رواية ظل بعد ظل الفصل الثامن 8 بقلم ياسمين النعيمي
الهواء تحرّك مرة ثانية …
و وراه …
خطوة.
ريّا قلصت جسمها فجأة.
عيونها ركّزت بالظلام.
القلب دق بسرعة …
خطوة أقرب.
حاولت توقف نص وقفة …
إيدها ضغطت على ثوبها.
و قبل لا تتحرك أكثر …
طلع من بين ظل الأشجار.
قيس.
واقف.
مستقيم.
ضوء خفيف من بعيد رسم ملامحه بهدوء.
ثانية …
بس ثانية …
و الخوف خف.
ما اختفى بالكامل …
بس هدأ.
زفرت نفسها ببطء.
هو ما تحرك فوراً.
وقف بمكانه …
كأنه يعطيها وقت تستوعب وجوده.
بعدين قال بهدوء، نبرته هادية حتى لا تكسر سكون الليل:
- شمطلعج هين بالليل؟
ريّا ما جاوبت فوراً.
بس باوعتله.
عيونها كانت كافية تقول كلشي.
تعب … ضغط … و شي مكسور.
قيس لاحظ.
و بدون ما يضغط عليها بكلمة زيادة …
تقدم خطوة.
و الثانية.
لحد ما وصل قريب منها …
بس مو قريب زيادة.
و بهدوء …
نزل و كَعد على الثيل كَدامها.
مربع رجليه.
مثل شخص جاي يسولف … مو يحقق.
سكون بينهم.
هو أول واحد كسره:
- ما نمتي ؟
هزت راسها بخفة:
- لا.
سألها بنبرة أخف:
- ليش ؟
سكتت.
بعدين همست:
- ضايق صدري …
الكلمة طلعت بسيطة …
بس ثقيلة.
قيس هز راسه كأنه يفهم …
و عيونه راحت للأرض لحظة.
طبيعي.
سكون.
الهواء مرّ بينهم.
حرك شعرها شوية.
هو رجع باوعلها:
- من تطلعين لوحّدچ بهالليل … ما تخافين؟
رفعت عيونها إله:
- ليش؟ مو أمان؟
سألته بنص خوف … و نص فضول.
هو تنفّس بهدوء:
- لا … أمان إن شاء الله …
سكت لحظة …
و كمل بنبرة عملية:
- بس المكان ما متعودة عليه …
يمكن حشرة … حيوان … شي يأذيج بلا ما تدرين.
نظرتها خفّت شوية.
- ما فكرت.
ابتسم ابتسامة خفيفة جداً:
- واضح.
سكت لحظة و أردف،
- بس خفتي ...
سكون بسيط …
بس أخف من قبل.
قيس مال شوية بظهره و اتكى على إيده …
رفع عيونه للسما.
- اني هم ما أنام.
ريّا باوعتله.
- ليش ؟
سؤالها طلع بهدوء … بدون حساب.
هو سكت لحظة.
بعدين قال:
- ضايج صدري.
نفس كلمتها.
التفتت عليه أكثر.
- منو ما يضوج بهيج ظروف !!
سكت …
و صوته خف شوية:
- عمي مو بس عم.
وقف الكلام يمه.
بس المعنى وصل.
ريّا نزلت عيونها.
- أدري …
سكون.
بس هالمرة …
مو فارغ.
مشترك.
قيس باوعلها مرة ثانية:
- انتي شمضيج خلكَج ؟
السؤال طلع بهدوء …
مو فضول …
اهتمام.
ريّا ما جاوبت فوراً.
إيدها ضغطت على ثوبها.
بعدين قالت:
- أحس … ما أعرف ويني. ضايعة ...
سكتت.
- كلشي تغيّر بسرعة …
نفسها ثقل.
- و كلام الناس …
وقفت.
ما كملت.
قيس انتبه. حواجبه تقاربت يسأل،
- شحچوا ؟!
هزت راسها بسرعة:
- ماكو شي.
واضح أكو شي.
بس ما ضغط.
بس قال بهدوء:
- إذا شي ضيج خلكَج … لا تخليه بكَلبج ريّا.
سكون.
و بهاللحظة …
شي مر بعقلها.
نظرتله.
مطوّل.
كأنها تقيس المسافة بينهم.
و بدون ما تقصد …
طلعت الكلمة:
- قيس …
رفع عيونه إلها:
- همم؟
سكتت لحظة.
قلبها دق.
السؤال واقف على طرف لسانها:
"الي قاله بابا … صح؟"
بس …
ما طلع.
نزلت عيونها.
- ماكو شي.
هو لاحظ التردد.
بس ما سأل.
بس قال بهدوء:
- إذا أكو … احچي.
سكون.
الهواء مرّ مرة ثانية.
و لأول مرة …
ريّا حسّت إنه صدرها أخف شوية.
مو لأن المشكلة انحلّت …
بس لأن أحد كَاعد وياها …
بدون ما يطلب منها تكون قوية.
قيس وقف ببطء.
نفض إيده من الثيل.
- تعالي … باردة عليج هين.
مد إيده شوية … مو يمسكها …
بس إشارة.
نرجع.
ريّا باوعت لإيده.
ثانية.
بعدين وقفت لوحدها، مستندة على إيدها السليمة.
و مشت وياه.
جنب بعض.
بصمت.
بس مو نفس الصمت اللي قبل.
و قالتله،
- قيس ...
يمشي كان أمامها بخطوة و التفت،
- ها يابا ...
نظرت له بضعف، و هي ترفع يسارها،
- شيلّي الكانيولا ...
نظر لإيدها يسأل،
- توجعج ؟!
هزت راسها،
- إي، و مقيدتني، ووو أخاف اشيلها لنفسي ...
كملوا مشي لباب المطبخ يقول،
- اني خليتها كَلت يمكن نحتاجها بعد ...
و التفت بسؤال،
- صرتي زينة ؟ خومو بعدج موجوعة ؟!
هزت راسها،
- هسة أحسن ...
دخلوا من باب المطبخ، سدّه وراه و فتح ضوا شمعة خفيف، طلع أدوات الإسعافات الأولية، قطن، شاش، بيتادين، و لاصقة جروح عريضة.
رفعت له إيدها، ثبتها بإيد و بالثانية خلى قطرات بيتادين يمسح المكان ...
بهداوة و خفة إيد رفع جوانب اللاصق الي مثبتة الكانيولا، غطى مكان الوخزة بالشاش بدون ضغط، سمى بإسم الله و سحبها و ضغط على إيدها بلحظة ما صدر منها أي رد فعل بس تنهيدة بسيطة ...
خلاها تبقى ضاغطة دقيقة، جهز اللاصقة ... خلاها ترفع القطنة و بلحظة كان مغطي مكان الوخزة يقول،
- هذا هو، روحي نامي ...
اليوم الثالث …
كان مختلف.
مو لأن الحزن خفّ
بس لأن الضجيج خف.
البيت بعده أسود …
بس مو مزدحم مثل قبل.
الأصوات أقل …
الوجوه أقل …
و الفراغ … أوضح.
ريّا صحت بهدوء.
ماكو استعجال.
ماكو ناس تدخل وتطلع كل دقيقة.
بس سكون … و يوم لازم يبدأ.
نزلت ويا رغد.
الصالة كانت مفتوحة …
بس مو مليانة.
كم امرأة … صوت چاي ينصب …
و حركة خفيفة بالمطبخ.
أم قيس كانت هناك.
أول ما شافتهم … ابتسمت ابتسامة خفيفة:
- هلا ببناتي …
قربتهم منها …
و بهدوء … بدأت تعرفهم،
- ريّا يمة بالهوسة ما عرفتج على خيّاتج ...
- هاي سارة مرت زياد.
كانت جالسة بهدوء …
ملامحها ناعمة … و حركتها محسوبة.
كَامت فوراً مدت ايدها تحضن ريّا:
- الله يرحم ابوج حبيبتي …
صوتها دافي …
و عيونها ما بيها فضول … بس احترام، و طيبة،
- و يرحم والديج حبيبتي، تشرفت بيج ...
- الي الشرف حبيبتي ...
ريّا ارتاحت لها.
بدون سبب واضح.
زوجة أسامة، مها،
حضور أقوى
صوتها أوضح …
و أسلوبها مباشر.
- الله يصبركم.
ما تقربت زيادة …
بس نظرتها كانت ثابتة.
كأنها تقيس.
ريّا انتبهت.
بس ما علّقت.
و بين كل هالوجوه …
اسم واحد كان غايب.
قيس.
ماكو زوجة.
ماكو أحد يمه.
ولا وحدة تقدمت و قالت "اني مرته".
الفكرة مرت براسها بسرعة:
- يمكن مو موجودة …
يمكن طالعة …
و وقفت.
ما سألت.
ولا فكرت تسأل.
مو وقته.
و مو مكانها.
مرت ساعات بهدوء نسبي.
حركة خفيفة … تعارف بسيط …
و ريّا تمشي بينهم …
تحاول تفهم المكان.
تحاول تثبّت نفسها.
و بعد العصر …
كلشي تغيّر.
الصالة الكبيرة.
رجال ...
سلمان جالس بمكانه.
وياه رجال.
قيس موجود.
زياد.
أسامة.
و كم وجه جديد … واضح إنهم من العائلة.
ريّا كانت واقفة بالممر.
و فجأة …
- ريّا … تعالي يابا.
صوت سلمان.
قلبها دق.
مو خوف.
بس إحساس ثقيل.
مشت.
بخطوات ثابتة.
وقفت عند الباب.
و أول ما رفعت عيونها …
شافته.
الرجال.
ملامحه قاسية.
مو بالعمر …
بالنظرة.
عيونه …
مو فضول.
ولا حزن.
شي ثاني.
شي ما ارتاحت له من أول ثانية.
وقفت مكانها.
ما تقدمت.
بس قالت بهدوء:
- السلام عليكم.
بدون ما تقرب.
بدون ما تبتسم.
الرجل رد السلام.
بس عيونه ما نزلت منها.
بالعكس …
ثبتت أكثر.
و ابتسامة خفيفة …
مو مريحة.
سلمان قال:
- ريّا يابا هذا عمج عدنان.
بتلقائية ردت،
- أهلاً عمو.
سكون.
ثانية.
الرجل مال شوي بجسمه …
و بصوت واضح …
مقصود:
هلا عمي هلا ...
سكت و قال بعدها،
- الله يرحمه …
بعدين كمل:
- بس بصراحة سلمان …
الوضع مو هين.
الصالة سكتت.
ريّا وقفت.
ما تحركت.
- بنات بهالعمر …
- و ببيت مليان زلم رايحة رادّة ...
نبرة صوته تغيّرت.
مو نصيحة.
اتهام.
- و تربن بغير بيئة …
و حياة منفتحة مو مثل هالبيت …
الجملة ما كملها.
بس المعنى وصل.
واضح.
قاسي.
مباشر.
ريّا حسّت الدم صعد بوجهها.
مو خجل.
غضب.
بس …
ما حچت.
ولا كلمة.
سلمان عدل جلسته.
ببطء.
بس بثقل.
و صوته طلع …
ناصي …
بس بيه شي يخوّف:
- عدنان …
سكون.
رفع عيونه عليه مباشرة:
- لو ما تعَرف شتحَچي، لا تحَچي.
الصالة كلها انتبهت.
عدنان حاول يبتسم:
- لا يابا … انا احَچي لمصلحتهن …
سلمان قاطعه فوراً.
هالمرة صوته أعلى:
- مصلحتهن؟ لو تلمّح على تربيتي؟
سكون ثقيل.
- هذن بنات أخوي …
و ببيتي …
و بعيوني …
و كل كلمة تنحچي عليهن … تنحسب عليّ كَبلهن.
الصمت انكسر.
بس محد حچى.
عدنان سكت.
نزل عيونه.
بس مو اقتناع.
إجبار.
التفتت و شافت هذاك الي تأفف من الخدمة بعزا أبوها "ناس ما تسوا"
عمتها تقول ابن عدنان ...
إذا هذا هو عدنان و ابن عدنان !!
كانت واقفة.
ما تحركت.
بس داخلها؟
كان شي يغلي.
و بهاللحظة …
اختارت.
مو المواجهة.
ولا الدفاع.
انسحبت.
بهدوء.
اندارت.
و طلعت.
خطواتها كانت ثابتة.
ظهرها مستقيم.
راسها مرفوع.
مو كبرياء.
كرامة.
وراءها …
صوت سلمان بعده موجود.
يحمي.
يرد.
يرفع.
بس هي …
ما رجعت.
وصلت للممر.
وقفت لحظة.
أخذت نفس.
طويل.
ثقيل.
و بين نفسها …
قررت.
قرار واضح.
قاطع.
"من اليوم …
ما أواجه أحد.
ولا أسلّم على أحد."
مو خوف.
ولا ضعف.
حدود.
و كملت مشي.
بس هالمرة …
مو بس بنت مكسورة.
بنت …
تعرف وين توقف.
و منو يدخل عالمها …
و منو لا.
الصالة كانت مليانة نسوان.
صوت سوالف خفيفة … همسات … دعوات.
أم قيس التفتت:
- ريّا … تعالي سلمي يمة.
ريّا كانت واقفة بعيد.
ثواني …
و بدون تردد:
- لا عمة … ماريد .
سكون خفيف.
نظرات التفتت.
مو رفض وقح …
بس واضح.
أم قيس ما علّقت.
بس عيونها سألت.
- ليش يمة، احد سمعج شي ؟!
نزلت عيونها و ردت بجهد تضغط على نفسها حتى لا تبين ضعيفة،
- عمة ماريد اسمع حجي، تعبت.
أم قيس استغربت، كانت تظنها بس تسمع و تطنش، ما متوقعة تأثير هذا عليها ...
قيس كان واقف قريب.
انتبه.
طلع وراها للممر.
- ريّا …
وقفت.
ما التفتت فوراً.
- ليش ما تريدين احد ؟
التفتت ببطء.
عيونها هادية … بس باردة شوية:
- ما مضطرة.
سكت.
كملت:
- ما عندي مشكلة أواجه الناس …
- بس مو لما يكون شخص كبير موجود … و احتراماً إله لازم أسكت.
وصلت الفكرة.
هي مو ضعيفة.
بس مجبورة تسكت.
قيس باوعلها ثواني.
فهم.
نظرة سريعة لأمه …
نظرة واضحة:
- عوفيها يمة.
أم قيس فهمت.
و ما صاحت عليها مرة ثانية.
اسبوع الي مر و حست خلاله تبلدت مشاعرها، ماكو دموع أو انهيارات، حتى صداعها فارقها،
و كأن قطعة من جليد لامست قلبها، و عقلها ...
بقت تستكشف المكان و البيئة الغريبة عليها، و كأن الله بهالطريقة دا يمسح على قلبها بطريقته.
الليل رجع مرة ثانية.
نفس الحديقة …
نفس الشجرة …
و نفس النسمة الباردة اللي تمر بين الأشجار و تجيب وياها ريحة القداح و التراب المبلل.
ريّا كانت كَاعدة تحت الجذع.
رافعة ركبها لصدرها …
و عيونها ضايعة بمكان بعيد.
سمعت خطوات خفيفة على الثيل.
ما خافت هالمرة.
بس رفعت عيونها.
قيس.
وقف لحظة أول ما شافها …
كأنه كان متوقع يلكَاها.
- هم هين؟
قالها بهدوء.
هزت كتفها بخفة:
- البيت يخنكَني بالليل ...
تقرب.
و كَعد على الثيل كَدامها …
مثل المرة الماضية … بمسافة تحترمها.
سكتوا شوية.
صوت الليل حواليهم كان أوضح من الكلام.
بعدين هي تكلمت أول:
- أريد ارجع.
رفع عيونه إلها.
- للندن؟
هزت راسها.
- صار عشر أيام … البنات عندهم دوام ... و حياتنا هناك واكَفة.
سكت لحظة.
و بعدين سألها بهدوء:
- و انتي؟
استغربت:
- شنو يعني ؟
- يعني … انتي كَدها؟
ظلت تباوعله كم ثانية.
- كَد شنو؟
مال شوية للأمام … و شبك إيديه:
- كَد مسؤولية البيت. من تردن. من تبقين وحدج ويا البنات. من الدنيا كلها تصير مسؤوليتج ؟!
ردت بسرعة … كأنها تدافع عن نفسها:
- اني من زمان متحملة مسؤولية البيت.
وقفها بنظرة:
- جان أبوچ وياچ.
سكتت.
لأنها تعرف.
هو كمل بهدوء:
- و هسة أبوچ الله يرحمو.
الجملة نزلت ثقيلة.
مو لأنه قاسي.
بس لأنه أول واحد حچاها مثل ما هي.
رفع نظره إلها:
- و اني ما ارتاح إذا تظلن لوحدجن. لا هناك … و لا هين.
باوعتله باستغراب خفيف.
- شتريد تسوي يعني؟
سكت ثواني.
واضح يفكر بالكلمات قبل لا يگولها.
- أريد اكون وياچ.
تقلصت ملامحها.
ما فهمت قصده.
بس حسّت.
هو لاحظ.
ابتسامة خفيفة مرت على وجهه و اختفت:
- مو بالمعنى اللي يخوفج.
نزل عيونه للحظة … و رجع رفعها:
- أقصد … نصير احنا واحد.
سكتت.
القلب دق بسرعة.
واضح من عيونها إنها فهمت.
بس تريد تسمعه.
- قيس …
صوتها طلع مثل الهمس.
- شنو قصدك؟
طوّل و هو يباوعلها.
و كما هي عادته … ما لف ولا دار.
- إذا ردتچ على سنة الله و رسوله … ترضين؟
سكون.
الهواء مر بينهم.
بس هي ما حست بيه.
ظلت تباوعله.
كأنها ما استوعبت.
أو استوعبت أكثر من اللازم.
نزلت عيونها بسرعة.
- اني … ما أعرف عنك شي.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
مو مستهزئة.
متفهمة.
- ولا اني أعرف عنج شي غير اللي شفته.
سكت.
- بس اعَرف منو رباچ. و اعَرف شلون شايلة بيت كامل على ظهرج من عمر ما المفروض تشيلين بيه غير كتبج.
بلعت ريقها.
إيدها راحت لثوبها … تلعب بطرفه.
و سألته،
- انت مو متزوج ؟!
عقد حواجبه مستغرب،
- ياهو الكَال ؟!
سألته مركزة بعيونه،
- و هبة ؟!
رفع حواجبه كأنه استوعب، و رد بعد ما سحب نفس،
- ريّا اني جنت متزوج، ام هبة توفت من ثلاث سنين و هي تولدها ...
شهقة خفيفة طلعت منها لا إرادياً و إيدها ضغطت على صدرها، تقول،
- يعني هبة نفس رهف ؟!
ركزت بعيونه كأنها تبحث عن الصدق بيها،
- أبد ما شايفة امها ؟!
عيونه تنقلت من إيدها الضاغطة على صدرها لعيونها و هز راسه،
- أبد ...
زفرت نفسها تتمتم،
- الله يرحمها ...
- و يرحم والديج ...
سكت هو و رجعت تسأله،
- شلون ربيتها وحدك ؟!
- مو لوحّدي ... أمي وياي ...
سكتت لدقيقة تقريباً و كأنها تطيل التفكير، و تستذكر أحداث و مواقف،
و ردت،
- بابا كَالّي بوقت ما جنت استوعب شنو يكَول.
بلعت ريقها و أردفت،
- ظنيت الي سمعته غلط ...
رد عليها بنفس الهدوء:
- أدري ... الصار ما جان وكتو هالحجي.
رفعت عيونها بسرعة.
- من يمتى يعرف ؟
هز راسه.
- اني طلبتج منو، من اول مرة اجيتكم. و اكثر من مرة.
شهقت نفسها بخفة.
هو نزل عيونه للحظة … كأنه يرجع لذاك اليوم.
- گالّي … هذيج هي بنت عمك روح حاجيها ... ان رضت اني راضي ...
انكسرت عيونها.
الدموع لمعت.
ما نزلت.
بس كانت على حدود أجفانها..
هو انتبه.
و بسرعة … غيّر نبرته:
- لا تبجين.
ابتسم بخفة:
- جاي نسولف ...
ابتسمت غصب عنها.
ابتسامة خفيفة.
تعبانة.
سكتوا شوية.
بعدين هي همست:
- بس الموضوع مو سهل.
هز راسه مباشرة:
- أدري.
- كلشي صار بسرعة …
- أدري.
- و انت …
وقفت.
ما كملت.
هو فهم.
- اني غامض الج؟
رفعت عيونها.
كان يباوع بعيد.
مو إلها.
- حياتي مو بسيطة ريّا. و يمكن آخر أربع سنين … مو حياة أصلاً.
التفتلها.
- و ما أريدج تفكرين إني جاي أضغط عليج.
سكت، و أردف،
- اني سندج طول ما ربي كاتب لي عمر ان شاء الله ... ان ردتيني رجل الج، هذا منى عيوني.
ظلت ساكتة.
بس واضح إن الكلام دخل عقلها،
قالت بعد شوي:
- ماكو حل ثاني ؟
ابتسم بخفة.
- أكو.
- شنو؟
- إن كَلتي ماريد، و ردتيني اخو و ابن عم، اخليج على راسي، بس ساعتها لازم ادوس على روحي و اسمع حجي الناس و ابلعو.
رفع حاجبه شوي:
- و انتي يمكن ما تعرفين زين اني مو من الزلم اللي يسكت إذا أحد حچى على عرضو.
نظرتله.
لأول مرة …
حست إن أكثر شي يخوفه …
مو هي.
ولا الرفض.
الخوف عليها.
سألت بهدوء:
- و إذا وافقت؟
ابتسم هالمرة بوضوح أكثر.
- نعقد.
شهقت بخفة:
- هيج بسرعة ؟!
ضحك بصوت ناصي:
- مو باچر. لا تخافين.
- بس شلون؟
- بينّا يتم العقد، الوضع مو مال طربكَة، و تونا دافنين عزيز. أصير اني وياج واحد، اخذجن و ارتب كل شي، يأمن لجن تكملن انتن دراسة، و اظل رايح راد بين هينا و هناك لمن ما الله ييسرها.
رفع حاجبه يأكد،
- هذا بحال وافقتي، و ان ما وافقتي، اسوي هذا و ازود، و على راسي، بس ما نخلص من حجي الناس ...
- شعليها الناس ؟! اني ما عايشة بنصهم ...
- بس اعرفوج، يعَرفوجن و يعرفون اهَلجن، و يحكمون على هالأساس.
سكتت.
تفكر.
هو ظل يباوعلها. و همس،
- ريّا ... اني ردتج كَبل لا يصير كل هذا ... و اخاف عليجن و على مستقبلجن ... ماريد تنظلمن من ورا نظرة المجتمع و ابوي زلمة تعبان مالو بالسفر و الروحة و الردّة كل يوم، لو الناس تاكل وجهو بالطبة و الطلعة لانّو اني رايح راد عليجن.
سحب نفس و أردف بهمس و كأنه يهمس بسر،
- و ارجع اكَولّج هذا مو زواج، خطبة طويلة الأمد لمن ما تخلصن ساعتها لكل حادث حديث.
ابتسم،
- وين يطلعلج يم اهلنا خطبة ام سنة و نص مدري سنتين !!
- ليش ما عدكم هيج ؟!
رفع حواجبه يقول،
- لا يبوي الناس هين بسيطة، اطول خطبة تطول شهرين.
بهدوء.
و فجأة سألت
- ليش انت مختلف ؟
استغرب:
- شلون ؟
- يعني … تحچي غيرهم. و تفكر غيرهم.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
- لانّو ما ظل مكان بالدنيا ما رحتلو. و ما ظل بشر ما خالطتو ..
و لأن …
توقف.
- لأن مو كلشي الناس تشوفه صح.
نظرتله مطول.
و بعدين …
بدون ما تحس …
طلعت منها:
- ليش ما تزوجت؟
ابتسم.
و رفع حواجبه،
- هااا … وصلنا لهيناا ؟
احمر وجهها فوراً:
- لا … قصدي …
ابتسم بخفة:
- أدري شتقصدين.
سكت لحظة.
بعدين رد:
- لانّو مريت بظروف، ما جنت أريد أظلم بنات الناس وياي.
رفعت عيونها.
- لهالدرجة حياتك صعبة؟
ضحك ضحكة قصيرة … ما بيها فرح.
سكت.
و بعدها باوعلها مباشرة:
- جنت امر بفترة صعبة. و ما جنت اريد وحدة تعيش هالشي وياي.
سألت بهدوء:
- و ليش اني؟
هنا …
طوّل وهو يتأملها.
لدرجة خلتها تنزل عيونها.
- لأنّج سند،
سكت.
هالمرة سكوته طال.
عيونه ما كانت عليها … كانت بمكان بعيد … كأنه شايف شي محد غيره يشوفه.
و بعدين … بصوت أهدأ … كأنه الكلام طلع منه بدون ما يقصد:
- من عرفتج … صرت احس اريد اردّ للبيت.
سكون.
الهواء مرّ بينهم ببطء … حرّك خصلة من شعرها … و هي ما تحركت.
ظلت تباوعله.
لأول مرة … ما تشوف الرجل اللي كل الناس تعتمد عليه. ولا الرجل اللي صوته ثابت و ما يهتز. ولا حتى الرجل اللي من أول يوم واقف وياهم مثل جدار.
شافت التعب.
شافت رجل … واضح من سنين ما حجى شي يشبه هذا. و واضح أكثر … إنه ندم بنفس اللحظة اللي طلعت بيها الكلمة.
نزل عيونه بسرعة. كأنه انتبه على نفسه. و شبك إيديه بقوة أكثر … و ابتسم ابتسامة خفيفة … مو لأنها ضحكته.
لأنها طريقته يخفي بيها أي شي ما يريد يبينه.
ريّا ما عرفت شتگول.
لأن الجملة دخلت بمكان ما كانت مستعدة له.
"أريد أردّ للبيت."
مو بيت. مو مكان.
هي.
و لأول مرة … خافت.
مو منه. من الإحساس اللي مرّ بقلبها.
لأنها حسّت … إن هذا الرجل، بكل ثقله و هدوءه و الأشياء اللي ما يحچيها … ما جاي يعرض عليها حياة.
جاي يعرض نفسه.
رفع عيونه إلها مرة ثانية … و كأنه يريد يرجع كلشي طبيعي … يرجع ذاك الحچي المرتب اللي يعرفه.
- انتي مو ضعيفة مهما حاولتي تبينين هالشي …
انتي سند و ظهر … و محل ثقة …
بس صوته هالمرة … ما كان نفس قبل.
و هي … ما عادت تسمعه بنفس الطريقة.
رفع حواجبه بنبرة تنبيه،
- خلي ببالج، اني رايدج و اعَرف بظروفج كلها، و رايد اخفف عنج مو ازيد عليج.
نفسها ثقل.
جزء منها بعده يريد يسمعها بصراحة أكثر. كلمة أوضح. شي ما يخليها تحتار إذا هذا حب … أو مجرد خوف عليها.
بس بنفس الوقت …
تعرف.
هسة عرفت هذا الرجل …
مو من النوع اللي يكَدر يحچي عن قلبه بسهولة.
يمكن ما يعرف أصلاً.
أو يمكن …
متعود يكبت بداخله.
و هي …
كانت أول وحدة من سنين …
تحاول تطّلع على المخفي.
ظلّت ساكتة.
مو لأن ما عندها حچي … بس لأن كل كلمة بعدها صارت توصلها أبطأ.
"من عرفتج … صرت أحس أريد أردّ للبيت."
بعدها تدور براسها. و يمكن لهذا السبب … لمن رجع حچى … احتاجت ثواني حتى تستوعب.
قيس سحب نفس خفيف. و رجّع نظره للأرض لحظة قبل لا يرفع عيونه إلها:
- بس هسة لا تجاوبين.
- لا أريد منج رد … و لا كلمة الليلة.
رفعت عيونها إله.
هو كمل بنفس هدوءه:
- فكري.
يوم … يومين … أسبوع …
شهر إذا ردتي.
هذا القرار إنتِ وحدج تاخذيه.
فصلي انتي ... و اني البس ...
سكت لحظة … و أردف:
- و الحچي هذا يبقى بينّا.
هزت راسها بخفة. بس بعدين انتبهت لشي.
- و عمّي سلمان ؟
رفع عيونه إلها. و رد بهدوء:
- أبوي يدري.
تقلصت ملامحها فوراً.
- يدري ؟!
هز راسه.
- يدري إني طالبج من أبوچ.
و يدري إن الموضوع بعدها ما انتهى.
ظلت تباوعله باستغراب. واضح الفكرة صدمتها أكثر من أي شي ثاني.
- شلون يعرف؟
نزل عيونه للحظة … و ابتسم ابتسامة خفيفة جداً. مو لأنها تضحكه. بس لأنها واضحة بالنسبة إله.
- ريّا … مثل هالحچي ما ينحچى بيه و أبوي ما يدري.
حتى لو اني زلمة و الي كلمتي … يظل هذا عيب بعرفنا.
سكت. و كمل بهدوء:
- و اني مو جاهل حتى اضم عليه شي مثل هذا.
- هو يعرف كل شي من البداية. و جان ينتظر أشوف وكت مناسب احاجيج بيه.
عيونها توسعت شوي. مو خوف كامل. بس ارتباك.
هو انتبه.
و فوراً … صوته هدأ أكثر:
- لا تخافين.
رفعت عيونها إله.
- أبوي ما راح يحَچي وياج. و لا يخليج بموقف محرج.
و لا أحد راح يضغط عليج بكلمة.
ظل يباوعلها حتى يتأكد إنها تسمعه.
- هذا الموضوع يبقى معلق …
و يظل واكَف على كلمة منج.
سكت لحظة … و ابتسم بخفة:
- إذا شفتي نفسج مرتاحة … و ردتي …
- بس انطيني إشارة. و الباقي عليّ.
- شنو الإشارة؟
رفع حاجبه بخفة.
- أي شي. كلمة … نظرة … حت لو ما شفتي فرصة و بنص اهلنا بس كَولي احجي وي عمي.
ابتسمت غصب عنها. خفيفة. مرتبكة.
هو كمل:
- ساعتها أذكر أبوي.
و نتحرك مثل الأصول.
غير هذا …
يبقى الحچي هين مثل ما صار هين.
سكون.
الهواء مرّ بينهم مرة ثانية. و هي ظلت تباوعله.
لأول مرة … ما حست إنه جاي يحاصرها.
بالعكس.
كان فاتح إلها باب … و تارك مفتاحه بإيدها.
الجو صار له يومين أبرد من الأيام المضت، كانت تشك انه مو برد حقيقي، و مجرد برد مشاعرها، بس تأكدت منه لما أم قيس تمشي بالبيت و تردد،
- البسن يمة ... شو ابردت من تالي !!
ريّا كانت تمشي بين الغرف و أخواتها … كأنها تحفظ نفسها بالحركة.
إلى أن نزلت رهف من فوق قبل الظهر … و خدودها حمر. و عيونها ذابلات.
- ريّا … بردانة.
أول ما لمست جبينها … قلبها وكَع.
حارة.
مو شوية.
- ولج امي صايرة نار ...
نادت بصوت،
- عمة ...
صوتها طلع بسرعة. و كلشي بعده صار أسرع.
ميزان. حرارة. مي. كمادات. رهف متكوّرة بحضنها و جسمها مشتعل.
تسعة و ثلاثين و نص!
قالتها نورا بخوف.
رغد وقفت بالنص … ما تعرف شتسوي.
أم قيس فتحت خزانة الأدوية. طلعت كلشي. و بعدين التفتت بخبصة:
- خافض الحرارة شو ماكو يولن!
شلون يعني خلص؟!
نورا ردت،
- اي يمة خلص من تمرضت هبة اخر مرة.
صوت ام قيس تلومها ما مذكرتهم يجيبون.
صوت ريّا اختفى.
رهف بدأت تبچي. مو بجي قوي. بجي تعب. و جسمها يشتعل أكثر.
أم قيس التفتت بسرعة لنورا:
- خابري اخوج بساع.
بالمستشفى … قيس كان واقف بغرفة الفحص. تلفونه اهتز أكثر من مرة.
أول ما شاف اسم نورا … طلع فوراً.
- ها يابا ...
صوت أمه متوتر:
- قيس يمة تكَدر تجي ؟!
رد بنبرة خوف،
- خير يمة شصاير ؟!
- رهف مصخنة فرد نوب و خافض الحرارة خلصان.
و صوتها يردد،
- يول يمة اهدي، ما بيها شي.
ثانية. و بعدها:
- هاي ريّا ؟! جيبيها شو احاجيها.
ريّا أخذت التلفون بسرعة. إيدها ترجف.
- قيس …
أول ما سمع صوتها … عرف.
- ريّا اسمعيني.
صوته كان ثابت. هادئ. واضح.
- لا تخافين.
- جيبي ماي بارد مو ثلج.
و سوي كمادات على ركَبتها و جوا اباطها.
و لا تغطيها جثير.
ردت بخوف،
- حرارتها كلش عالية …
- أعَرف ... اسمعيني ...
- اني هسة جاي ... ربع ساعة و اصلكم.
سكتت ترد
- زين زين ...
و نبهها،
- لا تخليها تشوفج خايفة.
رجعت حضنت رهف. الطفلة كانت تحترك بين إيديها.
- ريّا …
- ها حبيبتي … ها …
- تعبانة …
- أعرف روحي … أعرف …
بللت الشاش. و حطته على رقبتها. مرة. مرتين. ثلاث.
رغد كاعدة يمها تبچي بصمت. و أم قيس تفتر بالبيت ما تدري شتسوي.
بعد ربع ساعة … رهف بطلت تبچي.
و هذا خوف ريّا أكثر.
صارت تفتح عيونها و تسدها … و تحچي حچي مو واضح.
- بابا … لا تروح …
رفعت ريّا راسها بسرعة. و الدم انسحب من وجهها.
- رهف!
الطفلة ما ردت.
بس تمتمت بشي ثاني … مو واعية.
- ماما ...
و بنفس اللحظة … باب البيت انفتح بقوة.
خطوات سريعة. و قيس دخل.
أول ما شاف رهف … وصلهم بثانيتين.
نزل على ركبته كَدامها. سحبها من حضن ريّا بسرعة و حضنها على صدره.
- رهف! حبيبتي … رهف شو دحكَيلي …
طبطب على وجهها بإيده. يحاول يطلع منها أي استجابة.
- ها بابا … شو دحكَيلي …
فتحت عيونها شوية. و رجعت سدتهم.
ملامحه توترت. التفت لريّا فوراً:
- بساع البسي و امشي وياي.
وقفت. بس وقفت مثل اللي ما يعرف شيسوي.
- شنو … شنو ألبس؟
كانت لابسة فستان بيت أسود. حافية. شعرها ذيل حصان. و دموعها على خدها.
أم قيس ركضت عليها. جابت عباية مفتوحة. حطتها على كتفها.
- هاج يمة ...
و شيلة. حاولت تلفها على راسها. ريّا ما عرفت. إيدها كانت ترجف أكثر من اللازم.
قيس ما انتظر ... رهف بحضنه فتح الباب ... و طلع.
هي لحكَتهم.
أول ما ركبت السيارة …
خلى رهف بحضنها و هو انطلق.
- قيس …
صوتها انكسر.
- خايفة عليها …
التفتلها بسرعة لثانية وحدة و رجع ركز بطريقه،
- لا تبجين ... لا تثبريني ريّا.
بس دموعها نزلت أكثر.
- ما تتحمل … ما تتحمل بعد …
- ريّا!
نبرته كانت أقوى هالمرة ... مو عصبية ... توتر.
- دحكَيلي شو.
- بابا هذا التهاب، بس نصل يخفضون حرارتها، اذكري الله.
تستمر القصة أدناه
سكتت. بس ظلت تبچي بصمت.
الطوارئ.
كلشي صار بسرعة.
هو دخلهم بنفسه ... الكل يعرفه ... ممرضات ... أطباء ...
رهف انشالت من إيده للسرير.
فحص ... حرارة ... إبرة ... أسئلة.
التهاب لوز.
و أنف.
و أذن.
الالتهاب منتشر بجسمها.
كل كلمة كانت تنزل على ريّا مثل حجر.
خلوها على مغذي ... و مضاد حيوي ... و خافض حرارة بالوريد.
و هي واقفة بعيد ... ما تكَدر تقرب ... ولا تبعد.
إيدها على فمها ... و دموعها تنزل.
لحد ما حسّت بإيد على كتفها.
قيس.
رجع من الطفلة … للطفلة الكبيرة.
وقف كَدامها.
- خلص ... استقرت.
هزت راسها بسرعة ... بس دموعها ما وقفت.
- لو صارلها شي … غفلت عنها اني ....
- ما صارلها شي.
التفت يمسح المكان حولهم بنظراته و رجع لها،
صوته ناصي. بس ثابت.
- يزي دموع عاد ... كل الجهال تتمرض و تصخن ...
انتي ما مقصرة بشي.
هزت راسها بالنفي بسرعة.
- اني مو جبانة والله ... بس هي جانت تهلوس ببابا …
هنا … سكت.
لأن يعرف.
يعرف شنو يعني هاي الكلمة اللي بوقت الهذيان تطلع من طفل.
قرب شوية ... مو هواية ... بس بالقدر اللي يخليها تسمعه.
- ريّا رهف مريضة، و انتي أمها ... انتي هيج راح تشغلين بالي عليج ازود.
رفعت عيونها إله.
و لأول مرة من دخلوا هالمكان … ما شافت الطبيب ... ولا الرجل اللي كلشي يعرف يسوي.
شافت نفس الشخص اللي كل مرة … من الدنيا تسود … يبقى واقف.
مد إيده ... بيها كلينكس.
امسحي دموعج.
و تعالي اكَعدي.
كَعدت يمه.
بينهم كرسي صغير ... و كَلاص مي ... و أمامهم رهف نايمة على المغذي.
و ريّا بعد جهد ... و بعد صبر منه ... و بعد طريقته الهادية وياها … بطلت تبچي.
و ظلت تنتظر … وياه.
مرّت تقريباً ربع ساعة.
الغرفة هادئة … بس مو ذاك الهدوء اللي يريح. هدوء انتظار. و الصخب برا فضيع، بالعادة الطوارئ أكثر مكان فوضى بالمستشفى.
المغذي ينزل ببطء ... صوت الأجهزة خفيف ... و ريّا كَاعدة بطرف الكرسي … عيونها على رهف من دون ما ترمش.
فجأة … رهف تحركت.
أصابعها الصغيرة انقبضت شوية، و بعدين فتحت عيونها ببطء.
مو وعي كامل. بس أحسن.
- ماما …
الصوت كان خافت. تعبان. بس وصلها.
ريّا انتفض قلبها.
كَامت بسرعة ... تقربت من السرير. و ابتسمت إلها فوراً …
ابتسامة صغيرة، كلها حنان.
- هااا روح ماما … صحت رهوفة؟
رهف باوعتلها ... عيونها بعدها ضايعة ... بس أول ما شافتها … ارتاحت.
- ماما …
مالت عليها ريّا. مسحت شعرها عن جبينها. و حچت وياها بنفس اللغة اللي دائماً تحچي بيها وياها من كانت صغيرة:
- هااا حبيبي … منو هذا اللي خوفنا؟ ها؟ هاي رهوفة لو بنية ثانية؟
رهف حركت شفايفها شوية … و كأنها تريد تبتسم.
- جسمي يوجع …
- أدري حبيبتي … هسة تصيرين زينة ... و الدكتور الشاطر انطاج دوا … و بعد شوية تصيرين زينة.
رهف حركت إيدها. و أول ما انتبهت للكانيولا … تكشرت.
- ماما شنوو هذا، أبرة كبيرة …
نظرت لإيدها بخوف. و سحبتها شوية.
وقفتها ريّا،
- لا لا لا حبيبتي … مو واوا كبير … بس شوية.
بس قبل لا تلحق تهديها أكثر … قيس نهض من مكانه.
تقرب. و كَعد على حافة السرير يمها.
- هااا … هاي شنو؟
رفع إيدها الصغيرة بهدوء. و بدأ يمسد حوالين الكانيولا بأصابعه بخفة.
- هاي عمو حطها حتى رهوفة تطيب.
رهف باوعتله ... بعدها نص واعية بس انتبهت.
- لا … توجع …
ابتسم إلها. و قرب وجهه منها أكثر.
- لااا … هاي بس جاية تگول للواوا اطلعي برا.
رهف ظلت تباوعله. و بعدين سألت فجأة، بصوتها النص نايم:
- عمو انت اجيت ؟!
رفع حاجبه. و بأصابعه السبابة و الوسطى كَرص خسمها يقول،
- كَالولي رهوفة بيها واوا … و اجيت أنقذها.
رهف ضحكت. ضحكة صغيرة. تعبانة. بس ضحكة.
- انت سوبرمان؟
- طبعاً ... و انتي شنو؟
فكرت للحظة، و همست:
- اني أميرة …
ابتسم لها لحد ما ظهرت تجاعيد عيونه،
- انتي أحلى أميرة ...
ريّا كانت واقفة يمهم … تباوع.
و لأول مرة من ساعات … حسّت صدرها يخف.
رهف ظلت تحچي وياهم شوية شوية ... كل دقيقة تصير أوعى ... حرارتها نزلت ... و لونها رجع أحسن.
لحد ما الممرضة دخلت ... فحصت حرارتها ... و ابتسمت:
- أحسن هواي . تكَدرون تطلعون.
رفعت لها الكانيولا بعد معاناة ...
رهف حاولت تنزل من السرير.
قيس وقف فوراً:
- لا لا. شنو هاي؟
فتح إيديه إلها.
- اليوم الأميرة ما تمشي. احنا نشيلها.
رهف ما اعترضت ... رفعت إيدينها إله مباشرة.
شالها ... و استقرت بحضنه بسهولة … كأنها متعودة.
إيدينها لفتهم حوالين رقبته. و خدها نزل على كتفه.
- نعوسة اني …
قالتها بصوت خافت.
هو مسد على ظهرها بخفة.
- نامي حبيبتي ... خلصنا.
مشى بيهم بالممر ... و ريّا تمشي يمهم.
تباوع على رهف … و على إيده اللي شايلها بثبات. و على الطريقة اللي يحچي بيها وياها … كأنها مو بنت عمه كأنها بنته ...
و يمكن … لهذا السبب بالذات … خافت أكثر.
لأن قلبها … بدأ يعتاد عليه.
وصلوا للسيارة.
فتح الباب الخلفي بهدوء ... و نزل رهف على الكرسي.
بس أول ما حاول يبتعد … هي تمسكت بقميصه.
- لا …
ابتسم و مال عليها،
- ها شتريدين ؟
- ماريد وحدي ...
تنهد و سألها،
- تريدين يم ريّا ؟!
هزت راسها و رجع شالها، صعد بمكانه و عبرها إلها بالمقعد الي بجانبه.
خلتها بحضنها، راسها على صدرها و تمسد على شعرها لحد ما غفت مرة ثانية.
ظلت أصابعها على شعر رهف … و عيونها عليه من جانب عينها. و لأول مرة … ما خافت من فكرة إنهم يحتاجوه. خافت من فكرة إنها يمكن … تحتاجه هي.
و هو منطلق بيهم للبيت … الشمس برا عالية و رغم دنيا عصر تقريباً بس الجو بارد.
رجعوا للبيت ... كانت نايمة بعدها، شالها لاف إيديها على رقبته و دخل بيها للبيت.
نزلها بغرفة امه مفتوحة الباب،
و أمه تسأله بلهفة عن وضعها ... عدل الغطا عليها و مسد على راسها يقول،
- أحسن يمة ... مستبردة و التهاب.
و التفت لريّا،
- خلّيها هين لا تاخذيها فوكَ، تا لو صخنت انوب الكل عينو عليها.
هزت راسها و التفت و هو يطلع شاف هبة واكَفة بالباب، و إصبعها بفمها، تتأملة بنظرة، و رهف بنظرة و حضنت دبدوبها.
فتح لها قيس إيديه يقول،
- تعالي بابا.
تقربت بخطوات مترددة، شالها يبوسها و سألها،
- ما سألتي على رفيجتج، مريضة ...
و هي سألته،
- بيها واوا ؟!
باسها يقول،
- اي بيها واوا ... هسع نايمة، من تكَعد لا تعوفيها.
هزت راسها و لفت ايديها على رقبته ساكتة. عرفها غارت مثل ما هي عادتها لمن يلعب وية بنات عمها ...
ثلاث أيام مرت و التفكير اكل عقلها ...
الساعة صارت ثنتين الفجر و النوم … بعيد.
ريّا ظلت تتقلب بالفراش و الكتمة تزيد بصدرها أكثر. الغرفة مظلمة. رهف نايمة يمها، و نفسها الصغير يطلع و ينزل بهدوء. بس هي … كانت حاسة روحها مضغوطة.
كَامت بهدوء ... غطت رهف زين ... فتحت الشباك شوية. الهوا البارد دخل للغرفة، بس ما برّد شي بداخلها.
لبست جاكيت فوق ملابسها، و نزلت بخفة حتى لا أحد يحس بيها.
البيت كله نايم، و الحديقة برا ساكنة.
النسمة الباردة تمر بين الشجر، و ريحة التراب و القداح تعبي المكان.
كَعدت على العلوة الصغيرة بصف الحديقة ... و لأول مرة من مات أبوها … ما عرفت شلون ترتب أفكارها.
إذا وافقت … شنو تعرف عنه أصلاً ؟ إذا رفضت … شلون ترد جميله؟ شلون ترفض رجل من يوم دخل حياتهم، و هو شايلهم كلهم على ظهره كأنهم أهله؟
و ليش حاسة إن كلشي ثقيل … حتى نفسها؟
نزلت دموعها بدون ما تحس ... حارة ... و هي لافة الجاكيت على نفسها كأنها تريد تمنع روحها تتفكك.
- شتسوين هين بهالوكت ؟
رفعت راسها بسرعة ... قيس ... واقف يمها بملابسة الرسمية ... لاب كوت بإيده، و كوب قهوة بالإيد الثانية.
مسحت دموعها بسرعة ... و همّت تكَوم ... بس صوته سبقها:
- أكَعدي … أكَعدي.
تقرب ... و كَعد يمها ... ترك مسافة صغيرة بينهم ... بس صوته كان قريب:
- ريّا … شو دحكَيلي؟
سحبت نفس ... حاولت تتماسك ... بس أول ما باوعتله … حست كل شي داخلها يريد ينهار.
همس:
- ضايج صدرج و ما وسعه البيت انّوب ؟!
هزت راسها بالإيجاب.
سكت لحظة. بعدين سأل:
- شنهو الشاغل بالج؟
ردت بعبرة مخنوقة:
- كل شي ... حياتنا تدمرت بيوم و ليلة.
- و قيس زاد همج هم؟
رفعت عيونها إله بسرعة. و لأول مرة ما دارت وجهها.
- لا ... بس …
سكتت ... و هو كمل عنها:
- بس بعدج ما متعودة عليّ.
نزلت عيونها.
- اخواتي يمكن تعودوا عليك ... شافوك بمكان بابا ... بس اني … كل ما أشوفك تسوي شي إلنا أحس بالخجل. أحس صرنا حمل عليك.
التفتلها بالكامل.
- منّيش الخجل يولّي؟
صوته كان بيه عتب ... مو زعل ... ذاك العتب الحنون اللي يخلي القلب يوجع أكثر.
- إن جنت رجلج … و إن جنت أخوج … لو حتى بمكان أبوچ … بكل الحالات إنتن مسؤوليتي.
ظلت ساكتة.
هو كمل:
- ريّا … انتي ناطية الموضوع أكثر من حجمه ... تعتقدين إذا سندتي ظهرج لزلمة، هالشي يقلل منج؟
هزت كتفها بخفة.
- ما أدري.
- لا يبوي لاا ... هذا مو ضعف ... الرجال و المرة واحد يكمل الثاني ... و لمن تحتاجين أحد يكَف وياج حتى يحافظ على البيت … هذا مو لانج أقل ... هذا لانّو الحياة هيچ تريد.
بلعت ريقها ... و أخيراً سألت الشي اللي كان يوجعها:
- بس إنت مو مجبور بينا ... شنو تحصل بالمقابل؟ ليش تظل رايح جاي علينا؟
سكت ... صفن بمكان بعيد لحظة ... بعدين رد بهدوء:
- لأنجن أمانة.
و قبل لا تعترض، كمل:
أفهم عشتي غير حياة… و عمي الله يرحمه ما خلاجن تعيشن بظل عائلة غيره تا تفهمين كلامي.
بس من هين و رايح… إنتي الج أهل.
و إلج ابن عم شاريج.
حمليني المسؤولية … و شيليها وياي.
و بإذن الله … ما طول راسي يشم الهوا … همج همي.
و على راسي أخليج.
سكت شوية يتأمل الفراغ و رجع كسر الصمت،
- حتى لو ما جنتن أمانة … و لو ابوج ما دلاني الدرب جنت راح أدور عليجن ... إنتي بنت عمي ... لحمي و دمي ... و الله ما أعوفج لوحدج بالدنيا.
هنا … انكسرت.
غطت وجهها بإيدها ... و طلعت منها شهكَة حاولت تكتمها.
تنهد ... و حط إيده على ظهرها يطبطب بخفة.
- إهدي ... البجي ما يرد شي.
بس هالمرة … ما كدرت تتماسك ... اندارت عليه، و حطت راسها بصدره.
و بجت ... بجت كل التعب ... كل الخوف ... كل اللي ما بجت عليه يوم مات أبوها.
هو ظل ساكت. بس إيده على ظهرها ... و كل شوية يهمس:
- إهدي …
- اني وياج ...
- ما اخليج ...
و هي بين شهكَة و الثانية، همست:
- مشتاقتله ... كلش مشتاقتله.
غمض عيونه لحظة ... و ضمها أكثر لحضنه.
- أدري.
- لا تعوفنا قيس ... ما أكَدر أعيش لوحدي ...
إيده صعدت لشعرها ... و صوته صار ناصي أكثر:
- ما أعوفج والله ...
بعدها عنه شوية ... بطرف اصبعه مسح دموعها.
- أخذي قرار ... و مهما جان … تلكَين قيس بظهرج.
ظلت تباوعله ... عيونه كانت ثابتة ... ما شافت بيها مجرد رجل قوي ... شافت رجل تعبان ... بس بعده واقف بظهرها.
و يمكن لهذا السبب … قل خوفها ...
هو نهض ... التفت للسيارة ... بعدين رجع باوعلها:
- يلا … روحي نامي ... غسلي وجهج ... صلي ركعتين، و باچر أريد أشوفج أقوى.
هزت راسها.
مشى خطوتين ... بعدين انتبهت للكوب الي كان بإيده جنبها ...
- قيس ...
التفت،
تقربت ...
- قهوتك نسيتها ...
أخذها منها،
- عاشت ايدج ...
التفت يكمل طريقه و صفنت بظهره العريض،
أفكارها المتلاطمة فجأة حستها رست على بر،
و بدون تفكير صاحت له،
- قيس ...
و التفت هالمرة بكامل جسمه،
وقفت مقابيله ... قلبها يدكَ بسرعة و همست،
- اني موافقة.
ظل ساكت ... بس ملامحه كلها جمدت.
كأنه مو مصدكَ ... أو كأنه طول عمره كان يتخيل يسمعها … و من سمعها فعلاً ما عرف شلون يتصرف.
ظلت عيونه عليها ثواني أطول من العادة ...
و لأول مرة … ارتبك.
ارتباك صغير جداً ... بس شافته.
نزل عيونه بسرعة ... و رجع رفعها.
- ما بيها تراجع ؟
ابتسمت بخجل.
- لا ... ماكو تراجع.
هز راسه ببطء. كأنه بعده يحاول يستوعب.
- بيها الخير إن شاء الله.
و مشى. بس حتى بعد ما ركب السيارة … ظلت تشوفه من بعيد، يباوعلها مرة أخيرة قبل لا يطلع. كأنه يريد يتأكد إنها بعدها واقفة ... و بعدها ما غيرت رأيها.
رجعت للبيت.
سويت كلشي كَال لي عليه ... غسلت وجهي ... توضيت. صليت ركعتين ...
و لما تمددت يم رهف … لأول مرة من أيام … حسيت نفسي مرتاحة.
ولا كأن قبل ساعة كنت أختنق.
غمضت عيوني ... و آخر فكرة مرت ببالي …
إنه حضنه … كان يشبه حضن أبوية ... و ريحته… ريحة أبوية ...
و ما عرفت إذا هذا الشي حقيقي … أو من كثر اشتياقي … صرت أتخيل.
----
اليوم الثاني مرّ بنفس الروتين ...
قيس رجع العصر ... و من دخل للبيت … ما حچى شي. بس كل شوية كانت تحس بنظراته ... نظرات سريعة. خفيفة ... كأنه بعده يريد يتأكد ... كأنه خايف يكون حلم و يروح.
و هي … كل ما تلتقي عيونهم … تبعد نظرها بسرعة.
بالليل … دخلت هبة تركض:
- خالة … جدو يريدج برا.
طلعت ... لكَت عمها سلمان كاعد يم الجمريّة ... و قيس مقابيله ... كل واحد لاف الفروة على ظهره.
أول ما شافها عمها فتح إيده:
- تعالي جاي يابا.
كَعدت يمه. و فوراً حاوطها بإيده.
- مرتاحة؟ معتازة شي؟
- الحمد لله عمو.
ظل يتأملها بحنان ... بعدين تنهد:
- من جيتن لهينا … و اني كل يوم أحمد الله، أهجس ربي انطاني ثلاث بنيّات فوكَ اثنين العندي.
ابتسمت غصب عنها ... بس قلبها ظل يدكَ ... لأنها تعرف أكو شي جاي.
عمها التفت على قيس لحظة ... بعدين رجع إلها:
- ريّا يابا … قيس كَالّي أكو حچي صار بينكم.
نزلت عيونها فوراً.
- و اني … من سمعت … حسيت هسة تاكَدر اتطمن على وحدة منجن.
بقت منزلة عيونها و تسمعه يكَول،
- ريّا يابا هالحچي انحچى جدّام ابوچ ... و يمكن ما صار وكت يوصلو الچ ... بس تذكرين راح لدار حقّو و هو يوصي ... و اني هاي الوصية على عيني، و على راسي لو انتي راضية.
سكت لحظة و سأل،
- راضية بابن عمج … على سنة الله و رسوله يابا ؟
سكتت. ثواني ... و قلبها يدكَ ...
حست بعيون قيس عليها ... بس مو مثل قبل ... مو انتظار يضغطها ... بس ذاك الهدوء اللي كلمها بيه من البداية:
- القرار قرارج.
رفعت راسها شوية ... و هزته بالإيجاب.
عمها حضنها مباشرةً ... و باس راسها يقول،
- والله لا أنعل شيب أهلو إذا نزّل من عيونج دمعة.
بعدين وجه حچيه لقيس:
- هالبنية أمانة بركَبتك تصير ... ان اجت بنتي مكسورة منك بيوم، اني خصيمك ...
قيس رد بهدوء ... بس صوته هالمرة كان أثقل:
- ما يظل خاطرها إلا طيب ...
و هي حست بفراشات بكل جسمها من الموقف ...
بالليل كَاعدة وية البنات بغرفتهم ... رهف بحضنها ... و رغد أمامها ...
- عندي موضوع وياكم.
ردت رغد بسرعة:
- شنو ؟
سحبت نفس.
- قيس خطبني ... و اني وافقت ...
شهقت رغد مصدومة،
- هاا ... ليش؟
باوعتلها.
- شلون يعني ليش؟
و سألتها،
- انتي تحبيه ؟!
ميّلت راسها،
- مادري ...
- إذا ما تحبيه … ليش تقبلين؟
الجملة نزلت على قلبها مثل الحجر ... لأنها مو أول مرة تسمعها ... هي من البارحة تسأل نفسها نفس السؤال.
بس ما بينت.
- لأن مو كل القرارات بحياتنا نمشي بيها على اللي نريده. أكو أشياء نمشي بيها على اللي نحتاجه.
رغد ردت بعصبية:
- و إحنا؟ إذا صار يتحكم بينا؟
هنا تغيرت ملامحها.
- محد يتحكم بيكم ... و لا أحد ياخذ مكان بابا ... بس قيس سند إلي ... و لازم تحترموه.
سكتت رغد. بس واضح إنها مو مقتنعة.
و لمن طلعت من الغرفة … ظلت ريّا كاعدة بمكانها.
لأن كلام رغد وجعها ... مو لأنها صدقتها. بس لأنها قالت بصوت عالي الشي اللي هي تخاف منه.
و بعدها رهف رفعت راسها من حضنها. و همست:
- ريّا … يعني عمو قيس يصير مثل بابا؟
اختنق نفسها.
- لا حبيبتي ... بابا ما محد مثله.
رهف ضمت راسها لصدرها،
- بس هو يشبه بابا ... لا تخليه يعوفنا.
غمضت عيونها. و لأول مرة من وافقت … حست بالخوف الحقيقي.
مو من قيس. من إنها بدأت تتعلق بيه أكثر مما كانت تريد
