
رواية ارض الدوم الفصل الخامس والعشرون25 بقلم رحمة نبيل
ن [ خاتم زواج ]
صلوا على نبي الرحمة ..
كان صدى كلماته يصدح في الصمت الذي يملئ المكان حولهما، يراقبها بأعين متوسلة، ونظرات لا يتذكر أنه نظر بها لأحد منذ سنوات قبل أن يتوقف عن التوسل لأجل حياته، قبل أن يعلم يقينًا أن مثل هذه الحياة لا تستحق أن تتوسل للاحتفاظ بها، ومنذ ذلك الحين لم يتوسل لشيء ولم يجعل أحدهم يبصر رجاءً بعينه.
لا شيء يستحق أن يتوسل له في هذا العالم ولا حتى حياته .
لكن هذه لم تكن حياته، بل كانت رايانا ....
_ هو ؟!
خرجت الكلمة مرتجفة وهي تحاول أن تستوعب كل ما نطق به، هل هذا يعني أن ذلك الرجل الذي كان يغرقها بالوعود والهدايا، ينظر لها وكأنها أثمن ما يمتلك، لم يكن مسلم ؟!
شحب وجهها تراقبه بصدمة، ما الذي أوقعت نفسها به، شعرت بقلبها ينبض بعنف رعبًا من فكرة أن تحب شخصًا يسكن عقل مسلم وليس مسلم نفسه، أحبت اللاوعي عنده ؟!
_ أنا وهو .
رفعت عيونها له دامعة لا تفهم ما يقول وهو ابتسم لها يحاول كبت كل المشاعر التي تموج داخله :
_ هو أنا وأنا هو، طول عمري بحاول ادفن الجزء ده جوايا وميخرجش لغيري عشان مؤذي، طول عمري بحاربه وبحاول إني اخلص من حالتي دي بس ...
صمت يفرك وجهه بقوة شديد، ومن ثم رفع عيونه لها يحاول التماسك، هذا ليس الموقف الذي ينطق به بما يكنه هو بكل وعيه ولا وعيه لها .
_ الشيء الوحيد اللي اتفقنا عليه، اللي انا بكلي متأكد منه، هو مشاعري ليكِ .
سقطت دموع رايانا بقوة تحاول أن تبتعد للخلف لكن الفراش كان يحول ما بين ذلك، تجذب كم ثوبها تمسح به دموعها بقوة باكية خائفة مما يحدث حولها رافضة لواقعها في هذه اللحظة :
_ لا ...مش ...مش هقدر....مش هقدر ...خلاص هو مش هينفع اساسا خلاص ...
وفجأة تلاشى كل هدوء مسلم يهتف بصوت جامد مخيف :
_ مش هينفع ايه ؟!
_ خلاص يا مسلم انسى الموضوع خلص خلاص، أنا مش هقدر اساسا اتقبل إني....
ومسلم انتفض عن مكانه فجأة يتحرك صوبها بحركة بدت عنيفة لها لتتراجع برأسها وهو جلس أمامها، ينظر لها بعيون مصدومة ثواني قبل أن يهمس لها :
_ أنا عمري ما هجبرك تتحمليني في مرضي يا رايانا، مش هلزمك أنك تتعاملي معاه، ولا هحسسك بمرضي، هحبس نفسي بعيد عنك، اقولك... لو حسيتي إني مش مركز هشتري ليكِ شقة تبعدي فيها لغاية ما أنا اتصل بيكِ.
بكت رايانا بصوت مرتفع وهي تخفي وجهها بين يديها تنفي برأسها تحاول التحدث بما يقبع داخل صدرها، لكن شهقاتها كانت تمنع خروج كلمة منها، ومسلم شعر بأن حياته تضيع منه يهمس بصوت يائس وقد سقطت دمعة صغيرة من عيونه، وفي موقف آخر كان سيشعر بالخزي من توسله لأجل شيء، لكن ليس معها :
_ رايانا بالله عليكِ، والله العظيم هتعالج تاني وتالت ورابع عشانك، هتعالج لغاية ما اكون كويس ليكِ، والله هعملك كل اللي تتمنيه، هاخدك بعيد عن الكل، هحققلك كل احلامك، هسفرك و ....
كان يهزي بكل الوعود التي يمكن أن يعدها شخص لامرأة ورايانا فجأة اصمتته وهي تلقي نفسها بين أحضانه ليتراجع بفزع للخلف وصدمة مما حدث يستند ارضًا كي لا يسقط بها تهتف من بين شهقاتها :
_ أنا....مش عشانك .. أنا....اللي مش هنفعك ..مسلم أنا مش هينفع ...انا آسفة.
ومسلم فقط كان جامدًا يبعد يده عنها مصدومًا منها ومن كلماتها، يتنفس بصعوبة قبل أن ينظر لرأسها يرفع كفه بهدوء يربت على خصلاتها بحنان قبل أن يحاول دفعها بلطف عنه :
_ فروشكا ...
انفجرت رايانا في بكاء أشد وأقوى وهي تتحدث بكلمات عديدة لم يميز منها سوى اسم محمد، ليدرك فجأة ما تريد قوله .
وفجأة أصبح تدمير حياة محمد المهنية وتدمير ملامح وجهه ليس كافيًا له، مال برأسه فأصبح جوار خاصتها يهمس بصوت خافت بدا لها حنون لكنه أبعد ما يكون عن ذلك :
_ مفيش محمد يا فروشكا، انسيه هو مبقاش موجود .
اتسعت عيون رايانا وهي تبتعد عنه فجأة وكأنها للتو أدركت ما يحدث تنظر له بأعين متسعة، وهو ابتسم لها بحنان .
_ أنت هتعمل ايه ؟!
_ هقتله ......
وهذه الكلمة كانت رصاصة توجهت مباشرة لمنتصف صدر رايانا التي ارتفع الخوف في عيونها تتراجع للخلف بعيدًا عنه تهز رأسها برفض :
_ لا ...لا مسلم أنت مش هتعمل كده ... أنت مش هتعمل كده ...بالله عليك اوعى تعمل كده .
ومسلم فقط يراقبها بهدوء وبرود بعض الشيء حتى إن وعدها هو الآن بذلك، فلا يضمن جزءه الثاني أن يلتزم بهذا الوعد .
لم يكن قاتلًا يومًا، ولم يكن القتل شيء يتعايش معه كأي مجرم، ولم يكن حمل ذنب نفسٍ بريئة شيء يمكن أن يحيا به، لكن هو سبق وقتلها، قتل الشيء الوحيد الجيد في حياته ..
ورايانا كانت مرعوبة في هذه اللحظة تدرك مقدار الظلام الذي يسكن مسلم، تدرك كم يمكن لمرضه أن يخيفها، ولا تدري إن كانت تستطيع التعايش مع كل ذلك .
لا تدرك شيء، لا تعلم شيء، كل ما تعلمه أنها تشعر بالأمان مع مسلم، سواء كان بهذا الشكل أو بالآخر، هي تحبه بكله، تأمن له بكل جزء به المظلم قبل المنير .
لكن أن يتحكم به غضبه لدرجة أن يقتل إنسان، هذا ما لن تتعايش معه يومًا، اقتربت خطوات قليلة وهي تجلس أمامه على بُعد خطوة تهمس بصوت ضعيف :
_ مسلم ... مينفعش تعمل كده اوعدني أنك عمرك ما هتقتل انسان عشان أي حاجة، مسلم بلاش تخليني اخاف منك وأنت الوحيد اللي بحس بأمان معاه .
نظر لها مسلم دون أي ردة فعل حتى فجأة انفجر الغطاء الصخري الذي كان يحيط به نفسه في اللحظة التي سمعها تنطق بصوت منخفض لدرجة ظن نفسه متوهمًا .
لكنه سمعها، سمعها وهي تهمس له :
_ مسلم أنا....بحبك .
ارتجف قلب مسلم وهو ينظر لها بأعين متسعة وفم مفتوح، قبل أن يبتسم باتساع وقد بدأت عيونه تلتمع من كلمتها وقد شعر في هذه اللحظة أنه يمكنه أن يدفع عمرًا كاملًا ليسمع الكلمة مجددًا ومجددًا .
_ رايانا ...
ابتسمت له من بين دموعها :
_ فروشكا .
ضحك ضحكة صغيرة ينظر حول نفسه وكأنه يبحث عن دليل يخبره أنه لا يحلم، أن كل ذلك ليس من نتاج عقله المريض :
_ أنا........
صمت وكأنه يبحث عن كلمة يصف بها ما يدور داخله :
_ أنا مسحور .
ورايانا لاول مرة تسمع مثل هذا الاعتراف من مسلم ومن رجل بشكل عام، هي سمعت عز الدين يعترف لها مرات ومرات أنه يحبها، ولم تصدقه يومًا ولم يكن هو ذاته صادقًا، محمد ربما قالها مرات معدودة .
لكن الآن..مسلم وبكلمة واحدة جعلها تشعر أنها... أنها امرأة تستحق كل الحب .
_ اوعدني عشان خاطري بلاش تكسرني بالشكل ده وتأذي حد، بلاش تلغي الامان اللي بحسه معاك .
نظر لها مسلم طويلًا قبل أن يتحدث بهدوء شديد :
_ اوعدك .
_ ولا حتى نصك التاني يامسلم .
كانت تتحدث بجدية ليبتسم لها بسمة واسعة :
_ نصي التاني مستعد يقتل أي حد ولا أنه يكسر وعد معاكِ يا رايانا .
صمتت تنظر ارضًا بخجل وهو حدق بها ثواني قبل أن يهتف بجدية :
_ رايانا تتجوزيني ؟
رفعت رايانا عيونها لها تحدق فيه بصدمة، لا تفهم ما يحدث، لكنه فقط ابتسم بسمة واسعة يكرر كلمته مجددًا :
_ اتجوزيني يا رايانا، اتجوزيني عشان محسش إني بعمل حاجة غلط لما ابصلك .
ورايانا لم يكن منها رد سوى هزة رأس صغيرة وبسمة واسعة، ومسلم فقط تحرك حركة للخلف ينظر لفتات الكرة التي حطمتها، ثم رفع عيونه لها يردد ببسمة عاشقة :
_ الهدية الجاية هتكون خاتم جوازنا ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ مش هتروح ترجع مراتك يا بني ؟؟
رفع عيونه لوالدته ثواني قبل أن يخفضها بعدم اهتمام، ومن ثم اولى كل انتباهه صوب والده الذي كان يجلس جانبًا يتحدث في الهاتف .
يتابعه بكل حواسه وقد كانت هناك نيران مشتعلة داخله.
وسكينة لم تفهم ما يحدث فقط اقتربت منهم تتحدث بضيق من فكرة أنها أصبحت مستبعدة من كل ما يحدث حولها ولم تعد تفهم ما يفعل الجميع حولها .
_ فيه ايه أنت وهو قاعدين كده كأن مات ليكم ميت ؟!
نظر لها زوجها وهو ما يزال يتحدث في الهاتف، ثم أنهى المكالمة بعد كلمات قليلة .
_ تمام ظبط أنت الموضوع وأنا بكرة هبقى اخلص الحوار كله .
اغلق الهاتف ينظر لزوجته بضيق شديد :
_ خير يا بوز الأخص عايزة ايه على المسا ؟!
اتسعت عيون سكينة بقوة تهتف بصدمة وكأن أحدهم طعنها في قلبها للتو :
_ بوز الأخص ؟؟ أنت بتقول الكلام ده ليا أنا يا معتز ؟! أنت اتجننت ؟!
نهض معتز بغضب شديد يرفع يده بقصد ضربها :
_ الظاهر أنت اللي اتجنيتي عشان تكلميني كده يا بنت الـ*** ايه فاكرة هتركبي وتدلدلي ولا ايه .
ولم يكد أن يصفعها حتى توقف عز الدين بينهما يتحدث بتعجب من تصرفات والده الذي بدى فاقدًا لكل التعقل المعروف به ولأول مرة يسمعه يتحدث بهذا الشكل لوالدته أو يحاول رفع يده عليها .
وفي الخلف كانت سكينة تراقب يده بصدمة تشعر بالرعب من فكرة أن معتز أفلت من لجامها الذي كانت تضعه حوله .
_ هتضربني يا معتز ؟؟ بعد كل ده ؟!
_ واديكِ بالجزمة طالما مش عارفة ازاي تحترمي جوزك وتحترمي نفسك .
ابتسمت له سكينة بسمة غريبة قبل أن تهز رأسها:
_ وماله يا سيد الرجالة، وماله.
_ سيد الرجالة غصب عنك أنتِ واللي خلفوكِ .
هنا ولم تتوقف سكينة ثانية وهي تنسحب من المكان بالكامل والشر ينبثق من كل خلية داخل جسدها وعز الدين يراقب ما يحدث بصدمة كبيرة لتطور الأمر بين والديه بهذا الشكل .
رفع عيونه لوالده يتحدث بعدم فهم :
_ ايه يا حاج ايه اللي حصل لكل ده !؟
_ سيبك منها دي ولية سوّ مفكرة أنها هتسوقني بنت العوالم .
اتسعت عيون عز الدين، لكن معتز لم يهتم يجلس زافرًا بصوت مرتفع :
_ المهم سيبك من امك وركز معايا أنا كلمت الراجل وهو هيجي بكرة بإذن الله عشان نخلص حوار رايانا ده ونفوق للارض اللي الزفت ده عرف عنها .
_ ايوة بس أنا مش حابب حوار رايانا ده و ..
_ ولا متخلنيش اتعصب عليك زي أمك، البنت خلاص مبقتش نافعة والكل هيبدأ يتكلم واحنا مش ناقصين وجع دماغ خلينا نخلص من الحوار ده وانت ابقى اعمل اللي تحبه بعدين .
_ طب وعمي ؟؟
_ ولا هيفتح بؤقه بكلمة واحدة .
هز له عز الدين رأسه هزة صغيرة ينهي الحوار ومن ثم تحدث بجدية شديدة :
_ هتعمل ايه بقى في حوار الواد ده، لو الباشا عرف أنه حد شم خبر هنروح في ستين داهية .
_ وهو هيعرف منين ؟؟ قبل ما الخبر يوصله هنكون خلصنا على الواد واللي معاه .
صمت ثواني قبل أن يقول بجدية :
- سيبلي بس أنا اخطط للموضوع ده وبعدين اقولك هنعمل ايه، بس نخلص من حوار بنت الـ*** اللي اسمها رايانا بكرة وانا افوق ليه .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ صباح الخير ..
انتفض جسد ساڤا بسرعة وهي تستدير خلفها لأحمد الذي خرج من المرحاض يعدل من كم قميصه الابيض يبتسم لها بسمة صغيرة، وهي فقط شردت به ثواني قبل أن تهز رأسها هزة صغيرة .
رفع أحمد حاجبه يبتسم بسمة جانبية ساخرة :
_ ودي ايه دي إن شاء الله ؟!
_ نعم ؟
_ أنعم الله عليكِ، بقولك صباح الخير، ردي عليا بلسانك يا ساڤا أنا بكره حد يعاملني بالاشارات .
هزت رأسها له ليتنهد بصوت مرتفع، ثم أشار صوب المرحاض بجدية وهو يتحرك صوب المرآة يتأكد أن كل شيء بخير :
_ أنا خلصت لو حابة تدخلي ..
توترت ساڤا من وجوده في الغرفة وهي في المرحاض على بعد خطوات منه، لذا نفت برأسها:
_ لا شكرًا أنا تمام .
رماها أحمد بعدم فهم مبتسمًا بلطف :
_ تمام ايه ؟؟ اتوضيتي امتى ؟؟
_ اتوضيت ؟!
اعتدل أحمد في وقفته يردد بهدوء وبسمة صغيرة ما تزال مستقرة على فمه :
_ عشان تصلي، أنتِ مصلتيش الفجر امبارح مرضيتش اصحيكِ بعد ما نمتي اخيرًا، روحي اتوضي وتعالي صلي يلا .
وساڤا فقط ظلت تنظر له بصدمة وتوتر كبير، صلاة ؟؟ وضوء ؟؟
ابتلعت ريقها بتوتر تحاول التحدث بشيء لكن يبدو أن الكلمات حُشرت في حلقها، وأحمد لاحظ ذلك يمنحها كامل الإنتباه يتحرك صوبها يرفع يده مربتًا على خصلاتها بحنان وقد كانت عادة له مع نورهان كلما شعر بها خائفة أو حزينة :
_ تحبي اساعدك في الوضوء ؟!
رفعت عيونها له تنظر له، ومن ثم نظرت لكفه التي كانت مستقرة فوق خصلاتها، ثم قالت بصوت خرج مرتجفًا لا تدري خوفًا أو تأثرًا بقربه :
_ لا أنا...رايانا كانت ...هي علمتني وكنت بصلي معاها زمان و...بس بقالي ...كتير اوي مصلتش و...
صمتت تشعر بأنها انسان حقير، هذه الحقيقة التي ضربتها الآن وكأنها لم تكن منتبهة لها جعلتها تشعر بالخزي، وأحمد ابتسم بحنان، يكفي أنها ندمت وتملك نية التوبة .
_ طب مفيش وقت افضل من دلوقتي عشان ترجعي تاني، يلا روحي اتوضي وتعالي، وهعملك وِرد معايا .
نظرت له بعدم فهم فأوضح لها ببساطة :
_ عدد صفح معين من القرآن كل يوم، هنتسابق أنا وأنتِ، عشان مسلم بقى مستفز في الموضوع ده وبيغش .
ابتسمت دون شعور فابتسم لها .
_ يلا خلصي عشان نفطر وننزل تتعرفي على العيلة.
_ العيلة ؟!
_ عيلتك .
وهذه كانت كلمة كبيرة تحمل لها وقعًا مؤلمًا، لكنها لم تناقش الأمر معه ليس وهو يعلم نصف الحقيقة بالفعل وقد أبصرها بعيونه .
_ اتمنى بس متحكميش عليهم من تصرفاتهم اديهم فرصة يثبتوا ليكِ أنهم بشر ممكن تعيشي معاهم عادي .
نظرت له بعدم فهم، هي بالفعل تعلم عائلته لمَ يتحدث بهذا الشكل وكأنها لا تدركهم.
ابتسم ساخرًا وكأنه سمع أفكارها :
_ عيلتي برة البيت حاجة وجوا البيت حاجة تانية ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت اصوات الشجار تهز جدران المنزل بالكامل وهناك ارضًا في منتصف البهو كان عيسى ملقى وفوقه يحيى الذي يجذب خصلات أخيه بيده السليمة صارخًا :
_ إياكش ياض مفكرني عيل عبيط من صحابك بتوع التكاتك هتضحك عليهم، لا يا با فوق ده أنا اقطعك نساير كده كل نسيرة قد عقلك .
رفع عيسى يده بصعوبة يجذب بها خصلات يحيى في المقابل يتحدث بصعوبة بسبب مسك يحيى لحنجرته وكأنه على وشك خنقه .
_ ياعم بطل عفانة بقى قولتلك ما اكلتش اي حاجة من العلبة بتاعتك، كنت نيمتها في حضنك طالما خايف عليها كده .
ويحيى كان غاضبًا لأنه حذر الجميع بالأمس أن يمسوا الطعام الذي احضرته لهم كارا، وقد قرر الاحتفاظ به لنفسه بعيدًا عن الجميع، لكن أن يستيقظ ويرى العلبة نصف فارغة هذا ما جعله يجن ويكاد يقسم أن الأمر لن يغادر ذلك الدب الذي يسكن معهم أسفل سقفهم .
_ والله وانا عبيط بقى وهصدق أن مناخيرك دي مدبتش في علبة الاكل، العب غيرها يا عسل .
في الوقت ذاته كانت ساڤا في الخلف تراقب ما يحدث بتشنج وعدم فهم، وأحمد قلب عيونه بضيق، نعم حذرها أن عائلته مجانين، لكن ليس لهذه الدرجة، كان يمكن للقاء الاول بعد الزواج أن يكون افضل .
تنهد بصوت مرتفع وأصوات الشجار تزداد في المكان وساڤا تراقب ما يحدث بخوف وريبة ترى يحيى يفتح فم عيسى بقوة وكأنه يجبره على اعاده طعامه .
وفي لحظة أبصرت تدخلت نورهان تندفع بينهم تجذب عيسى بعيدًا عن يد يحيى وهي تصرخ بجنون :
_ ياض أنت متخلف، هتخنق اخوك عشان شوية مكرونة وفراخ ؟!
نظر لها يحيى وهو يضيق عيونه بريبة :
_ وأنتِ عرفتي منين أنهم مكرونة وفراخ ؟!
توترت نورهان وهي تنظر صوب عيسى الذي تمسك بها يهمس بصوت خافت :
_ حاولت يا صاحبي حاولت انقذك منه بس غبائك وقعك يا نورهان .
ابتلعت نورهان ريقها تنظر صوب يحيى الذي يراقبهم بشك كبير قبل أن تتسع بسمته ويدرك أن الجريمة كانت مشتركة، والخسيس اخوه كان يقاوم ليحمي شريكه .
_ ايه هتضربني ولا ايه ؟! اه انا اللي اكلت الاكل، كنت جعانة يا أخي.
ابتسم لها يحيى وهو يتحرك صوبها، لتتراجع هي مع عيسى للخلف، كلما تقدم يحيى خطوة تراجعها الاثنان بالمثل، حتى شعرت نورهان باصطدامها بشيء في الخلف بقوة كبيرة ولم يكن ذلك الشيء سوى حاتم الذي بمجرد أن اصطدمت به، شعر بمعدته تصرخ من الوجع وقد ضربته دون انتباه بكوع يدها .
استدارت بسرعة للخلف حينما سمعت صوت تأوهات حاتم، ليتراجع عيسى بسرعة وهي نظرت له بتوتر ترفع يدها في الهواء قبل أن تتراجع تضم يدها باعتذار شديد :
_ حاتم أنا آسفة والله ما اخدتش بالي هو بس يحيى اللي كان ...
وحاتم لم يتحدث بكلمة فقط رفع يده في الهواء يشير لها بهدوء أنه لا شيء، ثم استقام ينظر للجميع عداها يبتسم بسمة صغيرة لا معنى لها، ومن ثم تحرك بجمود غريب صوب غرفة مسلم تاركًا الجميع ينظر لاثره بصدمة .
فبشكل طبيعي كان حاتم سيصرخ بوجه يحيى في هذه اللحظة ويشتعل قتال آخر بينهما، لكن تلك النظرة التي رماها لنورهان جمدتها بارضها وكأنه... كأنه لا يعرفها ...
_ هو ماله ده ؟؟
كانت جملة خرجت من فم يحيى الذي تابع حاتم بنظراته متعجبًا ما يحدث، يستدير صوب نورهان ولم يكد يتحدث بكلمة حتى أبصر التماع الدموع في عيونها وقد شعرت بالنبذ، حتى الرجل الوحيد الذي كان ينظر لها كما ينظر الغريق لبر الامان أصبح ينظر لها بكل برود وكأنها لا شيء .
_ نورهان هو فيه ايه ؟! هو زعلك ولا ايه ؟!
نطق آخر جملة بنبرة حادة وقد كان جسده متحفزًا ليدخل ويضربه ربما .
لكن نورهان ابتسمت بصعوبة وهي تنفي برأسها تقول بصوت حاولت أن تخرجه ثابت :
_ لا يا يحيى هيزعلني ليه يعني، هروح اجهز الفطار ليكم .
ومن ثم هربت بسرعة من أمام الجميع تاركة يحيى يتابعها بصدمة ولم يكد يلحق بها حتى أوقفه أحمد يزفر بتعب :
_ سيبها يا يحيى، سيبها تاخد وقتها وتتحمل قرارها .
لم يفهم يحيى ما يقصده أحمد مرددًا بتعجب :
_ حاتم شبه لمح ليها أنه حابب يتقدم وهي رفضت اساسا بدون تفكير .
تشنجت ملامح يحيى بقوة ينظر للاتجاه الذي سلكته نورهان، قبل أن يندفع صوب المطبخ تاركًا الجميع، وأحمد يحاول أن يوقفه لكن يحيى لم يستمع .
بينما عيسى ظل واقفًا يراقب الجميع لا يعلم ما يجب عليه قوله، قبل أن ينتبه أخيرًا لوجود ساڤا فابتسم بسمة صغيرة لطيفة يرفع يده مرحبًا :
_ اهلا يا ساڤا .
واخيرا يبدو أن أحدهم انتبه لوجودها تنظر صوبه ببسمة صغيرة، وأحمد وضع يده على ظهرها بلطف يدعوها للتحرك صوب الأريكة يهمس لها بصوت حنون :
_ هروح اشوف مسلم عشان تقابلي رايانا .
نظرت له بلهفة تحرك رأسها بالايجاب ليتحرك هو تاركًا عيسى معها وقد ابتسم لها عيسى بلطف شديد يتحرك ليستقر على الأريكة أمامها يردد بحماس :
_ أنتِ صاحبة رايانا صح ؟؟ رايانا حكت ليا عنك كتير اوي....
تحرك أحمد تاركًا إياهم يتحدثون بهدوء، وتوقف أمام غرفة مسلم ولم يكد يطرقها حتى سمع صوت حاتم يردد بنبرة غاضبة :
_ ماذا فعلت ؟؟ دون أن يعلم أحد منا ؟! مسلم هل جننت ؟؟
فتح احمد الباب دون تفكير فجأة يهجم على المكان يردد بجدية وحاجب مرفوع :
_ عمل ايه الاستاذ ؟؟؟
ــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنتِ هبلة يا نورهان، أكثر إنسانة مستفزة ومتخلفة في الحياة دي .
ادعت نورهان انشغالها بما تفعل وهي تجمع اطباق الافطار على الطاولة تردد بصوت خرج منها بصعوبة كي لا يلاحظ رغبتها في البكاء :
_ الله يسامحك مش هرد عليك .
_ عشان معندكيش رد لأنك عارفة إني صح، مش عشان أنتِ محترمة يعني ولا حاجة .
استدارت له نورهان بعنف وهي تلقيه بنظرة غاضبة من بين دموعها المحبوسة تردد بصوت شبه مرتفع :
_ يحيى بالله عليك ما ناقصاك هي .
_ لا هي مش ناقصة تخلفك والله، راجل محترم بيحبك وبيقدرك وعايزك ليه ترفضي بدون ما تدي نفسك فرصة ؟!
_ عشان الموضوع مش بالبساطة دي يا يحيى، أنا سبق واخترت غلط وندمت وبقيت مش قادرة اعيش بسبب اختياري ده .
تنفست بصعوبة تمسح دمعة هربت من عيونها :
_ مش هقدر اجرب تاني، مش هقدر اعيش طبيعي، هو ميستحقش واحدة هو مش اول راجل في حياتها، هو ميستحقش واحدة ممكن متقدرش تسعده لأني لو بقدر احافظ على بيتي وأسعد جوزي كنت حافظت على عادل .
اتسعت عيون يحيى بقوة يندفع صوبها يمسك يدها بقوة متحدثًا من بين أسنانه بغضب :
_ أنتِ غبية ..غبية يا نورهان لو مفكرة إن الراجل اللي عايز يخون هيستنى منك إشارة اهمال، أو إن اهتمامك بنفسك وبيه وبيتك هيخليه يتربى ويحافظ عليكِ .
ضغط على ذراعها بقوة أكبر :
_ افهمي إن الراجل اللي بيخون بيخون مش عشان يلاقي حاجة ناقصة فيكِ برة، لا ده عشان يعوض نقص جواه هو.
اشاح بيده غاضبًا :
_ جوزك ده راجل ناقص اخدك وحطك في النيش جنبه واخد منك كل حاجة بتميزك عشان ميحسش بالنقص، ولما لقى أنه ده مش كفاية خرج يدور على حد برة يعوض فيه نقصه .
سقطت دموع نورهان ترد بصوت مرتجف وقد شعرت بالوجع يتردد صداه داخل صدرها :
_ كسرني يا يحيى .
ترك يحيى يدها وهو يجذبها لاحضانه بقوة، يربت عليها بحنان شديد وصوته خرج غاضبًا حنونًا في الوقت ذاته :
_ ما عاش اللي يكسرك، اكسر رقبته ورقبة اللي خلفوه وكل اللي يتشدد ليه، ولا يجي يوم عليكِ .
بكت نورهان بقوة بين أحضان اخيها ويحيى يربت على ظهرها بحب يهمس لها بكلمات كثيرة يحاول أن يواسيها، ويده تتحرك وتربت عليها دون شعور .
_ حاتم مش بس محظوظ، ده هياخد حظ الدنيا كلها فيكِ كفاية أنه هيتجوز حد زيك وطيبتك وحنانك.
_ بس انا مطلقة يا يحيى وده أول نصيبه و...
_ ممكن تبطلي قعدة مع الستات اللتاتة، وايه يعني مطلقة، ايه اخدك أنا واخوكِ ندفنك في مدافن المطلقات يعني ؟!
أبعدها عنه وهو يمسح دموعها بحب مبتسمًا :
_ يا ستي احسن ناس المطلقات ده كفاية بس إن كارا منكم، ليكم الشرف تبقى مراتي تبع الحزب بتاعكم .
ضحكت نورهان بصوت مرتفع قبل أن تتوقف ضحكتها فجأة تستوعب ما قال يحيى تحدق فيه بعيون مصدومة :
_ كارا ؟؟
غمز لها يحيى :
_ المدام .
_ أنت وكارا ؟؟
_ محظوظة بنت الايه.
ابتسمت بعدم تصديق وهي تندفع تلقي نفسها بين أحضانه لا تصدق أنه اخيرًا وجد الحب الاسطوري الذي كان يتحاكى عنه طوال الوقت .
ويحيى يضمها مبتسمًا وقد قرر الأمر في صدره، كم مرة سيحب هو لينتظر ؟؟
حتى وإن أحب مجددًا فلن تكون كارا، وهو لا يبتغي سواها رفيق لحياته .
_ أنا مش مصدقة بجد ربنا يسعدك يارب يا يحيى، كلكم عمالين تتجوزوا من حواليا مش ناقص غير عيسى .
_ أنتِ بس اتشمللي ومتطفيش الولد منك خلينا نلقط جنسيات جديدة، عيالك هيبقى معاهم جنسيات وملونين وحاجة تشرح النفس .
ابتسمت نورهان بتردد ولم تجادله، ليس في الوقت الحالي على الأقل.
_ أنت اتقدمت طيب ولا قولت ليها ؟؟
_ والله انا لمحت كتير بس واضح انها مش بتفهم، عشان كده قررت إني هتبع اسلوب الهجوم المباشر وهروح انهاردة افاتح خالها وابوها عن ميعاد الفرح .
ربتت نورهان بحنان على كتفه :
_ اهم حاجة تكون سعيد يا يحيى .
_ أنا سعيد طول ما هي بخير وكلكم حواليا وبخير .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد وقت قليل كان الجميع متجمع على طاولة الفطور الصمت يعم الإرجاء قبل أن تتحدث ساڤا وهي تنظر صوب مسلم تراقبه شاردًا مبتسمًا بسمة لا معنى لها وتكاد تقسم بالله أن سبب بسمته هذه هي رفيقتها .
_ هي عاملة ايه ؟!
رفع لها مسلم عيونه يبتسم بسمة صغيرة ومن ثم قال ببساطة :
_ الحمدلله في احسن حال، هي كويسة اوي دلوقتي .
نظرت ساڤا في طبقها تبتلع طعامها من أسفل النقاب تحاول تقبل فكرة أن رايانا ربما تخطت وجودها، ويبدو أن مسلم التقط ما تفكر به دون نطقه ودون حتى أن يبصر ملامح وجهها، لكنه سارع يقول :
_ هي عرفت أنك عايشة ومستنية تروحي ليها، كانت هتيجي ليكِ بس بعد اللي حصل هي مش حابة تخرج من البيت حاليا .
كانت ساڤا تنظر له بأعين دامعة متأثرة وسعيدة من كلماته، قبل أن تنكمش ملامحها فجأة تردد بعدم فهم :
_ بعد اللي حصل ليها ؟! ايه اللي حصل ليها ؟!
نظر مسلم صوب أحمد الذي قلب عيونه بضيق، ليعلم أنه تحدث بما لا يجب في وقت غير مناسب، لذا دس الطعام في فمه ورفض ذكر الحادثة التي حدثت .
والتزم الجميع الصمت دون كلمة واحدة عدا عيسى الذي قال ببساطة وهو يمتص شفتيه بحزن على رفيقته :
_ الزفت الدكتور ده خطفها امبارح وبهدلها ومسلم رجع بيها تعبانة ومتبهدلة، واهلها جم عملوا مصيبة هنا وبعدين هي مشيت رجعت البيت من غير ما تقول .
حرك مسلم والجميع عيونهم صوب عيسى الذي كان يتحدث بكل شيء دون تفكير حتى وساڤا تراقبه بعيون مصدومة من كل ما يتحدث به .
_ الله ينور عليك يا عيسى يعني محدش كان هيعرف يهببها زيك كده .
ختم أحمد كلماته ينظر صوب ساڤا يحاول تحسين ما نطق به عيسى، لكن ساڤا لم تمنحه فرصة وهي تنتفض من مكانها تصرخ بنبرة مرعبة :
_ محمد اللي عمل كده ؟؟ يعني يوم ما ربنا ينفخ في صورته ويبقى راجل يجي يسترجل على رايانا، اقسم بالله لكون فاضحة ابن الـ *** الزبالة ده بين الخلق.
ختمت حديثها ولم تتمهل ثانية وهي تهرول خارج المنزل دون مقدمات والجميع يتابعها بصدمة كبيرة قبل أن ينتفض أحمد من مقعده يهرول خلفها .
ويحيى يتابع ما يحدث باهتمام :
_ اقسم بالله ارجل من محمد ده، اديله عايز سيرته على كل لسان .
في اللحظة ذاتها دخل حاتم بعدما كان يتناول فطوره في الملحق خارجًا، يعدل من ثوبه وهو ينظر صوب مسلم دون أن يحيد بنظره عنه :
_ ها جهزت ؟؟ بنتحرك ؟!
_ حاتم مجيتش تفطر معانا ليه ؟؟
نظر حاتم صوب عيسى ببسمة واسعة :
_ سبقتكم أنا، بالهنا والشفا على قلوبكم.
ابتسم يحيى وهو يتناول الطعام بسخرية يحاول تقليد لهجة حاتم :
_ ولك قموصة .
نظر له حاتم بتحذير ليكمل يحيى بتحدي :
_ حاتم بيك لا تزغرني هيك .
_ بالله أنت ما فيك تحفظ لسانك ؟! بلا ما تجيب السبات لحالك يحيى .
_ ومين اللي هيجيب ليا السبات ؟؟ أنت ؟؟ مصيبة لتكون مفكر كلامك ده سبات، أنت السبات عندك ارق من الغزل عندنا .
وقبل أن يتحدث حاتم بكلمة تحركت عيون يحيى صوب مسلم يتحدث بجدية وهو يتناول طعامه بكل هدوء :
_ وأنتم بقى رايحين فين كده على الصبح .
ابتلع الطعام يسمع صوت مسلم يجيبه بكل بساطة احاثة جعلته يغص في الطعام وقد شعر بنفسه يختنق ومسلم يتحدث بكل هدوء وكأنه لا يفعل شيئًا .
_ هروح اشتري دبلة فروشكا ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أوقفها بصعوبة في منتصف الطريق قبل أن تبلغ منتصف القرية يمسك يدها وهو يتنفس بصوت مرتفع لا يصدق السرعة التي تهرول بها :
_ اصبري يا ستي اصبري نفسي هيتقطع .
استدارت ساڤا بحدة صوب أحمد تحاول جذب يدها منه، وهو يمسك بها اقوى، يعتدل في وقفته أخيرًا بعدما التقط أنفاسه، ثم اقترب منها يجذبها صوبه ومازال يمسك يدها بقوة مخافة أن تفلت منه وتقيم قيامة محمد .
_ اهدي بس أنتِ نسيتي أنك دلوقتي ميتة ؟!
ابتسمت له بسمة لم تظهر سوى في عيونها :
- لا مش ناسية، عشان كده جاية اخد زفت الطين ده معايا والله العظيم لاخلي سيرته على كل لسان ابن امه .
ولم تكد تتحرك حتى جذبها مرة ثانية له يتحرك بها صوب بعض الأشجار التي تزين بداية القرية قبل الساحة بخطوات، يبتسم لها وكأنه يتحدث لطفلة صغيرة :
_ ساڤا يا حبيبتي مش عايز ازعلك مني والله بس أنتِ مش هتروحي للزبالة ده لغاية بيته وتخانقيه، لما اموت باذن الله يبقى اسيبك تاخدي حقك بلسانك ودراعك، ومن ثم متخيلة مسلم سابه في حاله ؟!
وساڤا من كل هذا لم تلتقط سوى كلمة حبيبتي، لتخفض وجهها الذي رغم أنه كان مغطى بالكامل، إلا أن عيونها كانت تفضح خجلها .
ابتلعت ريقها بصعوبة تحاول الحديث بأي كلمة تخرجها من هذا الموقف بسرعة :
- عايزة ...عايزة اشوف رايانا .
ابتسم لها بحنان :
- طب أنتِ مأكلتيش طيب .
_ لا ... انا اكلت الحمدلله، بالله عليك يا أحمد لتاخدني ليها بس اطمن عليها، وحشتني اوي و...قلبي واكلني عليها .
ابتسم لها بلطف، ثم مد يده لها لتضع خاصتها بين كفه دون تفكير وهو تحرك معها بهدوء يتحدث بنبرة جادة :
_ هتروحي وتقعدي معاها وأنا كمان ساعة هاجي عشان اخدك متنزليش لوحدك لو سمحتي .
_ ساعة قليل يا أحمد أنا عايزة اقعد معاها كتير، اقولك لما اخلص انا هتصل بيك تيجي تاخدني ايه رأيك ؟!
نظر لها أحمد بطرف عيونه، لكنه لم يملك سوى أن يهز رأسه بكل بساطة، يتوقف بها أمام المنزل، يتحدث بنصح :
_ حاولي متزعليش نفسك عشان صحتك مش ناقصة، خليكِ جنبها وهوني عليها اللي حصل، وأي حاجة تحتاجيها رني عليا، حافظة رقمي مش كده ؟!
هزت راسها بنعم وقد عكف هو ذات يوم في المشفى على جعلها تحفظ رقم هاتفه تحسبًا لأي طارئ لا يكون معها هاتف محفوظ عليه الأرقام.
تركها أمام المنزل ينظر لها بجدية، ومن ثم حدق بمنزل عز الدين :
_ متطلعيش غير لما اقولك اني جيت، وملكيش دعوة بحد ولا تعاملي أي حد منهم غير رايانا وبس، عارفة هتدخلي ليها ازاي ؟!
_ خلاص يا أحمد متقلقش والله هكون بخير، مش اول مرة اخرج من البيت او اجي عند رايانا ..
مال أحمد ليصبح بطولها يحدق في عيونها عن قرب متحدثًا بنبرة جعلتها ترتجف من وقعها :
- ايوة بس اول مرة تعملي ده كله وأنتِ مسؤولة مني وعلى اسمي يا ساڤا، وأنتِ مراتي .....
استقام في وقفته يغمز لها غمزة صغيرة، ثم ضم ذراعيه لصدره يحرك رأسه صوب المنزل يدعوها للدخول كي يطمئن عليها قبل الرحيل وهي ظلت صامتة شاردة به قبل أن تنتبه لاشارته وتتحرك صوب المنزل وكل ثانية تستدير للخلف، حتى دخلت المنزل وهو تنهد تنهيدة صغيرة وتحرك مكرهًا للمنزل، يمني نفسه بأنها ستتصل به بعد ساعتين كحد أقصى ليأتي ويأخذها يحفظها جواره في أمان بعيدًا عن الجميع ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لماذا توقفت هنا ؟؟
استدار مسلم حول نفسه، ثم أشار لحاتم أن يتبعه صوب الأرض التي دخل لها البارحة، تحرك على أمل أن يصل لشيء يلتقط أي صورة قد تساعده في القادم، لكن وقبل أن يبلغ مشارف الأرض توقفت أقدامه يختبئ بسرعة خلف شجرة كبيرة الحجم يجذب حاتم معه يخفيه عن الأعين يتابعان عدد كبير من الرجال داخل المكان يتوقفون على بعد كبير منهم بحيث لا يسمعون شيء ..
نظر مسلم صوبهم يضيق عيونه وقد أثار حفيظته وجود هؤلاء الأشخاص هنا، ثيابهم تبدو غريبة عن ثياب أهل القرية، بالطبع لن يأتي المزارعين لزراعة أرض بالبدلات الثمينة .
أشار مسلم بيده صوب حاتم :
_ هات تليفونك يا حاتم .
مد له حاتم الهاتف بسرعة وحمله مسلم يفتح التسجيل وأخذ يقرب الكاميرا منهم مستغلًا حداثه هاتف حاتم التي كانت توضح له ملامحهم قد الأماكن يصورهم وهو يحاول التركيز على الشفاه، هو لا يستطيع قراءتها في الحقيقة لكنه يعلم من يستطع ذلك، ومن ثم التقط لهم أكثر من صورة، ثم تحرك بسرعة مع حاتم بعيدًا عن المكان .
عبروا الجسر صوب السيارة التي يستخدمونها طوال الوقت في التنقل ينزع عنها مسلم الغطاء، ثم أشار بعيونه صوب حاتم :
_ قُد أنت احتاج للاتصال بأحدهم .
وبالفعل صعد الاثنان وقد تحرك حاتم بسرعة كبيرة بالسيارة صوب اقرب مدينة من القرية لشراء
خاتم الزواج .
يقود بهدوء شديد يفكر في مشكلته مع نورهان وقد قرر أن يدعها وشأنها، هو سيتعامل كما لو أنه ما يزال بعيدًا عنها، كما لو أنه لم يختبر حلاوة النظر لها عن قرب، جمال سماع اسمه منها .
استفاق من شروده حينما سمع صوتًا يصدح من الهاتف، صوت جعله يوقف السيارة بسرعة مخيفة وينظر صوب مسلم بأعين متسعة .
بينما كلمات جوليان الساخرة صدحت في المكان :
_ انظروا من اشتاق لي ؟! العزيز مسلم، ترى لمن أدين بمثل هذا الشرف .
حرك مسلم عيونه صوب حاتم مبتسمًا ليعلو صوت جوليان مطلقًا صوتًا ساخرّا :
_ بالتأكيد ليس هذا اللقيط الحقير .
قلب حاتم عيونه يزفر بضيق مطلقًا سبة نابية اتبعها بجملة :
_ شوفوا مين اللي عم يحكي! واحد مش عارف أصله وبده ينظّر علينا .
رفع جوليان حاجبه ينظر صوب مسلم :
- ما الذي قاله هذا الحقير منذ ثواني .
_ قال أنك بدون أصل.
اشتدت ملامح جوليان يعتدل في جلسته بعدما كان متسطحًا براحة على الأريكة يقترب من الشاشة وكأنه سيخرج ويقتل حاتم :
_ أنت أيها العربي الحقير من تحسبن نفسك، بلا هوية وبلا بلاد حتى ..
ابتسم له حاتم يجيب بكل برود سرعان ما تلاشى في نهاية الجملة وهو يزيد من وتيرة حديثه :
_ لنفترض أنني بلا هوية وبلا بلاد، في كل الأحوال هذا افضل من أن تكون بلا شرف يا عديم الشرف يا حقير يا ممسحة الاقدام .
وفجأة بدا أنه نسي كل تحضره وقد أخذ يطلق سبات متعددة :
- ولك بخاف تتوسخ جزمتي بيك إذا مسحتها فيك .
امسك مسلم ذراع حاتم مبتسمًا بسمة واسعة وقد أرضاه حديث حاتم، وجوليان صرخ بغضب :
_ إذا كنت بلا شرف وممسحة للاقدام كما تفضلت ما الذي اجبرك على التواصل معي وقد تناسيتكم وعدت لحياتي ؟؟
_ اتسخ حذائي .
كان رد حاتم الذي خرج بدون تفكير، وقبل أن يحتدم الأمر تحدث مسلم وهو يتدخل بينهما :
- حسنًا لم اتعب نفسي بالتواصل معك إلا لأنني احتاج منك أن تقدم لي خدمة، مقابل أن امنحك كل ما يخص عملك ونكون متعادلين .
_ نحن لسنا متعادلين ولن نكون مسلم، لقد طعنتي بالظهر وخنتني.
_ لا تتحدث وكأنك نظرت لي يومًا كأنني رفيقًا لك، أنت يومًا لم تعاملني كصديق وكل تقربك مني كان فقط لمصالحك الخاصة .
وبسمة باردة ارتسمت على فمه جوليان الذي حمل كأس نبيذ يتجرعه بتمهل :
- آه أنتم وعواطفكم المثيرة للشفقة، أخبرني ما الذي تريده مني !؟
_ سأخبرك واستمع لي جيدًا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
فتحت الباب بهدوء لتتفاجئ به أمام المنزل يحمل بين يديه علبة الطعام فارغة مبتسمًا بسمة واسعة :
_ صباح الخير يا عروسة .
حركت كارا عيونها بين العلبة وبين وجهه، تردد الكلمة بصدمة لا تفهم ما يحدث، وقبل التعليق على كلمته سمعت صوت والدها يناديها :
- يلا يا كارا ...مين برة ؟؟
دفعها يحيى جانبًا دون اهتمام يتقدم داخل المنزل ببسمة واسعة :
_ ده انا يا حمايا.
وبدون مقدمات اقتحم الجلسة العائلية وهو يلوح بيده مرحبًا بالجميع :
_ السلام عليكم يا جماعة .
ابتسم له الجد والذي كان قد اعتاد يحيى وألف وجوده وتصرفاته الغريبة والقريبة من القلب :
_ اهلا يا يحيى يا بني، عامل ايه ؟!
اقترب منه يحيى يميل مقبلًا يده، ومن ثم نهض يقبل رأسه:
- بخير يا حاج أنت عامل ايه، صحتك جات على أكل الغجر دول اهو .
ضحك الجد بصوت مرتفع، بينما خال كارا ابتسم بيأس من تصرفات يحيى، والاخير نظر حوله حتى أبصر ابن خال كارا يجلس على أحد المقاعد فتحدث بجدية وهو يشير له بالتحرك :
- معلش وسع من هنا عشان ابويا هيقعد.
ولم يفهم الشاب ما يقول يحيى والجميع يراقب ما يحدث، بينما كارا تقف جانبًا تحمل بين يديها العلبة الفارغة تحاول معرفة ما يريد يحيى، ويحيى لم يوضح شيء، فقط سحب الشاب يشير له بالجلوس في أي مكان آخر.
ومن ثم أخرج الهاتف الخاص به يضغط بعض الأزرار بجدية وبعد دقائق صدح صوت في المكان لرجل وهو يتحدث بصوت ذو نبرة تبدو جادة وهادئة :
- اهلا يا بني فيه ايه ؟؟ قولتلي عايزني في حوار مهم .
ابتسم يحيى يتحرك صوب المقعد يعدل من وضعية الوسادة ومن ثم وضع الهاتف عليها لتظهر صورة والده للجميع والكل يتابع ما يحدث دون فهم، ويحيى جلس على اقرب مقعد من والده الذي كان يبصر عدة وجوه أمامه لا يفهم ما يحدث ..
_ دول يا والدي العزيز يبقوا أهل كارا .
ووالده كان يشعر بالريبة مما يحدث والجميع ينظر صوبه، فتساءل بهدوء شديد :
- كارا ؟!
_ مرات ابنك .
والرجل تجمدت ملامحه وهو يحدق في الجميع وكذلك يفعلون هم ويحدقون به، والوحيد الذي كان يفهم ما يحدث في هذه المكان هو يحيى، الذي ابتسم بسمة واسعة :
_ انا اهو يا جدي قولتلك هجيبلكم ابويا عشان نقعد ونحدد ميعاد الفرح .
_ الفرح ؟؟
كانت كلمة مصدومة خرجت من فم والده الذي يجلس على اريكته في المنزل يحاول فهم ما يحدث في الإرجاء وقد سبق وفاتحه يحيى بالفعل البارحة أنه يحب فتاة ويود خطبتها وأن يعرفهم على بعضهم البعض، وهو لم يعلق ولم يمانع فقط أخبره أن يتريث ويفكر في مستقبله بهدوء ولا يتهور كعادته ..
وآخر ما فعله يحيى أنه وعده بالتفكير، ويبدو أن الليل كان فترة أكثر من كافية كي يفكر في الأمر .
تنحنح الرجل ينظر صوب الرجال الذين يحدقون في وجهه فاعتدل يبتسم لهم بسمة رجل هادئ عاقل أبعد ما يكون على أن يكون والد يحيى أو حتى مسلم أو عيسى .
وقد شعر والدهم في هذه اللحظة أن العم حليم كان محقًا حينما وصف تربية زوجته باسوء تربية بين جميع أبنائه .
_ أنا آسف طبعًا على الطريقة اللي ابني واخد بيها الموضوع ده، بس اوعدكم باذن الله في الاتفاق الجاي هكون حاضر بنفسي مع والدته عشان نتفق بشكل أفضل من كده .
ابتسم الجد بسعادة كبيرة حينما سمع كلمات الرجل والذي كان يبدو محترمًا وبسيطًا، وفي الواقع هو كان يشعر بالريبة من تصرفات يحيى في البداية والشك من أمر زواجه وأنه مجرد خدعة منهم كي يصمتوهم، وقد بدأ يتأكد من ذلك حينما تحجج له يحيى بكل الحجج الممكنة ليبتعد قدر الإمكان عن الزفاف، لكن الآن الشاب يبدو جادًا في الأمر، بل وسعيدًا كذلك .
كان والده يتحدث بكلمات كثيرة مع خال كارا، وهو عيونه لا تتحرك عنها يبتسم لها بسمة واسعة، هو اقسم أنه بمجرد أن يجد الفتاة التي يحبها لن يتردد ثانية ويختطفها، وهو البارحة حينما أدرك تلك الحقيقة لم يتأخر وهو يتصل بوالده يخبره بما يريد .
تراجعت كارا للخلف بخجل وهو يراقبها ببسمة واسعة يغمز لها غمزة جعلتها تحمر وبشدة، تختفي بجسدها خلف الجدار تتلصص الحوار الذي يدور بين الجميع .
حتى شعرت بتوقف ضربات قلبها لثواني وهي تسمع صوت جدها يهتف بجدية :
_ على خير باذن الله نقرأ الفاتحة يا جماعة ...
اتسعت عيونها وهي تحدق في ملامح يحيى الذي كان يراقبها بحب واضح يرفع يديه في الهواء يشارك الجميع سعادته، ويقسم بالله أن هذه الفتاة لن تكون لسواه ولن يضيع ثانية بعيدًا عنها .
انتهى من قراءة الفاتحة وهو ينهض سعيدًا يحتضن والدها يربت على ظهره والرجل كان يبدو مصدومًا مما يحدث، لكن يحيى فقط همس له بجدية:
_ بنتك في عيوني يا عم محظوظ ..
ضحك الرجل ضحكة صغيرة لا يصدق ما يحدث، هل وجدت صغيرته واخيرًا الشخص الذي يحبها وتحبه ؟؟
وهو ليس احمقًا ليتغافل عن نظراتها حينما تسمع اسمه .
_ اسمي محفوظ .
_ لا المرة دي مقصودة، أنت فعلا محظوظ عشان ربنا رزقك بزوج بنت زيي .
وقبل أن يجيبه محفوظ تحرك يحيى صوب الجد يفتح له أحضانه يضمه وهو يقبل رأسه والرجل يضحك له بحب، هذا الشاب استطاع دون أن يبذل أي مجهود أن يحصل لنفسه على مكانه بقلوبهم وكذلك بعائلتهم .
_ نورت عيلتنا يا بني، ومن هنا وطالع بقى ليك فرع من عيلتك في اسوان أي حاجة هتلاقينا في ضهرك .
_ ده العشم يا حاج، اعتبرني حفيدك أي حاجة أنا سداد .
أبتعد عنه يضم خال كارا الذي ربت على ظهره بحنان :
- خلي بالك من بنت اختي يا يحيى ..
_ في عيوني والله، أنت خاف على اللي هيجي عليها .
والإجابة أسعدت الرجل وجعلته يشعر بالراحة الشديدة، ويحيى يضمه أبصر ملامح ابن خال كارا المتغضنة وكأن أحدهم اختطف منه لعبته المفضلة، ويحيى فقط أخرج له لسانه باستفزاز قبل أن يبتعد عن خال كارا يقترب من الهاتف وهو يجلس على ركبتيه أمام المقعد يتحدث بسعادة :
_ تسلم يا ذوق تترد ليك في عيسى يا رب .
ابتسم والده بيأس :
_ يارب بس يرجعلي لوحده ميرجعش معاه عروسته هو كمان ...
بدأت والدته في هذه اللحظات تطلق زغاريد مرتفعة ويحيى تنفس واخيرًا براحة قبل أن يستأذن والديه ويعدهم بمكالمة أخرى .
ومن ثم استدار صوب الجميع يواجه محفوظ يطلب بهدوء وملامح بريئة :
_ ممكن يا عمي اقعد شوية مع كارا لوحدنا ؟؟
ومحفوظ لم يكن يمتلك سوى أن يشير صوب الشرفة في البهو، ومن ثم استدار لينادي ابنته :
_ تمام خليك قصادنا و....
ولم يكد يتحرك حتى ابصرها تقف بالفعل تراقبهم من خلف الجدار، وبمجرد أن أبصرت نظرات الجميع عليها حتى شهقت تختفي بسرعة من أمام عيونهم ويحيى يقف مبتسمًا بسمة واسعة يردد بصوت خافت لا يسمعه غيره :
_ واقعة ....
ــــــــــــــــــــــــ
_ ايوة مين ؟!
كانت أول كلمة صدرت من فم شيما بمجرد أن أبصرت أمامها فتاة ترتدي ثوب طويل مع نقاب لا يظهر من وجهها سوى عيون مألوفة، والأمر كان غريبًا فهي لا تتذكر أن هناك من يرتدي نقابًا بالقرية.
دفعتها ساڨا للداخل تغلق الباب خلفها بسرعة وقبل صراخ شيما رفعت ساڤا نقابها بسرعة تردد ببسمة :
_ شيما وحشتيني .
وشيما استقبلتها كمن يبصر شبحًا، تعود للخلف مرتعبة تردد أدعية وكلمات متلاحقه، تنظر حولها تبحث عن مصحفها علها تحرق شبح ساڤا الذي جاءها متشحًا بالاسود .
تصرخ برعب :
- بسم الله الرحمن الرحيم ...بسم الله ...يارب اكفينا شر خلقك، بسم الله الرحمن الرحيم ...
كانت تصرخ وهي تركض في المنزل بشكل غريب وساڤا تنظر لها بصدمة تحاول الحديث لتخبرها أنها انسان مثلها :
_ شيما فيه ايه ؟؟ أنا عايشة عادي ...شيما .
وشيما تبكي رعبًا وهي تركض صوب غرفة الجدة تنادي باسمها باكية :
_ يا حاجة الحقيني .
راقبتها ساڤا بصدمة كبيرة ولم تعلم ما يجب عليها فعله، هل تلحق بها تفهمها أم تتحرك صوب رايانا ؟!
وشوقها كان أكبر منها لذا تجاهلت شيما في الوقت الحالي تتحرك صوب رايانا بلهفة شديد، تقف أمام غرفتها تطرقها بهدوء وترقب وضربات قلبها تعلو شيئًا فشيء .
_ مش عايزة أكل يا شيما، لو سمحتي سيبيني مع نفسي .
وصوتها المكسور جعل ساڤا ترتجف حزنًا، تتوعد لذلك الوسخ بالويل، تقسم بالله لن تدعه يهنأ بحياته، فقط تطمئن على رفيقتها .
مالت على باب الغرفة تهتف بصوت خافت باكي :
_ رايانا ... أنا ساڤـ...
وقبل اكمال اسمها حتى فُتح الباب بقوة وجسد رايانا أمامها مشتد كالوتد متسعة الأعين، ثواني حتى وجدت ساڤا جسدها يُطحن داخل احضان رايانا التي انفجرت باكية تهتف باسم ساڤا بلا توقف :
_ ساڤا...حبيبتي أنتِ موجودة صح ... أنتِ هنا ... أنا ...وحشتيني اوي با ساڤا ..
ابتسمت ساڤا من بين دموعها وهي تتحرك مع رايانا داخل الغرفة تضمها لها بقوة وحب باكية على كل الايام التي مرت وهي وحدها :
_ يا عيون ساڤا أنا هنا، حقك عليا...حقك عليا يا رايانا، والله غصب عني .
بكت رايانا أكثر بين أحضان ساڤا لا تصدق أنها تحملت هذه الأيام وحدها دون رفيقتها، وساڤا فقط تقبل رأسها باكية تتحدث وتتحدث دون توقف :
- والله ما كنت اعرف أنك متعرفيش، كنت مفكراكِ تعرفي اني عايشة عادي، مكنتش واعية بالدنيا، اول حاجة سألت عليها هي أنتِ ..
بكت رايانا أكثر وهي تنهار ارضًا بين أحضان ساڤا لا تصدق أنها الآن معها بالقرب منها، بل وبين أحضانها، الله رحيمًا بها ورحمته تجاوزت حتى توقعاتها.
وانقضت دقائق طويلة دون أن يترك أحدهما الآخر، وكل منهم يبكي أيام اشتاق فيها للآخر، حتى تساءلت ساڤا بصوت مرتجف :
_ رايانا ايه اللي حصل مع محمد ؟!
ابتعدت رايانا ببطء عن أحضان ساڤا ونظرت لها ثواني قبل أن تبدأ دموعها في التساقط مجددًا وهذه المرة كانت دموع انكسار وليس شوق .
ابتلعت ريقها تنظر ارضًا تهز رأسها بوجع، لترفع ساڤا رأسها تتحدث بجدية وعيون حذرة :
_ هو خطفك بس صح ؟!
ورايانا بللت شفتيها تحاول الحديث، ما لم تتحدث به لأحدهم كان يندفع ليخرج منها أمام ساڤا، حاولت التحدث مرات ومرات وحينما فشلت نفت برأسها تلقي برأسها على قدم ساڤا لتتسع عيون الأخير وقد ارتجفت يدها برعب من الفكرة، ومن يعلم أكثر منها كيف يمكن أن ينتهكك أحدهم، على الأقل هي كانت طفلة لا تعلم أنها تُنتهك، لكن رايانا ..
ارتجفت شفتيها وخرجت منها شهقة لم تتمكن من كبتها، تنظر صوب جسد رايانا تحاول أن تتماسك لأجلها :
_ أنتِ ...هو ....
ولم تكمل كلماتها وهي تنهار تشعر بكامل جسدها يرتعش من الفكرة، ورايانا تهمس بصوت منخفض كل ما حدث معها حتى ضربها محمد واستيقظت محطمة بالكامل ..
_ مش عارفة....و...مسلم ...مسلم عايز ...
صمتت ولم تستطع التحدث بكلمة لشدة انكسارها، هو لا يستحق أن يأخذ بقايا امرأة متحطمة، وساڤا فقط تراقبها تحاول معرفة ما تريد قوله .
_ مسلم عايز ايه يا رايانا ؟
_ يتــ....هو عايز يتجوزني .
ابتسمت لها ساڤا بحنان:
_ وأنتِ بتحبيه، ايه اللي يمنع ؟!
_ كل حاجة، كل حاجة حواليا بتمنع اني اكون معاه، عيلتي وظروفي وآخرهم اللي حصل ليا .
_ هو مش عارف اللي حصل ؟؟
_ مسلم اللي جابني من تحت أيد محمد بعد اللي حصل ومن وقتها مش ...
صمتت ولم تعلم ما يجب قوله، صمتت واحترمت ساڤا صمتها وأخذت تربت على خصلاتها بحنان شديد، مبتسمة بحنان وتركتها تتنفس براحة دون أن تجبرها على الحديث، ومن ثم لتشغلها عما حدث تحدثت بهدوء شديد .
_ أحمد اتجوزني ..
رفعت رايانا رأسها بصدمة عن قدم ساڤا، لتدرك الأخيرة أن مسلم لم يخبرها كل شيء، فابتسمت بسمة مكسورة تكمل :
_ أو أنا اللي اجبرته تقريبًا أنه يضحي بنفسه ويتجوز واحدة زيي........
ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ هتفضلي تبصي على الشارع كده كتير لغاية ما ابوكِ يجي يقولي وقتك انتهى ولا كأني واخد حجز كورة .
رفعت كارا عيونها صوب وجهه بخجل ليبتسم لها بسمة واسعة يغمز غمزة صغيرة :
_ ايوة كده يا شيخة متعي عيونك بروعة خلق الله وقولي سبحان الله والحمدلله أن فضلني على كثير من عباده بأنه رزقك بزوج زيي .
وضحكة خافتة فلتت من فم كارا وهي تبعد وجهها عنه ليذوب يحيى ويكاد يقسم أن الفتاة ساحرة، لقد ألقت عليه تعويذة غجرية جعلته كالاحمق يعشق كل ما يصدر منها ولو كان مجرد ضحكة صغيرة بالكاد تُسمى ضحكة حتى .
_ كارا ...
نظرت له بترقب ليبتسم بسمة صغيرة متحدثًا بجدية ربما لأول مرة في حياته :
_ أنتِ موافقة عليا مش كده ؟!
وكارا حدقت به ثواني قبل أن تردف بجدية :
_ مش شايف أنه متأخر شوية أنك تسأل ؟!
_ أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي .
صمتت كارا ونظرت ارضًا بخجل ولم تستطع قولها صراحة، ربما تزوجت سابقًا، وربما انبهرت بعز الدين لحظيًا قبل أن تدرك أي نوع من الأشخاص هو، لم تحب يومًا عز الدين لكنها ظنت بكل غباء أن زواجها منه بوابة ليعيشا حياة سعيدة مليئة بالود .
والآن تحيا لأول مرة مشاعرها مع يحيى، مشاعر القبول ...والحب .
رفعت عيونها له تهتف بصوت متردد :
- يحيى أنت عارف اني مطلقة مش كده !!
_ افضل أننا نتجاوز الجزئية دي عشان مروحش اطلع عين اللي خلفوه، أنا بحاول انسى إني مكنتش اول حد تحبيه و...
_ بس أنت أول واحد يا يحيى .
توقف يحيى عن الحديث بصدمة ينظر لها ثواني قبل أن تتسع بسمته بقوة يسمعها تردد بجدية :
_ هو كان جواز صالونات وعمري ...عمري ما حسيت بأي حاجة ناحيته غير الكره وبس .
ويحيى لم يكن يسمع كل ما تردده، كل ما سمعه أنه كان الأول، كان أول من تحب .
_ تصدقي طلع عندك ذوق عالي .
مال بنصف جسده وصوته خرج منه خبيثًا هامسًا :
_ من امتى يا بنت محظوظ وأنتِ واقعة كده ؟!
ابتعدت كارا خطوة للخلف ومشاعرها في هذه اللحظة لم تكن مستقرة، لم تكن تستطيع التنفس حتى جواره، نظرت له نظرة جانبية قبل أن تهرول بعيدًا عنه بسرعة تاركة إياه يقف في الشرقة مبتسمًا بسعادة .
نال واخيرًا نصيبه من هذه الحياة.
كارا نصيبه من السعادة ...
ـــــــــــــــــــــــــــ
في المساء :
يقود في طريق العودة وعيونه لا تتحرك عن خاتم الزواج الذي أحضره لها، ملتمعًا رقيقًا مثلها تمامًا، خاتمًا أخذ ليلته يبحث عنه وينتقيه ودفع به كل قرش بسعادة، ابتسم دون شعور يرفع عيونه صوب الطريق لا يصدق ما يحياه في هذه اللحظة .
توقفت السيارة واخيرًا بعد قيادة ساعتين من قلب المدينة وحتى البحيرة .
هبط يغلق الباب خلفه وقد بدأ حاتم يغطي السيارة جيدًا :
_ ستجن من كثرة تحديقك في الخاتم عزيزي .
_ يا صديقي سبق وجننت ويؤسفني اخبارك أنه لم يكن الخاتم هو ما تسبب في اصابتي بالجنون .
تحرك الاثنان صوب الجسر، وقد كان مسلم يشعر أنه يمتلك جناحين سيحلق بهما لها ليريها خاتم زواجهم .
وحاتم يراقب صديقته بسعادة لأجله، مسلم كان أكثر شخص في هذه الحياة يستحق كل سعادة الدنيا وما بعدها .
تنهد بصوت مرتفع جعل مسلم ينتبه له يدس الخاتم في جيبه يمنح كامل تركيزه له، وقد أدرك أنه نسي سؤاله عما يؤرقه في خضم ما حدث .
_ مالك يا حاتم ؟؟ من وقت ما رجعت وأنت شكلك زعلان وحتى مش قابل تقعد تاكل معانا .
_ هيك احسن للكل .
توقف الاثنان بعدما عبروا الجسر واوقفه مسلم بجدية :
_ حاتم هو أحمد عمل ليك حاجة زعلتك ؟!
ابتسم حاتم بسمة مكسورة:
- ليته كان أحمد يا خوي، بس هيك الحياة ما بتقبل إلي راحة .
تعجب مسلم من مقدار القهر في نبرة حاتم وشعر بالوجع يمسكه من كتفه بحنان يحاول معرفة ما حدث معه كي يساعده .
وحاتم نطق دون موارة وقد كان مسلم وكأنه نفسه يحادثه بكل ما يموج داخله :
_ اختك رفضتني بالتلاتة .
اتسعت عيون مسلم بصدمة من كلماته يردد بجهل وقد ظن أنه تقدم لخطبتها بالفعل :
_ رفضتك ؟! أنت اتقدمت ليها اساسا وهي لسه في العدة ؟! أنت عبيـــ....
قاطع كلماته صوت رنين هاتف حاتم ليجذب الأخير نفسه من بين يدي مسلم يحاول أن يعطي نفسه هدنة من الحديث مع مسلم في هذه اللحظة يرفع الهاتف يبصر اسم يحيى يعلو شاشته.
يدفع بالهاتف صوب مسلم مرددًا بهدوء :
_ يحيى .
سحب منه مسلم الهاتف وهو يرميه بنظرات حانقة معلنًا بصمت أن الحديث لم يتوقف عند هذه النقطة، رفع الهاتف يجيب يحيى بهدوء :
_ الو يا يحيى ..
وكل ما وصل له صوت انفاس لاهثة ونبرة يحيى التي خرجت حادة بشكل غير طبيعي على شقيقه :
_ مسلم أنت فين ؟!
استقام مسلم في وقفته وهو يشير لحاتم بالتحرك معه سريعًا بخوف مما يمكن أن يكون قد حصل لعائلته :
_ أنا عند الجسر اهو خمس دقائق واكون عندك ايه اللي حصل كله كــ
قاطعه يحيى بصوت قاسي وحاد وفي الخلفية صوت عيسى يسب ويلعن وهذا كان شيء لم يعهد مسلم على عيسى والذي رغم أنه عمل سائقًا واختلط بفئة ربما يكون البعض منها لا يحترم شيئًا في الحياة، إلا أن عيسى كان اشدهم لطفًا واحترامًا .
صدح صوت يحيى وهو يصرخ في عيسى بالانتظار، ومن ثم قال بصوت لاهث لمسلم :
_ لا متجيش على البيت تعالى على بيت البارو .
ارتجف صدر مسلم وقد شعر بالرعب من سؤال يحيى عما يريده من منزل البارو، يرفض أن تتحرك أفكاره صوبها، لا يود حتى التفكير في أن سوءًا مسها.
ومن شدة رعبه لم يسأل يحيى ما حدث لكن شقيقه لم يوفر فرصة وهو يقص عليه كل ما حدث :
_ رايانا اتصلت بساڤا وهي بتصرخ، عمها نازل فيها ضرب عشان تقبل تتجوز واحد من بلد جنبهم.....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وليلٍ بتُّ أقضيهِ بكاءً
وأنجمهُ كآمالي بطاءُ
ألا ليتَ لي قلبَين، قلبٌ بحبّه
مريضٌ، وقلبٌ بعدَ ذاك طَبيبي!
- الرَّافعيّ.