رواية حين يبتسم القدر الفصل الثالث3بقلم فاطمة شلبي
_ الشغل ده مش مظبوط..
واضح إنك لسه مشربتيش أسلوب شركتنا يا آنسة ليلى.
الكلمة نزلت على ليلى زي الصاعقة..حست بإحراج رهيب قدام زمايلها.. خصوصا إنها عارفة إن شغلها ممتاز...يوسف مداش فرصة لحد يتكلم.. وبص للموظفين بصرامة..
_ الكل يتفضل على مكتبه.. محتاج البشمهندس زين والآنسة ليلى هنا.
خرج الموظفين وهما بيتبادلوا نظرات الاستغراب..وأول ما الباب اتقفل..زين متحملش السكوت وبص ليوسف بذهول..
= الشغل ماله يا يوسف؟ ده أنت كنت لسه منبهر بيه امبارح وبتقول عليه عبقري! إيه اللي اتغير مش فاهم ؟؟
يوسف مردش عليه..وبص لليلى اللي كانت واقفة بتبصله بضيق مكتوم ..وقال لزين بلهجة حادة..
_ شكلك مش منظم شغل الموظفين بتوعك يا بشمهندس ومدلعهم.. لدرجة إنهم بيحضروا الاجتماعات متأخر وما بيحترموش المواعيد.
زين حس إن يوسف بيتحجج.. وبص لليلى لقاها مخنوقة من كتر الإحراج فرد على يوسف بضيق..
= والمطلوب يا يوسف؟ البنت لسه جديدة وأنا اللي طلبت منها تحضر الملفات وتيجي ورايا عشان كده اتأخرت.
يوسف قام وقف..وحط إيده في جيوبه وقاله ببرود..
_ اتفضل أنت على مكتبك يا زين.. وأنا هفهمها النظام بنفسي.
زين وشه اتقلب ولسه هيعترض ..
يوسف بصله بنظرة قوية وقاطعة..
_ سيبني أفهم الموظفين يا أما يبقى ماليش لازمة هنا .. اتفضل يا زين.
زين نفخ بضيق ويأس من حالة صاحبه اللي اتقلبت 180 درجة وبص لليلى نظرة "اعتذار" صامتة وخرج وهو قلبه بياكله على البنت الغلبانة اللي سابها جوا دي أكيد هتسمع كلام ملوش لازمة .
الباب اتقفل.. والصمت بقى سيد المكان.. يوسف لف ببطء وبصلها.. وعينه فيها نظرة كلها غيظ..أما ليلى فرفعت راسها وقالت بصوت قوي رغم ارتعاشها
= حضرتك طلبتني عشان تفهمني النظام.. ولا عشان رفضت أشتغل عندك تاني بالواسطة وفجأة لقيتني في وشك ؟؟
يوسف بصلها بجمود مريب..ومردش عليها ..وعيونه كانت مثبتة عليها وهي بتتكلم بحرقة..ملامحه الهادية كانت بتخفي بركان جواه.. هو نفسه مش عارف ليه عمل كده هل هو غيظ من كبريائها؟ ولا وجع من رفضها المتكرر ليه؟!
أول ما لفت ضهرها وقررت تنهي المهزلة دي وتخرج..صوت يوسف الرخيم قطع خطواتها..
= أنا مأذنتش ليكي تخرجي يا آنسة ليلى.. ولا أنتي متعودة على قلة الاحترام مع اللي بتشتغلي عندهم؟!
جملته كانت زي الكرباج ليلى لفت ليه وجسمها كله بيترعش الدموع كانت محبوسة في عينيها بس نظرتها كانت مليانة قوة.. انفجرت فيه وصوتها مخنوق..
_ حضرتك أنا مسمحش تغلط فيا تاني بالأسلوب ده! أظن إنك عارف كويس إني بحترم شغلي..وعمري ما قصرت في شيء.. ومع ذلك رفدتني من غير ما أعترض ولا أسأل ليه.. ولما حسيت إنك حابب ''تشفق'' عليا كنت بقلم فاطمة شلبي عاوز تشغلني عندك بالواسطة..!!
خدت نفس طويل وهي بتمسح طرف عينيها بسرعة وكملت بحدة..
_ بس متقلقش.. لو وجودي هنا مضايق حضرتك.. أنا ممكن أقدم استقالتي وأمشي حالا.. بس إهانة لا.. أنا مسمحش بكده.. وعلى فكرة.. أنا مكنتش أعرف إن دي شركتك..ولو أعرف مكنتش فكرت أعتب بابها أصلا..!
يوسف فضل ساكت..الصدمة لجمت لسانه.. مكنش متوقع إنها
"ما تعرفش" إن الشركة بتاعته..كان فاكرها جاية تتحداه..!
بص لها وحس لأول مرة إنه "صغر" قدام نفسه.. هو اللي طاردها قبل كده وهو اللي وافق على شغلها من غير ما يعرف اسمها..وهي اللي جت بمجهودها وتعبها مش بجميلة منه..!
سحب نفس طويل..وقرب من مكتبه وسند عليه وبص للأرض لثواني..وبعدين رفع عينه ليها بنظرة مختلفة تماما.. نظرة فيها اعتذار مكتوم وقال بهدوء غريب..
= استقالة إيه يا ليلى؟ أنتي فاكرة إن الشركة دي بيت..بدخله وبخرج منه اللي يعجبني؟ أنتي هنا بكفاءتك..وزين متمسك بيكي.. وبعدين محدش أهانك.
ليلى ضحكت بمرارة وسط دموعها..
_ محدش أهانني؟ وحضرتك اللي قولته قدام الموظفين ده كان إيه؟ تشجيع؟!
يوسف حمحم بجدية وحاول يداري ارتباكه..
= اعتبريه اختبار لثباتك الانفعالي.. والتصميم بتاعك محتاج تعديلات بسيطة مش أكتر.. اتفضلي على مكتبك.. ومسمعش سيرة الاستقالة دي تاني.
ليلى بصتله بنظرة أخيرة كلها لوم.. وأخدت ملفها وخرجت من المكتب وهي مش عارفة هي صح ولا غلط إنها فضلت..
أما يوسف..فقعد على كرسيه وغمض عينه بتعب .
_______________//_______________//________________
بعد ساعة ..
دخل زين المكتب..لقى يوسف ساند راسه على ضهر الكرسي.. ومغمض عينه بوجع باين عليها ..قعد زين قدامه بهدوء..وقال بصوت هادي
_ حالك متغير بقاله فترة يا صاحبي.. مالك؟ إيه اللي شقلب كيانك بالشكل ده؟!
يوسف فتح عينه ببطء..وحس إن الكلام تقيل على لسانه.. وكأن فيه جبل كاتم على نفسه.. بص لزين بتعب حقيقي ورد بصدق مكنش متعود عليه..
= صدقني يا زين.. أنا نفسي مش عارف مالي.. بجد مش عارف!
سكت ثانية وهو بيفتكر ملامح ليلى وعزة نفسها ودموعها وكمل وهو تايه في أفكاره..
= بس مفيش حاجة بعيدة عنها.. كل خيط في تعبي ده واصل لعندها.
زين رفع حاجبه بفضول وسأله بصوت هامس..
_ مين يا يوسف؟
يوسف سكت فجأة.. وكأنه خاف لو نطق اسمها الحقيقة تنكشف قدام نفسه قبل ما تنكشف قدام زين..زين فهم إنه مش عايز يحكي محبش يضغط عليه أكتر..فابتسم بأسى وقام وقف وسند بإيده على المكتب..
_ بص يا يوسف.. لو عاوز تسمع كلام حد.. امشي ورا قلبك يا صاحبي.. ريح نفسك.. وريح غيرك معاك.. العناد مبيجبش غير الوجع.
يوسف بصله بهدوء..الكلمات لمست حاجة جواه بس لسه مش قادر يعترف بيه...قام لم حاجته وقال وهو بيهرب بنظراته..
= أنا تعبان ومحتاج أرتاح شوية.. همشي أنا..وخلي بالك لو فيه أي حاجة في الشغل كلمني فورا.
خرج يوسف من المكتب وخطواته تقيلة..لحد ما وصل لعربيته وساق بسرعة رهيبة .
_________________//_______________//_____________
زين نزل يتابع الشغل..
لفت نظره ليلى وهي قاعدة قدام اللابتوب..ملامحها هادية بس عينيها لسه فيها لمعة الوجع من اللي حصل..عمل كوبايتين قهوة وقرب منها بهدوء..
_ قهوة..؟
ليلى انتبهت لصوته وشكرته بذوق وهي بتاخد الفنجان..زين حاول يلطف الجو وقال بصدق..
_ بلاش تضايقي نفسك.. يوسف مكنش يقصد يحرجك قدام حد هو بس بقاله فترة حاله مقلوب ومش طايق نفسه..بلاش تاخدي كلامه على أعصابك.
وقبل ما ليلى ترد ..تليفون زين رن.. كان يوسف..وصوته طالع مهزوز ومليان رعب لأول مرة..
= زين! تعالالي بسرعة.. عمر حرارته نار ومش بتنزل.. أنا رايح بيه حالا عند دكتور (&&&).. الست اللي جبتها دي مهملة وماخدتش بالها منه.. أنا هموت من القلق ومش عارف أعمل أي تعالالي يا زين.
زين رد بقلق وحاول يهديه..
_ أهدى طيب خد بالك من عمر على ما أجيلك وسوق بالراحة يا يوسف بلاش تهور..
وليلى أول ما سمعت اسم "عمر" قامت وقفت بتلقائية والدم هرب من وشها..
_ ماله عمر؟! حصل له حاجة؟
زين بصلها باستغراب.. السؤال كان أكبر من مجرد فضول موظفة جديدة..
= وإنتي تعرفي عمر منين يا ليلى؟
ردت ليلى بلهفة وهي بتلم شنطتها..
_ مش وقته يا مستر زين.. أرجوك طمني هو كويس؟
= لا ..يوسف بيقول حرارته عالية جدا..وأنا رايح له حالا.
ليلى من غير تفكير وبإحراج غلب خوفها قالت..
= معلش يا مستر زين.. خدني معاك أطمن عليه.. وبالله عليك ما ترفض..هفهمك كل حاجة بعدين.. أرجوك.
زين وافق بسرعة من كتر الارتباك.. وأخدها في عربيته وطول الطريق كان بيسألها وهي بتحكي له باختصار إنها كانت المربية بتاعته قبل ما تيجي الشركة.
أول ما وصلوا العيادة.. يوسف كان واقف وشكله "ضايع"..الأب القوي المهيمن اختفى تماما قدام تعب ابنه الوحيد.
أول ما عينه وقعت عليها.. اتسمر مكانه.. بس مكنش فيه وقت للكلام.
عمر أول ما لمح ليلى مد إيده بضعف ونادى عليها بصوت مبحوح..
_ ليلى..
ليلى جريت عليه وحضنته..وبدأت تطمنه بحنان وهي عينيها بتراقبه بقلق .. كانت هي اللي بتسأل وبتابع وبترد على الدكتور ويوسف وزين واقفين وراها وكأنها هي "الأم" المسؤولة عن الطفل ده.
الدكتور بصلهم بجدية وقال..
_ ده دور تعب شديد بسبب الإهمال في التدفئة وقلة الغذاء.. عمر محتاج رعاية خاصة جدا الفترة دي.. كتبتله خافض حرارة ومكمل غذائي..والأهم من الدوا هو الرعاية يا بشمهندس.
يوسف بص لليلى بندم وحس إن البيت من غيرها فعلا كان خرابة..وإن الست اللي استأمنها على ابنه كانت هتضيع أغلى ما يملك.
ليلى شالت عمر اللي كان متعلق في رقبتها وكأنه لقى طوق النجاة.. وهو مغمض عينه.. ركبت معاهم العربية في صمت ويوسف كان بيراقبها من المراية قلبه كان بيوجعه وهو شايف ابنه هادي بس في حضنها هي.
أول ما وصلوا الفيلا.. إنعام فتحت الباب ووشها نور لما شافت ليلى..
= ليلى! يا كتر خيرك يا بنتي.. أنتي رجعتي؟ والله البيت كان ضلمة من غيرك!
ليلى شكرتها بذوق ودخلت ..كانت بتتصرف بتلقائية.. نيمت عمر على الكنبة في الصالون.. ودخلت المطبخ فورا.. كأنها مابعدتش عنه يوم واحد...في دقايق كانت بقلم فاطمة شلبي ريحة شوربة الخضار مالية المكان.. وجهزت الكمادات والدوا..وقعدت جنبه تأكله بصبر وحنان وعمر بياكل من إيدها وهو مستسلم تماما..
في المكتب...
كان الجو مشحون بين يوسف وزين.. زين سحب كرسي وقعد قدام صاحبه وبصله بتركيز..
_ هو أنت كنت عارف ليلى قبل كده يا يوسف؟
يوسف اتنهد بتعب وسند ضهره لورا..
= أيوه.. كانت هنا مع عمر لفترة قصيرة.. وعمر اتعلق بيها أوي زي ما أنت شايف.. أنا مشيتها عشان.. وسكت فجأة ومكملش كلامه.
زين..بفضول..
_ عشان إيه؟
يوسف بهرب..
= عشان مكانتش ملتزمة بالشغل ومواعيدها مكانتش مظبوطة.
زين رفع حاجبه باستنكار وبص ناحية الصالون ..
_ مش ملتزمة؟ دي شكلها حافظة تفاصيل البيت والولد أكتر منك.. ازاي تمشي حد عمر متعلق بيه كده عشان سبب زي ده يا يوسف؟
يوسف غمض عينه بضيق وصوته بدأ يعلى..
= زين! مش عاوز كلام كتير والنبي.. أنا مش ناقص أعصابي مش معايا أصلا ومش طايق أسمع لوم من حد.
زين سكت لحظة..قام وقف وحط إيده على كتف صاحبه بحب أخوي:
_ معلش يا صاحبي.. عارف إن عمر غالي عليك..روق بس كده يا يوسف.. وهستنى تحكيلي بنفسك مالك لما تهدى.. أنا همشي دلوقتي..اقعد ارتاح في البيت ومتقلقش.. الشغل في رقبتي.
يوسف بصله بامتنان حقيقي وهز راسه بشكر.. زين وهو خارج وقف ثواني عند باب الفيلا.. بص نظرة أخيرة على ليلى وهي بتمسح على راس عمر عشان ينام.. ابتسم زين ابتسامة فهم..وعرف إي اللي شاغل بال صاحبه.
_________________//______________//______________
خيم الليل على الفيلا...وعمر أخيرا استسلم للنوم وهو ماسك طرف إيدها..ليلى اتسحبت بهدوء غطته كويس وجهزت نفسها عشان تمشي.. لكن أول ما فتحت الباب.. لقت يوسف واقف قدامها..
يوسف بصوت واطي سألها..
= عمر نام..؟
ردت ليلى بجدية عملية..
_ أيوه يا بشمهندس..نام وأخد دواه.. هبقى أعدي عليه الصبح أطمن عليه وأفطره متقلقش..بس خلي بالك لو حرارته ارتفعت الكمادات جاهزة في المطبخ.
يوسف شكرها..وكان الصراع باين في عينيه.. عاوز يوصلها بس خايف من "لا" اللي دايما بتوقفه بيها... ليلى مشيت خطوتين..لكن صوته نده عليها فجأة..
= آنسة ليلى.. استني لحظة.
ليلى اتلفتت بهدوء.. يوسف قرب منها وبعفوية سألها سؤال كان بياكل قلبه من ساعة ما جت مع صاحبه..
= أنتي ازاي وافقتي تيجي مع زين لوحدك؟!
ليلى فهمت فورا إنه بيقصد رفضها لتوصيلته هو آخر مرة.. ردت عليه بمنتهى الثبات..
_ أنا كنت جاية عشان أطمن على عمر.. وبعدين مستر زين زي أخويا..كفاية معاملته الطيبة معانا في الشركة.
يوسف حس بنغزة في قلبه من شكرها لزين.. وكبريائه وجعه إن زين يبقى "أخ" وهو بقى "المدير قاسي".. رد بلهجة آمرة عشان يداري ضيقه..
= طيب أنا هاجي معاكي..مش هتخرجي في وقت زي ده لوحدك.. الساعة 10 أصلا وده مش معاد خروجك من الشركة..والمنطقة هنا هادية زي ما أنتي عارفة .
ليلى بصت للساعة بذهول.. فعلا الوقت سرقها وهي مع عمر.. كانت هترفض كالعادة.. بس لما بصت لضلمة الشارع بره..هزت راسها بيأس وقالت..
_ بس بسرعة يا بشمهندس.. لو سمحت.
ركبت ليلى جنب يوسف في العربية..والطريق كان عبارة عن صمت بيقطعه بس صوت أنفاسهم.. يوسف كان سايق بهدوء على عكس عادته.. وعينه كل شوية تروح ناحيتها وهي باصة للشباك.. كان حاسس إن المسافة بين الكرسيين أبعد من بلاد..رغم إنها جنبه.
أول ما قربوا من منطقتها..ليلى طلبت منه يقف قبل البيت بمسافة كبيرة.. يوسف استغرب.. بس محبش يضغط عليها ووقف العربية.
نزلت ليلى وهي بتجري عشان تلحق تدخل..وفجأة قابلت حمزة أخوها في وشها..
حمزة كان شكله مرتبك..لبسه مش متظبط وكأنه كان بيعمل حاجة ومستعجل.. أول ما شافها سألها بحدة عشان يداري ارتباكه..
= إيه اللي أخرك كده يا ليلى؟ الساعة بقت كام؟
ليلى استغربت سؤاله وردت عليه بتعب..
_ مش هنتكلم في الشارع يا حمزة.. تعالى نطلع فوق الأول.
دخلت ليلى البيت وهي مهدودة.. وحمزة علامات الاستفهام مرسومة على وشه.. بادرها بالسؤال بحدة..
_ إيه اللي أخرك كده يا ليلى؟!
ردت بتعب وهي بتقلع طرحتها..
= شغل يا حبيبي.. ضغط شغل مش أكتر.. المهم أنت كنت فين؟ ده مش مواعيد دروسك يا حمزة سايب بابا لوحده ليه؟!
حمزة ارتبك..ورد باختصار وهو بيهرب من عينيها..
_ كنت مع صحابي شوية يا ليلى مخنوق ونزلت أشم هوا.. معملتش جريمة يعني!
سابها ودخل أوضته بسرعة..وليلى اتنفست بعمق وهي بتحاول تطرد الشكوك من دماغها.. وقررت تدخل تطمن على والدها
دخلت الأوضة بهدوء بقلم فاطمة شلبي اتفاجأت برضوان صاحي..رغم إنه متعود ينام بدري كل يوم.. قربت منه وقعدت على طرف السرير وسألته بحنان..
= مالك يا بابا..؟ طمني عليك أنت كويس ؟؟
رضوان بصلها بنظرة مليانة قلة حيلة وقال بصوت واهن..
_ مش عاجبني حالي يا ليلى.. مش مبسوط وأنا شايفك شايلة الشيلة لوحدك وبتتأخري برا البيت كده.. المفروض أنا اللي أشيلكم يا بنتي.. مش أنتي اللي تتبهدلي عشاني.
ليلى قلبها وجعها من كلامه..بس رسمت ابتسامة صافية على وشها عشان تقويه..
= يا بابا أنت أغلى حاجة عندي في الدنيا..وتعبك ده شرف ليا إني أخدمك.. إن شاء الله تخف وتبقى زي الفل وتنزل تعمل كل اللي نفسك فيه..بس بالله عليك بلاش تضايق نفسك..رضاك عني هو اللي بيمشيني.
رضوان ملقاش رد غير إنه يفتح لها دراعاته..ليلى اترميت في حضنه زي الطفلة اللي تاهت ورجعت لأمانها.. كلبشت فيه بقوة وكأنها كانت مستنية اللحظة دي عشان تفرغ كل التوتر والخوف اللي عاشته طول اليوم.. في حضن أبوها..نسيت يوسف..ونسيت الشركة... نسيت كل حاجة إلا إنها "بنت رضوان" الغالية.
________________//______________//_______________
مر يومين هادين ..ليلى كانت بتروح الصبح تشوف عمر وتروح الشركة تاني تخلص شغلها ..وترجع بيتها تهتم بأبوها وكذلك..يوسف كان دايما في شغله مش بيحتك معاها في شيء
وزين دايما عينه مع ليلى وعاوز يفهم اي اللي بينهم بس مكانش عارف يوصل لحاجة خالص ..
وفي يوم ويوسف راجع من شغله الساعة 8 بالليل ..والطريق كان فاضي شاف خناقة .. يوسف نزل من عربيته بهيبته المعتادة.. وبمجرد ما الشباب شافوه خافوا وهربوا...وقف يوسف قدام الشاب اللي كان بيقاومهم لوحده.. ولقى الدم نازل من راسه.
= تعالى معايا المستشفى نخيط الجرح ده الجرح شكله محتاج غرزتين.
الشاب بصله بتعب..
_ شكرا يا أستاذ..بسيطة والله مش مستاهلة أعطلك.
يوسف أصر بلهجة مفيهاش نقاش..
= لا تعالى..المستشفى قريبة وأنا كده كده مروح.
في المستشفى.. وبعد ما الدكتور خلص..يوسف بدأ يسأله بفضول
= حمد لله على سلامتك.. قولي بقى أنت اسمك إيه؟ وعندك كام سنة..؟ شكلك مش بتاع مشاكل.. إيه اللي دخلك مع العيال دي؟
رد الشاب وهو بيعدل لبسه..
_ اسمي حمزة...عندي 18 سنة في ثانوية عامة.. ودي خناقة واتفضت خلاص...متشغلش بالك أحنا رجالة يعني ..
يوسف ضحك على كلامه وقاله طيب تعالى نخرج برا نفهم أي حكايتك ..خرج معاه للعربية عشان يفهم الحكاية وحمزة من كتر ما هو مخنوق ومرتبك بدأ يحكي..
_ العيال دي كنت بخلصلهم شغل..بس لما عرفت إنه شغل مش تمام وأذى لناس رفضت.. فقاموا اتكاتروا عليا.. أنا بس كنت محتاج فلوس من غير ما حد في البيت يعرف.
يوسف رفع حاجبه..
= ليه؟ وأهلك فين؟
حمزة بوجع..
_ أبويا مريض.. وأختي بتعاملني كأني ابنها.. بتتحرق في الشغل ليل نهار عشان توفرلي مصاريف دروسي..وأنا مش حابب أشوفها بتشيل المسؤولية لوحدها كده .
يوسف بصله بإعجاب بس دراه وقال بحزم ..
= وأنت لما تشوف شغل مش تمام تبقى دي رجولة وبتريح أختك كده ؟؟؟
حمزة بعد عينه وقال بخنقة ..
_ أهو اللي حصل بقا ملقتش قدامي غير الموضوع ده..بس وقفته والله زي ما أنت شوفت ..
يوسف بصله بنظرة كلها لوم ..
= يابني اللي حابب يعمل حاجة تساعد أهله يشوف طريقة صح ..افرض العيال دي كانت سلمتك ولا خدت خبطة منهم خلصت عليك ..وقتها تبقى ساعدت أهلك ازاي بقا؟؟ خليك في النور ..
حمزة سمع كلامه وفكر فيه ثانية وقال بندم ..
_ عندك حق ..أنا فعلا غلط بس مكانش قدامي حاجة أختي لما بتعرف إني شغال بتقولي دراستك أهم ومش بترضى تسيبني أكمل شغل مش لاقي حل أعمل أي ؟؟
يوسف سكت لحظة .. وبص قدامه وقال بهدوء
= مش كل اللي في الدنيا مرتاحين ..الدنيا بدأت معاهم سهلة بس المهم الطريقة..لو حابب تساعد أهلك صحيح ..بلاش تمشي في طريق مش تمام ..اتصرف برجولة أنت مش صغير ..في ناس أصغر منك وكانت شايلة جبل لوحدها .
حمزة سكت ومردش ..مكانش عارف يقول أي هو فعلا غلط ..
يوسف بصله تاني وقال باهتمام..
= بص يا حمزة.. أنا عندي ليك شغل كويس في مطعم كبير.. هخليك تشتغل فيه شيفت مسائي بعد ما تخلص دروسك.. ومحدش هناك هيكلمك كلمة بقلم فاطمة شلبي بس بشرط.. مذاكرتك رقم واحد لو درجاتك نزلت الديل ده ملغي.. قولت إيه؟!!
حمزة عينه لمعت بفرحة مكسورة..
_ موافق جدا...بس الشغل ده محدش هيعرف عنه حاجة في البيت صح ؟؟
يوسف ابتسم وقاله..
= سرنا في بير يا بطل.
________________//_______________//______________
مرت 4 شهور... تبدلت فيها أحوال وجاءت فيها أحوال.. ليلى كانت أجمل أيامها وهي شايفة نجاح شغلها ونجاح أخوها أخيرا في ثانوية عامة وجاب مجموع عالي ودخل كلية الهندسة الحلم اللي كانت بتتمناه ..والدها بدأ يستجيب للعلاج الطبيعي.. والحياة بدأت تبتسم لهم فعلا.. وإن كانت ليلى بقلم فاطمة شلبي لسه متعرفش حاجة عن مساعدة يوسف لحمزة في شغل طول الشهور اللي فاتت دي
ولا يوسف كان عارف يوصل لتفاصيل حياة ليلى وشايفها صندوق خفي عاوز يعرف أسراره..!
في الشركة..اتحولت ليلى إلى ركن أساسي.. لكن "الحرب الباردة" بينها وبين يوسف مخلصتش يوسف كان بيولع من الغيرة في كل مرة شايف فيها ليلى تلجأ لـ زين لاستشارته في التصاميم..لكن تعامله هو برسمية .
بس كان لاقيلها "ثغرة" وحيدة تخلي ليلى تقضي ساعات في مكتبه.. وهو "عمر" استغل يوسف أجازة عمر الصيفية وبدأ يحضره معاه يوميا للشركة.. وبمجرد وصوله كان يروح عند ليلى ليضطر يوسف يطلبها هي وعمر في مكتبه بحجة
" إنه يكون تحت عينه "
وفي يوم ...وقت ما كانت ليلى بتعرض شغل جديد على يوسف اللي كان باصص لها باهتمام وبيسمع كلامها بإعجاب...وزين كان واقف متابع نظراته..خلص معاها وقال..
_ تمام هنروح نقابل صاحب الشركة النهاردة على العشاء وتعرضي عليه الشغل ده.
ليلى سألت باستغراب..
= هنروح فين؟ ليه هو ميجيش؟
_ يا ليلى ده مطعم خاص بالشركة بقابل فيه العملاء المهمين وأنتي اللي محضرة الشغل ده بالتالي محدش هيعرف يعرضه غيرك.. جهزي نفسك الساعة 7 هنتحرك.
ليلى وافقت وراحت تخلص الشغل..قبل الوقت ما يجي .
زين وقف قدام يوسف ويبصله بتركيز.. يوسف هرب بنظره بعيد وقال ..
= مالك يا زين في حاجة؟!
زين يرد بتلقائية..
_ ما تقولها يا بني..عينك فضحاك على فكرة.
يوسف كمل وهو باصص في الشغل اللي قدامه ..
= قصدك إيه ومين دي اللي أقولها؟!
_ يوسف مش عليا يا صاحبي..أنت كنت خايف تقع ووقعت فعلا وبصراحة بقى عندك حق ليلى دي مفيش زيها..بتسحر كده.
يوسف رد بضيق ..
= زين خد بالك من كلامك..إيه اللي بتقوله عنها ده..؟
زين ..ضحك بصوت عالي..
_ أيوه بقى.. الغيرة بدأت أهي..لازم أنكشك يعني عشان تنطق.. إيه اللي مانعك بقى مش فاهم؟!
يوسف يتنهد بوجع..
= خايف تفهمني غلط..مش عارف هي لحد دلوقتي حاطة بيني وبينها حدود كبيرة أوي مش فاهم ليه.. كل ما تتكلم معايا في أي حاجة بعرضها عليها تقولي مش عاوزة شفقة من حد.. أنا نفسي أعرف إيه حكايتها مش عارف..!
زين سكت.. كان عاوز يحكيله عن ليلى كل حاجة بحكم إنها معرفاه عنها تقريبا كل اللي هي بتعمله بس كانت مأمناه مرضيش يتكلم.. وفي نفس الوقت صاحبه صعب عليه.. قال باقتراح صغير..
_ طيب ما تحاول تغير طريقتك اللي بتبان إنها مساعدة ليه توصلها لكده؟!
يوسف اتنرفز وقاله..
= دماغها صعبة مش فاهم طريقة تفكيرها دي ..أنا فعلا أكيد مش قاصد أحسسها بكده ..بس هحاول أشوف طريقة تقرب الدنيا شوية .
الساعة جت 7 ..
وصل يوسف وليلى المطعم..الجو كان هادي وراقي جدا..ليلى كانت حاسة بتوتر بسيط بس بتحاول تداريه برسميتها المعتادة..قعدوا يستنوا صاحب الشركة.. وفجأة يوسف بص لها وقال بنبرة هادية بس فيها أمر..
_ مش عاوز كلام كتير مع الراجل يا ليلى.. اعرضي الشغل وبس وسيبيني أنا اللي أتكلم وأدير النقاش.
ليلى بصتله باستغراب وردت عليه..
= أومال حضرتك جايبني أعمل إيه؟ ما دام مش هتكلم!
يوسف غير الموضوع..وبصلها بتقدير وقال..
= جايبك عشان أنتي صاحبة الشغل ده..وأنا مش من طباعي أداري مجهود حد .. بس "صاحب الشغل" ده طبعه صعبة..وأنا اللي هعرف أتعامل معاه.. تمام؟
ليلى اكتفت بكلمة "حاضر" وسكتت.. وفعلا..الراجل وصل وبدأ يوسف يدير الكلام بذكاء وليلى عرضت تصميماتها اللي سحرت الراجل فعلا.
في الوقت ده..جوه مطبخ المطعم..كان حمزة واقف بيجهز نفسه.. مدير المطعم نده عليه بسرعة..
_ يلا يا حمزة..قدم العشا ده على ترابيزة رقم 8..مستر يوسف هناك وفي مقابلة شغل مهمة.. مش عاوز غلطة واحدة.. فاهم؟
حمزة ملامحه نورت وابتسم بفرحة..كان وحشه يوسف ونفسه يشوفه ويثبت له إنه قد المسؤولية.. أخد الصينية واتحرك بهمة ناحية الترابيزة.. لكن أول ما قرب.. رجليه اتسمرت في الأرض والصينية كانت هتقع من إيده..
عينه جت في عين ليلى.. ليلى اللي كانت قاعدة بكامل أناقتها بتباشر شغلها.. ليلى أول ما شافته.. ملامحها اتخطفت.. والدم هرب من عروقها.. قامت وقفت فجأة بذهول..والكرسي عمل صوت عالي لفت انتباه الكل.
بصت له من فوق لتحت.. لبسه..الصينية اللي في إيده..ومكان وجوده.. وقالت بصوت مهزوز ومرعوب..
_ حمزة!.. أنت بتعمل إيه هنا؟!
