رواية لقاء بين غريبين الفصل الثالث3بقلم فاطمة شلبي


رواية لقاء بين غريبين الفصل الثالث3بقلم فاطمة شلبي


_ زينة.. فهمي بنت عمك قوانين البيت ده كويس عشان ميحصلش حاجة تانية ميعجبكوش فيها رد فعلي.. وحسابك معايا إنتي وحور على اللي حصل ده هيكون بعدين.. لما أطمن على حور بس الأول..

​ياسين سابهم وركب العربية وخبط الباب وراه بقوة هزت المكان وطلع على المستشفى وساب "فريدة" واقفة في نص الحوش.. حاسة إن الدنيا بتلف بيها.. الكلام جرح كرامتها..وخوفها على حور كسر قلبها.

فريدة مجرد ما شافت عربية ياسين اختفت.. مكنتش قادرة تتحمل نظرات الشفقة من اللي حواليها ولا قسوة الكلمات اللي ياسين رماها في وشها.. جريت بخطوات مهزوزة ودموع مغرقة وشها على أوضة جدتها "إيمان".

​دخلت الأوضة لقت جدتها قاعدة على سجادة الصلاة.. بتسبح وهدوء الدنيا كله في وشها.. فريدة اترمت في حضنها وانفجرت في العياط كأنها طفلة تايهة.

​فريدة بشهقات مكتومة..
​_ يا تيتة.. أنا مش هعرف أتعود على الطريقة دي! 
ياسين بيكلمني كأني عملت جريمة.. أنا بس كنت عاوزة أفرح معاكم.. أنا زعلانة أوي إن حور اتأذت بسببي..

​جدتها إيمان سكتت.. وبدأت تطبطب على ضهر فريدة بحنان.. ومسحت دموعها بطرف شالها الأبيض..وقالت بصوت دافي..
​= اهدي يا بنتي.. مفيش حاجة حصلت لكل ده .. بقلم فاطمة شلبي ده قدر ومكتوب وحور هتقوم بالسلامة إن شاء الله.. وياسين يا بنتي قلبه حامي على أخواته.. غضبه ده مش كره ليكي..ده خوف عليهم بس..

​فريدة بصت لها بعيون حمرا من العياط..
​_ بس هو بيهددني بكلامه يا تيتة..

​إيمان ابتسمت بحنين وبصت لصورة قديمة متعلقة على الحيطة
​عارفة يا فريدة.. جدك "صالح" الله يرحمه..كان كل يوم قبل ما ينام يفتح الشباك ده ويبص للطريق ويقولي..''يا إيمان نفسي أشوف ولاد عماد وعماد وسطنا.. نفسي فريدة تتربى هنا..تشوف دفا البيت وتعرف إن لها عزوة وسند ..كان نفسه يشوفك بتكبري وسط ولاد عمامك..مش غريبة عنهم في بلاد بعيدة..!

​كملت إيمان وهي بتطبطب على إيد فريدة..
​أي مشكلة في الدنيا وليها حل يا بنتي.. والقلوب بتتصافى.. متشيليش فوق طاقتك.. بكره الصبح الدنيا هتروق.. وياسين نفسه هو اللي هيطمنك على حور.. ادعي لها يا بنتي بس تبقى كويسة والزعل هيروح لحاله..

​فريدة حست إن كلام جدتها بدأ يبرد النار اللي في قلبها شوية.. بس لسه صورة ياسين وهو بيقفل باب العربية بقوة محفورة في خيالها.. وحست إن الطريق لسه طويل عشان تفهم الدفا والعزوة اللي جدها كان نفسه تعيشها معاهم..

______<________<______<_______<______<____

الوقت كان بيعدي في بيت الجد "صالح" كأنه سنين.. الكل قاعد في الحوش وعينيهم على البوابة..والدعوات مش بتفارق لسان الجدة إيمان وهي بتطبطب على فريدة اللي لسه دموعها منشفتش.

​فجأة..كشافات العربية نورت عند البوابة.. الكل قام في نفس واحد..وفريدة خرجت من حضن جدتها بلهفة عشان تطمن.. نزلت حور وهي لافة شاش أبيض على رجلها.. ومسندة على محمود وياسين.

​ياسين كان شخص تاني خالص غير اللي خرج من ساعة.. الغضب اللي كان مالي وشه اختفى..وحل محله قلق أبوي غريب.. كان ماسك إيد حور بحرص شديد.. وعينيه مش بتفارقها وكأنها أغلى ما يملك.

​حور بتعب وألم..
​_ براحة يا ياسين.. أنا كويسة والله.. شوية كدمات والحمد لله عدت على خير..

​ياسين بصوت واطي هادي جدا خالي من أي حدة..
​= متتكلميش دلوقتي يا حور..المهم إنك وسطنا وبخير والكسر بسيط وهيلم.. اهدي خالص.

​فريدة كانت واقفة بعيد..مراقبة المشهد بذهول.. عينيها كانت مركزة على ياسين..ازاي الراجل اللي كان من شوية صوته زي الرعد وبيرمي كلام زي السم
يتحول فجأة للنسمة دي..؟ ازاي ملامحه الحادة لانت وبقى فيها كمية الحنية دي وهو بيشيل أخته عشان يطلعها أوضتها..؟

​ياسين لمح فريدة وهي واقفة.. بس المرة دي معاتبهاش ولا بصلها بغضب.. بص لها نظرة هادية وطويلة..

طلعت فريدة وراهم الأوضة ببطء.. وقفت عند الباب وشافت ياسين وهو بيعدل المخدة تحت رجل حور..وبيغطيها ببطانية خفيفة.. وباس راسها وطمنها إن كل حاجة هتكون تمام.

​فريدة سألت نفسها وهي لسه مش مصدقة التحول ده..
 أي الشخصية الغريبة دي؟ القاسي اللي بيمشي كلامه بكلمة.. ولا الحنين اللي مستعد يشيل هموم الكل على كتفه.؟ وازاي في شخص واحد فيه كل التناقض ده..؟

​ياسين وهو خارج من الأوضة.. اتقابلت عينيه في عين فريدة.. وقف قدامها ثانية واحدة..ونبرة صوته كانت هادية بس لسه فيها هيبة..
​_ حور نامت.. ياريت الكل ينام عشان بكره يوم طويل.. تصبحوا على خير..

​مشي ياسين وساب فريدة في حيرة أكبر من اللي كانت فيها.. حيرة مابين خوفها منه.. وفضولها إنها تعرف السر اللي مخبيه ورا وشوشه الكتيرة دي.. وحست إن رمضان في البلد مش بس هيغير حياتها.. ده هيغير تفكيرها في كل حاجة عرفتها قبل كده..!

_______________//_______///_______///______

الوقت كان لسه فجر..
والسكوت مالي البيت مبيقطعهوش غير صوت قرآن الفجر من بعيد وتسابيح هادية.. فريدة مقدرتش تنام.. قامت من سريرها بقلب مقبوض.. لفت شالها عليها وطلعت تتسحب براحة عشان تطمن على حور قبل ما تنام.

​وهي بتقرب من أوضة حور.. لقت الباب موارب وشعاع نور ضعيف خارج منه.. وقفت مكانها لما سمعت صوت "شهقات" مكتومة.. كان صوت عمتها رانيا..

​رانيا بصوت مخنوق بالدموع وهي بتمسح على راس حور..
_ ​سامحيني يا بنتي.. يمكن أنا سبب في اللي بيجرى لكم.. ياسين شايل مني حمل جبال.. وأنا مش عارفة أوصل لقلبه تاني يا حور.

​حور بصوت تعبان ..
​= يا ماما اهدي.. ياسين بيحبك..بس هو لسه مش قادر ينسى.. هو بيحمل نفسه فوق طاقتها عشان يداري الوجع اللي جواه.. لازم تحاولي معاه تاني.. ياسين محتاج يحس إنك جمبه مش ضده.

​رانيا كملت بصوت مخنوق..
​_ ياسين من يوم اللي حصل وهو قفل قلبه بالمفتاح.. أنا بموت في اليوم ميت مرة لما بيعدي من قدامي ولا كأني موجودة..!  ادعي له يا حور... بقلم فاطمة شلبي ادعي له يلين ويرجع ياسين بتاع زمان.

​فريدة اتجمدت مكانها..أنفاسها تسارعت وهي بتسمع الكلام.. "ياسين قافل قلبه؟".."ياسين شايل من أمه ليه ؟".. بدأت تربط الخيوط ببعض..افتكرت فعلا إنه من ساعة ما وصلت.. نادرا لما شافته بيكلم والدته رانيا..وحتى لما بيقعدوا على الأكل.. نظراته ليها بتكون "باردة" وخالية من أي مشاعر.. عكس حنيته الطاغية مع حور وجدته..! 

​انسحبت فريدة بهدوء من غير ما حد يحس بيها..ورجعت أوضتها وقلبها بيدق بعنف.. اتوضت وصلت الفجر.. وقعدت قدام المصحف تقرأ وردها..بس عقلها كان في عالم تاني.. عالم ياسين المظلم..!

​فتحت شباك أوضتها..الهوا البارد لمس وشها.. وبصت للغيط الواسع والضلمة اللي بدأت تنسحب مع أول خيوط النور.. حست إنها في وسط "متاهة" كبيرة.. وإن البيت ده فيه أسرار أعمق بكتير من مجرد دفتر أسود ومكتبة قديمة.

​فريدة همست لنفسها وهي بتراقب الشروق..
​_ إيه اللي يخلي ابن يقسى على أمه كده..؟ وإيه الوجع اللي مخبيه ورا قناع الحجر ده..؟ 

​حست إن دماغها فيها خيوط كتيرة مش واضحة.. بس فيه حاجة واحدة اتأكدت منها.. إن مهمتها في البيت ده مبقتش بس "زيارة"..دي بقت رحلة لفك شفرات ..!!

_______________///_________///__________///____

شمس الصبح بدأت تشق طريقها فوق النخيل...
والبيت لسه غرقان في سكونه بعد ليلة طويلة ومرهقة.. فريدة قامت.. لبست إسدالها الكحلي الهادي عشان تتجنب أي نظرة عتاب أو كلمة حادة من ياسين أو غيره لو شافوها بستايلها العادي..ونزلت الحوش بخطوات حذرة.

​الجو كان رائع..ريحة الندى على الشجر والهدوء اللي مبيقطعهوش غير زقزقة العصافير.. لفت بوشها..لقت "محمود " قاعد لوحده تحت شجرة كبيرة ساند ضهره وسرحان في الفراغ..وملامحه باين عليها التفكير العميق.

​فريدة قربت منه بهدوء..
​_ صباح الخير يا محمود.. صاحي بدري ليه كده..؟

​محمود انتبه لها وابتسم ابتسامة هادية..
​= صباح النور يا دكتورة.. أنا مبعرفش النوم المتأخر..وبعدين مكنش جاي لي نوم بعد اللي حصل امبارح.

​فريدة قعدت على طرف المقعد الخشبي جمبه وبصت للأرض بأسف..
​_ محمود.. أنا بجد آسفة.. أنا السبب في كل اللي حصل لحور وفي المشكلة اللي وقعت بينك وبين ياسين.. مكنتش أعرف إن الأمور معقدة هنا كده..؟

​محمود هز راسه برفض..
​= متقوليش كده..ده قدر يا فريدة..وبعدين ياسين طبعه حامي شوية بس قلبه طيب...هو بس بيشيل همنا بزيادة.

​فريدة استغلت الفرصة وحاولت تجره للكلام اللي سمعته الفجر بطريقة غير مباشرة..
​_ هو ياسين دايما كده..؟ يعني بحسه شايل حمل تقيل أوي حتى مع طنط رانيا.. بحس فيه حاجة مكسورة بينهم.. كأن فيه باب مقفول محدش عارف يفتحه.

​محمود سكت لثواني.. ونظرة عينه اتغيرت..بص لبعيد وقال بنبرة غامضة..
= كل مكان وله أسرار يا فريدة.. وياسين مش سهل حد يفهمه.. هو اختار يشيل لوحده.

​وقبل ما فريدة تسأل أكتر..محمود قام ووقف وكأنه عاوز يهرب من السيرة دي.. وقال بلهجة مرحة عشان يغير الموضوع
​= بقولك إيه.. سيبيك من الهموم دلوقتي..أنتي من ساعة ما جيتي مخرجتيش شفتي أرضنا في النور.. والجو دلوقتي يرد الروح.. إيه رأيك نتمشى شوية في الغيط لحد ما الكل يصحى؟

​فريدة عينيها لمعت بفرحة، حست إنها محتاجة فعلا تشم هوا نضيف وتبعد عن ضغط البيت..
​_ موافقة جدا.. أنا فعلا محتاجة أخرج.

​خرجوا الاتنين من البوابة الكبيرة..وبدأوا يتمشوا وسط الخضرة والزرع اللي لسه عليه قطرات الندى.. بقلم فاطمة شلبي فريدة كانت بتبص لكل حاجة بانبهار..كأنها أول مرة تشوف الطبيعة بجد.. كانت بتضحك وهي بتسمع محمود بيحكي لها عن أنواع الزرع وتاريخ الأرض.. ونسيت للحظات إن فيه "بركان" اسمه ياسين ممكن يصحى في أي لحظة وميعجبوش الخروجة دي..!
الخروجة في وسط الغيطان كانت ممتعة لفريدة..حست إن روحها ردت فيها بعيد عن خناقات البيت..

______________<_<__________<_<______________

مر "أسبوع" كامل على ليلة الحادثة..
 أسبوع كانت فيه جدران البيت شاهدة على صمت غريب وهدوء حذر.. حور بدأت تتحسن ورجلها بدأت تشيلها شوية.. وياسين كان زي الخيال.. بيطلع الفجر ويرجع على الفطار..كلامه قليل ونظراته لفريدة كانت "مراقبة "صامتة من بعيد لبعيد.. كأنه بيختبر صبرها على قوانين البيت.

​فريدة بدأت تندمج.. تلبس الإسدال..وتساعد في المطبخ.. وتسمع حكاوي جدتها إيمان.. لكن في يوم..قطع سكون الصبح صوت "زعيق" جاي من الحوش صوت خلى فريدة تنزل تجري وهي بتلف طرحتها بسرعة.

​لقت "محمود "واقف ووشه مليان غضب..وماسك في إيده شنطة كتب زينة..وزينة واقفة قدامه بتترعش ودموعها نازلة.

​محمود بصراخ..
​_ يعني إيه تخرجي من غير ما تعرفي حد ..وازاي تروحي الدرس لوحدك وإحنا قايلين مفيش خروج من غير ما حد يوصلك..؟ أنتي مشوفتيش اللي حصل لحور ؟ 

​زينة بصوت مخنوق..
​= يا محمود والله اتأخرت.. والكل كان نايم.. قولت مش هغيب والدرس مهم..

​محمود بحدة وهو بيحدف الشنطة على الأرض..
​_ مفيش دروس تاني لوحدك ! لو مفيش راجل يوديكي ويجيبك القعدة في البيت أحسن لك..

​فريدة نزلت آخر درجة في السلم وجريت وقفت بين محمود وزينة..حطت إيدها على كتف محمود وقالت بصوت هادي بس حازم..
​| اهدي يا محمود..الموضوع مش مستاهل كل ده.. هي خافت على مصلحتها..والحمد لله إنها رجعت بخير.. خلاص بقى متبقاش قاسي كده..| 

​محمود بص لفريدة بضيق.. بس احترم تدخلها وهز راسه بعنف ومشي وساب الحوش وهو وشه مش بيبشر بخير فريدة وطت جابت الشنطة وطبطبت على زينة..

​| تعالي يا زينة خلاص متعيطيش.. تعالي نطلع عند حور..ومحمود لما يهدى هنعرف نتكلم بالراحة..| 

​طلعوا الأوضة فوق.. وأول ما فريدة فتحت الباب..شافت ياسين قاعد جمب حور..كان بيسندها عشان تقعد مرتاحة... لحظة دفا حقيقية بين أخ وأخته..بس أول ما لمح فريدة وزينة..ملامحه رجعت لجمودها المعتاد.

​ياسين قام وقف بوقار.. وبص لزينة اللي بتعيط وبعدين بص لفريدة نظرة كانت مليانة تساؤلات.. من غير ما ينطق بكلمة..عدى من جمب فريدة وساب الأوضة وخرج..بس ريحة عطره القوية فضلت مالية المكان.

​فريدة قعدت جمب زينة وحور..وبدأت تهدي زينة وتلطف الجو بكلمات رقيقة.. بس من جواها..
 كان فيه فكرة تانية خالص بتكبر...! 

​فريدة بصت لملامح حور التعبانة.. ولزينة المكسورة من تحكمات محمود.. وافتكرت نظرة ياسين .. وقالت في سرها بعزم وقوة..
_ لا يا فريدة.. أنتي مش هتفضلي مجرد ''مكتشف'' بيشوف الحكايات من بره.. أنتي لازم تغوصي جوه دماغ كل واحد في البيت ده.. !

بعد الفطار..

كان الحوش منور بضوء الفانوس ونسمة هواء هادية ..فريدة كانت قاعدة مع حور وزينة.. والجو بينهم كان مليان دردشة بنات صافية.

​فريدة باستغراب وهي بتبص لحور..
_ يعني يا حور.. معقولة الرقة واللوحات اللي شفتها في أوضتك دي وتكوني خريجة فنون جميلة وقاعدة كده..؟!  البلد هنا محتاجة فنك يا بنتي..

​حور ابتسمت بهدوء وهي بتعدل الشاش على رجلها..
​= يا فريدة الشغل هنا مش سهل.. خصوصا لمجالي.. بس أنا حاليا بدور على شغل ''أونلاين'' في الجرافيك أهو أسلي وقتي وأعمل حاجة بحبها وأنا في مكاني..

​زينة كانت قاعدة جمبهم.. فاتحة كتاب التاريخ بس عينيها كانت تايهة في السطور.. دماغها كانت مشغولة بمحمود..
​_ هو محمود ليه بقى كده..؟ من ساعة موضوع الدرس وهو مش بيسيبني.. كل شوية يسأل رايحة فين وجاية منين.. كأنه خايف أهرب مش خايف عليا..! 

​ صوت جه من وراهم قطع كل الكلام.. صوت خطوات "بيادة" عسكرية منتظمة وقوية على السلم الرخام.

​الثلاثة بصوا ناحية السلم.. وفريدة حست إن أنفاسها هربت منها.. نزل ياسين.. بس مش ياسين اللي شافته بالهيئة اللي اتعودت عليها .. كان لابس الزي الرسمي الخاص بالقوات الخاصة..الكاب في إيده..وساعته السوداء الكبيرة بتلمع.. وملامحه كانت في منتهى الحزم والصرامة.. 

​حور وزينة قاموا بلهفة وسلموا عليه..
​_ تروح وترجع بالسلامة يا ياسين.. خد بالك من نفسك.

​ياسين باس رأس حور وطبطب على كتف زينة..وعينه جت في عين فريدة اللي كانت لسه قاعدة مكانها بتبصله بذهول.. 

قال بصوته الرخيم اللي كان ماشي مع لبسه الميري..
​= أنا عندي شغل ضروري ليومين وراجع تاني.. يا ريت القوانين تتنفذ بالحرف لحد ما أرجع.

​سابهم ومشي بخطوات واثقة هزت أرض الحوش..وركب عربيتة اللي كانت قدام البوابة وطار بيها..

​فريدة فضلت ساكتة لثواني..وبعدين بصت لحور وقالت بصوت واطي..
​_ هو.. هو إيه ده يا حور؟ هو ياسين بيشتغل إيه بالظبط..؟

​حور بابتسامة فخر..
​= ياسين رائد في القوات الخاصة.. خريج الكلية الحربية.. وعمره ما عرف الهزار في شغله ولا في حياته..

​فريدة سندت ضهرها لورا وحست بكسوف غريب من نفسها..
​_ رائد وقوات خاصة.. أنا ازاي مخدتش بالي من طريقته.. ! 

​سكتت شوية وكملت بمرارة..
​_ أنا شكلي كنت بعيدة أوي عنكم يا حور.. لدرجة إني معرفش أقرب ناس ليا بيعملوا إيه في حياتهم..

زينة ردت بهزار..
= البركة في أبوكي بقا يا ست فريدة هو اللي خدك بعيد عننا..

__________//_____________///___________///

الساعة دقت ١٢ بالليل.. 
البيت كله غرقان في سكون تام.. ومفيش غير ضي القمر اللي راسم خيالات الشجر على الحيطان.. فريدة كانت بتتقلب في سريرها فكرة واحدة عمالة تخبط في دماغها زي المطر..
 " المكتبة.. الدفتر الأسود.. عالم الرائد اللي قفل عليه بالمفتاح.."

​قامت قعدت..قلبها بيدق بسرعة.. 
_ أنا بعمل إيه..؟ ده غلط.. لو حد شافني هتبقي مصيبة.. ولو هو عرف مش هيرحمني.. بس الفضول كان أقوى من الخوف..ورغبتها إنها تفهم الإنسان المتناقض ده كانت بتشدها بجنزير ناحية السلم.

​طلعت تتسحب ببطء.. أنفاسها مسموعة في هدوء البيت.. وصلت قدام باب المكتبة..ومدت إيدها اللي كانت بتترعش وفتحت الباب اللي كان "موارب" المرة دي..كأن القدر بيساعدها.

​دخلت وقفلت الباب وراها.. ريحة الورق القديم وعطر ياسين القوي كانت مالية المكان.. بدأت تفتح الأدراج بحذر..وتفتش بين الكتب.. كانت بتدور على أي خيط..صورة قديمة.. ورقة منسية.. أي حاجة تفهمها ليه هو " قاسي" كدة مع أمه..؟
 وليه "حنين" كدة مع الباقي..؟

​فتحت درج المكتب..لقت "نوتة" صغيرة.. قلبها وقع في رجليها وهي بتفتحها..بس للأسف كانت كلها حسابات للأرض ومواعيد محاصيل.. مفيش فيها أي حاجة شخصية.

​حاولت تفتح "الدرج المغلق" اللي شافته بيقفل عليه بالمفتاح قبل كده بس كان زي الحجر مبيتحركش.. ياسين ذكي..ومش بيسيب أثر لغلطة وراه..

​سندت فريدة ضهرها على الكرسي الخشبي بتاعه غمضت عينيها وهي حاسة إنها تايهة.. سألت نفسها بمرارة..
_ أنا ليه بعمل في نفسي كده..؟ هو ليه شاغل تفكيري للدرجة دي؟ أنا المفروض عاقلة.. إيه اللي جرالي من ساعة ما دخلت البيت ده..!!

​خرجت فريدة من المكتبة زي ما دخلت.. "إيد ورا وإيد قدام" ملاقتش ولا خيط يفهمها حاجة.. بس لاقت حاجة تانية أهم لاقت إن ياسين مبقاش بالنسبة لها مجرد ابن عمتها تقيل الظل.. ده بقى "لغز" هي مستعدة تعمل أي حاجة عشان تفكه..

​رجعت أوضتها.. وقبل ما تنام بصت لشباك أوضتها وهمست بصوت خافت..
_ ​ياترى أنت مين يا ياسين.. ومخبي وراك إيه تاني..؟ 

بعد يومين من الانتظار...
 رجع ياسين.. بس المرة دي مرجعش بهيبته اللي بتخض..رجع وهو ساند كتفه اللي كان متغطي بلفافة شاش بيضا بدأت بقع الدم تظهر عليها.

​البيت كله اتقلب.. عمتها رانيا أول ما شافته جريت عليه بلهفة الأم ودموعها سبقاها..
​"ياسين..!  إيه اللي حصل لك..؟ ألف سلامة عليك يا ابني.. طمني فيك إيه..؟؟ "

​ياسين..رغم تعبه ووجعه.. اتيبست ملامحه وبص لها نظرة باردة وبعد إيدها عن كتفه باحترام "جاف" قدام الكل وقال بصوت واطي..
​" الحمد لله يا أمي.. كدمة بسيطة.. ملوش لزوم الخوف ده كله.. عن إذنكم محتاج أرتاح.." 

​فريدة كانت واقفة بعيد..مراقبة الموقف بدقة.. شافت "الصدة" اللي صدها لأمه.. بقلم فاطمة شلبي وشافت الكسرة اللي في عين رانيا.. في اللحظة دي.. فضولها اتحول لتمرد..قررت إنها مش هتسكت..لازم تواجه البني آدم اللي بيعامل الدنيا كلها بقوانينه هو بس..

​انسحبت فريدة بهدوء وسط زحمة العيلة وانشغال محمود في تليفون  لشغله ..وأنس وزينة خرجوا لدروسهم..وطلعت وراه.

​وقفت قدام باب أوضته..قلبها بيدق لدرجة إنها حاسة إنه هيخرج من مكانه... خبطت خبطتين..سمعت صوته من جوه
​"ادخلي يا حور.. تعالي ساعديني في الشاش ده.." 

____________///________///________///________

ياسين قال للي على الباب .. 
( ادخلي يا حور ساعديني في الشاش ده ).. بس اللي دخلت كانت فريدة..🫣😱

تفتكروا فريدة هتقدر تواجه ''الرائد'' بقوة..؟؟🤔🤔

وإيه هو السر اللي يخلي ابن يقسى على أمه بالشكل ده..؟ تفتكروا رانيا عملت إيه زمان..؟!!🤔
الأسرار مبتخلصش.. والقلوب مقفولة بميت مفتاح..! 
فريدة قررت تغوص في بير الأسرار.. بس يا ترى أي اللي مستنيها..؟؟🤔
ياسين رجع بوجع في كتفه.. بس الوجع اللي في قلبه أكبر بكتير..!

دخلنا في قلب الحكاية وفريدة قررت تقوم بدورها اللي هيغير كتير من اللي بيحصل ويقلب موازين البيت..🤩🔥

                     الفصل الرابع من هنا 
تعليقات



<>