رواية ما لا يحكي الفصل الثاني2يقلم دينا شعبان


رواية ما لا يحكي الفصل الثاني2يقلم دينا شعبان

_ هو إنتِ مكبرة الموضوع ليه كل ده؟ عشان خطبت وهتجوز؟ هو ده مش حقي؟

فضلت واقفة قدامه لثواني، وملامحها كلها قوة وابتسامة عريضة على وجهها، بتحاول تداري بيهم وجع قلبها وحزنها. أول ما خرجت من المحل، كل ده اختفى، كانت عاملة زي الطفلة التايهة، ماشية بس عقلها مش معاها. سمحت لدموعها تنزل لدرجة إنها ماكنتش شايفة الطريق بوضوح بسبب دموعها، ومحستش بنفسها إمتى وإزاي وصلت لشقتها بعد مشي كتير. أول ما دخلت، فضلت تبص لكل ركن في الشقة وكأنها بتعيد ذكرياتها اللي كانت بتحاول تعملها بنفسها، حست إن كل الذكريات كانت هي بس اللي موجودة فيها، وهو كأنه كان خيال عايش معاها طول السنين اللي عدت.

حطت شنطتها على أول كرسي قابلها، وأول حاجة بصت عليها البلكونة، أكتر مكان بتحبه في البيت كله، وأكتر مكان كانت بتقضي فيه الوقت مع كتابها المفضل وكوب النسكافية. دخلت وقربت من السور، وقبضت بإيديها عليه بقوة وغمضت عيونها بقوة وهي بتحاول تمنع دموعها إنها تنزل. فضلت تحاول تاخد نفس، وفي كل مرة كانت بتطلعه بقوة كأنها بتحاول تتخلص من كل الوجع اللي في قلبها، بس كان صعب عليها.

بدأت تفتح عينها بهدوء، رفعت إيدها ومشيتها على الزرع بكل حب وكأنها بتودعه.

وقالت بهمس لنفسها: "يمكن إنت أكتر حاجة هتوحشني بجد."

رجعت بنظرها على كل ركن في البلكونة بحزن إنها هتسيبها. "بعض الأشياء الصغيرة تُمنحك السعادة أكثر مما يعطيه الإنسان."

بعد ما فضلت واقفة في البلكونة ما لا يقل عن ساعة، خرجت منها واتجهت إلى غرفتها. أول ما دخلتها، حست بخنقة غريبة كأن الأكسجين اتسحب من الأوضة.

رفعت شنطة هدومها على السرير، وفتحت الدولاب وبدأت تلم كل هدومها فيها. في وسط هدومها كان فيه تيشرت ليه، مسكته وضغط عليه جامد عليه وكأنها بتتخيله هو قدامها، وقالت بصوت مليء بالخذلان: 
_ إزاي فيه إنسان يقدر يخدع شخص للدرجة دي؟ إزاي دايمًا يطلع فيه كل العيوب لمجرد إنه يشككه في نفسه ويطلع نفسه المظلوم؟ قدر يقنعني بسهولة إنه كده بيبني مستقبلنا، كل الفترة دي مفهمني إنه بيعمل كل حاجة عشان نعيش كويس بعد كده، وهو طلع عايش لنفسه وبس، إنسان أناني وحقير. إزاي قدر يضحك عليا باسم الحب؟ طب ليه؟ ليه اتجوزني من الأول؟ ليه؟ ليه؟ وكملت بسخرية:
 _ قال بيحبني. وقالت بحسرة:
 _ هتفضل أكبر كذبة في حياتي.

سابت التيشرت على السرير وقفلت شنطتها حلو، رفعتها من على السرير ونزلتها على الأرض ببطء.

أول ما فتحت باب الأوضة، في نفس اللحظة باب الشقة اتفتح. دخل، وأول ما شافته قدامها فضلت مكانها لغاية ما الصدمة نزلت عليها. أول ما شافت داليا دخلت الشقة، وقفل هو الباب وراها.
(داليا اللي المفروض بقت خطيبته)

أول ما شافتها، حست إن الدنيا بقت بتلف بيها. للدرجادي جايبها لغاية عندي؟ ما عملش أي حساب ليا ولا لي رد فعلي هيكون إيه، ولا خاف حتى على مشاعري.
مشاعري؟ أنا غبية أوي بجد، يعني هو كان خاف عليا قبل كده عشان يخاف دلوقتي؟ طلع شخص أناني وأنا ماكنتش واخدة بالي، أو يمكن أنا اللي كنت مصرة أعمل نفسي مش واخدة بالي.

فضل عاصم باصص على نور، وهو شايف شنطة هدومها جنبها، فهم هي ناوية على إيه.

فاقت من سرحانها على صوته اللي بقى أكتر حاجة بتكره تسمعها:
 _ إنتي رايحة فين يا هانم؟

داليا كانت بتبصلها بشماتة وغرور.

لاحظت نور نظراتها الحقيرة وقالت بقوة، وصوتها كان حاد:
 _ وإنت مالك؟

رد بعصبية: 
_ مالي؟ إنتي اتجننتي ولا إيه؟

داليا مسكت إيده وقالت بغيظ عشان تضايق نور، متعرفش إنها كانت قرفانة منها أصلًا: 
_ متعصبش نفسك يا حبيبي عشان واحدة متستاهلش.

ردت نور بانفعال:
 _ خلي واحدة غيرك تقول كده، إنتي أكتر إنسانة حقيرة ومتستاهليش، بس أقول إيه؟ ما الطيور على أشكالها تقع.

_ شايف يا حبيبي بتكلمني إزاي؟ نفسي أعرف كان عاجبك فيها إيه، ده كفاية أسلوبها.

نظراته لنور كانت حادة، مفهاش أي ذرة حنان ولا حب.

_ نور، اتكلمي عدل أحسنلك بدل ما تشوفي الوش التاني.

ردت عليه بسخرية شديدة:
 _ قول وش تالت، خامس، عاشر. هو أنا كنت أعرفك أصلًا؟ لا، أنا اكتشفت إن عمري ما كنت أعرفك يا عاصم. عايشة معاك تحت نفس السقف، بس ماكنتش أعرف إنك واحد كداب وخاين ومتستاهلش الحب اللي حبيتهولك.

_ هو إنتي مكبرة الموضوع ليه كل ده؟ عشان خطبت وهتجوز؟ هو ده مش حقي؟

_ حقك؟ أنا بجد مش مصدقة البجاحة اللي بتتكلم بيها. اللي يشوفك يقول يا عيني دي ظالمة، بس الحقيقة إنك أكتر واحد ظالم ومعندكش ضمير ولا رحمة.

_ نور، آخر مرة أحذرك، احترمي نفسك وإنتي بتتكلمي معايا، وبلاش تنسي إني أبقى جوزك وواجب عليكي تحترميني.

داليا: 
_ وهي تفهم إيه عن احترام الزوج وتقديره؟ وكويس إنك اكتشفتها على حقيقتها يا حبيبي، والمفروض متخليهاش على ذمتك دقيقة واحدة بعد اللي قالته.

نور: 
_ إنتي تعرفي إيه عن الاحترام؟ إنتي آخر واحدة تتكلمي عنه. وبعدين يا محترمة، إزاي تيجي شقة خطيبك لوحدك، واللي هو المفروض بيتي؟ ولا ماما مقدرتش تطلع معاكي السلم؟

داليا: 
_ آه، قولي إنك غيرانة مني عشان فضلني عليكي. تؤ تؤ يا حرام، متعمليش في نفسك. ومتخافيش، أنا اتكلمت مع عاصم إنه ما يطلقكيش ويرميكي في الشارع، شوفتي أنا حنونة إزاي؟ ولو على مجيئي هنا، ف ده طبيعي، هو مش لازم العروسة تيجي بنفسها عشان تشوف شقتها؟ أصل عصومي قالي إن مكانك هيبقى جنب المطبخ في أوضة الخدامين.

كانت بتسمع كلامها، وفيه سكاكين بتقطع في قلبها، مش قادرة تستوعب إن كل السنين اللي عاشتهم معاه مقدرتش تشوف وشه الحقيقي. كانت حابسة دموعها بالعافية، مستحيل تنزل دمعة واحدة على واحد زي ده، مستحيل. ده الكلام اللي كانت بتردده في سرها.

عاصم:
 _ نور، اعقلي كده ودخلي شنطة هدومك جوه يا بنت الناس، ولمي الدور. أنا مش أول ولا آخر واحد يتجوز على مراته.

داليا: 
_ قصدك طبعًا يا حبيبي تدخلها أوضة الخدم، مش أوضتنا. وبصت عليها بشماتة واضحة على ملامحها.

هز رأسه بهدوء، بتأكيد على كلامها.

نور بصتله بكره حقيقي من كل قلبها، ولأول مرة ما تبقاش طايقة المكان اللي هو فيه، ولا قادرة تشوف وشه. كانت بتتمنى بس يوم يقعد معاها فيه، ودلوقتي مش قادرة تشوف وشه ثانية واحدة.

مسكت شنطتها ومشيت بيها اتجاه الباب، وقبل ما تطلع كان ماسك إيدها وقال بحدة: 
ـ إنتي مسمعتيش أنا قولت إيه؟

بصت على إيده وهو ماسك إيدها، سابت الشنطة على الأرض ورجعت بصتله، ومرة واحدة نزلت قلم على وشه رنّ في الشقة كلها.

حط إيده مكان ضربتها وهو بيبصلها بصدمة وذهول، وكأنه مش مصدق.

بصت في عينيه بكل قوة وقالت:
 _ طلقني.

مسكت شنطتها وخرجت بسرعة، وهو لسه واقف مكانه من الصدمة.

وداليا حاطة إيدها على بوقها من صدمتها في نور، ما توقعتش تبقى قوية كده، وتوقعت إن أي ست تانية هتقعد تعيط وتترجاه ما يسبهاش ولا يتجوز عليها، بس هي فجأتها بردة فعلها.

                     الفصل الثاني من هنا

تعليقات



<>