رواية خارج حدود الوقع الفصل الثاني2بقلم فاطمة شلبي


رواية خارج حدود الوقع الفصل الثاني2بقلم فاطمة شلبي

"يحيى" في القاهرة كان زي المجنون.. 

لف شوارعها شبر شبر.. خبط على أبواب صحابها اللي ميعرفش عنهم غير أسامي..سأل في المستشفيات وحتى الصيدليات اللي جنب البيت.. قلبه كان بياكله.. وكل ما يشوف ركن في الشقة كان فيه "لعبة" لليلى أو "وردة" دبلانة لحور..يحس بنغزة كأنها خنجر. 
كان فاكر إنه "مسيطر"..بس اكتشف إنه من غير "خيالها" مش عارف يتنفس في واقع هو اللي صنعه بإيده.

​أما في "إسكندرية".. كان المشهد مختلف تماماً..
​البحر كان عالي وصوت الموج كان هو الأنين الوحيد المسموح به. وقفت "حور" قدام باب شقة قديمة في عمارة هادية..وهي شايلة ليلى اللي نامت من كتر التعب...خبطت وهي بتترعش لغاية ما فتحت "نيرمين".

​نيرمين دي كانت صاحبة "الأيام المنسية".. البنت اللي سافرت إسكندرية وانقطعت أخبارها عن كل الشلة بعد الجواز..ومحدش من طرف يحيى يعرف حتى شكلها.

​نيرمين.. بذهول وهي بتفتح الباب
_ حور؟! مش معقول..! إيه اللي جابك في الوقت ده..؟ ومالك شكلك عامل كدة ليه..؟

​حور مكنتش قادرة تتكلم..دخلت وسندت ضهرها على الباب وأول ما حست بأمان المكان..دموعها نزلت بصمت ووجع
= نيرمين.. ماليش مكان أروحه غيرك.. محدش هيتوقع إني هنا وأنا محتاجة أستخبى من "الواقع" شوية.. محتاجة أرجع حور بتاعة زمان.

​نيرمين.. وهي بتاخد منها ليلى وبطبطب عليها
_ ادخلي يا حبيبتي.. البيت بيتك.. نامي دلوقتي وبكره نشوف في اي ادخلي استريحي. 

​في القاهرة...
​يحيى قاعد في نص الصالة المترتبة "زيادة عن اللزوم" البيت اللي كان بيحلم بيه هادي ونضيف بقى عامل زي "المقبرة"..! 

​يحيى.. وهو بيكلم نفسه بذهول
_ راحت فين..؟ معقول بساطتها دي كانت مخبية وراها كل القوة دي ..؟ إزاي قدرت تمشي وتلغي وجودي في ثانية..! 

_________________________________________//

مرت الليلة الأولى في إسكندرية تقيلة.. لكنها كانت هادية بشكل لم تعهده "حور" من سنين ..
في الصباح.. كانت ريحة الجو القهوة اللي عملتها "نيرمين". 
قعدت حور في البلكونة الصغيرة المطلة على شارع جانبي هادي بتضم "ليلي" إلى صدرها وكأنها خايفة أن يسرقها الواقع مرة تانية ..! 

​دخلت نيرمين وحطت القهوة قدامها وقعدت في مواجهتها بنظرة فاحصة وهادية .

​نيرمين بلهجة إسكندرانية حنونة 
_ ها يا حور.. ليلى نامت.. والقهوة بردت.. والسكوت طول قوي. إيه اللي جابك يا بنتي في عز الليل بشنطة هدوم وبنت لسه سخنة..؟ يحيى عمل إيه..؟ ده أنا كنت فاكراه ''قيس'' زمانه من كلامك عنه..! 

​حور.. بابتسامة باهتة وهي بتبص للبحر من بعيد
= يحيى مطلعش قيس يا نيرمين.. يحيى طلع ''واقعي'' زيادة عن اللزوم. عارفة يعني إيه تدي حد كل الورد اللي في قلبك..فيقولك ''الورد مبيأكلش عيش''..!

​نيرمين باستغراب
_ يعني إيه..؟ ده إنتي كنتي بتعيشي في خيالك وبتقولي إن ده اللي محببه فيكي..! 

​حور بدأت تنهار حصونها.. ونبرة صوتها بقت مليانة وجع مكتوم
= ده كان زمان.. لما كان الخيال ده مريحه ومهون عليه حياته.. لكن لما الحياة ضغطت عليه.. أول حاجة قرر يكسرها كانت أنا..!  بقيت بنسباله ''مهملة'' و''ساذجة''.. اليوم اللي بنتي كانت بتموت فيه بين إيدي وتليفونه مقفول.. رجع يزعق عشان البيت مكركب وعشان بنته بتعيط ومصدعاه..! 

​مسحت حور دموعها وكملت بمرارة
= قالي إني ساذجة يا نيرمين.. قالي إن بساطتي دي سذاجة في زمن القوة...حسسني إن الرقة عيب.. وإن حنيتي على ليلى ولعبي معاها تضييع وقت...بقيت أصحى مرعوبة من ''رزعة الباب'' ومن نظرته اللي بتفتش ورايا في كل ركن عشان يطلع غلطة...كنت بموت بالبطيء..وحسيت إن ليلي هتطلع نسخة مطفية مني لو فضلت معاه.

​نيرمين بحزن..
_ وهو بيدور عليكي دلوقتي..؟

​حور بضحكة وجع..
= أكيد بيدور.. بس بيدور عشان صورته قدام الناس..أو عشان البيت اللي بقيت بنضفه زي ''الروبوت'' عشان مسمعش كلمة تجرحني... هو مش بيدور على حور.. هو بيدور على
 ''الخادمة بمرتبة زوجة'' اللي قررت فجأة تمشي...أنا سيبتله كل حاجة يا نيرمين.. سيبتله الواقع الجاف اللي عاوزه.. وسيبتله البيت المترتب بالمسطرة..وخدت بنتي وروحي وجيتلك.

​نيرمين طبطبت على إيدها وقالتلها بقوة..
_ بصي يا حور.. إسكندرية مش بتطرد حد قاصدها...إنتي هنا في أمان... نيرمين صاحبتك القديمة لسه موجودة..والبيت ده محدش يعرفه.. عيشي بسيطة زي ما إنتي.. ازرعي ورد في البلكونة وغني لليلى..وارجعي احلمي تاني... الدنيا برا يحيى واسعة قوي وأوسع بكتير من الحيطان اللي كان حابسك فيها.

​حور بتنهيدة طويلة
= أنا مش عاوزة غير إني أنام وأنا مش خايفة من بكرة.. مش خايفة من كلمة ''إنتي غلط''.. أنا عاوزة أربي ليلى إن الورد لسه بيطلع..وإن البساطة قوة مش ضعف...!

_________________________________________///

يحيى كان قاعد في بيت أهل حور..وشه شاحب..وصوته رايح من كتر الزعيق والأسئلة.
يحيى بذهول لوالد حور 
_ يعني إيه مش عند حد من صحابها..؟ يعني إيه فص ملح وداب..؟ حور متقدرش تعيش ساعة لوحدها.. حور ضعيفة وبسيطة.. هتصرف على نفسها منين..؟ وهتودي البنت فين..؟

​والد حور رد عليه بجملة واحدة هزت كيانه..
_ إنت اللي خليتها تختار يا يحيى.. اللي يخلي ست رقيقة زي بنتي تمشي في نص الليل ومعاها طفلة.. يبقى شافت منه اللي ميتوصفش...حور مكنتش ضعيفة..حور كانت ''مستحملة''.. والفرق كبير..! 

دخل يحيى شقته بظلامها الدامس.. لم يمد يده ليفتح الأنوار.. بل سار بخطوات ثقيلة حتى ارتمى على أول كرسي قابله.. كلمات والدها كانت تتردد في أذنه مثل صدى الرصاص في غرفة مغلقة.. "حور مكنتش ضعيفة.. حور كانت مستحملة".

​كان الصمت في الشقة يصرخ بكل تفاصيلها.. نظر حوله..البيت "مثالي" كما طلبه تماماً، الأرفف خالية من الأتربة الملابس مرتبة.. والمطبخ يلمع.. لكنه شعر لأول مرة أن هذا المكان ليس بيتاً، بل هو "مصنع بارد" كان يُديره بقسوته.

​قام من مكانه ودخل غرفة النوم..فتح الدرج الخاص بها بلهفة المحروم.. لعله يجد خيطاً يوصله إليها.. وجد دفتراً صغيراً بجلده الوردي.. كان يعرفه جيداً إنه دفتر "خيالاتها" الذي كان يسخر منه دائماً ويسميه "كلام عيال"..!

​فتح الصفحة الأولى فصدمه التاريخ.. كان منذ أسبوع واحد فقط يوم أن عاد وصرخ في وجهها لأنها كانت تلعب مع ليلي ولم تحضر العشاء في موعده.
​كانت حور كاتبة بخط مرتعش..
​"النهارده يحيى قالي إني مهملة.. مكنش يعرف إني كنت بحكي لليلي عنه.. كنت بقولها إن بابا بطل وسندنا..كنت بحاول أرسم لها صورة حلوة عنه قبل ما يكبر وجعها منه وتشوف صورته الحقيقية.. خايفة يجي يوم وأبطل أشوف فيه الورد..وخايفة ليلي تطلع بتكره البيت اللي المفروض يكون أمانها."

​قلب الصفحة والدموع بدأت تتحجر في عينيه ليقرأ ما كتبته ليلة رحيلها
​"قالي إني ساذجة.. الكلمة دي كانت السكينة اللي ذبحت آخر خيط ودّ بينا...يحيى مش عاوز ست..يحيى عاوز ''ساعة حائط'' تمشي بالثانية.. أو ''مكنة'' بتطلع أكل وتنضيف.. هو نسي إن اللي كان بيخليني أتحمل عصبيته وتوتره هو خيالي اللي كان بيشوف فيه يحيى القديم.. النهاردة يحيى قتل يحيى القديم..وأنا مابقاش ليا مكان هنا..." 

​رمى يحيى الدفتر من إيده وكأنه جمرة نار...حس بالاختناق..دخل المطبخ وفتح التلاجة.. وشاف علبة صغيرة فيها "قطعة كيك" وعليها ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط حور الرقيق.. "عارفة إن يومك كان صعب.. كل دي وهتحلي بقيت يومك بالهنا والشفا.." 

​انهار يحيى على أرضية المطبخ الباردة.. وانفجر في بكاء مرير وهو يضم الورقة لصدره..كان يظن أنه بيربي حور ويعلمها أصول الحياة..ولم يدرك أنه كان "بيهدم" الحائط الوحيد الذي يحميه من وحشة العالم.

​تذكر كلماته لها.."البساطة مابتأكلش عيش".. والآن هو يملك العيش..ويملك البيت المترتب.. ويملك الواقع الذي أراده..لكنه فقد الروح التي كانت تجعل لكل هذا معنى..! 

​يحيى بهمس محطم..
_ إرجعي يا حور.. والله هزرعلك البيت كله ورد.. بس إرجعي..
​لكن الرد الوحيد كان صمت الجدران..! 

________________________________________///

بعد مرور شهر كامل.. كانت القاهرة بالنسبة ليحيى عبارة عن "سجن انفرادي"...الشقة اللي كان بيحلم بهدوئها ونظامها..بقت زي المستشفى.. نضيفة باردة.. وبتفكر الواحد بالمرض.. يحيى بهت فعلاً..دقنه طولت.. وعينيه بقت مطفية.. ولأول مرة يدوق طعم "الواقع" اللي كان بينادي بيه.. واكتشف إنه واقع "مُر" ومالوش طعم من غير الضحكة اللي كانت بتملى البيت ومن غير جنان حور اللي كان بيعتبره تضييع وقت.

​أما في إسكندرية.. فكانت حور قاعدة مع نيرمين في البلكونة شايلة همّ بكرة.
​حور.. بنبرة قلقانة
= نيرمين.. أنا مش عارفة أشكرك إزاي على الشهر اللي فات ده بس أنا مش عايزة أكون حمل عليكي أكتر من كدة.. ليلى ومصاريفها ..وأنا لازم أعتمد على نفسي.. لازم أدور على شغل في أي حضانة أو مكتبة..المهم أصرف على بنتي.

​نيرمين.. بصت لها بابتسامة وهزت راسها بنفي
_ شغل عند حد يا حور..وإنتي معاكي كنز..؟ بصي يا ستي.. أنا فكرت في موضوع بقالي كام يوم.. أنتي عارفة إن بابا الله يرحمه كان عنده محل صغير تحت في مدخل العمارة..المحل ده مقفول بقاله سنين..ومحدش بيقرب منه غير عشان ينضفه من التراب.

​حور.. باستغراب
= محل إيه يا نيرمين..؟ وأنا هعمل بيه إيه..؟

​نيرمين.. بحماس وهي بتمسك إيدها
_ المحل ده في مكان حيوي وإنتي يا حور ''بتاعة ورد'' إيه رأيك نفتحه وننضفه وتمليه ورد وتنسيق زي ما كنتي بتعملي في بيتك ..؟ المحل قديم ومستخبي يعني لا يحيى ولا غيره هيتخيلوا إنك هنا.. هتبيعي ورد للناس..وهتبيعي "بهجة" يا حور.. الحاجة اللي إنتي شاطرة فيها ومحدش يقدر يغلبك فيها..

​حور.. عينيها لمعت لأول مرة من وقت ما سابت البيت
= تفتكري يا نيرمين..؟ تفتكري هقدر أنجح..؟ يعني بساطتي وخيالي دول ممكن يفتحوا بيت بجد..؟

​نيرمين.. بثقة
_ وأحلى بيت كمان.. الناس في الزحمة والوجع ده محتاجين حد زيك يوريهم الورد ويضحك في وشهم.. والمحل تحتنا يعني ليلى هتكون قدام عينك طول الوقت.

​نزلت حور مع نيرمين.. وفتحت القفل المصدي بتاع المحل.. ريحة التراب كانت مغطية كل حاجة.. بس حور شافت وسط التراب ده فازات قديمة.. ورفوف خشب متهالكة..وشافت "نفسها" وهي بترجع للحياة من تاني.

​بدأت حور تنضف المحل بقلب ميت..كانت بتكنس مع التراب كل كلمة قاسية يحيى قالها لها.. كانت بتغسل الحيطان وهي بتغسل وجعها.
​حور وهي بتمسح العرق من على جبينها وبتبص لنيرمين:
= عارفة يا نيرمين.. يحيى كان بيقولي إن الورد مبيأكلش عيش.. أنا هخليه هو اللي يحلي العيش ويخلي طعمه أحلى.

_____________________________________///

​في القاهرة...
​كان "يحيى" واقف قدام مراية الحمام.. بيبص لملامحه اللي كبرت عشر سنين في شهر...! مسك "توكة" صغيرة لليلى كان لقاها تحت السرير وغمض عينيه بقوة.
​يحيى بمرارة..
_ البيت مابقاش يترتب يا حور.. لأني مابقيتش أدخله أصلاً غير عشان أنام...الواقع طلع وحش قوي من غيرك.. أنا كنت فاكر إني القوي وطلعت أنا اللي كنت عايش على حسك...! 

​بدأ يحيى يقرر إنه مش هيقعد يستنى..ولازم يبدأ يدور بجدية تانية بس المرة دي مش عشان "يرجعها تطبخ وتكنس" لكن عشان "يقولها إنه كان أعمى"..!

كانت "حور" في قمة نشاطها.. المحل ريحته "ورد" بلدي وياسمين. وكانت بتغني لليلى وهي بترتب فازات فخار كبيرة قدام الباب..

 وفجأة..! وقف قدام المحل شاب وسيم.. بس ملامحه كانت حادة وعينيه فيها غضب مكتوم.. بص لليافطة "ورد ليلي".. وبعدين بص لحور اللي كانت ماسكة مقص الورد وواقفة بوسط المحل بكل ثقة..! 
​الشاب بصوت عالي وحاد..
_ إيه ده..؟ إنتي مين..؟ ومين اللي سمحلك تفتحي المحل ده وتغيري فيه كده..؟ 
                   الفصل الثالث من هنا
تعليقات



<>