأمل وظافر"
ضاقت عيون المرأة ولم ترد لأنها لم تكن تفهت..
صمت المرأة لم يعني شيء ليُسر فأخذت الصراحة طريقها "ظافر معجب بأمل ويريد التقدم لخطبتها، وبالطبع فضلت أن أخبرك قبل أن يتحدث ياسين مع سيادة العميد"
حدقت نيرة بوجه يُسر وامتلأت عيونها بأسئلة كثيرة ولكنها قالت "لقد تفاجأت بالأمر حقا، ولكن بالتأكيد سأخبر خطاب وأخبرك بالرد، ظافر إنسان جميل ويبدو أنه يعرف ما يفعله"
قالت بثقة "وياسين معه ولا يتركه، هما متماسكين كأخوات وهذا أفضل ما بهم وأنا وجدت معهم العائلة الحقيقية"
ابتسمت المرأة وقالت "معك حق، أنتِ أيضا إنسانة رائعة"
اتصلت بجينا واطمأنت عليها وعادت لغرفتهم فوجدته ما زال نائما فبدلت ملابسها ونامت بجواره
بالصباح استيقظت على دقات الباب فالتفتت لتراه ينهض بنشاط وهو يقول "سأرى من"
سمعت صوت ظافر فعادت للنوم حتى شعرت به ينسل بجوارها ويجذبها إليه فالتفتت لأحضانه وهو يهمس "اشقت لكِ يُسر"
تناولا الغداء وأبلغته بما كان مع نيرة فلم يعلق ونزلا المياه سويا واستمتع الاثنان وقد انتهت حياتها التي لم تعرفها وهي تعشق كل لحظة تمضيها معه وهو شعر وكأنه يتزوج من جديد وهي تمنحه سعادة وحنان جعلته لا يريد لتلك الأيام أن تنتهي
خرجا من البسين ولفها بالمنشفة ووضعت الكاش مايوه عندما رأى خطاب يتقدم منه ويقول "متى يمكننا أن نتحدث؟"
جلست هي تراقبه وهو يجفف شعره وجسده ويسأل بهدوء "الأمر ضروري؟"
منحه خطاب كلمة واحدة "سيناء"
حدق به بحدة وبصمت لحظة حتى قال "لن أتأخر"
هز الرجل رأسه ثم ابتسم لها فردت ابتسامته وتحرك مبتعدا
التفت ياسين لها وعيونها تفهم ما يريد، أبعدت وجهها فقال "لن أتأخر"
قالت بضيق "يوم مثلا دون الليل؟ حسنا اذهب ياسين فلا فارق"
جلس وأبعد شعره المبلل وهو يدرك ملامحها التي تبدلت من السعادة للضيق.. أبعد وجهه لحظة ثم عاد لها "يُسر لن نكرر الأمر بكل مرة، إنه عملي وأنتِ تعلمين ذلك"
واجهته بنظراتها والجدية ارتسمت عليها وهي ترد "وأنا زوجتك ياسين وأنت تعلم ذلك، أنت لا تمضي معي يومان متتاليان فمتى سنفعل؟"
تراجع بالمقعد ونفخ بقوة طاردا ضيقه بعيدا "تلك الأيام تزدحم بالأمور الهامة ولا يمكن تجاهلها وما أن تنتهي حتى أتفرغ لكِ، والآن لا أحب أن أذهب وأنتِ غاضبة"
لم تفر من نظراته وقالت "ستذهب بكل الأحوال ياسين، فلا تهتم بغضبي"
ظل صامتا ونظراته زاغت على وجهها والجدية هي ما ظهرت على وجهه "لا وقت للعناد يُسر، هل نذهب؟ أريد تبديل ملابسي؟"
ولكنها لم تتراجع عن غضبها وعنادها ربما يُدرك أن لها بعض الحق عليه وقالت "لا، أنا باقية، يمكنك الذهاب"
أدرك أن العناد عاد ولن يذهب والغضب واضح بعيونها فنهض تاركا إياها وحدها ولم تتبعه بعيونها وقد امتلأت بالدموع وهي تعود للوحدة من جديد فخلعت الكاش مايوه ونزلت للمياه مرة أخرى..
****
دخل مكتب خليل فوجده ينتظره فبدأ الحديث "أين خطاب؟ اطلبه الآن"
بالطبع كان عصبيا، مزاجه واضح بنبرة صوته.. هي تثير جنونه
أسرع خليل يتصل بخطاب وهو يجلس خلف المكتب وعبث بهاتفه حتى دخل خطاب فقال "خليل القهوة من فضلك"
جلس خطاب أمامه فنظر له وقال بنفس العصبية والصوت الذي لم يعد يحمل الهدوء "والآن تحدث خطاب"
تراجع خطاب من عصبيته وملامحه الغاضبة وقال "أحمد الرجل الذي كان على الطائرة"
اعتدل بالمقعد والأمر جذبه حق فضاقت عيونه وقال "هل عثرت عليه؟"
هز رأسه وقال "عثرنا على جثته بشقة مترامية الأطراف، الجثة متحللة وبدا أن لها وقت مقتولة"
فتح عيونه وردد "مقتول!؟"
نهض فنهض خطاب واتجه ياسين له ووقف أمامه وقال وهو يضع يديه بجيوبه "ولم يكتشف أحد موته؟ كيف؟"
قال خطاب "رجالنا قاموا بتحرياتهم بعد أن تعرفوا على صورته حتى عرفوا أنه ظهر بمنطقة جبلية أخذ بها شقة ببيت لا يسكنه أحد، صاحب البيت أخبر الرجال أنه كان يعيش بطريقة مترفة وينفق أموال كثيرة وفجأة اختفى ولم يعد أحد يراه وبالطبع عندما بحث الرجال اكتشفوا موته بالشقة مقتولا بسكين بالقلب، تقريبا كان نائما وقت قتله"
ابتعد ياسين من أمامه وقال "يعيش بطريقة مترفة؟ أحمد لم يكن رجل ثري فمن أين له بالأموال؟"
ثم نظر لخطاب وقال "ومن الذي يريد قتله؟"
أجاب خطاب بعملية "ربما من منحه الأموال هو من قتله"
رفع ياسين يده وقال "تقصد أنه أدى معروف لأحدهم حصل منه على مال ثم قتله كما بالأفلام؟ خيالك خصب خطاب ولكن لو افترضنا ذلك.. من ذلك الشخص؟ وما هو هذا المعروف؟"
ابتعد مرة أخرى وقال خطاب "أنت أخبرتني أنه كان أحد العاملين بفندق القاهرة فلم لا نبحث هناك أو بمكان إقامته"
لاحت فكرة بذهن ياسين بثها لعقله كلام يسر فابتعد وظل صامتا يفكر حتى قال "إلى هنا وانتهت مهمتك خطاب لا أحتاج لمعرفة المزيد فقد عرفنا أين اختفى الرجل"
هز خطاب رأسه بينما شرد هو لحظة وسمع خطاب يقول "هل سنبحث أمور الجونة؟"
نظر له ثم قال "لا، ليس الآن يمكنك الذهاب"
جلس خلف مكتبه وهو يحاول التركيز فيما وصل إليه وشعر أن الخيوط بدأت تترابط سويا وكم تمنى لو صدق تخمينه ربما استقرت حياته
رن هاتفه فأخرجه وأغمض عيونه عندما رأى الرقم وقد تزاحمت الدنيا كلها من حوله بوقت واحد فعاد للهاتف وأجاب..
انتهت من المياه وعادت لغرفتها وقد حل الليل فأخذت حمام وبدلت ملابسها وتحركت للمطعم لتجد نيرة وأمل فأشارت لها المرأة فانضمت لهم وقالت
“مساء الخير"
ردت المرأتان وقالت نيرة "لم نتناول العشاء وأنتِ؟"
أجابت بلا قيود "ولا أنا"
تقدم أحد العاملين منها وبالطبع الجميع يعرفها ويقفون على خدمتها، سمعته يسألها "تأمرين بشيء مدام؟"
منحته نظرتها وهي تقول "نعم من فضلك، سنطلب العشاء"
اختاروا الطعام وتبادلوا الأحاديث حتى وصل الطعام تناولوه في جو مرح حتى انتهوا واستأذنت أمل للحمام
تلك كانت فرصة يسر لفتح الحديث مرة أخرى "قبل أن تعود أمل، ترى هل هناك رد لطلب ظافر؟"
ابتسمت نيرة وقالت "خطاب لا يمانع، ورأى أن الاقتران بأخ الأستاذ ياسين شرف له لأنه يحبه ويثق به"
زادت ابتسامة يسر وسعادتها وقالت "نفس الشرف لنا أيضا، سأخبر ياسين ليفاتح سيادة العميد أنا سعيدة جدا سأجد صديقة جديدة"
خرجت مع المرأتان للبسين وكانت هناك حفلة لإحدى الفرق المعروفة انضمت أمل لهم ورأت هي ظافر يتحرك تجاهها ليبعدها عن الزحام فقالت نيرة
“أين ذهبا؟"
لحظات ورأت أمل وظافر يعودان وقد بدت ملامح أمل غاضبة فقالت نيرة "هل حدث شيء؟"
نظر ظافر ليسر ولنيرة وقال "الزحام هناك كثير والشباب الموجودة ليست مضمونة، يُسر هل تأتي معنا؟ سآخذكم لمكان جيد؟"
ابتسمت له وهي تتفهم ما كان من غيرته على الفتاة
استأذنت من نيرة وأمسكت يد أمل التي ذهب الغضب من ملامحها وهما يتحركان مع ظافر بالفعل لمكان بعيد عن الزحام وقد عرف الرجال ظافر فأحاطوهم
ذهب غضب أمل وتحولت الأجواء للسعادة بالحفل وظل ظافر معهم حتى انتهى بوقت متأخر وعاد الثلاثة إلى مائدة نيرة التي قالت
“تأخرتم جدا"
سمعت صوت ياسين خلفها يقول وقد أخبره الرجال بوجودها بالحفل مع ظافر "مساء الخير، أين كنتم؟"
لم تنظر له بينما منحته نيرة نظرة وردت تحيته وقال ظافر "انتظرنا عندما انتهى الحفل"
لحظات وانضم خطاب لهم وقال "تأخرتم نيرة"
تولى ياسين الرد "الحفل خطاب"
هز الرجل رأسه وقال "حسنا، اسمحوا لنا طابت ليلتكم"
التفت ظافر لها بمجرد رحيلهم وسألها "هل تحدثت مع والدتها يُسر؟"
نظرت له وقالت بجدية "نعم ظافر، خطاب يوافق وينتظر أن تتقدم لخطبتها مع ياسين"
ابتسم ظافر وقال بسعادة "ياسين انقذني يا أخي"
لف وجهه له وقال ببساطة "حسنا سأتحدث معه بالصباح قبل أن نذهب"
نظرت له بدهشة ولكنها لم تنطق بينما تساءل ظافر "نذهب؟ من يذهب؟ وإلى أين؟"
أبعد عيونه عنها وصمتها يقلقه وهو يقول "أنا ويُسر سنرحل لسيناء وجدت أرض جيدة لموقع الفندق الجديد وسأذهب لأراه وهي ترى المطعم"
تعصبت من تصرفاته وشعرت أنه يتصرف وكأن لا وجود لها فقالت وهي تنهض "اسمحوا لي أنا متعبة"
وتحركت تاركة إياهم في حيرة وتابعها بنظراته بينما قال ظافر "ليس الآن ياسين، هي بدت سعيدة بوجودها هنا معنا جميعا وأنت أيضا فلماذا؟"
حاول ألا يبدي غضبه من كل الضغوط التي تحيطه وقال بهدوء "أخبرتك السبب ظافر وعليها أن تفهم ظروفي"
قال ظافر "إذن اتركها هنا معنا فهي تجدنا حولها، هناك ستتركها للوحدة وهي ليست بحالة تسمح بذلك"
ظل ينظر لظافر لحظات وهو لم يعد يرغب بألا تكون معها ولكنه لن يخبره بذلك فقال "لا تشغل بالك بالأمر، هيا سأذهب أحتاج للنوم قبل السفر بالصباح طابت ليلتك"
تحركت إلى غرفتهم وهي تشعر بغضب كبير، دخلت وأغلقت الباب وشعرت بدموع تحرق عيونها، وقفت أمام زجاج النافذة وشعرت بالضياع يعود إليها من جديد ولا تعلم السبب
هل كانت هذه هي نفس حياتها معه قبل الحادث؟
هل اهتمامه بعمله كان يضايقها لذا تركته ورحلت؟ أغمضت عيونها وهي تبحث بذاكرتها عن أي شيء لكن الفراغ كان يخنقها..
هي تعلم أنه رجل ناجح، مجتهد وعمله هو كل حياته وعليه أن يحافظ عليه وعلى نجاحه فلماذا هي غاضبة هكذا؟
من المفترض أن تكون سعيدة لنجاحه، وكزوجة محبة عليها أن تقف بجوار زوجها وتؤازره لا أن تغضب من اهتمامه بعمله
فزعت عندما شعرت بيده تتخلل خصرها وشفتيه تطبع قبله على عنقها وهو يقول "سيناء ستبعدنا عن الجميع لأكون لكِ وحدك"
أعادها أمامه فلم تنظر لعيونه وقد رأى دموعها فأبعدها وقال "تلك الدموع بسببي؟ هل أغضبتك لهذا الحد؟"
نظرت له وقالت "لا ياسين أنت لم تفعل، كان علي تفهم ظروف عملك، فقط أشعر بأن عملك أهم مني"
ابتسم وأحاط وجهها بيديه وقبلها برقة وقال "ليس هناك أهم منك بحياتي يسر، فقط ما بنيته بسنوات عمري من الصعب أن أتركه يضيع"
قالت وهي تتأمل عيونه التي امتلأت بنظرات جعلتها تنسى غضبها وحزنها "أعلم أنك على حق ياسين ولكن غصب عني فأنا أشعر بالضياع ببعادك، أخبرتك أنك كل من لي وببعادك أفتقد الأمان وكأني أحيا بدنيا فارغة خالية من كل الناس، أتيه ولا أعرف أين الطريق، فأنت الدليل بحياتي ياسين بل أنت كل حياتي"
ضمها إليه وقد زادت مشاعره قوة تجاه المرأة التي كانت قد أحبته مرة واليوم تمنحه كلمات تؤكد أنه حياتها وأن ما حدث لم يغير ما كان بينهم..
منحها كلماته "و-نا معك يُسر ولن أتركك أبدا"
ارتاحت قليلا لكن..
هل حقا العودة لسيناء سيمنحها راحة؟ لم تظن أنه سيعيدها لتلك البلدة مرة أخرى أبدا ولكن ها هو يدفن الذكرى بسبب العمل وعليها أن تفعل المثل
