رواية حين يبتسم القدر الفصل الاول1بقلم فاطمة شلبي
_ أنتي مين ؟؟ وقاعدة هنا بتعملي إيه؟
قالها بنبرة تساؤل وعينه بتفحص ملامحها بهدوء خلاه يبان حاد شوية..
= أنا.. أنا ليلى جاية أقابل المهندس يوسف.
ردت بتوتر وهي بتفرك إيدها في بعض.. وعينها بتتحرك في الجنينة يمين وشمال .
_ إنتي المربية الجديدة صح..!
رفع حاجبه باستنكار خفيف كأنه بيقارن بين هيئتها وبين الوظيفة اللي جاية عشانها..؟
= بالظبط يا فندم.. بعد إذنك ممكن تشوف المهندس عشان اتأخرت مستنياه بقالي كتير.
نفخت بضيق ..وبصت في ساعتها وهي بتحاول تبان عملية ومخدتش بالها من الابتسامة الباهتة اللي اترسمت على وشه..
بصلها باستغراب.. ازاي مخدتش بالها إنه ممكن يبقى هو؟! حمحم بجدية وحاول يداري ملامحه..
_ معلش لو عطلناكي تعالى اتفضلي وهجيبه لحضرتك بلاش تقعدي في الجنينة كده.
= متشكرة جداً.
اتحركت وراه بخطوات مترددة وهي بتبص على تصميم البيت بانبهار حاولت تخفيه.
دخل البيت بكل هدوء.. أول ما قعد على كنبة الصالون نزل طفل يجري بسرعة عليه..
_ عمر حبيبي.. وحشتني يا بطل..أوعى تكون غلبت جدتك هزعل منك..
نبرة صوته اتغيرت تماما بقت حنينة ودافية وهو بيفتح دراعاته للطفل اللي ارتمى في حضنه.
= لا يا بابا أنا سمعت كل الكلام بتاعها وأكلت أكلي كله.
عمر رد بحماس وهو بيضحك.. ويوسف طبطب على ضهره بفخر.
_ برافو يا حبيبي.
ليلى كانت متابعة الحوار كله في صمت..ملامحها اتخطفت وبان عليها الإحراج الشديد.. حست إن وجودها ملوش لازمة وسط اللحظة العائلية دي.. فقالت بصوت هادي ومكسوف..
= طيب يا بشمهندس.. شكلي عكيت الدنيا.. ووجودي هنا دلوقتي ملوش لازمة.
يوسف قام وقف ببطء وحط إيده في جيوبه.. وبص لها بنظرة فيها اعتذار ..
= معلش..أنا اللي آسف.. اتفضلي نتكلم في التفاصيل.
_ ياريت.
قعدت على طرف الكرسي وهي لسه حاسة بالارتباك..
بصلها شوية..وسألها بنبرة فيها شك ممزوج بالفضول..
= شكلك صغيرة على حكاية المربية دي..!
اللي كانت مع عمر الأول قالت لي إنها جايبة واحدة كويسة.. بس إنتي شكلك متعاملتيش مع أطفال قبل كده؟
ليلى بلعت ريقها..وبان الصدق في عينيها رغم قلقها
_ ده حقيقي..بس أنا محتاجة الشغل ده جدا.. لكن لو حضرتك شايف إني مش مناسبة خلاص.. عن إذنك.
وقامت بسرعة وملامحها كلها يأس
= ثواني.. أنا لسه مخلصتش كلامي.
استوقفها بإشارة من إيده..وكمل بلهجة عملية..
= أنا بس أقصد يعني إن عمر محتاج رعاية..ومش هو لوحده معاه جدته كمان..! وساعات الشغل بقلم فاطمة شلبي هتكون من 8 الصبح تيجي لعمر تجهزيه للحضانة وتفضلي في البيت لحد الساعة 8 بالليل ده ميعاد نومه..
ماعدا يوم الجمعة لحد الساعة 5 عشان هو بيحب يسهر فيه بما إنه إجازة..وأنا ببقى متواجد في البيت وقتها..غير كده مفيش حد في البيت زي ما إنتي شايفة وطول النهار ببقى في شغلي .
ليلى سمعت تفاصيل المواعيد..ورغم إن اليوم طويل.. إلا إن لهفة احتياجها للشغل خلتها تشوف العرض ده طوق نجاة لمعت عينيها ببريق أمل وقالت بسرعة..
= مناسب جدا يا بشمهندس..أنا موافقة .
يوسف هز راسه بتفهم..وظهرت على وشه نص ابتسامة هادية ..
_ تمام تقدري تيجي من بكره تستلمي شغلك وتتعرفي على عمر أكتر.. ونشوف الدنيا هتمشي ازاي.
ليلى قامت وقفت.. والفرحة مش سايعاها.. كانت عايزة تخرج تجري من كتر الراحة..
= متشكرة جدا يا فندم.. إن شاء الله أكون عند حسن ظنك عن إذنك.
________________//________________//_____________
فتحت ليلى باب شقتها الصغيرة وهي بتتنفس بعمق.. كأنها كانت شايلة جبل ونزل من على كتافها.. ريحة البيت الهادية وصوت الراديو من بعيد طمنوها...قلعت جزمتها بسرعة وجريت على البلكونة وهي بتنادي بصوت مبهج..
= يا روقانك يا حبيبي.. قاعد ولا على بالك أي حاجة وسرحان في النجوم كده؟!
رضوان لفلها ببطء والابتسامة اترسمت على وشه أول ما شاف ملامحها المنورة.. حط فنجان القهوة على الترابيزة الصغيرة اللي جنبه وقال بصوته الدافي..
_ أهو يا ليلى يا بنتي.. بنهرب من وش الدنيا شوية.. قوليلي ملامحك بتقول إن فيه خبر حلو..؟
ليلى قربت منه وباسته من راسه..وقعدت على طرف الكرسي اللي جنبه وهي بتفرك إيدها بحماس..
= الخبر مش بس حلو.. ده جبر خاطر من عند ربنا يا بابا.. أنا اتقبلت في الشغلانة اللي قولتلك عليها.. وهبدأ من بكرا إن شاء الله.
رضوان اتنهد براحة ورفع إيده للسما..
_ الحمد لله يا بنتي.. ربنا يكرمك... بس مشوارها مش بعيد عليكي شوية ؟!!
= ولا بعيد ولا حاجة يا حبيبي.. المهم إن المرتب كويس جدا وهيقدر يغطي علاجك وتكاليف جلسات العلاج الطبيعي.. وكمان مصاريف دروس حمزة.. الثانوية العامة مش بترحم وأنا عايزاه يركز فيها وما يشغلش باله بحاجة.
في اللحظة دي..خرج حمزة من أوضته وقال بمشاكسة..
_ مين جاب سيرة حمزة بس.. مبروك يا لولو.. يعني خلاص نعتمد الملازم الجديدة ولا نأجل؟!!
ليلى ضحكت ورمت عليه المخدة اللي كانت جنبها..
= اعتمد يا أخويا.. ادخل كمل مذاكرتك وإنت مطمن أختك قدها وقدود.
حمزة ابتسم بامتنان وحب يحفف الحمل عنها..
_ تسلمي يا لولو.. إن شاء الله هرفع راسكم وأجيب المجموع اللي ينسيكي التعب ده كله.
رضوان بص لولاده بحزن خفي ممزوج بفخر..وقال بصوت هادي
_ ربنا يخليكم لبعض يا ولادي.. كان نفسي يا ليلى أشيل عنك الحمل ده بس النصيب..
ليلى قطعت كلامه وهي بتمسك إيده بحنية..
= متقولش كده يا رضوان يا غالي.. إنت وجودك في البيت ودعواتك لينا بالدنيا..
هقوم أحضرلكم لقمة سريعة عشان أنا حرفيا جاية ميتة من الجوع..
دخلت المطبخ .. بدأت تطلع العيش وتسخن الأكل وهي بتتحرك بخفة لكن فجأة عينها وقعت على المريلة القديمة بتاعة والدتها اللي لسه متعلقة ورا الباب..
لمعة عينيها انطفت فجأة.. وسندت إيدها على الرخامة وهي بتفتكر لمسة إيد أمها وهي بتساعدها في المطبخ.. دمعة خانتها ونزلت على خدها بقلم فاطمةشلبي..فمسحتها بسرعة بضهر إيدها .
في اللحظة دي..دخل حمزة المطبخ عشان يشرب.. فوقف مكانه أول ما لمح وشها المخطوف..
_ مالك يا ليلى؟ ده إنتي لسه من شوية كنتي بتضحكي..؟
ليلى حاولت تبتسم بسمة باهتة وهي بتبعد وشها عنه..
= مفيش يا حمزة.. افتكرت ماما بس.. وحشتني أوي.. كان نفسي تكون معانا وتشوفني وأنا بشتغل وبشيل المسؤولية.
حمزة قرب منها..وحط إيده على كتفها بحنان..وطبطب عليها..
_ معلش يا لولو.. ادعيلها بالرحمة..وهي أكيد حاسة بيكي وفخورة بيكي جدا.
ليلى ضحكت وسط دموعها وبصتله بمشاكسة عشان تغير الجو..
= لا والله! وبقينا بنعرف نواسي كمان؟ ده المفروض مين اللي يواسي مين يا أستاذ إنت؟ ده أنا اللي مربياك..!
حمزة ملامحه بقت جدية .. وبص في عينيها بنظرة مليانة امتنان..
_ يا ليلى أنا من وقت ما ماما توفت وأنتي بالنسبة لي مش بس أختي أنتي أمي.. ربنا يخليكي ليا..عمرك ما حسستيني إنها مش موجودة..ولا قصرتي في حقنا لحظة واحدة.. وأنا صدقيني..مش هخليكي تزعلي في يوم أبدا..وهعوضك عن كل تعبك ده.
ليلى اتأثرت جدا بكلامه..وشدته لحضنها وهي بتطمنه..
= ربنا يبارك لي فيك يا حمزة..وأشوفك أحسن مهندس في الدنيا.. يلا بقى بطل دراما وخد الأطباق دي طلعها لبابا بره..الأكل هيبرد.
________________//_______________//______________
تاني يوم الشمس طلعت..ومعاها ليلى كانت بتجري في سباق مع الزمن.. دموعها كانت محبوسة وهي بتطمن على والدها اللي تعب فجأة الصبح.. وبعد ما اتأكدت إنه بقى كويس وأخد دواه.. نزلت تجري زي المجنونة وهي بتبص في ساعتها بخوف.
وصلت الفيلا وهي بتنهج..وأول ما فتحت الباب لقت يوسف واقف في وشها لابس بدلته وشكله مستعد للخروج بس ملامحه كانت حادة وعينه في الساعة.
_ أنا.. أنا أسفة جدا يا فندم على التأخير..غصب عني والله
قالتها وصوتها بيترعش وهي مش قادرة ترفع عينها فيه.
يوسف بصلها بجمود..ونبرة صوته كانت خالية من أي تهاون..
= يعني أول يوم شغل وجاية متأخرة؟ قوليلي يا ليلى هعتمد عليكي ازاي بعد كده؟ الالتزام عندي أهم من الشغل نفسه.
ليلى بلعت ريقها وبانت في عينيها لمعة ندم حقيقية..بس فضلت ساكتة ومنطقتش بأي عذر عشان ما تبانش إنها بتتحجج..
= حقك عليا بوعد حضرتك مش هتكرر تاني.. بجد أسفة.
يوسف سكت لحظة.. شاف في عينيها صدق غريب خلاه يتراجع عن حدته شوية.. فهز راسه وقال بلهجة آمرة..
_ طيب روحي لـ "عمر" بسرعة جهزيه..الباص زمانه على وصول عشان يلحقه.
عمر كان واقف على طرف السلم..سامع الحوار كله بعينيه الواسعة.. ليلى قربت منه بهدوء وحاولت تبتسم عشان ما تخوفوش.. وأخدت إيده وطلعت معاه أوضته.. وهي بتلبسه..كانت كل شوية تطلع موبايلها من جيبها وتبص فيه بلهفة.. مستنية أي رسالة تطمنها على باباها.
عمر بصلها ببراءة وقالها
= متزعليش من بابا.. هو طيب جدا .
ليلى ضحكت برقة وطبطبت على خده..
_ مش زعلانة يا قمر إنت.. يلا البس بسرعة عشان تلحق تفطر.. قولي بقى بتحب تفطر إيه؟
= مش بحب أفطر.. وبابا بيخليني أشرب لبن بس قبل ما أمشي.
ليلى وقفت بجمود وقالتله بابتسامة مشجعة..
_ لا طبعا..أنا هعملك فطار يفتح نفسك قبل اللبن.. تحب أعملك إيه؟!!
عمر فكر شوية وقال بخجل..
_ طيب.. ممكن ساندوتش صغير بس؟
= من عيوني يا بطل!
نزلت معاه المطبخ وهي لسه قلقانة..حطت اللبن على النار وراحت تجهز الساندوتش..بس عقلها كان في البيت.. وفجأة ريحة اللبن وهو بيفور ملت المكان.
_ إيه ده.. حاسبي!
دخل يوسف المطبخ بسرعة ولحق الكنكة قبل ما الدنيا تتبهدل.. وبصلها بنظرة خيبة أمل حقيقية..
= دي تاني غلطة ليكي في أول ساعتين شغل يا ليلى.. بجد مش مسموح بالغلطات دي هنا.
ليلى اتجمدت مكانها وبدأت تنظف الدنيا بسرعة وهي بتعتذر وصوتها مخنوق.. جهزت الفطار لعمر ..وشرب لبنه ولحق الباص وهو بيشاورلها بإيده.
في اللحظة دي.. نزل من على السلم سيدة وقورة..ملامحها هادية جدا..دي كانت ..إنعام والدة يوسف
يوسف أول ما شافها..ملامحه لانت تماما..قرب منها وباس إيدها بحب..
_ صباح الخير يا ست الكل.. أنا رايح الشركة..محتاجة مني أي حاجة؟
إنعام ابتسمت بحنان ودعت له..
_ سلامتك يا حبيبي..خلي بالك من نفسك وطمني عليك.
ليلى كانت واقفة بعيد.. أول ما شافت المشهد ده..افتكرت والدها اللي سايباه لوحده..وقلبها وجعها عليه.. يوسف التفت ليها وقال بجدية وهو بيعدل جاكت بدلته..
_ ليلى.. دي والدتي.. إنعام.. لو سمحتي خلي بالك منها..وفكريها بمواعيد الدوا في وقتها.. ياريت بلاش غلطات تاني..مش عايز أقلق وأنا في شغلي.
ليلى هزت راسها بهدوء..
وتابعت يوسف بعينها لحد ما قفل الباب وراه .. حست إن الهوا رجع يدخل صدرها تاني.. سحبت نفس طويل وهديت ضربات قلبها اللي كانت زي الطبول من التوتر.
الست إنعام قربت منها بخطوات هادية.. وحطت إيدها على كتفها بحنان ..
= اهدي يا بنتي.. يوسف طبعه حامي شوية في الشغل ومبيحبش الغلط.. بس قلبه أبيض.. أنتي اسمك ليلى..مش كده؟
ليلى لفت ليها وبادلتها الابتسامة بخجل..
_ أيوه يا ست الكل.. أنا بجد أسفة على اللي حصل..بس والله الصبح كان..
قطعتها إنعام بضحكة صافية..
= ولا تشغلي بالك.. تعالي نقعد جوه قوليلي أنتي منين ودرستي إيه؟
قضوا ساعة في كلام هادي..ليلى حست فيه إن الست إنعام شخصية مريحة جدا.. مش مجرد صاحبة بيت بتراقبها..استغلت ليلى أول فرصة بقلم فاطمة شلبي الست إنعام دخلت فيها تريح شوية وطلعت موبايلها بسرعة ورنت على باباها.
_ الو.. أيوه يا بابا؟ طمني عليك.. بقيت أحسن؟ أخدت الدوا؟
صوت عم رضوان جالها من الناحية تانية هادي..
= يا حبيبتي أنا زي الفل ..حمزة فطرني وأخدت الحباية ونمت شوية.. متقلقيش عليا وركزي في شغلك..ربنا معاكي.
قفلت المكالمة وهي حاسة إن جبل انزاح من على كتافها..ملامحها نورت وبدأت تتحرك في البيت بحيوية أكبر.. رتبت حاجات عمر وجهزت استقباله.
أول ما عمر رجع من الحضانة..جرى عليها بشنطته الصغيرة وهو بيضحك..
= ليلى! ليلى! أنتي لسه هنا؟
ضحكت ونزلت لمستواه..
_ طبعا لسه هنا ومستنياك كمان.. يلا نغير بسرعة وتغسل إيدك عشان عاملة غدا هيعجبك أوي .
بعد الغدا..سحبها عمر من إيدها وخرجوا الجنينة..الشمس كانت هادية والجو جميل..
= يلا يا ليلى أنا عاوز ألعب.. تعالي نلعب استغماية سوا أنا هستخبى وأنتي تدوري عليا..!
ليلى وافقت بحماس..ونسيت للحظة إنها مربية وبدأت تلعب معاه بروح طفلة وضحكتهم كانت مالية الجنينة.. وعمر بدأ يتعلق بيها جدا لأنها أول واحدة تلعب معاه بجد مش مجرد تأدية واجب.
الساعة جت 6 ونص ..
يوسف ركن عربيته براحة..ودخل من باب الفيلا وهو بيتحرك بحذر.. كأنه داخل مهمة تفتيش.. كان متوقع يلاقي هرجلة أو ليلى نايمة أو حتى عمر بيعيط ..قلقه من استهتار الصبح كان لسه مأثر عليه.
لكن أول ما خطى عتبة الصالون..وقف مكانه .. الهدوء اللي في البيت كان غريب.. هدوء منظم يريح الأعصاب.
بص ناحية ركن كده لقى الست إنعام قاعدة في مكانها المفضل لابسة إسدال الصلاة الأبيض وفاتحة المصحف وبتقرأ في سرها بخشوع والسكينة مالية وشها.
ولما لف عينه ناحية السفرة الصغيرة..لقى عمر قاعد وظهره مفرود..وماسك القلم بتركيز وجنبه ليلى.. كانت ساندة بوشها على إيدها.. ومقربة منه أوي وهي بتشاورله بصابعها على السطر وبتقوله بصوت واطي ومحفز..
_ برافو يا بطل.. دي صح ..بس ركز في الحرف اللي جاي عشان نخلص ونلحق نلون سوا.
يوسف فضل واقف مكانه دقيقة كاملة بيراقب المشهد.. ملامحه الحادة بدأت تلين غصب عنه.. ليلى مكنتش مجرد "مربية" بتقضي وقت.. كانت قاعدة مع عمر بكل صبر واهتمام.
عمر هو اللي لمحه الأول.. فصرخ بفرحة..
_ بابا..! إنت جيت بدري؟
ليلى اتنفضت من مكانها ووقفت بسرعة.. والارتباك رجع لملامحها تاني أول ما شافت نظراته المركزة عليها..
= حمد الله على السلامة يا بشمهندس..
يوسف حط مفاتيحه على الترابيزة وهز راسه ببطء..وعينه لسه بتفحص كشكول عمر اللي بقى مرتب ومنظم.
_ الله يسلمك.. البيت هادي يعني.. عمر غلبك في الواجب؟
الست إنعام صدقت وقفلت المصحف وبصت ليوسف بابتسامة رضا..
= ليلى دي بركة يا يوسف.. من ساعة ما جت والبيت فيه روح تانية..وعمر مطلعش صوت وقاعد يذاكر أهو من سكات.. ربنا يبارك لها.
يوسف بص لليلى..وقال بلهجة أهدى بكتير من الصبح..
_ طيب كويس.. كملوا اللي بتعملوه.. أنا هطلع أغير هدومي وأنزل أتغدى معاكم.
ليلى اتنفست براحة وحست إنها بدأت تثبت رجليها في المكان وعمر شد إيدها تاني وهو بيقول بحماس..
= يلا يا ليلى.. ناقصلي سطر واحد بس!
ليلى بصت للست إنعام .. وحبت تسيب ليوسف مساحته في البيت خصوصا.. إنه راجع بدري ..فقالت برقة..
_ يا ست الكل لو تسمحي لي هاخد عمر الجنينة يكمل بقية الواجب في الهواء.. وحضرتك والبشمهندس اتغدوا براحتكم خالص.
الست إنعام هزت راسها بإعجاب.. لفت نظرها ذكاء ليلى الاجتماعي وأنها بنت أصول ومحبتش تفرض وجودها ويوسف موجود ابتسمت لها وقالت..
= كتر خيرك يا بنتي ..روحي يا حبيبتي ربنا يقويكي.
خرجت ليلى مع عمر الجنينة..وقعدوا على التربيزة الخشب وسط الزرع.. خلصوا الواجب وبدأوا بقلم فاطمة شلبي يلعبوا سوا ويجروا ورا بعض..لحد ما قعدوا يرتاحوا شوية.. فعمر بصلها بتدقيق طفولي وقال..
_ ليلى.. أنتي شكلك صغيرة أوي..أصغر من اللي كانت هنا قبلك بكتير.
ضحكت ليلى من قلبها وردت عليه بمشاكسة..
= أنا صغيرة يا عمور؟ ده أنا عندي 23 سنة بحالهم.
عمر وسع عينه بذهول..
_ إيه ده..! أنتي أكبر مني خالص.. أنا نفسي أكبر وأبقى قدك كده.
طبطبت على شعره بحنية وقالتله بضحكة..
= لما تطلع تنام دلوقتي هتبقى قدي يا بطل.. يلا بينا عشان الليل جه والساعة بقت 8..وده معاد نومك اللي بابا قال عليه.
عمر بوز شفايفه بزعل ..
_ بس أنا لسه عاوز ألعب معاكي.. بكره تعالي بدري ماشي؟
ليلى طمنته وهي بتلم حاجته..
= بكره الصبح هاجي وأقعد معاك براحتنا خالص.. متقلقش.
عمر فكرها وهو بيضحك..
_ بكره مفيش حضانة أصلا..بكره الجمعة أجازة.
ليلى افتكرت كلام يوسف إن الجمعة بيسهر فيه شوية بس المواعيد مختلفة..فقالتله..
= كويس جدا.. يبقى هنلعب براحتنا خالص.. يلا بينا نطلع.
دخلت ليلى البيت بهدوء.. وسألت الست إنعام ..
_ هو البشمهندس يوسف لسه موجود فوق يا طنط؟
إنعام ردت وهي بتطمنها..
_ دخل مكتبه من شوية يخلص شغل وطلب محدش يقاطعه.. اطلعي يا بنتي نيمي عمر براحتك.
طلعت ليلى مع عمر أوضته..ساعدته يغير هدومه وغطته بحنان وفضلت جنبه لحد ما عينه غفلت تماما..وهو ماسك في طرف إيدها كأنه لقى فيها الأمان اللي كان ناقصه.
_________________//_____________//_______________
دخلت ليلى البيت وخطواتها سريعة..قلبها كان بيسبقها لأوضة والدها...أول ما شافته قاعد وشكله أحسن من الصبح..اتنفست براحة وقربت منه باستعجال..
_ معلش لو اتأخرت عليك يا بابا.. كان يوم طويل أوي بس والله بالي كان معاك طول الوقت.
عم رضوان ابتسم لها بهدوء وطمنها بصوته الحنين..
= ولا يهمك يا حبيبتي.. المهم إنك رجعتي بالسلامة.. أنا كويس والحمد لله..حمزة مقصرش معايا في حاجة..اطمني يا ليلى.
= طيب يا حبيبي.. هحضرلك العشا بسرعة عشان تاخد الدوا في معاده وماسهركش.
قامت ليلى جهزت لقمة خفيفة.. وقعدت جنبه تأكله بلقمة هنية وهي بتحكيله عن شقاوة "عمر" عشان تضحك.. بعد ما خلصوا مدت إيدها لعلبة الدوا عشان تطلع الجرعة اللي قبل النوم.. لكن صوابعها اتجمدت مكانها..
فتحت العلبة ولقت "شريط" فاضي تماما والشريط التاني مفيهوش غير حباية واحدة يتيمة.
ليلى ملامحها اتخطفت.. وبدأت تدور في الدرج بسرعة وهي بتدعي تلاقي علبة تانية مركونة..بس مفيش فايدة..
حطت الحباية الأخيرة في إيد والدها وهي بتحاول تداري رجفة إيدها..
= اتفضل يا حبيبي.. اشرب الميه بالراحة.
أول ما خرجت من الأوضة سندت ضهرها على الحيطة وغمضت عينيها بوجع.. فتحت شنطتها وطلعت المحفظة.. بدأت تعد الفلوس اللي معاها ورقة ورقة... الفلوس يادوب تكمل مصاريف المواصلات والأكل البسيط لآخر الشهر..لكن حق علبة الدوا الجديدة.. مستحيل تكفي...!!
دماغها وقفت عن التفكير.. مفيش حد تطلب منه..وحمزة لسه محتاج مصاريف دروسه بكره.. نزلت دمعة على خدها وهي بتهمس لنفسها..
= يا رب.. أنت عارف إني لسه مستلمة الشغل ومفيش في إيدي حاجة.. يا رب حلها من عندك.
في اللحظة دي.. افتكرت إن بكره الجمعة.. وإنها هتروح الفيلا من الصبح.. هل ممكن تطلب "سلفة" من يوسف؟ بس هي لسه مكملتش يومين.. ونظرته الحادة وصارميته خلوها تتردد ألف مرة قبل ما تفكر تفتح بوقها معاه في حاجة زي دي.
تاني يوم الصبح ..
دخلت ليلى الفيلا والهدوء لسه لافف المكان..الساعة كانت 8 بالظبط..وكأنها بتثبت لنفسها وليه إن غلطة أول يوم كانت استثناء.
بدأت تحضر فطار الست إنعام بهدوء.. وأول ما مسكت علبة الدوا عشان تطلع الجرعة.. صوابعها اترعشت.. افتكرت العلبة الفاضية اللي سابتها في البيت.. تنهدت بمرارة ووجع دارته ورا ابتسامة باهتة أول ما شافت يوسف نازل من على السلم بهيبته المعتادة.
في الوقت ده..خرج عمر من أوضته شعره منكوش وعينه لسه فيها نوم..أول حاجة عملها إنه سأل جدته..
= تيتة.. هي ليلى جت؟!
إنعام ضحكت وبصت ليوسف اللي كان واقف بيلعب في تلفونه
_ ليلى في المطبخ يا حبيبي.. روح لها.
التفتت إنعام لابنها وقالت بنبرة فيها رضا..
_ شوف يا يوسف.. عمر أول مرة يقوم من النوم يسأل عن حد كده.. البنت دي دخلت قلبه بسرعة وشكله استريح معاها أوي.
يوسف بص ناحية المطبخ..شاف ليلى وهي بتضحك مع عمر وبتحاول تفتح نفسه للأكل.
مر الوقت..وليلى قاعدة مع عمر بيفرشوا ورق الرسم والألوان في الأرض كانت شاطرة جدا..وعمر بيقلدها بتركيز وانبهار.. بصت في الساعة لقتها بقت 10 ونص.. استغربت إن يوسف لسه منزلش ولا خرج بعربيته..فسألت إنعام بهدوء..
= هو البشمهندس يوسف مش هيخرج النهاردة يا طنط؟
_ لا يا حبيبتي.. يوسف مبيخرجش الجمعة..بيحب يقضيه هنا في مكتبه يخلص ورق الشركة.. حتى القهوة بتاعته لسه مشربهاش.
ليلى فكرت.. دي فرصة..يوسف موجود وهادي..وصورة أبوها وهو تعبان مكنتش بتفارق خيالها.. بلعت ريقها وقالت بقرار سريع..
= طيب يا طنط..أنا هحضر القهوة وأطلعها له مفيش مشكلة.. عن إذنك.
عملت القهوة بتركيز..وطلعت السلم وقلبها بيدق زي الطبول.. وقفت قدام باب المكتب..خبطت تلات خبطات محسوبين لحد ما سمعت صوته الرخيم بيقول: "اتفضل".
فتحت الباب بالراحة.. يوسف أول ما شافها ماسكة الصينية قام فتح لها الباب ووسع لها الطريق..دخلت وحطت القهوة على المكتب بتوتر خلاه يلاحظ إن إيدها بتترعش خفيف.
_ شكرا يا آنسة ليلى.. اتفضلي.
قالها وهو بيرجع يقعد وعينه في الملفات اللي قدامه..
لكنه لاحظ إنها لسه واقفة مكانها.. مخرجتش.. رفع عينه وبصلها بتساؤل..
= خير يا آنسة ليلى؟ في حاجة ولا أيه ؟؟
ليلى ضمت إيدها الاتنين ورا ظهرها..وبصت للأرض وهي بتجمع شجاعتها المكسورة.. وقالت بصوت هادي..
_ أنا.. أنا عارفة إني لسه مستلمة الشغل ومكملتش يومين.. وحق حضرتك ترفض.. بس أنا كنت محتاجة سلفة ضروري.. وأوعدك تخصمها من أول مرتب ليا آخر الشهر.
يوسف ساب القلم من إيده.. وسند ضهره لورا وهو بيبص لها بنظرة عميقة وهادية..وكأنه بيحاول يقرأ اللي ورا طلبها المفاجئ ده..!
بص لها بتركيز.. نبرة صوته كانت هادية بس فيها فضول عملي..
= ممكن أعرف إيه سبب الطلب ده؟ إحنا لسه يعني مفيش أسبوعين وهتستلمي أول مرتب ليكي هتاخدي نص المبلغ اللي اتفقنا عليه ..الطلب ده فيه استعجال..ولا ممكن نصبر عليه شوية؟
ليلى حست بقد إيه الموقف محرج.. وكرامتها منعتها إنها تتاجر بتعب أبوها قدامه.. فبلعت ريقها وبصت للأرض وقالت بصوت مرتعش..
_ أنا أسفة جدا يا بشمهندس.. اعتبرني مقولتش حاجة مفيش مشكلة أبدا... عن إذنك.
خرجت من المكتب بسرعة وهدوء قبل ما دموعها تخونها..وسابت يوسف مكانه..عينه فضلت مثبتة على الباب اللي اتقفل وراه لفترة.. منظرها الصبح وهي مش مركزة..ورعشة إيدها دلوقتي كل ده بدأ يرسم علامات استفهام في دماغه.. بس هز راسه ورجع يكمل شغله تاني.
نزلت ليلى وحاولت تمارس شغلها الطبيعي.. قعدت مع الست إنعام اللي لاحظت شرودها التام وهي بتبص للفراغ.. فسألتها بحنية..
_ مالك يا ليلى؟ شكلك مش معايا خالص يا بنتي.. في حاجة مضايقاكي؟
ليلى كانت محتاجة تفضفض.. بس اكتفت بابتسامة باهتة..
= لا يا طنط..أنا كويسة.. بس قلقانة شوية على بابا عشان سايباه لوحده في البيت وتعبان شوية.
إنعام طبطبت عليها..
_ طيب يا حبيبتي..ميفضلش بالك مشغول كده.. اخرجي الجنينة كلميه اطمني عليه.. خلاص هانت معدش إلا ساعتين وتروحي له.. روحي شوفيه وريحي قلبك.
خرجت ليلى الجنينة فعلا..وطلعت موبايلها وكلمت والدها.. وبمجرد ما سمعت صوته..ملامحها اتغيرت تماما.. بدأت تضحك وتكلمه بمرح عشان متحسسوش إنها شايلة الهم كانت بتمثل السعادة ببراعة عشان خاطر أبوها.
في اللحظة دي..كان يوسف واقف في بلكونة أوضته بيشرب قهوته وبيراقب عمر وهو بيلعب بالعجلة..وعينه وقعت على ليلى.. شافها وهي بتضحك ومنطلقة في الكلام.. لكن أول ما قفلت المكالمة شاف التحول المفاجئ.. الضحكة اختفت..والحزن والهم كسى ملامحها تاني بقلم فاطمة شلبي في ثانية واحدة.. بصلها شوية وبعدين
دخل أوضته وطلع ظرف..وحط فيه مبلغ محترم.. ونزل لوالدته في الصالون.. مد إيده بالظرف وقالها بصوت واطي..
_ يا ست الكل.. خدي الظرف ده اديه لليلى.. بس أمانة عليكي بلاش تقولي لها إنه مني خالص.. قولي لها دي هدية منك ليها عشان إنتي مرتاحة معاها..وإن ده بره المرتب خالص.. مش عايزها تحس بأي إحراج.
إنعام بصتله باستغراب..بس ابتسمت بحنان وقالت..
_ تسلم يا حبيبي.. حاضر ..هعمل اللي قولت عليه.
