رواية شمس حياتي الفصل الخامس5 بقلم نور محمد


رواية شمس حياتي الفصل الخامس5 بقلم نور محمد

الصدمة ألجمت لسان سليم، ويونس حس إن الدم كله هرب من عروقه واتجمع في دماغه. "عاصم" واقف بيبتسم ببرود، والورق في إيده كأنه ماسك صك ملكية أرواحهم، و"دُرّة" بتبص في وشوشهم بنظرة تشفي وغل متراكم من سنين.

يونس بغضب أعمى ولسه هيهجم على عاصم: "إنت جاي تبلطج في بيتنا يا ابن الـ(***)؟ ورق إيه وتنازل إيه؟ ده أنا أدفنك مكانك قبل ما تخطي عتبة الباب ده!"

سليم حط إيده على صدر يونس بقوة ورجعه لورا، وبصوت صارم يخوف: "اقف عندك يا يونس! نزل إيدك وماتتهورش.. الراجل في بيتي، والضيف حتى لو كان تقيل أو جاحد، بنعرف نرد عليه بالأصول."

سليم مد إيده بجمود، وخد الورق من عاصم. لبس نضارته وبدأ يقرأ. السطور كانت واضحة، توقيع عماد، بصمته، وتوثيق الشهر العقاري سليم ومفيش فيه أي ثغرة ظاهرة. عماد باع نصيبه في المصنع، ونصيبه في البيت العيلة الكبير لعاصم ابنه.

سليم رفع عينه وبص لدُرّة: "إنتي درة؟ اللي عماد اتجوزها في السر من يجي تلاتين سنة وطلقها عشان خايف من حماه ابو مديحه وابويا؟"

دُرّة ضحكت بوجع وقهر: "أيوة يا سليم بيه.. أنا درة اللي أخوك رماها في الشارع وهي حامل في ابنه البكري عشان يجري ورا فلوس وعز مديحة هانم. أخوك اللي استخسر فينا اللقمة، وخاف يواجه عيلته عشان ميخسرش الميراث. أنا شقيت وتعبت وربيت عاصم بدمي، ودلوقتي جينا ناخد حقنا المنهوب."

عاصم ببرود وتكبر: "كلام الماضي ده ملوش لازمة يا أمي. المهم دلوقتي الحاضر. أنا المالك الرسمي للنص التاني من كل أملاك عماد. والمصنع ده بتاعي أنا وإنت يا عمي سليم، بس بما إنك راجل كبرت في السن وبنتك تعبها واخدين كل وقتك، أنا اللي همسك الإدارة من بكرا الصبح. وبالنسبة للبيت.. إنتو قاعدين في شقتكم، بس شقة عماد دي بتاعتي، وأنا وأمي هننقل فيها من النهاردة."

في اللحظة دي، "زينة" كانت واقفة ورا يونس، عينيها مليانة دموع، وبتبص لعاصم ودرة برعب. درة لمحتها، وعينيها طلعت شرار.

دُرّة بقرف وهي بتشاور على زينة: "ودي بت مديحة بتعمل إيه هنا؟ إيه يا سليم، لميت بنت الحية اللي دمرت بنتك في بيتك؟ البت دي متقعدش في نفس البيت اللي أنا فيه، دي بنت الست اللي خربت حياتي!"

عاصم قرب خطوة ناحية زينة بنظرة احتقار: "اطلعي برا يا بت.. غوري شوفي أمك وأبوكي في أي داهية، ملكيش مكان وسطينا."

زينة جسمها كله اترعش، ودموعها نزلت وكأن الدنيا كلها بتطردها. لسه هترجع لورا عشان تمشي، لقت إيد قوية بتمسكها من دراعها وتشدها لحضنه. كان يونس.

يونس بصوت هز أركان البيت، وعينيه مثبتة على عاصم زي الصقر: "البت دي خطيبتي، وفي حمايتي وحماية راجل البيت ده. واللي هيفكر يبصلها بطرف عينه أو يرفع صوته عليها، هقلعله عينيه وأقطعله لسانه، حتى لو كان معاه ورق يثبت إنه مالك الدنيا كلها. زينة بنت سليم من النهاردة، ومحدش يقدر يطردها من هنا."

زينة بصت ليونس بذهول، قلبها دق بعنف كأنه هيخرج من ضلوعها. يونس بيعلن خطوبتهم قدام الكل عشان يحميها؟ سليم ابتسم برضا خفي على رجولة ابنه، رغم قتامة الموقف.

سليم بجمود وثبات: "سمعت كلام ابني يا عاصم؟ زينة في حمايتي. أما بالنسبة للورق.. فالورق ده هياخد مجراه القانوني. المحاكم موجودة، والورق ده مش هيمشي على رقبتي كدا بالساهل. شقة أبوك مقفولة بالشمع الأحمر بأمر النيابة لحد ما التحقيقات تخلص، فمفيش نقل النهاردة. والمصنع.. المصنع ده أنا اللي بنيته طوبة طوبة، ولو فاكر إنك هتدخل تبلطج فيه، تبقى لسه متعرفش مين هو سليم. اتفضلوا من غير مطرود."

عاصم جز على أسنانه بغيظ، بس عرف إن سليم مش الراجل اللي بيتهدد بسهولة. خد أمه وانسحبوا بعد ما رمى نظرة وعيد ليونس.

في غرفة شمس
شمس كانت سامعة كل اللي بيحصل برة. الكلمات كانت بتوصلها متقطعة بس فهمت المصيبة الجديدة. 

نعيمة دخلت الأوضة بتبكي وتلطم في صمت عشان شمس متشوفهاش، بس شمس كانت قاعدة على سريرها، ملامحها متغيرة. الانكسار اللي كان في عينيها بدأ يتحول لغضب وتحدي.

شمس بصوت ثابت:"ماما.. امسحي دموعك."

نعيمة بخضة:"إنتي سمعتي يا حبيبتي؟ حقك عليا يا بنتي، المصايب عمالة ترف علينا من كل حتة، وأبوكي وأخوكي هينفجروا."

شمس مسكت إيد أمها بقوة غير متوقعة:"بابا ويونس مش هينفجروا طول ما إحنا واقفين في ضهرهم يا ماما. أنا مش هفضل نايمة على السرير ده أعيط على اللي حصلي. عماد ومديحة ونوح بياخدوا جزاهم، وجابر هيتعدم.. أنا لسه حية، ولسه بتنفس. ومش هسمح لواحد زي عاصم ده ييجي يكسر أبويا تاني."

دخلت زينة الأوضة في اللحظة دي، مكسوفة ومترددة بعد الموقف اللي حصل برا، ووشها أحمر من كلمة "خطيبتي" اللي يونس قالها.

زينة بارتباك:"شمس.. إنتي كويسة؟"

شمس فتحت دراعاتها لزينة بابتسامة دافية:"تعالي يا مرات أخويا."

زينة جرت على شمس وارتمت في حضنها، والاتنين فضلوا يعيطوا، بس المرة دي كان عياط راحة ودعم.

شمس وهي بتمسح دموع زينة:"أنا هنزل الجامعة الأسبوع الجاي. هرجع أكمل حياتي. وإنتي هترجعي معايا عشان نكمل دراستنا. وإياكي أشوفك مكسورة.. يونس راجل، واختارك لأنك نضيفة وقوية. إحنا هنبقى السند لبعض، فاهمة؟"

زينة هزت راسها بفرحة ممتزجة بالبكا. لأول مرة تحس إن ليها عيلة بجد، عيلة مش بتستغلها ولا بتبيعها.

في مكتب المحامي "أستاذ محمود" (مساء نفس اليوم)

سليم قاعد قدام المحامي، ورمى الورق على المكتب، ويونس قاعد جنبه بيهز رجله بعصبية.

سليم بتعب:"أنا مش فاهم حاجة يا محمود. عماد لحق إمتى يكتب كل ده لعاصم؟ ده مقبوض عليه من يومين بس!"

المحامي محمود وهو بيفحص الورق بنضارته:"تاريخ التوثيق يا حج سليم قديم.. من قبل ما عماد يتمسك بأسبوعين تقريباً. ده معناه حاجة من الاتنين: إما عماد كان ناوي يهرب ويسيب البلد قبل ما الموضوع يتكشف ومجهز نفسه، أو إن عاصم كان بيهدده بحاجة وخلاه يكتبله كل حاجة."

يونس باندفاع: "يعني إيه؟ خلاص كدا المصنع نصه راح لواحد بلطجي منعرفوش؟"

محمود ابتسم بخبث قانوني: "مين قال كدا؟ القانون فيه ألف ثغرة يا يونس. أولاً، ده اسمه في القانون 'بيع صوري' بهدف تهريب الأموال. عماد عارف إن بنتك شمس من حقها ترفع دعوى تعويض مدني ضخمة جداً بسبب اللي حصلها، وعارف إن نصيبه في المصنع ممكن يتحجز عليه. فقام ناقل الملكية لابنه.

سليم بانتباه:"يعني أقدر أوقف الورق ده؟"

محمود:"أقدر أعملك 'حجز تحفظي' فوري على أملاك عماد، وأطعن في صحة التوقيع وصورية العقد. وبكدا، عاصم ده ملوش حق يتصرف في مسمار واحد في المصنع لحد ما المحكمة تفصل في القضية الجنائية بتاعة عماد. الأهم من ده، حق الشفعة يا حج سليم. إنت شريك في المصنع، والقانون بيديك الحق إنك تشتري نصيب عماد قبل أي حد غريب، وعاصم يعتبر طرف خارجي لو أثبتنا إن نية البيع كانت تجارية مش ميراث."

سليم اتنهد براحة لأول مرة. "توكل على الله يا محمود.. اعمل كل اللي تقدر عليه. أنا مش هسيب شقا عمري لواحد نصاب."
روايه شمس حياتي بقلمي نور محمد 

في السجن - غرفة الزيارة
عماد قاعد بلبس الحبس الاحتياطي الأبيض، دقنه طولت، وملامحه بهتت وعجز عشر سنين في كام يوم. الباب اتفتح، ودخل "عاصم" ببدلة شيك جداً وابتسامة انتصار مرسومة على وشه.

قعد عاصم قدام أبوه وحط رجل على رجل.

عماد بلهفة وكسرة: "عاصم يا ابني.. جيت أخيرًا. عملت إيه؟ رحت للمحامين الكبار اللي قولتلك عليهم؟ سليم أكيد هيحاول ياخد تعويض كبير عشان شمس، والورق اللي مضيتهولك ده هو طوق النجاة. إنت لازم تبيع نصيب المصنع بسرعة، وتهربلي الفلوس بره أو تصرف منها على القضية عشان تخرجني من هنا."

عاصم بصلو ببرود، وطلع سيجارة ولعها، ونفخ الدخان في وش أبوه .

عاصم بسخرية: "أخرجك؟ وأخرجك ليه يا عماد بيه؟"

عماد اتصدم ومفهمش: "إنت بتقول إيه يا واد؟ أنا أبوك! والورق اللي معاك ده أنا عامله صوري عشان نحمي الفلوس!"

عاصم ضحك بصوت عالي لدرجة إن العسكري بصله: "أبويا؟ تصدق كلمة غريبة أوي على ودني! أبويا اللي رماني أنا وأمي في الشارع عشان خايف من حماه؟ أبويا اللي سابني أشتغل صبي ميكانيكي وأنا طفل عشان أصرف على أمي، وهو عايش في القصور وبيركب أحدث عربيات مع مديحة هانم ونوح بيه؟"

عماد وشه جاب ألوان وحس إن الأرض بتتشق تحته.

عاصم قرب بنظرة شيطانية:"أنا خططت للحظة دي من سنين. لما لقيتك واقع في ورطة وبتحاول تهرب فلوسك من التعويضات والمحاكم، عملت نفسي الابن البار اللي هيشيل عنك الليلة. بس الحقيقة إن الورق ده حقيقي جداً، والفلوس دي تعويض ليا أنا وأمي عن كل يوم جوعناه وذل شفناه بسببك."

عماد بانهيار ودموع : "يا خاين! يا كلب! أنا وثقت فيك! ده أنا كتبتلك كل حاجة!"

عاصم وهو بيقوم ويقفل زرار الجاكيت ببرود: "تؤ تؤ.. العصبية غلط على صحتك في المكان الضيق ده. استمتع بأكلك وشربك هنا.. إنت ومديحة وابنك المشلول.. وأنا هروح أستمتع بفلوسك، وأدمر سليم وابنه عشان أخلص من العيلة دي كلها وأبقى أنا السيد الوحيد. سلام يا.. يا والدي العزيز."

عاصم مشي، وعماد وقع على الكرسي بينهج، قلبه بيعتصر من الألم. الخيانة لما تيجي من الدم بتبقى قاتلة. خسر أخوه، ومراته باعته، وابنه الأول سرقه، وابنه التاني اتشل واتفضح. دي كانت نهاية طريق الشر.
روايه شمس حياتي بقلمي نور محمد 

في المصنع - صباح اليوم التالي
يونس وصل المصنع بدري كعادته، لابس لبس الشغل وبيتابع المكن والعمال. العمال كلهم بيحبوا يونس وسليم عشان بيعاملوهم بما يرضي الله.

فجأة، دخلت عربيتين جيب سودا، ونزل منهم "عاصم" ومعاه حوالي خمسة بلطجية بأجسام ضخمة. عاصم دخل المصنع كأنه الفاتح العظيم، العمال وقفوا شغل وبصوله باستغراب.

عاصم بصوت عالي: "فين مكتب الإدارة هنا؟ وقفوا المكن ده كله، أنا المالك الجديد وعندي قرارات جديدة!"

يونس كان واقف على السلم الحديد بتاع الدور التاني، سمع الصوت، ونزل ببطء، وشه هادي جداً على غير العادة، إيديه في جيوبه، ونظرة ثقة في عينيه.

يونس بابتسامة مستفزة:"خير يا عاصم بيه؟ جايب فرقة المزمار البلدي دي كلها وجاي تنورنا من الصبح ليه؟"

عاصم بشراسة:"إنت لسه هنا يا يونس؟ أنا مش قولتلك إمبارح أنا اللي همسك الإدارة؟ لم حاجتك وإنت وأبوك واطلعوا برا، وإلا العمال دول هيرموكم برا."

يونس ضحك بصوت عالي ولف للعمال: "سمعتوا يا رجالة؟ عاصم بيه بيقولكم ارموني برا!"

العمال كلهم (وهم أكتر من 50 عامل) قربوا من يونس، ووقفوا في ضهره زي الحيطة السد.

"الريس يونس ده ابننا، والريس سليم أبونا، واللي يفكر يمس شعرة منهم، هندخله المفرمة دي!" قالها كبير العمال.

عاصم اتوتر شوية بس حاول يحافظ على كبريائه: "القوة دي متمشيش معايا. أنا معايا ورق قانوني، وهجيب لكم الشرطة تطردكم."

يونس طلع من جيبه ورقة مطوية، وفردها قدام وش عاصم: "ورقك ده تبله وتشرب ميته يا عاصم. بص دي كدا.. ده قرار 'حجز تحفظي' طالع من المحكمة الفجر، بناءً على الدعوى المدنية اللي رفعها سليم بيه ضد عماد بيه. يعني نصيب أبوك في المصنع مجمد قانوناً، وميصحش فيه أي تصرف بالبيع أو الإدارة لحد ما القضية تخلص. وإنت دلوقتي مجرد متعدي على أملاك متنازع عليها.. ولو مخرجتش من هنا في خلال دقيقة، أنا اللي هطلبلك البوليس بتهمة البلطجة واقتحام منشأة صناعية."

عاصم قرأ الورقة، وعينيه جحظت. مكنش متخيل إن سليم ويونس بالسرعة والذكاء ده. خطته عشان يسيطر على كل حاجة بضربة واحدة باظت.

يونس قرب من عاصم، ووشه في وشه، وبصوت واطي مرعب:"إنت مفكر إنك عشان لعبت على أبوك الخسيس هتعرف تلعب معانا؟ إحنا لحمنا مر يا عاصم. واللي يفكر يقرب من شبر في أرضنا، بنقطعهاله. خد الكلا*ب بتوعك دول وغور من هنا، وإياك أشوف وشك في المصنع ده تاني."

عاصم بلع ريقه بغضب، عرف إنه خسر الجولة دي. شاور للبلطجية وانسحبوا وركبوا العربيات.

وهو في العربية، ضرب دركسيون العربية بإيده بقوة وهو بيشتم. طلع تليفونه، واتصل برقم.

عاصم بصوت مليان شر ووعيد: "الخطة اتغيرت. اللعب القانوني مش جايب همة مع سليم وابنه. الناس دي لازم تتكسر وتتدمر تماماً. جهز الرجالة.. إحنا هنضرب سليم في أكتر حاجة بيخاف عليها بعد بنته.. يونس لازم يخلص في أسرع وقت، وساعتها سليم هيركع تحت رجلي."

المعركة مخلصتش، دي لسه بتبدأ، والمواجهة الجاية هتكون بالدم. يونس في خطر كبير، وشمس وزينة بيحاولوا يبنوا حياتهم من جديد. ياترى قدر هيخبي إيه لعيلة سليم في الأيام الجاية؟ 

                  الفصل السادس من هنا
تعليقات



<>