رواية هاربة ام خائنة الفصل التاسع9بقلم داليا السيد
غضب
ركبت بجواره بالسيارة وقالت "هل تفسر لي ما يحدث الآن؟"
قاد السيارة وقال "ألم تقترحي أنت الأمر؟"
التفتت له بمقعدها وقالت بلهفة "حقا؟ ستجعلني أساعدك؟"
انتبه للهفتها ونظر لها بدهشة وهو لا يفهمها حقا، هل تريد البقاء معه؟ بل وتريد مساعدته؟
"تبدين سعيدة للأمر، ألا تريدين البقاء بالبيت بعيدا عن أي ضغوط والتزامات تثقل كاهلك؟"
دون أن تفكر كان ردها حاضرا وصادقًا "أريد أن أكون معك"
احمر وجهها عندما أدركت اندفاعها خاصة عندما التفت إليها فأخفضت عيونها وهي تدرك أن مشاعرها تندفع بلا حساب، ولم لا أليس زوجها؟
ما بينهم يجعلها تتوقف، تتأنى، تتساءل.. هل سيصدقها؟
دون أن ترفع عيونها له انخفض صوتها وهي تبحث عن كلمات "أقصد أساعدك فأنت لا تجد أحد"
حدق بها لوهلة وهو يرى توردها، رموشها تُخفي نظراتها.. لكن.. شيء ما يحدث بينهم
وكأنهم يعيشون قصتهم من البداية مرة أخرى وهو بالأساس مجنون بها..
أبعد وجهه من خجلها وكأنها لم تتزوجه منذ عدة شهور وما زالت تلك الفتاة التي عرفها بأول يوم
"أجد الكثيرين يسر ولكني أريد أحد ثقة وهذا يحتاج وقت لا أملكه الآن لذا وجودك سيكون مؤقت حتى أجد البديل"
ابتسمت بسعادة فهذا يعني أنها استعادت ثقته بها..
عاد لها وعيونها تلمع من السعادة وملامحها تزداد فتنة وقلبه يدق بقوة "تبدين كأول أيام لنا سويا، تلك الفتاة العشرينية التي تحمر خجلا من كلماتي وكأننا لم نتزوج"
لم تبعد عيونها وإن رحلت ابتسامتها وهي تدرك صحة كلماته، هي فعلا تشعر بأنها تبدأ علاقتها به من جديد، تتعرف عليه من البداية بل وسقطت بغرامه دون أن تعرفه حتى
ارتجف صوتها وهي تقول "صدقني أنا أتمنى أن أذكر كل لحظة أمضيناها سويا ياسين، وكلما فشلت في التذكر شعرت بيأس وحزن وألم"
عاد للطريق وألم دفين ظهر بنبرة صوته وأخفاه من عيونه وهو "إذن لا تفعلي ربما لا ترد ذاكرتك لك"
شحب وجهها وهي تتخيل أن تعيش حياتها هكذا فنظر لها من صمتها وقال "وكأنك تبدئين من جديد"
لم ترد..
دخلا المصنع ولم يتناقشا مرة أخرى وعزت يستقبلهم بجدية جعلتها تندمج معه حتى دخلا المكتب وبدأ يتحدث معها عن كل ما يخص المصنع وكأنه يعلمها كل شيء
أعجبه أنها كانت ذكية واستوعبت الكثير بساعات قليلة بل ولها أفكار أعجبته مما جعله يتأكد أن الفكرة كانت صواب فهي الوحيدة حاليا التي يمكنه أن يثق بها رغم ما حدث بينهم
تناولا الغداء سويا وما زال العمل هو المسيطر وقاومت كثيرا قربها منه الذي جعلها تتمنى لو كانت تعيش معه حياة زوجية عادية لا يتخللها ما بينهم كما بذل هو مجهود خارق كي يمكنه التعامل على أنها ليست امرأته التي لم يرد سواها وأن الظروف حالت بينهم فأوقفت حياتهم وعلقتها بأحبال الذكريات المفقودة..
ليس من السهل عليه أن يجد نفسه بلحظة لا وجود له بحياة المرأة التي تمثل كل حياته وشريكته بكل لحظاته الجميلة..
تراجع بمقعده ونظر إليها وهي تعبث على اللاب الخاص به وقال "هكذا تكون فتاتي"
نهض مبتعدا فنظرت له سعيدة بالإطراء وهي بالفعل معجبة به وبكل أفكاره بل وطريقته بتوصيل ما يريد لذا قالت "بل أنت معلم رائع"
تأمل المطر بالخارج ولم يهتم بالإطراء، فقط يحاول وقف مشاعره المختلطة داخله مقاوما رغبته بجذبها لأحضانه والعودة لجنونه معها وقت عرفها
"أتعلمين كم الساعة؟"
هزت رأسها بالموافقة، ومع ذلك لا تمانع بقضاء عمرها كله معه "نعم لقد أمضينا اليوم كله هنا"
لم ينظر لها وقال "لن تكوني هنا بمفردك إلا في عدم وجودي أنا علمتك من أجل ذلك"
نهضت واتجهت لتقف أمامه والفضول يتسرب لها عن سبب كل ذلك فقالت "بالتأكيد فوجودك أفضل مني، ولكنك لم تخبرني عن ظافر"
التفت لها، عيونها تلقته بنظرة هادئة كانت وما زالت تمنحه راحة غريبة، تخطى ما بداخله وأجابها بلا تعقيدات "لي منافس هو بالأساس كان زميل بالكلية منذ أول يوم وهو يعتبرني عدو خاصة عندما.."
وصمت ولم يكمل فضاقت عيونها وهي لا تفهم سر صمته وقد بدا التردد واضح على ملامح فحثته على أن يكمل "عندما ماذا؟"
داعب وجنتها وابتعد وهو يقول بمزاح مختلط بالجد "أخبريني أولا أنكِ لن تثوري وتغضبي ونظل باقي الليل بخلاف"
التفتت له وهو يأخذ جاكتها ويعود إليها وملامحها تخبره أنها لا تفهم عن ماذا يتحدث وهو ما نطقه لسانها "ولماذا أثور؟ هيا ياسين تحدث"
ساعدها بارتداء الجاكت وأخذ خاصته وارتداه وهو يميل تجاها وصوته خرج خافتا ليكمل "عندما تنافسنا على سمر أول فتاة عرفتها"
وفتح لها الباب ولكنها تسمرت بمكانها وقد توقع ردة فعلها فما زال يعرفها جيدا، وهي لا تعلم لماذا تسرب الغضب إليها وهي تقول بغيظ واضح "هل ستخبرني كم امرأة بحياتك كي لا أتفاجأ بكل مرة؟"
لأول مرة تراه يضحك بتلك الطريقة مما جعله يزداد وسامة ولكنها لم تكن بمزاج يجعلها تستمتع بوسامة وجاذبية زوجها
حتى توقف وعاد يواجها وهو يحاول تخطي الأمر بسلاسة "ألن نذهب؟ لقد تأخرنا"
للاحظة ظلت تحدق بعينيه والغضب يسيطر عليها ولكنها لم تكن تعلم أنه ليس غضب.. بل غيرة
تحركت بعصبية واضحة، وتبعها حتى ركبا السيارة فالتفتت له وقالت "ألن تكمل؟ من هي وما قصتها؟"
عاد للضحك فزاد الغضب داخلها وهتفت "ياسين توقف"
توقف بصعوبة وكأنه كان متلذذًا بذلك الغضب أو كما تمنى أن يكون ..
الغيرة..
"حسنا فقط اهدئي، سمر كانت زميلة بالكلية وكأي شاب أعجبت بها وبالطبع نافسني سيف عليها وانتهز فرصة وجودي هنا بالعزبة لمرض بابا ولعب لعبته وفاز بالجولة"
هل كانت تعرف بتلك القصة عندما كانت بذاكرتها؟ هل تقبلت ماضيه بسهولة؟
لم تفتح على نفسها باب الماضي وفقدان الذاكرة فقط سألته بصوت مهتز من داخلها "كنت تحبها؟"
نظر لها وقد أعجبته اللعبة فقال ليزيد غيظها "وقتها اعتبرته الحب الأول"
اعتدلت وقد شعرت بألم يهاجم قلبها ويمزقه بقوة، هذا يعني أنها لم تكن أول حب بحياته، بل هناك من سبقها لقلبه
سمعته يناديها بنبرة مختلفة "يُسر"
لم ترد وإن دمعت عيونها فأخفتها عنه، عندما ناداها مرة أخرى فقالت بصعوبة "أسمعك ياسين، ماذا فعل سيف؟"
أدرك أنها تحاول أن توقف غضبها أو غيرتها الذي عرفها عنها واندهش وتساءل هل تبدل بها شيء بسبب ذلك الحادث؟
تجاهل الأمر وهو يقول "لا شيء، فقط تزوجها وتسبب لي بمشاكل بعملي حتى أوقفته وابتعد فترة طويلة.. حتى عرفت بالأمس أنه سبب رحيل ظافر وأنه سيشاركه بمصنع للأغذية"
تخطت أمر الحب الأول ومنحت نفسها عذر أنها هي زوجته وليست تلك المرأة وإن لم تستطع التحكم بغضبها وهعي تسأله بحدة "ولماذا يفعل معك ذلك؟ ألم يتزوج تلك الفتاة ويبتعد بها عنك؟ أم أنك ما زلت تذكر حبك الأول وتعيش على ذكراه؟"
دخل الفيلا وأوقف السيارة ولم يلمس الباب بل التفت لها والتقى بنظراتها التي بدت حزينة وغاضبة بذات الوقت وقال بهدوء هي لم ترى سواه منذ أفاقت من الحادث
"لو كنت أعيش على ذكراها ما عرفتك وتزوجتك، هل لابد أن أذكرك بذلك بكل وقت؟"
أبعدت وجهها وهي نفسها كانت تتخذ نفس المبرر.. هو ليس مبرر.. هو حقيقة
ومع ذلك أجابت بضيق "يبدو ذلك، فأنا ذات ذاكرة واهنة كما تعلم، ألم تخبرني أنها الحب الأول!"
ابتسم كلماتها تخرج بلا تجميل، ما زالت تلك الصفة بها، لا تمنح الكلمات سوى معناه الواضح
أجابها بصدق "حب المراهقة لا يكون بالقدر الكافي لندعوه حب حقيقي يُسر، فلو كان لما نسيتها يوم عرفت بموافقتها على سيف وانتهت من حياتي بنفس اللحظة"
لفت وجهها له والتقت بعيونه بنظرة طويلة وهو يرى الدموع ساكنة داخل عيونها، ولكنها أبعدت وجهها مرة أخرى وقالت "ولكنها تمثل ذكرى بحياتك"
أبعد وجهه محاولا تخطي قلبه الذي يسقط مهزوما أمامها، حبه لها لا ينقص رغم ما حدث.. لم ينجح بإخراجها من قلبه ولا حتى عقله
فقط هزم ضعفه مؤقتا وقال "بحياة كل شاب وفتاة ذكريات يسر لن يمكننا أن نمحيها، ولكن بالنهاية هي ذكرى لا تمثل أي شيء بالنسبة للحاضر، هي تزوجت رجل آخر ولديها أولاد منه وأنا تزوجت ولي حياتي والماضي انتهى"
عاد وجهها له والأمل يرتفع داخلها، فرغم ما حدث إلا أنه ما زال يحتفظ بها، زوجته بل ومنحها ثقته وسيضعها مكانه بالعمل
تألمت لفقدانها ذكرياتهم معا وتمنت لو ترتد لها الذاكرة وتتذكر كل لحظة لهما سويا "آسفة أني أنسى كل شيء، ليس بيدي صدقني"
هز رأسه وقال دون غضب "أعلم هل نتوقف عن هذا الحديث فلا جدوى منه، نحن اتفقنا على الهدنة فلنكمل ما بدأناه، هيا دعينا ندخل لقد تأخرنا"
لم تكن تشعر بحزن أو سعادة، مجرد شعور بالراحة لأن بينهم هدنة ربما يستجيب لمشاعرها الصادقة مع الوقت..
ليته يدرك أنها أحبته الآن وربما أكثر مما كانت بالماضي، ليتها تجرؤ على مواجهته وتخبره بمشاعرها لأنها ترى الألم بعيونه للذكرى ..
لن يمكنها سوى أن تستسلم للهدنة ربما تداوي ما بينهم..
ما أن دخلا حتى وجدا مروان يقف ناظرا لهما ووجه شاحبا فلمعت عيون ياسين عليه وتساءل بقلق "مروان! ماذا بك؟ لماذا تقف هكذا؟ وأين الجميع؟"
وكأنه مروان تحول لتمثال من الحجر فقد كان جامدا مكانه دون أن يتحرك وهما يقفان أمامه حتى ارتفعت أنفاسه مع كلماته "ماما وجنى عادا القاهرة وأنا أنتظرك"
لفتهم الدهشة وضاقت عيون ياسين وانغلقت نظراته وهنو يقول بتساؤل "عادوا!؟ ألم نتفق على الغد؟ ماذا حدث؟"
تحركت نظرات مروان ليُسر ففهمت أنه لا يرغب بالتحدث أمامها فقالت "حسنا اسمحوا لي، أنا متعبة"
تحركت ولم يتبعها أحد منهما بنظراته بل أشار ياسين برأسه للمكتب فتحركا له وأغلق ياسين الباب والتفت لمروان الذي لم ينظر له وياسين يبدأ الحديث
"والآن هل تخبرني ماذا حدث؟"
التفت له مروان ولم يرحل الشحوب ولا التجهم من على وجهه وهو يقول "ياسين أنا أريد أن أتزوج جينا"
تراجع ياسين من المفاجأة وقد انطلقت الكلمات من مروان وصدع صداها بالمكتب ولمعت عيون ياسين ولم يجد أي كلمات يرد بها..
****
تحركت لأعلى وما زالت سعيدة بما كان بينهم وأثناء مرورها لغرفتها سمعت صوت بكاء فأدركت أنه صوت صادر من غرفة جينا
انتابها القلق وترددت قليلا لكن بالنهاية عادت لباب غرفتها ودقت الباب.. عندما لم تجيب دقت ثانية ثم بلا تردد دخلت
ما أن دخلت حتى رأت جينا مستلقية على الفراش وهي تبكي بقوة فأسرعت إليها وقد فزعت لرؤيتها بتلك الحالة فهتفت "جينا ماذا حدث؟ لماذا تبكين؟ جينا أجيبي"
رفعت جينا وجهها الملطخ بالدموع لها ورأت يُسر الألم واضح بالعيون الباكية، وفجأة ودفعت جينا نفسها بأحضان يُسر التي استوعبت الأمر ولم تفكر وهي تضمها بذراعها السليمة وهي لا تفهم شيء
بعد لحظات من البكاء القوي هدأت فأبعدتها برفق وسألتها "جينا من فضلك اهدئي وأخبريني ماذا حدث؟"
بصعوبة أوقفت دموعها وما زالت تشهق من نوبة البكاء وهي تقول بحزن وألم واضحين "لماذا يحدث لي كل ذلك يُسر؟ لماذا أنا؟ صدقيني لم أرتكب أي معصية بحياتي فعلى ماذا أعاقب؟ على ماذا يُسر؟"
تألمت لها دون أن تفهم سبب كل ذلك، فأمسكت يدها بقوة وضغطت عليها تحاول منحها بعض الراحة وقالت بحنان "كفى جينا، لا يمكننا الاعتراض على حكم الله، كلنا مصابين حبيبتي ولكن بأشكال مختلفة وكلها ابتلاءات ليختبر الله بها صبرنا على المصائب"
تركت جينا يدها ونهضت مبتعدة وهي تقول "ولكن لماذا تأتي من أقرب الناس؟"
نهضت هي الأخرى، لا ترغب بتركها هكذا واتجهت لها وقالت "هل تخبريني ماذا حدث؟ القلق يقتلني"
التفتت لها، واجهتها بدموع وصوت حزين "مروان، لقد أخبرني أنه معجب بي ويريد الزواج مني"
تهلل وجه يُسر للحظة ونست انهيار جينا وهي تهتف "رائع!" ثم استوعبت ما يحدث فعادت وقالت "ولكني لا أفهم لماذا تبكين؟ هل تشاجرتم من أولها؟"
هزت رأسها بالرفض، وعادت الدموع وهي تجيبها "لا، بل هي عمتي، عمتي ترى أني كمطلقة لا أصلح لابنها وعندما أخبرها أنه هو الآخر مطلق قالت، هو يفعل كما يشاء لكن يوم أن يتزوج فلن تكن امرأة مطلقة، لابد أن تكون شابة صغيرة وبكر وليست عجوز مثلي"
صدمتها كلمات العمة المؤلمة..
وضعت يدها على فمها من صعوبة الكلمات ولم تتخيل أن تجرح المرأة ابنة أخيها بهذا الشكل.. وفقدت القدرة على الرد
****
نظر ياسين لمروان وأثر المفاجأة ما زال واضحا على وجهه وهو يقول "مروان أنت تتحدث بجدية؟"
اعتدل مروان ورحل شحوب وجهه لكن ما زال متجهما وهو يقول "بالتأكيد ياسين"
تحرك ياسين للأريكة وجلس وهو يحاول استيعاب ما قاله ابن عمته الذي تحرك وجلس أمامه وقال "اسمع ياسين، أنا تزوجت بالخارج ولم نتفق وطلقتها قبل أن أعود، ومنذ رأيت جينا بحفل زفافك وشعرت أنها المرأة التي أريد أن أكمل معها باقي حياتي"
تراجع ياسين بالأريكة ليستعيد تركيزه ومروان يلقي بكلماته بوجهه حتى استوعب ما قال وهدأ قليلا قبل أن ينتقي كلماته "وجينا؟ هل تحدثت معها؟"
أجاب مروان بنفس الجدية وبلا ذرة شك "بصراحة نعم، لم أكن لأفاتحك بالأمر قبل أن أعرف رأيها"
ضاقت عيون ياسين مرة أخرى، جينا ليست بفتاة مراهقة حتى ينتابه القلق عليها، بل كبيرة بما يكفي لتعرف صالحها جيدا لذا هو لا يفهم أين المشكلة إذن؟
هل رفضت؟
تحدث بهدوء "وماذا؟"
فر مروان بنظراته من عيون ياسين ولكنه قال بثبات "مانعت بالبداية لمشكلتها التي تعرفها ولكني تفاهمت معها فوافقت"
حك ياسين جبهته لحظة محاولا فهم ما يدور لذا سأله "إذن أين المشكلة؟ من المفترض أن تبدو السعادة على وجهك لا هذا التجهم"
تراجع مروان وزاد شحوب وجهه وهو يقول "المشكلة بأمي"
انتبه ياسين وهز رأسه بتفهم وقد أدرك أين المشكلة وقال "فهمت، هي ترفض"
هز مروان رأسه ونهض مبتعدا وقال وهو يفرك يداه بعضهما ببعض "نعم وجرحت جينا بكلماتها الفظيعة وطالبتني بالتراجع وأن أعود معها ولكني لم أفعل"
نهض ياسين وتحرك تجاه مروان حتى وقف أمامه وقال بهدوء "إلى هنا وأنا لابد أن أوقفك مروان"
التفت له مروان ووجه له نظرات قوية تعني الحيرة "ماذا تعني؟"
أجاب ياسين بنفس الهدوء "لا يمكن تجاوز رضاء أمك مروان، فالزواج ضد رغبتها سيكون له توابع كثيرة سيئة عليك وعلى أختي وأنا لن أقبل ذلك"
ظل مروان يحدق به، ياسين جاد جدا بما يقوله، لا يمزح ويعرف أن تلك الأمور توزن بالعقل
مع ذلك أشاح بيده وقال "إنها حياتي ياسين، وأنا كبير بما يكفي لأتخذ قراراتي بنفسي وقد سبق وتزوجت دون أن تعرف أصلا وهي لن تضيع سعادتي"
ابتعد ياسين وهو يفكر بالأمر، هي حياة أخته وسعادتها ولا يعلم هل من حقه معارضة شيء قد يسعدها أم لا؟
عاد مروان يقول "ياسين أنا أحب جينا، أخبرتك أني لم أتوقف عن التفكير بها طوال الشهور الماضية حتى تأكدت أني أحبها وأريدها معي"
التفت له ياسين وهو يعلم معنى الحب، نظرات مروان صادق، جادة لا مزاح فيها ولا تلاعب بأمر هام كالزواج..
لن يكون من السهل دفع أخته لطريق قد تتألم منه مرة أخرى فقال "وما هو رأي جينا بعد موقف عمتي؟"
ابتعد مروان وقال "لا أعلم، هي انهارت بالبكاء واختفت بغرفتها، وأمي رحلت وأنا ظللت هنا بانتظارك اليوم كله، هاتفك مغلق ولم أعرف كيف أصل إليك"
صمت حل على المكان .. كلاهم يفكر بكل ما يمرون به
حتى.. قطع ياسين الصمت "سأرى رأي جينا أولا مروان، هي حياتها وربما لو وافقت فوقتها عليك أن تقوم بمحاولة أخرى مع والدتك، لن يكون الأمر سهل بدون رضاها"
هز مروان رأسه بالموافقة وما قاله ياسين هو الصواب
تحرك ياسين وقال "هل ستنام؟"
مروان ظل جامدا مكانه، يتبع ياسين بنظراته وهو يجيبه "ليس الآن، متى ستخبرني رد جينا؟"
توقف ياسين لحظة.. ثم التفت له وقال "لا أعلم سأرى حالتها الآن ولكن بالتأكيد سيكون قبل عودتك بالغد"
تحرك لأعلى ودق باب أخته التي أذنت فدخل ليرى زوجته معها..
نظر ليُسر ثم لجينا التي كانت دموعها توضح حالتها فقال "هل حالتك تسمح بالحديث؟"
هزت رأسها فتحركت يُسر لتخرج لتمنحهم فرصتهم بحرية التحدث ولكن جينا أمسكتها وقالت "ليس هناك أسرار يُسر"
دخل وأغلق الباب ولم يلف ويدور، اخترق الموضوع مباشرة "مروان أخبرني بما حدث من عمتي وكلماتها الجارحة ولكنه يصر على طلبه فما رأيك؟"
نظرت جينا له والحيرة واضحة بنظراتها، تائهة، لا تعرف أين الصواب
أجابت "لا أعلم ياسين، لا أعلم ما قالته عمتك صعب ومروان.."
لمعت عيونه ببريق حاد وقاطعها "مروان يتحدث عن حبه لكِ جينا وأن رفض أمه لن يوقفه عنكِ لو وافقتِ، الأمر الآن بيدك"
سقطت على الفراش بينما سألته يُسر "وأنت ياسين؟"
رفع عيونه لها وواجه التساؤلات التي بنظراتها وقال "أنا ماذا يُسر؟ إنها حياتها وأنا لم أعتد على التدخل بحياة أحد، أنا أخبرت مروان أن الزواج بدون رضاء أمه ليس بأمر سهل ولكنه لم يبدي أي اهتمام وأنا لن أهتم أكثر منه فهي أمه هو، أنا ما يهمني أختي وراحتها وما تريده"
هزت رأسها بتفهم وأدركت -نه يضع الأمر بين يدي جينا فهي الوحيدة التي تعرف أين هي سعادتها
التفت يُسر لجينا وقالت "الأمر بيدك الآن جينا"
جالت عيونها بوجه الاثنان حتى قالت "أحتاج وقت ياسين"
مرر يده بشعره مبعدا عيونه عنها وقال بهدوء "تمام لكن، مروان عائد بالغد وبالصباح لابد أن نمنحه رأيك"
ثم تركها وخرج ونظرت هي ليُسر وعادت الدموع لعيونها وقالت "أنا خائفة يُسر"
ابتسمت يُسر وربتت على كتفها وقالت بحنان واضح "لا تخافي جينا، فقط فكري جيدا واستخيري الله وأكيد سيلهمك الصواب"
وتركتها وتحركت لغرفتها..
ما أن دخلت حتى سمعت صوت المياه بالحمام فجلست على طرف الفراش تنتظره فهي أيضا بحاجة لحمام..
خرج بروب الحمام فنهضت دون أن تنظر له وسمعته يسألها "هل ما زالت تبكي؟"
رفعت وجهها له وتأملت ملامحه الجذابة بخصلاته المبللة وقالت "هي تخاف؛ تجربتها السابقة تؤثر بها وكلمات عمتك مؤلمة"
جفف شعره وهو يعلم ذلك، عمته ليست شخصية عاطفية، بل عقلها يحكمها، الماديات تسيطر عليها
قال بهدوء "نعم، عمتي لم تحب أحد منا بأي يوم ولقد تعجبت من زيارتها لنا! ولكن ربما مروان هو السبب من أجل جينا"
لم تجادله وهو يمنح الهاتف اهتمامه
تحركت للحمام وأفكارها تبتعد كثيرا عن جينا وتنحصر بزوجها الذي يبتعد عنها ولا يرغب بها كزوجة كل تلك المدة فهل ما زال يرى الخيانة حاجزا بينهم؟
لقد أخبرها كثيرا أنه تزوجها هي وأرادها هي فماذا يحدث؟
أخذت حمام دافئ جعلها تشعر باسترخاء ولكن لم تتوقف أفكارها وأسئلتها التي لا إجابات لها
ارتدت قميص نوم قطني أحمر مناسب لذراعها المكسور قصير ولكنها لم تهتم فبالتأكيد ستجده قد نام كالعادة
خرجت وهي تترك شعرها المبلل المتشابك على أكتافها عندما تفاجأت به واقفا أمام النافذة ببنطلون منامته فقط كالعادة
تأملته بإعجاب وشعرت بضعف يجتاحها، كم هو مبهر هذا الجسد..
كثيرا ما كانت تتأمله وهو ينام على الأريكة وهي تحاول أن تتذكر كيف كان شعورها عندما كانت زوجته؟ كيف كانت تشعر وهي تلمس جسده بأصابعها أو عندما يضمها لصدره البارز؟
ولكنها فشلت ولم تذكر أي شيء..
لم يشعر بها وهي تقف تتأمله فقد كان يتحدث بالهاتف، وحمدت أنه لم يرى نظراتها وقد أدركت أنه يتحدث مع غازي..
أبعدت عيونها عنه وتحركت للمرآة وجلست كي تخفي ساقيها العاريتين ولكنه شعر بها والتف يتابعها بنظراته وهو يكمل حديثه دون أن تلاحظ هي
مشطت شعرها وجففته بالمجفف وقد انتهى هو وعبث قليلا بالهاتف حتى انتهت تنتظره أن ينام ولكنه كان مشغول بالهاتف وقد جلس
لم تنهض أو تتحرك للفراش، بل اضطرت لأن تقول محاولة إبعاد أفكارها ونظراتها عن أي شيء "غازي لا يهاتفك بهذا الوقت؟"
لم يرد حتى انتهى مما كان يفعل ثم رفع رأسه إليها والتقى بنظراتها وقال "عندما تكون الحالة تستحق يفعل وهو أفضل من سفري"
ضاقت عيونها والتفتت له وقالت بتساؤل "سفر؟ هل ستسافر؟"
نبرتها لم تخفى عليه، لطالما كانت تكره سفره فهل ما زالت كما هي؟
لم يمنحها شيء على وجهه فقط قال بهدوء "قلت أفضل من سفري ولم أقل أني سأسافر"
أخفضت وجهها فسقط شعرها على وجهها مما منحها إطلالة رائعة أخذت عقله خاصة وهي ترفع خصلاتها بيدها لخلف أذنها مما جعله يبتلع ريقه ولاح بريق بعيونه وهو يتأملها بإعجاب
جذبته بصوتها "نعم معك حق يبدو أني فقدت تركيزي"
قال بهدوء يتناقض مع ما بداخله من نيران تجعله يرغب بأخذنا بين أحضانه وعدم تركها إلا بالفراش
"تشعرين بالتعب؟"
نهضت بصعوبة ربما لو دخلت الفراش انتهى الأمر وتوقفت عن أفكارها، لم تكن تعرف أنه مثلها، كلاهم يرغب بالآخر
قالت دون أن تنظر له "لا"
ما أن تحركت حتى نهض ووقف أمامها فتفاجأت ورفعت وجهها إليه وقد شاع عطره حوله مما جعلها تزداد ضعفا أكثر وفقدت النطق والقوة على الحركة
بلا قدرة على التحكم بنفسه، رفع يده إلى شعرها ومرر يده بين خصلاته، يعلم جيدا ملمسه، يحفظ رائحته
صوته انخفض "افتقدته كثيرا يسر"
ارتفعت دقات قلبها من لمسة يده وتعلقت عيونها بعيونه، وأسكرتها رائحة عطره وتجولت نظراته بوجهها وهو يقترب بوجهه منها ويهمس بأنفاس حارة تضرب وجهها
"كما اشتقت لقبلتك"
وفقد كل العقل ورحل للجنون، سلم نفسه لمشاعره التي تغلبه جذب وجهها برقة إليه وهو ينحني ليقبلها برقة
أغمضت عيونها لقبلته الصغيرة.. لمست شفاهه شفاها وظنت أنها ستغرق بقبلة تخطفها من الحياة للخيال ولكنه..
ابتعد فجأة..
عندما سطعت صورتها مع أحمد أمامه.. وتخيلها بين ذراعي ذلك الخبان فجأة
وهي رأت ذلك بنظراته التي تحولت للغضب وقبل أن يبعد يده أمسكتها وقد أدركت ما يفكر به فهمست بضعف وصدق "أنا أخبرتك أنك بدايتي ياسين وأنت وافقت، فلماذا تبتعد الآن؟"
عاد لمواجهتها وهو يحاول التحكم بغضبه وعدم الانفجار بوجهها وهو يقول "ليس من السهل نسيان الأمر يسر، لا يمكنك تخيل ما يتملكني وأنا أتخيلك بين.."
لم تترك يده وهي تقترب منه وتقول "لا ياسين، لا تفعل لأنه لم يكن هناك شيء، أنا واثقة من ذلك، لا يمكن أن أخونك لكنت كرهتك الآن ياسين"
أبعد وجهه وهو يحارب مشاعره وصراعه الداخلي وقال بضيق "الآن أنتِ امرأة أخرى غير التي كانت يُسر"
تراجعت وعيونها تتسع بالحيرة والتساؤل وصوتها ما زال ضعيفا "وأنت لا تريد تلك المرأة؟"
عاد إليها ورأى نظراتها الحائرة وقال "بالتأكيد لا، ولكن الأمر معقد يُسر"
تراجعت بدموع وقد شعرت أن الطريق سد مما جعلها تتألم فقالت "حسنا ياسين، لقد فهمت"
كادت تبتعد من أمامه ولكنهن جذبها من ذراعها برفق ليعيدها أمامه وهو يرى وجهها الذي تورد ورموشها أخفت دموعها
خرج صوته غريبا عنه، بل هو صوته مع يُسر التي عرفها وحبها "وماذا فهمت؟"
لم ترفع عيونها له كي لا يرى دموعها وهي تجيبه "أن الماضي سيظل بيننا للأبد ولن يبعده كوني امرأة أخرى"
نفخ وقال "الأمر صعب يُسر"
هزت رأسها محاولة تقبل كلماته وقالت "أعلم، فهو ما شعرته يوم رأيتك مع عهد ولكني تجاوزت الأمر ياسين"
ورفعت عيونها له وأكملت "تجاوزته لأني وثقت بك وبكلامك، ليس لدي أي مبرر لم كان قبل رحيلي ياسين، لكن منذ عدت وأنا لا أرى سواك ولا أريد زوج آخر غيرك"
تنفس بقوة.. كلماتها تربت على جرح قلبه لكن لا تُشفيه وظل صامتا، فقط يتجول بنظراته على وجهها وهي أكملت "وجودي هنا لم يكن غصب ياسين وإنما برضائي، لأني أردت أن أكمل معك، لكن إذا لم تعد ترغب بذلك أخبرني وسأتفهم الأمر"
لم يترك ذراعها ولم يبتعد، حتى لو كان يتألم لم كان إلا أنه رفض إخراجها من حياته ولن يفعل الآن
"إذا لم أكن أرغب بكِ ما ظللت بجوارك طوال غيبوبتك وما أعدتك معي وما أبقيتك زوجتي، يُسر أنا.."
وتوقف.. لم يكمل
استوعبت -ن الحاجز ما زال موجود..
التفتت لتمنحه ظهرها.. تُخفي حزنها والألم الذي تشعر به وتركت دموعها ولكنه..
عاد وأمسك ذراعيها من الخلف.. فأغمضت عيونها بحزن ولكنه أعادها له وهي لم تمانع وهي تفتح عيونها لتراه يحدق بها ويواجه نظراتها بوجه جامد وعيون مغلقة لا تمنحها أي شيء
فقط قال "لن ترحلي مرة أخرى أليس كذلك يُسر؟ لأنك لو فعلتِ فسأتبعك لأي مكان ووقتها سأقتلك لأني لن أتحمل الأمر"
قالت بصدق وهي لا تبارح عيونه "لن أرحل ياسين، لن أرحل لأني لا أريد أن أفعل، أخبرتك ذلك"
قبلته تلك المرة فاجأتها وقد كانت قوية، تعبر عن شوق ورغبة وهو يحيطها بذراعيه ويجذبها له بلا وعي..
لم تعترض بل تجاوبت معه وشعرت بسعادة وقد استجاب جسدها له ومنحته شفاهها قبلة الحب التي تمنت أن تمنحها له منذ اعترفت لنفسها بأنها تحب
عندما استدرك نفسه ورحلت أنفاسهم، أنهى القبلة لكن دون أن يبتعد كثيرً وهو يقول "ما زالت قبلتك مميزة عزيزتي، تمنحني طاقة إيجابية لمواجهة العالم، كلانا بحاجة للوقت يُسر لتجاوز ما مررنا به والهدنة ستمنحنا ما نريد، هيا أنتِ بحاجة للراحة"
ثم قبلها قبلة رقيقة وهو يتحرك للأريكة مرة أخرى وهي تتابعه وتتساءل..
هل هذه الهدنة حقا ستعيد ما كان بينهم؟ أم ستزيد الفجوة وتباعد بينهم أكثر؟
تحركت للفراش وقد تمدد هو على الأريكة ووضع ذراعه على وجهه وانتظمت أنفاسه..
تمددت هي الأخرى وجعلت النوم ملاذها من الأفكار التي تطاردها
