
رواية هتلر الفصل الواحد والعشرون21 بقلم اسماعيل موسي
لم يحتج محمود إلى وقت طويل بعد أن وصلته الإشارة لأن عينًا من عيونه التقطت حركة غير معتادة خارج العمران
كانت تحركات ثقيلة وسيارات تدخل وتخرج ووجوه معروفة وأخرى جديدة وهمس واحد يتكرر عن صفقة كبيرة
جلس محمود في مكانه يستمع للتفاصيل دون أن يقاطع وكانت كل كلمة ترسم جزءًا من المشهد في رأسه حتى اكتملت الصورة
هتلر هناك ومعه رجاله ومعهم شحنة كفيلة بتغيير ميزان القوة
لم يتسرع وطلب تأكيدًا من أكثر من مصدر ثم أغلق الهاتف ببطء وعيناه أصبحتا ثابتتين
أدرك أن هذه ليست ضربة عادية بل فرصة لا تتكرر
جمع رجاله دون ضجيج ولم يكن الاجتماع طويلًا ولا مليئًا بالكلام
قسمهم بعينه وحدد من يقترب ومن يراقب ومن يقطع الطريق دون حاجة لشرح
تحركوا ليلًا وكانت الصحراء هادئة بشكل مريب والطريق يمتد بلا نهاية واضحة
وعلى بعد مسافة توقفت سياراتهم وأكملوا سيرهم في الظل
من بعيد ظهرت الأضواء وكانت العشة نفسها لكن هذه المرة محاطة بحركة أكبر
رجال يتحركون وأسـلحة ظاهرة وصناديق تُنقل بحذر وكل شيء يؤكد أن الصفقة على وشك الاكتمال
أشار محمود بيده فتوزع رجاله في صمت وانخفض بعضهم خلف مرتفعات رملية والتف آخرون من الجانبين
وثبت البقية مواقعهم في نقاط محسوبة ولم يكن الهجوم عشوائيًا بل حصارًا بطيئًا
انتظر لحظات حتى جاءت اللحظة ثم خرجت أول طلقة كإشارة وانفتح بعدها الجحيم
كان الرصاص دقيقًا وكل طلقة محسوبة تصيب وتتحرك دون إهدار
ارتبك رجال هتلر في البداية لأنهم لم يفهموا من أين يأتي الهجوم ثم بدأوا في الرد
تحول المكان إلى ساحة اشتباك مفتوحة وصراخ وأوامر متقطعة تتداخل مع صوت الرصاص
محمود لم يبقَ في الخلف بل تحرك واندفع بين المواقع بجسد منخفض وحركة سريعة
كان يقاتل بأسلوب يجمع بين النظام والهمجية فيضرب وينتقل ويشتبك دون توقف
في لحظة وجد نفسه أمام أحد رجال هتلر فأسقطه بضربة مباشرة دون استخدام السلاح ثم واصل تقدمه
كان يرى الفجوات داخل القتال ويستغلها وكأنه يقرأ معركة محفوظة في ذهنه
بدأ رجاله يضغطون وتضيق الدائرة تدريجيًا بينما هتلر في الداخل يحاول إعادة تنظيم رجاله
لكن الضغط لم يتوقف بل ازداد واقتربت المسافات حتى تلاشت الفواصل
انفتح مسار فجأة فاندفع محمود منه إلى عمق الاشتباك ولم يعد هناك مجال للمسافة
أصبح القتال جسدًا بجسد ونَفَسًا بنَفَس وكل حركة تحمل قرارًا وكل خطوة تقربه
وفي تلك اللحظة لم يعد القتال مجرد هجوم بل مواجهة تقترب
أصبح الهواء أثقل والصوت أقل وكأن كل شيء ينتظر اللحظة القادمة
انكمشت المسافة أكثر حتى أصبح كل شيء قريبًا بشكل خطير ولم يعد هناك مجال للتراجع أو إعادة التمركز
كل من في المكان أصبح جزءًا من لحظة واحدة لا تقبل التأجيل
داخل هذا الضغط ظهر هتلر وخرج من بين رجاله كأن وجوده وحده يكفي ليعيد التوازن
عيناه تحركتا بسرعة حتى توقفتا على محمود
مرت ثانية صمت بينهما تحمل كل ما مضى ثم تحركا في نفس اللحظة دون تردد
اندفع هتلر بقوته المعهودة وضربة مباشرة هدفها الحسم لكن محمود كان مستعدًا هذه المرة
استقبل الاندفاع وامتص الصدمة ثم انحرف بجسده قليلًا ورد بضربة سريعة أصابت الهدف دون تردد
لم يكن القتال نظيفًا ولا منظمًا بل كان صراعًا مفتوحًا بين قبضات واصطدام أجساد
تفوق هتلر في البداية بقوته الجسدية وضرباته الثقيلة أجبرت محمود على التراجع خطوة ثم أخرى
لكن محمود لم يفقد توازنه وبدأ يقرأ إيقاعه ويرى اللحظة قبل أن تأتي
تفادى ضربة وانخفض تحت أخرى ثم رد بسرعة غير متوقعة وبدأ القتال يتأرجح بينهما
لحظة لهتلر يفرض قوته ولحظة لمحمود يستعيد السيطرة
ثم تغير شيء في الإيقاع لأن محمود لم يعد يقاتل ليصمد فقط بل ليُنهي
اندفع فجأة وأمسك بهتلر بقوة واصطدم به أرضًا بعنف
حاول هتلر النهوض لكنه تلقى ضربة أوقفته في مكانه ثم أخرى ثم ثالثة متتالية
لم تكن ضربات عشوائية بل مركزة كأنها حساب قديم يُسدد
حاول هتلر المقاومة ورفع ذراعه واندفع للأمام لكن محمود كان أسرع منه
أسقطه مرة أخرى وأحكم السيطرة عليه بالكامل
في تلك اللحظة اختفى الصوت حولهما ولم يعد هناك رصاص ولا صراخ
فقط أنفاس ثقيلة ورجلان على أرض واحدة
أمسك محمود بعنقه ونظراته ثابتة وصوته خرج هادئًا بشكل مخيف وهو يقول انتهى
حاول هتلر أن يتحرك أو يرد لكن القوة خانته في تلك اللحظة
مرت لحظة قصيرة ثم انتهى كل شيء
تركه محمود ببطء ووقف فوقه يتنفس بعمق
لم يشعر بالانتصار ولا بالراحة بل بسكون ثقيل يملأ صدره
رفع نظره حوله فرأى رجاله يسيطرون على ما تبقى من المكان
كانت الأرض تحمل آثار المعركة التي انتهت وسقط فيها هتلر
لكن محمود كان يعرف أن ما انتهى الآن ليس إلا فصلًا وأن ما ينتظره بعد ذلك أكبر بكثير