رواية قلب الجبل الفصل الثامن8 بقلم فاديه النجار


رواية قلب الجبل الفصل الثامن8 بقلم فاديه النجار

​مرت الساعات الأولى من الليل وصوت المزامير والضرب بالنار لسه بيهز أركان الجبل، بس جوة قصر الجبالي، كانت الأنفاس بدأت ترجع لمجراها الطبيعي بعد ما العاصفة انقشعت. القصر اللي كان من شوية ساحة حرب ومصيدة ديابة، اتحول لعرين هادي، بس هدوء ما قبل الترتيبات الجديدة.

​جبل كان واقف وسط كبار البلد والوجهاء اللي جوم يباركوا، لابس عبايته السودة وعصايته في إيده، وعينه رغم التعب فيها لمعة نصر وعزة. عمر كان واقف جنبه، بيباشر الضيوف ويوزع الشربات، بس عينه كل شوية تروح على عاصم اللي كان قاعد في ركن بعيد. كان صعبان عليه إن طفل يشوف ده كله؛ عمر بيعتبره لسه طفل في عينه، ومش مستوعب إن اللي أمه عملته خلاه يكبر عمر فوق عمره. فضل يبص عليه كل شوية، لقاه ساند ضهره على الحيطة، وعينه في الأرض مبيتكلمش مع حد، كأنه شايل جبل فوق كتافه.

​قرب عمر من جبل وهمس له: "جبل.. عاصم حاله يقطع القلب، الواد كسرته واعرة قوي قدام الناس، ومهما كان ده ابن أخوك اللي ملوش ذنب في بلاوي أمه."

​جبل بصل عاصم بنظرة حنينة داراها ورا جموده الصعيدي، واتنهد تنهيدة طويلة: "عارف يا عمر.. وعشان كده أنا مش هسيبه يقع. عاصم راجل، والراجل بيبان في الضيقة، وهو اختار الشرف على دم أمه. سيبه دلوقتي يهدى، والصبح ليا معاه كلام يرجعله هيبته وسط الخلائق.. ويرجع عاصم الجبالي اللي بجد."

​في جناح مايسا

​الشنط كانت جاهزة عند الباب، ومايسا كانت قاعدة على السرير، وشها شاحب وزي المجنونة، عينيها مليانة غل وشر مش راضي يموت. ريم ورنا الصغيرين كانوا واقفين بعيد بيعيطوا، مش فاهمين أمهم مسافرة فين في ليلة زي دي، وليه أخوهم الكبير عاصم قالب وشه كدة والدموع واقفة في عينه.

​دخل عاصم الأوضة، وخطواته كانت تقيلة كأن رجليه متسلسلة بحديد، مش كأنه طفل، لا.. كأنه عجوز عمره فوق السبعين سنة من كتر الهم. بص لأمه وقال بنبرة جافة وخالية من أي مشاعر: "العربية جاهزة يا أمي.. وخالي مستنيكي على أول طريق البلد، مرضيش يدخل ياخدك من هنا؛ انكسف من عمي جبل بعد اللي إنتي عملتيه. من النهاردة، إنتي مالكيش صالح بالبنات، ولا بيا، ولا بأرض الجبالي. اسمك هيتكتب في الدفاتر إنك قاعدة في بيت أبوكي معززة مكرمة، بس الحقيقة إنك منفية.. وممنوع تلفي وتدوري، ولا تعتبي أرض الجبالي تاني."

​مايسا وقفت وقربت منه، وصوتها كان فحيح أفعى: "بقى بتطرد أمك يا عاصم؟ عشان حتة بت حافية مالهاش أصل ولا فصل؟ بكرا تندم يا ولد بطني.. بكرا جبل ياكلك وياكل ورث أبوك، وتيجي تحت رجلي تبكي، ووقتها مش هسامحك."

​عاصم غمض عينيه بوجع، وفتح الباب وشاورلها لبرة: "وفري كلامك يا أمي.. الورث اللي ييجي بدم الخيانة، أنا دايسه برجلي. اتفضلي.. عشان عمي جبل بيه لو لمح طيفك بعد الساعة دي، أنا نفسي مش هقدر أحميكي منه."

​خرجت مايسا تجر أذيال الخيبة والكسرة وسط نظرات الخدم اللي كانوا واقفين يتهامسوا وسعيدين بمشيتها وفراقها للدار. ريم ورنا اقتربوا منها ودموعهم نازلة، لكن هي صرخت فيهم بغل وزقّتهم وهي بتقول: "غوروا من وشي!" انخضت البنات وجريوا على أوضتهم وهم بيصرخوا من الخوف. عاصم في اللحظة دي جرى عليهم وأخذهم في حضنه يطمنهم، وبعد ما هديوا، قفل الباب ورا أمه، وسند راسه على الحيطة ونزلت من عينه دمعة قهر ومسحها بسرعة وقسّى قلبه.

​في جناح جبل
​الهدوء كان بيسود الأوضة الواسعة، المتبخرة بريحة العود الصعيدي الأصيل. "قلب" كانت قاعدة على طرف السرير الكبير، لسه بفستان فرحها الأبيض اللي زي الملاك، بس كانت بتترعش؛ مش بس من خوف اللي حصل مع عاشور، لأ.. من رهبة المكان، ومن جبل نفسه اللي بقى جوزها رسمي على سنة الله ورسوله.

​الباب انفتح بهدوء، ودخل جبل. قلع عبايته ورماها على الكرسي، وبص لقلب اللي نزلت راسها في الأرض وعينيها دبلانة من الخوف والخجل. قرب منها بخطوات بطيئة ومكتومة لحد ما وقف قدامها.

​نزل لمستواها، ورفع وشها بصباعه بكل حنان، وبص في عينيها اللي بتلمع بالدموع: "لسه خايفة يا قلب؟ لسه مش مصدقة؟ أنا جنبك اهو ومستحيل أخلي حد يقرب منك. إنتي لازم تقوي يا قلب وتكوني شديدة، عشان تعرفي إن الدنيا مش سهلة ومش هتعيشي تواجهي اللي زي عاشور وبس، لا.. إنتي هتلاقي شر كتير، بس اعرفي إن رقبتي تسد قبل ما حاجة تأذيكي."

​قلب بصوت مخنوق ومتحشرج: "أنا.. أنا مش خايفة من عاشور، أنا خايفة من كل حاجة حواليا يا جبل.. البيت ده كبير، والشر فيه كتير، وأنا حاسة إني غريبة.. حاسة إني تقلت عليك وشيلتك هموم مش همومك."

​جبل قعد جنبها ومسك إيديها الاتنين بين كفوفه الخشنة، وضغط عليهم بحنان: "تقلتِ عليا؟ إنتي متعرفيش إنتي بقيتي إيه بالنسبة لجبل الجبالي؟ يا قلب، أنا عشت عمري كله زي الصخر، مفيش حاجة بتهزني، لحد ما دخلتِ الدار دي.. كنتي الأول مسؤولية كبيرة ووصية ليا، بس بعد كده حركتِ فيا مشاعر كنت فاكرها ماتت مع الأيام. إنتي مش حمل.. إنتي الأمان اللي كنت بدور عليه وسط سلاحي وحروبي. طول ما أنا واخدك في حضني، انسي الدنيا دي كلها."

​كلام جبل نزل على قلبها زي البلسم، الرعشة اللي في إيدها بدأت تروح، وبصت في عينيه الواسعة والمليانة صدق، ولأول مرة تحس إن الجبل ده مش مجرد اسم.. ده حامي وسند حقيقي ليها. وعشان عقلها نضج فجأة من كتر الصدمات وبقت تفكر كأنثى بالغة وخصوصاً إنها متعلمة، استوعبت قيمة الراجل اللي قدامها.

​جبل شاف سكونها وهدوءها، قال بنبرة حنونة: "نامي يا قلب وارتاحي، مفيش حد هيقرب منك غير لما يعدي على جثتي."

ردت قلب بسرعة وعفوية: "بعد الشر عليك يا جبل."
​ابتسم جبل من قلبه، وأخذها في أحضانه ونام بسلام، كأنه حاز على جائزة ثمينة كان مستنيها العمر كله.

​في حديقة القصر

​عمر كان قاعد على الترابيزة اللي في الجنينة، وباصص للسما بتفكير. فرح قربت منه بخطوات هادية، وكانت شايلة في إيدها كوبايتين شاي دافي. قعدت جنبه وحطت الكوبايات، ولفت وشها له بابتسامة صافية.

​فرح: "الجميل سرحان في إيه؟ الفرح خلاص خلص، والشر فارقنا، والدار صفت لأصحابها."

​عمر بصلها وخد إيدها باسها: "سرحان فيكي يا فرح.. في كلامك اللي قولتيه تحت في وسط المعمعة. إنتي بجد كنتِ عايزاني أطلقك؟ بجد هان عليكي حب السنين ده كله عشان خاطر الخِلفة؟"

​فرح دموعها نزلت غصب عنها: "يا عمر أنا بحبك، وعشان بحبك مش عايزة أشوف في عينك نظرة حسرة لما تشوف عيال جبل أو عيال مروان بيجروا حواليه. أنا حاسة إني ناقصة يا عمر.."

​عمر حط إيده على بقها بسرعة وقال بحدة وحب: "إياكي تقولي كدة تاني! إنتي كاملة في عيني، وربنا لو مش كاتب لنا الرزق ده، يبقى حكمته فوق كل شيء. أنا مكتفي بيكي، والبيت ده من النهاردة هيتملي بحركة ريم ورنا وحبيبة، وبكرة جبل وقلب يجيبوا عيال ونربيهم معاهم. فرح.. إنتي طفلتي الأولى والأنثى الوحيدة في قلبي، اقفلي الصفحة دي وخلينا نعيش اللي باقي من عمرنا في رضا."

​فرح ارتمت في حضنه وهي بتعيط، بس المرة دي كانت دموع راحة وأمان، حست إن حب عمر ليها أقوى من أي كلام وأي نقص.

​في الصباح اليوم التالي

​فاق جبل وجد قلب في أحضانه. تململت قلب ببطء، فعمل جبل نفسه نايم عشان يشوف هتعمل إيه. لقى قلب بتمد إيدها وتمسح بحنية على وجهه، كأنها بتتعرف على ملامحه وبتحسس عليها بين إيديها.

​فجأة جبل فتح عينه وبص عليها وهو بيبتسم، قلب اتخضت ولقت نفسها بتجري على الحمام من الكسوف.
ضحك جبل وقال لنفسه: "هتعملي إيه فيا تاني يا قلب؟ الجبل يارب يعيني عليكي يا قلب." وقام أخد غيار ودخل الحمام التاني، ونزل قبلها بعد ما خبط على الباب وأخبرها إنه هينزل يستناها تحت

​جبل نزل من جناحه ودخل المندرة، لقى عاصم قاعد هناك من بدري وشكله منامش طول الليل.

جبل قعد على مكتبه وبص لعاصم بجدية: "منمتش واصل يا عاصم؟ ليه يا ولد أخويا شاغل بالك باللي راح؟"
​عاصم وقف باحترام كأنه شاب كبير وكلم عمه بوقار: "ميجليش نوم يا عمي.. وأنا حاسس إن وشي في الأرض قدامك وقدام الكل بعد اللي أمي عملته."

​جبل قام وقف وقرب منه وطبطب على كتفه بقوة: "ارفع راسك يا ولد أخويا.. الراجل ميتعابش بغلط غيره، وإنت امبارح أثبت إنك راجل ودكر من ضهر راجل. دار أبوك مفتوحالك، وأرضك ومحصولك إنت اللي هتشرف عليهم من النهاردة. بعد لما ترجع من مدرستك وتخلص دروسك، تشق وتطل على مالك. أنا شيلت عنك وصاية أمك للبنات عشان أريحك من مشاكلها، بس إنت كبير العيلة دي بعدي، وراجل البيت في غيبتي.. فاهم ولا لأ؟"

​عاصم عينه لمعت بالدموع وباس إيد عمه لأنه كبّره قدام نفسه وقدام الدنيا: "فاهم يا عمي.. وربنا يقدرني وأكون عند حسن ظنك، وأحمي الدار دي برقبتي."

​في اللحظة دي، نزلت "قلب" من فوق. كانت لابس عباية صعيدي شيك جداً، اشترتهالها فريدة وفرح بإشراف الحجة مهرة، وعليها دهب كبير يليق بحرم الجبل وتليق بلقب "ست الدار"، وملامحها كانت هادية ووشها منور. هي آه لسه ملامحها طفولية بس عقلها مبقاش طفولي؛ هي عرفت إنها خلاص بقت مراته وملهاش حد غيره، وعشان كدة ظهرت قوتها وثقتها بنفسها وهي نازلة.

​حبيبة الصغيرة كانت في حضنها وهما نازلين سوا، وريم ورنا كانوا نازلين وراها وهم بيضحكوا، وقلب كانت ماسكة إيديهم وبتهزر معاهم وبيضحكوا مع بعض ولا كأن أمهم سابت البيت؛ لأن قلب احتوتهم وبقت ليهم الأم والأخت.
​جبل بص للمنظر ده، وحس إن القصر اللي كان دايماً عبارة عن جدران صامتة وأوامر صارمة، وشخط وزعيق مايسا وخبثها، بقى فيه "روح" و"حياة".

بص لقلب بابتسامة واسعة وقال بصوت مسموع للكل: "يا أهلاً بست الدار.. من النهاردة، الكلمة كلمتك، والشورى شورتك يا قلب الجبل بعد الحجة مهرة طبعاً.. إنتي قلب جبل الجبالي." وكأنه بيعترف قدام الجميع إنها ملكت قلبه وعرشه.

قلب بصت له بحب وفخر، وعرفت إنها من اللحظة دي مش اليتيمة التايهة.. دي الملكة المتوجة على عرش قلب الجبل.
​انقضت الأيام الأولى بعد الفرح، وقصر الجبالي بدأ يلبس توب جديد من الهدوء والسكينة، بس على البُعد، وتحديداً في نجوع قنا حيث بلاد أخوال عاصم، كانت الصراصير في غيطان الليل مبتغطيش على صوت صريخ "مايسا" اللي دار بين جدران بيت أبوها القديم.

​بلاد بحري قنا
​البيت كان مبني بالطوب اللبن والأسمنت، بيت كبير وقديم بيحكمه الحاج "عبد القوي" أخو مايسا الكبير (وأخو مروان جوز فريدة وابن عم جبل، بس هو عايش في قنا من زمان). هو الوحيد اللي مايسا بتخاف منه، راجل صعيدي ناشف، كلمته سيف، وجبل بيحترمه جداً وعارف إن أخته مايسا رجعتلهم مطرودة ومكسورة العين بسبب عمايلها السودة وغدرها ببيت العيلة وتدخيلها عدو العيلة للبيت.

​جوة الأوضة الجوانية، كانت مايسا رايحة جاية زي القطة الهيجانة، شعرها منكوش، وعينيها حمرا من كتر الغل وقلة النوم. كانت بتخبط بكفوفها على الحيطة وتصرخ:

"أنا أترمي كدة؟ أنا مايسا الجبالي، مرات جبل الجبالي، أترمي في بلاد بحري والبت الحافية تقعد مكان الهانم؟ جبل ذلني.. وولدي ولد بطني باعني عشان حتة عيلة مالهاش أصل!"

​دخل عليها الحاج عبد القوي، وكان ماسك سبحته في إيده، وبص لها بنظرة كلها قرف وغلظة:
"اخرسي واقطعي لسانك يا مايسا! إنتي لسه فيكي عين تتكلمي؟ احمدي ربنا إن جبل الجبالي ولد أصول، ومسلمكيش للمشنقة بعد ما حطيتي السم للبت، وجبتي المطاريد لبيته ليلة فرحه! إنتي وكسرتي راسنا في الأرض وسط العائلات يا فاجرة!"

​مايسا قربت منه وجنونها زاد، مسكته من جلابيته وهي بتترعش:
"أنا كنت بجيب حق ولدي! جبل عايز ياكل ورث عيال أسامة، وهيخلي البت دي تخلف وتجيب عيال يورثوا الجبل كله! إنت أخويا.. لازم تقف معايا، لازم تجيب لي رجالة تروح تحرق قلب جبل على مراته!"

​عبد القوي نفض إيدها بقوة لدرجة إنها وقعت على الكنبة، وقال بزئير هز الأوضة:
"الرجالة اللي بتتكلمي عنهم دول مبيروحوش يقتلوا الحريم ويهتكوا العِرض يا مايسا! جبل جوّز البت على سنة الله ورسوله، وولاد أخوه عاصم وريم ورنا قاعدين في حماه، وهو أكتر واحد بيحب بنته حبيبة ومأمنهم. من النهاردة، الباب ده هيتقفل عليكي بالضبة والمفتاح، وتليفونك ده هيتاخد منك، ولو سمعت حسك برة الأوضة دي، هتبرى منك وهقتلك بيدي دول.. ولا أقولك؟ أنا اللي هبلغ جبل ييجي يخلص عليكي.. وآه صحيح، جبل بعتلك ورقة طلاقك واكتفى إنه يطلقك بس عشان يقطع حبالك واصل!"
​خرج عبد القوي ورزع الباب وراه، وقفله بالترباس من برة.

مايسا رمت نفسها على الأرض وهي بتعيط بهستيريا وتخربش وشها بضوافرها:
"ماشي يا جبل... بقى إنت تطلقني؟! والله ما هسيبكم، لو هحرق الجبل باللي فيه، مش هسيب البت دي تتهنى بنَفَس واحد في قصر الجبالي!"

​في قصر الجبالي (جناح جبل وقلب)
​على العكس تماماً، الهدوء كان بيغزل خيوطه في جناح جبل. الشمس كانت لسه بتشق طريقها من ورا الجبل، ونورها دافي بيعكس على وش "قلب" اللي كانت نايمة بسلام، وشعرها الأصفر الطويل اللي زي خيوط الذهب مفرود على المخدة.

​جبل كان صاحي من بدري، لابس جلبابه الأبيض الخفيف، وقاعد على الكرسي الهزاز بيبص لها بشرود وحب ملوش آخر. قام بهدوء وقرب من السرير، قعد على طرفه ولمس وشها بصباعه بحنية.

​قلب فتحت عينيها ببطء، ولما شافت جبل قدامها ابتسمت ابتسامة بريئة خطفت قلبه:
"صباح الخير يا جبل.."

​جبل مال عليها وباس راسها:
"صباح النور يا قلب الجبل، وروح الجبل.. كيفك النهاردة؟ عساكي ارتحتي ونومك عاد هادي؟"

​قلب قعدت وسندت ضهرها، ولمت شعرها لورا بخوف ظهر في عينيها:
"آه الحمد لله.. بس هتصدقني لو قولتلك حلمت إن مايسا دي رجعت تاني؟"

​جبل مسك إيدها وضغط عليها يطمنها:
"لا يا قلب.. هي مشيت بلا رجعة يا قلب، وعبد القوي أخوها هناك هيعرف كيف يربيها من جديد وبطريقته. الدار دارك، أنا عايزك تملي الدار دي حركة وفرح، وعايز البنات (ريم ورنا وحبيبة) يتعلموا منك المذاكرة، وإنتي كمان تذاكري اللي فاتك عشان تدخلي الامتحان وتنجحي وتكبري في عيني أكتر وأكتر."

​رغم إن الباب كان مقفول على مايسا، وتليفونها اتقفل، إلا إن شرها كان أسرع من الحبس؛ لأنها كانت مخبية سنسال ذهب غالي جداً في بطانة هدومها الداخلية محدش وصله في التفتيش. بالليل، استغلت إن البنت الشغالة الصغيرة اللي بتجيب لها الأكل دخلت الأوضة.

​مايسا مسكت البنت من إيدها بقوة، وطلعت من جيبها السنسال الذهب:
"شايفة ده يا بت؟ ده ذهب صافي.. تمنه يجهزك ويجوزك سيد سيده."

​البنت عينيها لمعت بالذهب بس خافت: "عايزة إيه يا ست هانم؟ لو الحج عبد القوي عرف هيدفني حية!"

​مايسا ضغطت على إيدها بخبث وجنون مالي عينيها:
"مش هيعرف.. تخرجي برة البيت سكتي، وتروحي للواد الوسيط وتخليه يوصل الرسالة دي لـ 'سلطان' دراع عاشور اليمين.. أنا حافظة الرقم وعارفة مكانهم في الجبل. قوليلهم: عاشور في الحبس، بس رجالة عاشور لسه في الجبل، ومايسا بتقولكم اللي هيحرق قصر جبل الجبالي ليه مكافأة عمره ما يحلم بيها.. ليلة الجمعة الجاية، القصر لازم يكون رماد!"

​البنت هزت راسها بالموافقة من زغللة الذهب في عينيها، وخدت السنسال وجريت، ومايسا قعدت على السرير تضحك بصوت واطي ومجنون:
"هتتحرقوا كلكم.. جبل، وقلب، وعاصم.. الدار اللي متكونش ليا، مش هتبقا لغيري!"

​في قصر الجبالي، جبل كان قاعد مع عمر وعاصم بيتكلموا في الشغل، وفجأة جبل حس بقبضة في قلبه، وبص ناحية الجبل وقال بنبرة قلقانة:
"الجو هادي زيادة عن اللزوم يا عمر.. والهدوء ده وراه عاصفة، أنا حاسس إن ديابة الجبل بيحضروا لحاجة."

                 الفصل التاسع من هنا
تعليقات



<>