
رواية هتلر الفصل الخامس والعشرون25 بقلم اسماعيل موسي
#هتلر
٢٥
لم تمر عملية جبال سيناء بهدوء كما توقع البعض
ما حدث هناك لم يكن مجرد إنقاذ صفقة ضخمة بل كان إعلانًا غير مباشر عن ظهور اسم جديد داخل عالم لا يعترف بسهولة بأحد
الأخبار بدأت في صورة همسات ثم تحولت إلى روايات مختلفة تنتقل بين الأوكار والمخازن والموانئ الخلفية
رجل دخل إلى قلب جبال شمال سيناء إلى مناطق لا يعود منها الناس عادة ثم خرج بالشحنة كاملة تقريبًا
في البداية ظن البعض أن الأمر مجرد مبالغات معتادة لكن كل يوم كان يحمل تأكيدًا جديدًا
رجال اختفوا وعادوا يحكون ومهربون سمعوا أصوات الاشتباكات بين الكهوف وسماسرة نقلوا تفاصيل صغيرة عن رجل يتحرك وسط الموت وكأنه يعرف الأرض أكثر من أهلها
اسم محمود لم يكن يتردد كثيرًا بشكل مباشر لكن الوصف كان واحدًا دائمًا
صاحب القلب الميت
رجل لا يتراجع ولا يهرب ولا يتردد حتى عندما يصبح الموت أقرب من الهواء
داخل القصر جلس الرجل الكبير يتابع كل ذلك بصمت
كان يرى كيف بدأت الدوائر تتسع حول محمود بشكل غير مسبوق
اتصالات تأتي من أماكن بعيدة ورسائل غير مباشرة وأسماء كبيرة تسأل عنه دون أن تسأله علنًا
بعضهم كانوا في نفس حجم الرجل الكبير والبعض الآخر أكبر منه نفوذًا وأوسع انتشارًا
حيتان السوق الحقيقيون
رجال يديرون طرق تهريب تمتد بين حدود ودول ورجال لا يظهرون في الصور لكنهم يحركون مدنًا كاملة من خلف الستار
واحد منهم أرسل يعرض شراكة وآخر أراد لقاءً خاصًا وثالث طلب فقط أن يعرف من هو هذا الرجل الذي دخل جبال سيناء وخرج حيًا
الرجل الكبير لم يكن غبيًا وكان يدرك أن محمود لم يعد مجرد عنصر داخلي ضمن رجاله
بل أصبح اسمًا تتحرك نحوه الأنظار
وفي إحدى الليالي وقف داخل مكتبه المظلم ينظر إلى المدينة البعيدة من خلف الزجاج ثم قال بهدوء لرجل يجلس أمامه
أنا كنت فاكر إني ماسكه بس الواد ده بيكبر أسرع من اللازم
في مكان آخر كان محمود يتحرك بهدوءه المعتاد
لا يحتفل ولا يظهر نفسه ولا يرد على أغلب الرسائل التي تصله
لكن داخله كان يشعر بالتغير
الناس لم تعد تنظر إليه كقائد مجموعة ولا كرجل عمليات محترف فقط
بل كشيء أخطر كقوة مستقلة بدأت تفرض وجودها بنفسها
حتى رجاله تغيرت نظرتهم إليه
أصبحوا ينفذون أوامره دون سؤال ويتحركون بثقة شخص يعرف أن خلفه رجلًا لا يسقط بسهولة
لكن وسط كل هذا وصل الشيء الوحيد الذي جعل محمود يصمت طويلًا
كان اتصالًا غامضًا
رقم لا يحمل أي بيانات ولا يشبه الأرقام المعتادة التي يعرفها
حين رد لم يسمع مقدمات طويلة ولا تهديدات ولا عروضًا واضحة
فقط صوت هادئ جدًا وبارد بشكل غريب كأنه يخرج من غرفة مغلقة بلا نوافذ
الصوت كان يعرفه ويعرف اسمه الحقيقي ويعرف تفاصيل لا ينبغي لأحد معرفتها
لم يذكر الجهة التي ينتمي إليها بشكل مباشر ولم يقدم نفسه بوضوح
لكن الكلمات القليلة التي قيلت كانت كافية ليفهم محمود أنه لا يتحدث مع رجال سوق ولا مع مهربين
كان هناك شيء آخر خلف الخط شيء أكبر وأخطر وأكثر تنظيمًا
الحديث نفسه ظل غامضًا
لا أوامر واضحة ولا طلبات مباشرة
لكن المعنى كان حاضرًا بقوة
الأوضاع داخل سيناء لم تعد مطمئنة وهناك مناطق بدأت تخرج تدريجيًا من السيطرة
ومحمود فعل ما لم ينجح فيه كثيرون قبله
دخل إلى عمق الجبال إلى أماكن لا تصل إليها القبضة بسهولة وخرج منها حيًا
لهذا السبب كانوا يريدون تعاونه
ليس كشخص عادي بل كرجل يعرف كيف يتحرك داخل الفوضى
انتهت المكالمة فجأة كما بدأت دون اسم ودون وداع ودون أي وسيلة تواصل واضحة
ظل محمود ممسكًا بالهاتف للحظات طويلة وعيناه ثابتتان في الفراغ
لأول مرة منذ سنوات شعر أن اللعبة نفسها بدأت تتغير
لم يعد الأمر متعلقًا فقط بالمال أو النفوذ أو الانتقام
هناك أبواب أخرى بدأت تُفتح ببطء
أبواب تقود إلى عالم أكبر بكثير من عالم الشوارع والصفقات
وفي تلك الليلة جلس محمود وحده فوق سطح البناية يدخن بصمت
المدينة نائمة أسفل منه لكن عقله كان أبعد من كل شيء حوله
تذكر الحارة القديمة والليلة التي سقط فيها تحت ضربات هتلر
وتذكر الكلاب التي نهشت جسده في الصحراء
وتذكر أمه وهي تنظف دمه بيديها المرتعشتين
ثم رفع عينيه نحو الأفق البعيد
وأدرك أخيرًا أن الرجل الذي خرج يومًا من الحارة محطمًا لم يعد موجودًا
ظل محمود جالسًا فوق سطح البناية والهاتف بين يديه والدخان يتصاعد ببطء من سيجارته بينما عيناه ثابتتان على ظلام المدينة البعيد
كان يعيد الكلمات داخل رأسه مرة وراء الأخرى ويحاول فهم ما وراءها لا ما قيل فقط
ثم همس بصوت خافت كأنه يكلم نفسه هما يعرفوا كل حاجة
سكت لحظة طويلة ثم أكمل بهدوء أثقل الصفقات والرجل الكبير وكل اللي بيحصل
لم يكن يشك في ذلك أصلًا لكن سماع الأمر بشكل غير مباشر جعله يدرك حجم العيون التي تراقب العالم من فوقه
إذا كانوا يعرفون كل هذا فلماذا الصمت
لماذا تُرك كل شيء يتحرك بحرية ولماذا الآن تحديدًا
ظل يفكر طويلًا في المكالمة وفي الطريقة الباردة التي تحدث بها الصوت
وفي شيء واحد ظل يزعجه أكثر من أي شيء آخر
الرجل لم يهدده
لم يتحدث عن قضايا ولا عن اتهامات ولا عن سجون
لم يحاول إخافته أو كسره بل طلب مساعدته فقط
وهذا كان أخطر بكثير
أعاد محمود رأسه للخلف وأغمض عينيه للحظة ثم تذكر الكلمات القليلة التي سمعها عن سيناء
الأوضاع خرجت عن السيطرة
الجملة وحدها كانت كافية لتفتح أبوابًا كثيرة داخل عقله
هو يعرف تلك الجبال الآن ويعرف الفوضى التي تتحرك هناك ويعرف أن المهربين والمسلحين صاروا يملكون عيونًا في كل مكان
أي رجل معروف يدخل هناك يصبح هدفًا قبل أن يصل
وأي حركة تُرصد وأي وجه مألوف يُقتل سريعًا
لكن هو
ابتسم محمود ابتسامة صغيرة باهتة وهو ينظر للمدينة
هو ما زال شبحًا بالنسبة لكثيرين
رجل غامض يتحرك بلا صورة واضحة وحتى داخل السوق نفسه هناك من يعرف اسمه ولا يعرف وجهه
وفجأة بدأت الصورة تكتمل أكثر
إذا تحرك لصالحهم فسينال ما لم يحصل عليه من قبل
الدعم والمعلومات والمساعدة حين يحتاجها
لن يكون وحده داخل الجبال هذه المرة
حتى الفوضى التي قد يتركها خلفه سيكون هناك من يتكفل بإخفائها
مخرج آمن دائمًا وأبواب تُفتح وقت الحاجة
ظل محمود صامتًا للحظات طويلة ثم أطفأ سيجارته ببطء شديد
وفي داخله بدأ شعور غريب يتحرك شعور لم يعرفه منذ سنوات طويلة
ربما كانت الأقدار تضع أمامه فرصة أخيرة
فرصة لاستخدام كل ما أصبح عليه في شيء مختلف شيء قد يمنحه جزءًا من السلام الذي فقده
لكنه لم يكن ساذجًا
كان يعرف أن الطريق الذي يسير فيه لا يمنح التطهير بسهولة وأن الدم لا يختفي لمجرد تغيير الاتجاه
لهذا ظل ينظر إلى الظلام بصمت ثم همس أخيرًا لنفسه
قبل أي حاجة لازم أخلص اللي بدأته
كانت عيناه ثابتتين وهو يقولها وعقله يعود مباشرة إلى الرجل الكبير وإلى القصر وإلى الإمبراطورية التي ما زالت واقفة بكل قوتها
محمود كان يعرف جيدًا أنه لا يستطيع دخول أي عالم جديد بينما عالمه القديم ما زال مفتوحًا خلفه كالجرح
اندلعت الحرب في غزة كعاصفة فتحت أبواب الفوضى في المنطقة كلها
الصور القادمة من هناك كانت تملأ الشاشات بلا توقف مبانٍ تنهار وحرائق لا تنطفئ وطائرات تمزق السماء فوق المدينة المحاصرة
ومع اتساع الحرب بدأت الحدود كلها تهتز
طرق التهريب القديمة تحولت إلى شرايين مشتعلة والسلاح يتحرك بكثافة غير مسبوقة والمال يتدفق نحو كل من يملك طريقًا أو معلومة أو رجلًا مستعدًا للموت
سيناء نفسها تغير وجهها بسرعة
الكهوف التي كانت مخازن صغيرة تحولت إلى أوكار كاملة والممرات الجبلية امتلأت بوجوه جديدة من مهربين ومسلحين وتجار جاءوا من أماكن مختلفة يطاردون الصفقات الضخمة التي خلقتها الحرب
في تلك الفوضى بدأ محمود أولى مهامه الحقيقية داخل عمق سيناء
لكن هذه المرة لم يكن يتحرك فقط لصالح الرجل الغامض ولا كرجل ينفذ مهمة محددة بل كرجل بدأ يختبر حجمه الحقيقي داخل هذا العالم
وصلت إليه معلومة عن صفقة سلاح ضخمة تتحرك عبر سلسلة كهوف معقدة قرب الحدود
شحنة تكفي لتسليح مجموعات كاملة وكان من المفترض أن تمر خلال ساعات قليلة قبل أن تختفي داخل الأنفاق والمخازن السرية
محمود لم يتحرك بعشوائية
جلس مع رجاله فوق خريطة بدائية مرسومة على الرمل داخل أحد الكهوف المهجورة وكان يشرح بهدوء خطوط الحركة وأماكن الحراسة ونقاط الاختناق داخل الممرات الجبلية
عرف أن الهجوم المباشر انتحار
الرجال الذين يحمون الصفقة مدربون جيدًا والمنطقة نفسها مليئة بعيون تراقب أي حركة غريبة
لذلك اختار شيئًا آخر
الخداع
قبل التحرك بساعات انتشرت أخبار كاذبة عن هجوم مرتقب في طريق مختلف وبالفعل بدأت مجموعات مسلحة تتحرك ناحية الإشاعة بينما كان محمود ورجاله يتحركون في الاتجاه الحقيقي بصمت كامل
تسللوا عبر ممرات ضيقة بين الصخور وكانت الرياح المحملة بالرمال تخفي أصوات خطواتهم أحيانًا
في منتصف الليل لمحوا القافلة أخيرًا سيارات دفع رباعي تتحرك ببطء بين الجبال وحولها رجال مدججون بالسلاح
محمود لم يعطِ أمر الهجوم فورًا
ظل يراقب لدقائق طويلة كأنه يحفظ إيقاع تحركهم
ثم بدأ كل شيء فجأة
انفجار صغير وقع خلف القافلة التفت الحراس بسرعة ناحية الصوت وفي اللحظة نفسها انطلقت أولى الرصاصات من أعلى الجبل
تحولت المنطقة إلى فوضى كاملة
الطلقات كانت تنزل من زوايا مختلفة ورجال محمود يتحركون بين الصخور بسرعة كأنهم أشباح
بعض سيارات القافلة انحرفت واصطدمت ببعضها والصراخ اختلط بصوت الرصاص والمحركات
لم يكن هدف محمود قتل الجميع بل السيطرة على الشحنة بأقل خسائر ممكنة
لهذا كان يضرب بدقة يربك ويتحرك باستمرار
خلال أقل من نصف ساعة كانت المعركة انتهت تقريبًا
بعض الرجال هربوا داخل الجبال والبقية سقطوا بين قتيل وجريح
أما الشحنة فكانت كاملة تقريبًا
صناديق طويلة ممتلئة بالسلاح والذخيرة كميات ضخمة أكبر حتى مما توقع رجاله أنفسهم
ظل الرجال ينقلون الصناديق بصمت بينما كان التعب والإثارة ظاهرين على وجوههم
وفي أعلى الجبل جلس محمود وحده فوق صخرة مرتفعة يدخن سيجارته بصمت
من بعيد كانت السماء جهة غزة تضيء كل بضع دقائق وميض الانفجارات يظهر حتى من تلك المسافة البعيدة وصوت الطائرات يأتي خافتًا مع الرياح أحيانًا
اقترب أحد رجاله منه بعد فترة قصيرة وقال بصوت متردد
الكمية دي هنعمل بيها إيه وهل هنبلغ الراجل الغامض
ظل محمود صامتًا للحظات طويلة ينظر نحو الحرائق البعيدة وكأن عقله في مكان آخر تمامًا
ثم أخرج دخان سيجارته ببطء وقال دون أن يلتفت
لا
سكت لحظة قصيرة أخرى ثم أكمل بهدوء بارد
أنا هتصرف فيها بنفسي