رواية شمس حياتي الفصل السادس6 بقلم نور محمد


رواية شمس حياتي الفصل السادس6 بقلم نور محمد

الحلقة السادسة
نور الشمس كان ساطع، بس جوة قلب "شمس" كان في مزيج من الخوف والتحدي.

وقفت قدام بوابة الجامعة، رجليها تقيلة مش قادرة تخطي. بصت للمباني والطلبة اللي داخلين وخارجين، وحست إن كل العيون بتبصلها، وكل الودان بتتهامس عليها. 

الإشاعات اللي مديحة وعماد طلعوها قبل ما يتقبض عليهم كانت انتشرت بين بعض زمايلها زي النار في الهشيم.

زينة كانت واقفة جنبها، ماسكة إيدها بقوة وبتبصلها بنظرة كلها تشجيع.

زينة بابتسامة دافية:"إحنا متفقناش على كدا يا شمس.. إنتي وعدتيني إنك هتبقي قوية. ارفعي راسك، إنتي مجني عليكي ومفيش حاجة تكسف. اللي يتكسف هما المجرمين اللي في السجون دلوقتي."

شمس أخدت نفس عميق وغمضت عينيها لثانية، ولما فتحتها كان الخوف اتبدل بإصرار:"عندك حق يا زينة.. أنا مش هخلي كلاب زي دول يوقفوا حياتي. يلا بينا."

دخلوا الجامعة، وفعلاً زي ما توقعت، بعض البنات اللي كانوا بيحقدوا عليها بدأوا يتهامسوا ويبصوا بقرف. واحدة منهم، اسمها "رانيا"، كانت ديماً بتغير من شمس، قربت منهم بابتسامة صفرا.

رانيا بخبث:"يا ألف نهار أبيض.. شمس هانم في الجامعة؟ ده إحنا سمعنا حكايات وروايات.. ألف سلامة عليكي يا حبيبتي، بس غريبة إنك قدرتي تنزلي وتحطي عينك في عين الناس بعد الفضيحة اللي..."

قبل ما رانيا تكمل كلمتها، شمس رفعت إيدها ووقفتها بصرامة وقوة خلت رانيا تبرق بصدمة.

شمس بصوت عالي وثابت لفت انتباه اللي واقفين: "فضيحة؟ الفضيحة دي للي بيعمل الغلط في الضلمة وبيخاف من الناس. لكن أنا ربنا نجاني من مجر*مين وبلطجية، والقانون جابلي حقي، وهما دلوقتي بياكلوا في بعض جوة السجون. أنا شرفي أنضف من أي حد بيفكر يلوكه في بوقه.. واللي عنده كلمة يروح يقولها للنيابة مش يوشوش بيها زي الخفافيش. عن إذنك."

رانيا وشها جاب ألوان، والطلبة اللي كانوا بيتهامسوا سكتوا باحترام وانبهار من قوة شمس.

زينة ضحكت بفخر وشدت شمس من إيدها وكملوا طريقهم للمدرج، وحسوا إنهم كسبوا أول وأهم معركة نفسية.

في مكان مهجور على أطراف المدينة - وكر "عاصم"
عاصم كان قاعد على كرسي خشب قديم، بيدخن شيشة، وعينيه مليانة غل وشر. قدامه واقف تلاتة من أعتى البلطجية والمجر*مين، زعيمهم واحد اسمه "سيد السفاح".

عاصم بنبرة سامة: "سليم وابنه مفكرين إنهم بالقانون هيقفلوا عليا السكة. بس أنا مبلعبش بالقانون، أنا بلعب بالدم. يونس هو دراع أبوه اليمين، هو اللي ممشيله المصنع وهو اللي سنده. لو يونس اتكسر، سليم هيقع على ركبه ويبوس جزمتي عشان أرحمه."

سيد السفاح بصوت أجش:"أؤمر يا باشا..نجيبهولك متكتف ولا نخلصه خالص؟"

عاصم نفخ الدخان ببرود: "لا.. الموت راحة، وإحنا مش عايزين نريحه. أنا عايزه يعيش عاجز، عايزه يشوف أبوه بيتدمر وهو مشلول مش قادر يتحرك، زي ما ابن عمه النص التاني 'نوح' مرمي زي الكلب دلوقتي. اقفلوا عليه الطريق وهو راجع من المصنع، كسروه، خلوه عبرة.. بس سيبوا فيه نفس عشان سليم يتعذب بيه."

سيد ابتسم بكشرة مرعبة: "اعتبره حصل يا عاصم بيه."
روايه شمس حياتي بقلمي نور محمد 

في طريق العودة من المصنع - وقت الغروب
يونس ركب عربيته بعد يوم شغل شاق جداً. شغل الكاسيت على قرآن بصوت هادي عشان يريح أعصابه. مسك التليفون واتصل بـ "زينة".

يونس بابتسامة مجرد ما سمع صوتها: "ألو.. أيوة يا ست البنات. خلصتوا محاضرات ولا لسه؟"

زينة بفرحة: "أيوة خلصنا، وقاعدين في الكافتيريا مستنيينك. شمس كانت بطلة النهاردة يا يونس، لازم تجبلها هدية وإنت جاي."

يونس ضحك من قلبه: "أجيبلها هدية، وأجيبلك إنتي الدنيا كلها. أنا عشر دقايق وأكون عندكم على باب الجامعة. خلي بالكم من نفسكم."

قفل يونس الخط، وحس براحة غريبة. الحياة بدأت تبتسم تاني. الطريق كان شبه فاضي، منطقة صناعية هادية وقت الغروب. 

فجأة، لمح في المراية عربية ربع نقل سودة ماشية وراه بسرعة جنونية وبدون نمر.

يونس كشر، وحاول يسرع عشان يبعد عنها، بس اتفاجئ بعربية تانية ميكروباص قديم بتكسر عليه من الطريق الجانبي ووقفت بالعرض وسدت الطريق قدامه تماماً.

يونس ضرب فرامل بكل قوته، الكاوتش صرخ على الأسفلت، والعربية وقفت قبل ما تخبط في الميكروباص بسنتيمترات.

العربية الربع نقل وقفت وراه، وسدت طريق الرجوع. يونس فهم فوراً إن ده كمين. الدم غلى في عروقه، عرف إن عاصم بدأ اللعب الوسخ.

يونس مش من النوع اللي بيستخبى. طلع من التابلوه مفتاح إنجليزي تقيل جداً بيخليه معاه للطوارئ، وفتح باب عربيته ونزل ووقف زي الجبل.

نزل من العربيتين خمس رجالة، بأجسام ضخمة وماسكين شوم وسكاكين وجنازير. سيد كان في النص، بيبتسم بسخرية

سيد السفاح:"عاصم بيه بيمسي عليك، وبيقولك كان المفروض تسمع الكلام وتطلع برا المصنع بالذوق."

يونس لف المفتاح الإنجليزي في إيده بنظرة ثبات ورعب في نفس الوقت: "عاصم بيه بتاعك ده مرة يبعت حريم، ومرة يبعت كلاب. لو كان راجل كان جالي بنفسه. بس يلا.. اللي هيقرب مني هيقرأ الفاتحة على روحه."

واحد من البلطجية هجم على يونس بالشومة. يونس اتفادى الضربة بخفة، وضرب الراجل بالمفتاح الإنجليزي في ركبته كسرهاله، الراجل وقع بيصرخ. 

التاني هجم بسكينة، يونس مسك دراعه ولفه ورا ضهره بقوة لحد ما كسرله دراعه، وضربه بدماغه في وشه وقعه في الأرض غرقان في دمه.

سيد اتعصب لما لقى يونس بيوقع رجالته واحد ورا التاني، أدى إشارة للباقيين، وهجموا التلاتة في نفس اللحظة.

يونس كان بيقاتل بشراسة وبطولة، ضرب وصد، بس الكترة تغلب الشجاعة. ضربة شومة قوية نزلت على ضهره خليته يقع على ركبه.

وقبل ما يلحق يقوم، سيد  طلع مطو*اة قر*ن غزال، وضرب يونس طعنة غادرة وعميقة في جنبه. يونس صرخ صرخة مكتومة، وحط إيده على جنبه اللي الد*م بدأ يفور منه زي النافورة.

يونس وقع على الأرض، الرؤية بدأت تشوش، بس فضل ماسك في هدوم سيد بيبصله بتحدي حتى وهو بينزف. سيد رفسه برجله في صدره، وبص لرجالته.

سيد وهو بينهج: "يلا بينا من هنا بسرعة قبل ما حد ييجي، إحنا عملنا الواجب وزيادة."

ركبوا العربيات وهربوا، وسابوا يونس غر*قان في د*مه على الأسفلت. يونس طلع تليفونه بصعوبة بالغة، الشاشة كانت متكسرة وإيده كلها دم. داس على آخر رقم اتصل بيه (زينة)، التليفون رن، الرؤية اسودت تماماً، والتليفون وقع من إيده جنب راسه وهو بيفقد الوعي.

أمام بوابة الجامعة
زينة كانت ماسكة تليفونها بتبتسم لما لقت اسم يونس بيرن.

زينة بلهفة:"إيه يا حبيبي، وصلت؟"

مفيش رد. صوت أنفاس متقطعة، وصوت دوشة عربيات ماشية على طريق سريع في الخلفية.

زينة بقلق:"يونس؟ إنت سامعني؟ إنت فين؟"

فجأة، سمعت صوت راجل غريب، صوته مخضوض جداً: "ألو.. يا أستاذة.. صاحب التليفون ده مرمي على طريق المصنع ومضروب بالسكينة وغر*قان في د*مه! إحنا طلبنا الإسعاف وهنننقله على مستشفى (***) العام، الحقوه!"

التليفون وقع من إيد زينة. الدنيا لفت بيها، رجليها مبقتش شايلاها. شمس اللي كانت واقفة جنبها لاحظت وش زينة اللي بقى زي الميتين.

شمس برعب: "في إيه يا زينة؟ التليفون وقع ليه؟ يونس حصله حاجة؟"

زينة بصرخة قطعت قلب كل اللي في الشارع:"يوووونس! يونس بيموت يا شمس! بيموت!"

في المستشفى العام - قسم الطوارئ
سليم دخل المستشفى بيجري كأنه شاب في العشرين. عينيه طايرة في كل حتة، وراه نعيمة اللي بتلطم في صمت، وزينة وشمس اللي هدومهم متبهدلة من الجري والانهيار.

سليم مسك دكتور الاستقبال من البالطو بتاعه.
سليم بصوت بيترعش من الرعب والجنون: "ابني.. ابني يونس سليم فين؟ دخل هنا من نص ساعة، مضروب بالسكينة.. فين ابني؟!"

دكتور الطوارئ بخوف: "اهدى يا حج أرجوك.. ابنك في غرفة العمليات، الإصابة كانت بليغة جداً، الطعنة قريبة من الكلى ونز*ف د*م كتير أوي والقلب وقف لدقيقة. الجراح الاستشاري دكتور 'حمزة' جاله استدعاء مخصوص ودخل العمليات بنفسه، إحنا بنعمل كل اللي نقدر عليه."

سليم ساب الدكتور، ووقع على الكرسي قدام باب العمليات. سليم، الجبل اللي مابيهزش، كان قاعد بيعيط زي الطفل الصغير.

سليم بدموع وقهر: "يا رب.. متمتحنيش في ولادي يا رب. أخدت ضربة في بنتي وقولت الحمد لله، هتاخد ابني وسندي مني؟ يا رب نجيهولي، يا رب أنا ماليش غيره."

زينة كانت ساندة راسها على باب العمليات، دموعها بتنزل على الخشب، وبتدعي بصوت مسموع: "يا رب متكسرنيش فيه.. يا رب ده هو اللي عوضني عن أهلي وعن الدنيا.. يا رب رجعهولي."

بعد مرور تلات ساعات.. تلات ساعات كأنهم تلات سنين. اللمبة الحمرا انطفت، والدكتور خرج وهو بيمسح العرق من على جبهته. الكل جرى عليه.

الدكتور بابتسامة متعبة: "الحمد لله.. ابنكم بطل. قلبه وقف في العمليات، بس قدرنا نرجعه. إحنا سيطرنا على النزيف وخيطنا الجرح. هو دلوقتي في العناية المركزة، 24 ساعة لو عدوا على خير، نقدر نقول إنه رجع للحياة."

الكل سجد على الأرض شكر لله. نعيمة زغردت بدموع، وزينة حضنت شمس وانهاروا من الفرحة.

بس سليم.. سليم وقف على حيله، ومسح دموعه. نظرة الحزن اللي في عينيه اتبدلت تماماً. عينيه بقت عاملة زي فوهة البركان اللي على وشك الانفجار.

سليم بص للمحامي "محمود" اللي كان وصل المستشفى وبيهديه.

سليم بصوت هادي جداً، بس مرعب: "القانون بتاعك بياخد وقت يا محمود.. وعاصم بيه كسر كل القوانين. لو كنت استنيت المحاكم، ابني كان زمانه في التلاجة دلوقتي."

محمود بقلق: "يا حج سليم، إنت كدا بتضيع حقك.. البوليس بيدور على الجناة."

سليم وهو بيلف ظهره عشان يمشي:"البوليس هيمسك الأدوات.. بس أنا هقطع الراس."

في منتصف الليل - شقة عاصم الفاخرة
عاصم كان قاعد في الصالون، ماسك كاس في إيده، وبيحتفل مع أمه "دُرّة".

دُرّة بضحكة شريرة:"يا عيني عليك يا سليم، تلاقيك قاعد بتولول زي النسوان دلوقتي. كدا المصنع بقى بتاعنا، سليم ملوش ضهر خلاص."

عاصم بثقة: "دي البداية يا أمي. بكرا هروح أطرد سليم نفسه من البيت وأرميه في الشارع."

وفجأة.. النور قطع في الشقة كلها. عاصم قام وقف باستغراب، ولسه هينادي على البواب، سمع صوت كسر قوي جداً في باب الشقة الرئيسي.

عاصم مسك مسد*سه من على الترابيزة ووجهه ناحية الباب في الضلمة.

عاصم بخوف بيحاول يداريه: "مين هناك؟ أنا معايا سلا*ح وهفر*غه في دماغ اللي هيقرب!"

فجأة، كشاف نور قوي جداً ضرب في عين عاصم عماه للحظات. لما عينه اتعودت على النور، لقى نفسه متحاوط بعشر رجالة من عمال المصنع الصعايدة، ماسكين شوم وسكاكين، وفي النص.. واقف "سليم"، زي عزرائيل.

عاصم لسه هيرفع المسد*س، واحد من العمال ضربه بالشومة على إيده، المسدس وقع على الأرض.

العمال كتفوا عاصم ووقعوه على ركبه قدام سليم. درة صرخت وحاولت تجري، بس العمال منعوها ووقفوها مرعوبة في الزاوية.

سليم قرب من عاصم ببطء شديد. كل خطوة كانت بترن في قلب عاصم زي طبلة الموت. سليم وطى، جاب المسدس بتاع عاصم من على الأرض، وسحب الأجزاء، وحط فوهة المسد*س بين حواجب عاصم بالظبط.

سليم بصوت فحيح يخترق العظم: "أنا سليم يا عاصم. الراجل اللي أبوك خاف منه طول عمره، وإنت جاي في يوم وليلة تلعب معاه."

عاصم وهو بيترعش، والغرور كله اتبخر: "إنت هتعمل إيه يا سليم؟ لو قتلتني هتتعد*م! إنت كدا بتودي نفسك في داهية!"

سليم ضحك ضحكة قاسية، ضحكة راجل ميت مبقاش باقي على حاجة:"أتعدم؟ أنا ابني كان هيروح مني النهاردة بسببك.. إنت مفكر إني خايف من حبل المشنقة؟ ده أنا ألفه حوالين رقبتي بإيدي ولا إني أشوف نقطة د*م واحدة بتنزل من ابني تاني."

سليم ضغط على المسدس أكتر في دماغ عاصم لحد ما عاصم صرخ بألم.

سليم بنبرة قاطعة زي حد السيف: "اسمعني كويس يا ابن درة، لأن دي آخر مرة هتسمع فيها صوتي وإنت عايش. ابني لو حصله حاجة في الـ 24 ساعة الجايين، أنا مش هقتلك بس.. أنا هقطعك حتت وهرمي لحمك للكلاب قدام أمك دي. ولو ابني عاش، الورق الصوري اللي أبوك كتبهولك، هتيجي بكرا الصبح الشهر العقاري وتتنازل عنه طواعيةً، وتبيعلي النصيب ده بقرش صاغ واحد."

دُرّة بانهيار:"حرام عليك يا سليم! سيب ابني! ده ابن أخوك من دمك!"

سليم بصلها باحتقار: "الدم اللي يخون، بنصفيه ونرميه. اختار يا عاصم.. توقع بكرا التنازل وتاخد أمك وتغوروا برا البلد دي ومشوفش وشكم ليوم الدين.. ولا أفرغ الخزنة دي في دماغك دلوقتي وأريح الدنيا من شرك؟ وأقسم بالله العظيم أنا صباعي على الزناد وبدعي ربنا ترفض عشان أخلص منك!"

عاصم حس ببرودة الموت. شاف في عين سليم إنه مش بيهدد، سليم فعلاً مستعد يضغط على الزناد. الرعب سيطر على عاصم، والدموع نزلت من عينيه وهو بيترعش ويقول بصوت مخنوق

عاصم بخضوع تام ورعب: "هتنازل.. هتنازل عن كل حاجة يا عمي! بس ونبي متقتلني.. أبوس إيدك نزل السلا*ح، هعمل كل اللي إنت عايزه!"

سليم ابتسم باحتقار، وضرب عاصم بظهر المسد*س في وشه ضربة قوية خليته يقع على الأرض وينزف من مناخيره، وسابه وخرج عشان يطمن على ابنه.
روايه شمس حياتي بقلمي نور محمد 

في صباح اليوم التالي - المستشفى
الكل متجمع قدام العناية المركزة. زينة مانامتش ولا دقيقة، عينيها منفخة وقاعدة تقرأ قرآن.

الدكتور خرج وطمنهم إن يونس فاق وعدى مرحلة الخطر. زينة وسليم دخلوا يطمنوا عليه، وكانت لحظة مليانة دموع وفرحة برجوع السند.

أما شمس، فكانت حاسة باختناق شديد. الضغط النفسي بتاع الشهر اللي فات، مع رعبها على يونس إمبارح، خلى صدرها مقبوض. خرجت من قدام العناية، ومشيت في طرقة المستشفى الطويلة عشان تشم هوا أو تغسل وشها تفوق نفسها.

الطرقة كانت هادية، ريحة المعقمات ملت المكان. شمس حست فجأة بدوخة شديدة. الدنيا لفت بيها، الرؤية بقت ضبابية، ونفسها بدأ يضيق.

سندت بإيدها على الحيطة وهي بتنهج، بس رجليها خانتها ولسه هتقع على الأرض وتفقد الوعي...

فجأة، لقت إيد قوية ودافية بتمسكها من خصرها ودراعها قبل ما تلمس الأرض. الإيد دي رفعتها بخفة وثبات.

شمس من كتر الخوف والتروما اللي عندها من لمسة أي راجل غريب، انتفضت زي الملسو*عة، وصرخت بخوف وهي بتحاول تبعد

شمس برعب: "ابعد عني! متلمسنيش!"

الراجل سابها فوراً، ورجع خطوتين لورا رافع إيديه الاتنين في مستوى صدره كإشارة إنه مستسلم ومش هيقرب منها، إحتراماً لمساحتها وخوفها.

شمس رفعت عينيها بصعوبة عشان تشوف مين ده. كان شاب طويل، عريض المنكبين، لابس سكراب طبي كحلي، وبالطو أبيض مفتوح. ملامحه كانت رجولية جداً وحادة، أسمراني، ودقن خفيفة، بس أكتر حاجة شدت انتباهها كانت عينيه.. عينيه كانت سودة وعميقة، بتبصلها بنظرة غريبة مفيهاش أي شفقة أو استغراب من رد فعلها العنيف، بل كان فيها تفهم، واحتواء، وتركيز شديد سحب انتباهها

الشاب بصوت هادي جداً وعميق، كأنه بيطمن طفل خايف: "أنا آسف إني خضيتك. مكنتش أقصد ألمسك، بس إنتي كنتي هتقعي على دماغك."

شمس بلعت ريقها وهي بتحاول تظبط نفسها، وسندت على الحيطة تاني.

شمس بصوت متقطع: "أنا.. أنا كويسة.. شكراً."

الشاب فضل باصصلها بعيونه العميقة، وقال: "أنتي الآنسة شمس.. أخت المريض يونس، صح؟"

شمس بصتله باستغراب: "أنت تعرفني؟ مين حضرتك؟"

ابتسم الشاب ابتسامة خفيفة زادت ملامحه وسامة وجاذبية، وقرب خطوة واحدة بس ببطء عشان يخلق مسافة آمنة للحوار.

الشاب:"أنا دكتور 'حمزة الشريف'.. استشاري الجراحة اللي عملت العملية لأخوكي إمبارح. يونس شاب قوي، وبيحبك جداً، حتى وهو تحت البنج كان بينده على اسمك واسم والدك."

شمس أول ما سمعت إنه الدكتور اللي أنقذ حياة أخوها، ملامحها لانت، والدموع اتجمعت في عينيها. ده الراجل اللي ربنا جعله سبب عشان يرجع الروح لبيتهم.

شمس بدموع وامتنان حقيقي: "أنا.. أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا دكتور.. إنت أنقذت سندي وحياتي كلها. ربنا يجازيك عننا كل خير."

حمزة ركز في عينيها. شاف الانكسار، والوجع، والتحدي اللي بيحارب عشان يظهر. حمزة مكنش مجرد جراح شاطر، كان راجل بيعرف يقرا الأرواح من عيونها، ومن اللحظة دي، حس إن البنت اللي قدامه دي فيها حاجة خطفت قلبه اللي عمره ما دق لحد.

حمزة بصوت دافي مليان يقين، وكأنه بيوعدها بحاجة أكبر من مجرد كلام دكاترة:"مفيش شكر على واجب. أخوكي راجل ويستاهل يعيش.. وإنتي كمان عينيكي بتقول إنك محاربة وقوية، وتستاهلي إن الدنيا تضحكلك بعد كدا.. صدقيني، العوض اللي جاي هيكون أجمل من أي حاجة خسرتيها."

الكلمات دي نزلت على قلب شمس زي الماية الباردة في عز العطش. بصتله وهي حاسة بشعور غريب لأول مرة من شهور.. شعور بـ "الأمان".

مين دكتور حمزة؟ وإزاي القدر هيربط بين الجراح اللي أنقذ حياة أخوها، وبين القلب المجروح اللي محتاج أعظم جراح عشان يعالجه؟ قصة حب من نوع تاني خالص، قصة عنوانها العوض الجميل، لسه بتبدأ سطورها الأولى.

                  الفصل السابع من هنا
تعليقات



<>