
مقدمة... والفصل الأول والثاني
لم يكن يعلم…
أن النظرة التي سرقها من بين الزحام يومًا،
ستتحوّل إلى قدرٍ يطارده… حتى آخر العمر.
رآها مرةً واحدة…
فتاةٌ ملامحها غامضة، يلفّها حياءٌ عميق،
وعيناها… كانتا كافيتين لتزرعا في قلبه ما لم يعرف له اسمًا.
لم يقترب… لم يسأل…
اكتفى بأن يحمل صورتها في داخله، وكأنها وعدٌ مؤجل.
ثم رحل.
غادر الوطن مُكرهًا…
تاركًا خلفه شوارعها، وذكرياته، ووجهًا لم يعرف له اسمًا…
لكنه لم ينسَه يومًا.
سنواتٌ مرّت…
عاد بعدها رجلًا آخر،
لكن قلبه… بقي عالقًا عند تلك النظرة.
بحث عنها…
في الوجوه، في الطرقات، في الذاكرة…
لكنها كانت كالحلم…
تظهر… ثم تختفي.
حتى صدمه القدر…
حين سمع أن أخاه قد تزوّج.
لم يهتم…
فالحياة مضت، ولكلٍ نصيبه.
لكن الحياة… لم تكن قد قالت كلمتها الأخيرة بعد.
فجأة…
مات الأخ.
وتركت خلفه…
أرملة.
امرأةٌ لا تُرى ملامحها…
تخفي وجهها خلف نقابٍ،
وتعيش في صمتٍ يشبه الحداد.
لم يكن يريد…
لم يفكّر…
لكنه وُضع أمام قرارٍ لم يختره:
أن يتزوجها.
زوجة أخيه.
دخل إلى تلك الزيجة كمن يدخل قدرًا لا مهرب منه…
بقلبٍ خالٍ…
وروحٍ مثقلة.
لكن…
في لحظةٍ واحدة…
لحظةٍ لم يكن لها حساب…
حين التقت عيناه بعينيها…
توقّف الزمن.
انكشفت الحقيقة…
وانقلب كل شيء.
كانت هي…
الفتاة التي أحبها يومًا من بعيد…
التي ظلّ يبحث عنها بين الوجوه…
التي سكنت قلبه دون اسم…
هي نفسها…
زوجة أخيه.
ومن هنا…
لم تبدأ القصة…
بل بدأت المأساة.
فكيف يكون الحبّ…
حين يأتي متأخرًا؟
وكيف يكون اللقاء…
حين يصبح الاعتراف خيانة؟
وهل للقلب حقٌّ في أن يحبّ…
حين يكون الحبّ نفسه… خطيئة؟.
الفصل الاول من رواية
حبيبتي زوجة اخي 💔🥺
........✍️لم تكن ديلان تؤمن أن الحياة تنصف الجميع.
فمنذ أن فتحت عينيها على الدنيا، كانت ترى السعادة تمر أمامها كغريبة، تلوّح لها من بعيد ثم تمضي دون أن تتوقف عندها.
في طفولتها، كان والدها سعيد هو عالمها بأسره. كانت الصغيرة التي لا تنام إلا على صوته وهو يحكي لها حكاية جديدة كل ليلة، ولا تخرج من المنزل إلا ويدها الصغيرة تختبئ داخل كفه الدافئة.
لكن ذلك العالم انهار في يوم واحد.
رحل سعيد تاركًا زوجته أمينة تواجه الحياة وحدها، وابنة لم تكن قد تجاوزت التاسعة من عمرها، لم تدرك معنى الموت، لكنها أدركت أن الرجل الذي كان يملأ البيت ضحكًا لن يعود أبدًا.
لم يكن الفقر أرحم من الفقد.
فأمينة، المرأة البسيطة التي لم تعرف من الدنيا سوى بيتها وزوجها، وجدت نفسها مضطرة إلى العمل في تنظيف المنازل لتؤمّن قوت يومها ويوم ابنتها.
كانت تخرج مع أول خيوط الفجر، ولا تعود إلا مع غروب الشمس، تحمل في جسدها تعب النهار كله، لكنها كانت تبتسم كلما رأت ديلان تركض نحوها، وكأن ابتسامتها وحدها تكفي لتنسّيها قسوة الحياة.
مرت الأعوام...
وأخذ الخوف يكبر في قلب أمينة.
كانت تخشى أن يخذلها جسدها يومًا، أو أن يسبقها الموت، فتترك ابنتها وحيدة في عالم لا يرحم.
لذلك، حين تقدم كاظم طالبًا الزواج منها، رأت في الأمر طوق نجاة.
كان هادئًا، قليل الكلام، يعرف كيف ينتقي كلماته بعناية. لم يتعامل مع ديلان إلا بلطف أمام أمها، حتى إنه كان يقول دائمًا:
"ستكون ابنتي قبل أن تكون ابنتك."
فتشعرت أمينة أن الله قد عوضها أخيرًا بعد سنوات الوحدة.
لكن ديلان...
لم تستطع أن تطمئن إليه يومًا.
لم تكن تعرف السبب.
كل ما كانت تعرفه أن نظراته كانت تبعث في قلبها خوفًا لا تستطيع تفسيره.
كانت تتحاشى البقاء معه وحدها، وتنتظر عودة أمها كما ينتظر الغريق وصول النجدة.
ومع مرور الأيام، بدأ القناع الذي ارتداه كاظم يسقط، لكن أمام ديلان وحدها.
فما إن تغلق أمينة باب المنزل متجهة إلى عملها، حتى يختفي الرجل الهادئ، ويظهر شخص آخر؛ قاسٍ، حاد الطباع، لا يكف عن توبيخها وإثقالها بالأعمال، ثم يقترب منها هامسًا بتهديد بارد:
"إن أخبرتِ أمك... فلن تصدقك."
كانت تهز رأسها بصمت...
ليس لأنها صدقته.
بل لأنها كانت تخشى أن يكون محقًا.
كانت ديلان، في كل مرة تعود فيها أمينة من عملها، تجمع ما تبقى من شجاعتها، وتسرع نحوها قبل أن يغلق كاظم باب غرفته.
كانت تروي لها ما حدث، باكيةً، متلعثمة، تنتظر أن تجد في عينيها التصديق الذي كانت تحتاج إليه أكثر من أي شيء آخر.
لكن كاظم كان أذكى مما ظنت.
فما إن يسمع صوتها، حتى يخرج متنهدًا، ويرسم على وجهه ملامح الأسى، ثم يقول بهدوءٍ مصطنع:
كاظم: سامحيها يا أمينة... ما زالت صغيرة، ولم تتقبل وجودي في حياة والدتها، لذلك تفسر كل تصرف أقوم به على أنه إساءة.
فتنظر أمينة إلى ابنتها بحيرة.
ترى أمامها رجلًا لم ترَ منه إلا حسن الخلق، وابنةً لم تبرأ بعد من وجع فقدان أبيها.
وكان قلبها يميل، في كل مرة، إلى التفسير الأسهل.
فتقول بحزم امتزج بالشفقة:
أمينة: كفى يا ديلان... لقد ظلمتِ الرجل كثيرًا، وهو لم يقصر معنا يومًا.
كانت الكلمات تهبط على قلب ديلان كالحجارة.
تحاول الدفاع عن نفسها، لكن الدموع كانت تسبق كلماتها.
ديلان: أمي... أقسم لك أنني لا أكذب...
فتقاطعها أمينة وقد بدأ صبرها ينفد:
أمينة: لا أريد أن أسمع هذا الحديث مرة أخرى.
في تلك اللحظة...
كان كاظم يشيح بوجهه حتى لا ترى أمينة ابتسامة الانتصار التي ارتسمت على شفتيه.
أما ديلان...
فكانت تشعر أن بابًا آخر قد أُغلق في وجهها.
ومنذ ذلك اليوم، تعلمت درسًا قاسيًا...
أن بعض الأوجاع لا تجد من يصدقها، وأن الصمت، مهما كان مؤلمًا، قد يكون أهون من أن تُتَّهم بالكذب.
مرت الأعوام ببطء...
كبرت ديلان، وكبر معها خوفها، بينما رُزقت أمينة من كاظم بولدين؛ أحمد، ثم عمر، فأصبح اهتمامها منصبًا على العمل وتربية طفليها، غير منتبهة إلى أن ابنتها كانت تكبر داخل بيت لم تعد تشعر فيه بالأمان.
كبرت ديلان...
وأصبحت ملامح الطفلة تختفي شيئًا فشيئًا، لتحل محلها ملامح فتاة يافعة، يزداد جمالها عامًا بعد عام، دون أن تدرك أن ذلك الجمال سيصبح سببًا في بداية محنة جديدة.
بلغت الرابعة عشرة من عمرها، ومنذ ذلك الحين تغيّر كل شيء.
لم تعد نظرات كاظم إليها كتلك التي اعتادتها من قبل.
أصبحت أطول...
وأثقل...
تجعل القشعريرة تسري في جسدها كلما التقت عيناها بعينيه.
كانت تتحاشى الجلوس في المكان الذي يجلس فيه، وتغلق باب غرفتها كلما سنحت لها الفرصة، ولا تغادرها إلا إذا سمعت صوت أمها في المنزل.
وفي أحد الأيام...
اضطرت أمينة إلى البقاء في عملها حتى ساعة متأخرة، بعدما طلبت منها صاحبة المنزل إنجاز بعض الأعمال الإضافية.
لم يكن في البيت يومها سوى ديلان وكاظم.
كانت منهمكة في ترتيب غرفتها حين سمعت صوت خطوات تقترب من الباب.
تجمدت في مكانها.
كانت تعلم صاحب تلك الخطوات،
دخلت غرفتها وأغلقت الباب عليها من الداخل، ولم تنطق بكلمة.
لكن صوت صرخته وصلها عال حاد وباردًا:
كاظم: ديلان أين أنت؟... أين انت يافتاة؟ جهزي لي الاكل بسرعة.
ازداد اضطراب أنفاسها، ولم تستجب.
وبعد لحظات من الصمت، ابتعدت خطواته أخيرًا.
جلست على الأرض وهي تضم ركبتيها إلى صدرها، وقلبها يخفق بعنف، وظلت على تلك الحال حتى سمعت صوت مفتاح الباب الخارجي معلنًا عودة أمها.
خرجت مسرعة نحوها، وارتمت بين ذراعيها باكية.
قررت أن تقول كل شيء.
كانت كلماتها تتعثر بين شهقاتها، وهي تخبر أمها بما أصبح يفعله كاظم، وبالخوف الذي تعيشه كلما بقيت معه وحدها.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم...
شقَّت صرخة أمينة السكون، فارتطمت بها كصفعةٍ عنيفة، قبل أن تتحول إلى حملٍ ثقيل جثم فوق صدرها، فأطبق على أطرافها وشلَّ جسدها، تاركًا إياها أسيرة الذهول.
ٱنتفظت ديلان من شدة الصرخة، وهي تنظر إلى أمها بعينين امتلأتا بالصدمة أكثر من الألم.
كانت أمينة ترتجف غضبًا، وهي تقول بأعلى صوتها:
أمينة: اتقي الله يا ديلان!،
أتتهمين رجلًا ربّاكِ وأنفق عليكِ بمثل هذا الكلام؟!.
لن أسمح لك ان تكذبي وتتوهمي أشياء لا تحدث، فأباك قد مات وهذا الرجل اصبح بمقامه، ويجب عليك إحترامه وخدمته من الآن فصعدا وكلامه مطاع.
وقفت ديلان عاجزة عن النطق،
لم تكن الصرخة هي التي آلمتها...
بل لأنها أدركت، في تلك اللحظة، أن آخر شخص كانت تأمل أن يحميها، قد أغلق الباب في وجهها.
أما كاظم...
فكان يقف عند باب الغرفة يراقب المشهد في صمت.
وحين التقت عيناه بعيني ديلان، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة خاطفة، سرعان ما أخفاها قبل أن تنتبه إليها أمينة.
ومنذ تلك الليلة...
لم تعد ديلان تشكُ لأحد.
دفنت خوفها في أعماقها، وآثرت الصمت، وأيقنت أن خلاصها الوحيد لن يكون إلا بمغادرة ذلك المنزل يومًا ما، مهما كان الثمن.
مرت الأعوام...
وكبرت ديلان كما تكبر الأزهار في صمت.
لم تعد تلك الطفلة النحيلة التي كانت تختبئ خلف ثوب أمها كلما زارهم غريب، بل أصبحت فتاة يافعة، بلغت الثامنة عشرة من عمرها، وعلى أعتاب الدخول للجامعة، تحمل من الجمال ما لم تكن تدركه هي نفسها.
كان وجهها المستدير يزداد إشراقًا عامًا بعد عام بتلك الوجنتي المتوردتين، اللتان تزداد جملا بتلك الغمازات كلما إبتسمت او ضحكت، تتوسطه عينان رماديتان واسعتان، صافيتان كسماء شتوية بعد المطر، تحملان براءة يصعب أن تخطئها العين، لكنها براءة امتزجت بحزن دفين تركته السنوات في أعماقهما، تحيط بتلك العينين اهداب كثيفة، وتلك الشفتان المنتفختان كحبات الكرز الاحمر الطازج تنتظر من يقطفه، أما شعرها الكستنائي المتموج الذي تتخلله بعض الموجات الذهبية الطبيعة، من صنع الخالق، فزادته جمالا وتوهجا كلما داعبته نسمات الهواء العليل، فكان ينساب على كتفيها بخصلاته الناعمة، يزداد لمعانًا كلما لامسته أشعة الشمس، في حين بدت بشرتها البيضاء النقية كأنها لم تعرف قسوة الحياة، رغم أن قلبها كان يحمل من الوجع ما يفوق عمرها بسنوات.
ومع نموها، بدأ قوامها الممشوق يكتمل شيئًا فشيئًا، فأصبحت تبدو فتاة في ريعان الشباب، رزينة في هيئتها، متواضعة في لباسها، لا تعرف من الزينة سوى نظافة ثيابها وبدنها وترتيب شعرها.
لكن ذلك التحول الطبيعي...
كان بداية الكابوس.
فقد تغيرت نظرات كاظم إليها.
لم تعد تلك النظرات الجامدة التي اعتادتها منذ زواجه من أمها، بل أصبحت نظرات ثقيلة، مقززة، خبيثة وماكرة تجعل الدم يتجمد في عروقها كلما التقت عيناهما.
كانت تشعر بها تلاحقها في أرجاء المنزل وتشعر انها تخترق جسدها من الخلف.
فإذا مرت من أمامه، أحست بثقلها على ظهرها.
وإذا جلست في غرفة، تعمد الدخول إليها بحجة البحث عن شيء لا وجود له.
حتى أصبحت تتحاشى البقاء معه في مكان واحد، وتنتظر عودة أمها كما ينتظر السجين موعد الإفراج عنه، حتى انها تعمدت جلب اخويها الصغيرين ليناما معها بالغرفة.
وفي أحد الأيام، اضطرت أمينة إلى التأخر في العودة من عملها حتى ساعة متأخرة، بعدما وجدت صعوبة في إيجاد إحدى المواصلات بسبب مظاهرات قام بها بعض الشباب شلت حركة المرور.
لم يكن في المنزل سواهما.
كانت ديلان منهمكة في مراجعة دروسها في غرفتها قبيل إمتحان نهاية مرحلة الثانوية، حين سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
توقفت يدها عن الحركة.
عرفت الطارق قبل أن ينطق.
ضمّت طرف ثوبها بين أصابعها المرتجفة، ولم تجب.
تكرر الطرق مرة أخرى، ثم جاءها صوته باردًا، يحمل نبرة جعلت الخوف يتسلل إلى قلبها:
كاظم: افتحي الباب أيتها اللعينة... أريد أن أتحدث معك فقط.
ازداد اضطراب أنفاسها، لكنها بقيت ممسكة بمقبض الباب من الداخل، كأنها تستمد منه شيئًا من الأمان.
طال الصمت لثوانٍ بدت لها دهرًا، قبل أن تسمع وقع خطواته يبتعد، حينما سمع جلبة امام الباب قد أحدثها اخويها مع بعض الاطفال الذين كانوا يلعبون امام باب المنزل.
حينها فقط، جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى الباب، وهي تضم ركبتيها إلى صدرها، بينما كانت دموعها تنساب بصمت.
لم تعد تحتمل.
وحين عادت أمها من الخارج، ألقت بنفسها بين ذراعيها، تقص عليها ما عاشته من خوف، وما أصبح يفعله كاظم معها.
لكن كلماتها...
انتهت بصفعة قوية على وجنتها المتوردة.
ترنحت ديلان، وهي تحدق في أمها غير مصدقة.
هتفت أمينة بغضب امتزج بالخذلان:
أمينة: اتقي الله يا ديلان! أتتهمين رجلًا سترنا ورباكِ بمثل هذا الكلام؟!، إنه زوجي وبمثابة أبيك فكيف تفتري عليه بهذا الكلام الخطير!!؟.
وفي تلك اللحظة...
لم تشعر ديلان بألم الصفعة.
بل شعرت أن قلبها هو الذي تلقى الضربة او طعنة بخنجر مزقت قلبها البريئ.
أما كاظم، فكان يقف بعيدًا، يراقب المشهد بصمت، ارتسمت على زاوية شفتيه ابتسامةٌ غامضة تحمل مسحةً من الخبث، ولم تلمحها سوى ديلان.
ومنذ ذلك اليوم...
أقسمت ألا تشكو لأحد إلا لصديقتها مريم، والتي بدورها كانت تقص على امها السيدة كريمة، تلك السيدة المدرسة الفاضلة التي كانت تبعث لها بالنصائح على لسان إبنتها.
اما ديلان فقد أيقنت تماما وآمنت أن نجاتها الوحيدة لن تكون إلا بنجاحها وشق طريقها نحو مستقلبلها وتحقيق أحلامها، للنجاة من ذلك البيت، وجحيمُ كاظم الذي أخذ يطبق عليها من كل جانب، كما يلتفُّ الثعبان حول فريسته، لم يزدها إلا إصرارًا على المضي قدمًا. كانت تعلم أن طريق الخلاص لن يكون سهلًا، وأن ثمن الحرية قد يكون باهظًا، لكنها عقدت العزم على المضي فيه مهما كلَّفها الأمر. وقد كانت أولى خطواتها قد تحققت بالفعل، حين نجحت في تجاوز العقبة الأولى، وتمكنت من الالتحاق بالجامعة، فاتحةً بذلك أول نافذة أمل في طريقها نحو حياةٍ تستحقها.
لم تعد ديلان تدخل غرفتها لتستريح...
بل لتختبئ.
كانت الغرفة الصغيرة تضم ثلاثة أسرة متجاورة؛ سريرًا حديديًا تنام عليه هي، وسريرين أصغر يشغلهما أخواها أحمد وعمر، اللذان لم يتجاوز أكبرهما الثامنة من عمره والاصغر الخامسة.
ورغم ضيق المكان، كانت تشعر أن تلك الغرفة هي الركن الوحيد الذي يمنحها شيئًا من الأمان.
كل مساء، كانت تساعد الصغيرين في أداء واجباتهما المدرسية، ثم تجلس بينهما تروي لهما قصة قصيرة حتى يغلبهما النعاس.
كان أحمد متعلقًا بها تعلقًا كبيرًا، فإذا استيقظ ليلًا باحثًا عن أمه ولم يجدها، زحف إلى سرير أخته، يلتصق بها وهو يتمتم بنعاس:
أحمد: أختي... أخاف أن أنام وحدي.
فتبتسم رغم ما يثقل قلبها، وتربت على شعره حتى يغفو.
أما عمر، فكان أصغر من أن يدرك ما يدور حوله، لكنه كان يرفض النوم إلا إذا أمسكت ديلان بكفه الصغير.
كانت تنظر إليهما طويلًا بعد أن يناما.
لم تستطع يومًا أن تكرههما...
فهما لا ذنب لهما في شيء.
بل كانت ترى فيهما إخويها اللذين تحبهما من أعماق قلبها، وتدعو الله أن يحفظ براءتهما من قسوة الحياة.
في الخارج...
بينما كان بتعالى صوت كاظم كل ليلة، وهو يصرخ مطالبًا أمينة بالنقود التي حصلت عليها من عملها.
ثم ما يلبث الصراخ أن يتحول إلى شجار اعتادته جدران المنزل.
كانت ديلان تغلق أذني أحمد برفق حتى لا يسمع.
بينما كان عمر قد استغرق في نوم عميق منذ فترة.
تتنهدت وهي تحدق في سقف الغرفة المتشقق.
كانت تتساءل كل ليلة...
إلى متى؟،
إلى متى ستظل هذه الجدران شاهدة على خوفها؟،
وإلى متى ستبقى أمها عاجزة عن رؤية الحقيقة؟،
أغمضت عينيها بقوة.
ولأول مرة...
رفعت كفيها إلى السماء وهمست بصوت بالكاد يُسمع، وتدعو الله في صمت:
"يا رب...
لا أطلب الكثير...
فقط افتح لي بابًا أخرج منه من هذا البيت."
"يا رب... افتح لي بابًا أخرج به من هذا الجحيم."
لم يعد لديلان حلم أكبر من أن تنهي دراستها، وتغادر ذلك المنزل إلى غير رجعة، غير مدركة أن القدر كان يخبئ لها طريقًا آخر... يبدأ من بوابة الجامعة، وينتهي بلقاء سيغير حياتها إلى الأبد.
لم تكن تعلم...
أن الله كان يدخر لها ذلك الباب بالفعل.
لكنه سيأتي في هيئة ابتلاء جديد، لا يقل قسوة عما عاشته من قبل.
وفي الجهة الأخرى من المدينة...
كانت الحياة تمضي بإيقاع مختلف.
ففي حي هادئ، تتراص فيه العمارات السكنية النظيفة، وتحيط بها الأشجار التي خففت من صخب المدينة، في حي لاهو براقي ولافقير، كان يقيم باران مع عائلته في شقة واسعة داخل عمارة تسكنها الأسرة بأكملها.
كان باران في الثانية والعشرين من عمره، وعلى بُعد أشهر قليلة من إنهاء دراسته في كلية الهندسة.
امتلك قامةً طويلة تجاوزت المئة والخمسة والثمانين سنتيمترًا، وبنيةً رياضية متناسقة اكتسبها من مواظبته على ممارسة الرياضة منذ سنوات، فلم تكن عضلاته مبالغًا فيها، بل منحت حضوره هيبةً هادئة.
أما وجهه، فكان يحمل وسامةً رجولية بعيدة عن التصنع؛ فكٌّ محدد، وأنف مستقيم، وابتسامة دافئة كانت كفيلة بإزالة الحواجز بينه وبين من حوله.
وتحت حاجبين كثيفين استقرت عينان عسليتان تميلان إلى لون العسل الداكن، تشعّان هدوءًا وصدقًا، حتى إن من ينظر إليهما يشعر بالطمأنينة دون أن يعرف السبب.
وكان شعره البني الداكن، المائل إلى السواد، ينسدل بخصلات قصيرة مرتبة بعناية، بينما أضفت بشرته القمحية صفاءً خاصًا على ملامحه، زادته وسامةً وجاذبية.
لكن أكثر ما كان يلفت الانتباه فيه...
لم يكن شكله.
بل أخلاقه.
فمنذ صغره، عُرف بين أقاربه وجيرانه بابتسامته الدائمة، واحترامه للكبير، وحرصه على مساعدة الآخرين دون انتظار مقابل.
وكان والده يقول له دائمًا:
عزت: الرجل لا تُقاس قيمته بما يملك... بل بما يتركه في قلوب الناس.
ولم يكن باران يخالفه الرأي يومًا،
كان يؤمن أن الأخلاق هي الإرث الحقيقي الذي يتركه الإنسان خلفه، بينما كان اخوه يناديه بمدلل امه لانه كان آصغر إخوته بما يوصف بآخر العنقود.
كان كل الصباح، يخرج من غرفته بعدما ان ينتهى من مراجعة بعض الرسومات الخاصة بمشروع تخرجه، فتستقبلته رائحة القهوة التي كانت والدته عائشة قد أعدتها كعادتها كل صباح.
يرفع رأسه مبتسمًا وهو يقول:
باران: صباح الخير يا أمي.
تلتفت إليه والدته، وما إن يقع بصرها عليه حتى ترتسم ابتسامة رضا على وجهها فهو مدللها.
عائشة: صباح النور يا حبيبي... تعال، فطورك جاهز قبل أن تتأخر عن الجامعة.
وفي تلك اللحظة، يخرج مراد من غرفته وهو يعدل أكمام قميصه استعدادًا للذهاب إلى عمله، وما إن يلمح أخاه حتى يبتسم ويربت على كتفه قائلًا:
مراد: كفي عن تدليله يا أمي لقد أصبح رجلا!، ثم يلتفت إلى اخيه قائلا:
مراد: ما زلت مستيقظًا منذ الفجر؟ لا بد أن مشروع التخرج بدأ يسرق نومك.
يضحك باران وهو يجلس إلى المائدة.
باران: بقيت أشهر قليلة فقط... وبعدها سأرتاح.
يقهقه مراد وهو يجلس بجواره.
مراد: لا تحلم كثيرًا... بعد التخرج يبدأ التعب الحقيقي.
تقترب منهم والدتهم تدعوا لهما
عائشة: يا رب إخفظهما، وناولهما ما يتمناه ويرضيك يارب.
وقبل أن يرد باران، يخرج والده عزت من غرفته، يحمل حقيبته الجلدية ونظارته بين يديه ليتوجه لعمله، فيتوقف أمام المائدة ينظر إلى ولديه بعينين يملؤهما الفخر.
كان يرى في مراد ثمرة سنوات تعبه، وفي باران الحلم الذي أوشك أن يتحقق.
فيقول بابتسامة هادئة:
عزت: أسأل الله أن أراكما دائمًا سندًا لبعضكما... فما يبقى للإنسان في هذه الدنيا بعد رضا الله إلا أهله.
ينظر الشقيقان إلى بعضهما، ثم يومآن معًا في صمت، دون أن يدرك أحدهما أن الأيام تخبئ لهما امتحانًا سيضع تلك الأخوة أمام أصعب اختبار.
خرج باران ومراد من الشقة، وأغلقا الباب خلفهما، ثم اتجها نحو السلم.
كان المبنى يتكون من ثلاثة طوابق؛ في الطابق الأرضي كان عبارة عن مرأب لسيارات العائلة، ومحلان إستأجرهما كل من والد باران وعمه مع فيناء كبير خلف البناية، الطابق الاول يقيم العم إبراهيم(أصغر من والد باران ويحترمه ويقدره ويعتبره في منزلة الوالد لانه كان سندا له بعد وفاة أبيهم ) مع زوجته صفية وابنيهما روني ودنيز، أما الطابق الثاني فكان منزل عزت وعائلته، اما الطابق الثالث فكان بعد ان إتفق الاخوين عزت وإبراهيم لمراد، بعدما قرر مراد تشييد شقته فوق منزل العائلة استعدادًا لزواجه مستقبلا كما كان عزت متفق مع أخاه، ان يقيم اولادهما معهم بنفس البناية لكن كل واحد مستقل بشقته عنهم.
وما إن فتح الباب ليتوجهوا إلى الطابق الأول حتى تقابلوا عند باب شقة بعمهم إبراهيم وزوجته وإبنتها.
وقفت صفية تحمل طبقًا مغطى، وخلفها ابنتها دنيز، التي لم تكد تقع عيناها على مراد حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة تصنعت في رسمها، ما لبثت ان سارعت إلى إخفائها عندما لمحها باران وهي تلقي التحية.
دنيز: صباح الخير يا عمي... صباح الخير يا أبناء العم.
بادلها باران الابتسامة قائلًا بنبرة متهكمة:
باران: صباح النور يا إبنة عمي.
أما مراد فاكتفى بإيماءة مهذبة وهو ينظر إلى ساعته.
ناولت صفية الطبق إلى عائشة التي كانت قد خرجت خلف ولديها وزوجها، وقالت باسمة:
صفية: أعددت بعض المعجنات، قلت أحظرها لكم قبل أن يخرج الشباب.
ابتسمت عائشة شاكرة، بينما التفتت صفية نحو مراد قائلة بنبرة يغلفها المزاح:
صفية: لا تُرهق نفسك كثيرًا في العمل، نريد أن تنتهي من بناء شقتك بسرعة لتفرحنا وتتزوج.
ضحك مراد مجيبًا:
مراد: الأمر يحتاج إلى الكثير من المال والوقت يا زوجة عمي.
تدخل إبراهيم مبتسمًا:
إبراهيم: المهم أن تُجهزها، أما العروس... فسيكتبها الله في وقتها.
رمقت صفية زوجها بنظرة خاطفة، ثم ألقت نظرة سريعة على دنيز التي احمر وجهها وأطرقت رأسها بخجل، قبل أن تنصرف إلى الداخل.
لم ينتبه مراد لذلك كله.
أما باران، فابتسم في سره، فقد اعتاد منذ سنوات تلك التلميحات التي تطلقها زوجة عمه بين الحين والآخر، لكنه كان يعلم أن أخاه لا يفكر في الزواج بعد، وأن كل ما يشغل باله الآن هو عمله وترسيم نفسه في المنصب الجديد ثم بناء شقته قبل ان يفكر في إختيار العروس.
غادر الشقيقان المبنى متجهين إلى محطة المترو، بينما بقيت صفية تراقبهما من الشرفة بعد ان عادت لشقها هي وإبنتها، ثم التفتت إلى ابنتها وقالت بهدوء:
صفية: ادعي الله أن يكتب لك الخير يا ابنتي.
أطرقت دنيز رأسها في صمت، ولم تُجب.
بعد ان خرج الشقيقان من العمارة يسيران جنبًا إلى جنب في الشارع الهادئ.
كان مراد يتجه إلى مقر الشركة التي يعمل بها، بينما كانت وجهة باران كلية الهندسة.
وقبل أن يفترقا، ربت مراد على كتف أخيه وقال مبتسمًا:
مراد: بقيت أشهر قليلة فقط... شدّ حيلك، وأريد أن أراك يوم التخرج الأول على دفعتك.
ابتسم باران بثقة هادئة.
باران: بإذن الله.
صافحه مراد، ثم اتجه كل منهما إلى طريقه.
لم يكن باران طالبًا عاديًا في الجامعة.
فمنذ عامه الأول، اعتاد أساتذته أن يجدوا اسمه في مقدمة قوائم المتفوقين، ولم يكن يتعامل مع الهندسة على أنها مجرد دراسة، بل كان يراها شغفًا حقيقيًا.
كان يقضي ساعات طويلة داخل قاعات الرسم والمختبرات، ويشارك في المسابقات العلمية والفنية، حتى أصبح اسمه معروفًا بين أساتذة الكلية.
ورغم ذلك...
لم يعرف عنه يومًا غرور أو تكبر.
بل كان أول من يساعد زملاءه إذا استعصى عليهم أمر، وآخر من يغادر قاعة المشاريع.
وكثيرًا ما كان أستاذه المشرف يقول عنه أمام الطلاب:
" لو استمر باران بهذا الاجتهاد، فسيكون له مستقبل كبير."
وكان باران يكتفي بابتسامة خجولة، ثم يعود إلى عمله وكأن الكلمات لم تُقَل.
وصل إلى محطة المترو.
كانت الساعة قد اقتربت من السابعة صباحًا، وبدأت المحطة تمتلئ بالطلاب والموظفين.
وقف في مكانه المعتاد، يحمل حقيبته على كتفه، بينما كان يقلب بعض الأوراق الخاصة بمشروع تخرجه.
لم يكن يعلم...
أن هذا الصباح سيبدو ككل صباح في بدايته.
لكن الأيام القادمة، ستحمل أول صفحة من حكاية سترافقه سنوات طويلة.
وفي الجهة الأخرى من المدينة...
كانت فتاة تغادر منزلها للمرة الأولى بصفتها طالبة جامعية.
هي ديلان.
ومضت الشهور...
تسللت الأيام بهدوء، كأنها أوراق شجر تحملها الريح دون أن يشعر بها أحد.
اعتادت ديلان الاستيقاظ قبل شروق الشمس، وإعداد حقيبتها الجامعية، ثم مغادرة المنزل بصحبة صديقتها مريم، التي كانت تنتظرها كل صباح عند أول الشارع.
وأصبحت رحلة المترو جزءًا من يومها؛ الوجوه ذاتها، والازدحام ذاته، والأصوات نفسها التي تملأ الأرصفة مع بداية النهار.
كانت تقضي يومها بين قاعات كلية الآداب ومكتبتها الهادئة، ثم تعود إلى منزلها لتواجه واقعها الذي لم يتغير.
أما باران...
فكان يعيش أكثر أعوامه إرهاقًا.
أشهر قليلة فقط كانت تفصله عن التخرج، لذلك انشغل تمامًا بين المحاضرات، ومشروع التخرج، والدورات التدريبية التي فرضتها الكلية على طلاب السنة الأخيرة.
أصبح وجوده في الجامعة يمتد حتى ساعات المساء أحيانًا، بينما كان يحاول أن يجعل مشروعه مميزًا بما يكفي ليحقق حلمه في إكمال دراسته خارج البلاد.
وربما...
وربما كان القدر قد جمعهما عشرات المرات خلال تلك الأشهر.
في ممرات الجامعة...
أو أمام المكتبة...
أو بين الحشود التي تملأ محطات قطار الأنفاق صباحًا ومساءً.
لكن أحدًا منهما لم ينتبه للآخر.
فلكلٍ منهما عالمه الخاص، وهمومه التي كانت أكبر من أن تسمح له بالالتفات إلى الوجوه العابرة.
ومضت الأيام، حتى أقبل الربيع.
ومع قدوم الربيع، كانت الصباحات تشرق في هدوءٍ ووداعة، وتكتسي الأشجار بأوراقها الخضراء اليانعة، فيما تتراقص أغصانها على وقع نسيمٍ عليل يحمل عبير الأزهار، فيخفف شيئًا من صخب المدينة وضجيجها، ويمنح الأرواح المتعبة نفحةً من السكينة.
وللمرة الأولى منذ زمن طويل، خرجت ديلان من منزلها وهي تشعر بشيءٍ من الارتياح.
لم تكن السعادة قد وجدت طريقها إلى قلبها بعد، لكنها تنفست الصعداء لأن كاظم غادر المنزل قبلها. لم تضطر ذلك الصباح إلى مواجهة نظراته التي كانت تطبق على أنفاسها، ولا إلى سماع كلماته المبطنة التي كانت تبعث في نفسها اشمئزازًا لا تستطيع إخفاءه.
ومع مرور الأيام، أصبحت رحلتها اليومية إلى الجامعة جزءًا من روتينها الثابت. كانت تلتقي بصديقتها مريم عند مفترق الطرق القريب من الحي، ثم تتابعان السير جنبًا إلى جنب نحو محطة قطار الأنفاق، تتبادلان أحاديث خفيفة عن المحاضرات والأساتذة، أو تضحكان على موقفٍ عابر، قبل أن تندسا بين حشود المسافرين في المحطة.
لم تكن ديلان تعلم، وهي تخطو تلك الخطوات الهادئة كل صباح، أن القدر كان يراقبها بصمت، وأن تلك المحطة التي اعتادتها ستشهد قريبًا بداية فصلٍ جديد من حياتها... فصلٍ سيغيّر كل ما ظنت يومًا أنه ثابت، وستُكتب فيه أولى سطور حكاية لن تشبه سائر الحكايات.
ومع تعاقب الأيام، خفَّ عنها ثقل البداية. اعتادت أروقة الجامعة، وحفظت مواعيد قطار الأنفاق، وصارت تعرف أي العربات أقل ازدحامًا، وفي أي ساعة يبلغ الرصيف ذروة اكتظاظه. كانت تمضي نهارها متنقلة بين قاعات المحاضرات ورفوف المكتبة، ثم تعود إلى منزلها قبل أن يرخي المساء سدوله، لتبدأ مواجهة واقعها الذي لم يتبدل، وكأن السكينة التي تنعم بها خارج المنزل تتلاشى بمجرد أن تعبر عتبته.
وفي الجهة الأخرى من المدينة، كان باران يعيش مرحلةً مختلفة تمامًا من حياته.
لم يعد يرى أمامه سوى قاعات كلية الهندسة، ومختبرات المشاريع، وأوراق مشروع تخرجه التي لازمته أينما ذهب، كانت الأشهر الأخيرة من دراسته قد أثقلت كاهله، لكنها كانت أيضًا أقرب ما يكون إلى خط النهاية؛ فما هي إلا أشهر قليلة، ويطوي آخر صفحات حياته الجامعية، دون أن يدري أن القدر كان يُعد له لقاءً سيبدل مسار حياته كما سيبدل حياة ديلان.
حتى جاء ذلك الصباح الربيعي...
خرجت ديلان من منزلها كعادتها، تحمل حقيبتها فوق كتفها وبعض الكتب بين ذراعيها.
كانت السماء صافية على غير عادة الأيام السابقة، والهواء يحمل نسمة ربيعية لطيفة جعلتها ترفع وجهها قليلًا، وكأنها تحاول أن تختزن شيئًا من هذا الهدوء قبل أن تبدأ يومها.
سارت بخطوات متزنة لوحدها، فمريم تغيبت اليوم بسبب نزلة برد حادة قد اصابتها، حتى بلغت محطة قطار الأنفاق.
في الجهة المقابلة...
كان باران يقف ينتظر وصول القطار، شارد الذهن بين تفاصيل مشروع تخرجه، دون أن يدري أن دقائق قليلة فقط ستغير شيئًا في قلبه وقدره إلى الأبد.
كان رصيف محطة قطار الأنفاق يعج بالحركة كعادته في ذلك الوقت من الصباح.
أصوات القطارات القادمة والمغادرة، وصفير الأبواب، وخطوات المارة المتسارعة، كلها امتزجت في ضجيج اعتاده الركاب حتى لم يعودوا يلتفتون إليه.
وقفت ديلان على طرف الرصيف، تضم كتبها إلى صدرها، وعيناها تتنقلان بين شاشة مواعيد القطارات وساعة يدها الصغيرة.
لم يتبقَّ على بدء المحاضرة سوى وقت قصير.
تنهدت في هدوء وهي تحاول أن تفسح الطريق لسيدة مسنة كانت تشق طريقها بصعوبة وسط الزحام، إلا أن أحد المارة اندفع على عجل، فاصطدم بالعجوز، فاختل توازنها.
سارعت ديلان إلى الإمساك بها قبل أن تسقط.
لكنها، وهي تحاول إسنادها، فقدت توازنها هي الأخرى، فانزلقت الكتب والدفاتر من بين ذراعيها، وتبعثرت فوق أرضية الرصيف.
انحنت بسرعة تجمعها وهي تتمتم باعتذار للسيدة:
ديلان: لا بأس يا خالة... هل أصابك مكروه؟.
ابتسمت العجوز مطمئنة.
العجوز: أنا بخير يا ابنتي... سامحك الله، لم يكن ذنبك.
في تلك اللحظة، تدحرج أحد الكتب مبتعدًا بين أقدام المارة،
وقبل أن تتمكن ديلان من الوصول إليه، امتدت يد تلتقطه برفق.
رفع باران الكتاب عن الأرض، ثم اتجه نحوها بخطوات هادئة.
كانت لا تزال منشغلة بجمع بقية كتبها، قبل أن تشعر بظل يقف أمامها.
رفعت رأسها.
للحظة...
التقت عيناهما.
عينان عسليتان هادئتان، تحملان شيئًا من الدفء.
وعينان رماديتان صافيتان، اختلط فيهما الخجل بشيء من الحزن.
بقي كل منهما ينظر إلى الآخر لثانية قصيرة...
ثانية مرت على عقارب الساعة كأي ثانية عابرة.
لكنها، في قلبيهما، بدت أطول من ذلك بكثير.
خفضث ديلان عينيها أولًا ثم فعل باران نفس الشيء ، ومد يده بالكتاب قائلًا بهدوء:
باران: تفضلي...
تناولت ديلان الكتاب، وأجابت بصوت خافت لا يكاد يُسمع:
ديلان: شكرًا.
اكتفى بإيماءة بسيطة، ثم ابتعد قبل أن يقول كلمة أخرى، لكن شيئا علق بذهنه، ذلك الحزن الدفين في تللك العينين.
أما هي، فضمّت كتبها إلى صدرها، وظلت تتابع ابتعاده بعينيها للحظة، قبل أن تنتبه إلى صوت القطار وهو يدخل المحطة.
اندفع الركاب نحو الأبواب المفتوحة.
وكان كلٌّ منهما بين ذلك الزحام...
دون أن يعلم أن تلك الثواني العابرة ستكون بداية حكاية سيكتبها القدر بيديه.
الفصل الثاني من رواية
حبيبتي زوجة أخي💔🥺
.......✍️انطلقت عربات القطار تشق طريقها بين الأنفاق، بينما عاد الضجيج يملأ المكان من جديد.
جلست ديلان إلى جوار النافذة، فقد وجدت مكانا شاغرا، وضمت كتبها إلى صدرها وكأنها تخشى أن تسقط مرة أخرى.
حاولت أن تعود إلى قراءة الكتاب الذي كانت تحمله، لكنها لم تستطع.
كانت صورة ذلك الشاب الذي انحنى يساعدها تتسلل إلى ذهنها دون استئذان.
لم يكن في الأمر شيء يستحق التفكير...
مجرد موقف عابر، وشخص أدى واجبًا بسيطًا ثم مضى في طريقه.
هكذا أقنعت نفسها.
رفعت رأسها نحو زجاج النافذة، فأبصرت انعكاس وجهها الشارد، فابتسمت ابتسامة خفيفة من نفسها، ثم هزت رأسها وكأنها تطرد تلك الفكرة.
أما باران...
فكان يقف في الجهة المقابلة، ممسكًا بإحدى العارضات الحديدية، بينما تتمايل العربة مع حركة القطار.
حاول أن يعيد تركيزه إلى أوراق مشروع التخرج التي يحملها، لكن عينيه خانتاه أكثر من مرة، واتجهتا نحو المكان الذي جلست فيه تلك الفتاة.
لم يكن يراها بوضوح وسط الركاب.
ولم يحاول الاقتراب.
اكتفى بأن ابتسم في هدوء، وهو يلوم نفسه على انشغاله بفتاة لا يعرف عنها شيئًا.
وبعد دقائق...
توقف القطار في إحدى المحطات.
نزلت ديلان مع الحشود، وسارت بخطوات متسارعة نحو المخرج المؤدي إلى الجامعة.
وفي الوقت نفسه، خرج باران من باب آخر في العربة نفسها، فلم يلتفت أي منهما إلى الآخر.
ابتلعهما زحام الصباح...
وكأن اللقاء الذي جمعهما قبل دقائق لم يحدث أصلًا.
مرّ اليوم الدراسي كأي يوم آخر.
محاضرات طويلة...
وأوراق كثيرة...
وساعات مضت بسرعة.
ومع اقتراب المساء، عاد كل واحد منهما إلى محطة المترو، لكن في توقيت مختلف، فلم يجمعهما القطار هذه المرة.
عادت ديلان إلى المنزل قبل غروب الشمس بقليل.
فتحت الباب بهدوء، بعدما تأكدت من أن كاظم لم يعد بعد.
تنفست الصعداء.
ثم اتجهت إلى الغرفة الصغيرة التي تتقاسمها مع شقيقيها الصغيرين، أحمد وعمر.
كان الطفلان يلعبان فوق السرير، وما إن رأياها حتى اندفعا نحوها بضحكاتهما البريئة.
احتضنتهما بحنان، وشعرت أن وجودهما وحده يخفف شيئًا من ثقل الأيام.
لكن...
حين تمددت فوق فراشها بعد انتهاء واجباتها، عادت تلك اللقطة إلى ذهنها.
يد امتدت إليها...
وكتاب أُعيد إليها...
وعينان عسليتان هادئتان.
ابتسمت دون إرادة، ثم أغلقت عينيها سريعًا.
ديلان: مجرد موقف عابر...
همست بها لنفسها، قبل أن تطرد الفكرة من رأسها.
وفي الجهة الأخرى...
كان باران قد عاد إلى المنزل هو الآخر.
استقبلته والدته بابتسامتها المعتادة، بينما ركضت الصغيرة ملك نحوه فور أن لمحته.
انحنى يحملها بين ذراعيه، فضحكت الصغيرة وهي تعبث بخصلات شعره.
قالت عائشة وهي تراقبهما:
عائشة: يبدو أنها أحبتك، وتنتظرك حتى تعود.
ابتسم وهو يقبّل وجنتها الممتلئة.
باران: لأنها مدللة البيت كلها.
تنهدت عائشة وهي تنظر إلى الصغيرة بحنان.
عائشة: لم أتخيل يومًا أن تغادر هازان وهي تترك ابنتها بين أيدينا...
لكن سفرها مع أركان كان ضرورة بعد حصوله على عقد عمل في ألمانيا، ولم يكن بإمكانهما اصطحاب ملك قبل أن يستقرا هناك.
كانت هزان اخت باران الوسطى قد سافرت منذ اسابيع مع زوجها لالمانيا، بعد حصوله على منصب او شراكة مع احد الاصدقاء بالمانيا، بمشروع رآه فرصة له ليشق طريقه في طريق المال والاعمال، ولم تستطيع المغامرة بصغيرتها ذات العامين، وهي لاتعلم الضروف التي ستجدها هناك، خصوصا وانها ستشارك زوجها في العمل وستسانده كسكرتيرته الخاصة حتى تستقر اوضاعهم هناك.
ربّت باران على ظهر الصغيرة برفق وقال:
ــ المهم أن يعودا وقد نجحا... أقصد أمها وأبوها قريبًا، فهي تستحق أن تكبر بين ذراعيهما.
هزّت عائشة رأسها وهي تتمتم بالدعاء لهما.
وفي تلك الليلة...
بعد العشاء دخل باران غرفته، وكان قد ألقى حقيبته فوق المكتب حين عودته من الجامعة.
جلس أمام أوراق مشروع التخرج، لكنه وجد نفسه يستعيد المشهد ذاته.
فتاة أسقطت كتبها...
وعينان رماديتان امتلأتا بالارتباك والحزن الدفين.
ابتسم بخفة وهو يهز رأسه ساخرًا من نفسه.
ــ يبدو أن الإرهاق بدأ يؤثر فيّ.
فتح دفاتره من جديد، لكنه لم يكن يعلم أن تلك اللقطة العابرة لن تغادر ذاكرته بسهولة، وأن القدر لم يجمعه بتلك الفتاة لتكون المرة الأخيرة، بل هي بداية قصة لم يكن ليتوقعها او تخطر على باله يوما.
مرّت الأيام التالية هادئة...
أيامٌ متشابهة في ظاهرها، لكنها كانت تحمل في طياتها شيئًا جديدًا لكلٍّ منهما.
كانت ديلان تستيقظ قبل الجميع، تساعد والدتها في إعداد الفطور، ثم توقظ أخويها الصغيرين أحمد وعمر، تجهزهما للمدرسة، قبل أن تخرج هي الأخرى متجهة إلى الجامعة.
أما باران، فكان يغادر منزله في الموعد نفسه تقريبًا، يحمل حقيبته ولوحات مشروع تخرجه، بينما لم يعد يفصل بينه وبين إنهاء دراسته سوى أسابيع قليلة.
وفي أحد الأيام...
كانت ديلان تقف أمام لوحة الإعلانات في بهو كلية الآداب، تبحث عن رقم القاعة التي ستُقام فيها إحدى المحاضرات التي سيقيمها احد الاساتذة المشهورين، الذي يزور الجامعة هذه الايام في إطار إحدى الفاعليات التي تقوم بها الجامعة، بينما كان الممر يعج بالطلاب،
في تلك اللحظة، مرّ باران من الممر المقابل برفقة اثنين من زملائه.
لم يكن ينظر أمامه باهتمام، حتى وقعت عيناه عليها.
هي نفسها...
الفتاة التي رآها في محطة المترو منذ يومين.
توقفت خطواته للحظة، ثم تابع سيره وكأن شيئًا لم يحدث.
أما ديلان، فقد شعرت بنظرة مألوفة، فرفعت رأسها دون قصد.
وقع بصرها عليه وهو يبتعد مع زميليه.
اتسعت عيناها قليلًا.
إنه هو...
الشاب نفسه.
راقبته حتى اختفى عند نهاية الممر، ثم عادت ببصرها إلى لوحة الإعلانات، محاولة إقناع نفسها أن الأمر مجرد صدفة.
ومنذ ذلك اليوم...
بدأت الصدف تتكرر بصورة غريبة.
تراه أحيانًا يعبر ساحة الجامعة حاملًا أسطوانة كبيرة تضم مخططات هندسية.
وتراه مرة أخرى خارج المكتبة المركزية، يتحدث مع أحد أساتذته.
وفي كل مرة...
كانت عيناهما تلتقيان لثانية أو ثانيتين فقط.
ثم يخفض كل واحد منهما بصره، ويكمل طريقه دون كلمة واحدة.
وفي ظهيرة أحد الأيام...
كانت ديلان تسير في الممر المؤدي إلى المكتبة مع زميلتين من دفعتها.
قالت إحداهما وهي تتنهد:
الزميلة1: الحمد لله انتهت محاضرة الأدب العربي.
أجابتها الأخرى:
الزميلة2: بقيت لنا محاضرة النقد فقط، ثم نستطيع العودة إلى المنزل.
ابتسمت ديلان وهي تقول:
ديلان: ما زلنا في السنة الأولى آداب، ومع ذلك أشعر أن المحاضرات لا تنتهي.
في تلك اللحظة...
كان باران يمر من الجهة المقابلة.
وصلت الكلمات إلى سمعه دون أن يقصد التنصت.
السنة الأولى... كلية الآداب.
دون أن يشعر، ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه.
لم يعد يعرف عنها اسمًا...
لكن أصبح يعرف أنها طالبة مستجدة في الجامعة.
واكتفى بذلك.
ومضى في طريقه.
أما ديلان...
فلم تلحظ مروره أصلًا هذه المرة.
كانت منشغلة بحديث زميلتيها، غير مدركة أن الشاب الذي لا تعرف اسمه احتفظ بمعلومة صغيرة عنها، كما يحتفظ الإنسان بشيء لا يدرك قيمته.
مضى أسبوع آخر...
وأصبحت الصدف أكثر حضورًا، وكأن الجامعة، رغم اتساعها، تصر على أن تجمعهما كل يوم بطريقة مختلفة.
في صباح أحد الأيام، كانت ديلان تقف في طابور المقهى الجامعي، تنتظر دورها لشراء كوب من القهوة قبل بدء المحاضرة.
وبينما كانت تدفع ثمنه، سمعت ضحكة بدت لها مألوفة خلفها.
التفتت بعفوية...
فرأته يقف غير بعيد عنها مع اثنين من زملائه.
كان يضحك على حديث أحدهم، ثم رفع رأسه مصادفة.
التقت عيناهما.
توقفت ابتسامته للحظة قصيرة، واكتفى بإيماءة خفيفة برأسه، كتحية صامتة لا أكثر.
ارتبكت ديلان، فأخفضت بصرها سريعًا، وحملت كوبها وغادرت المكان قبل أن تتاح لها فرصة التفكير.
أما هو، فظل يتابع ابتعادها لحظات، قبل أن يعيد انتباهه إلى حديث أصدقائه.
وفي يوم آخر...
كانت ديلان تجلس في الحديقة الصغيرة الواقعة بين كليتي الآداب والهندسة، تراجع ملاحظاتها قبل المحاضرة.
مر باران من هناك يحمل أسطوانة كبيرة تضم مخططات مشروع التخرج.
كانت عيناه منشغلتين بالطريق، لكنه لمحها من بعيد.
خفض سرعته دون شعور.
مرت بجوارها نسمة ربيعية بعثرت خصلات شعرها الكستنائي، فانشغلت بإبعادها عن وجهها وهي تقلب صفحات كتابها.
ابتسم ابتسامة خفيفة...
ثم تابع سيره، وكأن شيئًا لم يكن.
وفي إحدى الأمسيات...
كان الازدحام شديدًا عند بوابات المترو.
اندفع الركاب دفعة واحدة بعد وصول القطار.
كادت ديلان أن تفقد توازنها وسط الزحام، لكنها استعادت وقفتها سريعًا قبل أن تسقط.
وفي اللحظة نفسها، كان باران يقف على بعد خطوات منها.
لاحظ ما حدث.
تقدم خطوة غريزية نحوها، ثم توقف.
"لقد استعادت توازنها بالفعل."
تنهد بهدوء وهو يهمس بها لنفسه، وعاد إلى مكانه دون أن تشعر بوجوده أصلًا.
ومع تكرار تلك المصادفات...
بات كل واحد منهما يحفظ ملامح الآخر عن ظهر قلب.
هو...
أصبح يعرف لون عينيها الرماديتين، وطريقتها في احتضان الكتب إلى صدرها، وهدوءها الذي يميزها عن بقية الطالبات، وتلك العالة التي كانت تحيط بها؛ هالة من الوقار والرقة، تمنحها تميزًا لا تخطئه العين، فتبدو بين زميلاتها كزهرةٍ نبتت في غير أوانها. .
وهي...
أصبحت تميزه من بين عشرات الطلاب؛ قامته الطويلة، وشعره البني الداكن، وحقيبته التي لا تفارق كتفه، وتلك الأسطوانة التي يحملها كل يوم، والتي أدركت أنها تخص مشروع تخرجه وانه طالب في كلية الهندسة،لم يكن يشبه معظم الشباب في مثل سنه؛ فقد كانت ترى في كل تصرف يصدر عنه صدقًا وجديةً يندر اجتماعهما، حتى غدا حضوره باعثًا على الطمأنينة والاحترام.
ورغم كل تلك اللقاءات...
لم يتبادل الاثنان كلمة واحدة.
لكن القدر كان ينسج بين قلبيهما خيطًا رفيعًا، لا يُرى بالعين... ويزداد متانة مع كل لقاء عابر، دون أن يشعر أيٌّ منهما بذلك.
حلَّت أيام الربيع الأخيرة، وأصبحت أشعة الشمس أكثر دفئًا، بينما ازدانت حدائق الجامعة بالأزهار التي تفتحت بعد شتاء طويل.
كانت ديلان تسير في أحد الممرات المؤدية إلى كلية الآداب، وإلى جوارها صديقتها مريم التي لم تكف عن الحديث منذ خروجهما من المحاضرة.
قالت مريم وهي تلوح بدفترها بتذمر:
مريم: لا أفهم لماذا يطلبون منا كل هذه البحوث ونحن ما زلنا في السنة الأولى!.
ابتسمت ديلان ابتسامة هادئة.
ديلان: ربما حتى نعتاد على الدراسة الجامعية.
وقبل أن تكمل حديثها، لمحت باران يسير في الجهة المقابلة مع ثلاثة من زملائه.
لم تتغير ملامحه الهادئة، لكنه رفع عينيه في اللحظة نفسها.
التقت نظراتهما...
ثم مضى كل منهما في طريقه.
لكن مريم، التي كانت تراقب وجه صديقتها أكثر مما تراقب الطريق، التفتت خلفها سريعًا، ثم عادت تنظر إلى ديلان بمكر.
مريم: ديلان...
ارتبكت الأخرى قليلًا.
ديلان: نعم؟.
ابتسمت مريم ابتسامة واسعة.
مريم: لا تقولي إنني أتخيل... لكن هذا الشاب ينظر إليك كلما مررتما بالقرب من بعضكما.
اتسعت عينا ديلان دهشة.
ديلان: من؟.
أشارت مريم برأسها إلى الخلف.
مريم: الطويل... طالب الهندسة.
تظاهرت ديلان بعدم الاهتمام، وقالت وهي تتابع سيرها:
ديلان: ربما كنتِ تتوهمين.
ضحكت مريم بخفة.
مريم: بل أنا متأكدة... وهذه ليست أول مرة أراه يفعل ذلك.
تنهدت ديلان وهي تشيح بنظرها.
ديلان: مجرد صدفة يا مريم... الجامعة مليئة بالطلاب.
رفعت مريم حاجبها وقالت بمشاكسة:
مريم: غريب!!... والصدفة لا تجمعكما إلا أنتما!.
احمر وجه ديلان دون أن تشعر.
ولحسن حظها، عندما نظرت لساعتها في يدها كان وقت المحاضرة التالية قد إقترب، فانتهزت الفرصة لتغير الحديث.
ديلان: أسرعي... سنتأخر على المحاضرة.
أسرعتا نحو القاعة، بينما بقيت كلمات مريم تتردد في رأس ديلان رغم محاولتها تجاهلها.
وفي الجهة الأخرى...
كان باران يسير مع صديقه سليم.
لاحظ سليم أن باران التفت خلفه للحظة، فابتسم بخبث وهو يقول:
سليم: إلى ماذا تنظر؟.
انتبه باران إلى نفسه، فأجاب بهدوء:
باران: لا شيء.
ضحك سليم.
سليم: منذ أسابيع وأنت تقول: "لا شيء".
صمت باران ولم يعلق.
ربت سليم على كتفه مبتسمًا.
سليم: إن كنت معجبًا بتلك الفتاة، فلا داعي لأن تنكر ذلك أمامي.
نظر إليه باران باستغراب.
باران: أي فتاة؟.
سليم: فتاة الآداب... صاحبة الشعر الكستنائي.
ابتسم باران ابتسامة خفيفة، ثم هز رأسه نافيًا.
باران: لا أعرف حتى اسمها.
قالها بصدق...
لكنه لم يستطع أن ينكر أمام نفسه أنه أصبح يبحث عنها بعينيه كل صباح، دون أن يدري لماذا.
مرَّت الأيام سريعًا...
وأصبحت رؤية كلٍّ منهما للآخر جزءًا من تفاصيل يومه، حتى وإن لم يلتقيا إلا لدقائق معدودة.
وفي أحد الصباحات، وصلت ديلان إلى محطة المترو متأخرة عن موعدها المعتاد.
كانت تخشى أن يفوتها القطار، فأسرعت بخطواتها حتى كادت أن تصطدم بأحد المارة، ثم اعتذرت منه وتابعت طريقها.
وما إن وصلت إلى الرصيف حتى أُعلن عن وصول القطار.
ازدحم المكان بالركاب، واضطرت للوقوف طوال الطريق.
وبعد محطتين...
دخل باران إلى العربة نفسها.
رفع بصره يبحث عن مكان يقف فيه، فوقع نظره عليها مصادفة.
كانت تمسك بالعارضة الحديدية بإحدى يديها، بينما تحتضن كتبها باليد الأخرى.
بدت شاردة الذهن...
وكأنها لم تنتبه أصلًا لوجوده.
ثم لمح مكانا شاغرا فنادى عليها وهو يشير للمقعد الشاغر..
باران: يا آنسة هنا مكان شاغر.
تقدمت ديلان بخجل واضح عليها من تورد وجنتيها، وجلست على المقعد مرتبكة تتشبث بثوبها دون ان تنظر إليه، وهي تضم كتبها إلى صدرها، اما هو
فوقف في الطرف الآخر من العربة، محافظًا على المسافة بينهما، لكن عينيه ظلّتا تتسللان إليها بين الحين والآخر، تقتنصان ملامحها في خفاء، وكأنهما تعجزان عن تجاهل حضورها .
لم يحاول الاقتراب...
ولم يرفع عينيه إليها إلا مرات قليلة متفرقة.
توقفت العربة فجأة عند إحدى المحطات، فاهتز الركاب بعنف.
كادت الكتب ان تنزلق من بين يدي ديلان، لكنها أمسكت بها في اللحظة الأخيرة.
أما باران، فقد تحركت قدماه تلقائيًا نحوها، ثم توقف قبل أن يخطو الخطوة الأخيرة.
باران: لقد تمالكت نفسها، همس بها في داخله.
عاد إلى مكانه في هدوء، وكأن شيئًا لم يحدث.
ولم تشعر ديلان أصلًا بما كاد يفعله.
عند وصول القطار إلى محطة الجامعة، نزل الركاب جميعًا.
كان يفصل بينهما بضعة أمتار فقط.
سارت ديلان أمامه بخطوات هادئة، بينما كان هو يسير خلفها بقصد تارك مسافة بينهما وكأنه يحميها او كحارس يمشي خلفها، فلقد كان الطريق المؤدي إلى بوابة الجامعة واحد للجميع.
وبعد أن وصلوا إلى البوابة، انعطف باران نحو كلية الهندسة.
أما ديلان، فاتجهت إلى مبنى كلية الآداب.
وافترق الطريقان مرة أخرى...
كما يفترقان كل يوم.
وبعد انتهاء المحاضرات، كانت ديلان تخرج من المكتبة وهي تحمل عدة كتب استعارتها.
توقفت للحظة لترتبها بين ذراعيها.
وفي تلك اللحظة، خرج باران من المبنى المقابل يحمل لوحات مشروع تخرجه.
تلاقى نظرهما لثانية واحدة...
ابتسم باران ابتسامة هادئة لم يشعر بها إلا هو.
أما ديلان، فأسرعت بخفض بصرها، وشعرت بحرارة غريبة تسري في وجنتيها وهي تتمت في داخلها:
"إنه يحمل مشروع تخرج لابد انه في السنة النهائية".
تابعت سيرها دون أن تلتفت.
بينما بقي هو واقفًا للحظة، يراقب ابتعادها، قبل أن يبتسم لنفسه ويتمتم بصوت خافت:
"غريب!... كيف تستطيع فتاة لا أعرف اسمها أن تجعل يومًا عاديًا يبدو مختلفًا؟".
ثم حمل لوحاته، ومضى في طريقه، غير مدرك أن الأيام لم تعد تحمل له مجرد لقاءات عابرة، بل كانت تمهد لشيء أكبر بكثير مما يتخيل.
مع غروب الشمس...
عاد كلٌّ منهما إلى عالمه الذي يختلف تمامًا عن عالم الآخر.
أغلقت ديلان باب غرفتها الصغيرة بهدوء، بعدما انتهت من مساعدة والدتها في إعداد العشاء، وأطعمت أخويها الصغيرين، ثم رتبت فراشهما استعدادًا للنوم.
جلست أمام مكتبها الخشبي القديم، وأخرجت دفاترها لتراجع محاضرات اليوم.
فتحت أحد الكتب...
لكن الكلمات بدت مبعثرة أمام عينيها.
تنهدت، وأسندت رأسها إلى ظهر الكرسي.
دون أن تشعر، عادت إلى ذاكرتها تلك النظرة العابرة التي جمعتهما أمام المكتبة.
كيف يستطيع شخص لا تعرف عنه شيئًا أن يبقى عالقًا في الذاكرة بهذا الشكل؟،
ابتسمت بخجل من نفسها، ثم هزت رأسها في محاولة لطرد تلك الفكرة.
تمتمت بصوت خافت:
"ما بك يا ديلان؟... إنه مجرد طالب في الجامعة."
أغلقت عينيها للحظات، ثم عادت إلى دراستها، وأجبرت نفسها على التركيز.
لكنها كانت كلما رفعت رأسها عن الصفحات، وجدت عينيه العسليتين تعودان إلى ذاكرتها من جديد.
وفي الجهة الأخرى...
كان باران يقف في شرفة الشقة، يحتسي كوبًا من القهوة بعد يوم دراسي طويل.
كان الهواء المسائي عليلًا، والمدينة تستعد للنوم تدريجيًا.
اقترب منه مراد، وربت على كتفه مبتسمًا.
مراد: ما رأيك أن نخرج قليلًا بعد العشاء؟،
التفت إليه باران مبتسمًا.
باران: آسف... لكن لدي بعض التعديلات على مشروع التخرج سأقوم بهما أولًا.
أومأ مراد وغادر.
بقي باران وحده في الشرفة،
رفع بصره إلى السماء، ثم زفر بهدوء.
للمرة الرابعة هذا اليوم...
وجد نفسه يستعيد ملامح تلك الفتاة.
شعرها الكستنائي الذي كانت تعبث به نسمات الربيع...
وعيناها الرماديتان الهادئتان...
وذلك الخجل الذي كان يظهر كلما التقت عيناهما، الذي كان يفظحه تورد وجنتيها، وذالك الارتباك الذي بدأ يبدوا واضحا عليها.
ابتسم ساخرًا من نفسه.
حتى اسمها لا أعرفه...
قالها وهو يهز رأسه، ثم ارتشف آخر جرعة من قهوته.
دخل إلى غرفته، وألقى نظرة على أوراق مشروع التخرج المبعثرة فوق مكتبه.
كان عليه أن يفكر في مستقبله...
وفي المنحة التي يحلم بالحصول عليها...
لا في فتاة لا يعرف عنها سوى أنها تمر أمامه كل يوم.
ومع ذلك...
وقبل أن يبدأ عمله، وجد نفسه يتساءل لأول مرة:
"هل سأراها غدًا أيضًا؟".
ابتسم دون أن يشعر...
ثم جلس أمام مكتبه، بينما كان القدر يبتسم هو الآخر، لأنه يعلم أن لقاء الغد لن يكون الأخير.
مرَّت الأيام...
وأصبحت الوجوه المألوفة جزءًا من تفاصيل الصباح.
موظف محطة المترو الذي يقف عند البوابة كل يوم...
بائع الجرائد العجوز...
والشاب الذي يعزف على كمانه في ممرات المحطة...
ومن بينها، أصبح كلٌّ من باران وديلان وجهًا مألوفًا للآخر.
لم يعد لقاؤهما يثير الدهشة كما في البداية، لكنه كان يترك في القلب شعورًا غريبًا لا يستطيع أيٌّ منهما تفسيره.
في صباح أحد الأيام، وصلت ديلان إلى المحطة قبل موعد القطار بدقائق.
وقفت في المكان المعتاد، تتصفح كتابًا صغيرًا كانت قد استعارته من مكتبة الجامعة.
وبعد لحظات...
وصل باران.
وقبل أن يرفع بصره نحو لوحة مواعيد القطارات، وقعت عيناه عليها.
كانت تقرأ بتركيز شديد، حتى إنها لم تشعر بوجوده.
ابتسم في هدوء.
واختار أن يقف على مسافة ليست بعيدة عنها.
لا قريبة بما يلفت الانتباه...
ولا بعيدة بحيث تختفي عن ناظريه.
وصل القطار.
وصعد الجميع وسط الزحام المعتاد.
جلست ديلان هذه المرة في مقعد فارغ قرب النافذة.
أما باران، فلم يجد مكانًا للجلوس، فاكتفى بالوقوف غير بعيد عنها.
كان ينظر أحيانًا عبر زجاج العربة إلى الأنفاق المظلمة، وأحيانًا أخرى تقع عيناه عليها دون قصد.
كانت تقلب صفحات كتابها بهدوء، ثم ترفع رأسها بين الحين والآخر لتتأمل الطريق.
وفي إحدى المرات...
رفعت عينيها مصادفة.
فوجدته ينظر في اتجاهها.
ارتبك الاثنان في اللحظة نفسها.
أشاح باران بوجهه نحو النافذة بسرعة، بينما عادت ديلان إلى كتابها، رغم أنها لم تعد تقرأ كلمة واحدة.
وحين وصلا إلى الجامعة...
نزل كلٌّ منهما كعادته.
لكن هذه المرة، كانت المسافة بينهما أقصر.
كانا يسيران في الاتجاه نفسه، يفصل بينهما بضعة خطوات فقط.
وقبل أن يصلا إلى مفترق الطريق المؤدي إلى كليتي الهندسة والآداب، انعطف باران نحو اليمين.
وفي اللحظة ذاتها...
انعطفت ديلان نحو اليسار.
دون كلمة...
ودون التفاتة أخيرة.
لكن كليهما شعر، دون أن يعترف بذلك، أن صباحه لم يعد يكتمل إلا بتلك الصدفة الصغيرة التي تجمعهما كل يوم.
وهكذا...
بدأ القدر يصنع عادةً جديدة في حياتهما...
عادة انتظار شخص، لا يعرفان عنه شيئًا... سوى أنه أصبح جزءًا من يومهما.
حلَّ المساء...
وكانت شوارع المدينة تستعد لاستقبال ليلة ربيعية هادئة، بينما تمدد باران فوق فراشه، واضعًا إحدى ذراعيه خلف رأسه، وعيناه معلقتان بسقف غرفته.
إلى جواره، كانت أوراق مشروع التخرج مبعثرة فوق المكتب، والموعد النهائي لتسليمه لم يعد يفصله عنه سوى أيام قليلة.
لكنه، ولأول مرة منذ سنوات، لم يكن يفكر في الهندسة.
ولا في المشروع.
ولا حتى في مستقبله.
كانت صورة واحدة فقط تتسلل إلى ذهنه كلما أغلق عينيه.
فتاة تحمل كتبها إلى صدرها...
عينان رماديتان، سكنهما حزنٌ عميق، حتى بدا وكأن اللون الرمادي لم يكن إلا انعكاسًا لما يعتمل في الروح من وجع لم يستطع تفسيره........ وشعر كستنائي تعبث به نسمات الربيع...
زفر بهدوء، ثم ابتسم ساخرًا من نفسه.
باران: ما الذي يحدث لي؟.
لم يكن من عادته أن ينشغل بأحد.
طوال سنوات الجامعة، لم يلتفت إلى فتاة، رغم محاولات كثيرات التقرب منه.
كان يؤمن، منذ وعى الحياة، أن لكل مرحلةٍ أوانها، وأن استعجال ما لم يحن وقته لا يجلب لصاحبه سوى الندم. لذلك لم يسمح لنفسه يومًا أن ينجرف خلف ما كان يراه من علاقاتٍ عابرة تنشأ بين بعض الشباب والفتيات داخل أسوار الجامعة. كان ينظر إليها بوصفها انشغالًا عما هو أولى، وانحرافًا عن الغاية التي جاء من أجلها.
ولم يكن نفوره من تلك العلاقات نابعًا من تكبّرٍ أو جفاء، بل من قناعةٍ راسخة استقرت في أعماقه؛ فقد تربّى على أن الاختلاط الذي يتجاوز حدوده الشرعية لا يورث القلب إلا اضطرابًا، وأن ما بُني على ما يغضب الله لا يُرجى منه خير. وكان يرى أن الجامعة محرابٌ للعلم، لا ساحةٌ لتضييع الأوقات، ولا مكانًا تُنسج فيه العلاقات التي قد تجر صاحبها إلى ما لا تُحمد عقباه.
ولهذا، صبَّ اهتمامه كله على دراسته، وجعل مستقبله نصب عينيه، مؤمنًا أن النجاح الذي يسعى إليه أولى من اللهو، وأن بناء نفسه أسمى من مطاردة مشاعر عابرة قد تخبو مع أول اختبار.
لكن للحياة طرائقها العجيبة في إعادة ترتيب القناعات.
فمنذ أن وقعت عيناه عليها، اختل ذلك السكون الذي طالما تباهى به. لم يعرف اسمها، ولم يجمعه بها حديث، ولم يتبادل معها سوى نظراتٍ عابرة فرضتها المصادفة... ومع ذلك، كانت صورتها تتسلل إلى ذاكرته كلما أرخى الليل سدوله، فتحتل مساحةً من أفكاره لم يأذن لأحدٍ بدخولها من قبل.
كان يحاول أن يقنع نفسه بأنها مجرد خاطرةٍ عابرة، وأن الأمر لن يتجاوز لقاءً عفويًا سرعان ما تمحوه الأيام. لكن كلما أغلق عينيه، وجد ملامحها حاضرةً بوضوحٍ يربكه، وهدوءها يطوف بخياله في صمت، حتى بات يتساءل، لأول مرة في حياته: كيف استطاعت فتاةٌ لا يعرف عنها سوى ملامح وجهها الهادئة، ونظراتها الوقورة... أن تشق طريقها إلى قلبه بهذه السهولة؟، وكيف وجدت لنفسها موطئًا في أعماقه، حتى غدت تستحوذ على جانبٍ من تفكيره الذي لم يكن يمنحه يومًا إلا لدراسته وطموحه ومستقبله؟.
كان كلما حاول أن يطرد صورتها من ذهنه، عادت إليه أكثر حضورًا، وكأن ذاكرته ترفض التفريط بتلك الملامح التي لم يلتقِ بها إلا مراتٍ عابرة، فيعاتب نفسه، ويوبخ قلبه الذي لم يألف يومًا مثل هذا الاضطراب، ثم لا يلبث أن يجدها تتسلل إلى أفكاره من جديد، بهدوءٍ عجيب، حتى بات يشعر أن مقاومتها أشق عليه من الاستسلام لها.
ولأول مرة منذ أسابيع، وجد نفسه عاجزًا عن تفسير ما يحدث له، أيعقل أن فتاةٌ مجهولة الإسم تهز كيانه بهذه الصورة؟، وأن تحتل جزءًا من قلبه قبل أن يعرف اسمها، أو يسمع صوتها بوضوح، أو يدرك شيئًا عن حياتها سوى أنها مرت في طريقه... فغيّرت شيئًا بداخله لم يكن يعلم بوجوده؟ او يتوقع ان يعيشه في يوم ما؟.
أدار رأسه نحو النافذة، حيث كانت أضواء المدينة تتلألأ من البعيد.
ولأول مرة، حسب الأيام المتبقية.
لم يبقَ سوى أسبوع واحد عاى الاقل...
أسبوع، وتنتهي السنة الجامعية.
وبعدها...
سيتخرج.
وربما لن تطأ قدماه هذه الجامعة مرة أخرى.
وربما...
لن يراها مرة أخرى.
تسللت تلك الفكرة إلى قلبه كالوخز.
نهض جالسًا فجأة.
وقال لنفسه بحزم:
باران: يكفي يا باران... إن بقيت صامتًا فلن يتغير شيء.
ابتسم ابتسامة مترددة.
باران: غدًا... سأكلمها.
ثم سرعان ما نهر نفسه عن ما ينوي فعله، لكن تدارك نفسه
باران: لماذا تريد ان تكلمها، هل تريد ان تواعدها؟.
سكت برهة ثم اجاب...
باران: اريد فقط ان اعرف إسمها ومن تكون؟، واين تسكن فقط؟ ان اخبرها عن مشاعري وانا جاد لا اريد التلاعب بها، بل لأعرف إذا ما كانت تبادلني نفس المشاعر او اصرف نظري عنها، لأشق طريقي بعيدا عنها وهي أيضا، لأضع النقاط على الحروف لا اكثر، لعلاقة لا أعرف كيف أسميها أو أصفها.
قالها كمن اتخذ أصعب قرار في حياته.
ثم أطفأ المصباح، لكنه ظل مستيقظًا وقتًا طويلًا، يعيد في ذهنه عشرات البدايات الممكنة.
_كيف سيبدأ الحديث؟،
_بماذا سيعرف نفسه؟،
_وهل ستستغرب؟،
_أم ستتجاهله؟،
كانت الأسئلة أكثر من أن يجيب عنها.
لكن شيئًا واحدًا كان محسومًا...
غدًا لن يدع أي فرصة تتاح له ليكلمها قبل ان تضيع.
وفي صباح اليوم التالي...
وصل إلى محطة المترو قبل موعده بدقائق.
كانت عيناه تجوبان المكان دون وعي.
حتى لمحها.
كانت تقف في مكانها المعتاد.
تحتضن كتبها، وتنظر إلى السكة في هدوء.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه.
ها هي...
وصل القطار.
واندفع الركاب إلى الداخل.
دخل خلفها مباشرة.
وبينما كان يبحث عن مقعد، لمح مكانًا شاغرًا إلى جوارها.
خفق قلبه بعنف.
«إنها فرصتي.»
تقدم بخطوات سريعة.
ولم يبقَ بينه وبين المقعد سوى خطوة واحدة.
لكن قبل أن يجلس...
اقتربت امرأة مسنة تستند إلى عصاها، وهي تنظر إلى المقعد بإرهاق واضح.
توقف مكانه.
نظر إلى المرأة...
ثم إلى المقعد...
ثم إلى الفتاة.
ابتسم بخفة، وأفسح الطريق للعجوز.
جلست المرأة وهي تتمتم بالدعاء له.
لكن ديلان كانت في عالم آخر، قلبها كان يخفق بسرعة وهي تراه سيجلس بجوارها، واحست بحرارة تلفح وجهها، فاشاحت بوجهها نحو النافذة الزجاجية امامها، لعلها تطفئ لهيب تلك الحرارة، او تطرد تلك الافكار التي إجتاحت عقلها لثواني.
أما هو، فاكتفى بالإيماء لها، ثم وقف ممسكًا بالعارضة الحديدية فوق رأسها.
كانت ديلان قد تابعت ما حدث بطرف عينها.
ورغم أنها لم تنظر إليه مباشرة...
إلا أنها شعرت باحترام خفي تجاه ذلك الشاب.
واكتفت برسم ابتسامة صغيرة تخفيها خلف صفحات كتابها.
أما باران...
فأغمض عينيه للحظة.
ثم ضحك في سره.
«حتى القدر لا يريد أن يسهلها.»
قبل ان ينتهى اليوم الدراسي...
وبينما كانت ديلان تجلس في الكافتيريا وحدها، تقلب صفحات أحد كتبها في انتظار عودة صديقتها مريم التي ذهبت للحمام...
دخل باران المكان.
توقفت عيناه عليها مباشرة.
هذه المرة...
لم يتردد.
تنفس بعمق...
وشد قامته...
ثم اتجه نحو الطاولة التي تجلس إليها.
خطوة...
وأخرى...
وثالثة...
حتى أصبح على بعد خطوات قليلة منها...
ورفع رأسه، مستعدًا لأن ينطق بأول كلمة...