رواية براعم الحب الفصل الخامس عشر15 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
رواية براعم الحب الفصل الخامس عشر15 بقلم رشا عبد العزيز

ضحكات «مليكة» التي صدحت عقب أن أغلقت الهاتف قابلتها نظرات لوم من «صفاء» وصفعة خفيفة على رأسها من «هدى» التي عاتبتها بضيق:

_ فيه واحدة تعمل في أخوها كده؟!

​ليعبس وجهها وتضع يدها على خصرها تسألها بحنق:

_ أمال عاوزاني أخليه ييجي على طول إزاي يا ست ماما؟

​_ تقومي تخضيه بالشكل ده؟! إحنا اتفقنا على كده برضه؟ افرضي عمل حادثة أعمل فيكِ إيه أنا؟

​قالتها «هدى» بانفعال لتنهرها «صفاء» بسرعة:

_ بعد الشر ما تقوليش كده يا بنتي.

​_ «هدى» اهدي يا حبيبتي ما تكبريش

 الموضوع، إن شاء الله هيكون بخير، بطلي داء الوسواس اللي عندك ده، دول بقوا رجالة هتفضلي خايفة عليهم كده؟

​هكذا طمأنها «علي» الذي جلس بجانبها يخفف من خوفها الزائد الذي لطالما حذرها منه.

لتتحاول «شمس» تخفيف تلك الأجواء التي شُحنت فجأة فتشاكسها قائلة:

_ دي لو ما خافتش ما تبقاش «هدى»، أهو ده غلطك يا بن عمي حبيتها على طول، مش كنت سألتني الأول؟ كنت اديتك لستة المحاسن والعيوب اللي أولها قلبها الرهيف.

​_ «شمس»!

​قالتها «هدى» وهي تحدجها بضيق، ليضحك «علي» على ضيقها ويرفع يده يحيط كتفها ويضمها إليه يتغزل بها مبتسمًا:

_ دي حبيبتي أحلى حاجة فيها قلبها الرهيف.

​بادلته الابتسامة بامتنان قبل أن تسمع «فارس» وهو يتحالف مع زوجته وكأنهما يتفقان عليهما، فيمازحهما وهو يخبر «شمس»:

_ يسألك ده إيه؟ ده الواد كان واقع لشوشته يا بنتي!

​لتلقترب منه «شمس» وتومئ برأسها تؤيد كلامه وهي تقف بجانبه وتتأبط ذراعه:

_ أيوه فكرها بالفترة دي، فترة «روميو» و«جوليت».

​ليحاول «فارس» الاسترسال وهو يخبر «شمس» بحماس:

_ أمال لو أحكيلك خلف الكواليس اللي كانت تحصل في المكتب عندي...

​_ «فارس»!

​هتف بها «علي» وهو يمنحه نظرة محذرة بعد أن شعر بالحرج حينما أبصر ترقب أولادهم لسماع المزيد:

_ سيب الكواليس يا فنان، كفاية لحد كده.

​ليغمز له مازحًا:

_ ماشي يا «علي» أنت تؤمر.

​رحمهم من هذا النقاش وصول «ندى» و«طارق» وابنتهما «ورد» و«أحلام»، وانشغال الجميع بالترحيب بهم.

أما «قمر» فلم تكن تشعر بما يحيطها من أصوات، عينها كانت تترقب الباب وعقلها يسألها: ترى ماذا سيفعل عندما يراها؟ هل سيستقبلها أم أنه سيظهر نفوره منها أمام الجميع؟

​_ شكلك مش طبيعي اهدي، رغم إني شمتانة فيكِ بعد اللي هببتيه معاه بس برضه بحبك ومش هاينة عليَّ أشوفك كده.

​هكذا همست «ورد» في أذنها بعد أن جلست بجانبها، التفتت نحوها وعادت تنظر لهديتها القابعة في حجرها لتسألها بقلق:

_ تفتكري هو ممكن ما يتكلمش ولا يتقبل الهدية ويخلي منظري وحش قدام العيلة؟

​حدجتها بنظرة لائمة وقالت تستنكر تفكيرها:

_ هو ده كل اللي هامك؟ منظرك قدام العيلة؟ ما همكيش هيسامحكِ وإلا لأ؟ ما فكرتيش بمشاعره؟ عمومًا اطمني «حسين» طيب ومش هيعملها.

​التقت عيناها بعيني «ورد» لحظات ما بين عتاب وحيرة امتزجت بخوف استشعرته «ورد» لأول مرة في نظرة عينيها.

قطع ذلك التواصل البصري وصوله وهو يفتح الباب بسرعة يلهث أنفاسه ويهتف:

_ تيته!

​لكنه تسمر فجأة وهو يجد الجميع يقف يصفق له ويهتف:

_ مفاجأة.. ألف مبروك!

​ليشرق وجهه بابتسامة مندهشة ويسأل بقلق:

_ يعني تيته بخير؟(رشا عبد العزيز 

​_ أيوه يا روح تيته.

​هكذا هتفت «صفاء» تفتح ذراعيها له ليركض نحوها بلهفة يحتضنها بقوة:

_ حبيبتي أنتِ كويسة؟

​_ كويسة يا روحي ما تخافش، ده كان مقلب من البت «لوكا» عشان كانت عاوزة تعملك مفاجأة.

​خرج من أحضانها يتلمس وجهها كأنه يطمئن عليها قبل أن يقبل يدها ووجنتيها:

_ ربنا يرضى عنك يا حبيبي.

​عينيه التقطت تلك التي تجلس بجانبها وتنظر إليه، لكنه أجبر قلبه الذي يصرخ شوقًا لها أن يتجاهلها، ليتجه نحو جده القريب من جدته يلقي عليه التحية فتتوالى عليه التبريكات من كل أفراد العائلة الواحد تلو الآخر.

كانت تراقب تجاهله لها وتجهل ما عليها فعله، كبرياؤها أمرها بالبقاء مكانها ونظرات باقي العائلة المحدقة بها تجبرها على المبادرة.

وكزتها «ورد» وهمست بحنق:

_ ما تتلحلحي مستنية إيه؟ مش شايفه بيبصولك إزاي؟

​تنهدت بثقل واستجمعت قوتها تنظر نحوه بتردد، لكن ضغط تلك النظرات المنتظرة لقاءهم بشغف دفعتها للنهوض والتوجه نحوه بخطوات متوترة حتى أصبحت خلفه لتنادي عليه:

_ «حسين».

​خفق قلبه لمجرد سماع صوتها، التفت نحوها ببطء لتواجه عينيه عينيها بعتاب فهمته هي، لتمد له يدها بالهدية:

_ ألف مبروك نجاحك في المسابقة.

​التقط منها العلبة وقال بعتاب مبطن:

_ متشكر يا «قمر»، ما كانش فيه داعي للهدية، كلمة منكِ عندي بألف هدية.

​عينيها تحركت يمينًا ويسارًا كأنها تخشى أن يكون قد سمعه أحد، فشكرت الله وهي تجدهم انشغلوا عنهم بين بعضهم البعض وكأنهم يحاولون تخفيف الحرج عنهم ويمنحونهم بعض الخصوصية.

عادت عينيها تلتقي بعينيه التي حملت برودًا تراه للمرة الأولى لتغمغم:

_ آسفة.

​بالكاد التقطت أذنه الكلمة ليرتجف قلبه، أسعدته لكنه سألها ليتأكد:

_ قلتي إيه؟

​بلعت ريقها بتوتر وقالت تشير نحو العلبة:

_ افتحها عشان أشوف رأيك.

​تعجب طلبها لكنه أزال الغلاف البسيط وفتحها لتتسع ابتسامته يسألها بتعجب:

_ عرفتي إزاي إني بحب الساعات؟

​_ حد فتن لي.

​_ تبقى «لوكا» ما فيش غيرها.

​أخرج الساعة ونظر لها بإعجاب لتتسع عينيه وهو يجد اسمه يزينها لينظر لها مبتسمًا:

_ دي عليها اسمي!

​_ عجبتك؟  (رشا عبد العزيز 

​_ تحفة تجنن، تسلم إيدك يا «قمر».

​وضع العلبة على الطاولة بجانبه ثم خلع ساعته وأعطاها لها:

_ امسكي يا حبيبتي.

​أخذت منه الساعة لتنظر لها باستحسان، يبدو أنه من هواة الكلاسيكيات فساعته كانت تحمل طابعًا كلاسيكيًا رغم أنها من ماركة معروفة.

أحاطت ساعتها معصمه وكأنها ربطت على ذلك القلب الذي كان يؤلمه بعدها وبرودها، حرك يده يمينًا ويسارًا يطالعها من جميع الجهات قبل أن يصوب نظره نحو اسمه الذي كُتب بالخط الجميل كأنه خُط على قلبه ليمنحها الغفران. ابتسمت وهي تراقبه وتراقب حركاته، فمن كان يقف أمامها بجمود قبل قليل ليس من يقف أمامها الآن بابتسامته وحركاته الفكاهية سعيدًا بهديتها.

_ متشكر يا «قمر».

​قالها لسانه بامتنان وتمنى قلبه أن يأخذها بين أحضانه يروي شوقه لها.

_ العفو.

​_ «حسين» ألف مبروك يا بشمهندس.

​تبخرت ابتسامتها وهي تسمع صوت «حسن» الذي حضر توًا يقترب من شقيقه ويحتضنه ليبادله «حسين» العناق بود:

_ الله يبارك فيك يا أخويا، تسلم يا أبو «علي».

​كلمة أخويا التي نطقها «حسين» وذلك اللقاء الحميمي الذي اتبعه مزاحهم معًا، انتبهت إلى علاقتهم الجميلة لتسكن غصة مرة في قلبها تسأل نفسها بخوف: هل سيأتي يوم لتكون هي السكين الذي يمزق وحدتهم؟

حتى «مليكة» التي اندمجت مع أخويها تتلقى عتاب «حسين» بمزاح ومحاولة «حسن» التخفيف على شقيقته.

تنهدت بحسرة خنقتها وهي تشاهد سعادتهم التي لم تكن هي جزءًا منها.

​عادت من ذكرياتها تطالع البطاقة من جديد وتتذكر كيف اعتذرت عن حضور كتب كتاب «حسن» وتعللت بإصابتها بوعكة صحية، ورغم أنه أخبرها أنه كان يتمنى أن تكون معه لكنه تقبل اعتذارها.

​وفي المساء في منزل «شمس» كانت تجلس في الصالة بجانب «فارس» يتبادلون بعض الأحاديث يخططون لرحلتهم نحو قنا، ليجدوا «سيف» يقترب منهم بخطوات مترددة يلقي عليهم التحية:

_ مساء الخير.

​ليرحبوا به كلٌ على طريقته:

_ أهلاً يا حبيبي مساء النور.

_ مساء النور يا دكتور اتفضل.

​_ متشكر يا بابا.

​قالها يجلس بالقرب منهم، كان توتره ظاهرًا لهم حتى ابتسامته المزيفة لم تخفَ عليهم، لينظر أحدهم للآخر بقلق، فرك كفيه المفتوحتين أحدهما بالأخرى يحاول جمع شتاته واستعادة قوته التي سلبتها نظراتهم المحدقة به.

تحمحم بصوت منخفض يعلم أن الهدوء الذي يعم المكان هو هدوء سيسبق عاصفة قراره، لكنه لن يتراجع، فأربعة أشهر من التفكير كانت كافية ليحسم أمره ليلقي عليهم ذلك الخبر دفعة واحدة كأنه يمنع نفسه من التراجع:

_ أنا عاوز أتجوز «نور».

​شحب وجه «شمس» وبهتت ملامحها لتسأله علها أخطأت فيما سمعت:

_ بتقول إيه؟

​ابتلع ريقه وأكد لها حديثه:

_ عاوز أتقدم لـ«نور» بكره مادام إحنا رايحين قنا.

​وما إن أنهى حديثه حتى وجدها تنتفض وتصرخ في وجهه معلنة رفضها:

_ أنت اتجننت؟! عاوز تتجوز «نور»؟!

​لينظر لها بضيق يستنكر حديثها:

_ ليه يا ماما؟ عشان مطلقة يعني؟

​تسارعت وتيرة أنفاسها واحتدت عينها وهي تهتف بما تفهمه ويحاول هو الالتفات عليه وكأنه يزيف حقيقة قراره:

_ لأ مش عشان مطلقة يادكتور، أنت عاوز تتجوزها عشان حاسس بالذنب، مش كده؟ ما تتكلم!

​ظل صامتًا يحدق بها فقط، لكن صمته أزعجها لتصرخ بصوت أعلى:

_ تقدر تنكر إن دي هي الحقيقة؟

​_ لأ.

​قالها ببرود ضاعف من غضبها لتنشب النيران في جسدها تحرق صبرها، فصرخت به من جديد في محاولة لردعه عن قراره:

_ بس أنت كده بتظلمها تاني يا دكتور يا محترم، إحساس الذنب هو اللي بيحركك، أنت مش عايز «نور» لشخصها، أنت عاوز «نور» تصلح غلطتك في جوازتها الأولانية زي ما أنت فاكر، تقدر تقولي فرقت إيه عن «حسام» اللي اتجوزها رغبة بس خطتلها كام يوم؟ وأنت كمان هـتريح ضميرك وخلاص، ما فكرتش فيها؟ في مشاعرها؟
 
​_ يااا ماما أنا...

​_ اخرس بلا ماما بلا زفت!

​هكذا هدرت به لتحول نظرها نحو «فارس» الذي استفزها سكوته وجلوسه هادئًا يطالعهم فقط، لتوجّه له الحديث بانزعاج:

_ ما تقول حاجة أنت ساكت ليه؟ أنت موافق على قرار ابنك؟

​لتندهش وهي تسمعه يقول بهدوء:

_ أيوه.       (رشا عبد العزيز 

​لتصرخ بانفعال:

_ لأ ده اسمه جنان يا «فارس»!

​_ «شمس»!

​صاح بها ينهرها وعينيه تتسع بغضب لم تعهده منه، لتتسمر تراقب غضبه بتوجس ليكمل بحدة:

_ حاسبي على كلامك وشوفي أنتِ بتقولي إيه، وأه أنا موافق وهقف معاه حتى لو كان ده ضد رغبتك.

​صمت ثقيل أطبق على المكان بعد أن أنهى جملته، وعينيه تحدق بها بضيق قابلته نظرات عتاب من عينيها التي لا تصدق ردة فعله حتى قلبها الذي يرتجف في ثنايا صدرها لم يعد يستوعب أن حبيبها من يقف أمامها يرمقها بهذه النظرات التي تشبه رؤوس السهام الجارحة.

التقطت أنفاسها المتسارعة تحاول أن تستجمع قوتها بعد أن مزقتها ثورته، لتوزع نظراتها بينهما حتى استقرت عليه تخبره بعناد:

_ حيث كده أنا ماليش دخل في الحكاية دي وما تتوقعوش مني حاجة.

​ثم صمتت تلتقط أنفاسها وأشارت نحو «سيف» بسبابتها تخبره بصوت بُح من شدة صراخها:

_ وأنت هتتحمل نتيجة قرارك، وأي ظلم هيحصل للبنت هتتحمله أنت وأبوك، وأنا اللي هقف ضدك يا ابن «فارس».

​أنهت حديثها لتغادر، صوت صراخها وصل إلى مسامع «قمر» و«شريف الدين» هرولوا نحوها لتتقابل مع «قمر» التي وقفت أمامها تسألها بقلق:

_ مالك يا ماما بتصرخي ليه؟

​لتدفعها بغضب تعجبته «قمر» وهي تقول:

_ اسألي أبوكِ.

​ورحلت بخطوات مسرعة نحو الطابق العلوي و«قمر» تراقبها، ثم اتجهت نحو والدها يتبعها «شريف» يستفسرون من والدهم و«سيف» عما يحدث، وقفوا أمامهم لتسأل «قمر» والدها بخوف:

_ فيه إيه يا بابا؟

​مسح «فارس» على وجهه بضيق قبل أن يزفر أنفاسه حانقًا ويتركهم مغادرًا دون إجابة لتزداد دهشتهم.

توجه «شريف» بأنظاره نحو «سيف» الذي كسا وجهه الحزن وسأله:

_ فيه إيه يا «سيف» ما تفهمونا؟

​_ عاوز أتقدم لـ«نور» وماما رفضت.

​هكذا أجابه «سيف» بصوت غزاه الألم وملأته الحيرة، لينزل ذلك الخبر كالصاعقة على «قمر» التي كانت تفكر في «ورد» وما سيحدث لو علمت بذلك الخبر، شعرت بالحزن لأجلها فهي أكثر من ستفهم مشاعرها فقد ذاقت مر هذا الشعور من قبل، لتسمع «شريف» يسأله:

_ ماما رفضت عشان هي مطلقة؟

​_ لأ.

​فهم «شريف» ما يحدث ليسأله من جديد ليحاول التأكد من حدسه:

_ أنت عاوز تتجوزها عشان حاسس بالذنب؟

​نظر له «سيف» دون أن ينطق بأي كلمة لكن نظراته أجابت على تساؤله، ليتركهم «سيف» هو الآخر.

ليقول «شريف» وهو ينظر لأثره:

_ ماما عندها حق ترفض، أخوكِ عاوز يجوزها عشان حاسس بالذنب.

​التفت نحو «قمر» ينتظر تعقيبها لكنها كانت في عالم آخر، كانت تعيش مأساتها من جديد لكن هذه المرة بروح صديقتها المقربة.

*******************************

​دخلت الغرفة تصفع الباب خلفها بقوة، تجلس على سريرها وجسدها يرتعش من شدة انفعالها، سندت بكفيها على حافة السرير وبدأت تزفر أنفاسها بقوة علها تخرج تلك النيران الناشبة في صدرها، اهتز جسدها وصوت صراخه يخترق أذنها من جديد لتغطي وجهها بيديها وتنهار بالبكاء بحرقة، فما عادت تتحمل كتمان دموعها أكثر من ذلك، لا تعلم أتبكي من أجل تلك الفتاة التي تخشى عليها مستقبلاً مظلمًا تراه نصب عينيها، أم تبكي لأنها وللمرة الأولى منذ سنين عديدة تجده يصرخ في وجهها وأمام ابنها؟ هل أخطأت؟ هل تبالغ في ردة فعلها؟ لا تعلم، كل ما تعلمه أن قلبها يتمزق حزنًا.

​أما هو فلم يستطع الابتعاد عنها أكثر رغم مكوثه في حديقة المنزل لساعتين، لكن قلبه يصرخ قلقًا عليها ليقرر الذهاب والاطمئنان عليها، دخل غرفتهما ليجدها نائمة أو ربما تدعي ذلك فأنفاسها غير منتظمة، يسمع صوت شهقات متفرقة ليعتصره قلبه لكن كبرياءه منعه من الاقتراب منها.

أخذ حمامًا دافئًا وصلى علّ صلاته تمنحه الراحة والهدوء ليقرر النوم، تمدد بجانبها يصنع مسافة بينهما، ولأول مرة منذ أن أصبح زواجهم حقيقيًا ينام وهو يوليها ظهره بعد أن كانت تنام في أحضانه، هي أيضًا كانت توليه ظهرها بعناد.

جافاه النوم فيبدو أنه قد أدمن أحضانها، تقلب يمينًا ويسارًا عله يستطيع النوم لكن دون جدوى.

كان يعلم أنها دواؤه لكن كبرياءه حال بينه وبين الالتفات إليها رغم أنه يشتهي رؤية عينيها ويتوق لاحتضانها.

شعرت هي بتقلبه وعنادها هي الأخرى منعها من الالتفات، فاتخذت من اللامبالاة درعًا لتصمد أمام صراخ قلبها العاشق.

يئس من كل شيء وبدأ الصداع يضرب رأسه، دعك جبهته عدة مرات لكن دون فائدة، شعر أن صداع رأسه بدأ يضرب حتى عينيه، التقط هاتفه يتصل بولده وتعمد رفع صوته كي يصل إليها:

_ أيوه يا «سيف» عندك مسكن؟ الصداع هيفرتك دماغي، الظاهر الضغط علي، طب تعالى وقيس لي الضغط كده أنا حاسس عنيا هتخرج من مكانها.

​أما «سيف» الذي كان جهاز الضغط بالقرب منه أنكر وجوده وأخبر والده أن جهاز الضغط خاصته قد نسيه في المستشفى وأن والدته تملك واحدًا في محاولة منه لكسر الحاجز الذي أحس أنه صنعه بينهما، فلولا أن هناك خصومة بينهما لما اتصل به:

_ كلم ماما يا بابا هي عندها واحد في الأوضة.

​لكن «فارس» استمر في محاولاته جذب انتباهها ليقول:

_ طب يا حبيبي أنا هدور عليه ولو لقيته هتصل بيك تيجي تقيس لي الضغط.

​فكذب عليه «سيف» وهو يخبره أنه غادر المنزل نحو المستشفى:

_ أنا في المستشفى يا بابا.

​و«فارس» بدوره كرر كلام ولده ليثير استعطافها:

_ أنت في المستشفى؟ ماشي يا حبيبي خلاص هدور على أي مسكن يخفف عني الوجع.

​ثار قلبها عليها وأعلن تمرده فلم تقاوم ما سمعته وشعورها بحاجته إليها، لتنهض دون أن تتكلم تبحث عن جهاز الضغط.

أخفى ابتسامته وهو يجدها تجلس أمامه تجذب يده ببعض العنف تضع عليها الجهاز، اعتدل في رقوده لتبدأ بقياس الضغط وسط نظراتها التي تشملها بحب ورضا.

أنهت مهمتها ونهضت تعيد الجهاز مكانه وتفتح أحد الأدراج تخرج شريط مسكن وتحضر كوب ماء، كان يراقبها بصمت، ناولته الدواء دون أن تنظر إليه، التقط منها الشريط وأخرج حبة يدسها في فمه لتمد يدها له بالماء، ارتشف الماء وقلبه يعتصره من صمتها، هل تمارس معه الصمت العقابي؟ لكن مهلاً هنالك دموع تسيل على وجنتها، نعم لقد لمح لمعتها قبل أن ترفع يدها المرتعشة تزيلها بتوتر.

وضع قدح الماء الذي كانت تقف تنتظر أن يناولها إياه وجذب يدها يجبرها على الجلوس أمامه، كان جسدها منهكًا فاستجابت لحركته بهدوء، جلست تخفض رأسها هروبًا من نظراته المتفحصة لتجده ينحني نحو الأمام ويمد يده يمسح دموعها، كانت أنامله تتحرك فوق وجنتيها وأجفانها برقة يسألها بحنان:

_ بتعيطي ليه؟

​لم تجبه بل انهمرت دموعها أكثر ليعاتبها برفق:

_ طب هو مين فينا اللي مفروض يزعل؟ اللي اتقال له إن تفكيره مجنون وترفع صوت مراته عليه ولا...

​لتقاطعه بصوت مهزوز:

_ أنت كمان زعقت لي وعليت صوتك عليا.

​ثم اختنق صوتها وهي تخبره بحرقة:

_ ودي أول مرة ترفع صوتك عليا قدام ابني.

​أنهت حديثها تنتحب بصورة أوجعته، ليزيح جسده وسحبها ليجعلها تصبح ممددة بجانبه، يستند ظهرها على ظهر سريرها قبل أن يحيط جسدها ويضمها إليه بقوة:

_ اشش بس كفاية دموع.

​ثم قبل رأسها ومد يده يمسح دموعها يحاول أن يهدئها:

_ «شمس» أنتِ عارفة إنك أغلى حاجة عندي ويمكن أغلى من روحي.

​لم تعقب ليسألها:

_ عارفة إنك النفس اللي عايش فيه ومتأكدة من حبي ليكِ مش كده؟

​حركت رأسها داخل أحضانه تؤكد كلامه دون أن تتكلم.

_ لكن يا «شمس» ده ما يدكيش الحق إنك تعندي وتصرخي وتقولي إني رأيي مجنون.

​انتفضت تخرج من أحضانه بسرعة وتقول بضيق:

_ يعني هو اللي قاله ابنك صح عشان تأيده وتقف معاه؟

​أحاط وجهها بيديه وقال كأنه يحاول إقناعها:

_ «شمس» يا روحي يا نور عيني يا قلب «فارس»، أنتِ خايفة من إيه؟ سيبيه هو مش عاوز يكفر عن ذنبه زي ما بيقول؟ خلاص سيبيه يتحمل نتيجة قراره.

​لتهتف رافضة حديثه:

_ يا «فارس» حرام ذنبها إيه البنت؟ افرض اتجوزها وبعدين ما تقبلهاش يطلقها ولا إيه؟ هو لو كان عاوزها عشان «نور» نفسها ما كنتش اعترضت، لكن ابنك عاوز يرضي ضميره، البنت شافت كتير حرام تتقهر تاني.

​تنهد بثقل واستمر يحاول إقناعها بهدوء، أمسك كتفيها بكلتا يديه:

_ أولاً ابني مش ندل يا «شمس» عشان يكون بالتفاهة دي، ثانيًا مش يمكن يحبها؟

​ظلت تحدق به بعدم اقتناع وباحت بمخاوفها التي تهاجم تفكيرها:

_ طب افرض بعد مدة حب واحدة تانية واتجوز عليها، وقال لك دي تخليص ذنب ودي حبي واختياري... يا «فارس» أنا مش مستعدة أضحي بعلاقتي أنا و«فرحة» عشان نزوة ابنك، ولا مستعدة أتحمل ذنب البنت الغلبانة.

​تنهد بيأس لكنه كرر محاولاته:

_ «مشمش» ليه نفترض الأسوأ؟ ابنك خد الخطوة دي خلاص هو مقتنع والبنت طيبة، جايز تكسب قلبه مين عارف؟

​نظرت إليه بخيبة أمل، يبدو أنها لم تنجح في جعله يعزف عن قراره أو حتى استطاعت استمالته ليقف بجانبها ليقنعوا «سيف» بالعدول عن قراره:

_ خلاص يا «فارس» بس خليك فاكر إني حذرتكم وإني ماليش دعوة.

​ليلومها بسرعة:

_ مالكيش دعوة إزاي؟ هي «فرحة» هتوافق لو لقتكِ مش معانا؟ وبعدين أنتِ كده بتجرحيهم وبتقللي من البنت الغلبانة.

​حدقت به لحظات تحاول استيعاب كلامه لتومئ له بقلة حيلة بعد أن استشعرت صدق حديثه:

_ عندك حق.

​جذبها نحو أحضانه من جديد يضمها بقوة وهو يبتسم:

_ حبيبي العاقل اللي بموت فيه.

​ثم تنهد بهيام وهو يتمدد ويجذبها لتتمدد بجانبه يحتضنها بقوة:

_ آه.. أهو كده الواحد ينام مرتاح.

​لتخبره بتذمر مصطنع:

_ بس أنا لسه ما اتصالحـتش.

​قهقه ضاحكًا ويقبل رأسها عدة قبل ويقول معتذرًا:

_ آسف.. يا بنت «ورد» يا مجنناني.

​وقبل أن تهتف بأي كلمة اعتراض ابتسمت برضا وهي تسمعه يقول:

_ بحبك يا قلب «فارس».. بحبك يا روح الروح.

*************************

​صباحًا في منزل «راجح» دخلت «زهرة» عليه لتجده يتحدث في الهاتف مبتسمًا ليردد قبل أن ينهي الاتصال:

_ خلي بالك من نفسك يا بنتي، سلمي على جوزك ولو احتجتي أي حاجة عمك موجود يا غالية.

​جلست بالقرب منه تسمع كلامه وتبتسم هي الأخرى، فقد علمت هوية المتصل، أغلق الهاتف لتسأله:

_ كنت بتكلم «تمارة»؟ أزيها عاملة إيه؟ إن شاء الله تكون بخير.

​_ الحمد لله بتقول زينة ومرتاحة

​ربتت «زهرة» على فخذه تدعو له بامتنان:

_ ربنا يحفظك ليها ويجزيك خير أنت ما قصرتش معاها أبدًا.

​بادلها الابتسامة وقال شاكرًا هو الآخر:

_ ولا أنتِ قصرتِ معاها يا «زهرة» عمري، ما هنساش ربيتي بنت أخويا إزاي وراعيتيها كأنها بنتكِ حتى بعد أم الحاجة ما ماتت فضلتي شايلاها فوق رأسك ووقفتِ معاها في جوازها زي ما تكوني أمها بالضبط، وهي من ساعة ما سافرت الخليج هي وجوزها وأنتِ بتتواصلي وتسألي عليها أكتر مني.

​_ يا «راجح» ده واجبي ووصية أمي الحاجة وبنت أخو حبيبي الغالي.

​ضحك على كلمات غزلهاوطالعها برضا ليقول بصوت منخفض يمازحها:

_ أهو الكلام الحلو اللي طالع من خشمك ده بكنوز الدنيا كلها يا «زهرة»، ربنا يحفظكِ لينا يا حبيبتي.

​خلع عنه عباءة الزوج المحب ليعود لشموخه يسألها:

_ عملتِ إيه عشان كتب الكتاب؟

​بدأت تسرد له كل تحضيراتها بأدق التفاصيل لا يفلت منها شيء وهو يصغي باهتمام حتى انتهت، ليقول لها آمرًا:

_ «زهرة» مش عاوز حاجة تنقص، عاوز حاجة تليق ببنت «راجح الهواري».

​تنهدت بحزن وشردت عينيها لحظات أصابته بريبة ليسألها بقلق:

_ مالك يا «زهرة» روحتِ فين؟

​نظرت إليه تلقي له بمخاوفها:

_ زعلانة قوي على فراقها يا «راجح»، إني مش عارفة هستحمل بعدها إزاي، «سندس» زي النسمة خايف بعدنا عنها يأذيها، خايف طبعنا يختلف عنهم والبت تتعب.

​كانت تتكلم بحرقة وكأنها كانت غافلة عن كل هذا ودنو وقت فراقها قد أيقظها وزرع تلك الهواجس داخلها.

حدجها بنظرة حادة قبل أن ينهرها بحزم:

_ الكلام اللي بتقوليه فات أوانه خلاص، البنت كتب كتابها النهارده، الخوف دلوقت ما عادش منه فايدة، وبعدين بتخافي ليه؟ «سندس» عاقلة و«حسن» واد متربي، شيلي من دماغك الحديث الماسخ ده وتوكلي على ربنا وادعي لها براحة البال.

​تجمعت الدموع في عينيها رغم كلامه الذي طمأنها لكنها تختنق وهي تتذكر قرب فراقها لتخونها دموعها أمامه، ليلومها بسرعة:

_ واه يا «زهرة» أنتِ بتبكي؟! ما تفاوليش على البنت.

​ثم مد يده يمسح دموعها بحنان يحاول مواساتها:

_ بس يا «زهرة» بكفاياكِ عاد قطعتِ قلبي يا حبيبتي.

​ثم شاكسها يحاول التخفيف عنها:

_ خلاص يا أم العروسة عنيكِ الحلوة هيدبلوا.

​وحاول إقناعها بروية:

_ بلاش يا «زهرة»، «سندس» كده هتحس بزعلك وأنتِ عارفاها بنتكِ طيبة وتزعل بسرعة، بلاش تزرعي الخوف في قلبها.

​دنا منها يقبل رأسها ويحيط وجهها يمسح آثار دموعها بإبهامه ويبتسم مازحًا:

_ مش متعود على «زهرة» ساكتة، معلش أنا عاوز مراتي اللي لسانها عامل زي الجطر.

​فتحت عينها على وسعها تنظر له بعبوس وتقول بضيق:

_ بجى كده يا «راجح»؟ أنا لساني زي الجطر؟ ماشي قايمة وفايتاهالك..

​وكادت أن تنهض لكنه جذبها نحوه يضمها ويضحك على ضيقها ليحاول إرضاءها قائلاً:

_ يا بنت أنا بهزر معاكِ، ده أنتِ حبة الجلب.

****************************

​أما في وقت لاحق في منزل «جابر»:

نظر «جابر» بصدمة نحو «فرحة» التي كانت لا تستوعب ما يقوله «فارس» و«سيف»، هل يعقل أنه حضر مع والديه لخطبة ابنتها؟ هل سيبتسم لها الحظ من جديد؟

_ هااا قلت إيه يا أبو «محمد»؟

​سأله «فارس» الذي كان يوزع نظره بين «جابر» و«فرحة» بترقب ويختطف النظرات نحو تلك التي التزمت الصمت منذ أن حضروا هم.

ليجيبه «جابر» بسعادة غامرة ملأتها الدهشة:

_ والله يا «فارس» بيه أنت فاجئتني... بس هو مين يرفض الدكتور «سيف»؟ هو أنا هلاجي أحسن منه لبنتي؟

​ثم نظر نحو «فرحة» التي أكملت بغبطة ظاهرة:

_ ده «سيف» حبيب جلبي، ده يوم المنى إن بنتي تكون من نصيبه.

​لكن عادة بسمة «جابر» تختفي ويحل محلها ابتسامة مضطربة يسأله بتوجس:

_ بس بنتي مطلقة و«سيف» يعني ده أول بخته...

​بتر «سيف» جملته بسرعة قائلاً بثقة:

_ أنا عارف يا عم «جابر» وموافق وصدقني هعوضها عن اللي حصلها.

​_ صادج يا حبيبي وأنا موافج.

​لكن ما قالته «شمس» قطع أجواء البهجة التي عمت المكان:

_ بس إحنا لازم ناخد موافقة البنت كمان ده حقها.

​_ وهي هترفض ليه؟ هتلاجي زي «سيف» فين؟

​هكذا هتفت «فرحة» تجيبها بسرعة ثم لوت شفتها بسخط عندما سمعت «شمس» تكرر طلبها بإصرار:

_ معلش يا «فرحة» خلينا نسمع رأيها.

​ليحاول «سيف» إعفاء والدته من نظرات الاستنكار التي تحدجها بها «فرحة»:

_ ماما عندها حق، «نور» من حقها توافق أو ترفض.

​وقبل أي كلمة اعتراض تصدر من فم «فرحة» أو «جابر»، تفاجأ الجميع بـ«نور» تقف أمامهم وتقول بصوت حازم:

_ أنا مش موافقة.

​قالت كلماتها وغادرت بسرعة، ووسط نظرات الدهشة من الجميع وهتافات الحنق والاعتراض من والديها.

_ البت دي اتجننت!

​قالها «جابر» ممتعضًا، لتحاول «فرحة» النهوض واتباعها كي تقنعها:

_ لأ هي أكيد مش جصدها أنا هروح أشوفها.

​لتمسك «شمس» يدها تمنعها وتقول بهدوء:

_ سيبيها براحتها.

​_ لأ إزاي؟ هي اتخبلت عشان ترفض «سيف»؟ دي عيلة ومش عارفة مصلحتها.

​لكن «شمس» نظرت لـ«فارس» الذي أومأ لها يؤيدها، ثم حولت نظرها نحو «سيف» الذي أخفض عينه عندما التقت بعينها فخرجت كلماتها بتعقل:

_ لأ هي من حقها ترفض أو توافق، الحكاية مش جبر يا «فرحة».

​كان كلامها موجهًا لـ«فرحة» لكن رسالتها وصلت لـ«سيف» الذي فهم ما تقصده وأنها تعنيه هو بكلامها.

​أما «نور» فما إن دخلت غرفتها حتى أغلقت الباب بقوة كأنها تضع النهاية لهذا العرض، استندت على الباب قبل أن تنهار بالبكاء وتصم أذنيها توقف صراخ «حسام» الذي يتردد في أذنها يذكرها بأبشع ما عاشته، وجسدها يرتجف تتذكر تعنيفه وقسوته حتى شعرت بآلام تلك الصفعات والركلات تعود إليها لتصرخ بهستيريا:

_ مش عاوزة أتجوز!

***********************

​وقفت أمام المرآة يدها تتحرك على قماش فستانها الجميل بسرور:

_ هااا إيه رأيك يا آنسة «سندس» حلو؟

​قالتها خبيرة التجميل تسألها عن رأيها، اقتربت من المرآة أكثر تحرك وجهها يمينًا ويسارًا وتقول باستحسان:

_ حلو جوي تسلم إيدك.

​ثم التفتت تبتسم لـ«زهرة» التي دخلت تطلق الزغاريد وتنظر لها بانبهار تردد المعوذات وأذكار التحصين:

_ بسم الله ما شاء الله حلو جوي يا حبيبتي، ربنا يحرسكِ من كل عين يارب، ألف مبروك يا نور عيني.

​ثم دنت منها تقبلها بحذر كي لا تفسد مكياجها، لسعت الدموع عيني «سندس» رغماً عنها وكادت أن تتساقط لكن نهرتها شقيقتها الواقفة بجانبها:

_ اوعي تعيطي هتلخبطي مكياجكِ.

​ثم أتبعت كلماتها نظرات عتاب نحو والدتها التي اغرورقت عيناها بالدموع:

_ يا ما بكفاياكِ دموع خلونا نفرح.

​مسحت دموعها بسرعة وشقت ثغرها ضحكة عريضة تؤيد حديثها:

_ عندكِ حج يا بنتي.

​خرجت خبيرة التجميل وتبعتها «زهرة» لتبتسم «سندس» بتذمر وهي تطالع شقيقتها التي بدأت تنثر عليها العطر بسخاء:

_ كفاية يا «بسملة» هتخنقيني.

​_ واه.. أنتِ عروسة.. عاوزة العريس يقول عروستي مش متعطرة؟

​وضعت زجاجة العطر على الطاولة وهرولت مسرعة نحو الخارج تخبرها:

_ الحق أظبط نفسي أنا كمان.

​أغلقت الباب لتقترب «سندس» نحو المرآة من جديد تطالع هيئتها مرة أخرى وطيف ذلك الذي سكن قلبها يلوح أمامها لتسأل نفسها:

_ يا ترى هعجب «حسن» وهيجول حلوة كيف ما أمي جالت؟

​وعلى ذكر والدتها نغزها قلبها وهي تتذكر دموعها، لم يعد هناك سوى أيام قليلة وتفترق عنهم، لتنهال على رأسها تساؤلات كثيرة: كيف ستكون حياتها هناك؟ هل ستتقبل شكل حياتهم؟ هل ستعيش سعيدة؟ وأكثر أسئلتها إلحاحًا: هل سيكون «حسن» زوجًا صالحًا؟

****************************

​يدها لم تفارق يده منذ أن وصلوا قنا، تلك المرة الأولى التي تزور فيها تلك المحافظة، كانت تتشبث به كما تتشبث الطفلة بوالدها، لقد تعلقت به بشدة منذ أن أصبح زواجهم حقيقيًا وأصبح هو كل شيء بالنسبة لها، ربما حنانه وطيبته منحتها الأمان لتتمسك به أكثر.

_ ما تبعدش عني أنا بتكسف يا حبيبي.

​هكذا همست له برجاء بعد أن أخبرها أنه سيغادر نحو مكان تواجد الرجال وهي يجب أن تذهب مع شقيقاته ووالدته حيث يتواجد النساء، ليبتسم على تعابير وجهها العابسة يبادلها الهمس مازحًا:

_ «رحومة» هتفضحينا إحنا في الصعيد يا حبيبتي ما يصحش كده.

​احمرت خجلاً وأصابها الحرج عندما وجدت. 

 «ندى» تنادي عليها وهي ملتصقة به كالعلقة:.

_ يلا يا «رحمة».

​أفلتت يده بتردد دون أن تبتعد، فانحنى مرة أخرى نحوها وعاد يهمس لها لكن هذه المرة بنوع من اللطف وكأنه يقنعها:

_ ما تتكسفيش ماما هتكون معاكِ.

​أومأت له موافقة لكن عينيها كانت تحمل له شوقًا قبل أن يفارقها، قرص وجنتها يداعبها مبتسمًا:

_ هتوحشيني من دلوقت.

​بادلته الابتسامة وأسبلت عينيها بخجل قائلة:

_ وأنت كمان هتوحشني أوي.

​ربت على ذراعها لتبتعد متجهة نحو «ندى» التي وقفت تطالع المشهد بسعاده حتى وصلت إليها ودخلت معها المكان، ظل ينظر إلى أثرها وتنهد بتعب، لازال يحاول وبشتى الطرق أن يكون ذلك الزوج الصالح ويمنحها الحنان والأمان رغم أنه لازال يتألم في محاولاته ليتعافى من لعنة ذلك الحب، لكن هي لا ذنب لها.

**********************

​انتهى المأذون من  عقد القران وأصبحت زوجته الآن، وقف يتلقى التبريكات والتهاني ثم توجه نحو مكان  تجمع النساء ليأذنو له بالدخول

 وقف أمامها والابتسامة تملأ وجهه وباغتها عندما جذبها يقبل جبهتها، ارتعش جسدها لتصل تلك الرعشة إلى جسده تنعش قلبه وترضي عقله فيئد مخاوفه وتزيد من ثقته في اختياره.

أغمضت عينيها تحاول أن تسيطر على جسدها الذي أربكه قربه وشتت ثباته، ابتعد عنها لكنه لا يزال يأسرها ويديه تمسك بعضديها بتملك:

_ مبروك يا «سندس».

​بالكاد استطاعت أن تخرج الكلمات من بين شفتيها فقد أذابت حروفها حرارة جسدها الذي يشتعل خجلاً وحياءً:

_ الله يبارك فيك.

​_ أنا بحلم باللحظة دي من زمان من ساعة ما شفتكِ.

​أخفضت عينيها بارتباك فلن تعرف مجاراته ولا بماذا تعقب على حديثه، فاكتفت بذلك الصمت الخجول.

رحمتها نداءات والدته لهم بالجلوس، لتجلس بجانبه، استغل ذلك ومحا المسافة بينهم يقبض على كفها بيده وانحنى يهمس لها بما ضاعف خجلها وجعل قلبها ينبض بجنون حتى شعرت أنه سيخرج من بين أضلعها:

_ أنتِ حلوة أوي.

​رافقت كلماته ضغطة على يدها، ضمت أصابعها تشد هي الأخرى على يده وتقول بتلعثم:

_ متشكره.

​_ على فكرة أنا مش بجاملكِ، أنا النهارده وأنتِ حلالي شايفكِ أحلى بنت شافتها عنيا.

​يا إلهي هل هذا هو الحب؟ هكذا رددت في سرها، فحلاوة كلماته تذيقها مشاعر لم تجربها فتروي بستان قلبها ليزهر عشقًا له.

​كانت «ورد» تجلس بجانب «رحمة» مندمجة بالتصفيق ومراقبة الفتيات يغنين ويرقصن بعد أن خرج «حسن»، فانتبهت لخالاتها يقفن مع والدتها ولمحت تجهم وجه «شمس» فأثار ذلك فضولها، لكنها حاولت تجاهله والعودة للتصفيق والمشاهدة، لتشعر بشقيقتها تجلس بجانبها وتخبرهم بحماس:

_ عرفتوا آخر الأخبار؟ «سيف» خطب «نور»!

تعليقات



<>