رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثالث3 والرابع4 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثالث3 والرابع4 بقلم عاشقة القلم

.......✍️وقف باران عند مدخل الكافتيريا، وعيناه تستقران عليها.
كانت تجلس وحدها، تقلب صفحات كتابها في هدوء، بينما تنسدل خصلات شعرها الكستنائي على كتفيها كلما انحنت قليلًا للقراءة محدثة تموجات خفيفة.
شعر أن قلبه يخفق بعنف.
لقد قرر أخيرًا...
لن يكتفي بالنظر من بعيد بعد اليوم.
تنفس بعمق، وخطا أولى خطواته نحوها.
خطوة...
ثم ثانية...
وقبل أن يقطع نصف المسافة، دوَّت فجأةً ضحكاتٌ مرتفعة من الجهة المقابلة للكافتيريا، ضحكات مألوفة مزقت ذلك الخيط الرفيع الذي كان يجمع شتات أفكاره.
توقف للحظة، والتفت نحو مصدر الصوت.
كان سليم وطارق يقفان غير بعيدٍ عنه، يتبادلان الضحكات والهمسات، وما إن التقت عيناه بعينيهما حتى أدرك من نظراتهما العابثة أنهما لم يفوتهما شيء. كانت ابتساماتهما الماكرة كفيلة بأن تخبره أنهما لاحظا وجهته، وربما قرآ ما حاول جاهدًا أن يخفيه خلف هدوئه المعتاد.
شعر بحرارةٍ خفيفة تتسلل إلى وجنتيه، فمرر كفه بين خصلات شعره في حركةٍ لا إرادية اعتادها كلما خانه اتزانه.
"اهدأ يا باران... لا تدعهما يكتشفان ارتباكك"،
رددها في نفسه وهو يرسم على وجهه ملامح الهدوء التي طالما عُرف بها، ثم غيّر اتجاه خطواته متعمدًا، وانطلق نحوهما وكأنهما كانا وجهته منذ البداية.
وما إن اقترب حتى تبادلا نظرةً سريعة، قبل أن ينفجرا بالضحك مرةً أخرى.
قال سليم وهو يحاول كتم ضحكته:
سليم: إلى أين كنت متجهًا بهذه العجلة؟.
وقبل أن يجيبه، أردف طارق بنبرةٍ لا تخلو من المشاكسة:
طارق: يبدو أن هناك أمرًا أهم من مشروع التخرج!.
رمقهما بنظرةٍ حاول أن يجعلها جامدة، لكنه كان يدرك أن هدوءه الظاهر لا يعكس شيئًا مما يضج به صدره.
"كم أتمنى لو أستطيع الانصراف الآن... فقط دقيقة واحدة..."،
همس بها لنفسه.
لكنه لم يُظهر شيئًا، واكتفى بابتسامةٍ مقتضبة وهو يجيب بكلماتٍ مختزلة، محاولًا أن يبعد الحديث عن وجهته الحقيقية.
ولم يطل الأمر كثيرًا، إذ اقترب منهم أحد الأساتذة المشرفين على مشروع تخرجهم، فاستحوذ حضوره على الموقف بأكمله.
انخرط الثلاثة في الحديث معه، يناقشون بعض التفاصيل المتعلقة بالمشروع، بينما كان باران يجيب ويستمع، لكن جزءًا من وعيه ظل معلقًا هناك... عند تلك الطاولة.
كان يشعر أن الدقائق تمضي ببطءٍ قاتل.
_هل غادرت؟.....
_أم ما زالت هناك؟.
كان يقاوم رغبةً عارمة في الالتفات كل لحظة، غير أن احترامه لأستاذه منعه من ذلك.
وبعد دقائق قليلة، انتهى الحديث أخيرًا.
تنفس باران الصعداء في خفاء، وكأن حملًا ثقيلًا أزيح عن صدره، ثم استدار على الفور، واتجه ببصره إلى الطاولة التي كانت تجلس إليها.
لكن...
لم يكن هناك أحد.
ثبتت عيناه على المقعد الخالي لبرهة، وكأنه يأبى تصديق ما يراه.
تسللت إلى قلبه خيبةٌ مفاجئة، ثقيلةٌ على غير عادته.
رحلت...
همس بها في داخله، شاعرًا بانقباضٍ لم يجد له تفسيرًا.
راح يجول بعينيه في أنحاء الكافتيريا، يتنقل ببصره بين الوجوه، يبحث عنها بعجلةٍ لم يعهدها في نفسه، حتى لمحها أخيرًا.
كانت تغادر عبر الباب الزجاجي.
وما إن وقعت عيناه عليها، حتى ارتسمت ابتسامةٌ عفوية على شفتيه.
"لم تبتعد كثيرًا... ما زال بإمكاني اللحاق بها"، قالها وهو يحث نفسه للإسراع بإتجاهها.
كان الأمل قد عاد يتسلل إلى قلبه، فتحركت قدماه تلقائيًا، ولم يكن يفصل بينه وبينها سوى أمتار قليلة.
لكن قبل أن يخطو أولى خطواته...
ظهرت فتاةٌ من آخر الممر، تلوح بيدها بحماس، متجهةً نحو ديلان، كانت صديقتها الاي دائما نا يراها رفقتها.
استدارت عينا ديلان إليها، وما إن عرفتها حتى أشرقت على وجهها ابتسامةٌ دافئة، ثم أسرعت نحوها بخطواتٍ خفيفة.
تبادلتا التحية، وسرعان ما راحتا تسيران جنبًا إلى جنب، تتبادلان أطراف الحديث، بينما كانت ضحكاتهما الخافتة تمتزج بضجيج الطلبة الخارجين من القاعات.
وقف باران في مكانه.
لم يتحرك.
ظل يراقب ظهريهما وهما يبتعدان شيئًا فشيئًا، حتى ابتلعهما الزحام، وغابتا عن ناظريه تمامًا.
عندها فقط أطلق زفرةً طويلة، حملت شيئًا من الخيبة، وشيئًا من الاستسلام، ثم هز رأسه بابتسامةٍ باهتة، ساخرًا من نفسه.
"يبدو أن الأقدار لا تزال تقول لي... ليس الآن."
استدار ببطء، ولحق بصديقيه بخطواتٍ هادئة، بينما ظل قلبه معلقًا في ذلك الممر الذي اختفت فيه.
أما هي...
فكانت تبتعد دون أن تلتفت خلفها، ودون أن تعلم أن شابًا وقف للمرة الثانية على بُعد خطواتٍ قليلة من عالمها... ثم حالت الأقدار بينه وبين الاقتراب في اللحظة الأخيرة.
ما إن اقترب منهما حتى تبادل سليم وطارق نظرةً سريعة، أعقبها ارتسام ابتسامةٍ عريضة على وجهيهما، وكأن كليهما قد قرأ ما دار في ذهن الآخر دون حاجةٍ إلى كلمة.
كان باران يعرف تلك النظرات جيدًا...
إنها النظرات التي تسبق سيلًا من التعليقات التي لا تنتهي.
قال سليم وهو يعقد ذراعيه أمام صدره، متصنعًا الجدية:
سليم: غريب!... لم أكن أعلم أن الطريق إلى باب الكافتيريا يمر من هنا.
لم يرفع باران بصره إليه، واكتفى بأن زفر زفرةً خافتة، محاولًا التظاهر بعدم فهم مقصده.
لكن طارق لم يمهله.
مال قليلًا نحوه، ثم قال بخبثٍ لم ينجح في إخفائه:
طارق: بل أخبرني أولًا... منذ متى أصبحت تغادر الطاولة قبل أن تنهي قهوتك؟.
رفع باران حاجبه باستنكار، ثم أجاب بهدوءٍ محسوب:
باران: وهل أصبح القيام من مكاني يحتاج إلى تبرير؟.
قهقه الاثنان معًا.
قال سليم وهو يهز رأسه:
سليم: لو كان أي شخصٍ غيرك لفكرنا أنه خرج لقضاء أمرٍ عادي... أما أنت، فهذه أول مرة أراك تنهض على عجل، وكأن شيئًا ما يجذبك.
شعر باران بانقباضٍ خفيف في صدره.
"هل كنت واضحًا إلى هذه الدرجة؟".
تساءل في نفسه، قبل أن يرسم ابتسامةً باهتة يخفي بها اضطرابه.
أجاب بنبرةٍ ثابتة:
باران: يبدو أنكما تملكان خيالًا واسعًا.
ابتسم طارق وهو يراقب ملامحه بعينٍ فاحصة.
كان يعرف صديقه منذ سنوات، ويحفظ طباعه عن ظهر قلب.
يعرف متى يكون هادئًا...
ومتى يكون هدوؤه مجرد قناع.
وقال وهو يرمقه بنظرةٍ ذات مغزى:
طارق: ليس خيالًا... بل ملاحظة.
صمت لحظة، ثم أضاف مبتسمًا:  منذ دقائق فقط كنت تحدق في اتجاهٍ واحد، ولم تنتبه حتى أننا نناديك للمرة الثالثة.
ارتبكت أنفاس باران للحظة، إلا أنه أخفاها خلف ابتسامةٍ مقتضبة، ثم مرر يده بين خصلات شعره في حركةٍ عفوية خانته للمرة الثانية.
ولم يفت ذلك على سليم.
فضحك قائلًا:
سليم: حتى هذه الحركة لا تفعلها إلا عندما تكون متوترًا.
اتسعت عينا باران قليلًا، ثم هز رأسه مستنكرًا:
باران: يبدو أنكما تراقباني أكثر مما تراقبان محاضراتكما.
ضحك الثلاثة، غير أن سليم عاد يقول هذه المرة بنبرةٍ أكثر هدوءًا:
سليم: في الحقيقة... هذه أول مرة نراك تنظر إلى فتاة.
ساد صمتٌ قصير.
أما باران، فقد شعر أن الكلمات أصابت شيئًا في داخله.
خفض بصره للحظة، ثم قال بهدوءٍ يحمل شيئًا من الحزم:
باران: لا تبنيا أوهامًا لا وجود لها.
نظر إليه طارق طويلًا، ثم ابتسم ابتسامةً صغيرة، وقال في نفسه:
طارق: بل هناك شيء... قد لا تعترف به الآن، لكن عينيك سبقتا لسانك.
وفي تلك اللحظة، قطع اقتراب بعض أصدقائهم حديثهم، فتبددت الدعابة سريعًا، وعادت الجدية لتفرض حضورها على الجميع، بينما كان قلب باران لا يزال معلقًا عند تلك البوابة، ينتظر اللحظة التي يستطيع فيها أن يقترب منها ويتحدث إليها من جديد.

في عصر ذلك اليوم...
كانت رائحة القهوة تعبق في أرجاء شقة عائشة، بينما جلست هي وصفية، زوجة إبراهيم، في غرفة الجلوس كعادتهما كلما سنحت لهما الفرصة.
فمنذ سنوات، لم تكن العلاقة بينهما علاقة زوجات أخين فحسب، بل أصبحتا أقرب إلى أختين جمعتهما الأيام تحت سقف عائلة واحدة، بعد ان قدمت عائشة اوراقها لإحالتها على التقاعد، بعدما كانت مدرسة في إحدى المدارس، بعد إلحاح من زوجها لتتفرغ لأولادها، خصوصا بعد ولادة باران والذي كان كثير المرض في صغره .
وضعت عائشة فنجان القهوة أمام ضيفتها، فابتسمت صفية قائلة:
صفية: لا أحد يعد القهوة مثلك يا عائشة.
ابتسمت الأخرى بحياء.
عائشة: بل أنتِ تجاملينني كالعادة.
ارتشفت صفية رشفة صغيرة، ثم قالت وكأن الأمر خطر ببالها مصادفة:
صفية: بالمناسبة... ما اخبارا هازان مع زوجها في المانيا؟.
عائشة: هما الان يشقان طريقهما، فقد إستخرجا اوراق الشركة الجديدة، لكن لم تكفيهما الاموال لشراء منزل او شقة فإكتفيا بالإيجار، لذلك لايمكنهما الان اخذ ملك معهما.
صفية: لاتقلقي فأراكان زوج هازان رجل صالح وصادق ولن يخذله الله ستمر السنة بسرعة وتتحسن الامور ويعود كل شيء لمساره.
عائشة: إن شاء الله ورفعت يديها وعينيها للسماء بالدعاء.
إنتهزت صفية الفرصة وباغتت عائشة بالسؤال الذي جاءت لاجله.
صفية: ومراد.....كيف أصبح مراد مع عمله الجديد؟.
ارتسمت ابتسامة فخر على وجه عائشة.
عائشة: الحمد لله... لم يمضِ سوى أسبوع على استلامه منصبه الجديد في الشركة التي يعمل بها، فلقد رقي مأخرا لمنصب أعلى وهو سعيد جدًا. تعب سنوات حتى وصل إلى ما هو عليه.
أومأت صفية بإعجاب.
صفية: الله يبارك له.
ثم سألت بهدوء:
صفية: لا بد أن راتبه أصبح أفضل الآن؟.
ضحكت عائشة.
عائشة: أفضل بكثير... حتى إنه أخبر والده أنه سيستلم اول الأسبوع المقبل أول منحة خاصة بالترقية.
صفية: ما شاء الله.
قالتها صفية، ثم أردفت وكأنها تتحدث في أمر عابر:
صفية: إذًا، سيبحث عن عروس وسيبدأ ببناء شقته فوق المبنى فلقد بلغ الثامنة والعشرون، وهذا اوان تأسيسه لبيته؟.
هزت عائشة رأسها نافية.
عائشة: نعم نحن كنا نظن ذلك لكنه قال لوالده....لا... لقد غيّر رأيه.
صفية: حقًا؟.
عائشة: نعم، يقول إنه تعب من التنقل بالحافلات والمواصلات كل صباح، وقرر أن يشتري سيارة أولًا، جمع مبلغًا لا بأس به، ومع منحة الترقية سيتمكن من شراء سيارة جيدة تريحه في ذهابه إلى العمل.
ابتسمت صفية.
صفية: معه حق... السيارة أصبحت ضرورة هذه الأيام.
ثم ساد صمت قصير، قبل أن تعود وتسأل بنبرة هادئة تخفي فضولًا أكبر:
صفية: والبناء؟.
تنهدت عائشة وهي تبتسم.
عائشة: قال لي بالحرف الواحد: "إنه ليس مستعجلا الآن لا على الزواح او البناء، فسيجمع المال اولا ثم سيشرع فيه بعد ذلك، ثم قال: لما العجلة يا أمي وأنا لم أخطب بعد؟ عندما يحين وقته سأبنيها وأتزوج بها."
ضحكت صفية بخفة.
صفية: يبدو أنه يفكر بعقل.
ثم نظرت إليها متسائلة:
صفية: وهل هناك فتاة في حياته؟.
ابتسمت عائشة وهي تهز رأسها.
عائشة: هذا أول ما سألته عنه أنا أيضًا.
اقتربت صفية قليلًا، وكأنها تنتظر الإجابة.
فقالت عائشة:
عائشة: لكنه ضحك وقال: "لو كانت هناك فتاة لكنت أول من يعلم يا أمي، ثم حين اريد ان اتزوج فستبحثين انت عن تلك الفتاة التي سأتزوج بها."
ثم أضافت مبتسمًة:
عائشة: وطلب مني ألا أفتح موضوع الزواج الآن، قال إنه يريد أن يعيش فرحة عمله الجديد قليلًا، ويثبت نفسه فيه، وبعدها يفكر في تكوين أسرة.
هزت صفية رأسها متظاهرة بالاقتناع.
صفية: معه حق... لكل شيء أوانه.
لكنها أخفت ابتسامة صغيرة خلف فنجان القهوة.
فقد كانت تتذكر جيدًا ما كانت تهمس به لابنتها دنيز منذ سنوات...
"مراد سيكون من نصيبك يومًا ما... اصبري فقط."
ولم تكن تعلم...
أن الأقدار كانت تخبئ للجميع طريقًا مختلفًا تمامًا عما رسموه في خيالهم.

مع اقتراب المساء...
فُتح باب شقة إبراهيم بهدوء، ودخلت دنيز بعدما عادت من المعهد.
نزعت حقيبتها عن كتفها، ثم ألقتها برفق على الأريكة وهي تزفر بتعب.
دنيز: السلام عليكم يا أمي.
خرجت صفية من المطبخ تمسح يديها بمنشفة صغيرة، وابتسمت وهي تستقبل ابنتها.
صفية: وعليكم السلام يا ابنتي... كيف كان يومك؟.
ابتسمت دنيز وهي تجلس.
دنيز: متعب كالعادة... لم يبقَ على الامتحانات سوى أيام، وكل الأساتذة يظنون أن موادهم هي الوحيدة التي ندرسها.
ضحكت صفية وهي تضع أمامها كوبًا من العصير.
صفية: اشربي أولًا، ثم اشتكي كما تشائين.
ارتشفت دنيز قليلًا، قبل أن تلاحظ ابتسامة غريبة على وجه والدتها.
عقدت حاجبيها متسائلة:
دنيز: يبدو أنك سعيدة اليوم... ماذا حدث؟.
جلست صفية إلى جوارها وقالت بهدوء:
صفية: كنت عند عائشة زوجة عمك قبل قليل.
رفعت دنيز رأسها باهتمام.
دنيز: حقًا؟ وكيف حالهم؟.
ابتسمت صفية.
صفية: جميعهم بخير... وتحدثنا قليلًا عن مراد.
تسارعت دقات قلب دنيز دون أن تشعر.
حاولت أن تبدو طبيعية وهي تسأل:
دنيز: ها....وماذا قالت؟.
أخذت صفية نفسا وكأنها تستعيد توازنها، ثم أجابت:
صفية: الحمد لله، عمله الجديد يسير على خير ما يرام، وقد أخبرتني عائشة أن الأسبوع القادم سيستلم أول منحة بعد ترقيته في منصب أعلى بالشركة التي بعمل بها، وقد ولاه المدير منصب مدير الحسابات، بدلا من منصبه السابق كمحاسب بعد ان رأى تفانيه ومهاراته في عمله، وحل بعض المعضلات والمشاكل في العمل بسرعة ودقة متناهية محسوسة.
ابتسمت دنيز بعفوية.
دنيز: يستحقها... لقد تعب كثيرًا.
هزت صفية رأسها موافقة.
صفية: صحيح... وسألت والدته عن بناء الشقة فوق العمارة، لكنه أخبرها أنه سيؤجل الأمر قليلًا.
استغربت دنيز.
دنيز: يؤجله؟ ولماذا؟.
صفية: لأنه يريد شراء سيارة أولًا، ثم يجمع مبلغًا أكبر، وبعدها يبدأ البناء وهو مرتاح.
أومأت دنيز بتفهم.
دنيز: هذا تصرف حكيم.
ابتسمت صفية وهي تنظر إليها نظرة ذات معنى.
صفية: والأهم من ذلك...
رفعت دنيز عينيها إليها تنتظر ما ستتفوه به امها بنفاذ صبر.
صفية: لا توجد فتاة في حياته.
ساد صمت قصير.
شعرت دنيز بحرارة خفيفة تسري في وجنتيها، فأخفضت بصرها إلى الكوب الذي بين يديها.
أما صفية، فابتسمت وربتت على يد ابنتها برفق.
صفية: ألم أقل لك منذ سنوات؟.
رفعت دنيز عينيها إليها وقد لمعت بهما فرحة جاهدت لتخفيها.
قالت صفية بثقة:
صفية: مراد سيكون من نصيبك بإذن الله.
أنت ابنة عمه... وإبن العم اولى بإبنة عمه.
ونعرف بعضنا بعضًا منذ الصغر، ولا أرى فتاةً تناسبه أكثر منك.
ابتسمت دنيز بخجل، وقالت بصوت خافت:
دنيز: إن شاء الله يا أمي....
ابتسمت صفية.
صفية: نعم، هي بيد الله أولًا، لكن الإنسان يسعى أيضًا، ولايتركها للصدف.
ثم أضافت وهي تنظر نحو النافذة المقابلة لها:
صفية: دعيه الآن يثبت نفسه في عمله، ويجمع ما يكفي ليبني شقته كما يريد... وعندما يحين الوقت، سأتحدث أنا وعائشة في الأمر، فلقد ترك لها حرية إختيار عروسه المستقبلية.
لم تجب دنيز.
اكتفت بابتسامة صغيرة، بينما تسللت إلى قلبها أمنية قديمة، رافقتها منذ طفولتها.
كانت ترى في مراد شابًا خلوقًا، مجتهدًا، يحترم الجميع، ولم يخطر ببالها يومًا أن يكون زوجها شخصًا غيره، فقد كانت تتخيل نفسها عروسا بفستانها الابيض بجواره.
ولم تكن تعلم...
أن الأيام كانت تخبئ لكل واحد منهم قدرًا مختلفًا، لا يشبه الأحلام التي رسموها في خيالهم.

في الجهة الأخرى من المدينة...
كانت ديلان تدفع باب المنزل بهدوء، بعد يوم طويل قضته بين قاعات الجامعة والمكتبة.
ما إن دخلت حتى سمعت صوت ضحكات أخويها الصغيرين، أحمد وعمر، يتعالى من الغرفة الوحيدة التي تجمعهما بها.
ابتسمت رغم تعبها.
إتجهت مباشرة نحو الغرفة، وضعت حقيبتها جانبًا، ثم انحنت تقبّل رأسيهما.
ديلان: كيف كان يومكما؟.
أجاب أحمد بحماس:
أحمد: حصلت على العلامة الكاملة في اختبار الإملاء.
صفقت له ديلان مبتسمة.
ديلان: أحسنت... كنت أعلم أنك ستنجح.
أما عمر، فأسرع يحتضن ذراعها وهو يقول:
عمر: وأنا أحضرت لي المعلمة نجمةً ذهبية لانني أحسنت الكتابة في حصة الخط.
ضحكت وهي تربت على شعره.
ديلان: إذن لدينا بطلان في هذا البيت.
في تلك اللحظة، خرجت أمينة من المطبخ، وقد بدت علامات الإرهاق واضحة على وجهها.
ابتسمت لابنتها ابتسامة متعبة.
أمينة: وصلتِ يا ديلان؟.
إتجهت ديلان نحوها وقالت..
ديلان: نعم يا أمي... لقد عدت باكرا اليوم، هل أساعدك؟.
هزت أمينة رأسها.
امينة: نعم السيدة نوال كانت مدعوة خارج البيت، فإنصرفت باكرا، بدّلي ثيابك أولًا، ثم تعالي.
دخلت ديلان الغرفة الصغيرة التي تجمعها بأخويها، وبدلت ملابسها سريعًا، ثم عادت لتساعد والدتها في إعداد المائدة.
لم يكن في البيت ما يدل على الرفاهية.
أثاث قديم...
وجدران أنهكتها الرطوبة...
لكن ديلان كانت تحاول دائمًا أن تزرع شيئًا من النظام والجمال في كل زاوية، وكأنها تقاوم قسوة الحياة بما تستطيع.
وبينما كانت ترتب الأطباق...
انفتح باب الشقة بعنف.
دخل كاظم مترنحًا قليلًا، تفوح منه رائحة السجائر والخمر، بينما ارتسمت على وجهه ملامح عبوسة اعتادها الجميع.
ألقت أمينة عليه السلام، فسار نحو المائدة وهو يجيبها بإقتضاب بعدما رآها واقفة في المطبخ مع إبنتها؛ فقد كان يمني نفسه عدم رؤيتها لربما تسنح له الفرصة اخيرا مع ديلان، التي بدات نفسه الخبيثة تحثه على افعال دنيئة معها.
تقدم نحو الطاولة ثم جلس وهو يلقي نظرة سريعة على الطعام.
ثم قال باستهزاء:
كاظم: هذا كل ما عندكم اليوم؟.
تنهدت أمينة بصمت.
أمينة: هذا ما استطعت إعداده.
لم يعلق، ثم رمى امامها بعض المال على الطاولة قائلا...
كاظم: لماذا لم تقولي ذلك في الصباح عندما خرجت، خذي هذا المال وجهزي لنا عشاءا يأكل افهمت.
اومأت له أمينة بالإيجاب وعادت لتكمل ما كانت تفعله.
لكن عينيه اتجهتا نحو ديلان، التي كانت تقف إلى جوار والدتها.
توقفت نظراته عندها لحظة أطول مما ينبغي.
ثم قال بابتسامة لم ترتح لها أبدًا:
كاظم: يبدو أن الجامعة غيّرتك...
كبرتِ بسرعة.
تجمدت يد ديلان في مكانها.
وأخفضت رأسها فورًا، متظاهرة بترتيب الصحون.
أما أمينة، فلم تنتبه لما وراء الكلمات، وقالت بعفوية:
أمينة: طبيعي... أصبحت طالبة جامعية.
ابتسم كاظم ابتسامة خبيثة لم يلحظها أحد غير ديلان.
ثم أردف وهو يواصل النظر إليها:
كاظم: لهذا أقول... يجب أن تنتبهي لنفسك أكثر، فالجامعة مليئة بالذئاب.
التقت عيناهما لثانية واحدة.
شعرت ديلان بقشعريرة باردة تسري في جسدها.
كانت تعرف جيدًا...
أن الذئب الذي تخشاه لا يوجد في الجامعة.
بل يجلس الآن أمامها على بعد خطوات منها.
أشاحت بوجهها سريعًا، وأمسكت بإبريق الماء لتخفي ارتجاف يديها.
وبعد العشاء...
دخلت الغرفة التي تجمعها بأخويها، انتظرت حتى غلب النعاس أحمد وعمر، دثرتهما ثم جلست إلى مكتبها الصغير قرب النافذة.
فتحت كتابها، وحاولت التركيز في المراجعة، لكن الكلمات كانت تتداخل أمام عينيها، رفعت رأسها نحو السماء التي بدأت تكتسي بسواد الليل.
وأغمضت عينيها قليلًا.
كانت الجامعة...
المكان الوحيد الذي تشعر فيه بأنها تتنفس.
أما هذا البيت...
فكان يشبه قفصًا جميلًا من الخارج، لكنه يضيق حولها يومًا بعد يوم، ويطبق على انفاسها.
ورغم ذلك...
أقسمت في سرها أنها ستتمسك بدراستها حتى النهاية.
فربما...
كان العلم هو الباب الوحيد الذي سيخرجها يومًا من هذا الجحيم.

في اليوم التالي.....
كان الصباح ينقضي والمساء بدأ يهبط ببطء على المدينة، يطوي ضجيج النهار شيئًا فشيئًا، بينما بدأت أروقة الجامعة تخلو من الطلبة بعد يوم طويل من المحاضرات والمراجعات.
خرج باران من مبنى كلية الهندسة يحمل ملف مشروع تخرجه بين ذراعيه، وإلى جواره صديقه سليم، يتبادلان الحديث حول التعديلات الأخيرة التي طلبها المشرف.
كان يحاول أن ينصت إليه، لكن جزءًا من عقله كان منشغلًا بشيء آخر.
ألقى نظرة عابرة نحو الساحة الممتدة أمام الكلية...
تلك النظرة التي أصبحت عادة لا يستطيع التخلص منها.
وكانت هناك.
تقف بالقرب من لوحة الإعلانات، تتأمل جدول الامتحانات التي ستبدأ الأسبوع المقبل في هدوء، بينما كانت خصلات شعرها الكستنائي وتلك الخصلات الذهبية تعبث بها نسمات الربيع الخفيفة.
توقفت خطواته دون أن يشعر.
ليست توقفًا يلحظه أحد...
بل مجرد تباطؤ قصير، كأن قلبه هو من سبق قدميه إليها.
قال سليم وهو يشير إلى بعض الأوراق:
سليم: علينا أن نعيد حساب هذا الجزء مرة أخرى.
انتبه باران لكلامه بعد لحظات.
باران: نعم... معك حق.
لكنه لم يكن قد سمع ما قاله أصلًا.
ظل بصره معلقًا بها للحظة أخرى.
ثم ابتسم في داخله ساخرًا من نفسه.
"إلى متى سأظل أبحث عنها هكذا؟"،
"حتى أنا لم أعد أفهم نفسي."،
"كل يوم أقول إنها مجرد صدفة..."،
"لكنني صرت أنتظر هذه الصدفة."
أما ديلان...
فكانت تقرأ التواريخ وتوافقها مع المواد التي ستمتحن بها، في الاوراق المعلقة أمامها، لكنها لم تكن ترى الكلمات بوضوح.
شعرت بذلك الإحساس المألوف.
ذلك الشعور الذي يخبرها، دون أن تنظر، بأنه قريب.
رفعت رأسها بهدوء.
فرأته.
كان يسير إلى جوار أحد زملائه، يحمل بين يديه مجسمًا صغيرًا وبعض الملفات.
بدت على وجهه علامات الإرهاق.
"لابد أنهم يستعدون لمناقشة مشروع التخرج..."
قالتها في سرها وهي تتابعه بعينيها.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لم تنتبه إليها حتى هي.
"اقترب موعد تخرجه إذن..."
"بعد أيام..."،
" ربما لن أراه هنا مرة أخرى."
تسللت الفكرة إلى قلبها على مهل.
فشعرت بشيء يشبه الفراغ.
ولم تعرف لماذا.
خفضت بصرها سريعًا.
وحاولت أن تعود إلى جدول الامتحانات.
لكن الكلمات تداخلت أمام عينيها.
وفي الجهة الأخرى...
كان باران قد رفع رأسه مرة ثانية.
وكأن قلبه رفض أن يرحل قبل أن يطمئن أنها ما زالت هناك.
وقعت عيناه عليها في اللحظة نفسها التي رفعت فيها رأسها من جديد.
التقت نظراتهما...
لثوانٍ قليلة.
ثوانٍ صامتة...
لم تحمل وعدًا...
ولا اعترافًا...
ولا حتى ابتسامة.
لكنها حملت ذلك الشعور الغريب الذي بدأ يكبر في قلبيهما يومًا بعد يوم.
ثم...
خفض كل واحد منهما بصره قبل الآخر.
وكأن الحياء كان أسبق من المشاعر.
تابع باران سيره.
وبينما كان يبتعد، قال في نفسه:
"غريب..."
"لا أعرف اسمها..."
"ولا أعلم اي شيء عنها..."
"ولا حتى صوتها..."
"ومع ذلك..."
"أشعر أن غيابها سيترك مكانًا فارغًا في هذا المكان."ووضع يده على قلبه.
أما ديلان، فظلت واقفة في مكانها لحظات.
تراقب ابتعاده من طرف عينيها دون أن تشعر.
ثم تنهدت بخفوت.
"لماذا أفكر فيه أصلًا؟"،
"إنه طالب سيتخرج قريبًا..."،
"وسينتهي كل شيء"،
"وسيصبح مجرد وجه رأيته في الجامعة."
لكن قلبها...
لم يقتنع بما قاله عقلها.
واكتفى بالصمت.
بينما كانت الشمس تغيب خلف مباني الجامعة، كان اثنان يسيران في طريقين مختلفين...
لا يعرف أحدهما اسم الآخر...
ولا يدرك أيٌّ منهما أن القدر كان، في صمت، يكتب أول فصول حكاية لن ينساها العمر.

حلّ الليل على المدينة، وسكنت الشوارع التي كانت تضج بالحياة منذ ساعات، وأخذ كل بيت يستقبل أبناءه بعد يوم طويل.
في منزل باران...
كان قد انتهى من مراجعة آخر الملاحظات الخاصة بمشروع التخرج، ثم أغلق الحاسوب وألقى القلم فوق مكتبه.
مدّ جسده فوق الفراش، وأسند ذراعه خلف رأسه، بينما ظل بصره معلقًا بسقف الغرفة.
كان مرهقًا...
لكن النوم لم يأتِ.
عاد شريط اليوم يمر أمام عينيه دون إرادة منه.
الساحة...
لوحة الإعلانات...
ثم ذلك الوجه الهادئ.
ابتسم بخفة، ثم زفر وهو يغمض عينيه.
"غريب أمرك يا باران..."،
"كل ما تعرفه عنها أنها طالبة في هذه الجامعة"،
"لا اسم... ولا عنوان... ولا شيء آخر."
"ومع ذلك..."
"أصبحت أبحث عنها كل صباح."
فتح عينيه من جديد، ثم اعتدل جالسًا على حافة السرير.
نظر إلى التقويم المعلق على الجدار.
لم يبقَ سوى أيام قليلة...
ثم تنتهي الجامعة.
"وربما..."،
"لن أراها بعدها أبدًا "،
ظل صامتًا برهة.
ثم ابتسم لنفسه ابتسامة صغيرة.
"إن صادفتها مرة أخرى..."،
"فلن أكتفي بالنظر هذه المرة "،
"سأجد طريقة لأتحدث إليها "،
أغمض عينيه لبرهة، ثم زفر بهدوء، وكأنه يحاول أن يعيد ترتيب الفوضى التي أثارتها تلك الفتاة في قلبه.
"لا... لن أسمح لهذا الأمر أن يسير بعشوائية."
رددها في داخله بحزم، قبل أن يستقيم في وقفته، وقد بدأ عقله يستعيد شيئًا من اتزانه الذي كاد يفقده.
باران: سأجد طريقةً للتحدث إليها... لكن حين يحين الوقت المناسب. طريقةٌ لا تُشعرها بالحرج، ولا تمس حياءها، ولا تضعها في موقفٍ قد تتمنى لو لم تمر به يومًا.
كان يعرف جيدًا أن الفتاة التي رأى الوقار في ملامحها، والحياء في نظراتها، تستحق أن يُصان احترامها قبل أي شيء آخر.
ولهذا، لم يكن واردًا عنده أن يوقفها أمام أنظار الطلبة، أو أن يلاحقها في الممرات، أو يمنح أحدًا فرصةً لنسج الأقاويل حولها.
هز رأسه نافيًا تلك الأفكار كلها.
باران: لا... ليس أمام سليم وطارق، ولا أمام أحدٍ من أصدقائي أو معارفها.
ثم أردف في نفسه، وقد ازدادت ملامحه جدية:
باران: آخر ما أريده أن تصبح حديثًا يتداوله الناس، أو أن تكون موضع مزاحٍ او شبهة على ألسنة الآخرين بسببي.
شعر بانقباضٍ في صدره لمجرد تخيله لذلك.
كيف يرضى أن تمتد إليها الألسنة وهي التي لم ير منها إلا كل وقارٍ واحترام؟.
وكيف يسمح لنفسه أن يكون سببًا في خدش حيائها وسمعتها، أو أن تتكون عنها فكرةٌ لا تليق بها، لمجرد أنه أراد إشباع فضول قلبه؟.
لقد كانت، في نظره، فتاةً عفيفةً تكسوها هيبةٌ هادئة، ولم يكن من الشهامة، ولا من المروءة، أن يعرّضها لكلمةٍ قد تؤذيها، أو نظرةٍ قد تضايقها، أو حديثٍ قد يثقل قلبها ويرهق نفسها.
ابتسم ابتسامةً خافتة، وهو يحدث نفسه بثبات:
باران: إن كان لا بد أن يجمعني بها حديثٌ يومًا، فليكن حديثًا يحفظ لها كرامتها قبل أن يحقق رغبتي، وليكن لقاءً لا تخجل من تذكره، ولا تندم عليه.
عندها فقط شعر بشيءٍ من السكينة يعود إلى قلبه.
فهو، وإن كان عاجزًا عن انتزاع صورتها من ذاكرته، لم يكن مستعدًا لأن يبلغ إليها بطريقٍ لا يرضي ضميره، أو يتعارض مع المبادئ التي عاش عمره متمسكًا بها.
ولأول مرة منذ أسابيع...
شعر أنه إتخذ قرارًا سليما.

وفي الجهة الأخرى من المدينة...
كانت ديلان قد انتهت من مراجعة أحد المقررات، وأغلقت الكتاب بعدما بدأت الحروف تتراقص أمام عينيها من شدة الإرهاق.
أطفأت المصباح الصغير، ثم اقتربت من النافذة.
كان الليل هادئًا على غير عادته.
رفعت بصرها إلى السماء، وأخذت تستنشق الهواء البارد.
لكن عقلها لم يكن مع النجوم...
بل عاد، دون استئذان، إلى الجامعة.
إلى تلك النظرة الأخيرة.
خفضت رأسها وهي تبتسم بخجل من نفسها.
"ما بك يا ديلان؟"،
"منذ متى يشغلك شخص لا تعرفينه؟"،
"ربما لن تريه بعد هذا الأسبوع "،
"وسيمضي كل واحد في طريقه."
تنهدت بخفوت.
ثم أغلقت النافذة.
وأمسكت كتابها من جديد.
"الأهم الآن..."،
"أن أنجح "،
"أما هو..."،
"فليوفقه الله حيثما كان "،
ابتسمت لهذه الدعوة العابرة...
دون أن تدري لماذا دعت له أصلًا.
وفي تلك الليلة...
نامت المدينة بأسرها.
إلا قلبين...
بقيا مستيقظين قليلًا.
كلٌّ منهما يفكر في وجهٍ لا يعرف عنه شيئًا...
سوى أنه أصبح، دون أن يشعر، أجمل صدفة مرّت في أيامه.

في آخر أيام الأسبوع.....
كان بهو الجامعة يعجّ بالطلبة في ذلك اليوم، وقد ازدانت أروقته بعدد من اللوحات الفنية والأعمال الطلابية التي أُقيم لها معرض صغير مع اقتراب نهاية العام الجامعي، ضمن الفعاليات و النشاطات الفنية والثقافية التي كانت تقوم بها الجامعة، بين الحين والآخر لكسر الروتين الذي يبدأ يتسرب للطلبة.
لم تكن ديلان من هواة التوقف طويلًا أمام المعارض، لكن شيئًا ما استوقفها وهي تمرّ مع مريم في طريقهما إلى المكتبة.
كانت لوحة تتوسط أحد الجدران،
لمدينة يلفّها المطر، شوارعها شبه خالية، وفي أقصى الطريق يقف طفل صغير يحمل مظلة حمراء، بينما يتسلل ضوء دافئ من نافذة بيت بعيد، كأنه يعد كل تائه بأن هناك مأوى ينتظره في نهاية الطريق.
وقفت أمامها دون أن تشعر.
انعقدت عيناها على تفاصيلها الصغيرة، وكأن الرسام لم يرسم مدينة، بل رسم شعورًا كاملًا.
همست دون وعي:
ديلان: ما أجملها!!!؟...
لم تكن تعرف لماذا لامست اللوحة شيئًا دفينًا في داخلها، لكنها شعرت أنها تشبه قلبًا أنهكه الانتظار، وما زال يؤمن بأن الضوء موجود في آخر الطريق، كانت قد أسقطت تلك اللوحة على واقعها، وشعرت بأمل يتسرب لقلبها، وان نهاية المها وما عاشته بدت وشيكة، فما عليها سوى الصبر وإنتظار الفرج القريب من الله.
أما في الجهة الأخرى من الرواق، فكان باران يقف بصحبة صديقه سليم.
لم يكن ينظر إلى لوحته...
بل كان ينظر إلى الفتاة التي وقفت أمامها منذ دقائق.
رآها تتأمل كل تفصيلة فيها، ثم ترتسم على شفتيها ابتسامة صغيرة بالكاد تُرى.
ولم يشعر بنفسه إلا وهو يبتسم هو الآخر، لا يعلم لماذا يبتسم، لكنه شعر انها فهمت مغزى صورته، وقد وصلتها الرسالة التي حاول بثها عبر تلك الخطوط والالوان، ابتسم في خفاء، وقد راوده يقينٌ غريب بأنها تشاركه تلك النظرة المختلفة إلى الأشياء؛ النظرة التي لا تكتفي برؤية الألوان، بل تبحث عما تخبئه من إحساس، وكأن الأرواح المتشابهة تعرف بعضها دون حاجة إلى الكلمات.
لم يكن ينتظر جائزة...
ولم يكن ينتظر تصفيقًا...
لكن إعجابها الصامت بلوحته بدا له أغلى من كل ذلك.
وفي تلك اللحظة، انطلق صوت المذيع عبر مكبرات الصوت التي كانت تحيط بالمكان:
"يسرّ إدارة الجامعة أن تعلن فوز اللوحة المشاركة في المعرض الفني لهذا العام، والمقدمة من الطالب..."
لكن الكلمات تلك ضاعت على ديلان، فقد كانت تحركت وإبتعدت قبل ذلك،  إذ أمسكت مريم بذراعها وهي تقول على عجل:
مريم:  هيا يا ديلان، لنسرع إلى المكتبة، بقيت بعض الملاحظات التي أريد مراجعتها قبل بداية الامتحانات الأسبوع المقبل.
انتبهت ديلان إليها، وألقت نظرة أخيرة على اللوحة من بعيد قبل أن تستدير معها مبتعدة.
ولم تلتفت لترى صاحبها.
أما باران، فقد بقي واقفًا في مكانه، يتابعها بعينيه حتى اختفت بين الممرات.
ثم وصل إليه آخر الإعلان بوضوح:
" ...الطالب باران ارسلان من كلية الهندسة، ونهنئه بحصوله على المركز الأول".
تعالت التصفيقات حوله، وربّت سليم على كتفه وهو يضحك:
سليم: ألم أقل لك إنك ستفوز؟.
ابتسم باران ابتسامة هادئة، شكر من هنأه، لكن عينيه كانتا ما تزالان معلقتين بالممر الذي غادرت منه تلك الفتاة.
لم يكن يعلم لماذا شعر، في تلك اللحظة تحديدًا، أن فرحته بالجائزة لم تكتمل...
وكأن شخصًا كان يتمنى، ولو من بعيد، أن يعرف أن تلك اللوحة كانت له.
الفصل الرابع من رواية 
حبيبتي زوجة أخي 💔

.......✍️استيقظ المنزل ذلك الصباح على غير عادته في عطلة نهاية الأسبوع.
كانت الشمس قد بدأت ترسل أشعتها الذهبية عبر النوافذ، فيما انتشرت رائحة القهوة التي أعدتها عائشة في أرجاء الشقة.
خرج باران من غرفته وهو يصلح أزرار قميصه، ليجد مراد يقف أمام المرآة يعدل ياقة سترته، وعلى ملامحه مزيج من الحماس والتوتر.
ابتسم باران وهو يقترب منه قائلاً مازحًا:
باران: يبدو أنك لم تنم جيدًا الليلة.
ابتسم مراد دون أن ينكر.
مراد: وهل ينام من سيشتري أول سيارة في حياته؟.
ضحك باران وربت على كتفه.
باران: كأنك ذاهب لاستلام جائزة.
أجابه مراد وهو يلتقط مفاتيحه:
مراد: بالنسبة لي... هي جائزة فعلًا؛ سنوات من التعب والادخار حتى وصلت إلى هذه اللحظة.
في تلك الأثناء، خرج عزت من غرفته، وقد سمع حديثهما.
نظر إلى ابنه الأكبر بعينين يملؤهما الفخر، ثم قال بهدوء:
مراد: السيارة ليست مجرد وسيلة نقل يا مراد... إنها ثمرة تعبك. حافظ عليها، كما حافظت على تعبك حتى وصلت إليها.
أومأ مراد باحترام.
مراد: بإذن الله يا أبي.
وضعت عائشة فنجاني القهوة أمامهما وقالت بابتسامة أمومية:
عائشة: اشربا أولًا، ثم اذهبا على بركة الله.
جلس الشقيقان إلى المائدة لدقائق، يتبادلان الحديث الخفيف ويتناولان إفطارهما، قبل أن يقفا استعدادًا للمغادرة.
ناول مراد المفاتيح إلى باران مبتسمًا.
مراد: سترافقني، أليس كذلك؟.
رفع باران حاجبيه مداعبًا:
باران: وهل كنت تنوي الذهاب وحدك في يوم كهذا؟.
ابتسم مراد باتساع.
مراد: الحقيقة... كنت أريد أن تكون أول من يشاركني هذه اللحظة.
اتسعت ابتسامة باران، وشعر بدفءٍ يسري في صدره.
منذ صغرهما، كان مراد بالنسبة إليه أكثر من أخٍ أكبر؛ كان قدوته، وسنده، وصاحب النصيحة الأولى كلما تعثر، رغم ان مراد عصبي المزاج عكس باران الهادئ الذي لاينفعل بسهولة.
غادرا المنزل معًا، بينما وقفت عائشة عند الباب تراقبهما حتى اختفيا في آخر الشارع، ثم رفعت كفيها إلى السماء وهمست:
عائشة: اللهم بارك لهما، واحفظهما بعينك التي لا تنام.
بعد نحو ساعة...
كان معرض السيارات يعج بالزبائن.
اصطفت السيارات بألوانها المختلفة تحت الأضواء اللامعة، يتنقل بينها الباعة بابتساماتهم المعتادة، يشرحون المواصفات والأسعار لكل زائر.
راح مراد يتأمل السيارات بإمعان، بينما كان باران يسير إلى جواره، يشاركه الرأي، ويقارن بين الخيارات.
توقف مراد أخيرًا أمام سيارة فضية أنيقة.
دار حولها ببطء، ثم فتح بابها وجلس خلف المقود.
أدار نظره في المقصورة، ولمعت عيناه بإعجاب.
ابتسم باران وهو يراقب ملامحه.
كان يعرف هذا التعبير جيدًا...
إنه التعبير نفسه الذي كان يرتسم على وجه أخيه كلما تحقق حلم انتظره طويلًا.
سأله البائع وهو يقف بجواره:
البائع: ما رأيك يا أستاذ؟.
نظر مراد إلى باران قبل أن يجيب، كأنه ينتظر رأيه أولًا.
ابتسم باران وقال بهدوء:
باران: أظن أنك وجدت السيارة التي كنت تبحث عنها.
أطرق مراد برأسه قليلًا، ثم مرر يده فوق المقود برفق.
مراد: نعم...
صمت لحظة، ثم قال بصوت خافت امتزج فيه الفرح بالامتنان:
مراد: تعبت كثيرًا حتى أصل إلى هنا.
ربت باران على كتفه وقال بابتسامة صادقة:
باران: وكل تعبك كان يستحق هذه اللحظة.
ابتسم مراد، ثم التفت إلى البائع قائلاً بثقة:
مراد: حسنًا... سأشتريها.
ولم يكن يعلم أن فرحته تلك لن تقتصر عليه وحده...
بل ستتحول، بعد ساعات قليلة، إلى فرحةٍ تعمّ البيت كله.
ما إن انعطفت السيارة إلى الشارع الذي يقع فيه منزل العائلة، حتى خفف مراد من سرعتها، وكأنّه أراد أن يطيل لحظة الوصول قدر الإمكان.
كان يمرر أصابعه على المقود بين الحين والآخر، وما يزال غير مصدّق أن السيارة التي يقودها أصبحت ملكه أخيرًا.
أما باران، الجالس إلى جواره، فقد كان يراقب أخاه بطرف عينه ويبتسم في صمت.
منذ طفولتهما، اعتاد أن يرى مراد يؤجل رغباته، ويدخر جزءًا من راتبه كل شهر، ويحسب خطواته بدقة. لذلك شعر أن هذه السيارة ليست مجرد وسيلة نقل، بل شهادة صامتة على سنوات طويلة من الصبر والاجتهاد.
توقفت السيارة أمام البناية.
ولم تمض سوى لحظات حتى انفتح باب المدخل.
خرج عزت أولًا، تتبعه عائشة تحمل بين ذراعيها ملك الصغيرة، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة مشرقة، ثم لحق بهما إبراهيم وصفية، وخلفهما روني ودنيز.
فتح مراد الباب، وترجل من السيارة، فاستقبله والده بعناقٍ قصير، لكنه كان يحمل من الفخر ما لا تستطيع الكلمات التعبير عنه.
قال عزت وهو يربت على كتف ابنه:
عزت: مبارك عليك يا بني... أسأل الله أن يجعلها فاتحة خير، وأن يبارك لك في رزقك.
خفض مراد رأسه باحترام، وقبّل يد والده.
مراد: هذا من دعائكم يا أبي.
اقترب إبراهيم يصافحه بحرارة.
إبراهيم: تستحقها يا مراد... والله لقد أسعدتنا اليوم.
وفي تلك الأثناء، كانت عائشة تدور حول السيارة بعينين لامعتين، تلمس هيكلها برفق، وكأنها تخشى أن يكون ما تراه مجرد حلم.
قالت وهي تبتسم لابنها:
عائشة: ما شاء الله... كأنها عروس.
فضحك الجميع.
أما روني، فلم يستطع إخفاء حماسه.
راح يدور حول السيارة مرة، ثم ثانية، قبل أن يقول بلهفة:
روني: مراد... هل تسمح لي بالجلوس خلف المقود؟.
ابتسم مراد وهو يناوله المفتاح.
مراد: لكن من دون تشغيلها.
كاد الفتى يقفز من شدة الفرح، فاندفع نحو الباب، بينما علت ضحكات الجميع.
وقف باران إلى جوار أخيه، ينظر إلى المشهد بقلبٍ امتلأ دفئًا.
لم يكن الفرح يخص مراد وحده.
بل كان يشعر أن نجاح أخيه نجاح للعائلة كلها.
وفي تلك اللحظة، خرجت ملك من بين ذراعي جدتها، تمد يديها نحو مراد وهي تطلق أصواتًا طفولية بريئة.
حملها بين ذراعيه، ثم أجلسها على المقعد الأمامي للحظات، فبدأت تضرب بكفيها الصغيرتين على المقود، لتتعالى ضحكات الكبار من جديد.
راقبت عائشة أبناءها، وشعرت بغصة شوقٍ عابرة إلى ابنتها هازان.
كم كانت تتمنى لو كانت هنا، تشاركهم هذه اللحظة.
لكنها سرعان ما أخفت حنينها خلف ابتسامة راضية، وهمست في سرها:
"اللهم اجمع شملنا قريبًا."
ابتسم عزت وهو ينظر إلى الجميع، ثم قال بصوتٍ مفعم بالرضا:
عزت: لا يصح أن نقف في الخارج هكذا... اليوم يوم فرح، ولن يكتمل إلا بوجودنا جميعًا حول مائدة واحدة.
ثم التفت إلى شقيقه إبراهيم وقال:
عزت: ما رأيك أن تتناولوا الغداء معنا؟ وعائشة ستعد الشاي بعده، ونقضي بقية النهار معًا كما اعتدنا.
ابتسم إبراهيم دون تردد.
إبراهيم: وهل تحتاج دعوتك إلى تفكير؟.
وأضاف مازحًا:
إبراهيم: ثم إن صفية لن تفوّت فرصة تذوق طعام أختها.
ضحكت عائشة وهي تهز رأسها.
عائشة: إذًا اتفقنا.
وقبل أن يتحرك الجميع نحو الداخل، كانت دنيز تقف على مسافة غير بعيدة.
تأملت مراد وهو يضحك مع والده وشقيقه، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة.
منذ صغرها، كانت والدتها تردد على مسامعها أن مراد سيكون زوجها يومًا ما، حتى ترسخ ذلك الحلم في قلبها، وأصبح يبدو لها وكأنه أمر سيحدث لا محالة.
راقبته وهو يساعد والدته في حمل بعض الأغراض، فشعرت برغبة عارمة في الاقتراب منه، والحديث معه، ولو لدقائق قليلة.
لكنها تمالكت نفسها.
"ما زال اليوم طويلًا..." قالتها في سرها.
"ستسنح الفرصة داخل المنزل."
وفي الجهة المقابلة، التقت عينا باران بها للحظة.
لم تعجبه تلك النظرة التي لمحها في عينيها وهي تتابع أخاه.
كان قد اعتادها منذ سنوات.
كلما حقق مراد إنجازًا جديدًا، وجد دنيز تحاول أن تكون أقرب إليه من ذي قبل.
ولذلك، لم يشعر بالارتياح.
صرف بصره عنها في هدوء، لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من الزفير بضيق.
أما مراد...
فلم ينتبه إلى شيء من ذلك كله.
كان يرى في دنيز ابنة عمه التي نشأت معهم تحت سقف واحد، كان يراها أختا مثل هازان لا أكثر.
ولم يخطر بباله قط أن قلبًا ما قد يحمل له شعورًا مختلفًا.
وبينما كانت العائلتان تصعدان الدرج وسط الأحاديث والضحكات، كانت دنيز تسير بخطوات هادئة، وقد بدأت في رأسها تتشكل فكرة صغيرة...
فكرة رأت فيها فرصة جديدة، لعلها تنجح هذه المرة في لفت انتباه مراد.

ما إن انتهى الجميع من تأمل السيارة الجديدة، حتى صعدوا إلى شقة عزت، حيث كانت رائحة الطعام قد ملأت المكان، واختلطت بأصوات الضحكات التي لم تغب عن ذلك البيت يومًا.
تحركت عائشة بين المطبخ وغرفة الجلوس بخفة اعتادت عليها، بينما ساعدتها صفية في ترتيب المائدة، وكلتاهما تتبادلان الأحاديث والابتسامات كما لو أنهما شقيقتان لا زوجتا أخوين.
أما الرجال، فقد جلسوا يتحدثون عن السيارة الجديدة، وعن العمل، وعن أحوال الأيام، بينما كان روني يتنقل بينهما كل بضع دقائق، يسأل مراد عن سرعة السيارة واستهلاكها للوقود، فينفجر الجميع ضاحكين من كثرة أسئلته.
وفي تلك الأثناء...
استأذنت دنيز بهدوء، ثم عادت بعد دقائق وهي تحمل صينية كبيرة، تتوسطها أطباق من الحلوى التقليدية، وإلى جانبها بعض المعجنات التي تفوح منها رائحة الزبدة والسمسم.
ابتسمت وهي تضعها فوق المائدة قائلة بخجل مصطنع:
دنيز: قلت في نفسي إن المناسبة لا تكتمل من دون شيءٍ حلو... فأعددت هذه الأطباق منذ الصباح.
ألقت صفية على ابنتها نظرة خاطفة، ثم أشاحت بعينيها سريعًا، مكتفية بابتسامة صغيرة.
كانت تعلم أن معظم ما على المائدة خرج من تحت يديها هي، وأن دنيز لم تفعل سوى ترتيب الأطباق وتزيينها، لكنها لم تقل شيئًا، بل أعجبها تصرف إبنتها لعلها بذلك تلفت نظر مراد إليها.
بل تركت لابنتها مساحةً صغيرة تحقق فيها ما تتمناه.
اقتربت عائشة وهي تتأمل الحلوى بإعجاب.
عائشة: ما شاء الله... تبدو شهية جدًا.
ردت دنيز وهي تخفض رأسها متصنعة الحياء:
دنيز: أتمنى أن تعجبكم.
كان قلبها يخفق بسرعة.
لم تكن تنتظر سوى لشخص واحد.
شخصٌ واحد فقط أرادت أن تسمع منه كلمة استحسان.
رفع مراد قطعة صغيرة من الحلوى، تذوقها، ثم ابتسم بأدب قائلاً:
مراد: بارك الله فيك يا دنيز... مذاقها طيب جدًا.
لم تكن جملته طويلة.
ولا حملت معنى يتجاوز المجاملة اللطيفة.
لكنها بالنسبة إليها كان كافيًا لتزرع ابتسامة واسعة على شفتيها.
أما هو...
فقد انشغل في اللحظة التالية بالحديث مع والده عن السيارة، وكأن الأمر انتهى عند هذا الحد.
راقبته دنيز بصمت.
كانت تنتظر أن يسألها عن الوصفة، أو يثني على مهارتها، أو يفتح معها حديثًا ولو لدقائق.
لكنه لم يفعل.
ظل يتحدث مع أباه عزت وعمه وإبراهيم عن العمل، وعن الطريق الذي سيسلكه صباح الغد، غير منتبه إلى النظرات التي كانت تلاحقه بين الحين والآخر.
وعلى الطرف الآخر من المائدة...
كان باران يراقب المشهد كله.
لم يفته ذلك البريق الذي لمع في عيني دنيز عندما مدح مراد الحلوى.
ولا الطريقة التي كانت تتابعه بها كلما تكلم أو ضحك.
تنهد في داخله.
"لا تتعبين نفسك..."
"مراد لا يرى فيك إلا ابنة عمه، يعني بمثابة أختا له وفقط."
كان قد اعتاد هذه المحاولات منذ سنوات، لذلك لم يعد يندهش منها، بل صار يشعر بضيق خفي كلما لمحها تتعمد التقرب من أخيه.
أما مراد، فظل على طبيعته تمامًا.
يحدث الجميع بالقدر نفسه من الود، ويعامل دنيز كما يعامل هازان...
أختًا تربى معها منذ الصغر.
وبينما كانت الأحاديث تتشعب، التفت باران إلى أخيه وقال:
باران: مراد...
رفع مراد رأسه.
مراد: نعم؟.
ابتسم باران ابتسامة خفيفة.
باران: الاسبوع القادم سأحتاج إلى سيارتك الجديدة.
ضحك مراد.
مراد: سيارتي أم سأكون أنا السائق أيضًا؟.
ابتسم باران بدوره.
باران: بل أنت السائق.
سأحمل مجسم مشروع التخرج، وسيكون من الصعب نقله بالمواصلات.
هز مراد رأسه دون تردد.
مراد: اعتبر الأمر منتهيًا... سأوصلك إلى الجامعة قبل أن أذهب إلى عملي.
اتسعت ابتسامة باران.
باران: شكرًا.
رفع عزت كوب الشاي وقال بفخر:
عزت: بقيت أيام قليلة فقط يا بني.
أسأل الله أن يكلل تعبك بالنجاح.
وأضاف إبراهيم وهو يربت على كتف باران:
إبراهيم: سننتظر خبر تفوقك كما انتظرنا اليوم فرحة السيارة.
ابتسمت عائشة، وقد غلبها تأثرها وهي تنظر إلى ابنها الأصغر مدللها كما يلقبه الجميع.
عائشة: منذ كنت طفلًا وأنت ترسم المباني على دفاترك... وغدًا ستقف لتناقش أول مشروع يحمل اسمك.
خفض باران رأسه في حياء، وقال بهدوء:
باران: ادعوا لي فقط.
ابتسمت صفية هي الأخرى.
صفية: نسأل الله أن يفتح لك أبواب الخير.
وتعالت أصوات الجميع تؤمّن على الدعاء، بينما شعر باران بدفءٍ غريب يغمر قلبه.
لم يكن يخشى المناقشة...
بل كان يخشى أن يخيب ظن تلك الوجوه التي آمنت به منذ أول خطوة.
وفي زاوية بعيدة من المدينة...
كانت ديلان، دون أن تدري، تقلب صفحات مذكراتها استعدادًا للأسبوع نفسه...
الأسبوع الذي سيضع أول امتحانٍ حقيقي أمام قلبيهما، كلٌّ في طريقه.

كان نهار الجمعة قد ألقى بسكينته على الحي الشعبي، فخفَّت حركة المارة، وأخذت أصوات الأطفال تتعالى في الأزقة الضيقة وهم يملؤون المكان ضحكًا ولعبًا.
في داخل المنزل، كانت ديلان تجلس على الأرض في الغرفة التي تتقاسمها مع أخويها الصغيرين، وقد نشرت كتبها ودفاترها حولها، بينما كان أحمد وعمر يغطّان في نوم عميق بعد يوم طويل من اللهو.
قلبت صفحة من ملخص المحاضرات، ثم تنهدت وهي تمرر يدها على جبينها.
كانت بعض المحاور ما تزال تحتاج إلى مراجعة، وكلما أعادت قراءتها شعرت أنها تحتاج إلى من يشرحها معها.
وفي تلك اللحظة...
دوّى طرق خفيف على باب المنزل.
رفعت أمينة رأسها من المطبخ وهي تمسح يديها بمنديل قطني، ثم اتجهت لفتح الباب.
ما إن فتحته حتى ارتسمت ابتسامة دافئة على وجهها.
أمينة: أهلًا يا مريم... تفضلي يا ابنتي.
ابتسمت مريم بأدب وهي تلقي السلام.
مريم: السلام عليكم يا خالة أمينة.
أمينة: وعليكم السلام ورحمة الله... تفضلي.
دخلت مريم بخطوات هادئة، وما إن لمحتها ديلان حتى نهضت من مكانها بابتسامة صادقة.
ديلان: مريم... متى جئتِ؟.
ابتسمت صديقتها.
مريم: منذ لحظات فقط.
ثم التفتت إلى أمينة قائلة بلطف:
مريم: في الحقيقة يا خالة... جئت لأطلب منك شيئًا.
ابتسمت أمينة.
أمينة: خيرًا إن شاء الله.
قالت مريم:
مريم: بقي أسبوع واحد فقط على الامتحانات، وهناك بعض الدروس التي وجدنا صعوبة فيها أنا وديلان. اقترحت أمي أن تأتي ديلان لتقضي عطلة نهاية الأسبوع عندنا، فنراجع معًا بهدوء، ثم تعود مساء الغد.
ساد صمت قصير.
نظرت أمينة إلى ابنتها، فرأت في عينيها بريقًا افتقدته منذ زمن.
كانت تعلم أن ديلان لا تخرج إلا نادرًا، ولا تملك من الصديقات سوى مريم.
ابتسمت بحنان.
أمينة: إذا كان الأمر للدراسة، فلا مانع عندي.
أشرقت ملامح ديلان دون أن تشعر.
لكن قبل أن تنطق...
صدر صوت كاظم من غرفة الجلوس، حيث كان يستلقي أمام التلفاز.
كاظم: وإلى أين ستذهب؟.
التفتت إليه أمينة مجيبة:
أمينة: إلى بيت مريم... سيراجعان معًا للامتحانات.
رفع كاظم رأسه ببطء، ثم ألقى نظرة طويلة نحو ديلان.
كانت نظرة جامدة، جعلت ابتسامتها تخبو قليلًا.
قال بلهجة بدت هادئة:
كاظم: وهل لا تستطيعان المراجعة هنا؟.
تقدمت مريم خطوة وقالت بأدب:
مريم: في بيتنا غرفة هادئة يا عم كاظم، كما أن والدتي ستراجع معنا بعض المواد، فهي درستها من قبل.
ظل ينظر إليها لحظات، ثم حرك كتفيه بلا مبالاة.
كاظم: افعلن ما تشأن.
وأعاد نظره إلى شاشة التلفاز.
لكن ديلان لم تخطئ تلك النظرة العابرة التي رمقها بها قبل أن يدير وجهه.
شعرت بانقباض خفيف في صدرها، إلا أن صوت أمها أعاد إليها شيئًا من الطمأنينة.
أمينة: اذهبي يا ابنتي... لكن لا تطيلي الغياب.
اقتربت ديلان منها وقبّلت يدها.
ديلان: شكرًا يا أمي.
ابتسمت أمينة وربتت على خدها.
أمينة: وفقكما الله، وجعلاني أفرح بنجاحكما.
تبادلت الصديقتان نظرة فرحة، ثم أسرعت ديلان إلى غرفتها تجمع بعض كتبها ودفاترها في حقيبة صغيرة.
وللمرة الأولى منذ أيام...
شعرت بأنها ستتنفس خارج جدران ذلك البيت، ولو ليوم واحد فقط.

خرجت ديلان برفقة مريم، وقد تدلت حقيبتها القماشية من كتفها، تضم بين جنباتها كتبًا ودفاتر أكثر مما تضم من الأمتعة.
كان الهواء المسائي لطيفًا، يخفف شيئًا من حرارة النهار، بينما كانت شوارع الحي تعج بالعائدين إلى بيوتهم قبل حلول الليل.
سارت الصديقتان جنبًا إلى جنب، تتبادلان الحديث عن المحاضرات والأسئلة المتوقعة، وتضحكان بين الحين والآخر حين تتذكر إحداهما موقفًا طريفًا حدث داخل القاعة.
قالت مريم وهي تزفر بضيق:
مريم: أكثر ما يقلقني مادة النقد الأدبي، أشعر أنني كلما حفظت شيئًا نسيته بعد ساعة.
ضحكت ديلان بخفة.
ديلان: وأنا أخشى النحو أكثر منها، كلما ظننت أنني فهمت قاعدة ظهرت لي أخرى.
هزت مريم رأسها مبتسمة.
مريم: لهذا السبب خططت أمي لهذا اليوم، قالت إن الدراسة معًا تجعل الحفظ أسهل.
ابتسمت ديلان في امتنان.
ديلان: خالتي طيبة جدًا.
مريم: بل تعتبرك ابنتها الثانية.
خفضت ديلان بصرها، وشعرت بدفءٍ يسري في قلبها.
لم تكن تسمع مثل هذه الكلمات كثيرًا.
بعد نحو عشر دقائق، توقفتا أمام منزل بسيط يتوسطه باب خشبي مطلي بلون أزرق باهت، تتدلى إلى جواره أصص صغيرة زرعت فيها أم مريم نباتات الياسمين والريحان.
ما إن فتحت مريم الباب حتى انبعثت رائحة الطعام المنزلي، واختلطت برائحة الخبز الساخن.
خرجت امرأة في أواخر الأربعينيات من عمرها، يعلو وجهها نور الطيبة، وما إن وقعت عيناها على ديلان حتى ابتسمت بمحبة.
كريمة: أهلًا وسهلًا بابنتي الثانية.
أسرعت ديلان تقبل يدها باحترام.
ديلان: السلام عليكم يا خالة.
ربتت المرأة على رأسها بحنان.
كريمة: وعليكم السلام يا ابنتي... نورتِ البيت.
كان والد مريم يجلس في غرفة الجلوس يقرأ صحيفة، فرفع رأسه مبتسمًا.
عبد الله: أهلًا يا ديلان، كيف حال الدراسة؟.
ابتسمت بأدب.
ديلان: الحمد لله، بخير يا عمي.
قال مشجعًا:
عبد الله: اجتهدي، فالنجاح لا يأتي إلا بالتعب.
ديلان: بإذن الله.
أما شقيق مريم الأصغر، فلم يكد يراها حتى قال مازحًا:
فراس: الحمد لله أنك جئتِ، لعل أختي تتوقف عن احتكار الطاولة والكتب.
ضحكت مريم وصفعته بخفة على كتفه.
مريم: اذهب من هنا أيها المشاغب.
فضحك الجميع، وشعرت ديلان بشيء افتقدته منذ زمن...
دفء البيت.
دفءٌ لا يصنعه الأثاث ولا الجدران، بل تصنعه القلوب.
بعد تناول الشاي وبعض الحلوى التي أعدتها والدة مريم، حملت الصديقتان كتبهما إلى غرفة مريم.
كانت الغرفة بسيطة، تتوسطها طاولة صغيرة قرب النافذة، وعلى الجدار رفوف امتلأت بالكتب والروايات.
وضعت ديلان حقيبتها على الكرسي، ثم أخذت تتأمل المكان.
ابتسمت مريم وهي تفتح النافذة.
مريم: هنا أذاكر دائمًا... أشعر أن الهواء يساعدني على التركيز.
اقتربت ديلان من النافذة، واستنشقت النسيم العليل.
ديلان: المكان هادئ جدًا...
مريم: لهذا أحضرتك إلى هنا.
جلستا متقابلتين، وبدأت كل واحدة تفتح دفاترها.
كانت إحداهما تشرح ما تحفظه للأخرى، ثم تتبادلان الأسئلة، وكلما أخطأت إحداهما انفجرتا بالضحك قبل أن تعيدا المحاولة من جديد.
ومع مرور الوقت، بدأت الصعوبة التي أقلقتهما طوال الأسبوع تتلاشى شيئًا فشيئًا.
ابتسمت ديلان وهي تغلق أحد الدفاتر.
ديلان: الآن فهمت هذا الدرس أخيرًا.
ابتسمت مريم بانتصار.
مريم: ألم أقل لك إن الدراسة معًا أفضل؟.
هزت ديلان رأسها موافقة.
وللمرة الأولى منذ أيام طويلة...
كانت تبتسم من قلبها، دون أن يطاردها خوف، أو يقطع عليها أحد لحظة هدوئها.

انقضت ساعات المراجعة سريعًا، حتى لم تنتبه الصديقتان إلى أن الشمس قد غابت، وأن ضوء المصباح الصغير فوق مكتبهما أصبح المصدر الوحيد للنور داخل الغرفة.
أغلقت مريم أحد دفاترها وهي تمد ذراعيها بتعب.
مريم: أظن أن عقولنا أعلنت الإضراب.
ابتسمت ديلان وهي تفرك عينيها.
ديلان: بل أعلنت أنها لن تستقبل معلومة أخرى حتى الغد.
ضحكتا معًا، قبل أن يصل إليهما صوت والدة مريم من خلف الباب:
كريمة: يا فتيات... هيا، الطعام جاهز.
تبادلتا نظرة سريعة، ثم خرجتا من الغرفة.
كانت المائدة بسيطة، لكنها عامرة بما لذ وطاب.
جلس والد مريم في صدرها، وإلى جواره زوجته، بينما جلس شقيقها الأصغر يروي بحماس ما حدث له مع أصدقائه في مباراة كرة القدم، فيقاطع حديثه بين الحين والآخر ضحك الجميع.
راقبت ديلان المشهد بصمت.
لم يكن في البيت صراخ.
ولا كلمات قاسية.
ولا نظرات تخيفها.
كان الجميع يتحدثون بهدوء، ويضحكون من القلب، ويتبادلون الأحاديث اليومية كأنها أجمل ما في الحياة.
شعرت بشيء يضغط على صدرها.
ليس حزنًا...
بل شوقًا إلى حياة لم تعشها يومًا.
انتبهت والدة مريم إلى شرودها، فابتسمت وهي تضع قطعة خبز في طبقها.
كريمة: كلي يا ابنتي... لقد تعبتما في المراجعة.
ابتسمت ديلان بخجل.
ديلان: شكرًا يا خالة.
قال والد مريم وهو ينظر إليها بعطف:
عبد الله: مريم تخبرنا دائمًا أنك من أوائل دفعتكما.
أخفضت رأسها حياءً.
ديلان: أحاول فقط أن أجتهد.
ابتسم الرجل.
عبدالله: ومن يجتهد، يحصد ثمرة تعبه بإذن الله.
اكتفت بابتسامة صغيرة، بينما كانت كلمات الرجل تستقر في قلبها بهدوء.
بعد العشاء، عادت الصديقتان إلى الغرفة.
لكن الكتب بقيت مغلقة هذه المرة.
جلستا على السجادة قرب النافذة المفتوحة، بينما كانت نسمات الليل الباردة تتسلل إلى الداخل.
قالت مريم وهي تستند إلى الوسادة:
مريم: الحمد لله... أشعر أن المراجعة اليوم أفادتنا كثيرًا.
أومأت ديلان.
ديلان: نعم... بقيت بعض النقاط البسيطة فقط.
ساد بينهما صمت قصير.
ثم قالت مريم فجأة وهي تبتسم:
مريم: أتعلمين؟ أشعر أن السنة الأولى مرت بسرعة.
ابتسمت ديلان.
ديلان: وأنا أيضًا... كأننا دخلنا الجامعة بالأمس.
مريم: أتذكرين أول يوم؟.
ضحكت ديلان.
ديلان: كنتِ متوترة أكثر مني.
احتجت مريم وهي تضحك:
مريم: لأنني كنت أخشى أن أضيع داخل الجامعة.
تعالت ضحكاتهما، ثم هدأتا من جديد.
مرّت لحظات صامتة، كانت كل واحدة منهما تنظر خلالها إلى السماء التي ازدانت بالنجوم.
قالت مريم بصوت هادئ:
مريم: إن شاء الله... بعد أيام ننتهي من الامتحانات، ونستريح قليلًا.
ابتسمت ديلان وهي ترفع بصرها إلى السماء.
ديلان: بإذن الله.
كانت تتمنى فعلًا أن تنتهي تلك الأيام سريعًا.
أن تنجح.
أن تقترب خطوة أخرى من حلمها.
ذلك الحلم الذي كانت تتمسك به كمن يتمسك بخشبة نجاة وسط بحر هائج.
تنهدت في هدوء.
ثم همست في داخلها:
"اللهم وفقني... ولا تخيب أملي."
أما مريم، فكانت تنظر إلى صديقتها بابتسامة مطمئنة.
لم تكن تعلم أن خلف ذلك الوجه الهادئ قلبًا يحمل من الأوجاع ما يفوق عمره.
وأن تلك الليلة الهادئة...
ستكون من آخر الليالي التي ستشعر فيها ديلان بشيء من الطمأنينة، قبل أن تبدأ الحياة باختبارها من جديد.
                   الفصل الخامس من هنا 
تعليقات



<>