رواية هاربة ام خائنة الفصل الثامن8بقلم داليا السيد
خلاف
عندما دخلت يسر البيت وجدت العمة تجلس بغرفة الجلوس كما أخبرتها أم هنا فاطمأنت على الغداء وطلبت شاي مع العمة واتجهت إليها وقالت
"مساء الخير عمتي، آسفة لذهابي بالصباح"
ابتسمت المرأة ومنحتها نظرات إعجاب بها وهي تقول "لا داعي للأسف يا ابنتي، هل طمأنك الطبيب على ذراعك؟"
نظرت لها بدهشة ثم استوعبت كلماتها وقالت "آه، بلى فعل"
دخلت أم هنا بالشاي وبعض الكعك فقدمته يسر للمرأة التي رحبت به وقالت "هل رحل ياسين؟"
هزت رأسها وردت "نعم، عاد للمصنع"
تحدثت العمة "إنه شاب ناجح وطموح، أخي كان يفخر بما حققه ابنه الكبير ومروان أخبرني عن فنادقه المتعددة"
قالت يُسر "نعم هو يحب عمله جدا"
حدقت العمة بها لحظة قبل أن تقول بلهجة غريبة "وأنتِ تتركين كل ذلك وتقيمين هنا بتلك العزبة"
لم ترحل بأفكارها لبعيد، فقط قالت "نعم أحب المكان وياسين نفسه يحبه، عندما يذهب للفندق لا أراه لذا هنا أفضل فهو يمنحني وقته ولو سافر جينا معي فلا أشعر بالوحدة"
العمة لا تكتفي، كأنها ترغب بأن تخترق حياتهم وخاصة ياسين "أعرف أن له بيت بالقاهرة فلم لا تقيمين هناك؟ بالتأكيد أفضل من هنا بكثير"
لم تنظر وهي تتناول الشاي، فقط حاولت أن تظل هادئة بلا أي ظنون وهي تجيبها "هو جميل حقا ولكن نفس المشكلة، هناك يأخذه العمل وأعود للوحدة من جديد"
اندهشت المرأة وظلت صامتة لحظة قبل أن تعود وتقول "تبدوان متشابهين، فهو أصلا لا يتصرف كرجل يمتلك هذا العدد من الفنادق وإنما كشاب بسيط يعمل عمل عادي"
هي بالفعل تراه هكذا وهذا يثير إعجابها به أكثر ولكنها لا تفهم تصرفات العمة وكلماتها ومع ذلك قالت "وهذا أكثر شيء رائع به البساطة والتواضع عمتي"
ابتسمت المرأة وقالت "تحبيه؟"
لم تتردد وهي تقول بجدية دون خجل من مشاعرها "هو يستحق عمتي"
المرأة تراجعت وتنهدت وهي ترد "نعم"
قطع دخول الجميع البيت ولحقوا بهم فرحبت بهم واستأذنت لتغيير ملابسها قبل الغداء
أخذت حمام بحرص من ذراعها وتمددت قليلا بالفراش وهي تتذكر الساقية وقربه منها عندما ومض ضوء قوي بعيونها جعلها تغمض عيونها لتتحاشاه ولكنه عاد يهاجمها لترى صورة غير واضحة المعالم
عاد الضوء لترى مكتب ياسين..
دق الباب ارتفع فجأة لينتزعها من الذكريات التي كانت تهاجمها وتكرر الدق فاعتدلت والذكرى تتوقف وأذنت لترى أم هنا تدخل وتخبرها بموعد الغداء فهزت رأسها والمرأة تخرج
ظلت بمكانها، رأسها يدق من الصداع وهي تسترجع ما رأته..
لفت وجهها لتكتشف أنها نامت وما رأته ربما كان حلم ولكن الصداع والضوء القوي لا يعني ذلك..
لم تفهم ما حدث له..
لم تجد ياسين ولا ظافر عندما نزلت ولاحظت النظرات المتبادلة بين جينا ومروان، تجاهلتها ولم تمنحهم اهتمام وهي تقول "جنى هل استمتعت اليوم؟"
منحتها جنى اهتمامها وهي تجيبها "نعم يُسر، جينا أخبرتني أنكِ من أدخل التعديلات على البيت، هل فعلتِ؟"
الذكريات لم ترتد لها لكن جينا منحتها تلك الذكرى لذا قالت "نعم، أحب الديكور فهو مجال تخرجي"
لم تنهي جنى حديثها معها بل وقالت بصدق "إذن عليكِ بزيارة شقتنا لتعيدي ديكورها فذوقك رائع"
ابتسمت وقالت بصدق "بالتأكيد سأفعل بعد إذن عمتي"
كانت المرأة تتابع نظرات جينا ومروان وتفاجأت بكلمات يُسر فعادت لها وهي تقول بارتباك "ماذا؟ نعم بالتأكيد يُسر، مروان ألا تظن أننا لابد أن نعود؟"
تراجع بدهشة وهو ينتبه لكلمات أمه فاعتدل وقال باستنكار "لماذا ماما؟ اجازتي ستنتهي بعد يومين ولن أعود قبلها"
ولكن العمة قالت بطريقة ملفتة "أظن أننا اكتفينا ولا يمكن إزعاج الجميع هنا أكثر من ذلك"
نظرت جينا لها وقالت بكلمات رقيقة "بالتأكيد ليس هناك أي إزعاج عمتي فوجودكم زاد من سعادتنا"
قالت العجوز بطريقة لفتت انتباه الجميع ولم يفهموا ما تلمح له "نعم أكاد أرى ذلك"
احمر وجه جينا، بينما تداركت يُسر الأمر وقالت بهدوء "بالتأكيد عمتي فأنا وجينا كنا نفتقد الأهل والصحبة ووجودكم منحنا إحساس رائع"
حاولت المرأة أن تبتسم ليُسر دون أن تبعد عيونها عن جينا ومروان بينما أكملت يُسر كلماتها "مروان أخبرك أن اجازته لم تنتهي بعد وجنى أيضا أجازه لذا لا داعي لأن تعودوا إلا بالوقت المحدد"
لم ترد المرأة، وإن ساد الصمت على الجميع حتى انتهى الغداء وخرج الجميع للحديقة ما عدا العمة، قررت الصعود لغرفتها لبعض الراحة وجلس الجميع بالحديقة وسحبت يُسر جنى بالحديث لتترك لجينا ومروان المجال للحديث منفردين..
****
وصل ياسين المصنع ودخل مكتب المدير ليرى ظافر جالسا خلف المكتب وذلك الرجل منصور الذي فصله موجود وكذلك عزت..
نهض الرجلين بدخوله ولم يفعل ظافر وياسين يقول بقوة ونظراته تخترق ظافر وهو يقول "والآن ماذا؟ أين المشكلة؟"
لم يتحرك ظافر وهو يبادل أخيه النظرات وكأنما يتحداه مجيبا "منصور المشكلة"
وضع ياسين يديه بجيوبه وقال بنفس القوة "نعم، أسمعك ظافر أكمل"
اعتدل ظافر وقال بغضب واضح "ليس من حقك طرد أي رجل من رجال المصنع، أنا من أدير المصنع"
ظل ياسين يحدق به بقوة قبل أن يقول بلهجة ارتجف لها الجميع "وتقريبا أنت نسيت أن أنا صاحب المصنع ظافر ولي مطلق الحرية بأن أطرد أو أعين من أشاء، فاحذر بكلامك قبل أن تتحدث"
نهض ظافر واقفا ولم تعجبه كلمات ياسين وهتف "ولكني المدير"
رفع ياسين قامته ولمعت عيناه ببريق لم يفهمه الموجودين ثم حرر نظراته من أخيه والتفت لعزت وقال "لا أريد رؤية هذا الرجل هنا مرة أخرى واذهب أنت لمكتبك، الآن"
كانت نبرته القوية والحادة، مخيفة بما يكفي لتجعل الرجلين يهرعان خارج المكتب وما أن أغلقا الباب حتى رفع يداه وقبض بهما على صدر قميص ظافر وأمسكه منه بقوة ليجذبه له حتى قربه من وجهه وقال بغضب
"لو لم تكن أخي لكنت علمتك كيف تخاطبني أمام رجالي ظافر، ولو كررتها مرة أخرى فلن أرحمك هل تفهم؟"
ارتجف ظافر بين يدي ياسين وأمسك يد ياسين التاي تقبض على ملابسه وهو يرى عيون أخيه تنبض بغضب لا حدود له فهتف "اتركني ياسين فأنت من ترك المصنع لي"
لكن ياسين لم يتركه ونظراته لم يرحل الغضب منها وامتزج صوته بنفس الغضب وهو يكمل "تركته لك وأنا أظن أنك جدير بالمسؤولية، ولكنك ظننت أن النجاح في أن تجلس على المقعد وتلقي الأوامر دون فهم أو تفكير أو مجهود، أنا لن أسمح لك أن تضيع ما أبنيه هل تفهم؟ وأقسم أنك إن لم تعد لصوابك لأعلمك من جديد ما لم تتعلمه"
ثم دفعه بعيدا والغضب يملأ عيونه بل وكيانه كله وهو يتجه لمقعده ويجلس محاولا التنفس بانتظام ليوقف غضبه ويقول "والآن اجلس واسمع وتعلم"
لم يستطع ظافر أن يجادل أمام غضب ياسين الواضح، بل تراجع وهو يجذب قميصه ليعده لمكانه
استمع ظافر لأخيه الذي كان يفسر له ما كان يحدث خلف ظهره، وأدرك أنه على حق وتراجع عن الجنون الذي سيطر عليه حتى انتهى ياسين فأخفض رأسه وياسين ينهي حديثه
"ولو كرر الأمر مرة وراء أخرى لانتهينا بسوء السمعة وبعدها الافلاس"
لم يرد بل هربت نظراته من مواجهة ياسين الذي نهض وتحرك ليقف أمام ظافر مدركا أن هذا الأخير استوعب ما كان
سؤاله كان خارج ما حدث "أين تذهب ظافر؟"
رفع ظافر وجهه لأخيه وعدم الفهم ظهر بنظراته وهو يقول بصوت منخفض لمس ياسين به الحيرة "لا أفهم"
أجاب ياسين وهو يجلس أمامه "أنت لا تأتي المصنع ولا الأرض فأين تذهب؟ ولماذا؟ كنت تقف على كل شيء دون تأخير فما الذي حدث؟"
كانت نبرته هادئة وقد انسحب غضبه وهو يتحدث مع أخيه الذي أبعد وجهه وتراجع بالمقعد وقال "لا أريد أن أكمل هنا ياسين، هناك مشروع خاص بي أريد أن أبدأ به بالقاهرة"
تراجع ياسين بالمقعد هو الآخر وبدا عليه الاهتمام والتفكير برغبات أخيه الجديدة وهو يقول بجدية "هذا رائع هل تحب أن تخبرني به؟"
تلاقت عيون ظافر بياسين بدهشة قبل أن يقول "أخبرك به؟ أنت توافق عليه؟"
ضم ذراعيه أمام صدره وقال بتروية وهدوء، ربما الغضب قد يخيف أخيه فيفقده لذا اتبع طريق آخر "ولم لا، إنها حياتك عشها كما تشاء"
قال ظافر بدهشة "ظننتك ستغضب من أجل الأرض والمصنع"
ظل يحدق به لحظة ثم فك ذراعيه ووضعهم على ذراع المقعد واختار كلماته "والأموال التي سحبتها من البنك؟ لا لن أغضب يمكنني التصرف بكل شيء، لكن ما كان سيغضبني حقا أن تبدأ حياة جديدة دون أن تخبرني، من باب أننا إخوة وتعلم أني لن أمانع بأي شيء به راحتك"
نهض ظافر مبتعدا والتوتر ملأ خطواته وكأنه لا يقدر على مواجهة أخيه "الأموال كانت هي رأس المال ياسين وكنت بالتأكيد سأخبرك، أعلم أن لك عقلية ناجحة بإدارة الأعمال وكنت سأحتاج لرأيك"
ظل ياسين يتابعه بصمت محاولا عدم التهور معه وهو يقول بهدوء "هل أسأل عن شريكك؟"
التفت له ظافر بقوة ولمعت عيونه بالدهشة وهو يردد "شريك؟ من أخبرك أن لي شريك؟"
نهض ياسين وتحرك تجاهه حتى وقف أمامه ونظر بعيونه وكأنه يحذره من التقليل منه "الأمر لا يحتاج تفكير ظافر، أنت لم تفكر بالأمر من قبل وعندما تفعل فأكيد هناك من منحك الفكرة"
وتحرك عائدا للمكتب وجلس خلفه وعبث بالكومبيوتر فالتفت له ظافر وقال "سيف، سيف زميلك السابق"
استوعب ياسين الاسم لحظة ثم رفع وجهه إليه بنظرات حادة واعتراه غضب لا مثيل له حاول ألا يبخه بوجه أخيه
ترك الجهاز مرة أخرى واعتدل بمقعده وهو يردد الاسم "سيف؟ وأنت تعلم ما بيني وبين سيف ظافر ومع ذلك وافقت على شراكته؟"
جلس ظافر وهو يبعد عيونه، كان يعلم ولكنه رفض وضع نفسه بينهم، هذا ما برر به موقفه لنفسه وظن أنه الصواب
ظهر صوته هشا، واهنا وهي يقول "أنا لا علاقة لي بما بينكم ياسين، هو سيمنحني نصيبه من الأموال والأرض وأنا بنصيبي ومجهودي وسأقيم المصنع وأباشر كل شيء"
ظل ياسين ينظر له بصمت محاولا تصديق ما يقوله وكأنه يحاول تصديق الوهم لكنه ليس وهم
ابتلع صدمته وسأله "مصنع أغذية أيضا؟"
هز ظافر رأسه ولم يرد فعاد ياسين للجهاز مختارا عدم خسارة أخيه ومنح ظافر ما رغب بأن يسمعه "افعل ما تراه صواب ظافر ولكن سيف لا يضمر لي أي خير وأنت تعلم ما يفعله معي وبالتأكيد ما يفعله معك ليس من باب الحب"
تصلب جسد ظافر بالمقعد ولم يجد كلمات يرد بها وياسين أنهى باب المناقشة وترك له حرية الاختيار وهذا ما كان يرغب به
أراد أن يكون نفسه، بعيدا عن يد ياسين ورأى ذلك بمشروعه مع سيف..
الصمت سقط بينهم معلنا انتهاء أي حوار فنهض وتحرك للخارج وكأنه يفر من أمام أخيه الذي ما أن انغلق الباب حتى ترك الجهاز وضرب بيده على المكتب بغضب وهتف بقوة
"اللعنة عليك سيف ماذا تريد مني؟"
أمسك هاتفه واتصل بغازي، عليه أن يجد حل لذلك فسيف ليس بالرجل الصالح ليساند ظافر وبالتأكيد لديه غرض من وراء ذلك وعليه معرفة ذلك الغرض
كان باقي اليوم هادئا ولم ترى زوجها إلا على العشاء والجميع مجتمعين عندما دخل وقال "مساء الخير"
ابتسمت له وتلقى ابتسامتها بنظراته دون أي تعبير على وجهه، بينما رد الجميع تحيته، جلس مكانه وهي على يمينه فقالت العمة
"تبدو متعبا ياسين"
لم ينظر لها ولا لأحد من الموجودين، لديه ما يكفيه من المشاكل وظافر على رأس القائمة ومع ذلك الصمت هو رفيقه ولكنه أجاب عمته "لا أبدا عمتي، أرجو ألا يغضبك غيابي"
لمعت العمة عيونها عليه والاعجاب واضح على ملامحها وهي تقول "زوجتك قامت بالواجب فصحبتها ممتعة"
تناول الطعام ولم ينظر ليُسر التاي كانت ترى ملامحه المتغيرة ومن داخلها كانت تتساءل عن سبب تجهم ملامحه
صوته خرج باردا "هي كذلك فعلا، مروان ما أخبار البنك؟ هل العمل به ممتع؟"
رفع مروان وجهه لياسين وكأنهن تفاجأ من السؤال ثم استدرك نفسها مبتلعا الطعام وهو يجيب "نعم، ممتع جدا لقد اعتدت عليه ياسين"
وبدون أن ينظر لأحد عاد وقال "لو مللت بيوم أخبرني مروان"
نظرت العمة له، بل فعل الجميع بلا فهم وتولت العمة التعليق "لديك عمل له؟"
وأخيرا رفع وجهه لمروان وظهر وجهه الجامد لها وهي تتابعه برغبة في اختراق دواخله، بالصباح كان رائع معها والآن شخص آخر، فما الذي حدث بالمصنع؟
أجاب سؤال عمته "العمل موجود عمتي ولكن المهم مروان، واضح أنه يحب عمله وكلامي مجرد اقتراح"
أسرعت جنى تقول "ربما أصلح أنا أبيه"
ابتسم لها ابتسامة قصيرة رحلت بالخال وهو يقول "أحب حماس الشباب جنى، ولكن العمل الحالي هنا بالمصنع ولا أظن أن عمتي ستوافق على بقاءك هنا"
نظر الجميع لياسين بتساؤل ولكن الأخير لم يرد نظرتهم بينما قالت العمة "جنى ما زالت صغيرة ياسين"
هز رأسه موافقا "أنا لا أمانع"
قالت يُسر وهي ترفض ما يحدث "ولكن دراستها ياسين، لن يمكنها التواجد هنا وبالكلية"
هز رأسه موافقا والهدوء يسيطر عليه "معكِ حق، هو مجرد اقتراح"
تراجع مروان بالمقعد وواجه ياسين البذي ظل جامدا مكانه ولا أحد يفهم نظراته، تحدث مروان "ما الذي تحتاج إليه بالضبط يا ياسين؟"
رفع وجهه والتقى بالفضول بعيون قال بهدوء ابن عمته ولم يهتم بفضول الجميع وهو يجيب "مدير تنفيذي ثقة، وضع خطوط كثيرة تحت ثقة"
طل الصمت على الجميع.. التساؤلات حلت محل الحيرة بنظراتهم وهم لا يفهمون ما الذي يسعى له
أجابه مروان ببساطة "كنت أتمنى مساعدتك، ولكن عملي بالبنك يناسبني أكثر آسف ياسين"
قال بهدوء استفز جينا ويِسر "لماذا الأسف مروان؟ إنه مجرد اقتراح"
وتغير الحديث فجأة ولكنها كانت تلاحظ تبدل ملامح ياسين وتمنت لو تسمعه ولكن ليس الآن، هذا لو تحدث معها من الأساس
استأذن من الجميع بعد تناول الشاي وتبعته هي بالطبع وما أن دخلت حتى رأته يخلع قميصه فقالت "لا تبدو بخير، ماذا حدث؟"
أخرج ملابس للنوم وقال ببساطة دون ممانعة بأن يخبرها ما كان "ظافر ترك المصنع والأرض"
ظلت ثابتة بمكانها، لا تجد أي كلمات وتذكرت كلام الحاج إبراهيم، هذا يعني أن ظافر لم يكن بالفعل يهتم بأملاكهم.. تُرى ما السبب وراء ذلك؟
تحرك برشاقة رغم التعب الواضح على ملامحه وهو ينظر إليها نظرة تمعن وسألها "ماذا بكِ؟"
استعادت نفسها واندهشت أنه انتبه لملامحها "أشعر بصدمة من تصرفه، كيف يترك ما أمضى عمره به؟"
تأمل عيونها التي امتلأت بالدهشة وتركها تتخطى الأمر فهو تخطاه بسرعة دون منح الصدمة وقت لتؤثر على عقله وتفكيره
أجابها "هو بش، والبشر تضعف أمام الإغراءات الجيدة يِسر، وهو سقط بالمصيدة"
لم تعجبها كلماته البسيطة بتفسير تخلي أخيه عن كل ما يخصهم هكذا بلا تفكير بنتائج تصرفه "والآن لا أفهم شيء ياسين"
ابتسم وداعب وجنتها قبل أن يتحرك للحمام وقال بلا اهتمام بحيرتها ولا دهشتها ولا حتى استنكارها لتصرف ظافر
هو بالأساس تخطى جنون ظافر منذ سنوات وهي ستعتاد الأمر مع الوقت والآن هو بحاجة للراحة لإعادة التفكير قبل التصرف
"نتناقش بالصباح يُسر، أنا حقا متعب"
تابعته وهو يبتعد للحمام وتحركت لتجلس على طرف الفراش وهي لا تصدق أنه يتعامل مع الأمر بمثل هذا الهدوء..
فجأة، لاحت فكرة بذهنها وظلت تفكر بها حتى خرج وهو يجفف شعره وأبعد المنشفة ولاحظ شرودها فقال مبعدا نظراته عنها
"ما زلتِ تجلسين؟ ألن تنامي؟"
رفعت وجهها له وقررت ألا تنتظر للصباح كما طلب بل قالت "ألا يمكنني أن أساعد بأي شيء؟ على الأقل حتى تجد بديل"
لمعت عيونه لحظة، هو بالفعل فكر بها، لديها عقل مميز بإدارة المشاريع وليس فقط بالديكور، مشروع المطعم كان ناجح بالفعل ولكن عليه التأني قبل أن يتخذ القرار
ترك المنشفة واتجه للفراش وقال "نتناقش بالصباح يُسر، طابت ليلتك"
كان بالفعل متعب كما وأنه منذ ما كان بينهم بالصباح وهو يرغب بها وبشدة، تمنى لو يضمها لأحضانه ويستعيد معها كل الذكريات لذا كان يهرب من البقاء معها أكثر من ذلك فاختار النوم ليفر من جاذبيتها...
***
بالصباح التقت جينا بمروان فابتسم لها وقال "النوم هنا غاية في الراحة، لم أشعر بشيء"
ضحكت بمرح، رؤيته تمنحها سعادة لم تعرفها من قبل، لم تتساءل عن السبب بل رغبت بأن تستمتع معه وتترك الاجابات لوقتها
ردت بنبرة مرحة كضحكتها "هذا إطراء يسعدني بالطبع"
تحركا معا وبغرفة الطعام كانت يِسر تساعد أم هنا فأسرعت جينا لها وهي تستنكر تصرفها "ماذا تفعلين يُسر؟ ما زال ذراعك بالجبيرة؟"
ابتسمت وهي لا تتضرر مما تفعل، هي تكره الكسل وتحب ما تفعل لذا قالت "لا تقلقي جينا أنا بخير، صباح الخير مروان"
ابتسم وهو يتحرك ليجلس وقال "صباح الخير يُسر، أين ياسين؟"
قالت وهي تضع الملاعق بمكانها على المائدة "كان ما زال نائما عندما نزلت، كان متعبا بالأمس ونام على الفور"
أخذت جينا منها ما تبقى من الأدوات وقالت "تعلمين أنه إذا دخل بالعمل فهو لا يتوقف إلا عندما يسقط صريع"
ضحك الجميع ودخلت جنى وتبعتها العمة ثم نزل هو بالآخر وبدا منتعشا بالفعل بعد نوم هادئ منحه عودة لتركيزه
انضم لهم وهو يقول "يبدو أنها ستمطر كثيرا اليوم"
نظرت له وهي ترى ملامحه قد استعادت طبيعتها، رحل التجهم والتعب وعادت الوسامة والجاذبية
سألته "هل لديك عمل اليوم؟"
واجه نظراتها وعيونه تلمع على ملامحها الجميلة وقال "نعم، ربما تصحبيني للمصنع مرة أخرى حتى أنتهي"
ابتسمت وهي تهز رأسها وفكرت أنه ربما وضع فكرتها برأسه وقد يكون اقتنع بها
العمة تحدثت أخيرا وهي تسأل "أين ظافر؟"
أجابت يُسر وهي تتناول الطعام "رحل بالصباح، أخبرني أنه عائد للقاهرة"
نظرت جينا لها، ثم عادت لياسين تنتظر تفسير وهي تردد بتساؤل "القاهرة؟"
لم يرد، بل لم يرفع وجهه عن الطعام
مروان اختار حديث مختلف مع ياسين الذي استجاب له واندمج فيه الجميع حتى انتهى الإفطار وتحرك ياسين ويُسر لسيارته
بينما تحرك مروان مع جينا للمكتب ومروان لا يتركها بل سألها بجدية "جينا هل فكرتِ؟"
التفتت له والتقت بنظراته التي كانت تنتظر الرد، هي لم تتوقف عن التفكير والليل كان طويل حقا
"ماذا مروان؟ إنه الأمس عندما أخبرتني بالأمر"
ابتسم، الخجل الواضح على وجهها منحه رضا غريب، كان يشعر بأنها تتقبله كما هو تماما وهذا ما جعله يزداد إصرار عليها
"ظننت أنه العام الماضي، هيا جينا، أنا عائد غدا وأريد أن أسمع ردك قبل أن أعود"
ابتسمت وقالت برقة راغبة بسماع المزيد "وهل الأمر هام هكذا؟"
اقترب منها حتى وقف أمامها وواجه نظراتها التي تنتظر الرد منه "جدا جينا وأنتِ؟"
احمر وجهها أكثر وارتفعت دقات قلبها تعلن عن انجذاب لم تعرف متى بدأ بينهم والغريب أنها لا ترفضه، فقط تخاف
تخاف من وصمة الطلاق.. ليس كل امرأة مطلقة يمكنها أن تنال فرصة أخرى وربما عمتها تضع العراقيل بطريقهم فهي طموحة لأكثر من امرأة مطلقة لابنها
أخفضت وجهه ولم ترد، قلبها يرتجف.. شفاها ترتجف.. أنفاسها تعلن عن توترها وهو لاحظ ذلك فهمس "هذا السكوت يعني شيء واحد جينا، وأنا لن أقبل سواه"
رفعت عيونها له بوجه تخضب بالاحمرار وهو يكمل دون منحها فرصة للرد أو الجدال "اليوم سأفاتح أمي وياسين، ونقرأ الفاتحة"
كانت دقات قلبها تعلن عن سعادتها بكلماته ومع ذلك رغبت بمشاركته مخاوفها ولكن..
صوت العمة أفزعهم وهي تقول "هل جننت يا مروان!؟ لا يمكن أن تفعل ذلك"
التفت الاثنان إلى العمة بفزع وعيونها تتقد من النيران وهي تنظر لهما..
وعرفت جينا أن..
الحرب بدأت..
