رواية قلبي تحت حراستك الفصل الثالث 3 والرابع 4 بقلم هاجر عبد الحليم

            

رواية قلبي تحت حراستك الفصل الثالث 3 والرابع 4 بقلم هاجر عبد الحليم

نوفيلا قلبي تحت حراستك

الفصل التالت والرابع

هاجر عبدالحليم

الفصل الثالث

صوت الأقدام الثقيلة ملأ المكان، والسلاح اللامع في أيديهم جعل الجو كله يتجمد في لحظة واحدة.

الكل اتنفض.

رجال الأعمال الأجانب توقفوا عن الكلام، ووجوههم اتشدت بالغضب، وعيونهم اتوجهت فورًا نحو يزن.

يزن ابتلع ريقه بصعوبة.

الخوف كان واضح في عينيه…

ليس من آسر، بل من نظرات الرجال الأجانب الذين أدركوا أن الفوضى خرجت عن السيطرة.

لكن السؤال كان واضح في عيون الجميع:

إزاي آسر دخل هنا؟

في تلك اللحظة، صوفيا رفعت عينيها…

وما إن رأت آسر حتى ارتجف جسدها كله.

جريت نحوه بسرعة، ودموع القهر تنزل من عينيها.

قبضت على إيده بقوة، كأنها بتتأكد إنه حقيقي مش وهم.

آسر نظر إليها بقلق شديد، عينيه تمسحان وجهها المرتعش.

مسك إيدها برفق…

ثم جذبها خلف ظهره فورًا، يحجبها بجسده كدرع حي.

وقف أمام الجميع بثبات مخيف.

عيناه تحولت إلى نار.

نظر إلى الموجودين واحدًا واحدًا…

ثم قال بصوت منخفض لكنه مليء بالوعيد:

"أقسم بالله… كل واحد فيكم هيشوف الجحيم بعينه… على كل دمعة نزلت منها."

ساد الصمت للحظة…

لكن يزن ابتسم ابتسامة باردة، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة.

عدل من جلسته ببطء، ونفث دخان سيجارته في الهواء، ثم قال بنبرة ساخرة هادئة:

"أهلاً… بحضرة الظابط."

اتسعت عينا صوفيا بصدمة.

همست بصوت مرتعش:

"ظابط…؟!"

لكن آسر لم يلتفت لها.

كانت عيناه ثابتتين على يزن فقط.

آسر تقدم بخطوات ثابتة، صوته منخفض لكنه مليء بالحزم:

آسر: "اتحركوا معايا."

يزن رفع رأسه بتحدي، ابتسامة ساخرة على وجهه، لكن العينين خافتين:

يزن: "مش هتحرك."

باهر حاول يسيطر على الوضع بعصبية، صوته متردد:

باهر: "آسر باشا… ده مش قانوني!"

آسر نظر له بنار في عينيه، صوته صار أشد حدة:

آسر: "قانوني؟ أهه… قانوني! وانتوا بقا بتمشوا ورا القوانين وبتطبقوها عليكم قبل أي حد. عارفين الحلال والحرام، وبتخافوا ربنا قبل البشر، وعايشين ف حالكم… كافيين خيركم شركم؟ لا! وكمان بتساعدوا الغلابة في الضلمة عشان ثوابكم ما يروحش عند ربنا. تصدقوا… الدمعة هتفر من عيني من جمال روحكم."

الجو اتجمد… كل العيون على آسر، رجال الأعمال الأجانب وقفوا مش مصدقين.

آسر رفع يده، وأشارت كل حركة منه بالسيطرة:

آسر: "روحكم اللي هخنقها بإيدي بكل قوة. متتخيلوش اني تعبت عشان دورت وراكم سنين… اللحظة دي اللي هتكونوا فيها معايا في عربية البوكس… هتغسلني من جوا… وهعمللكم حفلة بصحيح… تنسوني كل الوقت اللي ضاع عليكم."

يزن حاول يضحك، لكن صوته خرج متقطع والخوف واضح:

يزن: "الموشح بتاعك دا… هيخلص امتى؟"

آسر رفع ورقة أمام الجميع، صوته صار رسمي وحازم، كل كلمة تقطع الصمت:

آسر: "اتقل… تاخد حاجة نظيفة."

آسر: "التهمة الأولى: الاستغلال التجاري والمهني بصورة غير قانونية، تشمل التلاعب بعقود صوفيا وإجبارها على أعمال تجارية تحت تهديد أو ابتزاز، مما أدى لإلحاق ضرر مادي ومعنوي بها."

آسر: "التهمة الثانية: التحرش والاستغلال النفسي، باستخدام سلطته للتأثير على قراراتها، وخلق بيئة عمل معادية، ترهيبها، ومنعها من ممارسة حقوقها المهنية بحرية."

آسر: "التهمة الثالثة: الاحتجاز القسري والتعرض للخطر الجسدي، بمحاولة منعها من مغادرة مقر الشركة أو السيطرة على تحركاتها، بما يشمل إرسال عملاء وضغط مباشر على حريتها الشخصية."

آسر: "التهمة الرابعة: غسل الأموال والإثراء غير المشروع، من خلال معاملات مالية غير قانونية ضمن نشاط الشركة، واستغلال الموارد والعلاقات التجارية لمصلحته الخاصة على حساب صوفيا وزملائها."

آسر: "التهمة الخامسة: التواطؤ والتآمر ضد حقوق الغير، بالتعاون مع باهر وبعض رجال الأعمال، لإخفاء جرائم وانتهاكات النظام القانوني، وإساءة استخدام السلطة والتأثير في السوق لصالحه فقط."

آسر رفع نظراته إلى يزن وباهر، صوته صار أكثر تهديدًا:

آسر: "كل دا متسجل… صوت وصورة. حتى تسجيلك الأخير مع باهر لما اتفقتوا على كل اللي كنت ناوي تعمله مع صوفيا النهاردة… متنسوش، كل كلمة مسجلة."

يزن تراجع خطوة، تحاول ابتسامته أن تخفي الخوف:

يزن: "مش ه…"

آسر قطعه بنظرة جليدية، يقترب منه خطوة:

آسر: "ها… هتفضل معايا؟ ولا هستخدم طريقتي؟ بس صدقني… هتيجي، بس بالغصب مش بالرضا."

أحد رجال الأعمال الأجانب حاول الاعتراض بالإنجليزية:

Foreign businessman: "Hey! This is illegal! You can’t just arrest us like this!"

(مهلاً! هذا غير قانوني! لا يمكنكم اعتقالنا هكذا!)

آسر رفع يده، صوته صار حازمًا وواضحًا:

آسر: "No objections… all the evidence is here: recordings, photos, financial transactions… The charges are crystal clear:"

(لا اعتراض… كل الأدلة أمامكم: تسجيلات، صور، معاملات مالية… التهم واضحة كالنهار:)

Charge One: Human trafficking for commercial exploitation, recruiting women from multiple European countries under false pretenses and forcing them into illegal employment.

(التهمة الأولى: الاتجار بالبشر للاستغلال التجاري، تجنيد نساء من عدة دول أوروبية بوعود كاذبة وإجبارهن على العمل في أنشطة غير قانونية.)

Charge Two: Illegal operation of high-end escort services, including arranging paid sexual encounters with influential businessmen without consent of the women involved.

(التهمة الثانية: إدارة خدمات مرافقة غير قانونية، بما في ذلك ترتيب لقاءات جنسية مدفوعة مع رجال أعمال نافذين دون موافقة النساء.)

Charge Three: Coercion and psychological manipulation, using threats, blackmail, and confinement to control victims and force them to comply with illegal activities.

(التهمة الثالثة: الإكراه والتلاعب النفسي، استخدام التهديدات والابتزاز والاحتجاز للسيطرة على الضحايا وإجبارهن على الانخراط في أنشطة غير قانونية.)

Charge Four: Money laundering and cross-border illicit financial operations, moving funds from European prostitution activities through offshore accounts to conceal illegal earnings.

(التهمة الرابعة: غسل الأموال والمعاملات المالية غير القانونية عبر الحدود، تحويل أموال نشاطات الدعارة الأوروبية عبر حسابات خارجية لإخفاء الأرباح غير المشروعة.)

Charge Five: Corruption and illegal influence, bribing officials and using network connections to avoid legal scrutiny, endangering victims and facilitating the criminal network.

(التهمة الخامسة: الفساد والتأثير غير القانوني، رشوة المسؤولين واستغلال العلاقات لتجنب المراقبة القانونية، مما يعرض الضحايا للخطر ويدعم الشبكة الإجرامية.)

آسر أشار بيده للحراس:

"Move! No one escapes!"

(تحركوا! لا أحد يفلت!)

الحراس بدأوا بالقبض على الجميع، رجال الأعمال الأجانب حاولوا المقاومة، لكن الأدلة كانت دامغة فلم يجدوا مكانًا للاختباء.

...

في قلب الشارع، كان البوكس محاطًا بالقوة والهيبة، والحراس يقفون كجدار من الحديد، كل حركة تكتسب وزنًا وتهديدًا. قبض آسر على الجميع، وتنفس الصعداء لحظة، معتقدًا أن القضية قد أُغلقت أخيرًا.

لكن صوفيا كانت هناك، عيناها مليئتان بالقهر والعتاب، وداخلها خليط من الغضب والاحتقار. كل لحظة معه تدفقت في ذهنها: كذبه، استغلاله، رفضه لمشاعرها، وحتى دخول أخيها اللعبة دون رضاها. كل هذه الذكريات أشعلت شعورًا بالانتقام.

بدون تفكير، وباندفاع الغضب، ضربته على وجهه بالقلم. صوت التصادم المدوي قلب المكان صامتًا للحظة. صوفيا لم تلتفت إلى أنه ظابط، إلى هيبته وسط حراسه، إلى القوة التي تحيط به.

ارتد آسر إلى الخلف قليلاً، الصدمة مرسومة على وجهه، جسده مشدود، والعينان مليئتان بالدهشة. الحراس تجمدوا للحظة، ثم تحركوا بسرعة للسيطرة على الموقف، يحاولون حماية السيد الذي لهم ولاءه.

آسر وقف للحظة، صدمته واضحة، يحاول استيعاب هذه الضربة غير المتوقعة، وهي التي كشفت قوة مشاعره الداخلية، وسط حراسة مشددة ترصد كل شيء. الشعور بالتوتر، الهيبة، والقوة، امتزجت في المكان، وجعلت كل شيء يبدو وكأن الشارع كله يترقب ما سيحدث بعد لحظة الصدمة هذه.

..

في زنزانة السجن، كان الجو مشحونًا، والهواء ثقيل، والضوء الخافت يلقي ظلالًا على الوجوه المترقبة. صوفيا وقفت في منتصف الغرفة، عينيها متقدتان بالخوف والاندهاش، لكنها لم تخفِ غضبها.

صوفيا: "جرا إيه منك؟ أنتو هتعملوا عليا ربطية؟"

واحدة منهن، مستغربة: "إيه يا حلوة، مالك؟"

صوفيا رفعت رأسها بتحدٍّ: "أنا مش حلوة… ولمّي الدور وغوري اتلقحي ف حتة!"

أخرى، بسخرية واضحة: "الله! الحقي يا معلمة… دي طلعت بلطجية، وشكلها كده هتلعب ف وشنا البخت!"

صوفيا، عينيها مشتعلة: "مش ذنبي إنك اتغريتي بمنظري. آه، شكلي بنت ناس، بس والله اللي يمسني مش هسكت… جتكم الأرف!"

واحدة منهن، فاتحة صدرها بتحدٍ: "فاتحة صدرك كده كأن وراك ناس تقيلة… لو كده، جاية في إيه يا سكرة؟"

صوفيا، وهي تحرك حواجبها بتحدٍ: "ضربت ظابط بالقلم!"

الضحك عمّ المكان، والكل مش مصدق اللي بتقوله.

واحدة منهن، مستغربة: "لا… نكتة دي؟"

أخرى، بحيرة: "إنتي فعلاً ضربتيه؟ طب وهو عملك إيه؟"

صوفيا: "آه… ضربته! ضحك عليا واستغلني عشان يقبض على ناس بدون رضاء… ف ضربته قدام حراسه!"

واحدة منهن، بدهشة: "ويطلع مين الظابط ده؟"

صوفيا، بنبرة قصيرة: "اسمه آسر."

المرأة تجمدت لحظة، ثم قامت: "إنتي تعرفيه معرفة شخصية؟"

صوفيا، باستغراب: "مش أوي… ليه؟"

ردت المرأة بثقة: "نسوااااااان علموها الأدب."

صوفيا، بثبات: "محدش يقدر يقربلي."

المرأة، بابتسامة تحدٍ: "احنا كتير هنا يا حلوة…"

...

في مكتب آسر، كان  يتصاعد من سجائره، والقلم يطرق المكتب بإيقاع متقطع، علامة على توتره وتركّزه في الوقت نفسه. صوفيا ضربته بالقلم أمام الجميع، مشهد لا يزال حيًا في ذهنه، وكل شعور بالغضب والخذلان عاد له دفعة واحدة.

آسر شعر بغضب داخلي… لازم تتحاسب. لازم تتحاسب حتى لو دا ضد رغبته، لكنه عرف أن الحساب لازم يتم بينهم وبين بعض، بعيدًا عن أعين موظفيه، بعيدًا عن السلطة التي يمثلها أمامهم. هو المسؤول، وهي من أخطأت، ولكن لا يمكن السماح للموقف بالمرور دون عقاب، على الأقل ليظهر أنها تعلمت درسًا.

قرر آسر أن الطريق الأنسب كان الزنزانة… أن تدرك صوفيا أن هناك حدودًا، وأن أي تجاوز سيواجه بعواقب حقيقية.

في تلك اللحظة، اقترب أحد رجاله، وهو يلهث: "الحق يا باشا… مدام صوفيا قاعدة بتتخانق مع الحريم ف الزنزانة!"

...

اندفع أسر نحو الزنزانة بخطوات سريعة متلاحقة، وقلبه يكاد يقفز من صدره من شدة القلق.

كان يشعر بأن شيئًا سيئًا قد حدث.

تلك الفتاة…

هادئة، رقيقة، بالكاد ترفع صوتها… فكيف ستواجه نساء السجن القاسيات؟

ضربت الأفكار رأسه بعنف.

يا ترى عملوا فيها إيه؟

اقترب أكثر… ثم توقف فجأة.

تجمد في مكانه عندما رأى الحراس مصطفّين أمام الزنزانة، أعينهم متسعة ووجوههم مشدوهة كأنهم يشاهدون عرضًا غريبًا.

عقد حاجبيه في حيرة، ثم دفع رأسه قليلًا ليرى ما يحدث بالداخل.

وفي اللحظة التالية… اتسعت عيناه هو الآخر.

كانت صوفيا تقف في منتصف الزنزانة بثبات مخيف.

حولها مجموعة من السجينات متراجعات إلى الخلف، بعضهن جالسات على الأرض، وأخريات متشبثات بالجدار.

في يدها خرطوم ماء ما يزال يتقطر،

وفي يدها الأخرى مطواة تلمع نصلها تحت ضوء الزنزانة الخافت.

كانت تنظر إليهن بنظرة باردة، ثم هزت رأسها بسخرية.

صوفيا:

"ستات خرفانة بصحيح…"

لم يرد أحد.

تنهدت ببطء وكأنها تحاول السيطرة على غضبها.

صوفيا:

"الواحد يحترم نفسه… تفتكروه سهل ولا إيه؟"

ثم أشارت بالمطواة نحوهن.

صوفيا:

"حذرتكم مرة واتنين… لكن العند  ولد كفر. خلاكم في الحال ده… مذلولين ليا."

تقدمت خطوة، فارتدت بعض السجينات للخلف.

صوفيا ببرود:

"وأنا بقى لو ضربت معايا… كيف تفضلوا كده لتاني يوم يا أنا… يا أنتم بقى."

ساد الصمت لحظة… ثم قالت إحدى السجينات بتحدٍ:

سجينة:

"عاجبك كده؟"

ضحكت أخرى ضحكة قصيرة.

سجينة ثانية:

"آه… عاجبني."

ردت ثالثة وهي تنظر حولها باستهزاء:

سجينة ثالثة:

"اتقل بينا من واحدة فافي… أهي."

اقتربت امرأة ضخمة الجسد قليلًا وقالت بعصبية:

سجينة رابعة:

"إيش حال يا ولية إنتي؟ إيديكي مرزبة… طشيها قلم! ساكتة عليها ليه؟"

تدخلت أخرى بسرعة وهي تمسح الدم من شفتها:

سجينة خامسة:

"البِت عاملة غلبانة… وهي جامدة! كلنا اتخمينا فيها."

ردت امرأة من الخلف بعصبية:

سجينة سادسة:

"منك لله! إنتِ اللي حرضتينا عليها. كنا قاعدين بنخبط بالكلام من غير لمس!"

قالت أخرى وهي تضحك بسخرية:

"أنا كنت فاكرة أقدر أوجع الظابط بيها."

قالت بحدة:

"دا رماها في الحبس… معنى كده مش تخصه يا فهيمة. ولا أقول يا بهيمة؟"

صرخت فيها ا

"حطي جزمة في بقك واخرسي!"

ثم أكملت وهي تشير إلى رأسها:

"جتك ضربة في نافوخك؟ الشعر الأبيض ده مش في راسي ببلاش! والله البت دي في الحبس تربية."

"ولو الظابط عايز يطلعها يطلعها… ولو طلع كلامي ده هبل، تفي على قبري وقولي العجوز دي ما بتفهمش حاجة."

في تلك اللحظة…

تحركت صوفيا فجأة.

مدّت يدها وأمسكت إحداهن من شعرها بعنف، فصرخت المرأة وهي تُسحب للأمام.

اقتربت صوفيا من أذنها… وهمست بصوت بارد مخيف:

صوفيا:

"بتوشوشوا في إيه؟"

شدت شعرها أكثر حتى انحنت المرأة.

ثم قالت ببطء:

"أدي آخرة اللي فاكرين نفسهم سباع الصحرا… وهم في الحقيقة فِيران."

خارج الزنزانة…

كان أسر واقفًا بلا حركة.

لم يكن يتخيل…

ولا حتى في أسوأ توقعاته…

أن تكون هي المسيطرة على الزنزانة كلها.

أما الحارس بجانبه فهز رأسه بدهشة وقال:

"دي طلعت مش سهلة خالص"

لكن في الداخل…

كانت صوفيا ما تزال تبتسم تلك الابتسامة الهادئة…

ابتسامة من يعرف أنه الأقوى في المكان.

...

دخلت صوفيا المكتب بخطوات سريعة، وعيناها تشتعلان غضبًا. لم تجلس، بل وقفت أمام المكتب مباشرة وحدقت في أسر بنظرة حادة.

صوفيا:

"خرجني من هنا."

رفع أسر عينيه إليها بهدوء، ثم قال بصرامة:

أسر:

"لا."

اتسعت عيناها بصدمة، ثم قالت بحدة:

صوفيا:

"إنت بجح أوي."

ضرب أسر بيده على المكتب قليلًا وهو يقول:

أسر:

"صوفيااا!"

رفعت إصبعها في وجهه فورًا.

صوفيا:

"ما تزعلّقش… إنت فاهم؟"

تنفس أسر ببطء محاولًا كبح غضبه، ثم أشار إلى الكرسي أمامه.

أسر:

"طب اقعدي."

عقدت ذراعيها بعناد ولم تتحرك.

صوفيا:

"بطل تؤمرني. إنت مش واصي عليّا… ولا أنا مطالبة أسمع كلامك. حقي مش هسيبه."

مرر أسر يده في شعره بضيق، ثم قال بنبرة أخفض لكنها حازمة:

أسر:

"ده شغلي يا صوفيا. أنا كنت في مهمة… ولازم أقول سمعًا وطاعة. أوامر نازلة من فوق."

صمت لحظة ثم تابع:

"وأخوكي كان على علم. وبصراحة… اتعاون معانا من غير ما يدخل نفسه في التفاصيل."

نظرت إليه بحدة، فتابع كلامه:

"بعد ما وعدته إني أحمي أخته."

تنهد ببطء وأشار إلى كتفه.

أسر:

"وأنا ما قصرتش معاكي. المفروض تشكريني … أنا خدت رصاصة في كتفي عشان أحميكي."

نظر إليها مباشرة وأضاف بهدوء:

"معنى كده إن حياتك تهمني."

ضحكت صوفيا بسخرية جارحة وقالت:

صوفيا:

"يا شيخ! ده يا رب كانت تصيب قلبك… وتطق تموت، وأخلص من وشك النحس ده."

اشتدت ملامح أسر قليلًا، لكنه ما زال يحاول التماسك.

أسر:

"سكوتي مقوّي قلبك كده؟ ولا إيه؟"

رفعت رأسها بتحدٍ واضح.

صوفيا:

"قلبي جامد من يوم ما أمي جالها الطلق وجابتني. أنا ما بهابش من حد."

اقتربت خطوة من المكتب ونظرت له مباشرة في عينيه.

صوفيا:

"إنت اللي تتكسف من روحك."

ثم قالت بحدة أكبر:

"ليه كدبت عليّا؟"

صمت أسر لحظة.

فأكملت:

"كنت قولّي إنك ظابط وعايز مساعدة… كنت هساعدك. ما كنتش هتأخر عليك."

ضربت بيدها على المكتب.

صوفيا:

"لكن ليه الملاوعة؟ ليه اللعب من ورا ضهري؟"

ساد الصمت في المكتب لحظة ثقيلة.

كان أسر ينظر إليها… وكأن كلماتها أصابته في مكان لم يتوقعه.

وقفت صوفيا فجأة، كأن شيئًا غير مرئي شدّها من مكانها.

كانت تحدق في أسر بنظرة غريبة، كأنها تحاول قراءة ما خلف وجهه.

صوفيا بتهكم خفيف:

"إيه؟ اتجمدت زي التمثال كده ليه؟"

خفض أسر عينيه لحظة، ثم قال بصوت منخفض:

أسر:

"حاسس إني كسرت الوعد."

عقدت حاجبيها باستغراب.

صوفيا:

"وعد إيه؟"

رفع رأسه ببطء، ثم اقترب منها خطوة.

كان في عينيه شيء قاسٍ لم تره فيه من قبل.

أسر بحدة:

"إني أدفن اللي عينه تطلع عليّا بنظرة متعجبنيش."

تراجعت صوفيا نصف خطوة، لكنها تماسكت سريعًا وقالت ببرود:

صوفيا:

"اخرج من حياتي."

نظر لها طويلًا… ثم قال بهدوء غريب:

أسر:

"أفكّر."

اتسعت عيناها قليلًا.

صوفيا بضيق:

"مش خلصت شغلك؟"

أسر وهو يحدق فيها:

"عايزة الحق؟"

سكت لحظة ثم قال:

"لسه."

ضحكت صوفيا بسخرية مرّة.

صوفيا:

"فاضل إيه تاني؟ ما خلتني كبش فدا… وأداة على حساب كل حاجة في حياتي."

اقترب أسر خطوة أخرى، وصوته أصبح أكثر جدية.

أسر:

"إنتِ دلوقتي شاهدة في أكبر قضية شغالة."

ثم أكمل بنبرة أقل حدة:

"ولو على السجن… أنا اللي دخلتك وأنا اللي هخرجك.""

اقتربت صوفيا منه فجأة حتى لم يبق بينهما سوى خطوة واحدة.

كانت عيناها مليئتين بالغضب.

صوفيا:

"بكرهك."

لم يتحرك أسر… فقط نظر لها بثبات.

أسر بهدوء:

"من قلبك يا صوفي؟"

أجابت فورًا دون تردد:

صوفيا:

"من كل قلبي."

ظل ينظر إليها لحظة…

لكنها استدارت فجأة واتجهت نحو الباب.

فتحه الحارس قليلًا لكنه وقف في طريقها مانعًا خروجها.

صوفيا بضيق واضح:

"قوله يوسّع… الجو خانقني."

وضعت يدها على صدرها وهي تلتقط أنفاسها.

"وبجد… نفسي مش قادرة آخده."

نظر الحارس إلى أسر منتظرًا الأمر.

قال أسر بهدوء:

أسر:

"سيبها يا عسكري."

وقف الحارس فورًا وابتعد عن الباب.

العسكري:

"حاضر يا فندم."

خرجت صوفيا مسرعة دون أن تنظر خلفها.

أما أسر…

فبقي واقفًا في مكانه،

ينظر إلى الباب الذي خرجت منه…

وكأن شيئًا ما خرج معها من الغرفة.

...

كانت صوفيا تستعد للعرض في هدوء، عندما دخلت هاجر فجأة إلى الغرفة.

صوفيا: مش وقتك دلوقتي.

هاجر: أنا كل الأوقات وقتي.

صوفيا (بحدة): لو جاية عشان خناق، فوالله أنا مش طالبة.

هاجر (بابتسامة هادئة): بالعكس يا صوفي… أنا جاية أنصحك. نصيحة من أخت لأخت. أشوفك بتتغفلي، وأنا أقدر أساعدك. ده حتى كان في بينا عشرة وعيش وملح… ودي ما بتهونش إلا على الرخيص، صح؟

صوفيا (مترددة): بصي يا هاجر… يمكن في الأول كان هدفي أبقى على الساحة، وأي واحدة تعلى عليا أفرمها وأدوس عليها، وماديش أي فرصة لحد يسبقني. بس دلوقتي… الموضوع اتغير.

إنتي إنسانة طموحة وحلوة وتستاهلي… اشتغلي على نفسك أكتر، وبلاش تركزي لا معايا ولا مع غيري.

أنا لسه هنا بس عشان ما بعرفش أعمل حاجة تانية، ومش قادرة أبدأ من الأول في أي مجال… لا عندي صبر ولا طاقة.

استدارت صوفيا لتغادر، لكن هاجر وقفتها فجأة.

هاجر (مستفسرة): حبيتيه؟

صوفيا صُدمت ولم تجب.

هاجر (بنبرة ساخرة): الحارس بتاعك.

صوفيا (باهتمام بسيط): أنا ما ببصش تحت رجلي.

هاجر: وإنتي تقدري تمارسي غرورك على ظابط؟ وشايفاه مش قد المقام؟

صوفيا (متفاجئة): إنتِ كنتِ عارفة؟

هاجر (بثقة): مصادري الخاصة.

صوفيا (مستفزة): وجاية تقولي كده عشان تبيني إنك جامدة ومصادرك صح؟ طيب… خليني أقولك، هو اللي كان عايز يبقى مكشوف للكل، بس أنا اللي كنت غبية وما دورتش وراه.

هاجر (متحمسة): بس في سر تاني يهمك.

صوفيا (بلا مبالاة): هو كله مع بعضه ما يهمنيش… وأي حاجة تخصه، احتفظي بيها لنفسك.

ركزّي في عرضك… عندك عرض مهم.

وعشان أثبتلك حسن نيتي… عندي مفاجأة ليكي، هتعرفيها لما العرض يخلص.

يمكن الغل يهدى… ونعتبر دي فترة صلح بينا، رغم إنه صعب جدًا نبقى أصدقاء.

ثم تركتها صوفيا ومشت،

ووقفت هاجر مكانها، تفكر في كلامها بفضول وحيرة.

...

:

بعد انتهاء العرض في الشركة، خرجت صوفيا إلى الخارج، وعيناها تتبعت هاجر وهي تتحدث بحماس مع أكبر مصمّم أزياء في دبي. ضحكت بخفّة، لكنها شعرت بوخزة توتر في قلبها، ثم مشيت لتصل إلى عربيتها.

فجأة، شعرت بشخص يمسك يدها. ارتجفت للحظة، ثم التفتت لتجد إسر واقفًا أمامها، نظراته حادة، وكأنها صاعقة مفاجئة.

برّقت له بعنف، شدّت يدها، ثم ركبت عربيتها بسرعة، وهو ركب جمّله بجانبها. قلبها ينبض بسرعة، لكنها حاولت إخفاء خوفها بغضب ظاهر.

صوفيا (مستفزة): انت طلعتلي من أي داهية؟

إسر (مخنوق، متوتر): اطلعي ف أي حتة فيها بحر…

صوفيا (بتحدي، بعنف خفيف): …يكش تولّع! أنا مالي؟ أنزل من العربية حالًا وإلا أنا اللي همشي وأسيبهالك.

كان في عينيه شيء من الحيرة، لكنه حاول السيطرة على صوته:

إسر: انتي منين يا صوفيا؟

صوفيا (ساخرة، مرفوعة الرأس): انت بتهني ولا إيه؟

إسر (بتساؤل، غاضب قليلًا): دا سؤال… هو على راسه بطحة؟

صوفيا (بفخر مختلط بالاستفزاز): لا… بقولك أنا جيبتها من تحت أوي. أنا من إسكندرية، آه، من حارة شعبية… بس بنت أصول، وأعرف أفوت في الحديد وأسد… محدش يقدر يحط عليا.

إسر (متفاجئ، ببطء): ولا يبان عليكي.

صوفيا (بهدوء، لكنها حادة): عشان محدش يعرف أصلي، آه.

إسر (بفضول وحذر): بتتبري منه؟

صوفيا (بتفخر بماضيها، لكنها تشعر بالحنين): لا طبعا… الناس اللي من حارة شعبية ولاد بلد ويعرفوا الأصول، وليّا الشرف أكون منهم… بس لما اشتغلت في المجال، بقيت ليّا لغة مختلفة عن اللي اتربيت عليه.

إسر (بجدية، ): فالأصل غلاب، ودا بان أوي في الحبس.

صوفيا (بتحدٍ، بغضب): وانت كنت عايزني أسيبهم ياكلوني؟

إسر (بتردد قليل، لكنه صارم): ع كده… صوفيا مش اسمك الحقيقي؟

صوفيا (ببرود، متحفظة): لا… اسمي صفاء في البطاقة، بس بقالي زمن كبير مسمعتوش، لدرجة إني نسيته. وبعدين أنا بتكلم معاك ليه أصلا؟

إسر (بحنان خفي، متحكم في صوته): عشان مرتاحة… ولا يمكن عشان معايا الكلام بيطلع من غير تفكير.

صوفيا (بعصبية، متوترة): انزل يا إسر.

إسر (بهدوء لكنه متأثر): ماشي… بس كلامنا لسة مخلص تمام هرجعلك ونتكلم بهدوء والعقل تكوني هديتي من الصدمة اللي اتحطيتي فيها بسببي يلا سلام.

...

كانت صوفيا جالسة في الليفنج لوحدها، والهدوء يملأ المكان. فجأة، خبط الباب. فتحت الخدامة وقالت:

الخدامة: في حد بعتلك الورد دا يا مدام؟

مدّت صوفيا إيدها لتأخذ الكرت، وما إن فتحته حتى برقت عيونها من الرعب عند قراءة الكلمات:

"فاكرة نفسك لما تغيري اسمك وتلمعي وتبعدي عن اسكندرية وتلبسي نضيف بدل هدومك اللي كان بيطلع ريحتها قبل م تفكري تغيريها من ع جتتك 

مش هعرف اجيبك دا انتي حب العمر ياصفاء وهرجعك لحياتي تاني وساعتها محدش هيحوشني ابدا لانك وحشتيني اوي اوي ياصفاء

...

الفصل الرابع

قالت صوفيا وهي تحاول تهدئة نفسها، بينما كانت تشبك يديها بتوتر:

— غصب عني… لجأت لك.

رفع يامن عينيه إليها، والقلق واضح في ملامحه.

— وإنتِ كنتِ عايزة تتحملي المصيبة دي لوحدك؟

تنهدت صوفيا ببطء، وبدأت دموع خفيفة تلمع في عينيها.

— آه… عادي. على الأقل كنت هبقى مطمّنة… بدل ما أشوفك خاين.

مرر يامن يده في شعره بعصبية خفيفة، ثم ابتسم ابتسامة باهتة وقال بصوت هادئ، لكنه مليء بالألم:

— خاين؟ بلاش ترمي كلام كده وخلاص. لو كنتِ مكاني… كنتِ هتعرفي إني عملت الصح. لو كنت رفضت… الله أعلم، يمكن ماكنتيش هتكوني قدامي دلوقتي.

بتقطّعي فيا بالكلام… وأنا أخوكي، ومصلحتك تهمني قبل أي حاجة.

أخذت صوفيا نفسًا عميقًا، وكأنها تحاول كتم مشاعرها.

— يامن… بجد، من ساعة ما رجلي خطت القاهرة، أكتر حد وقف جنبي كان أنت.

رغم إننا ما شوفناش بعض قبل كده… ولا اتربّينا سوا… وكبرنا بعيد عن بعض، ومحدش فينا كان يعرف أصل التاني.

ولما جيت ولجأت لك… والدتك رفضت وجودي.

ومقدرش أزعل منها… أنا ست زيها، وفاهمة وجعها.

خفض يامن نظره قليلًا قبل أن يتكلم بنبرة حزينة:

— وليه تتحاسبي على كدب راجل؟

استغل والدتك… وكذب عليها، وما قالش الحقيقة إنه متجوز وعنده بيت وابن.

تنهد ثم أكمل:

— أمي دايمًا بترد غيبته بالخير.

ولما تتكلم عنه تقول إنها هي اللي فرضت نفسها عليه.

وكتير طلب منها الطلاق… لكنها كانت ترفض، لأنها كانت محتاجة حب.

لكن هو… ماكنش قادر يحبها مهما حاول.

ومع ذلك أصرت تكمل.

مدت صوفيا يدها ببطء ووضعتها في كف يامن، وصوتها يرتجف:

— أمي… والله ما عرفت إنه متجوز غير بعد ما حملت فيّ.

وساعتها الفأس وقعت في الرأس.

بس ما قدرتش تعيش في وهم… ولا تكمل في مشاعر مش حقيقية.

طلبت الطلاق… لكنه رفض، وخلاها تكمل معاه غصب.

حياتهم كانت كلها نفور ووجع… لحد ما مات.

توقفت لحظة، ثم نظرت إليه وسألته بصوت خافت:

— بس… ليه ساعدتني يا يامن؟

رفع يامن عينيه إليها وابتسم ابتسامة دافئة:

— عشان أختي يا صفاء.

إحنا إخوات دلوقتي… وإنتِ مالكيش حد غيري بعد ما أمك ماتت.

تنهد قليلًا ثم أكمل:

— عارف إن موت بابا ما أثرش فيكي كتير… لأنك كنتِ صغيرة.

وأمك عوضتك… كانت ليكي الأم والأب والصاحبة.

لكن قلبك فضل حاسس بالغربة…

وعشان كده فضلتي تدوري… لحد ما عرفتي مكاني.

ابتسمت صوفيا ابتسامة حزينة، والدموع تلمع في عينيها.

— ولما عرفت إنك في القاهرة… نزلت ودورت عليك… لحد ما لقيتك.

سكتت فجأة، ونظرت بعيدًا كأنها تهرب من أفكارها.

راقبها يامن لحظة، ثم قال بهدوء:

— لقيتيني غني… صح؟

تنهد قليلًا وأكمل:

— الفلوس دي أنا بنيتها بتعبي وشقايا.

أبونا كان بيدي فلوس لأمي عشان يعوضها…

لكن أنا قدرت أستثمرها وأكبرها.

حد غيري كان ممكن يضيعها… زي ما حصل مع والدتك.

ثم نظر إليها بجدية:

— بس الفلوس دي ليكي فيها زيي…

وطول ما أنا عايش… عمرك ما هتتحوجي لحد.

تأملت صوفيا وجهه بعينين مليئتين بالندم.

— كنت صغيرة وقتها يا يامن… عشر سنين بس.

أفهم إيه؟

يا ريتني كنت واعية أكتر… يمكن ما كانش ده حال أمي.

تنهدت وأكملت:

— هي اللي مسكت الفلوس… وضيعتهـا في مشروع ما كانتش فاهمة فيه.

وده كان سبب في تعبها… والمرض اللي أكل روحها.

اقترب يامن قليلًا، ووضع يده على رأسها بحنان.

— لما طلبتي مساعدتي… فتحت لك دراعي.

لأنك شرفي.

ثم قال:

— عرضت عليكي شغل في الشركات… لكنك أصريتِ تدخلي مجال الأزياء.

ومارضيتش أقف في طريقك.

صمت لحظة، ثم نظر إليها بتركيز شديد.

— بس قولي لي…

بقالك كام سنة هنا، وعمري ما سألتك عن ماضيك.

توقف قليلًا قبل أن يسأل:

— مين اللي بعتلك الورد؟

ثم أضاف وهو يثبت عينيه عليها:

— عايز أعرف حكايته… بالتفصيل.

في المقهى

كان المقهى الشعبي مزدحمًا كعادته في المساء.

اختلطت أصوات الشيشة بضحكات الرجال، وصوت الملاعق وهي تضرب أكواب الشاي.

على إحدى الطاولات في الركن، جلس سامح بثقة واضحة، يقلب بعض الأوراق النقدية بين أصابعه وكأنه يستمتع بالمشهد.

وقف أمامه بسيوني، وجهه متجهم وعيناه حمراوان من الغضب.

قال بصوت مكتوم:

— هات الفلوس.

رفع سامح عينيه إليه ببرود، واتكأ بظهره على الكرسي.

— استرجل شوية يا بني…

مش كل شوية تعيط زي العيال.

اللي مش قد المراهنات… ما يلعبهاش.

ابتسم بسخرية:

— الفلوس؟ راحت.

واللي يدخل الجيب… يبقى في علم الغيب.

قال بسيوني بعصبية:

— طب اديني حق المواصلات أروح.

ضحك سامح ساخرًا:

— يا حرام… هتبات في الشارع؟

ثم عد بعض النقود ومدها له.

— خد حق المواصلات…

بس نصيحة مني… ما تلعبش معايا تاني.

أخذ بسيوني النقود بصمت.

غادر سامح المقهى بهدوء… وكأن شيئًا لم يحدث.

ظل بسيوني واقفًا للحظات… ينظر للنقود في يده.

ثم تمتم بغل:

— هيريح الدنيا كلها من شرك يا سامح…

هقتلك… والله لأقتلك.

وكانت عيناه تلمعان بوعد مظلم.

في القصر

ارتفع صوت صوفيا وهي تحاول منع يامن من حمل السلاح:

— لا يا يامن!

ماقدرش أعيش من غيرك… إنت ضهري وسندي.

أنا ماليش غيرك!

وقف يامن، وعيناه مليئتان بالغضب المكبوت.

— بصي يا صفاء… أنا قدرت أمسك نفسي طول الوقت.

لكن دلوقتي لازم آخد موقف.

ثم قال بمرارة:

— لما بتخيل عمل فيكي إيه… وأنا ماكنتش موجود عشان أحميكي…

وأضاف بصوت مكسور:

— الله يسامحك يا أبويا…

أخذت صوفيا نفسًا عميقًا وقالت بعزم:

— أنا هعمل العملية… ومعايا فلوسها.

هسافر… وروحت لأكبر الدكاترة.

قالوا تصليح الرحم ممكن… حتى لو نسبة النجاح قليلة.

نظرت إليه بعينين مليئتين بالأمل.

— بس عندي أمل.

سألها يامن بقلق:

— طب ليه رجع؟

قالت بصوت مرتبك:

— مش عارفة… يمكن عايز فلوس.

ولو ده آخره… هديله اللي عايزه.

شد يامن كتفيها بحزم.

— متبقيش ضعيفة يا صوفيا.

لكن صوفيا أجهشت بالبكاء.

— أنا وثقت فيه…

وفكرته راجل يسترني…

بس هو عرّاني قدام نفسي والناس.

صمتت لحظة ثم همست:

— ضربني…

وسقطني ضحك عليا بعقد جواز مزور  لحد م حملت قولت هيفرح بيه بس اتفجأت بضربه ليا فاكرة كويس منظري لما سمعت بخبر موت ابني اللي ملحقتش افرح بيه وفاكرة ريحة الدم اللي نزل مني واصوات الاقلمة اللي ختها وضربه ف بطني لحد م عملي تهتك ف الرحم منه لله بس تعرف ربنا مش بيعمل حاجة وحشة كنت هقول ل ابني اي؟ انه ابن حرام ابوه خاف يعترف بيه ل احسن مراته ولي نعمته تعرف وتعلقه من رجليه وترميه ف الشوارع انا خايفة منه اوي يايامن انا م صدقت نسيت دا كله.

احتضنها يامن بقوة.

— حقك هيرجع… والله هيرجع.

في مكتب أسر

كان أسر جالسًا على مكتبه، غارقًا في أفكاره، حين طرق الباب.

— يا باشا… يامن مستني برة.

نهض أسر بسرعة.

— دخله.

دخل يامن بخطوات ثابتة.

— أهلاً يا أسر باشا.

ابتسم أسر:

— أسر بس…  احنا بقينا صحاب ولا اي؟

جلس يامن وقال بجدية:

— ليا الشرف انا جاي عشان اقولك انه صوفيا ف خطر وعارف كويس انها طلبت منك متكملش معاها. بس صدقني دا ضد رغبتي انا عايزك تكمل حمايتك ليها وواثق كويس انك هتعرف تفصل كويس بين شغلك هنا وهناك

تغيرت ملامح أسر فورًا.

— مين؟

— هي اللي هتقولك مش انا.

تنهد أسر.

— تمام… يلا بينا نروح انا كدا كدا مخلص شغل وكنت مروح لازم اتكلم معاها دلوقت

في القصر

— صوفيا: أسر؟

ارتجف صوتها.

قال يامن بهدوء:

— كان لازم أجيبه.

نظرت صوفيا إليه بغضب.

— ليه؟

ابتسم أسر ابتسامة خفيفة وقال:

— سيبينا لوحدنا شوية.

تردد يامن… ثم خرج أخيرًا.

جلس أسر مقابلها.

— بذمتك… مش أحلى وقت بتقضيه بيكون جنبي؟

نظرت له بحدة.

— بتحبني يا أسر؟

تجمد قليلًا.

— معجب… لسه بدري على كلمة بحبك.

قالت بصوت خافت:

— أنا في حد بيطاردني.

رفع حاجبه.

— وبعدين؟

— بعتلي ورد… وبيهددني إنه راجع ينتقم.

سألها ببرود:

— أذيتيه؟

همست:

— لا… هو اللي أذاني.

اقترب قليلًا، وصوته أصبح أخطر:

— أذاكي في إيه؟

ارتجفت…

— ضربني… وسقطني.

نهض أسر فجأة، وعيناه اشتعلتا بالغضب.

انتي كنتي متجوزة؟

صوفيا وهي تراجعت للخلف بخوف

لا مش متجوزة

شعرت بقوة غضبه… وكأن العاصفة بدأت الآن.

...

اندفع آسر نحوها فجأة، وأمسك ذراعها بقوة قبل أن يدفعها إلى الحائط خلفها.

اصطدم ظهرها بالجدار فخرجت منها آهة ألم مكتومة.

صوفيا وهي تتأوه:

— "آه… دراعي يا آسر… وجعتني."

كانت عيناه مشتعلة بالغضب، وصدره يعلو ويهبط بعنف.

قال بحدة:

— "ارغي."

نظرت إليه بتردد، والخوف واضح في عينيها.

صوفيا بصوت مرتجف:

— "هتسيء الظن بيا."

اقترب منها أكثر، ونبرته ما زالت قاسية:

— "لما أسمع… أبقى أحكم."

رمقته بنظرة متعبة وقالت بمرارة:

— "بتحاسبني كأني أخصك ليه؟"

في تلك اللحظة ضرب آسر الحائط بقبضته بقوة، فارتجف المكان حولهما.

قال بصوت خافت لكنه مخيف:

— "بصي يا صوفيا… أنا راجل دمي حامي. واللي ما أقبلوش على أهل بيتي، عمري ما أقبله على أي ست تانية."

ثم أشار بيده بعصبية قبل أن يكمل:

— "لو فضلتي تأوحي وتعاندي، هتخلي شيطاني يلعب في دماغي على الفاضي… ويخلق مليون سيناريو، كل واحد فيهم أسوأ من التاني."

اقترب خطوة أخرى، وعيناه مثبتتان في عينيها:

— "وده… مش في صالحك خالص."

ظل ينظر إليها لحظة طويلة، ثم تنهد فجأة وكأنه يحاول السيطرة على غضبه.

أمسك بيدها هذه المرة برفق، وجذب الكرسي ليجعلها تجلس عليه.

اتجه إلى الطاولة، سكب لها كوبًا من الماء، ثم وضعه في يدها.

قال بنبرة أخف قليلًا:

— "اشربي."

جلست صوفيا وهي ما تزال ترتجف، ويدها تهتز حول الكوب.

وقف أمامها، يحدق فيها بتركيز، ثم قال ببطء:

— "أنا مش قليل الأدب عشان أقول إنك خاطية… يمكن يكون واحد ضحك عليكي."

توقف لحظة، ثم أكمل بنبرة حازمة:

— "عشان كده هديكي فرصة."

اقترب قليلًا، وصوته أصبح أكثر جدية:

— "احكي الحكاية كلها… من الألف للياء."

ثم أضاف وهو يثبت نظره فيها:

— "ووعد من راجل… اللي عمل كده فيكي، مش هيطلع عليه الصبح غير وهو متشرف في الحبس."

عند تلك الكلمات، انكسرت صوفيا أخيرًا.

انهمرت دموعها، وارتجف صوتها وهي تحاول الكلام.

مسحت وجهها بيد مرتعشة، ثم أخذت نفسًا عميقًا.

وببطء… بدأت تحكي.

..

كانت ليلة باردة أمام كوبري التحرير.

الأضواء الصفراء تنعكس على صفحة النيل، وصوت السيارات يمتزج بضحكات المارة وباعة الشارع.

وقف سامح بجوار عربة حمص الشام، ثم مد الكوب نحوها بابتسامة واسعة

— "اتفضلي يا برنسيسة صفصف."

ابتسمت صفاء بسعادة وهي تأخذ الكوب من يده.

— "الله يا سامح… تعرف إني بحب حمص الشام أوي."

ابتسم سامح وهو يراقبها وهي تأكل.

— "وأنا بحب أوي اللي بتاكله قدامي دلوقتي."

ضحكت بخفة وضربته على كتفه.

— "على طول كده… بكاش كلام."

هز رأسه مبتسمًا.

— "مش بكش يا بت… أنا بقولك اللي في قلبي ليكي."

رفعت حاجبها وهي تنظر إليه بتحدٍ خفيف.

صفاء:

— "يعني إنت بتاع كلام… ولا فعل؟"

اقترب منها قليلًا، ونظر في عينيها بثقة مصطنعة.

— "كده إنتي بتشميني. الراجل دايمًا بيتربط من كلامه… ومن أول ما عرفتك يا صفاء، وكل وعد وعدتهولك نفذته."

ثم أشار إلى قلبه.

— "بكل عين راضية… وقلب ما بيدقش غير لما يشوف ضحكتك."

احمرّ وجهها قليلًا من الخجل.

صفاء:

— "إيه ده… أخص عليّا. والله ما أقصد… أنا بهزر معاك."

ابتسم سامح ابتسامة خفيفة وهو يراقبها

— "نهايته… شكلك بيقول إنك عايزة حاجة."

ترددت لحظة، ثم قالت بصوت خافت:

— "مش هتتجوزني يا سامح؟ لحد إمتى هنفضل نتقابل في الخفا؟"

تغيرت ملامح سامح قليلًا، لكنه أخفى ذلك بسرعة.

— "إنتي عارفة ظروفي يا صفاء."

قالت بسرعة وكأنها تخشى أن يبتعد:

— "وأنا مش معترضة… بالعكس. أنا قابلة بيك حتى لو هناكل عيش ودقة… المهم يبقى في بيت يجمعنا."

ضحك سامح ضحكة خفيفة.

— "واضح إن الأفلام لحست دماغك."

ثم أشار بيده إلى الشارع المزدحم.

— "شوفي الدنيا مولعة إزاي… اللي معاه فلوس مش عارف يعيش. آخره اللي رايح واللي جاي يديله حسنة ولا صدقة."

هزت رأسها بعناد.

— "دي أرزاق… وكلها متقسمة."

اقترب منها قليلًا وقال بنبرة غامضة 

— "واللي ما يعرفش يمد إيده وياخد رزقه… بيروح لغيره يا صفاء."

نظرت إليه بحيرة

— "كل ده ما يهمنيش. أنا عايزة أعرف… اللي إحنا فيه ده آخره إيه؟"

صمت سامح لحظة وهو يحدق فيها.

ثم قال بهدوء:

— "تعرفي تثقي فيا؟"

ابتسمت فورًا.

— "ودي عايزة كلام؟"

قال وهو ينظر إليها بثبات

— "يبقى الصبر."

خفضت رأسها قليلًا وقالت باستسلام:

صفاء:

— "اللي تشوفه يا سامح."

ابتسمت له بصدق… وهي لا تعرف شيئًا عمّا يدور في داخله.

أما سامح…

فكان ينظر إليها بنظرة مختلفة تمامًا.

اختفت الابتسامة من وجهه للحظة، وظهر في عينيه بريق بارد.

قال في نفسه ساخرًا:

"يا عيني عليكي يا صفاء… طيبة أوي."

...

باك

مسحت صوفيا دموعها بطرف يدها، ثم أخذت نفسًا متقطعًا قبل أن تواصل حديثها. كان صوتها يرتجف، لكنها حاولت أن تجمع شتات نفسها.

صوفيا:

— "فضلنا على الحال ده سنين… كل ما أفتحله سيرة الجواز يتهرب مني."

توقفت لحظة وكأنها تستعيد تلك الأيام.

— "لحد ما في يوم نزلت أشتغل كوافيرة. إيدي كانت حلوة… وكل الستات اللي اشتغلتلهم، سواء بشرة أو شعر، بقوا يطلبوني بالاسم."

رفعت عينيها قليلًا ثم أكملت:

— "وبقيت أروح شقق ومناسبات… زبونة تجيب زبونة، والسمعة جابت رزق. واحدة ورا التانية لحد ما عرفت أجمع قرش."

خفضت رأسها بأسى.

— "وقتها… عينه طمعت في اللي في إيدي."

تنهدت بمرارة.

— "هنا بقى… كل صمته اتحول لزن. طول الوقت كلام عن الفلوس، وعن المستقبل… وفجأة بقى هو اللي بيطلب مني الجواز."

..

فلاش باك

كان المقهى هادئًا نسبيًا في تلك الليلة. ضوء خافت يتسلل من المصابيح المعلقة، وصوت الملاعق وهي تصطدم بالأكواب يملأ المكان. جلس سامح أمام صفاء وهو يبدو متضايقًا، يطرق الطاولة بأصابعه في ضيق.

سامح:

— "وبعدين في أمك دي بقى؟"

تنهدت صفاء بحيرة.

صفاء:

— "مش عارفة يا سامح… رافضة ليه؟"

مال سامح للأمام قليلًا، وقال بنبرة فيها ضيق متعمد:

سامح:

— "عشان تبعدنا عن بعض… مش عاجبها إنك عايزاني ومتمسكة بيا."

عضّت صفاء شفتها بتوتر.

صفاء:

— "خلاص… حاول معاها تاني عشان خاطري."

هز سامح رأسه رافضًا، ثم قال ببرود:

سامح:

— "لا يا صفاء. مش هطلب إيدك منها تاني."

نظر إليها نظرة حاسمة.

— "إنتي مش قاصر… وتقدري تقرري."

ارتبكت صفاء من كلامه.

صفاء:

— "بس أنا… مش هتجوز من وراها يا سامح."

ساد صمت قصير، ثم اعتدل سامح في جلسته وقال بنبرة باردة كأن الأمر لا يعنيه.

سامح:

— "يبقى مالناش نصيب في بعض يا بنت الناس."

ثم وقف من مكانه.

— "يلا… سلام."

استدار ومشى مبتعدًا بخطوات ثابتة.

لكن حين ابتعد قليلًا، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفية.

وقال في نفسه بسخرية:

"دلوقتي بس… هتيجي تجري ورايا."

كان يعرف جيدًا كيف يضغط على قلبها…

وكيف يجعلها تخاف من خسارته.

....

ف بيت صفاء

جلست صفاء أمام أمها، قلبها مليء بالحماس والرجاء:

— "أنا عايزاه يا ماما…"

تنهدت صباح،وعيناها مليئتان بخبرة الحياة:

— "يابنتي… مش كل اللي قلبك يريده يبقى صح ليكي. مش كل اللي يلمع ف عيونك يبقي دهب.  تقدري تقولي دا مين  نعرف عنه اي واحدة جالنا فجاه وعاش وسط ناسنا وحياته خافية عن الكل بس سمعته وحشة أوي ف الحارة، غريب عننا، يابنتي والله وحاسة إنه مخبي وراه مصيبة. مش هرميكي لواحد شبه دا… مش عشان بتحكم ف حياتك اوعي تحسبيها كدا…بس عشان حاسة باللي ممكن قلبك مش يشوفه."

أصرت صفاء، وعينها تتلألأ بالعاطفة:

— "بس أنا بحبه يا ماما…"

صباح ضغطت على كتفها بحنان وحزم في الوقت نفسه:

— "يا بنتي… الحب مش كله كلام حلو. أهم حاجة… يكون مع حد يقدر يعيشك مرتاحة، يمسح دموعك، يطبطب على قلبك، ميخليش حد يظلمك ولا يجرحك. الحب الحقيقي بيخليكي أحسن، مش يخليكي تعملي حاجات تندمي عليها. وكل دا مش فيه لو ختيه بتجيبي لحياتك الخراب"

تنهدت صفاء، وكأن قلبها يميل لكلام أمها:

— "سامح… بيعمل كل دا…"

صباح رفعت صوتها قليلًا، صارم وحاني معًا:

— "انا شوفت ستات كتير من الحارة اتكسرت قلوبهم، حبوا وطلعت حياتهم كدابة ومنهم انا بلاش الحقايق تكون واضحة قدامك وانتي بنفسك اللي تيجي وتحطي الغشاوة كان بتصطادي الوجع لنفسك . لو اتجوزتي الراجل هيدمرك… هيلعب بمشاعرك… واحساسي عمره م خاب."

صمتت صفاء قليلًا 

وخرجت من غرفه أمها ودخلت الي غرفتها، مسكت شنطتها، تبحث عن فلوس الجمعية… لم تجد شيئًا. صرخت بصوت مكتوم ودموعها تتساقط، محاولةً إخفاء كل شيء عن أمها.

وبيدٍ مرتجفة، حملت الهاتف، وراحت ترن على سامح:

— "الحقني… ياسامح!"

..

باك

— "هو اللي سرق فلوسك؟"

تنهدت صوفيا، ويدها ترتجف قليلاً، والدموع تلمع في عينيها:

— "أه… روحت له وأنا منهارة. فضل يطمني… وقاللي إنه هيرجع الفلوس دي، لأنه يعرف ناس تقيلة، وهيجيبوا الحرامي اللي سرقني… أقنعني إنه ممكن يكون اتاخد مني وأنا معاه ف الكافيه."

ارتفع صوت أسر قليلًا، وامتلأت كلماته بالحدة والدهاء:

— "طب… طبعًا ساومك وطلب منك الجواز مقابل إنه يرجع الفلوس… مش كده؟"

غمضت صوفيا عينيها للحظة، وكأنها تعيد مشهد الألم كله، ثم همست:

— "فعلا… اتجوزته… أو كنت فاكرة كده…"

...

فلاش باك – كتب الكتاب

جلست صوفيا على المقعد، قلبها يختلط فيه الفرح بالندم. كانت سعيدة لأنها أخيراً كتبت الكتاب، لكنها في نفس الوقت شعرت بثقل على صدرها لأنها فعلت كل شيء من ورا أمها. كانت تتمنى أن يكون لها فرح مثل كل البنات، تلبس الفستان الأبيض، ويكون أهلها حولها يفرحوا معاها ويشاركوا لحظتها السعيدة.

ضحكت بمرارة وقالت لنفسها:

— لو عملت فرح هيبان فيه وحدتي وبس…"

قدام الباب

سامح كان واقفاً مبتسماً بخبث، ينظر إليها بعينين ماكرتين:

— "تشكر يا بسيوني… بس صدق، شكلك ماذون قوي."

بسيوني، بخفة دم، رد:

— "ف الخدمة يا باشا… بس وقعت واقف يا ابن المحظوظة البت فرس جامح!"

ابتسم سامح بسخرية:

— "انت هتقر عليا ولا إيه؟ يومين هنتسلى فيهم وخلاص… هي مكنتش هتيجي غير ف الحلال منه."

بسيوني، بجدية:

— "هترجع لها فلوس الجمعية فعلاً."

سأل سامح، بابتسامة خبيثة:

— "تعرف عني كده؟"

رد بسيوني متمتماً:

— "الشهادة لله… تاكل مال النبي."

سامح، بنبرة حازمة:

— "المهم… عايزاك تعرفلي المعلمة فين دلوقتي."

بسيوني، يضحك:

— "يا عم… انت مش بتعرف تفرح أبداً."

قال سامح بخبث، وصوت فيه تهديد خفيف:

— "هفرح لو الموضوع خلص… وهي نايمة ف العسل… مش عايز مصالحي معاها تقف."

بسيوني، مبتسم:

— "سيبها عليا… بس ممكن أقولها لو متحاينتش وانت عارف المعلمة هتجنن لو عرفت انك اتجوزت عليها."

سامح، وهو يبعده:

— "ياباي عليك… خد فلوسك وامشي من هنا."

بسيوني، وهو يضحك ويهز رأسه:

— "هتصل بيك عشان أقولك صباحية مباركة… يا عريس يلا تصبح ع خير!"

...

باك

— "اتجوزته ست شهور…"

أسر، صوته محمّل بالغضب والألم، قلبه يتقطع:

— "ست شهور… ومفكرتيش تسألي عن القسيمة؟ 

صوفيا، تحاول تبرر نفسها وعيونها مليانة حزن:

— "سالته… أول جوازنا قالي هتطلع بعد أسبوع."

أسر، بنبرة صدمة وغيرة، كأن الدنيا ضاقت به:

— "ياسلام… وانتي صدقتي الكلام دا؟"

صوفيا تنهيدة ثقيلة، تحاول شرح نفسها:

— "وراني أيام… أول مرة أعيشها… نسيت نفسي."

أسر، صوته مليان ألم وغيرة ما تتوصفش:

— "يعني… كنتي مبسوطة وانتي معاه؟"

صوفيا بصت له بعينين فيها دموع وصدق:

— "كنت بحبه… طبيعي هكون مبسوطة."

أسر، قلبه بيتقلع من الداخل، صوته صار أشبه بالهمس القاسي:

— "كملي…


صفاء، وهي بتحاول تكتم دموعها، وصوتها بيتقطع:

— "جت عليا فترة تعبت فيها جامد… كنت بنام كتير… مش طايقة ريحة أي أكل… ترجيع طول اليوم… صداع… كسل… شكيت وروحت حللت."

أسر، عينه تتسع من الصدمة:

— "حامل؟"

صفاء، تنهيدة ثقيلة:

— "أه…"

أسر، صوته صار مليان قلق واندهاش:

— "وأمك كانت فين؟"

صفاء، بصوت خافت:

— "ماتت قبل ما تعرف… كان أسوأ يوم ف حياتي… ودعتها من غير ما أقولها عن جوازي منه… حسيت بكسرة كبيرة… بس سامح عرف يخرجني منها."

أسر، بسخرية مرة، عينه فيها ألم وغضب:

— "وكانت الفرحة مش سايعاه طبعا… لما عرف بحملك خدك بالحضن؟"

صفاء، وعيونها مليانة دموع وحزن لا يوصف:

— "أه… بس حضن الوداع… موتني… وضربني… وسقطني… وعملي تهتك ف الرحم… كل دا عشان مردتش أنزل البيبي…

..

فلاش باك

صفاء وقعت على الأرض بعد صفعة مدوية، ودموعها امتزجت بالدهشة والخوف. صوت سامح كان يملأ المكان بقسوة:

— "يعني إيه مش هتنزليه؟ هتنزليه غصب عنك… وعن كل أهلك!"

صفاء، متوترة ومصممة:

— "لو قطعتني… بردو هقولك لا!"

سامح، صارخاً:

— "ابنك دا ابن حرام!"

صفاء، بصوت مرتعش ودموع غزيرة:

— "انت كداااااب! فاهم كدااااااب!"

سامح، بغضب:

— "لا… مش كداب… انتي خاطية… فاهمة!"

صفاء حاولت ترد بضربة بالقلم، لكنه ردّ عليها بشدة اكبرة، شدّ شعرها وسقطت مرة أخرى على الأرض، كل لحظة ألم جديد يغزو جسدها.

 بشدة، وألم حاد اجتاح جسدها، شعرت بخدر ووجع عميق.

سامح، بنبرة حادة:

— "بتمدي إيدك عليا؟ اي الحقيقة وجعتك؟"

صفاء، مرتبكة:

— "حقيقة… اي… انت جوزي؟"

سامح، ببرود:

— "لا يا حبيبي… أنا مش جوزك… انتي متجوزتيش من أصله… وشرفك اتاخد بلوشي!"

صفاء، بالصراخ والبكاء:

— "اسكت… بقولك اسكت!"

وركعت أمامه محاولة التوسل:

— "أبوس إيدك ياسامح… بلاش تتهمني في شرفي… مش دا جزأتي إنه وثقت فيك!"

سامح، بنبرة قاسية:

— "لا… جزاتك عشان مكبرتيش أمك زمان… دا غلطك إنك مسمعتيش كلامها… ابنك ينزل… لأني مش هعترف بيه. أنا واحد مكتفي بمراته وعياله… ابتسطنا يومين وخلاص… انسيني!"

صفاء، بدموع حارقة:

— "أه… ياحقير… والله هشرب من دمك… المأذون دا كان اي؟"

سامح جرّها، لكنها حاولت تخنقه، فمسك يدها بقوة وقال:

— "أنا متجوز معلمة كبيرة… لو عرفت هتقتلني وتقتلك!"

صفاء، بارتباك وخوف:

— "من إمتى؟ وإزاي؟ وليه جيت حارتنا ليه؟"

سامح، ببرود:

— "ملكيش دعوة بكل دا… دلوقتي هنروح سوا… ننزل البيبي."

صفاء، بعنف ورفض:

— "مش هنزله والله… لاروح أفضحك عندها… ياسيد الرجالة… والله عيب!"

سامح، وهو يثبت قبضته:

— "مش هتعرفي توصليها… 

صفاء هوصلها وابني هعرف أحميه كويس."

صفاء سقطت على الأرض من جديد بعد أن ضربها برجله في بطنها، شعرت بألم حاد يخترق جسدها ويجعلها ترتجف ضرب راسها بعنف ودماؤها بدأت تنزف من رأسها وهنا فقدت القدرة ع الأدراك ورحبت بالموت واخر ما نطقت به

ابني

سامح، متفاجئ من منظرها، تراجع خطوة إلى الوراء، وارتجف قلبه للحظة من صدمة ما فعل.

...

باك

بدأت صوفيا تنزل على الأرض، ترتعش كطفل صغير محاط بالخوف، تصرخ بصوت مكتوم يملؤه الألم والذهول.

أسر وقف مذهولاً من منظرها، جسده ارتعش، وعيناه امتلأت بالدموع.

فتح يامن الباب، وجري نحوها:

— "صوفيا… صوفيا… أومي!"

صفحت صوفيا، تتوسل إليه:

— "خليه يبعد عني!"

يامن، بقلق ووجع:

— "هو مين؟"

صفحت صوفيا، بصوت متهدج:

— "سامح… خليه يبطل يضربني… ونبي!"

نظر يامن إلى أسر بوجع:

— "سامح مش هنا، ياصوفيا… افتحي عنيكي."

فتحت صوفيا عينيها، نظرت إلى أسر بنظرة طويلة، ثم غمضت عينيها مجدداً، وبدأت تستسلم للنوم، جسدها ما زال مرتجفاً.

حملها يامن برفق، صعد بها إلى غرفتها، غطاها، قبّل رأسها، وطفأ النور حولها.

عندما خرج، وجد أسر يقف على الشرفة، يدخن سيجارة، وعينه تراقب بقايا الفوضى حوله؛ كذا فازة مكسورة متناثرة على الأرض.

ابتسم يامن بحزن:

— "اتوجعت عليها…"

أجاب أسر بضيق ووجع:

— "أوي يا يامن… شافت كتير."

تابع يامن:

— "بعد الحادثة دي، فضلت شوية في المستشفى… الخير لسة في الناس… حد ابن حلال دفع لها فلوس المستشفى. ولما خرجت، والدتها كانت سايبلها ظرف فيه فلوس وعنواني. اتاري والدتها فضلت تدور لحد ما عرفت أنا فين وشغال إيه."

أضاف أسر، وقد بدا عليه النفخ من شدة القلق:

— "صفاء ما كذبتش الخبر… وجتلي القاهرة وطلبت مساعدتي… وانا فضلت جنبها لحد ما بقت صوفيا اللي قدامك دلوقتي."

نفخ اسر بوجع وضيق وقال:

— "أول ما تفوق… لازم تيجي القسم حالًا… انت وهي."

رد يامن:

— "حاضر… بس مش تقولي ناوي على إيه."

أجاب أسر بحدة:

— "هخليه عبرة لمن لا يعتبر… هجيبه… واحرق جتته… وأعلقه في أوسخ ميدان!"

ابتسم يامن بعزم:

— "وأنا معاك."

                      الفصل الخامس من هنا 

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا

          

تعليقات



<>