رواية لقاء بين غريبين الفصل الرابع4بقلم فاطمة شلبي
وقفت قدام باب أوضته..قلبها بيدق لدرجة إنها حاسة إنه هيخرج من مكانه... خبطت خبطتين..سمعت صوته من جوه
"ادخلي يا حور.. تعالي ساعديني في الشاش ده.."
فتحت فريدة الباب ودخلت.. ياسين كان قاعد على طرف السرير قالع قميصه العسكري وساند دراعه المصاب بوجع واضح..أول ما رفع عينه وشافها.. ملامحه اتصلبت فورا..ونظرة الوجع اتحولت لجمود ..
_ فريدة..؟ افتكرتك حور.. خير في حاجة حصلت تحت..!!
فريدة متهزتش من نظراته وقربت خطوتين وقالت بهدوء حاد..
= لا محدش حصله حاجة تحت...أنا اللي جيت أطمن عليك.. وأقولك إن الوجع اللي في كتفك ده ميدكش الحق توجع غيرك يا سيادة الرائد.
ياسين رفع حاجبه بضيق وسند ضهره لورا..
_ مش فاهم.. أنتي جاية هنا عشان تديني دروس في الأخلاق ولا إيه بالظبط..كل اللي بيحصل بينا هنا فهي أمور عائلية متخصكيش..
فريدة ردت عليه بمنطقية وثبات..
= تخصني يا ياسين.. تخصني لسبب بسيط جدا...أن أنت الشخص اللي عامل نفسه ''بوصلة'' البيت ده.. اللي بيحدد الصح والغلط.. وبتحاسب الصغير والكبير على أقل حاجة باسم الأصول والقوانين.. ازاي بقى قائد البيت اللي زيك بيكسر أول قاعدة في الأصول وهي بر الأم..؟!!بقلم فاطمة شلبي
ازاي بتطالب الكل بالانضباط وأنت أول واحد بتتمرد على مشاعر والدتك وبتهين خوفها عليك قدامنا عادي كده..!!
ياسين عينه لمعت بغضب وضغط على سنانه..
_ أنتي متعرفيش حاجة عن اللي بيني وبين أمي.. فبلاش تنصبي نفسك قاضي.. أنا مأهنتش حد أنا وضعت حدود مش أكتر..
فريدة بابتسامة تحدي..
= الحدود دي بتبقى بين الغرباء يا سيادة الرائد..مش بين ابن وأمه.. وبعدين أنت هنا بتمثل القدوة لأنس وزينة..لما يشوفوا ياسين ''الكبير'' بيصد أمه بالشكل ده..متنتظرش منهم يسمعوا كلامك ولا يحترموا سلطتك.. أنت لو فاكر كده بتدير البيت صح..فأحب أقولك أنك غلطان..أنت بتهده بأفعالك وأنت مش داري..
ياسين قام وقف رغم وجعه..وطوله الفارع كان بيحاول يرهبها.. بس هي فضلت ثابتة مكانها.. بص لها نظرة طويلة فاحصة وقال بنبرة خالية من المشاعر..
_ كلامك فيه منطق ''نظري'' يا دكتورة.. بس الواقع غير.. البيت ده أنا اللي شايله..وأنا اللي عارف أديره إزاي.
فريدة بحدة..
= بتديره ازاي..!! بالخوف مش بالحب..؟ دي مش إدارة..ده استبداد.. أنا هنا مش ضيفة مطلوب مني أسكت بس وأنا بتفرج أنا بنت البيت ده.. وعقلي ناضج كفاية إني أشوف الخلل وأقول عليه.. وزي ما ليك حق التوجيه..أنا كمان ليا دور هنا..ومش هسكت لما أشوف أصول البيت بتتهد عشان كبرياء شخص زيك..
ياسين سكت تماما..عينه كانت بتدرس ثباتها وقوة ردها..لأول مرة حد يواجهه بمنطق اجتماعي سليم كده.. ضحك ضحكة مكتومة فيها ذهول وقال..
_ واضح إن اليومين اللي غبتهم شقلبوا الحال فعلا.. فريدة هانم...قررت تفتح النار.
بص لكتفه المصاب وبعدين بص لها تاني..
_ ماشي يا دكتورة.. وصلت رسالتك.. بس خليكي فاكرة.. إن اللي بيتدخل في "عش الدبابير" لازم يتحمل اللدغ.. اتفضلي انزلي دلوقتي..ونادي على حور في طريقك..
خرجت فريدة من الأوضة وهي حاسة إنها قدرت تحط "بذرة" شك في تفكير ياسين.. هي مكسرتش غروره...لكنها هزت الثقة اللي بيتعامل بيها.. وفتحت باب لمواجهة حقيقية بين "القوة" و"المنطق".
_____________//_________//_______///_______
فريدة نزلت السلم وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها.. بس قلبها كان "طاير" من القوة اللي حست بيها لأول مرة.. قابلت حور في الحوش..حور بصت لوش فريدة وسألتها بقلق..
_ فريدة..؟ أنتي كنتي فين؟ ومال وشك أحمر كده ليه.. كأنك كنتي في خناقة..؟
فريدة أخدت نفس عميق وابتسمت ابتسامة غامضة..
= لا يا حور.. مفيش خناقة.. بس أخوكي محتاج حد معاه فوق .. اطلعي له يا حبيبتي هو مستنيكي تغيري له على الجرح.
حور طلعت وهي مستغربة.. وفريدة راحت قعدت في ركن هادي في الحوش.. بدأت تراجع كل كلمة قالتها.. خافت تكون زودتها ..بس في نفس الوقت حست إن ده كان لازم يحصل عشان "ياسين" يشوفها "فريدة" مش مجرد إنسان آلي بينفذ أوامر بس..!
دخلت حور الأوضة وهي شايلة علبة الغيارات..
لقت ياسين واقف قدام الشباك ضهره ليها..وساند إيده السليمة على الحيطة.. كان فيه هدوء غريب في وقفته..
حور بنبرة هادية..
_ ياسين.. أنا جيت أغير لك على الجرح.. فريدة قالت لي إنك مستنيني.
ياسين التفت ليها بس صوته طلع محمل بضيق مكتوم..
= تعالي يا حور.. شوفي الشغل ده ..
قعد ياسين وبدأت حور تفك الشاش القديم بحذر..كانت إيدها بتترعش شوية وهي شايفة الجرح.. ياسين لاحظ توترها.. سكت لحظة وبعدين قال بهزار بسيط..
= مالك يا حور..؟ أنتي متعودة مش أول مرة يعني المفروض قلبك جامد.. !
حور رفعت عينها ليه وقررت تستغل اللحظة دي وهو هادي ..
_ مش شايف إنه جه الوقت تدي لنفسك ولنا فرصة جديدة.. مينفعش تفضل حابس نفسك في قفص الماضي اللي قفلته على قلبك ده.. بقلم فاطمة شلبي الوجع بيزيد لما بنداريه يا ياسين والكل هنا بيحبك وأنت عارف كده كويس .
ياسين شد إيده منها فجأة وقام وقف بعصبية بدأت تظهر..
= هو فيه إيه بالظبط..؟! هو يوم ''الحكمة العالمي'' النهاردة ولا إيه؟.. كل واحد جاي يرمي كلمتين ويمشي..!!
حور اتخضت من رد فعله بس سألت بفضول..
_ مين تاني اتكلم معاك يا ياسين..؟
ياسين سكت فجأة.. صورة فريدة وهي واقفة قدامه بمنطقها وقوة عينيها حضرت في خياله.. ضغط على سنانه وقال ببرود حاول يداريه..
= مفيش.. كلام ملوش لازمة.. انزلي يا حور شوفي وراكي إيه في المطبخ بدل الرغي ده.. أنا تعبان ومحتاج أنام ساعتين.. وصحيني بعد العصر عشان ورايا شغل في المكتبة قبل الفطار.
حور فهمت إنها لو ضغطت أكتر الخناقة هتكبر.. وهي لسه تعبانة ومش حمل زعيق.. لمّت حاجتها وهزت راسها بطاعة..
_ حاضر يا ياسين.. ريح أنت وأنا هصحيك في المعاد.
نزلت حور والحيرة واكلاها.. دخلت المطبخ لقت فريدة واقفة مع زينة بيجهزوا الخضار.. فريدة بصت لها بلهفة كأنها بتشوف رد فعل كلامها مع ياسين في ملامحها... بقلم فاطمة شلبي بس فريدة في سرها كانت عارفة إن كلامها "عَلّم" مع ياسين..وإنه مبقاش قادر يهرب من المواجهة حتى مع نفسه..!
_____________________//_________//_______
بعد العصر...
البيت هادي تماما مع تعب الصيام..مفيش غير صوت خفيف في المطبخ وصوت الراديو البعيد بيبث قرآن ما قبل المغرب.
حور خبطت بالراحة على باب أوضته..
_ ياسين.. العصر أذن يا أخويا.. قوم عشان تلحق تخلص اللي وراك
قام ياسين بوجع كتفه كان لسه مأثر على حركته.. بس هو اتعود يدوس على وجعه...اتوضى وصلى وطلع السلم بهدوء ..لركنه الهادي في المكتبة.
أول ما دخل وقفل الباب.. عينيه اللي متعودة على أدق التفاصيل لقطت "حركة غريبة".. فيه كتاب زاح شوية عن مكانه والكرسي متحرك وريحة "عطر هادي" كانت لسه معلقة في الهوا ومختلطة بريحة الورق.
ياسين بابتسامة سخرية ..
_ فريدة.. مفيش غيرها..هي اللي عندها الجرأة دي..
كان لسه هيتعصب..بس افتكر مناقشات الصبح.. وحس إنه ملوش "روح" يدخل في مناهدة فكرية تانية وهي صايمة وهو مصاب.. قرر يأجل الحساب لبعد الفطار.
قعد على مكتبه..فتح "الدفتر الأسود" الشهير..كتب فيه كام سطر بتركيز..قفله بعناية..ورجعه مكانه .
قام وراح لركن في المكتبة فيه صندوق خشبي كبير ومزخرف.. صندوق جده "صالح"...فتحه وطلع منه شوية صور قديمة.. صور ليهم وهم أطفال..صور لمحمود وهو بيقع في الطين وياسين بيضحك عليه.. وصورة لحور وهي ماسكة عروستها وبتضحك
ياسين ضحك ضحكة صافية نادرة وهو بيقلب في الذكريات.. لحد ما إيده وقعت على صورة معينة.. صورته هو ومحمود وحور وهم صغيرين..وواقفة وراهم "رانيا"..كانت بتضحك من قلبها وهي حاطة إيدها على كتف ياسين الصغير.
فجأة..الضحكة اختفت من وشه.. وعينيه أسودت.. موقف قديم وشريط ذكريات "مؤلم" مر قدام عينيه كأنه بيحصل دلوقتي.. سابها في الصندوق بقسوة وقفل غطا الصندوق بقوة عملت صوت عالي في المكان.
حس إن جدران المكتبة بدأت تضيق عليه.. وإن ريحة الماضي بتخنقه.. نفض الأفكار دي من دماغه بعنف..ولبس الجاكت بتاعه وطلع من المكتبة..
لازم أشم هوا.. الأرض أرحم من الخنقة دي.
نزل الحوش بخطوات سريعة.. من غير ما يبص لحد..وخرج من البوابة ناحية "الغيط"..بيدور على السكوت اللي في الزرع عشان يهرب من الصراخ اللي جوا قلبه.
فريدة كانت واقفة في المطبخ ولمحت "ياسين" وهو خارج من الباب الخلفي بخطوات سريعة ووشه ميتفسرش.. كان باين عليه إنه "مخنوق"..
قررت في ثانية إنها مش هتسيبه يهرب لفت طرحتها بسرعة وجريت وراه.. بس صوت محمود وقفها وهو داخل الحوش..
_ على فين يا دكتورة..! المغرب قرب.. رايحة فين لوحدك في الوقت ده..؟
فريدة حاولت تبان طبيعية وقالت له.د
= حابة أشوف منظر الغروب وسط الأرض لو مفيش مانع.. بيقولوا بيبقى له شكل جميل أوي..ممكن أخرج أتمشى شوية..؟
محمود بص لها بهدوء..
_ معاكي حق.. بس مينفعش تمشي لوحدك.. استنيني دقيقة واحدة أغير هدومي وأجي معاكي.. مش هأخرك
وفعلا.. استنته ونزل محمود وخدها وطلعوا من الباب اللي خرج منه ياسين.. وهما ماشيين وسط الزرع والهدوء .. فريدة لمحت من بعيد خيال قاعد على "جذع نخلة" قديمة مايلة ناحية الزرع..
كان ياسين قاعد مدي ضهره لكل حاجة..وسرحان في الخضرة والمدى الواسع..وشكله كان يوحي بحزن "تقيل" مبيطلعش وقت عصبيته أو أوامره..فريدة قلبها دق وقالت لمحمود بصوت واطي
_ محمود.. تعالى نقعد معاه.. شكله شايل الهم لوحده.
محمود مسك إيدها برفق ومنعها تكمل..
= بلاش يا فريدة.. ياسين لما بيقعد القعدة دي بيبقى مش حابب حد يدخل في دايرته... خلينا بعيد أحسن.
فريدة اتعصبت بجد.. ووقفت مكانها وقالت بحدة مكتومة..
_ هو فيه إيه يا محمود..؟! أنا حاسة إن ياسين ده بقى ''بعبع'' البيت.. كله بيعمل له حساب..وكله خايف يدخل معاه في نقاشات أنا عاوزة أفهم هو ماله..؟ بقلم فاطمة شلبي أنا مش غريبة عنكم عشان تخبوا عليا كده.. أنا فاكرة كويس لما كنت باجي وأنا صغيرة..كنا بنلعب سوا وياسين كان مرح وبيضحك وبيلعب معانا .. إيه اللي حوله لكتلة حجر كده..!
محمود ملامحه اتغيرت..وبص لياسين اللي بعيد وقال بنبرة مليانة غموض..
= ياسين اللي كنتي تعرفيه يا فريدة.. مش اللي قدامك دلوقتي ده واحد تاني خالص.
فريدة بصت له بذهول وسألت..
_ يعني إيه..؟ حصل إيه غيره كده..!
محمود بصلها نظرة أخيرة وقال بقوة..
= لو عاوزة تعرفي يا بنتي.. اسألي ياسين نفسه..لو رضي يفتح لك قلبه ويحكي لك.. يبقى أنتي عملتي معجزة.. بس لو شفتي منه رد فعل تاني ميعجبكيش.. يبقى تتحملي نتيجة فضولك..
سكت محمود ومشي قدامها ..عشان يكملوا طريقهم بعيد عنه وفريدة مشيت معاه بس عينيها كانت لسه متعلقة بـ "المجهول " اللي قاعد لوحده.. وحست إنها المرة دي مش بس عاوزة تكتشف لغز.. دي عاوزة "تداوي" الوجع اللي شافت ملامحه في قعدته دي.
________//_______//_________//_________//______
على سفرة الفطار..
كان الكل متجمع.. بس "الروح" اللي كانت موجودة أول يوم رمضان اختفت..وحل مكانها صمت تقيل مبيقطعهوش غير صوت المعالق .
ياسين كان قاعد على رأس التربيزة..ملامحه هادية بزيادة..عينه في طبقه وإيده السليمة بتتحرك ببطء.. وكأنه مش موجود في المكان.. فريدة وحور وزينة قاعدين جمب بعض..ملامحهم باهتة والهمس اللي بين محمود وأنس كان بيقطع السكون بالعافية ويرجع يختفي تاني.
فريدة مكنتش طايقة القعدة دي.. هي اتعودت إن الفطار يعني ضحك وحكاوي..حاولت تفتح كلام تلطف الجو بكلمتين عن الأكل وعن لمة العيلة..بس الردود كانت بتيجي "على قد السؤال" والهدوء كان بيرجع يفرض سيطرته كأنه "سيد البيت".
بعد الفطار..
البيت بدأ يتحرك بآلية غريبة.. الجدة إيمان بصت لفريدة بحنان وقالت لها..
| قومي يا بنتي اعملي لنا الشاي.. ولمي العيلة في الحوش.. يمكن القعدة تحلو شوية.|
فريدة قامت..جهزت الصينية وهي بتفكر في "نظرات" ياسين اللي كانت مراقباها طول الفطار.. راحت الحوش..وزعت الشاي على الكل.. ووصلت لحد ياسين اللي كان قاعد بعيد شوية.. ساند ضهره ومغمض عينه كأنه بيستجمع قوته.
مدت له الكوباية..وقررت إنها مش هتسكت المرة دي..
_ شاي سيادة الرائد..من غير سكر وفيه نعناع.
ياسين فتح عينه.. أخد الكوباية ونطق بكلمة واحدة
"شكراً.."
فريدة فضلت واقفة وقالت بنبرة فيها محاولة لفتح كلام..
_ إحنا شفناك في الأرض قبل المغرب.. محمود قالي إنك بتحب تقعد هناك لوحدك.
ياسين بص لها وشرب شفطة من الشاي وقال ببرود..
= وإيه الغريب..؟ ما ده مكاني.. الأرض هي الحاجة الوحيدة اللي مش بتضرني في شيء..!
فريدة رفعت حاجبها..
_ زي المكتبة كده..؟
ياسين ثبت نظره في عينيها..والجو فجأة بقى مشحون.. وقال بنبرة فيها تحذير..
= أيوه.. زي المكتبة.. بس يا ريت ''الفار'' اللي بيفتش ورايا هناك يخف حركة شوية.. عشان هيتعب نفسه على الفاضي وممكن يقع في مصيدة ميعرفش يخرج منها..!
فريدة حست بدمها هرب واتوترت جدا..بس حاولت تبان قوية
_ فار.. ومصيدة إيه ؟ أنت تقصد إيه يا ياسين..!
ياسين قام وقف بوقاره المعتاد.. وبص لها ببرود..
= مقصدش حاجة.. أنا مجبتش سيرة حد يا دكتورة ده كلام عام.. عن إذنك..صلاة التراويح قربت.
سابها واقفة في مكانها..كوباية الشاي في إيدها.. وقلبها بيدق بعنف.. هو "كشفها" فعلا.. وعرف إنها دخلت المكتبة..بس الأسلوب اللي رد بيه كان فيه كمية "غموض" وتحدي خلت فريدة تحس إن في حرب بينهم .
صلاة التراويح خلصت..
والهدوء رجع يرفرف على البيت من تاني.. فريدة وزينة رجعوا ومعاهم أنس.. والجو كان فيه نسمة هواء باردة تريح الأعصاب بعد يوم طويل.
أول ما دخلوا من البوابة لفت نظرهم محمود وهو واقف مستنيهم.. ملامحه كانت جد بزيادة شاور لأنس وقال بنبرة هادية بس قوية..
_ أنس.. تعالى عاوزك في كلمتين ..
فريدة وزينة بصوا لبعض ودخلوا البيت.. وسابوا أنس مع محمود في ركن بعيد في الحوش.. محمود حط إيده على كتف أنس اللي بيعتبره أخوه الصغير وبدأ يعاتبه بلهجة حازمة...
_ يا أنس.. أنت كبرت...ومبقتش العيل اللي بيجري ورا صحابه وبينسى أهله.. زينة أختك أمانة في رقبتك.. البيت ده في غياب ياسين أو انشغالي أنت اللي مسؤول عنه... لازم تشيل المسؤولية أكتر من كده.. مفيش حاجة اسمها سبقتها ورحت لصحابي..وهي تيجي بقا لوحدها دروسها مينفعش.. مفهوم..!
أنس وقف يسمع لمحمود بهدوء مبالغ فيه..ملامحه مكنش فيها اعتراض.. بالعكس.. كان باين عليه الاحترام والتقدير لكلام أخوه الكبير.. هز راسه وقال كلمتين..
= حقك عليا يا محمود.. عندك حق..وأوعدك مش هتكرر تاني..
محمود ارتاح لرد فعل أنس..وسابه يطلع..وقرر يخرج يسهر مع صحابه شوية يشم هوا قبل السحور.. بس وهو خارج.. كان فيه "نظرة" في عين محمود غريبة..كأنه بيفكر في حاجة تانية خالص..!
على الجانب التاني..
فريدة كانت طالعة أوضتها بخطوات هادية..وهي بتعدي من قدام أوضة ياسين..لقت الباب موارب ..على غير العادة..!
وقفت مكانها فجأة لما سمعت صوت "قرآن" طالع من جوه.. صوت رخيم.. هادي..وتلاوة متقنة بلمسة حزن بتخطف القلب.. ده صوت ياسين وهو بيصلي لوحده في أوضته.. فريدة اتجمدت..قلبها بدأ يدق بسرعة وهي بتسمع تتابع الآيات بصوته اللي كان "بيطمن" الروح عكس "رعد" كلامه اللي بيخوفها..!
فريدة همست لنفسها بذهول وهي مراقبة خياله من ورا الباب..
_ مش ممكن.. هو ده نفس الشخص..؟! الصوت ده ميطلعش غير من قلب طيب أوي.. قلب مليان حنية وخشوع.. ازاي بقى بيظهر قدامنا بالملامح الحادة والقناع الحجري ده..!
حست إنها بدأت "تتوه" أكتر في شخصيته.. التناقض اللي فيه كان بيشدها ليه بغرابة...وبدأت تحس إن وراه حكاية أغرب من هي متخيلاها.
_______________<_________<___________
فريدة كانت محتاجة "مرسى" تطمن فيه...وملقتش أحن من حضن جدتها "إيمان".. راحت لها الأوضة..والجدة استقبلتها بابتسامة صافية وفتحت لها دراعاتها..
"تعالي يا فريدة... الأوضة نورت بيكي ياحبيبتي.."
فريدة نامت في حضنها..وحاولت تدردش معاها شوية .. عن ياسين وهو صغير..عن عمتها رانيا..بس جدتها إيمان كانت حكيمة ردودها كانت عامة.. بتطمن قلب فريدة من غير ما تفتح أي مواضيع قديمة..
"نامي يا حبيبتي.. القلوب بين إيدين ربنا..والليل مهما طال لازم الشمس تطلع وتدفي البيوت.."
فريدة استسلمت للنوم الهادي في حضن جدتها..وصحيت قبل السحور بنشاط.. وراحت المطبخ تساعد حور في تجهيز
"صواني السحور"
وسط سكون المطبخ ودردشة البنات.. دخل ياسين بخطواته الرزينة.. ملامحه كانت مجهدة ..
_ حور.. اعملي لي كوباية قهوة بسرعة ورايا شغل ضروري مع .. "آدم" صاحبي في الأرض بعد السحور ..
حور ردت بأدب..
"حاضر يا ياسين.. ثواني وتكون عندك.."
ياسين سابهم وطلع.. وفريدة حست إن دي "الفرصة" اللي كانت مستنياها...بصت لحور وقالت بسرعة..
_ خليكي أنتي في السحور يا حور.. أنا هعمل له القهوة وأطلعها..
حور ابتسمت بخبث وقالت..
" ماشي يا دكتورة.. بس خلي بالك..بيشربها "سادة " والمهم الوش يبقى مظبوط.. مبيحبش الغلط في قهوته.
فريدة جهزت القهوة بتركيز..وريحتها كانت قالبه المكان.. مسكت الصينية وطلعت السلم.. وقلبها بيدق مع كل درجة.. هي دلوقتي رايحة تواجه التناقض اللي جننها..!
وصلت قدام أوضته..
الباب كان موارب .. خبطت ودخلت لقت ياسين قاعد ورا مكتبه الصغير..ملامحه رجعت حادة وناشفة تاني تحت ضوء الأباجورة الضعيف.
حطت القهوة قدامه وقالت بصوت هادي وثابت..
_ اتفضل القهوة السادة.. زي ما بتشربها..
ياسين رفع عينه ليها..واستغرب إنها هي اللي طالعة..
= شكرا يا فريدة.. تعبتي نفسك ليه..؟؟!
فريدة فضلت واقفة قصاده..وبصت في عينه مباشرة وقالت
_ ياسين.. أنا كنت معدية بالصدفة وسمعتك وأنت بتصلي التراويح لوحدك.. سمعت صوتك وأنت بتقرأ قرآن.
ياسين رد ببرود..
= وبعدين.. إيه المطلوب..؟!
فريدة كملت بشجاعة..
_ المطلوب إني أفهم.. ازاي صاحب الصوت الخاشع الهادي ده اللي بيطلع من قلب مليان إيمان وطيبة.. يقدر يلبس ''قناع الحجر'' ده قدامنا..؟
ازاي بتظهر بالقسوة دي وأنت جواك كل الحنية دي يا ياسين..؟ أنت بتداري إيه ورا القناع ده..؟
ياسين سكت تماما.. عينه كانت بتلمع بلمعة غريبة تحت الضوء.. وحس إن فريدة المرة دي "لمست" حتة هو بقاله سنين دافنها.. ساب القلم من إيده.. واتنهد تنهيدة طويلة...وبدأ يغير نبرة صوته تماما..
نبرة صوته نزلت لدرجة هادية ومكتومة.. كأنه بيكلم نفسه مش بيكلمها..
= مش كل حاجة بتظهر مننا يا فريدة بتبقى بمزاجنا.. ساعات في ظروف بتجبر الواحد يلبس وش مش وشه.. لحد ما يصدق هو نفسه إنه بقى كده.. وييجي وقت ينسى أصلا هو كان مين في الأول..وليه بيعمل كل ده..!
فريدة كانت بتسمعه باهتمام وبأنفاس محبوسة..أول مرة تحس إن الحواجز اللي بانيها بتهبط.. ياسين كمل وهو باصص للفراغ بنظرة فيها انكسار داراه بسرعة..
بص لها فجأة بعيون كانت "تايهة" لثانية قبل ما يرجع لها الجمود تاني وقال..
= انزلي يا فريدة.. السحور زمانه جهز..وأنا ورايا شغل مش بيستنى.. اطلعي واقفل الباب وراكي.
برا في الحوش ..
محمود دخل البيت بهدوء ..ولمح زينة قاعدة في ركنها المعتاد في الحوش.. سارحة في كتاب قدامها والإضاءة الضعيفة حواليها.. قرب منها بخطوات هادية..و كان شايل في إيده علبة صغيرة مغلفة بذوق..
وقف قدامها ومد إيده بالعلبة وهو بيبتسم نص ابتسامة..
_ زينة.. ممكن تقبلي مني الهدية دي.
زينة رفعت عينها باستغراب..الصدمة خلتها تسكت لثواني.. مدت إيدها وبصت للهدية ولمعة الفرحة ظهرت في عينها..
= شكرا يا محمود.. بس أي المناسبة ..؟
محمود حس براحة غريبة لما شاف ملامحها لانت..وحس إنه قدر أخيرا ..يكسر التوتر اللي كان بينهم..
_ عيد ميلادك بعد بكره حبيت أهاديكي أول واحد ..
زينة خبطت على رأسها بصدمة ..
= يااه ده أنا كنت ناسية..شكرا بجد .
في الوقت ده.. كان الكل بدأ يتجمع على السحور.. الصينية الكبيرة اتحطت...والمرة دي الجو كان مختلف تماما.
محمود بص لياسين اللي كان لسه نازل من أوضته ووشه هادي.. وبص للعيلة وقال بحماس..
_ بقولكم إيه.. بكره الفطار هيكون في الحوش هنا .. أنا وياسين هنعزم صحابنا زي كل سنة..عاوزين سفرة تشرف وتلم الحبايب كلهم.
ياسين هز راسه بالموافقة وهو بيشرب ..
= تمام يا محمود.. أنا كلمت آدم وصحابنا كلهم والرجالة هينورونا.
فجأة.. الضحك والهزار بدأ يتسرب للقعدة.. فريدة وحور ومحمود بدأوا يتنافسوا مين اللي هيعمل الأصناف الأحلى.. وفريدة كانت بترمي إفيهات خفيفة خلت حتى رانيا تبتسم من قلبها.
روتين "الصمت" انكسر.. وكأن البيت كان مستني "نسمة" تخرجه من اللي فيه.
_________________//_________//____________
الساعة دقت ١٠ الصبح..
والبيت كله غرقان في تحضير العزومة بس فريدة كان عقلها لسه شغال .. الفضول كان بياكلها تعرف أكتر عن "الرائد" اللي ملامحه بتتغير في ثانية من الحجر للضحك الصافي.
طلعت السطوح تتسحب..الهوا البارد لمس وشها.. ولما بصت ناحية السور لقت خيال طويل واقف وساند ضهره.. كان ياسين. واقف ومغمض عينيه كأنه بيستنشق السكون اللي في الجو.
ياسين.. بحسّه العسكري اللي مبيخيبش.. عرف إن فيه حد طلع.. ومن غير ما يفتح عينه.. بقلم فاطمة شلبي ارتسمت على شفايفه ابتسامة هادية..بقى يحس بوقع خطوات فريدة ويحفظ "هيبتها" في المشي من غير ما يشوفها.
قال بنبرة رخيمة فيها سخرية لذيذة..
_ تعالي يا فريدة.. المصيدة مفتوحة أهي..مش كنتي بتدوري عليها..؟
فريدة اتخضت واتسمرت مكانها.. والتوتر بدأ يظهر في صوتها..
= مصيدة إيه...؟! أنا.. أنا كنت طالعة أشم هوا بس.. الجو تحت كان خنقة.
ياسين ضحك.. المرة دي ضحك بصوت مسموع.. ضحكة خلت فريدة بصتله بذهول.. أول مرة يضحك "قدامها" وبالقرب ده.
فتح عينه وبص لها بنظرة فيها "ذكاء" يخرس أي كدب..
_ أيوه ما أنا عارف إنك طالعة تشمي هوا.. زي ما شميتي هوا كده في المكتبة وأنا مش موجود.. أنتي فاكرة إني مخدتش بالي إنك دخلتي وفتشتي في ورقي..؟
فريدة اتوترت جدا.. وإيدها بدأت تترعش بخفة..حركة ياسين لاحظها بقلق.. شاف الرعشة دي وتكرارها معاها كل ما بتتوتر.. كان لسه هيسألها "مالك؟" بس فضل السكوت عشان ميحرجهاش..
فريدة حاولت تلم الموضوع وقالت بصوت مهزوز..
= أنا بس.. كان نفسي أشوف كتب جدي صالح.. مكنتش بقصد أفتش وراك .
ياسين المرة دي استقبل ردها بهدوء غير متوقع.. هدوء خلى فريدة تشك في نفسها.. قام من مكانه وشاور لها تتبعه..
_ طب تعالي.. مفيش داعي للسرقة طالما ممكن تطلبي.
فتح الباب اللي كان دايما مقفول في وشها.. وبدأ يدور بين الأرفف بعناية.. طلع كتاب قديم بغلاف جلدي فخم..ومده لها..
= ده من أحب الكتب لقلب جدي.. اقرئيه يا فريدة.. لغته قوية بس ياريت يرجع مكانه في نفس الزاوية لما تخلصي.
فريدة أخدت الكتاب منه بذهول... بصت له بامتنان وقالت بصوت رقيق..
_ شكرا يا ياسين.. بجد شكرا..
خرجت من المكتبة وهي حاسة إن الجبل اللي كان بينها وبينه بدأ يتفتت.. فيه جانب "كويس" أهو..جانب بيعرف يحتوي الفضول بالثقافة مش بالزعيق.. بس السؤال.. ليه ياسين وافق يفتح لها مملكته الخاصة النهاردة بالذات؟!
فريدة نزلت الحوش
وهي شايلة الكتاب كأنها شايلة كنز.. مش مصدقة إن الحصون اللي ياسين بانيها بدأت تنهار بالبساطة دي.. قعدت في ركنها المفضل.. فتحت أول صفحة..وريحة الورق القديم بدأت تسحبها لعالم جدها "صالح".
وهي غرقانة في القراءة.. سمعت صوت خبطة بوابة البيت.. كان محمود راجع من برا ..أول ما شافها قاعدة وماسكة كتاب ضخم بجلدة قديمة.. وقف مكانه وضرب كف بكف وهو بيضحك..
_ يا نهار أبيض..! أنتي لسه بتدوري ورا ياسين يا فريدة..؟ ده لو لقطك ومعاكي كتاب من ممتلكاته الخاصة..مش بعيد يرجعك القاهرة ..للأبد وميخليكيش تشوفي عتبة البلد تاني..!!
فريدة رفعت عينيها من الكتاب وهي بتضحك بانتصار حقيقي وقالت له.
= فاتك كتير يا حودة.. ياسين نفسه هو اللي طلعهولي من المكتبة بإيده..وقالي اقرئيه ورجعيه مكانه.. شفت بقى..!
محمود وقف مذهول..ملامحه اتغيرت من الضحك للدهشة الحقيقية..وقرب خطوتين وهو مش مصدق..
_ ياسين..؟! ياسين فتح لك مملكته واداكي كتاب..؟ لا ده إحنا كده دخلنا في الجد.. بقلم فاطمة شلبي تعرفي يا فريدة أنتم بتفكروني بكرتون الجميلة والوحش بالظبط.
فريدة بصتله بضحكة مكسوفة ومحمود كمل بقلش خفي..
بس الفرق بقا أن الوحش في الكرتون ده كان جايب لها مكتبة مليانة كتب ..لكن هنا مانعك تدخليها ..ربنا يستر من اللي جاي يا دكتورة..شكلك قدرتي تفكي أول عقدة في الحبل.
ضحك محمود وسابها وطلع يريح شوية قبل العزومة ..وفريدة فضلت مكانها.. كلمة "الجميلة والوحش" فضلت ترن في ودنها.
ضحكت في الأول.. بس فجأة الضحكة تلاشت وحل مكانها
"دقة قلب" قلقة.. هي فعلا بدأت تتحط في "مقارنة" مع ياسين..؟
وهل هي فعلا.. "الجميلة" اللي هتقدر تروض "الوحش" اللي جواه وتطلع الإنسان اللي جواه..!
خوف خفي بدأ يتسرب لقلبها.. خافت من التعلق..وخافت من إن "عش الدبابير" اللي ياسين حذرها منه يكون فعلا ملوش أمان..!
___________///_______///_______///________
" حين يجتمع الرفاق ويُفتح باب البيت للغرباء..ستنكشف أوراق لم يكن مسموحاً لفريدة أن تراها.. فهل ستتحمل "لدغة الدبابير"..؟
"لو كنتي مكان فريدة.. هتكملي وتفتحي الصندوق الأسود بتاع ياسين..؟ ولا هتخافي من تحذيره وتبعدي..؟"🫣
" مين فيكم حاسس إن ياسين ''مظلوم"' وإن القسوة دي مجرد درع بيحمي بيها نفسه وعيلته..؟ "
يا ترى إيه السر اللي خلى ملامح ياسين تتحول للسواد أول ما شاف صورة "رانيا" وهي بتضحك..؟ وهل رانيا هي مفتاح لغز قسوة ياسين؟!!🤔
بعد ما ياسين فتح "مملكته" لفريدة واداها كتاب جده.. هل دي بداية ثقة..ولا "فخ" عشان يراقبها وهي بتقرب من حقيقته؟!🫣
في الحوش مش مجرد أكل.. دي لمة صحاب ياسين.. هل هيظهر حد من الماضي يقلب موازين البيت؟!
وتفتكروا آدم ده هيبقى له دور في القصة..؟!!🤔
ياسين لاحظ رعشة إيد فريدة لما بتتوتر.. تفتكروا ليه مهتم بالتفاصيل دي؟ 😍🫣
وهل فريدة مخبية تعب أو سر هي كمان..؟🤔
محمود قال لفريدة "تتحملي نتيجة فضولك".. هل فريدة قد المواجهة فعلا..ولا "عش الدبابير" هيغلبها؟!!😱
لو خدتوا بالكم في قصة تحضر في هدوء " محمود وزينة " 😉😍
