رواية هتلر الفصل الرابع والعشرون24 بقلم اسماعيل موسي

رواية هتلر الفصل الرابع والعشرون24 بقلم اسماعيل موسي

لم يتوقف محمود بعد خروجه من القصر عند حدود الصفقة الأولى بل بدأ اسمه يتحرك داخل عالم الرجل الكبير بهدوء متصاعد
في البداية كانت مجرد اختبارات صغيرة مغلفة في صورة مهام عادية لكن الرجل الكبير كان يراقب النتائج أكثر من التفاصيل
أول عملية حقيقية جاءت بعد سقوط شحنة ضخمة على الحدود وكانت الخسارة على وشك أن تتحول إلى كارثة
رجال الرجل الكبير فشلوا في إخراجها والجميع كان ينتظر ضياعها بالكامل
جلس محمود يومها صامتًا يستمع للتفاصيل دون انفعال ثم طلب أسماء فقط وأماكن وتوقيتات
بعدها اختفى لساعات وعندما عاد كانت الشحنة قد تحركت بالفعل
خرجت من الحصار دون رصاصة واحدة ودون أن يفهم أحد كيف حدث ذلك
ومنذ تلك الليلة بدأ شيء يتغير في نظرة الرجل الكبير إليه
لم يعد يراه مجرد مغامر ذكي بل رجلًا يستطيع إنقاذ ما يقترب من الانهيار
ثم جاءت صفقة أخرى أكبر وأخطر
كانت عملية نقل تمر عبر أكثر من محافظة وتحت رقابة مشددة وأعين كثيرة تنتظر سقوطها
رجال كثيرون رفضوا لمسها لكن محمود وافق بهدوء كأنه يسمع عن أمر معتاد
هذه المرة لم يعتمد فقط على القوة بل على التشويش والخداع
نشر أخبارًا كاذبة عن اتجاه الشحنة وحرك سيارات فارغة في طرق مختلفة
جعل العيون تراقب السراب بينما البضاعة الحقيقية تعبر من مكان آخر
وعندما وصلت الصفقة كاملة تضاعفت أرباح الرجل الكبير بشكل غير مسبوق
بدأت الزيارات إلى القصر تصبح شيئًا عاديًا والحراس صاروا يعرفون وجه محمود جيدًا
أصبحت البوابات تُفتح له دون انتظار طويل سواء جاء في منتصف الليل أو في وضح النهار
كان يجلس مع الرجل الكبير بالساعات بين خرائط وأرقام وأسماء تتحرك فوق الطاولات
وشيئًا فشيئًا صار محمود جزءًا حقيقيًا من المنظومة لكن بطريقة مختلفة عن الجميع
بقية الرجال كانوا ينتظرون التعليمات أما هو فكان يأتي بالخطة جاهزة
لم يكن يطلب رجالًا من أحد ولا سلاحًا ولا حتى حماية
كل شيء يخصه كان منفصلًا رجاله الخاصون وسياراته وأماكنه وحتى طرق التواصل معه
الرجل الكبير لاحظ ذلك مبكرًا ولم يتجاهله أبدًا
وفي إحدى الليالي كان يجلس وسط عدد من رجاله المقربين عندما ذُكر اسم محمود
ساد صمت قصير قبل أن يبتسم الرجل الكبير ابتسامة خافتة ويقول محمود أهم عنصر عندي دلوقتي
ثم نفخ دخان سيجاره ببطء وأضاف لكن مشكلة محمود إنه عنصر مش مضمون
لم يضحك أحد بعد الجملة لأنهم فهموا معناها جيدًا
كان محمود الوحيد تقريبًا الذي يتحرك بحرية كاملة والوحيد الذي لا يبدو خاضعًا بالكامل
الرجل الكبير لم يكن يجهل ذلك بل كان يراقبه باستمتاع حذر
كان يشعر أحيانًا أن محمود لا يعمل معه بل يعمل بجواره
رجل يقترب من السيطرة دون أن يطلبها بشكل مباشر
ورغم ذلك لم يكن خائفًا منه لأن ميزان القوة في نظره ما زال محسومًا
كان يملك رجالًا أكثر وسلاحًا أكثر ونفوذًا يخترق أماكن لا يصلها غيره
وفي داخله كان مقتنعًا أن محمود مهما صعد يمكن سحقه في أي لحظة إذا أراد
مثل حشرة صغيرة خرجت بعيدًا عن حدودها
لكن ما لم يكن يدركه بالكامل أن محمود خلال كل مهمة كان يبني شيئًا آخر في الظل
لم يكن ينفذ فقط بل كان يتعلم ويجمع الصورة قطعة وراء أخرى
تعرف على خطوط التهريب الكبرى وعلى الأسماء المهمة وعلى طرق إدخال السلاح
وعرف الضباط الذين يتم شراؤهم والرجال الذين يمكن كسرهم أو استغلالهم
كان يدخل أعمق كل مرة ويخرج ومعه جزء جديد من عالم أكبر بكثير
حتى رجاله أنفسهم بدأوا يشعرون أن محمود لم يعد مجرد قائد مجموعة
بل رجل يتحرك بعقل دولة صغيرة داخل هذا العالم
وفي كل مرة كان يعود إلى شقته آخر الليل ويجلس وحده في الظلام كان يتذكر شيئًا واحدًا فقط
صوت الرجل الكبير وهو يقول في العالم ده اللي بيبدأ مستقل بيكمل تابع أو بيتكسر
وفي كل مرة كان محمود يبتسم ابتسامة خافتة لنفسه لأنه لم يكن ينوي أن يكون هذا ولا ذاك

وصلت الأخبار إلى القصر مع منتصف الليل وكانت المرة الأولى التي يظهر فيها التوتر الحقيقي على وجوه رجال الرجل الكبير
صفقة ضخمة اختفت داخل جبال شمال سيناء وكانت شحنة سلاح ومخدرات بملايين لا يمكن تعويضها بسهولة
المشكلة لم تكن في ضياع الطريق بل في المكان نفسه
الكهوف المنتشرة وسط الجبال كانت مليئة بجماعات مسلحة لا تخضع لأحد
رجال يعرفون الأرض أكثر من أي شخص ويقتلون دون تفاوض طويل
حتى المهربين القدامى كانوا يتجنبون المرور من هناك إلا للضرورة القصوى
أما هذه المرة فقد علقت الصفقة بالكامل داخل منطقة تحولت إلى فخ مفتوح
جلس الرجل الكبير في القصر يستمع للتفاصيل ووجهه يزداد برودًا مع كل دقيقة
رجاله اقترحوا الانسحاب وبعضهم قال إن استرجاع الشحنة مستحيل
والبعض الآخر رأى أن الخسارة أفضل من إشعال حرب داخل الجبال
لكن الرجل الكبير لم يكن يفكر فقط في المال بل في الهيبة
إذا ضاعت صفقة بهذا الحجم فستبدأ الأسماء الأخرى في اختبار حدوده
وفي وسط الصمت سأل سؤالًا واحدًا فقط فين محمود
بعد ساعات قليلة كان محمود يجلس أمام خريطة قديمة لشمال سيناء
عيناه تتحركان فوق الطرق الجبلية الضيقة والممرات الصحراوية المعقدة
لم يتكلم كثيرًا بل استمع فقط لكل ما عرفوه عن آخر مكان ظهرت فيه الشحنة
ثم طلب أسماء الرجال الذين اختفوا معها ومن كان يقود التحرك ومن يعرف المنطقة
كل تفصيلة كانت مهمة بالنسبة له
وفي صباح اليوم التالي تحرك محمود مع عدد قليل جدًا من رجاله
لم يأخذ جيشًا ولم يتحرك باستعراض قوة
كان يعرف أن الكثرة داخل تلك الجبال تعني هدفًا أكبر وأسهل
كلما توغلوا داخل شمال سيناء تغير شكل العالم حولهم
الطرق اختفت تدريجيًا والجبال أصبحت أكثر قسوة والصمت نفسه صار مخيفًا
ظهرت بقايا سيارات محترقة على أطراف بعض الممرات وأماكن مهجورة تحمل آثار اشتباكات قديمة
كان الخطر موجودًا في كل خطوة
محمود لم يعتمد على الخرائط فقط بل على رجال من البدو يعرفون الجبال كما يعرفون وجوه أبنائهم
دفع أموالًا كثيرة ووعد بأكثر لكنه لم يمنح ثقته الكاملة لأحد
في الليل كانوا يتحركون دون أضواء وفي النهار يختبئون داخل شقوق الجبال والكهوف الصغيرة
أكثر من مرة لمحوا رجالًا مسلحين من بعيد بوجوه مغطاة وسيارات دفع رباعي تتحرك فوق المرتفعات
وكان واضحًا أن أي خطأ صغير سيحولهم إلى جثث داخل الصحراء
بعد يومين كاملين وصل محمود إلى الحقيقة
الشحنة لم تُسرق بالكامل بل احتُجزت داخل شبكة كهوف تسيطر عليها مجموعة مسلحة أرادت الاستيلاء عليها ثم بيعها لاحقًا
المشكلة أن الدخول المباشر مستحيل
المكان محصن والمداخل مراقبة وأي هجوم سيشعل المنطقة كلها
جلس محمود ليلتها داخل كهف صغير مع رجاله لا يتكلم كثيرًا
كان يدخن بصمت وعيناه ثابتتان على النار الصغيرة أمامه
ثم فجأة رفع رأسه وكأنه وصل إلى شيء
وفي الليلة التالية بدأت خطته
أرسل رجلين فقط في اتجاه بعيد لإشعال اشتباك وهمي مع مجموعة أخرى قريبة
وفي الوقت نفسه تحرك هو وثلاثة من رجاله عبر ممر جبلي ضيق لا يعرفه إلا دليل بدوي عجوز
كان الطريق أشبه بالموت بحواف حادة وصخور تنهار تحت الأقدام
لكنهم وصلوا خلف الكهوف دون أن يراهم أحد
ومن هناك بدأ كل شيء
تسللوا بصمت كامل وقتلوا الحارس الأول دون صوت ثم الثاني
وداخل الفوضى التي اشتعلت بعيدًا بسبب الاشتباك الوهمي بدأ محمود ينقل الشحنة قطعة قطعة إلى الخارج
استمرت العملية ساعات كاملة وكانت كل دقيقة فيها كفيلة بقتلهم جميعًا
وفي اللحظة الأخيرة اكتشف أحد المسلحين ما يحدث
وانطلقت الرصاصات داخل الجبال كالعاصفة
تحولت الكهوف إلى جحيم مفتوح وصوت الرصاص يرتد بين الصخور بشكل مرعب والرجال يصرخون في كل اتجاه
لكن محمود لم يتراجع
كان يتحرك وسط الظلام بسرعة غريبة يطلق النار ثم يختفي بين الصخور ويقود رجاله للخروج خطوة بخطوة
وعندما أشرقت الشمس كانت الشحنة قد خرجت بالفعل من الجبال
خسروا رجلين وأصيب أكثر من واحد لكن الصفقة نجت
وعندما وصلت الأخبار إلى القصر ظل الرجل الكبير صامتًا لوقت طويل
حتى هو نفسه لم يكن يتخيل أن تلك الصفقة يمكن إنقاذها
وفي تلك الليلة حين دخل محمود إلى القصر بملابسه المغطاة بالغبار وآثار الدم وقف الرجل الكبير ينظر إليه للحظات طويلة
ثم ابتسم لأول مرة ابتسامة حقيقية وقال بهدوء أنت أخطر راجل اشتغل معايا من سنين طويلة


تعليقات



<>