رواية براعم الحب الفصل السادس عشر16 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
رواية براعم الحب الفصل السادس عشر16 بقلم رشا عبد العزيز
شحب وجهها وتجمد جسدها، توقفت يدها عن التصفيق تطالع شقيقتها بصدمة وهي تكمل لهم ما سمعته:

_ «نور» بنت الست «فرحة» صاحبة خالتو «شمس».

تحجرت الدموع في عينيها وشعرت بقلبها يهوي متحطمًا، يتناثر فتاتًا تطايرت مع أحلامها، لقد اختار غيرها!

ملأت جوفها مرارة الحسرة، الآن تشعر بما شعرت به «قمر»، ألا تشرب من ذات الكأس؟
والأصعب أن روحها تحترق ولا تستطيع الصراخ، شل الألم جسدها فخشيت أن تفضحها دموعها، يا إلهي ماذا تفعل؟ قبضت على يديها تعتصرها بقوة تحاول السيطرة على حزنها، تكتم دموعها جبرًا.

******************************
​وقف يصفق مع نغمات الطبل والمزمار، مستمتعًا بتلك الموسيقى الشعبية وسط هتافات أبناء خالاته فرحًا بشقيقه.

شارك هو معهم تلك الأهازيج سعيدًا لسعادة شقيقه، شاركه «زياد» الرقص، وانضم إليهم «شريف» الذي كان الأكثر حماسًا بينهم ليمازحه "حسين" ":.

_ والله وطلعت حريف رقص يا «شريف».
ليهز يده وكتفه ببراعة يجيبه وهو يمسح حبات العرق التي تكونت على جبينه من فرط الحركة:

_ يا بني أنا مستني فرح «حسن» من زمان عشان أرقص.

ليعقب" زياد "مازحاً

_ ارقص يا ابني ملكش دعوة بـ«حسين» دا، شوية وهتلاقيه بيرقص أحسن منك.

واندمج الثلاثة بعد أن سحبوا «حسن» معهم، لكنهم توقفوا وهم يشاهدون الرقص بالخيول بانبهار، وتلك الخيول تتمايل بتناغم مع الموسيقى في طقس فلكلوري جميل.

​استمر الاحتفال فترة طويلة حتى انتهى في

 منتصف الليل، ليأخذ كل واحد منهم ركنًا انزوى به؛ منهم من خلد إلى النوم، ومنهم من أضناه الشوق يتمنى لو كانت ترافقه.

أخرج علبة سجائر من جيبه والتقط إحداها يدسها في فمه، يأخذ نفسًا عميقًا وينفخه ليتطاير دخانه يشق نقاء هواء المكان فيعكره، كما عكر فرحته غيابها.

نظر إلى هاتفه يطالع صورتها التي احتلت خلفيته ليبتسم بوله، وتتحرك أصابعه بتلقائية تبحث عن رقمها ويضغط زر الاتصال رغم علمه بتأخر الوقت، لكنه لم يستطع كبح جموح ذلك القلب العاشق.

اتسعت ابتسامته وهو يسمع صوتها تجيب عليه:

_ ألو.
_ حبيبي، آسف صحيتك.
_ لا، أنا صاحية.
ليسألها بقلق:
_ لسه تعبانة يا روحي؟
أغمضت عينيها بألم، واهتمامه سكين ندم تمزق قلبها العنيد:

_ الحمد لله، أحسن.
تنهد بشوق وأخبرها بلهفة:
_ كان نفسي تكوني معانا.
_ معلش، الظروف حكمت، أهم حاجة إنكم اتبسطتوا.
ليخبرها مبتهجًا، يسرد عليها أحداث عقد القران:
_ أيوه اتبسطنا أوي، عادات الأفراح حلوة أوي، الرقص بالحصان كان تحفة، والطبل والزمر كل حاجة حلوة أوي، و«حسن» كان فرحان أوي وهو وسطهم.
اعتصرها قلبها وهو يؤكد عليها سعادة شقيقه لكنها لم تعقب، ليستطرد بتمنٍ:

​_ «قمر».
_ نعم.
_ أنا بعد الأيام والساعات ليوم فرحنا، نفسي أغمض وأفتح وألاقيكي جنبي بفستانك الأبيض.

_ «حسين»، معلش أنا محتاجة أنام، الصداع تاعبني.
بهتت ابتسامته، يعلم أنها تهرب من كلامه، ليتنهد بيأس:
_ خلي بالك من نفسك.
_ مع السلامة.
تنهد بضيق ينفض رماد سيجارته ليتطاير مع الهواء، خياله يأخذه إلى ذلك اليوم الذي طال انتظاره.

كان يقف خلفه، يخفق قلبه بحسرة وتحرقه الغيرة وهو يسمع حواره معها، يفكر في ذلك اليوم، هز رأسه يستنكر هذه الأفكار ويلوم قلبه الذي كان سعيدًا منذ قليل وهو يتحدث مع زوجته التي يعلم جيدًا أنها تعشقه، إذًا لماذا لا يزال يرتجف كلما جاء اسمها؟

حركته المضطربة أحدثت صوتًا جعلت «حسين» يلتفت ليردد اسمه بدهشة:

_ «زياد»!

التفاتة «حسين» أربكته، ليحاول الثبات ويقول ببسمة مصطنعة:

_ كنت عارف هلا قيك هنا بتشرب سجائر، أنت مش هتبطل الداء دا؟

عاد إلى سيجارته يمتصها قبل أن يلقيها ويسحقها تحت حذائه ليجيبه وهو ينفث دخانها:

_ ياريت!
اقترب «زياد» منه يجلس بجانبه على تلك المصطبة الخشبية:

_ طب ما تبطل، حد حايشك؟

ابتسامة بسيطة سبقت إجابته المتهكمة:

_ أنا مدمن، يعني الحكاية مش بالساهل.

_ الحكاية إرادة بس، أنت معندكش إرادة ومش عاوز تبطل.
التفت إليه يحدق به لحظات ليمط شفتيه قبل أن يرفع حاجبيه بعدم معرفة:

_ جايز كلامك صحيح.

ثم استطرد قائلاً بتعجب:

_ إيه اللي مصحيك لحد دلوقتي؟ أنت مش رحت تشوف مراتك؟

تذكيره بها جعله ينظر إلى الفراغ والظلام الذي احتل المكان بهدوء شابه هدوءها وسكينتها، ابتسامتها الجميلة التي لا تفارقها بوجوده،
 نظرات الشوق التي أحاطته بها ولهفة صوتها العاشق، كل ذلك يجذبه إليها، لكن ذلك النابض بين أضلعه يأبى تملكها، تبًّا له ولسلطته
 المقيتة! تنهد بيأس:

_ أيوه لسه جاي من عندها، أصلها يا سيدي مابتعرفش تنام إلا لما نقول لبعض تصبح على خير، تعودنا على كده.

اتسعت ابتسامة «حسين» شوقًا لتلك اللحظات التي ستجمعه بها، يغمض عينيه على وجهها وابتسامتها، وآخر ما يسمعه صوتها:

_ شكلها بتحبك أوي.

أومأ له «زياد» مؤكدًا:

_ «رحمة» طيبة وبنت حلال وبتحبني أوي.
_ وأنت بتحبها؟
سؤال طرحه عليه «حسين» كان كزلزال بعثر ثباته المزعوم، لا يعلم كيف يجيبه، ليبتلع غصة مرة ويكتفي بهز رأسه كإجابة لسؤاله، ليربت «حسين» على فخذه ويدعو له بصدق:

_ ربنا يسعدك يا صاحبي.
هربت عيناه بعيدًا، ودعاؤه كان كصوت يجلده، هو يدعو له بصدق وهو يخونه بتفكيره بزوجته، وإن كانت مجرد فكرة لكنه يخون رفيقه!*

***************************
​وفي مكان ليس ببعيد، كان يجلس على العشب البارد ساندًا ظهره على جذع الشجرة، ينظر بوجوم وعقله لا يستوعب رفضها، نظر إلى السماء يطالع النجوم المتلألئة في صفائها، يتمنى لو تضيء فكرة ما في عقله يستطيع من خلالها إجبارها على الموافقة، أخذ نفسًا عميقًا يحاول أن يخرج ثقل ذلك الحزن الذي يثقل صدره ليزفر أنفاسه ببطء وكأنه يحاول أن يجمع أفكاره، شعر بكف يوضع على كتفه ليجفل ملتفتًا نحو الواقف بجانبه:

_ لسه بتفكر؟
تنهد بضيق وعينه تتبع جلوس الآخر أمامه:

_ أيوه، بس مش عارف أوصل لحل.

_ خلاص يا «سيف»، أنت عملت اللي عليك.

مسح على وجهه بضيق قبل أن يرمش بعينيه:

_ مش قادر يا «اصيل»، شعور بالذنب بيخنقني، خمس شهور من ساعة اللي حصل وصورتها وهي متبهدلة ومنهارة مش راضية تفارقني، بقيت بشوفها في كوابيسي كمان وهي بتصرخ:
- ليه عملت فيا كده؟

ليقاطعه «اصيل» بسرعة ويلومه قائلاً:

_ يا «سيف»، مش ذنبك، بلاش تقسى على نفسك.
غطى وجهه بكفي يده يخبره بندم:

_ مش قادر يا «اصيل»، تعبت، عمري ما هنسى نظرات العتاب من خالتي «فرحة» وعمي «جابر» وهم أمنوني على بنتهم وحياتها.
رفع يده عن وجهه يخبره بقهر:

_ دا أنا مكلفتش نفسي أسأل عنه، وقلت رأي كأني متأكد منه!
دعك جبهته بيده وسط نظرات الإشفاق من «اصيل» الذي حاول مواساته:

_ خلاص يا «سيف»، أديك خطبتها ورفضت، أنت عملت اللي عليك.

حرك رأسه نافيًا وقال بجدية:

_ لسه فاضل محاولة، لو فشلت خلاص هنسى الموضوع.
قطب «اصيل» حاجبيه يسأله بحيرة رافقها القلق:

_ محاولة إيه؟ بلاش تهور يا «سيف».
التقت عينه بعين «سيف» الذي رسم الإصرار على وجهه، وبحزم أخبره:

_ معنديش غير الحل دا.
اتبع جملته نهوضه بسرعة كأنه يحسم قراره، ثم نظر لـ«اصيل»:

_ أنا لازم أنهي المسألة دي النهاردة.
لم يمنح «اصيل» فرصة للفهم وغادر بخطوات متعجلة متجاهلاً هتاف «اصيل»:

_ «سيف» استنى هنا، رايح فين؟ ما تتهورش!
لكنه أصم أذنيه عن أي نداء واتجه إلى هدفه دون توانٍ.

​وصل إلى بيت «فرحة» ليقف أمام الباب ويطرقه كطرقات متتالية أفزعتهم، فتح «جابر» الباب بسرعة، وقف ينظر إليه بتعجب ويسأله بقلق:

_ «سيف»! خير يا بني، حصل حاجة؟ والدك ووالدتك بخير؟

أدرك خطأه ونتيجة تهوره لينظر له بحرج ويقول معتذرًا:

_ آسف يا عم «جابر» إني خضتك، ما تخافش كلنا بخير، أنا بس كنت عاوز أستأذنك أكلم «نور».

تجهم وجه «جابر» وقال بحنق مستهجنًا طلبه:

_ تكلم «نور» إزاي يا بني؟

ازداد توتره وهو يبصر غضبه المكتوم، لكن لا مجال للتراجع ما دام وصل إلى هذه النقطة، ليتحمحم ويحاول إخراج كلماته بتعقل:

_ أنا يا عم «جابر» صادق في طلبي ومش متقبل رفضها، عاوز أكلمها يمكن أقدر أقنعها، هما عشر دقائق أرجوك.

نبرة صوته المتوسلة قللت من حدة «جابر» وجعلته يفسح له الطريق للدخول:

_ اتفضل.

دخل «جابر» بتردد ليواجه «فرحة» التي كانت تطالعه بريبة، ليهرب من نظراتها بصعوبة ويتجه نحو غرفة الضيوف خلف «جابر» الذي أشار له بالجلوس وأنه سيستدعيها له، رغم أنه رأى الرفض بعينيه لكنه يبدو أنه يتصرف مرغمًا لمكانته عندهم.

​انتظرها مدة من الزمن حتى يئس من حضورها، وكاد أن ينهض مغادرًا لكنه وجدها تدخل باستحياء وعيناها تترجى والدها أن لا يتركها، جلست في المقعد المقابل وألقت التحية بخجل:

_ مساء الخير.

نهض هو لاستقبالها باضطراب، ثم نظر نحو «جابر» الذي يرمقه بنظرات حادة وقال متوجسًا:

_ هما عشر دقائق يا عم «جابر» أتكلم معها على انفراد، ما تخافش مش هطول.

أجبر «جابر» قدميه على المغادرة قسرًا، اتجه نحو المقعد القريب منها وجلس، لتنكمش على حالها بخوف وخجل:

_ «نور»، ما تخافيش أنا مش جاي أعمل حاجة تضايقك، أنا جاي بس عشان أقنعك توافقي على جوازك مني.

اتسعت عيناها بغضب من جرأته التي اعتبرتها وقاحة لتجد نفسها تهتف بسخط:

_ أوافق غصبًا عني يعني؟

ليقول بسرعة وبنبرة حافظ على الهدوء فيها حتى يستطيع الوصول لهدفها:

_ لا يا «نور»، اسمعيني بس واديني فرصة أفهمك.
صمت يلقط أنفاسه وينظر إليها وهي تخطف النظرات نحوه بترقبه، يرى ارتجاف كفيها واهتزاز قدميها باضطراب، ليكمل ينتقي كلماته بحذر:

_ «نور»، أنا عاوز أساعدك صدقيني، أنت مش نفسك تكملي تعليمك؟

لتجيبه بامتعاض:

_ أيوه.

_ أنا هساعدك تكملي تعليمك، وهدخلك الكلية اللي أنت بتحبيها، وهتكفل بكل مصاريفك، بس أنا مش هقدر أعمل كل دا إلا وأنت في عصمتي.

بدأ اهتزاز قدميها يتوقف تدريجيًا، حتى يديها التي رفعتها تمسح وجهها كأنها بدأت تستوعب ما يقوله، ليكمل هو:

_ عشان أقدر أخدك القاهرة لازم تكوني مراتي عشان أهلك يوافقوا.

عينها التي كانت تهرب منه بدأت تحدق به بترقب كأنها تنتظر أن يكمل حديثه، ليقرر أن يمنحها الأمان:

_ جوازنا هيكون على ورق يا «نور» ما تخافيش، ولما تتخرجي وتبقي مدرسة زي ما حلمتِ، احنا ممكن ننفصل لو حبيتِ، وتقدري بعد كده تعيشي حياتك زي ما أنتِ عايزة.
ثم استرسل يغريها:

_ هتكون عندك شهادتك ومرتبك، مش هتحتاجي لحد، هتكوني ست حرة ومستقلة.
انتظر قليلاً من الوقت كي يعطيها فرصة لتفكر فسألها:

_ هااا يا «نور»، قلتِ إيه؟

​عقلها كان كبحر هائج تتلاطم أمواجه في صراع ما بين عقل يدفعها لتوافق وقلب خائف من تلك التجربة، لكن حلمها سيتحقق، لن تحتاج بعد ذلك لأحد، ستكون حرة.

بدأ عقلها يردد كلامه عن ما ستحصل عليه إذا وافقت على طلبه، ليكرر هو سؤالها محاولاً الضغط عليها:

_ هااا يا «نور»، موافقة؟

تحركت عيناها يمينًا ويسارًا بتفكير حتى استقرت تنظر إليه لتومئ له بالموافقة التي جعلته يبتسم بسعادة، فقد ظفر بموافقتها.

*****************************
​وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها ودموعها تنهمر بغزارة وهي تدفن نفسها تحت الغطاء خشية أن يسمعها أحد، جسدها الذي انتفض كسعفة نخل وسط عاصفة عاتية كاد أن يفضحها، و«رحمة» التي كانت تنام قريبة منها تسألها بقلق:

_ «ورد»، أنتِ بردانة بتترعشي كده ليه؟

عضت على شفتيها بقوة تخرس صراخ قلبها المحترق، خوفها من أن يفضحها صوتها المبحوح من شدة البكاء جعلها تصمت وتتجنب الإجابة، لتنهض «رحمة» تحاول الاقتراب منها والاطمئنان عليها، مدت يدها تحاول أن ترفع الغطاء عنها لكن يدها توقفت بتردد قبل أن تصل إلى حافة الغطاء وشعرت بالحرج من تصرفها، فآثرت الابتعاد وجلب غطاء إضافي تضعه فوقها وتعود نحو سريرها.
شعرت «ورد» بثقل الغطاء فوقها ففهمت ما صنعته «رحمة» لتعود للبكاء علّ دموعها تريح قلبها الملتاع، فتسأل طيفه معاتبة:

_ ليه يا «سيف» ما حستش بحبي ليك؟ ليه ما شفتش عيوني اللي كانت بتقولك بحبك؟ ليه؟
ضغطت على عينيها بقوة تمسح تلك الدموع المتجمعة بين جفنيها المتورمين وتدعو الله بحرقة:

_ يارب ساعدني، حاسة إني هموت من القهر، حاسة قلبي بيتحرق، يارب خرجه من قلبي، يارب امسح على قلبي يارب وريحني.
*'' ***************************
​وفي اليوم التالي كانت تقف تستشيط غضبًا بعد أن أخبرتها «فرحة» بقدومه إليهم البارحة وجلوسه مع «نور» وإقناعها وأنهم يوافقون على الخطبة، فركت يديها وهي تنتظر قدومه بتوتر، وما إن وجدته يقترب حتى جذبت يده عنوة كطفل مذنب سيأخذ عقابه، ليسألها بدهشة:

_ ماما، فيه إيه؟ واخداني على فين؟

لكنها لم تجب حتى وصلت إحدى الغرف، دخلت فتبعها تجره خلفها جرًّا، ليدخل ويتفاجأ بوالده يجلس على أحد الأسرة كأنه كان ينتظره هو الآخر، أغلقت الباب واقتربت منه تمسك عضده بقوة وتضغط على أسنانها بغضب تخرج كلماتها الحانقة من بينها:

_ قلت إيه لـ«نور» وخليتها توافق؟
تفاجأ من سؤالها ليبتلع ريقه ويجيبها باضطراب:
_ ما قلتش حاجة.
هزت ذراعه بعنف تعيد عليه سؤالها:

_ قلت إيه؟ اتكلم يا «سيف».
لكنه أصر على إجابته ذاتها:
_ ما قلتش حاجة يا ماما.
​كان «فارس» يراقب تحقيقها صامتًا، ينتظر هو الآخر أن يعلم ما جعل الفتاة توافق.

أفلتت يده لتربع يديها على صدرها وتنظر له بتحدٍ:

_ مش عاوز تقول؟ أقولك أنا قلت إيه، أنت أقنعتها إنك هتخليها تدخل الكلية وتدرس، صح؟

التزم الصمت ولم يجبها، لتهتف بصوت منخفض:
_ ما تتكلم يا دكتور، صح؟
أومأ لها برأسه لتبتسم بتهكم وتقول باستهزاء:
_ وأكيد جواز على ورق، مش كده؟
بهتت ملامحه واتسعت عيناه بذهول وهي تخبره بما قال كأنها كانت معهم، واسترسلت تدهشه:

_ وأكيد جواز مؤقت لحد ما تتخرج، مش كده؟
​صمته أشعلها غضبًا لتجذب مقدمة ملابسه وكأنها نسيت أنه أصبح رجلاً، كل ما تراه أمامها ابنها المخطئ، جزت على أسنانها بانفعال وقالت حانقة:

_ اتكلم يا «سيف»، كلامي صح مش كده؟ اتكلم وفرح أبوك.

قالتها ساخرة وهي تشير نحو «فارس» الذي لم يكن بأقل دهشة من «سيف»، لتعاود جذب ملابسه بغضب:

_ اتكلم يا باشا.

_ أيوه صح، كل كلامك صح، زواج على ورق ومؤقت، ارتحتِ يا ماما؟

قالها «سيف» منفعلاً هو الآخر وسط صدمة «فارس» من اعترافه المخزي، أفلتت ملابسه ليترنح قليلاً ويبرر بأسف:

_ ما كانش قدامي غير الحل دا.

ليصدح صوت «فارس» بانفعال:

_ لا، أنت كده اتجننت فعلاً!

وثب واقفًا مقتربًا منه بخطوات ثقيلة حتى أصبح أمامه، ليكسو وجه «سيف» الحرج فهو كان داعمًا له لكنه خذله بتصرفه، لم يقو على رفع عينيه لتواجه عين والده، لكن صوته الذي غلفه الندم خرج بنبرة قهر يعاتبه:

_ يا خسارة وقفتي معاك، كنت فاكرك راجل، طلعت طايش ومابتعرفش تتصرف، أنت فاكر إنك كده بتساعدها يا غبي؟ أنت كده هتهدمها أكتر من جوزها، يعني لو كان ليها فرصة تانية أنت حرمتها منها.

رفع عينيه ينظر له بذهول كأنه أزال ذلك الغشاء الذي كان يحجب تفكيره في لحظة تهور أراد بها إرضاء ضميره، ليردف متهكمًا:

_ إيه؟ ما حسبتهاش دي؟ فكرت إنها تاخد الشهادة وبس، طب وكسرتها وهي راجعة مطلقة تاني لأهلها؟ طب ما فكرتش في أهلها؟ الناس اللي استأمنوك على بنتها وحضرتك حاطط سقف زمني للجوازة؟ طب افرض البنت اتحركت مشاعرها ناحيتك وتعلقت بيك وهي وأنت متفق معها على الطلاق، دي ما حسبتهاش يا دكتور يا عاقل؟

لم يجرؤ على الإجابة ولم يعلم بماذا يجيب وهم يعرّونه أمام قراره الخاطئ وأفكاره المتهورة، ليخفض رأسه بخزي، فيكمل «فارس» بنبرة أكثر هدوءًا وحزمًا:

_ مفيش مجال للتراجع دلوقتي مع الأسف، أنت اتحركت من غير مشورتنا والناس فرحانين وموافقين، مش هنقدر نكسرهم ولا نكسر البنت المسكينة.

صمت والتقت عيناه بعين «شمس» التي لا زالت تلهث أنفاسها الغاضبة بجسد مرتجف، ولم تكن تملك حلولاً للموقف الذي وضعهم ابنها فيه، ليسترسل «فارس» بالحل الممكن الآن:

_ خلاص، جوازك منها بقى أمر واقع، تتحمل نتيجة قرارك مهما كانت العواقب.

اكتفى بإيماءة مؤيدة وخطى نحو الباب يهرب من هذا الموقف، لكن قبل أن يفتح الباب وصل إليه صوت «فارس»:

_ البنت بقت أمانة في رقبتنا وهتبقى مراتك بغض النظر عن الاتفاق اللي بينكم، لكن ليها حق تتعامل إنها مرات «سيف الجوهري» بكامل حقوقها، وأي ظلم ليها يا «سيف» أنا اللي هقفلك المرة دي، دي بنت ناس مش لعبة في إيد حضرتك.

خرج بخطوات واهنة وأغلق الباب خلفه، لينظر «فارس» لـ«شمس» التي تحدجه بنظرات لائمة جعلته يهرب من عينيها لتتحرك نحو السرير تجلس رامية بجسدها المثقل عليه، قبل أن تزفر أنفاسها وتنفخها بقوة تحاول السيطرة على مخاوفها وغضبها، أحنت رأسها تسنده على كفيها لتشعر به يجلس بجانبها ويسألها دون أن يلتفت إليها:

_ عرفتِ إزاي حكاية إنه عاوز يساعدها؟

لتجيبه بهدوء رغم النيران التي تأكلها وهي تفكر في مستقبل تلك الفتاة، فبعد معرفتها الحقيقة أصبحت مشتركة مع ابنها في لعبته:

_ هو اللي طلب مني نساعدها ولو ممكن تيجي القاهرة تكمل تعليمها، لكن أنا قلتله إن الحكاية صعبة وعوايدهم مش هتسمح بكده.
ليسألها بفضول:

_ وإزاي عرفتِ إنه الجواز هيكون على ورق ومدة محددة؟

رفعت رأسها ببطء والتفتت نحوه تنظر له بحزن وتخبره بثقة:

_ بعد اللي حصلها من جوزها أكيد كرهت الرجالة وقربهم، وأنا كنت متوقعة إنها ترفض، وهو عشان يقنعها توافق أكيد هيوعدها من غير ما يقربلها، وما دام الجواز على ورق أكيد هتكون له مدة محددة.

ساد الصمت لحظات ليقطعه هو بتمنٍ:

_ محدش ضامن بكرة هيحصل إيه، دا مجرد كلام واتفاقات لكن محدش عارف هتتنفذ ولا لأ.

لتخرج كلماتها بخوف واضطراب تسأله:

_ وإذا تنفذت؟
ضمها إليه وقال يحاول تهدئتها:
_ هوني على نفسك يا «شمس»، هو هيتحمل نتيجة قراره، أنتِ عملتِ اللي عليكِ.

****************************
​وفي طريق العودة إلى القاهرة، جلست شاردة الذهن تسند رأسها على زجاج السيارة، تدعي النظر إلى الطريق لكنها كانت تعيش أسود لحظات حياتها بعد أن تطايرت أحلامها أدراج الرياح، ووالدتها تخبرهم عن موعد عقد قرانه الذي سيكون بعد فترة قليلة، ووالدها يحكي لهم عن جلسة الخطبة وقراءة الفاتحة التي تمت بسرعة والجميع متعجب من قرار «سيف» المفاجئ.

كان «طارق» مندمجًا بالحديث مع «ندى» عندما لمح عبر المرآة شحوب وجهها وعينيها الحمراوين ليتوقف عن الكلام ويسألها بقلق:

_ «ورد»، مالك يا روحي؟ عينيكِ حمرة ليه؟ أنتِ كنتِ بتعيطي؟

​سؤال والدها أخرجها من شرودها لترتبك وتقول بتلعثم:

_ لا يا حبيبي، بس شكلي عيني تحسست من الجو ومقدرتش أنام، ما أنت عارف يا حبيبي ما بقدرش أنام إلا في سريري وعلى مخدتي.

_ ما أنا قولتلك نجيب مخدتك معانا أنتِ اللي رفضتِ.

هكذا لامتها «ندى» التي انتبهت لاحمرار عينها قبل «طارق»، وأجابت عليها نفس الإجابة، لتقول «ورد» باستهجان:

_ هجيب مخدتي معايا يا ماما خلاص، أهو يومين وعدوا وأديني هرجع لها وهعوض نومي.
ليبتسم لها «طارق» ويقول مغازلاً يشاكسها:

_ نامي يا روحي كويس عشان عيونك الحلوة ترجع تنور تاني.
ثم استطرد يكمل مشاكستها، يلتفت نحو «ندى» ويخبرها:

_ تعرفي يا «ندى» أنا «ورد» مش هجوزها.
لتلوي شفتها ساخطة وتقول مستنكرة:
_ ليه يا خويا إن شاء الله؟

ليهتف وهو يرفع سبابته:

_ عشان لسه ماتولدش اللي يستحق بنتي، أنا اللي يخطب «ورد» دا أمه داعية عليه، يهوب ناحية بنتي بس وهطلع فيه القطط الفاطسة وأقوله امشي يالا معنديش بنات للجواز.
ثم أكمل متذمرًا:

_ أنا أجوزها وأعيش من غيرها إزاي؟

​تساقطت الدموع من عين «ورد» التي كانت كلمات والدها كبلسم يمسح على جرح قلبها، لتندفع تجذب يده نحوها وتقبلها عدة قبلات تخبره بحب:

_ وأنا كمان مش عاوزة أتجوز وأبعد عنك يا حبيبي.

هذا المشهد واجهه سيل من الاعتراض والاستهجان من «أحلام» و«ندى» اللتين اتهمتا «طارق» بالتفرقة والانحياز، ليقهقه ضاحكًا من تلك المظاهرة التي حدثت داخل سيارته، ليحاول إغاظتهم وهو يشير لها أن تقترب نحوه فيقبل وجنتها ويقول بفخر:

_ دي بنتي حبيبتي وروح أبوها.

_ وأنا يا سي بابا مش بنتك؟
قالتها «أحلام» مستنكرة بانفعال، ليحاول مهادنتها فيقول:

_ وأنتِ كمان بنتي وحبيبتي اللي بموت فيها، لكن «ورد» أول فرحتي وبنت قلبي.

زمت «أحلام» شفتيها بعبوس وأشاحت وجهها بانزعاج:

_ كده يا سي بابا؟ ماشي مخصماك، خلي «ورد» تنفعك.

_ ما تزعليش يا بنت، أنتِ حبيبة أمك ولا يهمك.

ليبتهج وجه «أحلام» وتلتفت نحو «ورد» تخرج لها لسانها لتحاول إغاظتها وهي تقترب من «ندى» وتقبل وجنتها قائلة:

_ حبيبتي يا ماما، ربنا يخليكِ ليا.

هزت «ورد» رأسها بقلة حيلة، فالتقت عينها بعين والدها الذي غمز لها لتبتسم بسعادة، فوجوده في حياتها خفف عنها الكثير وحبه يمنحها الأمان دائمًا
**************************

​في إحدى المختبرات  التابعه للمستشفى وقف ينظر لها بقلق وهي تمد يدها لتغرس المحللة الإبرة في وريدها تسحب كمية الدم المطلوبة، أغمضت عينها بألم ليتأثر هو وكأن ألمها أصابه هو، أخرجت المحللة الإبرة لتضع مكانها قطعة من القطن الطبي ولاصقًا طبيًا، ثم تنظر لها مبتسمة قبل أن تنظر نحو «سيف» الواقف بجانبه وتقول بعملية:

_ إن شاء الله الاختبار مش هياخد وقت يا دكتور، تقدروا تستنوا، ولو تحب أنا ممكن أوصلهولك لحد غرفة الدكاترة.
أومأ لها «سيف» وقال بامتنان:

_ متشكر، بس ياريت لو يوصل غرفة الدكاترة.
_ إن شاء الله يا دكتور، ألف مبروك.
_ الله يبارك فيكِ، متشكر.
​اقترب منها يسألها بلهفة:
_ اتوجعتِ؟
كاد أن يمد يده يمسح على مرفقها لكنه توقف وهو يجد نظرات «سيف» المسلطة عليه، لتجيبه هي تطمئنه:
_ لا، الحمد لله.
حملت حقيبتها ونهضت ليسير بجانبها، يسبقهم «سيف» بخطوات بسيطة، كانت تتحاشى النظر نحوه حتى وصلوا إلى أحد الممرات ليشير لهم «سيف» نحو غرفته:

_ استنوني هنا شوية وراجع لكم.
دخلت إلى الغرفة وتبعها هو لتجلس على أحد المقاعد بتوتر، جلس بجانبها فازداد توترها، ساد الصمت بينهم حتى قطعه هو يخبرها بتردد:

_ هو أنتِ تعرفي فصيلة دمك؟ أنا O+ عارفها من زمان.

لتجيبه وهي تنظر نحو يديها المتشابكتين:
_ مش عارفة.

_ ما تخافيش، أكيد هيكون فيه توافق.

هزت رأسها باضطراب دون أن تتكلم، وعاد الصمت يحتل المكان من جديد، لا يعلم لماذا في هذه اللحظة شعر أن المسافة بينهم بعيدة رغم أنه يجلس بجانبها، تنهد في حيرة لا يعلم كيف يجبرها على الحديث معه:

_ «قمر»، بابا حجز لنا أنا و«حسن» في الساحل، هو عنده صحاب هناك وهيستقبلونا، هما حابين نكون سوا ديمًا.

ثم أردف مازحًا:

_ حتى الفرح سوا، «حسن» لاصق فيا من يوم ما اتولدت.

ابتلعت غصة مرة وهي تتخيل أنها ستراه أمامها في كل مكان، ستحضر زواجه مجبرة، سترافقه وزوجته في شهر عسلهم مجبرة، ماذا ستفعل؟ كيف ستتحمل؟ في لحظات فكرت أن ترفض أو تعترض لكنها تراجعت، هل ستسبب المشاكل؟ الآن هي رضخت لكل شيء، إذًا فلتـبقَ صامتة إلى الأبد.
​تعجب من صمتها ليسألها بريبة:

_ مالك يا «قمر» ساكتة ليه؟ أنتِ عندك اعتراض؟

هزت رأسها نافية ورسمت ابتسامة زائفة قبل أن تنظر له:

_ لا أبدًا، معنديش اعتراض، ربنا يخليكم لبعض.

بادلها الابتسامة ينظر لها بعين تتوقد عشقًا ويدعو لها بحب:

_ ويخليكِ ليا يا حبيبتي.

ظلت صامتة ونكست رأسها تخفي توترها، تمسك بحقيبتها بقوة، تصارع شعور الذنب الذي كان يؤلمها كلما رأت نظراته التي تصرخ بحبها وتسمع صوته الذي تظهر نبرته الحب الصادق الذي يكنه لها.

*******************************
وبعد عده ايام هاهو اليوم الموعود
​اليوم ليس كباقي الأيام، اليوم هو يوم مختلف انتظرته طول تلك السنين، فاليوم يوم الحصاد، لا تصدق أن اليوم هو يوم زفاف أولادها كما كانت تحلم أن يتزوج الاثنان في يوم واحد.
كانت تمسك صورتهم تحدق بها وشريط السنين الماضية يمر عليها، تتذكر كيف وهبها الله أطفالها بعد دعاء وصبر طويل، كيف سعدت بوجودهم وتغيرت حياتها بوجودهم.
مسحت على صورتهم ودعت الله بقلب أم أن يمنحهم السعادة وراحة البال.

_ «دودو» خلصتِ؟ يلا اتأخرنا...

كان هذا صوت «علي» الذي اقتحم عليها الغرفة ليبتر جملته ويقف مندهشًا وهو يجدها بكامل زينتها تجلس ممسكة إحدى الصور بين يديها، اقترب منها بوجل حتى جلس بجانبها يطالع تلك الصورة ليجذبها منها ويسألها بتعجب:

_ مالك يا «هدى» قاعدة كده ليه؟ وإيه حكاية الصورة؟

لمعت الدموع في عينيها وقالت بصوت مشحون بالمشاعر:

_ السنين عدت يا «علي» بسرعة والأولاد كبروا، أنا مش مصدقة إن حلمي بيتحقق.
ثم اختنق صوتها وهي تقاوم دموعها:

_ فاكر يا «علي» لما شلتهم أول مرة بين إيديا قولتلك إيه؟
ابتسم «علي» بحب وقال:

_ أيوه فاكر يا حبيبتي، قلتِ لما يكبروا هجوزهم في نفس اليوم.
ثم ضحك ساخرًا وهو يتذكر:
_ وقتها أنا لمتك قلتلك الولاد هيتحسدوا يا «هدى».
ضحكت تؤيده وتقول بانتصار:
_ وأهم اتجوزوا في نفس اليوم يا «علي».
_ الحمد لله، ربنا يحفظهم ويبارك لهم وتتم الليلة إن شاء الله على خير.
تفاجأ بها تسند رأسها على كتفه قبل أن تمسك يده وتشد عليها:

_ في يوم كنت واقفة في محل الورد وكنت بعمل بوكيه لحفلة خطوبة، لقيت شاب دخل عليا وطلب مني وردتين يكون لونهم أحمر، من اليوم دا بقى بيجي كل يوم ويطلب نفس الوردتين لحد ما تعلقت فيه من غير ما أعرف إنه ابن عمي.

ضحك يربت على يدها التي يمسك بها ويداعبها بسخرية:

_ وابن عمك بعدها طب ومحدش سمى عليه، ووقعتِ بحبك يا بنت «ورد»، والوردتين بقوا أحلى عيلة يا قلب «علي».

رفعت رأسها والتفتت تنظر إليه تكمل القصة مبتسمة:
_ وهنجوز ولادنا النهاردة.
_ بس فيه مشكلة.
قالها بانزعاج أقلقها لتقول بخوف:
_ إيه هي يا «علي»؟
ليشملها بنظرة انبهار وهو يحرك عينيه من رأسها حتى قدميها:
_ الناس هتتلخبط بينك وبين العرايس، إيه الجمال دا!
ضحكت «هدى» ليجذب رأسها يقبلها بحب قائلاً:
_ مبروك يا أم العريس.
*****************************
​وفي مكان آخر كان يقف يغلق أزرار قميصه الأبيض وقلبه يرقص فرحًا، يعد الدقائق والثواني حتى يراها بثوبها الأبيض وتكتب على اسمه، اليوم ستكون زوجته وحلاله، نثر عطره والتقط سترته يرتديها ليجدها تقف خلفه تزين وجهها ابتسامة عريضة، ويدها التي حاك الزمن عليها آثارًا تتحرك بحنان فوق أكتافه.
التفت إليها وانحنى يقبل يدها لتمسح على شعره:

_ ألف مبروك يا «حسين»، ألف مبروك يا حبيبي.
رفع رأسه يقبل رأسها ويقول بامتنان:

_ الله يبارك فيكِ يا «صافي»

عبس وجهه عندما وجد الدموع تتجمع في عينيها ليعاتبها بلطف:

_ بتعيطي يوم فرحي يا تيتة؟ ليه كده يا أمي؟

رفعت يدها المرتعشة تمسح على وجهه بحنان:
_ دي دموع الفرح يا حبيبي، أنا فرحانة يا «حسين»، أنت مش بس حفيدي، أنت ابني اللي ربيته.

مسح دموعها التي انسابت بأنامله وتحدث يلومها:

_ حتى لو دموع الفرح مبحبش أشوفك

 بتعيطي، دموعك غالية عليا أوي.

ثم أردف يخبرها بحماس:

_ أنا فرحان، فرحان أوي يا «صافي»، بلاش تزعليني.

_ حبيبي ربنا يهنيك ويسعدك.

لتشاكسه قائلة بمزاح:

_ بس اوعى يا ولد «قمر» تنسيك «صافي» حبيبتك.
عقد حاجبيه يتصنع الانزعاج وقال يطمئنها:

_ هو حد يقدر ينسى حبيبته الأولى؟

ضربته على صدره بخفة وغمزت له قائلة:

_ أنا برضو حبيبتك الأولى يا بكاش؟ يعني مش هي اللي من أيام ثانوي حاطط عينك عليها؟

حدق بها بدهشة وقال متعجبًا:

_ إيه دا؟ دا أنتِ قفشاني من زمان!

ضيقت عينيها ترمقه باستهجان لتقول بثقة:

_ من زمان أوي، دا أنا «صافي» يا ولد.
ليقهقه ضاحكًا ويرجوها بمزاح:

_ استري علينا يا أم «علي»، أنا برضو زي حفيدك.

شاركته الضحك وقالت تجاري مزاحه:
_ اطمن، سرك في بير.
************************"" "" 
​جلست في الغرفة المخصصة لها في ذلك الفندق وخبيرة التجميل تنهي لها اللمسات الأخيرة، عيناها كانتا تختلسان النظر نحو «ورد» التي لم تتركها في هذا اليوم، لكن قلبها يعتصرها وهي ترى الحزن يسكن عينيها الذابلتين رغم أن مساحيق التجميل تخفي شحوب وجهها، لكن هي تعلم ما يؤلمها. أنهت خبيرة التجميل عملها واستأذنت منها أن يصور النظرة الأولى (the first look) للزوج، لكن «قمر» طلبت منها تأجيل ذلك حتى تحضر والدتها وقريبتها التي كانت منشغلة مع خالاتها في قاعة الزفاف وقريباتها أيضًا، تفهمت السيدة وأخبرتها أن تخبرها عندما تكون جاهزة. خرجت السيدة تاركة «قمر» و«ورد» وحدهما في الغرفة، لتتنهد «قمر» بألم وتنادي عليها:

_ «ورد».. «ورد».
انتبهت لها لتقترب منها ترسم شبح ابتسامة على وجهها وتقول:

_ حلو أوي يا «قمر»، ألف مبروك يا حبيبتي.
أمسكت «قمر» يديها وضمتها بين كفيها، ثم تعلقت عينها بها تخبرها معتذرة:
_ أنا آسفة يا «ورد»، أنتِ زعلانة مني؟

_ كنت عارفة.

طأطأت «قمر» رأسها بحزن وقالت بخفوت كأنها تلميذ مذنب يبرر خطأه:

_ عرفت قبل سفرهم بس مقدرتش أقولك وأكسرك، أنا أكتر واحدة حاسة بمشاعرك دلوقتي.

هربت «ورد» من عينها وادعت اللامبالاة تخفي خلف قناع ابتسامتها المزيفة حزنها، تكتم عبراتها وتحاول السيطرة عليها:

_ ولا يهمك يا «قمر»، وبعدين دا كله نصيب وأنا مليش نصيب في أخوكِ وهو مش غلطان، من حقه يختار البنت اللي تشاركه حياته، هو لا عمره لمحلي ولا عمره بصلي بصة مختلفة، أنا اللي كنت عايشة وهم ومعشمة نفسي، وكنت مستنية منه يحس بمشاعري.

لتصمت وتكمل بسخرية حزينة:

_ بس هو لا حس ولا شافني أصلاً.

_ ربنا إن شاء الله هيعوضك بالأحسن منه.

لتمازحها محاولة التخفيف عنها:

_ وبعدين دا معقد وغتت، أنا عارفة كنتِ بتحبي فيه إيه؟

ابتسمت «ورد» ابتسامة مجروحة وقالت بتعقل ورضا:

_ قلبي معرفش غيره، أعمل إيه؟ يلا ربنا يسعده ويهنيه.

كانت «قمر» تستمع لها وتتمنى لو كانت تصرفت بتعقل مثلها، لو أنها فقط امتلكت إحساس الرضا مثلها، لتقول بصوت مهزوز:

_ «ورد»، أنا خايفة.

«ورد» التي كانت في موقف ضعف تبدلت ملامحها لتقول لها بحزم ضاغطة على يدها كأنها تحاول إفاقتها:

_ «قمر»، خلاص مفيش مجا للتراجع وقت التردد عدى، «حسين» هبقى جوزك خلاص،وهتتكبي على اسمه كمان شويه ارضي بالواقع اللي حطيتِ نفسك فيه، وبعدين «حسين» طيب ويستاهل، اديله أنتِ فرصة بس، صدقيني هتحبيه..

​وفي ذات الوقت، كان هو يتحين الفرص للقائها، فلمح خبيرة التجميل تنزل من الأعلى.

​هرول نحو الغرفة المخصصة لها، يسبقه قلبه المتلهف، غير مُصدقٍ أن حلمه أخيرًا يتحقق. وقبل أن يصل إلى الباب، توقف قليلاً يرتب سترته وربطة عنقه، ثم أخذ نفسًا عميقًا وزفره بسعادة، مرتديًا تلك الابتسامة الواسعة التي أبرزت صفوف أسنانه.
​وضع يده على مقبض الباب، وفجأة.. تجمد جسده! تسلل صوتها الباكي إلى مسامعه وهي تقول:
​"أنا تسرعت.. ما كانش لازم أوافق، كان رد فعل غبي هدفع تمنه عمري كله.. إزاي هعيش مع واحد ما بحبوش وقلبي مع حد تاني؟"
​تراجع إلى الخلف بخطوة متوترة، عاجزًا عن استيعاب ما سمع. شعر بقلبه يتحطم، وتتناثر أجزاؤه مع أحلامه الضائعة. رفع يده يشد ربطة عنقه لعله يستطيع التنفس؛ فقد بدأ يشعر بالاختناق، والهواء ينحسر من حوله، تخنقه الخيبة ومرارة الخذلان.

تعليقات



<>