رواية لقاء بين غريبين الفصل الثامن8 بقلم فاطمة شلبي


رواية لقاء بين غريبين الفصل الثامن8 بقلم فاطمة شلبي


الصبح طلع.. وفريدة واقفة قدام المراية بتلف حجابها لأول مرة وهي ناوية تمشي بيه.. الشنطة كانت جاهزة.. بس قلبها كان لسه متعلق ورا البيت..في الأرض الواسعة..مع ياسين ووجعه.

نزلت فريدة السلم بخطوات تقيلة.. لقت الكل متجمع في الصالة.. "عماد" و"رحمة" واقفين وعلامات الحزن على وشهم..
"حور" و"زينة" عيونهم مدمعة وكأنهم بيفقدوا أختهم الكبيرة مش مجرد ضيفة.. وحتى "أنس" و"محمود" كانوا واقفين بجمود وسكوت غريب.

​ياسين كان واقف بعيد شوية..ساند ضهره على الحيطة وإيده في جيوبه..ملامحه رجعت "قناع خشب" زي ما كانت..بس عينيه كانت بتلمع ببريق غامض وهو بيراقب كل حركة بتعملها.

​الجدة "إيمان" قربت من فريدة وحضنتها جامد وكأنها بتستمد منها القوة..
_خليكي معانا يا بنتي.. البيت ملقاش ضحكته غير بيكي..والروح مش هترد فينا بجد إلا لو فضلتي وسطنا.. متمشيش يا فريدة.

​فريدة حست بوجع في قلبها..بصت لياسين نظرة طويلة... كانت مستنية منه "كلمة".."إشارة"..أو حتى "نظرة" تقولها "خليكي"
بس ياسين فضل ساكت..عينه كانت مثبتة عليها بقوة بس من غير ما يديها أي دليل على اللي بيدور جواه.. بروده ده وجعها أكتر من فكرة السفر نفسها.

​فريدة سحبت نفس عميق وقالت بصوت مهزوز..
_ يا تيتة أنا والله اتعلقت بيكم جدا.. بس حياتي كلها هناك والجامعة..وأنا أطمنت عليكم خلاص.. لازم أمشي..هجيلكم في الإجازة مش هتأخر عليكي.

فريدة سلمت على الكل ..والدموع كانت مالية عين "زينة" و"حور" وهما متبتين فيها وبيترجوها تفضل..بس فريدة حسمت أمرها وسحبت شنطتها وطلعت بره البوابة.. بقلم فاطمة شلبي وياسين كان واقف بعيد ملامحه زي الصخر مابينطقش..وكأنه بيجبر نفسه يسيبها تمشي عشان ميعرضهاش لخطر أكبر.

​لسه فريدة بتفتح باب العربية.. فجأة.. السكون اتقطع بصوت
 "واقعة "قوية وصرخة مكتومة من حور. 
الكل لف بذهول.. "زينة" كانت واقعة في وسط الحوش..جثة هامدة..مفيش أي حركة..ولا حتى أنفاس مسموعة.

​الكل جرى عليها ..ومحمود..شالها بين إيديه وهو بيصرخ باسمها..
_ زينة!! ردي عليا يا زينة.. فتحي عينك.

​محمود كان حالته لا يرثى لها..الدنيا لفت بيه.. ساب الكل وجرى ورا ياسين اللي ركبها العربية وطار بها على المستشفى وفريدة وراهم بعربيتها السفر مابقاش له وجود في قاموسها دلوقتي.

​في المستشفى...

الممر كان عبارة عن "صوان عزا" في صمت... محمود قاعد..ساند راسه بين إيديه وبيترعش بخوف ..وياسين رايح جاي زي النمر الجريح.. عروق رقبته بارزة وعينيه فيها "نار" لو طلعت هتحرق الكل.

​خرج الدكتور بعد وقت طويل..ملامحه كانت مشوشة..وبص لياسين وقال بصوت هادي..
_ الحالة غريبة جدا يا سيادة الرائد.. الآنسة زينة جسمها مكنش فيه مرض.. هي ''اتحقنت'' بمادة مخدرة مفعولها بطيء جدا.. مادة بتدخل الجسم تدريجيا..وتدخله في حالة خمول وغيبوبة مفاجئة من غير أي أعراض تسبقها.

​ياسين كان بيستوعب كلامه في ذهول..
_ يعني إيه.. طيب الحالة دي ليها علاج..؟

​الدكتور كمل بقلق..
_ المادة دي مش بتظهر في التحاليل العادية..وتأثيرها على الجهاز العصبي خطير.. هي حاليا..تحت الملاحظة الدقيقة.. ومش هنعرف أي حاجة غير لما تفوق.. ده لو فاقت في الـ 48 ساعة الجايين من غير مضاعفات.

ياسين كان واقف قدام غرفة العناية..عينه مش بتفارق "زينة" اللي نايمة ملامحها باهتة..وصوت جهاز القلب هو الوحيد اللي بيقطع السكون..
فجأة..تليفونه رن.. كان رقم "القيادة".

​رد ياسين..بصوت مبحوح..
_ تمام يا فندم.. تحت أمرك.. مسافة الطريق.

​بص لفريدة اللي كانت لسه واقفة جنبه..وقال بنبرة آمرة وهادية في نفس الوقت..
_ فريدة.. زينة أمانة في رقبتك..ومحمود حالته ضايعة..خليكي جنبه وجنب زينة.. أنا لازم أمشي حالا.

اتلفت لحور اللي كانت واقفة جنب أنس..اللي كان مقهور على أخته..
_ حور.. خدي أنس والباقي..وخليكم في البيت..تيتة لو فضلت هنا هتتعب أكتر. 

​خرج ياسين من المستشفى زي الإعصار..وصل المديرية ودخل مكتب "آدم" اللي كان مستنيه وعلى وشه ملامح انتصار..

آدم..
_ لقيناهم يا ياسين.. اتنين من اللي كانوا خاطفين البنات..اتقبض عليهم وهم بيحاولوا يهربوا مخدرات.

​ياسين مدخلش في سلامات.. دخل أوضة التحقيق زي
 "الوحش الكاسر".. مسك واحد من المتهمين من رقبته.. وصوت ياسين طلع بفحيح مرعب..
_ حقنتوها بأيه..انطق بدل ما أدفنك هنا وما حدش يعرف لك طريق..! 

​المتهم كان بيترعش من الخوف ..
_ والله يا باشا أنا عبد مأمور.. صفوت بيه هو اللي أمر.. دي
 " تجربة"..حقنة من الصنف الجديد اللي لسه هينزل السوق للشباب.. صنف ملوش ريحة ولا طعم ومفعوله بيبدأ بعد فترة.. عشان يضمن إن اللي بياخده ميعرفش مين اللي عطاهوله..!

​ياسين ساب رقبة الراجل وهو مصدوم..والصورة بدأت توضح قدامه.. صفوت بيجرب سمومه عليهم..عشان يذل ياسين ويختبر قوة المادة في نفس الوقت.

____________<<_____________<<_______________

مرت 3 شهور..
3 شهور والبيت اللي كان دايما صوته عالي..بقى عامل زي "البيت المهجور" اللي سكنه الصمت.. العيد عدى..ورمضان خلص.. والناس رجعت لحياتها... لكن حياتهم وقفت عند اللحظة اللي زينة وقعت فيها في الحوش.

​زينة لسه في المستشفى..حالة "نوم عميق" ..
الدكاترة مش لاقيين لها تفسير طبي كامل..وكأن جسمها رافض يرجع للواقع...
محمود دقنه طولت وعينه دبلت من السهر جنب باب العناية..مبيتحركش من مكانه إلا للضرورة القصوى.. وكأن روحه مربوطة بنبض جهاز القلب اللي جنب زينة.

​أما ياسين.. فبقى طول ال 3شهور ..مبيتكلمش غير في التحقيقات..قلب الدنيا على مخازن صفوت الجبالي.. صادر شحنات.. وقبض على رؤوس كبيرة.. بس صفوت نفسه لسه
 "زي الشبح"..كل ما يقرب منه يهرب في آخر لحظة .

​في القاهرة..
فريدة كانت بتمتحن وقلبها هناك...خلصت آخر مادة..ومع آخر ورقة سلمتها..كانت شنطتها جاهزة في العربية.. مكنتش قادرة تبعد أكتر من كده.. 
​وصلت فريدة مع غروب الشمس..ركنت عربيتها قدام المستشفى قبل ما تروح البيت...دخلت الممر الطويل.. لقت محمود قاعد في نفس ركنه.. باصص للفراغ.

فريدة طبطبت على كتفه بحزن..
_ هتقوم يا محمود.. أنا واثقة من ده.

​محمود اتنهد بتعب..
_ يارب يافريدة يارب...أنا حاسس أن الدنيا وقفت بنومتها دي.

فريدة بصتله بوجع..
_ بتحبها أوي كده..؟

محمود عينه لمعت..ودارى دموعها قبل ما تنزل...
_ صدقيني معرفش أمتى..بس زينة بالنسبة لي حياتي ..أنا حاسس إني مش قادر أكمل..لو جرالها حاجة أنا مش هيبقى لي وجود. 

فريدة ردت بسرعة..
_ ان شاءالله مش هيحصلها حاجة متقلقش ..زينة هتقوم وهتبقى كويسة..ونفرح بيكم كمان..بس أنت لازم تبقى قوي عشانها .

محمود أخد نفس طويل وطلعه بتعب..وهز رأسه وسألها..
_ أنتي روحتي البيت ..ولا أجي أوصلك..

فريدة ردت بهدوء..
_ لسه مروحتش..أنا جيت على هنا على طول..هو ياسين فين صحيح..؟؟!

​محمود بتعب..
_ ياسين مبيجيش هنا غير في نص الليل.. بيطمن عليها وهي نايمة ويمشي كأنه هربان من الدنيا..هو في المديرية بقاله يومين منامش.
_________________<<____________<<___________

وصلت فريدة البيت.. اللي سكنه هدوء حزين ومقبض.. دخلت الصالة..لقت الجدة "إيمان" قاعدة وساندة راسها..أول ما شافتها فتحت دراعاتها بلهفة ودموع..
_ فريدة.. نورتي يا بنتي..كنت عارفة إنك مش هتتأخري علينا وتنسينا تاني . 

​فريدة حضنتها بحنان وسلمت على "رانيا" اللي كانت ملامحها شاحبة وباهتة..و"حور" اللي جريت عليها وحضنتها كأنها لقت طوق نجاة وسط الغرق ده.

سألت فريدة بصوت واطي وهي بتدور بعينيها..
_ ياسين مش هنا صح..؟

​حور اتنهدت بضيق..
_ ياسين يا فريدة مبيشوفش النوم.. المديرية بقت بيته..ولو جه هنا بيفضل محبوس في المكتبة بالساعات..ومحدش فينا بيجرؤ يخبط عليه.

​فريدة طلعت أوضتها.. غيرت هدومها..وبدل ما تنام..رجلها سحبتها للمكان اللي ريحته لسه "ياسين".. المكتبة.

فتحت الباب براحة.. ريحة الورق القديم والقهوة.. كانت مالية المكان.. قعدت على الكرسي بتاعه..وبصت للمكتب اللي غرقان في ملفات قديمة.. 
فجأة..لفت نظرها إن "درج المكتب" موارب.. مكنش مقفول زي العادة..!

​فضولها..وخوفها عليه..وحبها اللي بدأ يكبر وسط الوجع..خلوها تمد إيدها وتفتح الدرج.. لقت "الدفتر الأسود " جلده متآكل من الأطراف. 
فتحت أول صفحة بقلب بيدق بعنف.. ولقت خط ياسين وهو كاتب كلمات من سنين فاتت..
​" اليوم أتممت عامي العاشر في سجن صفوت.. أمي رحلت وتركتني قالت إنه.. سيجعل مني رجلا..لكنها لا تعرف أنه يصنع مني وحشاً.. كل ليلة أسمع صوت إخوتي في خيالي..وأقسم أنني سأعود يوما..ليس لأحمي السقف الذي يجمعنا بل لأطهر الأرض من دنس الذين" خانوا والدي".. حتى لو كانت هي أولهم.

​فريدة شهقت بصدمة وهي بتقلب الصفحات.. لقت صور قديمة لياسين وهو طفل.. وجنبها ملاحظات عن "صفوت الجبالي"

وشراكات قديمة مع أسماء هزت كيان فريدة.. أسماء كانت بتفتكر إنها بعيدة عن الشبهات.

​وفي آخر صفحة مكتوبة..لقت تاريخ حديث.. ليلة الوقفة.. ليلة ما حكى لها وجعه..
"فريدة.. هي الخطر الوحيد الذي لم يكن في حسابي .. وجودها يضعف الوحش الذي بداخلي..ويذكرني بآدميتي التي ظننت أنني فقدتها.. سفرها غداً هو الحل الوحيد.. لأن البقاء بجانبي يعني الاحتراق بناري.."

فريدة قلبت في الدفتر كله..لقت ياسين عامل خريطة متابعة كل واحد في البيت وعارف كل حاجة عن كل واحد ...وكاتب ملاحظات عن كل واحد في العيلة بيروح فين وبيعمل أي.

​فريدة قفلت الدفتر وإيدها بتترعش.. دموعها نزلت على جلد الدفتر الأسود...عرفت دلوقتي ليه ياسين كان ساكت وهي ماشية
 
وعرفت إن السر اللي بيهدد بيه صفوت أكبر بكتير من مجرد "ماضي".. ده سر يخص "موت عاصم الجبالي" نفسه..! 

صدمتها في الموضوع كانت لا تقل عن صدمتها في إن ياسين بيشك في عيلته..! 

​فجأة..سمعت صوت خطوات رزينة بتقرب من باب المكتبة.. صوت "البيادة" الميري اللي حافظاه كويس.. ياسين رجع..! 

فريدة كانت لسه إيدها بتترعش على جلد الدفتر الأسود..ودموعها بللت الورق.. وفجأة.. اتفتح الباب.

​ياسين كان واقف.. ملامحه شاحبة من سهر الليالي في المديرية.. لبسه الميري عليه آثار تراب وغبار..وعينيه كانت مليانة إجهاد مش طبيعي. 
أول ما شاف فريدة قاعدة على مكتبه..قلبه دق دقة غريبة.. ملامحه كانت لسه هتلين بلهفة "وحشته" اللي كتمها 3 شهور.. بس فجأة ..عينه نزلت على إيدها.. وشاف "الدفتر".

​في ثانية..ملامحه اتحولت من اللهفة لبركان غضب صامت..قرب منها بخطوات سريعة ومرعبة.. لدرجة إن فريدة اتنفضت وقامت وقفت وهي بتحاول تخبي الدفتر ورا ضهرها بتلقائية.

​ياسين وقف قدامها..والمسافة بينهم مكنتش تسمح حتى بالنفس.. مد إيده بعنف وسحب الدفتر من إيدها.. وصوته طلع بفحيح مرعب هز أركان المكتبة..
_ إنتي بتعملي إيه هنا..؟ ومين أدالك الحق تلمسي حاجة متخصكيش..؟!!

​فريدة حاولت تستجمع قوتها رغم رعبها من نظرته..
_ ياسين.. أنا مكنتش أقصد.. الدرج كان مفتوح.. وأنا..

​قاطعها بصوت زلزلي وهو بيخبط الدفتر على المكتب..
_ أنتي أي ..قولتلك بلاش تفتشي في حاجة متخصكيش..مصممة تدخلي نفسك في حوارات متخصكيش ليه..؟؟!

فريدة بلعت ريقها بصعوبة.. وحاولت تستجمع قوتها وهي بتبص في عينيه اللي كانت بتطلع شرار..
_ ياسين.. أنا مكنتش جاية أفتش..أنا كنت بدور عليك.. بس اللي شوفته خلاني مش قادرة أسكت.. إيه علاقة موت أبوك بالبيت هنا؟ وليه الخريطة دي؟ ليه مراقب كل واحد في العيلة وكأنهم متهمين في قضية..؟بقلم فاطمة شلبي 

​ياسين ضحك بمرارة وسخرية هزت كيانها.. ورمى الدفتر على المكتب بعنف..
_ قولتلك قبل كده متدخليش.. ده شغلي.. دي حياتي اللي إنتي متعرفيش عنها حاجة..! .. اطلعي بره يا فريدة..وجودك هنا غلط من الأول.

​فريدة مسمعتش كلامه ومشيت بالعكس.. قربت منه خطوة وهي بتشاور على الدفتر بصوت عالي ..
_ لا مش هطلع.. أنا من حقي أفهم ليه حاطط اسم أمك ''رانيا'' أول واحدة في لستة الشك..؟ ليه كاتب إنها باعتكم..؟ وليه شاكك إنها ليها يد في اللي حصل لوالدك..؟؟

​ياسين ملامحه اتشنجت وقال بفحيح مرعب..
_ عاوزة تفهمي إيه..؟ أنتي جاية تفهمي ولا جاية تشمتي ..؟؟ جاية تتفرجي على خيبتي وتتأكدي إن أمي ممكن تكون هي اللي قتلت أبويا عشان خاطر صفوت اللي يبقى عمي...؟؟!

​فريدة اتصدمت من هجومه ومن بشاعة الكلمة اللي نطقها.. بس بدل ما تتراجع.. بصت له بنظرة مليانة حزن وصدق خلت ملامحه تتهز.. وردت بصوت هادي ومؤثر سكن بركان غضبه في ثانية..
_ أشمت فيك يا ياسين؟.. ياسين اللي شاف إني الوحيدة اللي ليها حق تشوف ''الإنسان'' اللي جواه... يستحق مني أصون سره في قلبي.. مش أشمت فيه.. !!
أنا خايفة عليك من الحقيقة اللي بتدور عليها.. خايفة قلبك يتكسر. 

​ياسين سكت تماما.. كلماتها نزلت عليه زي المطر اللي طفى نار غضبه... بص لفريدة بذهول.. إيده اللي كانت ضاغطة على المكتب بدأت ترتخي..وعينيه اللي كانت مليانة غضب..فجأة بان فيها "الطفل" المكسور اللي فريدة قرأت عنه في الدفتر.

​سند راسه بإيده على المكتب وهو بيغمض عينه بتعب ووجع...وقال بصوت مهزوز لأول مرة..
_ السر ده لو طلع حقيقي يا فريدة.. البيت ده مش هيقع.. البيت ده هيتحرق باللي فيه.. وأنا أولهم..!

فريدة قربت منه بخطوات هادية..وحطت إيدها برفق على طرف المكتب عشان تحسسه بوجودها المطمن.. وقالت بصوت هادي وموزون..
_ ياسين.. أنا حاسة بيك..وعارفة إن اللي عملته مامتك زمان لسه مأثر فيك ومعلم في قلبك لحد النهاردة.. بس فكر بالعقل.. مستحيل أم تأذي أبو ولادها عشان خاطر أي حد في الدنيا... ركز يا ياسين..الظلم وحش.. وأنا خايفة تظلمها وترجع تندم.

​ياسين بدأ يهدى شوية.. أنفاسه انتظمت ..وكأن كلماتها كانت "فرملة" لقطر أفكاره السريع.. بس فجأة..سألها باستغراب وحيرة ظهرت في عينيه..
_ إنتي غريبة يا فريدة.. ليه معلقتيش إني حاطط اسم
 (أبوكي وأمك) كمان في لستة الشك..؟؟

​فريدة ابتسمت ابتسامة باهتة فيها ثقة.. وردت بهدوء وثبات..
_ لأني عارفة إن ده شغلك... وأنت لازم تشوف الصح فين وتعمله وتدور في كل الاتجاهات.. مش معنى إنك حاططهم في الخريطة إنهم مجرمين..!
 أنا واثقة في أهلي ومستحيل أشك فيهم لحظة..وعارفة إنهم ملهومش علاقة.. بس اللي مزعلني بجد هو علاقتك بمامتك اللي بتسوء كل يوم.. والشرخ اللي بيكبر بينكم.

​سكتت لحظة وبصت في عينيه بتركيز وكأنها بتقرأ اللي وراهم..
_ ياسين.. فكر في المجرم التالت اللي محدش عارف يوصله.. يمكن صفوت هو اللي بيضللك؟!.. يمكن بيرمي قدامك خيوط تخليك تشك في أقرب الناس ليك عشان تنشغل بيهم وتتفتت العيلة من جوه ..وهو يفضل يلعب براحته في الضلمة..؟!

​ياسين فضل باصص لها لثواني طويلة..وكأن كلامها لمس حتة "تايهة" في الخطة اللي بقاله شهور بيبنيها.. كلامها منطقي.. وصفوت فعلا..شيطان يقدر يعمل كده.

​سحب نفس طويل وطلعه ببطء.. وعينه لانت لأول مرة وهو بيبص لفريدة اللي رجعت ومعاها "عقل" كان هو محتاج يسانده في وسط العاصفة دي.. وقال بصوت هادي..
_ يمكن يا فريدة.. يمكن.. بس الحقيقة اللي في الدفتر ده مش مجرد شكوك.. دي أسرار .

فريدة..عينها جت في عينه بنظرة طمأنينة خلت نبضه يهدى تماما وقالت بهدوء..
_ ياسين.. سرك اللي في الدفتر ده مستحيل يخرج برانا إحنا الاتنين..هيفضل محبوس بين السطور ومعايا أنا.. اطمن.. أنا مش جاية أهد اللي إنت بتبنيه..!

​ياسين فضل باصص لها لثواني طويلة..وكأن كلامها كان 
"طوق نجاة" لروحه اللي كانت غرقانة في الشك.. سحب الدفتر بهدوء وحطه في الدرج وقفل عليه بالمفتاح.. وكأنه بيقفل على وجع سنين بكلمة منها.

​فريدة في اللحظة دي.. كانت بتفتكر الكلمات اللي قرأتها في آخر صفحة.. كلامه عن إنها "الخطر الوحيد" وإن وجودها بيضعف "الوحش" اللي جواه.. استشفت من بين السطور حقيقة مشاعره اللي بيحاول يداريها ورا قناعه الميري..
بس قررت بذكاء إنها متواجهوش دلوقتي.. مش عاوزة تضغط عليه وهو في عز عاصفته..بقلم فاطمة شلبي قررت تسيب "الوقت" هو اللي يخلي المشاعر دي تطلع للنور بمزاجها..لما الخطر يزول والبيت يرجع يضحك تاني.

 فريدة..بصت له بابتسامة خفيفة وقالت..
_ قوم ارتاح يا سيادة الرائد..زينة وكل اللي في البيت محتاجك تبقى قوي..وشغلك محتاج تركيزك.

​ياسين هز راسه بابتسامة جانبية خفيفة.. وكأن الروح ردت فيه بوجودها..
_ تمام يا دكتورة..عن إذنك. 
_________//__________//__________//__________

الساعة كانت بتدق واحدة بعد نص الليل.. 
السكون كان مخيف في الحوش.. والضلمة مغطية الأركان..
 ياسين نزل بخطوات هادية.. كان ماسك مفاتيح عربيته وناوي يروح المستشفى يطمن على "زينة" ويقعد شوية مع "محمود" اللي حاله بيقطع القلب.

​وفجأة.. لمح خيال بيتحرك بحذر عند الباب الخلفي للبيت.. ياسين وقف مكانه..وعينه راقبت الشخص ده وهو بيتسحب وبيلتفت يمين وشمال برعب وكأنه بيهرب من سجن.

​أول ما الشخص ده قرب يفتح الترباس.. صوته طلع حاد وقوي قطع هدوء الليل..
_ على فين يا خالي..؟

​"أحمد" اتنفض مكانه ولف بجسمه كله.. وشه كان شاحب.. وعينيه مليانة قلق وتوتر مش طبيعي.. بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مهزوز..
_ ياسين..! خضيتني يا ابني.. أنا.. أنا كنت رايح مشوار ضروري وقولت أخرج من هنا عشان مصحيش حد.

​ياسين قرب منه بخطوات رتيبة ومرعبة.. وعينه منزلتش من عليه..
_ مشوار إيه اللي في وقت زي ده ..؟ وليه خارج من الباب الخلفي زي الحرامية..؟ إنت من وقت تعب زينة وإنت مش ظاهر وحركاتك كلها غريبة وكأنك مخبي حاجة .. في إيه ؟؟

​أحمد حاول يداري ارتباكه وزق إيد ياسين اللي كانت بتقرب منه..
_ ما يخصكش يا ياسين.. دي أمور خاصة بيا أنا.. وسع من طريقي خليني أمشي.

​ياسين متحركش..وفضل واقف قدامه كأنه سد .. وصوته هدي أكتر ..
_ اللي يخص البيت ده يخصني.. وصفوت الجبالي لما بيلعب بيلعب على كل الحبال...قولي رايح له ليه دلوقتي أي بينك وبينه..

​في اللحظة دي.. "أحمد" أعصابه انهارت تماما..عينه دمعت بغل وقهر وصاح في ياسين بعصبية ..
_ سيبني يا ياسين..!! سيبني أروح أنقذ بنتي..


                   الفصل التاسع من هنا

تعليقات



<>