
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل التاسع9 والعاشر10 بقلم عاشقة القلم
✍️تردد باران لوهلة،
تحركت عيناه بين الساعة المعلقة على واجهة أحد المحال، وبين الطريق المؤدي إلى محطة القطار.
لم يبقَ على الموعد إلا وقت يسير.
كان يستطيع أن يكمل طريقه...
وأن يترك الأمر لغيره.
لكن الصراخ الذي ازداد حدة، وصوت امرأة تصرخ مستنجدة، لم يترك له فرصة ليتجاهل ما يحدث.
استدار على الفور، واتجه بخطوات سريعة نحو موضع التجمع.
كلما اقترب، اتضحت الصورة أكثر.
شاب في منتصف العشرينات كان يحاول حماية رجل مسن سقط أرضًا بعدما دفعه أحد الأشخاص بعنف، بينما انهال رجلان آخران على الشاب باللكمات والركلات، وسط فوضى عارمة، وتجمع من المارة اكتفى أكثرهم بالمشاهدة.
ارتفع صوت امرأة مسنة، وقد ارتمت بجوار الرجل الذي سقط أرضًا.
المرأة: بالله عليكم... أبعدوهم عنه! سيقتلونه!.
شعر باران بدمائه تغلي.
لم يفكر.
لم يسأل نفسه إن كان التدخل سيؤخره.
اندفع مع اثنين من الشبان الذين سبقوه إلى المكان، وأمسك بذراع أحد المعتدين، يجذبه بقوة بعيدًا عن الشاب.
استدار الرجل نحوه بعينين تقدحان غضبًا.
الرجل: وما شأنك أنت؟.
قالها وهو يحاول الإفلات من قبضته.
لكن باران لم يتركه.
بل قال بصرامة:
باران: إن كان بينكم خلاف، فليس هذا مكان لحله.
لم تكد الكلمات تنتهي حتى اندفع المعتدي نحوه، دافعًا إياه بقوة.
اختل توازن باران خطوة إلى الخلف.
لكن ذلك لم يثنه.
عاد وأمسك به مرة أخرى، بينما تمكن أحد المارة من إبعاد الرجل الثاني، واجتمع عدد أكبر من الناس، حتى تحول الشجار إلى فوضى يصعب السيطرة عليها.
وسط الزحام، كان الرجل المسن يتأوه من الألم، وقد بدا أنه أصيب في رأسه إثر سقوطه،
انحنى باران نحوه بسرعة.
باران: عمي... هل تسمعني؟.
فتح الرجل عينيه بصعوبة، وهمس بكلمات لم يفهم منها سوى:
المسن: ابني...
التفت باران إلى الشاب الذي كان يحاول النهوض رغم آثار الضرب على وجهه.
أسرع إليه، وساعده على الوقوف.
باران: هل تستطيع السير؟.
أومأ الشاب برأسه، وهو يلهث.
الشاب: أبي...
أرجوك، انظر إلى أبي.
وفي تلك اللحظة، دوى صوت صفارة سيارة الشرطة عند مدخل الشارع، تبعتها سيارة إسعاف كانت قد استدعاها أحد الحاضرين.
بدأ المعتدون يتراجعون، قبل أن يتمكن رجال الشرطة من السيطرة عليهم.
أما باران، فبقي إلى جوار الرجل المسن، يساعد المسعفين في حمله إلى النقالة، بينما كان الشاب لا يكف عن شكره، وقد اختلط الامتنان بالخجل في عينيه.
اقترب أحد رجال الشرطة من باران بعدما دوّن أسماء بعض الشهود.
الشرطي: لو سمحت... هل يمكنك أن تبقى دقائق؟ نحتاج إلى تسجيل إفادتك، فقد كنت من أوائل من تدخلوا.
نظر باران غريزيًا إلى ساعة يده...
فشعر كأن قلبه سقط بين ضلوعه.
مر الوقت...
أكثر مما كان يظن.
رفع بصره نحو الطريق المؤدي إلى محطة القطار، ثم عاد ينظر إلى الشرطي.
أغمض عينيه لحظة قصيرة.
وزفر بصمت.
كان يعلم...
أن بإمكانه الاعتذار والانصراف.
لكن ضميره لم يسمح له أن يترك رجلًا مصابًا، وشابًا قد يحتاج شهادته لإثبات ما جرى.
أعاد نظره إلى الشرطي، وقال بهدوء:
باران: بالطبع... سأدلي بما رأيت.
وفي تلك اللحظة...
لم يكن يدرك أن كل دقيقة يقضيها هناك...
كانت تبعده أكثر عن فتاة جلست تنتظره، وهي تظن أنه في طريقه إليها،
كما كان يظن.
في جهة أخرى من المدينة....
بدأ صباح السبت في منزل ديلان هادئًا على غير عادته.
فتحت عينيها مع أول خيوط النهار، وما إن همّت بالنهوض حتى التقط سمعها أنينًا خافتًا يتسلل من الغرفة المجاورة.
اعتدلت في جلستها بسرعة.
تسللت بخطوات متعجلة نحو غرفة والدتها، فوجدتها تستند إلى حافة السرير، واضعة يدها على أسفل بطنها، بينما ارتسمت على ملامحها علامات الألم.
اقتربت منها بقلق.
ديلان: أمي... ماذا بك؟ هل عاد الألم من جديد؟.
رفعت والدتها رأسها، وحاولت أن ترسم ابتسامة مطمئنة رغم الشحوب الذي غزا وجهها.
أمينة: لا تقلقي يا ابنتي... مجرد مغص بسيط، لقد رافقني منذ أيام، وسيزول بإذن الله.
جلست ديلان إلى جوارها، تتحسس جبينها برفق.
ديلان: لكن وجهك شاحب... دعيني آخذك إلى الطبيبة.
هزت والدتها رأسها رافضة.
أمينة: لا داعي لكل هذا القلق... بعد أن أرتاح قليلًا سأصبح بخير.
ظلت ديلان تحدق فيها لحظات، ولم يطمئن قلبها، لكنها لم تشأ أن تزيد من توترها.
نهضت قائلة:
ديلان: سأعد لك شيئًا دافئًا، ثم تتناولين دواءك.
وقبل أن تغادر الغرفة استدارت إليها مرة أخرى.
ديلان: أمي... كنت أريد أن أخبرك بأمر.
نظرت إليها والدتها متسائلة.
قالت ديلان بهدوء، وهي تحاول أن تبدو طبيعية:
ديلان: في المساء سأذهب مع مريم لزيارة إحدى صديقاتنا، فقد مرضت منذ أيام ولم نستطع الاطمئنان عليها بسبب الامتحانات.
ابتسمت الأم ابتسامة واهنة.
أمينة: حسنا اذهبي يا ابنتي... لقد بقيت حبيسة الكتب والبيت طوال الأسابيع الماضية.
ثم أضافت بحنان:
لكن لا تتأخري كثيرًا.
ابتسمت ديلان، واقتربت تقبل جبينها.
ديلان: لن أتأخر بإذن الله.
مر النهار سريعًا.
منذ ساعات الصباح الأولى، انشغلت ديلان بأعمال المنزل كعادتها.
أعدت الفطور.
رتبت الغرف.
غسلت الأواني، ثم أعدت طعام الغداء قبل أن تساعد والدتها على تناول دوائها وإجبارها على الاستلقاء قليلًا.
ورغم أن والدتها كانت تؤكد بين الحين والآخر أن الألم قد خف، فإن قلب ديلان ظل منقبضًا دون أن تعرف السبب.
كانت كلما دخلت غرفتها لتنجز أمرًا، عادت بعد دقائق تطل برأسها لتطمئن عليها.
حتى ضحكت والدتها قائلة:
أمينة: لو واصلتِ مراقبتي هكذا، فسأشفى من كثرة اهتمامك.
ابتسمت ديلان، لكنها لم تستطع مجاراتها في المزاح.
كان هناك شيء غامض يثقل قلبها.
شيء لا تستطيع تفسيره.
ومع اقتراب المساء...
دخلت غرفتها لتستعد للخروج.
ارتدت ثوبًا بسيطًا بلون أزرق هادئ، ثم وقفت أمام المرآة ترتب خصلات شعرها.
لم تستغرق كثيرًا.
فهي لم تكن ممن يقضون وقتًا طويلًا في التزين.
كانت على وشك أن تتناول حقيبتها، حين دوّى في أرجاء المنزل صوت صرخة مكتومة.
تجمدت في مكانها.
عرفت الصوت...
كان صوت والدتها.
ألقت الحقيبة من يدها، وهرعت نحو غرفة والدتها.
وجدتها منحنية على نفسها، تمسك بطنها بكلتا يديها، وقد غطى الألم ملامحها.
شهقت ديلان وهي تسرع إليها.
ديلان: أمي!.
رفعت الأم رأسها بصعوبة، وقد بدأت أنفاسها تتلاحق.
أمينة: ديلان...
لا... أستطيع...
لم تكمل كلماتها، إذ باغتها ألم أشد، فأطلقت أنينًا موجعًا.
شحب وجه ديلان.
وبدون تفكير، اندفعت نحو الهاتف، تتصل بكاظم، الذي ما إن سمع اضطراب صوتها حتى أخبرها أنه في طريقه إليهما.
لم تمر سوى دقائق قليلة، لكنها بدت لديلان كأنها دهر كامل.
كانت تمسك يد والدتها، تردد الأدعية بصوت مرتجف، وتحاول أن تخفي دموعها كي لا تزيد من خوفها.
وحين وصل كاظم، ساعدهما على نقلها إلى السيارة، التي كانت لأحد الجيران احظرها معه لتقلها للمستشفى، وانطلقت بهم مسرعة نحو المشفى.
استقبلهم قسم الطوارئ بسرعة، وأدخلت الأم مباشرة إلى غرفة الفحص.
أما ديلان...
فوقفت في الممر الطويل، تضم كفيها إلى صدرها، وعيناها معلقتان بالباب المغلق.
كانت الدقائق تمر ببطء قاتل.
وكلما خرج أحد أفراد الطاقم الطبي، كانت تهرع إليه بعينيها، قبل أن تكتشف أنه ليس الطبيب الذي ينتظرونه.
وأخيرًا...
انفتح الباب.
خرجت الطبيبة بخطوات هادئة، بينما كانت ملامحها تحمل من الجدية ما جعل قلب ديلان يهبط إلى قدميها.
تقدمت نحوها بسرعة.
ديلان: دكتورة... كيف هي أمي؟.
تنهدت الطبيبة تنهدًا خافتًا، ثم قالت بصوت يغلب عليه الأسف:
الطبيبة: الأم بخير، والحمد لله... لكن...
توقفت لحظة قصيرة.
وأردفت:
الطبيبة: يجب ان تبقى تحت المراقبة لقد نزفت كثيرا، وهذا ارهقها لذلك يجب ان تبقى لنطمئن على حالتها وحالة الجنين.
شعرت ديلان وكأن الكلمات لم تصل إلى أذنيها، ظلت تحدق في وجه الطبيبة، غير قادرة على استيعاب ما سمعته.
أما الطبيبة فأكملت برفق:
الطبيبة: لاتخافي فوالدتك تجاوزت مرحلة الخطر بإذن الله، لكن يجب ان تبقى تحت المراقبة لنتأكد من صحتها وصحة الجنين، وأيضا لمعرفة سبب هذا النزيف المفاجى فهي في الاشهر الاولى من الحمل، والجنين لم يتعدى الثمن أسابيع وإحتمالية الاجهاض مازالت قائمة لو تعرضت مرة أخرى للنزيف، كما ان ظغطها مازال مرتفعا .
ساد صمت ثقيل.
وتهاوت الكلمات داخل قلب ديلان كالحجارة.
لم تستطع أن تنطق بحرف.
كل ما استطاعت فعله...
أن ترفع بصرها إلى السماء، وقد اختلطت في عينيها الدموع بالدعاء، وهي تردد في سرها:
"اللهم ألطف بنا... فإننا لا حول لنا ولا قوة إلا بك."
ساد صمت ثقيل بعد كلمات الطبيبة.
لم تكن ديلان تسمع شيئًا مما يدور حولها.
كانت تنظر إلى الباب الذي أُغلِق من جديد خلف والدتها، وكأنها تنتظر أن تخرج الطبيبة مرة أخرى لتخبرها أن كل ما قالته قبل قليل كان مجرد خطأ.
لكن الواقع...
كان أقسى من أن يتراجع.
اقتربت الطبيبة منها مرة أخرى، بعدما عاينت امينة مرة اخرى، وقد أشرفت على بداية إعطائها الجرعات الاولى من الادوية، فقد علقت لها بعض المحاليل التي كانت تحتوي على ادوية، وقد لاحظت شحوب وجهها.
ٱقتربت الطبيبة من ديلان وقالت برفق:
الطبيبة: لا تقلقي... الحالة مستقرة، وقد اعطيناها العلاج وننتظر الاستحابة بإذن الله، والان عن إذنك.
أومأت ديلان برأسها بصعوبة.
ثم سألت بصوت بالكاد خرج من بين شفتيها:
ديلان: وهل... ستكون بخير؟.
ابتسمت الطبيبة ابتسامة مطمئنة.
الطبيبة: بإذن الله... المهم انها لم تفقد الجنين حتى الآن، لكن الأهم الآن أن نحافظ على صحة والدتك والجنين معا.
غادرت الطبيبة، وبقيت ديلان واقفة مكانها، تشعر أن الأرض تميد تحت قدميها.
أما كاظم...
فأطلق زفرة ضيق، ثم جلس على أحد المقاعد في الممر، واضعًا كفيه على رأسه، فقد ضاع يومه وسيقضيه الان حتما في المستشفى.
لم يكن يبدو عليه الانهيار بقدر لم يكن مرتبكًا من هول المفاجأة، بل في ثمن ومصاريف العلاج، وأيضا لو تركته زوجته ماذا يصنع بطفلين، وكيف يتحمل مسؤوليتهما وهو لم يتحملها قط منذ ولداتهما، حيث كان همه الاول مزاجه هو وفقط، اما عن ديلان فهي دائما خارج حساباته.
مرت دقائق قبل أن يرفع رأسه نحو ديلان.
كاظم: سيطلبون بعض الأوراق... اذهبي إلى مكتب الاستقبال واسأليهم إن كانوا يحتاجون شيئًا.
أومأت بصمت.
كانت تتحرك كمن يسير بلا وعي.
أنهت الإجراءات المطلوبة، وعادت إلى الممر تحمل بعض الاستمارات تمدها إليه ليوقعها ويعيدها للإدارة، قبل أن تجلس إلى جوار الباب تنتظر.
ولأول مرة منذ سنوات...
شعرت بعجزها الكامل،
لا تستطيع أن تخفف ألم والدتها،
ولا أن تغير ما كتبه الله لهم،
ولا حتى أن تمنع دموعها التي بدأت تنساب بصمت.
مدت يدها إلى حقيبتها تبحث عن منديل، فوقعت أصابعها على الظرف الأبيض،
تجمدت،
نظرت إليه طويلًا،
ذلك الظرف الذي أخفته بعناية منذ أن تسلمته،
وذلك الموعد...
الذي ظلت طوال الأسبوع تفكر فيه، بين قبول ورفض، بين خوف ورغبة في معرفة الحقيقة.
أخرجت الرسالة ببطء، بعد ان غادر كاظم من امامها،
وقرأت سطورها مرة أخرى.
كانت الكلمات كما هي...
هادئة...
صادقة...
بعيدة عن الابتذال الذي كانت تخشاه.
أغمضت عينيها،
لو أن القدر سار كما أرادت...
لكانت الآن في طريقها إلى ذلك المقهى، وبرفقتها مريم،
ولكانت، للمرة الأولى، ستعرف اسم ذلك الشاب الذي ظل مجهولًا طوال أشهر.
لكنها الآن...
كانت تجلس أمام غرفة والدتها بالمشفى.
ابتسمت ابتسامة باهتة، امتزج فيها الألم بالاستسلام.
وهمست لنفسها:
ديلان: يبدو أن الله اختار لي مكانًا آخر اليوم...
ثم أعادت الرسالة إلى داخل الظرف بعناية، وأرجعته إلى حقيبتها.
لم تشعر بأي ندم،
ولم تغضب،
كل ما شعرت به...
أن هذا الموعد لم يكن مقدرًا له أن يتم،
رفعت رأسها نحو باب غرفة التي تنام بها والدتها، وهمست بدعاء خافت:
ديلان: يا رب... لا أسألك إلا سلامة أمي.
أما ما عدا ذلك...
فهو أهون على قلبي مما يصيبها.
من جهة أخرى
كان باران يغادر مركز الشرطة بخطوات متسارعة، يكاد لا يشعر بمن حوله.
ما إن انتهى من الإدلاء بإفادته والاطمئنان على الرجل المسن وابنه، حتى استأذن على عجل، وانطلق نحو محطة القطار،
كان قلبه يخفق بعنف،
وعقله لا يكف عن ترديد جملة واحدة:
"لعلها لم تصل بعد..."
"لعل القطار تأخر..."
"لعل الله يدبر أمرًا لا أعلمه..."
كان يتمسك بكل احتمال، مهما بدا ضعيفًا، وكأنه طوق نجاة يمنعه من الاستسلام.
وصل إلى المحطة، وما إن توقف القطار حتى صعد إليه مسرعًا،
لم يشعر بطول الطريق كما كان يشعر في كل مرة.
كانت عيناه معلقتين بعقارب ساعته، وكل دقيقة تمر كانت تثقل صدره أكثر.
وحين وصل إلى محطته، نزل مسرعًا، وكان يركض بين المارة، معتذرًا لهذا، ومتجاوزًا ذاك، حتى دخل الجامعة و بلغ المكان الذي تقع فيه الكافتيريا.
توقفت خطواته للحظة.
أخذ نفسًا عميقًا يحاول به تهدئة اضطراب قلبه.
ثم دفع الباب الزجاجي، ودخل.
دارت عيناه في أرجاء المكان بسرعة.
طاولة...
وأخرى...
ثم الثالثة...
لم تكن هناك.
جال ببصره مرة أخرى، وكأنه يخشى أن يكون قد أغفلها.
لكن الحقيقة كانت واضحة...
المقعد الذي اختاره مسبقًا كان خاليًا.
ظل واقفًا في مكانه بضع ثوان، لا يدري ماذا يفعل.
حتى اقترب منه النادل، وقد بدا أنه تعرف إليه.
ابتسم له بأدب،
إقترب منه باران وقال:
باران: من فضلك هل يمكنني ان أسألك.
رفع باران رأسه بسرعة،
وخفق قلبه بقوة، عندها تحدث النادل وقال..
النادل: نعم...... تفضل.
نظر باران إلى النادل وقال.
باران: هل رأيت فتاتين قد حظراتا هنا من حوالي تقريبا ساعة، او أقل؛ إحداهما محجبة والاخرى لا.
نظر النادل امامه وكأنه يفكر او يستحظر صورة ما ثم قال...
النادل: نعم اظن ان قبل ساعة تقريبا او اظن اكثر من نصف ساعة قبل الآن، حظرت فتاتين واحدة متحجبة والأخرى لا، وكان ظاهرا عليهما انهما ينتظران شخصا ما، لانه كلما فتح الباب كانت تنظران ناحيته، سألتهما إذا كانتا تريدان شرب شيئا، فأجابت إحداهن انهن ينتظرن صديقا لهما سيأتي، وعندما هممت بالانصراف الفتاة المحجبة طلبت مني كأس ماء وفقط، ثم إنصرفن، يبدو أنك تأخرت قليلًا عليهما.
شعر باران بأن الكلمات أصابته في صدره مباشرة.
سأله بصوت خرج متقطعًا:
باران: هل... حضرت فعلًا؟.
أومأ النادل.
النادل: حسبما تقول اظن ذلك وكان ظاهر عليهما الارتباك وكانهما تنتظران شخصا مهما سيتحدد عليه مصيرهما.
سكت قليلا ثم قال...
النادل: اظن انهما حضرت قبل الموعد، ام انك انت من تاخر،
لقد جلستا هناك...
وأشار إلى الطاولة القريبة من النافذة.
تبع باران اتجاه إصبعه بعينيه.
ولأول مرة...
تخيلها جالسة في ذلك المكان،
تنتظر....
وتنظر بين الحين والآخر نحو الباب.
عاد صوت النادل يقاطعه عن شروده.
النادل: بقيتا قرابة نصف ساعة او اظن أكثر بقليل....
وبعدها غادرتا معًا.
أطرق باران رأسه ببطء.
أغمض عينيه للحظة.
إذن...
لقد جاءت.
ولم تخلف وعدها.
أما الذي أخلف الموعد...
فكان هو.
تنهد طويلًا، وشعر بوخزة مؤلمة تعتصر قلبه،
لم يغضب،
ولم يلمها،
بل لام نفسه فقط.
قال بصوت خافت، يكاد لا يُسمع:
باران: من حقها...
لقد انتظرت....
لكن انا من تأخرت عن الموعد.
اقترب من الطاولة التي أشار إليها النادل.
ظل واقفًا أمامها لحظات.
وكأن المكان لا يزال يحتفظ بأثر وجودها،
بصمتها،
وبانتظارها،
وبكل الكلمات التي لم تُقل،
جلس على المقعد المقابل ببطء،
وأراح كفيه فوق الطاولة.
كانت المرة الأولى في حياته التي يشعر فيها بأن ستين دقيقة...
قد تكون كافية لتغير مجرى عمر كامل.
رفع بصره نحو النافذة الزجاجية،
كانت الشمس تميل إلى الغروب، وأشعتها البرتقالية تنعكس على الأرصفة المزدحمة بالخارج،
ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها كانت مثقلة بالألم.
ثم همس لنفسه:
باران: يبدو أن القدر لم يكتب لهذا اللقاء أن يتم...
ليس اليوم.....
ربما يوم آخر.
نهض بعد دقائق، ودفع ثمن كوب القهوة الذي لم يتذوق منه سوى رشفة واحدة.
وقبل أن يغادر، ألقى نظرة أخيرة على الطاولة.
ثم استدار...
وغادر المكان، وهو يظن في قرارة نفسه أن ديلان جاءت، وانتظرته، ثم غادرت يائسة، وأنه ربما لن تتاح له فرصة أخرى ليشرح لها سبب غيابه.
أما هو...
فلم يكن يعلم أن الفتاة التي ظنها أتت وانتظرته في ذلك المكان، كانت في تلك اللحظات تجلس على مقعد بارد أمام غرفة في المستشفى، تدعو الله ألا تفقد والدتها كما فقدت والدها منذ سنوات.
في الجهة الأخرى من المدينة، كانت ديلان تجلس على أحد المقاعد الباردة في ممر المستشفى، وقد شبكت أصابعها ببعضها في توتر وهي تحدق بين الحين والآخر نحو باب الغرفة الذي أُدخلت إليه والدتها، كان المكان يعج بأصوات الأجهزة وخطوات الممرضين، إلا أن قلبها لم يكن يسمع سوى خفقات القلق التي تعلو شيئًا فشيئًا.
كل دقيقة تمر كانت تبدو لها أطول من سابقتها، وكأن الزمن قد قرر أن يختبر صبرها.
وفجأة، دوى رنين هاتفها في سكون انتظارها.
انتفضت قليلًا، ثم سارعت إلى إخراجه من حقيبتها، وما إن وقعت عيناها على اسم مريم حتى شعرت بوخزة تأنيب ضمير؛ فقد نسيت تمامًا الموعد الذي وعدتها به، ولم يخطر ببالها أن تتصل بها لتعتذر أو تشرح لها ما حدث.
تنهدت ببطء، ثم أجابت الاتصال وهي تحاول أن تبدو متماسكة:
ديلان: ألو... مريم، كيف حالك؟.
لكن صوت مريم جاء مشوبًا بالامتعاض والقلق في آنٍ واحد:
مريم: ألو؟! أين أنتِ يا فتاة؟ لقد تورمت قدماي من كثرة الوقوف وأنا أنتظرك، هل غيّرتِ رأيك أم ماذا؟.
أغمضت ديلان عينيها للحظة. لم تشأ أن يسمع كاظم حديثهما، فنهضت من مكانها واتجهت بخطوات بطيئة إلى آخر الممر، حتى وقفت في زاوية بعيدة لا ترى منها سوى طرف باب غرفة والدتها، أسندت ظهرها إلى الجدار، ثم قالت بصوت خافت أثقلته الهموم:
ديلان: لم أغيّر رأيي... وكنت في طريقي إليكِ فعلًا، لكن حدث أمر اضطرني إلى عدم المجيء.
اعتدلت مريم في وقفتها، وشعرت بانقباضٍ غامض في صدرها، فسألت بلهفة:
مريم: ماذا حدث يا ديلان؟ تكلمي بسرعة، لقد بدأت أفقد أعصابي.
ابتلعت ديلان الغصة التي اعترضت حلقها، وقالت بصوت مرتجف:
ديلان: أنا الآن في المستشفى... لقد تعبت أمي، فأحضرناها إلى هنا.
اتسعت عينا مريم فزعًا، وتبدد كل ضيقها في لحظة، ولم يبق في قلبها سوى الخوف على المرأة التي طالما عاملتها بلطف.
مريم: خالتي أمينة؟! ماذا أصابها؟ ماذا حدث لها؟.
خفضت ديلان رأسها، وهي تستعيد المشهد الذي ما زال يطاردها منذ ساعات، ثم أجابت:
ديلان: لقد أخبرتكِ أنها حامل... لكنها تعرضت لنزيف وآلام شديدة، فاضطررنا إلى نقلها على الفور إلى المستشفى، ومنذ ذلك الوقت وأنا هنا، لذلك لم أستطع الحضور كما اتفقنا.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ.
كانت مريم تستوعب الخبر بصعوبة، بينما أخذت تدعو في سرها أن يحفظ الله أمينة وجنينها، ثم سألت بصوت أكثر هدوءًا:
مريم: وكيف أصبحت الآن؟ هل هي بخير؟.
رفعت ديلان بصرها نحو باب الغرفة، وكأنها تبحث فيه عن طمأنينة مفقودة، ثم قالت:
ديلان: الطبيبة طمأنتنا... قالت إن حالتها مستقرة، لكن يجب أن تبقى تحت المراقبة حتى الغد للاطمئنان عليها وعلى الجنين.
تنفست مريم الصعداء، وأغمضت عينيها شاكرةً الله، ثم قالت برقة ملؤها المحبة:
مريم: الحمد لله... الحمد لله على سلامتها. لا تقلقي يا ديلان، سيكون كل شيء بخير بإذن الله، إذا ألغي موعد اليوم إذن، سأعود الآن إلى المنزل، وإذا احتجتِ إلى أي شيء، فلا تترددي في الاتصال بي، في أي وقت، وسأعاود الاتصال بك لاحقًا لأطمئن عليكِ وعلى خالتي أمينة.
شعرت ديلان بدفء كلمات صديقتها يتسلل إلى قلبها المثقل بالخوف، وكأنها وجدت في صوتها كتفًا تستند إليه وسط هذا اليوم العاصف.
ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت بصوت امتزج فيه الامتنان بالإرهاق:
ديلان: شكرًا لكِ يا مريم... بارك الله فيكِ.
ثم أضافت برفق:
ديلان: في أمان الله.
أجابتها مريم بحنان:
مريم: في أمان الله... وبلّغي خالتي سلامي عندما تستيقظ، وأسأل الله أن يشفيها ويحفظها هي وطفلها.
انتهت المكالمة، لكن ديلان بقيت ممسكة بالهاتف بين يديها للحظات، تحدق في شاشته التي انطفأت، قبل أن ترفع رأسها نحو غرفة والدتها من جديد.
وفي أعماقها، لم تكن تتمنى سوى أمنية واحدة...
أن تفتح أمينة عينيها قريبًا، وتبتسم لها كما اعتادت دائمًا، لتخبرها أن كل شيء قد مرّ بسلام.
أعادت ديلان الهاتف إلى حقيبتها، ثم عادت بخطوات مثقلة إلى المقعد المقابل لغرفة والدتها. جلست وهي تعقد كفيها فوق حجرها، وعيناها لا تفارقان الباب المغلق، كأنها تخشى أن يخرج منه خبرٌ يعصف بما تبقى من طمأنينتها.
لم يطل انتظارها.
فقد انفتح الباب ببطء، وخرجت منه الممرضة تحمل ملفًا طبيًا بين يديها، وما إن وقعت عينا ديلان عليها حتى نهضت مسرعة، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة منذ دهر.
اقتربت منها بلهفة وقالت:
ديلان: هل... هل أستطيع رؤية أمي؟.
ابتسمت الممرضة ابتسامة مطمئنة، ثم قالت بلطف:
الممرضة: تفضلي، لكن لا تطيلي الجلوس، المريضة بحاجة إلى الراحة، فلا ترهقيها بكثرة الحديث أو الانفعال.
هزت ديلان رأسها امتنانًا، ولم تنبس بكلمة أخرى، بل أسرعت إلى الداخل وقلبها يخفق بشدة.
كان الهدوء يلف الغرفة، ولم يكن يُسمع فيها سوى صوت الأجهزة الطبية المنتظم، والمحاليل المعلقة.
استلقت أمينة على السرير، وقد بدا الشحوب واضحًا على وجهها، إلا أن ابتسامتها الحانية لم تفارق شفتيها حين وقعت عيناها على ابنتها.
ما إن اقتربت ديلان حتى مدت أمينة يدها إليها في ضعف.
أسرعت ديلان إلى احتضان تلك اليد بين كفيها، تضغط عليها برفق وكأنها تخشى أن تفلت منها، ثم أخذت تربت عليها بحنان، بينما اغرورقت عيناها بالدموع التي جاهدت كي لا تنهمر.
وفي الجهة الأخرى، تقدم كاظم قليلًا، وقد ارتسم على وجهه شيء من القلق، وسأل بصوت هادئ:
كاظم: كيف تشعرين الآن؟.
تنهدت أمينة تنهيدة خافتة، ثم ألقت نظرة على زوجها وابنتها قبل أن تسأل بقلق الأم الذي لا يغيب مهما اشتد وجعه:
أمينة وهل جئتما معًا؟... ومن بقي في البيت مع أحمد وعمر؟.
تنهدت ديلان وهي تجيب:
ديلان: لم يخطر ببالنا شيء يا أمي... كنا خائفين عليكِ، ولم نفكر إلا في الوصول إلى المستشفى، لكنني طلبت من أحمد أن يبقى مع أخيه، وأوصيته ألا يفتح الباب لأحد حتى نعود.
أومأ كاظم برأسه، ثم التفت إلى ديلان قائلًا بنبرة حاسمة:
كاظم: عودي أنتِ إلى البيت، ابقي مع الأطفال، فهم يحتاجون إليكِ الآن، أما أنا فسأظل بجانب أمك، فقد تحتاج إلى شيء ما، أو يطلب الأطباء حظوري بصفتي زوجها، ومن الأفضل أن أكون حاضرًا.
التفتت أمينة إلى ابنتها، ورغم الإرهاق الذي أثقل ملامحها، فقد أشرقت في عينيها ذلك الحنان الذي اعتادت ديلان أن تجده كلما ضاقت بها الدنيا.
قالت بصوت ضعيف لكنه مليء بالطمأنينة:
أمينة: لا تقلقي عليّ يا ابنتي... أنا بخير، والحمد لله، عودي إلى إخوتك صغار، فلا بد أنهم يعيشون خوفًا لا يقل عن خوفك، وربما جلسوا ينتظرون عودتنا والدموع تملأ أعينهم، وجودك بينهم سيطمئنهم...... أما أنا، فكاظم سيبقى معي.
شعرت ديلان بغصة تعتصر قلبها،
لم تكن ترغب في ترك والدتها وهي على هذا الحال، لكنها كانت تعلم أن أمها محقة، وأن إخوتها بحاجة إليها أيضًا.
أطرقت برأسها وقالت بصوت خافت:
ديلان: حاضر يا أمي... أسأل الله أن يشفيكِ ويطمئن قلوبنا عليكِ.
انحنت تقبل جبينها، ثم ضغطت على يدها مرة أخيرة، وكأنها تستمد منها القوة، قبل أن تلقي نظرة أخيرة عليها وتغادر الغرفة بخطوات متثاقلة.
غادرت المستشفى، وكان الليل قد بدأ ينسج عباءته فوق المدينة، بينما لفحتها نسمات باردة حملت معها شيئًا من السكون.
سارت في الطريق وحدها، لكن عقلها لم يكف عن استعادة أحداث ذلك اليوم؛ نزيف والدتها، الخوف الذي اجتاحها، المستشفى، ثم الموعد الذي لم تتمكن من الذهاب إليه.
رفعت رأسها نحو السماء، وكانت النجوم تتلألأ بين الغيوم المتناثرة، فتمتمت بصوت بالكاد يُسمع:
ديلان: لعل الله لم يُرد أن نلتقي اليوم... ولعل في تأخير هذا اللقاء حكمةً لا يعلمها إلا هو.
توقفت لحظة.
راودتها فكرة أن تذهب إلى المكان الذي اتفقت مع باران على لقائه فيه، علّها تجده ما يزال ينتظرها، أو لعلها تترك له اعتذارًا يخفف من خيبة أمله.
لكنها سرعان ما تراجعت،
ألقت نظرة إلى ساعة يدها، فوجدت أن الوقت قد تأخر كثيرًا، ثم تذكرت أحمد وعمر الصغيرين، وقد تركتهم وحدهم في البيت وسط كل ما حدث.
أغمضت عينيها للحظة، وأطلقت زفرة طويلة بددت شيئًا من ثقل صدرها.
ثم قالت في سرها، وقد امتلأ قلبها باليقين:
"ما كتبه الله سيكون، وما أخّره فلحكمة، وما قدّره لنا سيأتي في وقته مهما طال الانتظار."
ابتسمت ابتسامة خافتة يغلب عليها التعب، ثم مضت في طريقها إلى المنزل، تسبقها خطواتها، ويصحبها رجاءٌ صامت بأن يحمل الغد معه ما يطمئن قلبها المثقل.
في تلك الأثناء، كان باران يشق طريق عودته إلى منزله بخطوات بطيئة، وكأن ثقل العالم كله قد استقر فوق كتفيه. لم يكن يرى ما حوله، ولا يسمع ضجيج المدينة الذي اعتاد أن يملأ الطرقات، فقد كانت أفكاره أعلى صوتًا من كل شيء، تلاحقه بلا رحمة.
أطلق زفرة طويلة، ثم مرر يده بين خصلات شعره في ضيق، وهمس معاتبًا نفسه:
"لقد حضرت إلى الموعد... لكنني أنا من تأخرت، هي لا تعلم أنني كنت في طريقي إليها، ولا تعلم أن ذلك الشجار هو من أعاقني. ماذا ستظن الآن؟".
ساد صمت قصير، قبل أن يعاود حديثه الداخلي وقد ازدادت نبرته ألمًا:
"لا بد أنها تعتقد أنني أخلفت وعدي... أو أنني تراجعت في اللحظة الأخيرة، ربما تظن أنني كنت ألهو بمشاعرها، أحدد لها موعدًا ثم أتركها تنتظر عبثًا... يا رب، كيف سأزيل هذا الظن من قلبها؟ ماذا أفعل الآن؟".
كانت تلك الأسئلة تنهش قلبه كما تنهش النار الهشيم، ولم يجد لها جوابًا يريحه.
واصل سيره حتى بلغ إحدى محطات قطار الأنفاق، نزل الدرج بخطوات مثقلة، ثم صعد إلى القطار بعد دقائق من الانتظار، وما إن حظر القطار وركب على متنه، وجد مقعدًا شاغرًا قرب النافذة حتى جلس عليه في صمت، وأسند رأسه إلى الخلف مغمضًا عينيه للحظات.
تحرك القطار، وانطلقت معه أفكاره من جديد، أكثر اضطرابًا من ذي قبل.
فتح عينيه وحدق في الفراغ أمامه، ثم أخذ يحدث نفسه:
"ماذا سأفعل الآن؟ لقد ضاعت الفرصة التي كنت أنتظرها منذ أيام، كنت سألتقي بها مرة أخرى، وكنت سأعرف اسمها، وأخبرها باسمي، وأكشف لها ما يختلج في صدري من مشاعر إتجاهها، منذ أن رأيتها لأول مرة."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة، سرعان ما ذابت تحت وطأة الحنين.
"كنت سأخبرها أن ما أشعر به ليس نزوة عابرة، ولا إعجابًا مؤقتًا... بل رغبة صادقة في أن تكون شريكة حياتي."
تنهد بعمق، ثم تابع حديثه الداخلي، وكأنه يرسم في خياله اللقاء الذي لم يحدث:
"وربما... ربما كانت تبادلني الشعور نفسه، لكن حياءها وخجلها كانا يمنعانها من الإفصاح عنه، كنت أرى ذلك في عينيها كلما التقتا بعينيّ... ولو التقينا اليوم، لربما استطعت أن أفهم ما تخفيه نظراتها."
أطرق رأسه قليلًا، ثم أغمض عينيه وهو يستسلم لصورة حلم طالما راوده.
"كنت سأخبرها أنني جاد في أمري، وأنني لا أبحث عن علاقة عابرة، كنت سأقول لها إنني سأحدث والديّ عنها، وأطلب منهما التقدم لخطبتها في الوقت المناسب، لتكمل دراستها مطمئنة، بينما أبذل أنا كل ما أستطيع لأهيئ نفسي، وأبني مستقبلي، وأصبح الرجل الذي تستحقه."
ساد الصمت من جديد.
أدار وجهه نحو النافذة، وأخذ يتأمل أضواء المدينة التي كانت تتراجع سريعًا مع اندفاع القطار داخل الأنفاق، كانت الصور تتبدل أمام عينيه، لكنه لم يكن يراها حقًا؛ فقد كان غارقًا في بحرٍ عميق من الأفكار، تتقاذفه أمواج الندم والخوف والرجاء.
وفي أعماق قلبه، ظل دعاء واحد يتردد بإلحاح:
"اللهم إن كانت من نصيبي، فلا تجعل هذا اللقاء الضائع نهاية الحكاية... واجمعني بها مرة أخرى في الوقت الذي تختاره بحكمتك."
أما ديلان، فلم تكن حالها بأفضل من حال باران.
كانت تسير في شوارع المدينة وقد أثقلتها الأفكار حتى غاب عنها الإحساس بكل ما حولها. لم تكن ترى المارة، ولا تسمع ضجيج السيارات، ولا تشعر بالمسافة التي تقطعها قدماها؛ فقد كان عقلها عالقًا عند ذلك اللقاء الذي لم يحدث، وقلبها يتأرجح بين الأمل والخوف، وبين الراحة لأن أمها أصبحت بخير، والحزن لأن القدر حال بينها وبين من كانت تنتظر لقاءه.
ولم تنتبه إلى نفسها إلا حين وجدت باب منزلها أمامها.
كان الباب موصدًا من الداخل، تمامًا كما أوصت أخاها قبل مغادرتها. طرقت الباب برفق وهي تقول:
ديلان: أحمد... افتح الباب، أنا ديلان.
لم تمض سوى لحظات حتى فُتح الباب، وما إن ظهرت ديلان حتى اندفع أحمد وشقيقه الصغير نحوها، وقد ارتسم الخوف على وجهيهما الصغيرين.
سألاها بصوت واحد امتزج فيه القلق والرجاء:
الأخوين: أين أمي يا ديلان؟ لماذا لم تعد معك؟.
انحنت ديلان سريعًا واحتضنتهما بكل ما في قلبها من حنان، كأنها تحاول أن تمنحهما الطمأنينة التي كانت هي نفسها تفتقدها.
مررت يدها على رأسيهما برفق، وقالت بابتسامة هادئة تخفي وراءها تعب يومٍ كامل:
ديلان: لا تخافا... أمي بخير، والحمد لله، لكن الطبيبة رأت أن تبقى هذه الليلة في المستشفى حتى تطمئن على حالتها أكثر.
ثم ربّتت على كتف أحمد وعمر وأضافت بلطف:
ديلان: هيا، ادخلا إلى الداخل وأغلِقا الباب جيدًا... لا بد أنكما جائعان، وأنا أيضًا لم أذق طعامًا منذ الصباح.
دخل الثلاثة إلى المنزل، فأغلقت ديلان الباب بإحكام، ثم أسرعت إلى تبديل ثيابها، قبل أن تتجه إلى المطبخ وتعد طعامًا بسيطًا لإخوتها.
كانت تتحرك بهدوء، تؤدي أعمالها المعتادة وكأن شيئًا لم يحدث، لكنها في الحقيقة كانت تخفي داخلها بحرًا هائجًا من المشاعر. كانت تبتسم لإخوتها كلما التقت عيناها بعينيهما، حتى لا ينتقل إليهما خوفها، بينما كانت تنهار بصمت في أعماقها.
وحين فرغوا من الطعام، ساعدتهما على الاستعداد للنوم، ودثرت كل واحد منهما بغطائه، وظلت تربت على رأسيهما حتى أغمضت أجفانهما واستسلما لنوم عميق، وكأن براءتهما كانت أثقل من أن تسمح لهما بحمل هموم الكبار.
تأملتهما ديلان طويلًا.
ابتسمت ابتسامة شاحبة، ثم أطفأت المصباح بهدوء، ودخلت لفراشها.
جلست على طرف سريرها في صمت، ومدت يدها إلى حقيبتها، فأخرجت تلك الرسالة التي أصبحت منذ أن وقعت بين يديها أقرب إلى قطعة من قلبها.
ظلت تحدق فيها لحظات، ثم فتحتها ببطء، وأعادت قراءة كلماتها للمرة التي لم تعد تعرف عددها.
وما إن انتهت، حتى همست بصوت خافت:
ديلان: لا بد أنه ظن أنني لم آتِ... أو أنني لم أُعر رسالته أي اهتمام.
توقفت قليلًا، ثم عادت عيناها إلى السطر الأخير، وكأن الكلمات كانت تناديها كلما حاولت الابتعاد عنها.
"...سأنتظرك ساعة واحدة، فإن لم تأتي فسأصرف النظر عن الأمر، ولن أتعرض لك مرة أخرى، ولن أطلب لقاءك."
ارتجف قلبها وهي تردد تلك العبارة في داخلها.
كم كانت تتمنى لو يعلم أنها جاءت... وأن القدر وحده هو من حال بينهما.
تنهدت بحرقة وهمست:
ديلان: لو كنت تعلم فقط... كم حاولت الوصول، لكن اظن انه سيفسر عدم مجيئي، ان الامر لايهمني وسيصرف نظره ويلتفت لمستقبله كما أخبرني بالرسالة، ولن يكرر المحاولة كما وعدني.
شعرت بحرارة دمعة أفلتت من عينيها، وانزلقت ببطء على وجنتها، ثم تبعتها أخرى، قبل أن تمسحهما سريعًا، وكأنها تخجل حتى من دموعها.
أعادت الرسالة إلى مكانها بعناية، وكأنها تخشى أن يصيبها شيء، ثم نهضت واتجهت نحو النافذة.
كان الليل قد بسط عباءته السوداء على المدينة، ولم يكن في السماء سوى نجوم متناثرة تلمع في صمت، كأنها تشهد على ما يعتمل في القلوب من أسرار.
رفعت ديلان بصرها إلى السماء، واستجمعت ما بقي في قلبها من قوة، ثم رفعت كفيها وهمست بصوت ارتجف بين الرجاء والخوف:
ديلان: يا رب... أنت أعلم بما أخفي في قلبي، وأنت وحدك تعلم أنني لا أريد إلا ما يرضيك،
يا رب، لا تعلّق قلبي إلا بما كتبت فيه الخير، ولا تجعلني أفتتن بشيء يؤلمني أو يبعدني عن طريقك.
اللهم احفظني من كل زلة، ومن كل إنسان يريد بي سوءًا، واكتب لي من أمري رشدًا.
وإن كنت تعلم أن هذا الرجل صادق النية، طيب القلب، وأن الطريق معه سيكون طريق خير، يعينني على طاعتك ويقربني منك، فاحفظه حيث كان، واحفظ ما زرعته في قلبي من ميلٍ نحوه، ومازرعته في قلبه من مشاعر نحوى، واجمع بيننا في الوقت الذي تختاره بحكمتك، وعلى الوجه الذي يرضيك،
وإن كان في الأمر شرٌ لي، أو فتنة لديني أو دنياي، فانزع محبته من قلبي برحمتك، واصرفه عني، واصرفني عنه، واجبر كسري، واربط على قلبي، وردني إليك ردًا جميلًا لا ألتفت بعده إلا إلى رضاك.
وما إن انتهت من دعائها، حتى خذلتها دموعها.
انهمرت بغزارة، كأنها كانت تنتظر تلك اللحظة لتتحرر من قيود الصبر.
أطبقت كفيها على وجهها، لكنها عجزت عن إيقافها.
وبعد دقائق، استلقت على سريرها، تضم غطاءها إلى صدرها بكلتا يديها، كما يتعلق الغريق بآخر طوق نجاة، بينما كانت شهقاتها المكتومة تملأ سكون الغرفة.
ولأول مرة منذ زمن، شعرت أن قلبها يقف على مفترق طريقين...
طريقٍ يقوده إلى إنسان لم تعرف عنه سوى صدق مشاعره، وطريقٍ آخر يقودها إلى الله، تستودعه فيه قلبها كله، راضيةً بما سيكتبه لها، مهما كان.
الفصل العاشر من رواية
حبيبتي زوجة اخي💔🥺
.......✍️وصل باران إلى المنزل مع انطفاء آخر خيوط النهار، يسير بخطواتٍ بطيئة أثقلها ما كان يعتمل في صدره. لم يكن الغضب موجَّهًا إلى أحدٍ سواه؛ بل كان ساخطًا على نفسه، يعاتبها بلا هوادة، ويستعيد في ذهنه تفاصيل ذلك اليوم للمرة الألف.
باران: لو لم أتأخر... لو لم يقع ذلك الحادث... لكنت قد التقيتها الآن.
أغمض عينيه لحظة وهو يزفر بحرقة، ثم هز رأسه نافضًا تلك الأفكار التي لم تكف عن مطاردته.
باران: هل غادرت الجامعة؟ هل انتظرت قليلًا ثم رحلت؟ وهل سأجد فرصة أخرى لرؤيتها؟.
كل سؤالٍ كان يولِّد عشرات الأسئلة غيره، حتى شعر بأن رأسه يكاد يضج بها.
دخل المنزل ثم صعد الدرج بخطواتٍ متثاقلة، وكأن كل درجة تزيد الحمل الجاثم فوق كتفيه، فتح باب الشقة ودخل دون أن يلتفت إلى أحد، وألقى تحيةً مقتضبة لم يسمع حتى صداها، وما إن بلغ غرفته حتى أغلق الباب خلفه برفق، كأنه يريد أن يعزل نفسه عن العالم بأسره.
خلع سترته وألقاها على المقعد القريب، ثم ارتمى على سريره مستلقيًا، وشبك يديه خلف رأسه، مثبتًا بصره في سقف الغرفة، كان الصمت يحيط به، إلا أن داخله كان يعج بضجيجٍ لا يهدأ.
باران: وماذا الآن يا باران؟، أتنتظر المصادفة مرة أخرى؟، أم تبحث عنها بنفسك؟، ولكن... كيف؟، أنت لا تعرف عنها شيئًا سوى وجهٍ لم يفارق خيالك.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة سرعان ما تلاشت، ليحل محلها تنهد طويل يحمل شيئًا من الخيبة.
في تلك الأثناء، لم يغب شروده عن عينَي والدته عائشة، فقد اعتادت أن تقرأ ملامحه قبل أن ينطق، توقفت أمام باب غرفته لحظات، ثم طرقت الباب طرقاتٍ خفيفة قبل أن تدلف إلى الداخل.
وجدته على حاله، مستلقيًا فوق السرير، وعيناه معلقتان بالسقف كأنهما تبحثان فيه عن إجابةٍ لا وجود لها.
اقتربت منه وربتت برفق على كتفه، ثم قالت بصوتٍ يفيض حنانًا:
عائشة: باران... هيا يا بني، الجميع بانتظارك على مائدة العشاء.
حوّل بصره إليها، ورسم على وجهه ابتسامةً متكلفة حاول بها أن يخفي ما يعتصره من ضيق، ثم قال بهدوء:
باران: شكرًا يا أمي... لكنني لست جائعًا، لقد تناولت بعض الطعام مع صديقي في الخارج، فلا تقلقي عليّ.
رمقته عائشة بنظرةٍ متفحصة، وكأنها لم تقتنع تمامًا بكلماته، لكنها آثرت ألا تضغط عليه. كانت تدرك أن ابنها حين يلوذ بالصمت، فإن في قلبه ما يعجز عن البوح به.
ابتسمت ابتسامةً خافتة، وربتت على كتفه مرةً أخرى قائلة:
عائشة: حسنًا يا بني... لكن لا تسهر كثيرًا، وحاول أن ترتاح قليلًا.
أومأ برأسه بصمت، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى زفر زفرةً طويلة، وأعاد بصره إلى السقف.
باران: لن ينتهي الأمر هنا... سأجد طريقة لرؤيتها. مهما طال الانتظار، لن أسمح لصدفةٍ أخرى أن تحرمني من لقائها.
ومع تلك الفكرة، بقي مستلقيًا في مكانه، بين خيبة يومٍ مضى، وأملٍ صغير بدأ يتشبث به رغم كل شيء.
غادرت عائشة غرفة ابنها على مهل، وأغلقت الباب خلفها برفق، وكأنها تخشى أن تُحدث أدنى صوت يقطع عليه خلوته. وما إن وصلت إلى غرفة الطعام حتى التقت عيناها بعيني زوجها عزّت وابنها مراد، وقد ارتسمت على وجهيهما علامات الاستفهام والترقب.
رفع عزّت رأسه عن المائدة وسأل بنبرة امتزج فيها القلق بالأبوة:
عزت: ما به باران؟، ألن ينضم إلينا لتناول العشاء؟.
تنهدت عائشة وهي تجلس إلى مقعدها، ثم قالت بهدوء:
عائشة: أخبرني أنه ليس جائعًا، وأنه تناول بعض الطعام مع أحد أصدقائه في الخارج.
تبادل الأب والابن نظرةً خاطفة، قبل أن يتحدث مراد قائلًا:
مراد: لقد أخبرني صباحًا أنه سيلتقي ببعض أصدقائه، وبما أنه عاد متأخرًا، فمن الطبيعي ألا يكون جائعًا، ثم إنني لاحظت منذ أيام أنه كثير الشرود... أظنه منشغلًا بأمر المنحة الدراسية.
هزّ عزّت رأسه موافقًا، وقال بثقة:
عزت: وأنا أرى الأمر كذلك، باران لا يتهاون في دراسته، ويمنحها كل وقته واهتمامه، أعرفه جيدًا، فإذا شغله أمرٌ يتعلق بمستقبله، انعزل عن الدنيا كلها.
ابتسمت عائشة ابتسامةً خافتة، وكأن كلمات زوجها خففت شيئًا من قلقها، ثم قالت:
عائشة: وأنا أيضًا أميل إلى هذا الظن، لندعه يرتاح الليلة، فربما يحتاج إلى بعض الهدوء أكثر من أي شيء آخر.
ساد الصمت للحظات، وانشغل الجميع بعشائهم، غير مدركين أن ما يثقل قلب باران لم يكن كتابًا، ولا امتحانًا، ولا منحةً دراسية، بل وجهًا لم يستطع انتزاعه من ذاكرته، ولقاءً أفلت من بين يديه في اللحظة الأخيرة.
أما في غرفته، فكان عالمٌ آخر يتشكل.
ظل باران مستلقيًا كما هو، محدقًا في السقف بعينين غائبتين، بينما كانت كلمات النادل تتردد في أذنيه بإلحاح مؤلم:
" لقد جاءت... وانتظرت قليلًا... ثم غادرت."
أغمض عينيه بقوة، وكأن في ذلك ما يوقف ذلك الصوت الذي يطارده.
باران: إذن... لقد أوفت بوعدها، وأنا وحدي من خذلها.
كانت الفكرة كافية لأن تعتصر قلبه.
ولم يكن يؤلمه أنه لم يلتقها فحسب، بل كان يخشى أن تكون قد أساءت الظن به.
باران: لعلها اعتقدت أنني كنت ألهو بها... أو أنني لم آخذ الأمر على محمل الجد، ماذا لو قررت ألا تعود إلى ذلك المقهى مرة أخرى؟، ماذا لو أغلقت هذا الباب نهائيًا؟.
تنهد طويلًا، ثم نهض من فراشه كأن صدره لم يعد يحتمل ثقل تلك الأفكار.
اتجه إلى الحمام ليتوضئ، وأطلق الماء على وجهه ببطء، علّ برودته تطفئ شيئًا من اضطرابه، كان يشعر أن قلبه هو الذي يحتاج إلى الطمأنينة أكثر من جسده.
وقف بين يدي الله، فأدى صلاته بخشوع لم يعهده في نفسه منذ زمن. وكلما سجد، طال سجوده أكثر، وكأن الأرض وحدها قادرة على احتواء ما يفيض به صدره،
وحين رفع يديه بالدعاء، خرجت الكلمات من أعماق قلبه قبل أن ينطق بها لسانه.
باران: يا رب... إن كان في لقائها خير لي، فاجمع بيننا على خير، ويسّر لي سبيلًا إليها، وإن كنت قد أخطأت أو قصّرت، فلا تجعل تقصيري سببًا في ضياع فرصةٍ كتبتها لي، دلّني على الطريق، ولا تجعلني أقف عاجزًا أمام هذا العجز الذي ينهش قلبي.
ظل يدعو طويلًا، حتى شعر بشيء من السكينة يتسلل إلى روحه، وإن لم يُطفئ القلق كله.
عاد إلى فراشه، واستلقى في المكان نفسه، غير أن أفكاره لم تهدأ.
باران: ماذا أفعل الآن؟، هل أعود إلى المقهى؟، أم أذهب إلى الجامعة؟، لكن كيف سأبحث عنها بين آلاف الوجوه؟، حتى اسمها لا أعرفه...
أغمض عينيه، فارتسم وجه ديلان أمامه واضحًا كما لو كانت تقف على مقربة منه، بابتسامتها الهادئة ونظراتها التي استوطنت ذاكرته دون استئذان.
ابتسم رغمًا عنه، ثم سرعان ما تلاشت ابتسامته وهو يهمس لنفسه:
باران: لن أستسلم... لا بد أن هناك طريقًا آخر، لا يمكن أن يكون القدر قد جمعنا مرتين... ثم يغلق الأبواب كلها في وجهي.
وبين رجاءٍ يتشبث به، وقلقٍ يطارده، بقي باران ساهرًا، بينما كانت عيناه معلقتين بسقف الغرفة، وقلبه معلقًا بموعدٍ لم يكتمل، وبفتاةٍ لم يعرف عنها سوى أنها أصبحت، في زمنٍ قصير، شاغل روحه كلها.
ظل باران يتقلب على فراشه طويلًا، ينتقل من جانب إلى آخر، وكأن النوم قد هجر عينيه، أو لعله هو الذي عجز عن اللحاق به. كانت الأفكار تتزاحم في رأسه بلا رحمة، تتدافع وتتقاطع حتى بدا له أن عقله قد تحول إلى ساحةٍ تعج بالأسئلة التي لا تملك جوابًا.
باران: كيف سأصل إليها؟، هل انتهى كل شيء قبل أن يبدأ؟، أم أن الله سيكتب لي لقاءً آخر؟.
تنهد وأغمض عينيه، محاولًا أن يطرد تلك الهواجس، لكنها كانت تعود في كل مرة أشد إلحاحًا.
استعاد كلمات النادل مرةً أخرى، واستعاد معها صورة ديلان وهي تدخل المقهى، ثم تنتظر قليلًا، قبل أن تغادر وهي تظن أنه أخلف وعده.
شعر بانقباضٍ في صدره.
باران: لا... لا أريدها أن تحمل عني هذه الصورة، لا أريدها أن تعتقد أنني استهنت بها أو لم أُقدّر حضورها.
ظل يقاوم سيل الأفكار حتى أثقل الإرهاق جفنيه، ولم يدرِ متى غلبه النوم؛ أكان بسبب التعب الذي أنهك جسده إثر أحداث اليوم، أم لأن العقل، حين يعجز عن احتمال المزيد، يفر إلى النوم هربًا من ضجيج أفكاره؟،
وقبل أن يصدح أذان الفجر، فتح عينيه دفعةً واحدة، وكأن قلبه هو الذي أيقظه.
نهض من فراشه في هدوء، وتوجه إلى موضع الوضوء. وما إن لامس الماء وجهه حتى شعر بشيء من الصفاء يغمره، كأن كل قطرةٍ كانت تغسل شيئًا من اضطرابه.
وقف بين يدي الله، وأدى صلاة الفجر بخشوعٍ وسكينة، ثم أطال الدعاء في الصلاة بعدها.
رفع كفيه إلى السماء، وقد امتلأ قلبه رجاءً.
باران: "يا رب... أنت تعلم ما في قلبي، وتعلم أنني لم أرد إلا الخير، فإن كان في لقائها خيرٌ لي، فاجمعني بها من حيث لا أحتسب، وافتح لي بابًا أعجز عن رؤيته، ويسّر لي طريقًا إليها، ولا تجعل سوء الفهم يحول بيننا."
ظل يتمتم بدعائه طويلًا، حتى شعر بأن شيئًا من الطمأنينة بدأ يتسلل إلى قلبه، وإن لم يُزل قلقه كله.
جلس بعد ذلك على سجادة الصلاة، وأسند ظهره إلى الجدار، وراح يفكر بعقلٍ أكثر هدوءًا.
باران: لا... لن أبقى مكتوف اليدين، إن أردت الوصول إليها، فعليّ أن أبحث عنها، لا أن أنتظر الصدفة.
أخذ يرتب أفكاره واحدةً تلو الأخرى.
باران: سأبدأ من الجامعة... فالنتائج ستُعلن قريبًا، ومن الطبيعي أن تأتي للاطلاع عليها، وإن لم أجدها، فقد أرى صديقتها التي كانت معها يوم التقينا، وإن أخفقت هناك، فسأذهب إلى المقهى، ربما تعود لتسأل عني، أو لعلها تنتظر تفسيرًا لما حدث.
توقف لحظة، ثم أضاءت فكرة في ذهنه.
باران: وسأطلب من النادل، إن جاءت مرةً أخرى، أن يستأذنها في أخذ رقم هاتفها، أو أن يعطيها رقمي إن وافقت، لعلها تكون بدايةً لطريقٍ ينهي هذا الغموض.
ولأول مرة منذ الأمس، شعر بأنه يمتلك خطةً يسير عليها، فهدأت روحه قليلًا.
نهض من مكانه بعزم، وفتح خزانة ملابسه، وانتقى ثيابه بعناية، ثم وقف أمام المرآة يعدل هندامه، لم يكن اهتمامه بمظهره بدافع الزهو، وإنما لأنه أراد، إن كتب الله له لقاءها، أن يقف أمامها بالصورة اللائقة التي تليق بالاحترام الذي يكنّه لها.
غادر غرفته متجهًا إلى غرفة الطعام، حيث كانت رائحة الخبز الساخن والشاي تعبق في أرجاء المنزل.
ما إن جلس حتى ابتسمت له والدته عائشة وقالت برفق:
عائشة: صباح الخير يا بني... يبدو أنك استيقظت باكرًا اليوم.
بادلها ابتسامة هادئة، وإن لم تبلغ عينيه، ثم قال:
باران: صباح النور يا أمي.
نظر إليه والده عزّت، وقد لاحظ أن وجهه بدا أكثر هدوءًا من ليلة أمس، فقال:
عزت: أراك أفضل حالًا اليوم، هل زال عنك ما كان يشغلك؟.
أطرق باران برأسه لحظة، ثم أجاب بصدقٍ لم يكشف كل الحقيقة:
باران: أشعر أنني أصبحت أفكر بصورةٍ أوضح. أحيانًا يحتاج الإنسان إلى أن يهدأ حتى يعرف ماذا يريد.
ابتسم عزّت راضيًا، وقال:
عزت: هذا هو الصواب، لا تتعجل الأمور، وخذ بالأسباب، ثم توكل على الله، فما كتبه الله لك سيأتيك في وقته.
كانت الكلمات بسيطة، لكنها أصابت قلب باران مباشرة، فابتسم ابتسامةً صادقة وهو يتمتم:
باران: صدقت يا أبي.
أما مراد، فقد أخذ قطعةً من الخبز وهو ينظر إلى أخيه مازحًا:
مراد: أرجو فقط ألا يكون تفكيرك كله في المنحة حتى تنسى أن تأكل مرةً أخرى!.
ضحكت عائشة بخفة، وقالت وهي تضع الطعام أمام باران:
عائشة: دعه يأكل أولًا، ثم فليُفكر في الدنيا كلها بعد ذلك.
ابتسم باران مجاراةً لهم، وأخذ يتناول فطوره بهدوء، بينما كان يخفي في أعماقه حقيقةً لم يعلمها أحد.
باران: لو علمتم أن كل هذا الشرود ليس بسبب المنحة، بل بسبب فتاةٍ لا أعرف حتى اسمها كاملًا، لظننتم أنني فقدت صوابي.
أنهى فطوره، وقبّل يد والديه، ثم قال:
باران: سأخرج قليلًا، لدي بعض الأمور أريد إنجازها، ادعوا لي بالتوفيق.
دعوا له بالتوفيق، فخرج من المنزل بخطواتٍ ثابتة، لكن قلبه كان يسبق قدميه إلى وجهته الأولى.
كانت رحلته، في ظاهرها، تبدأ من الجامعة... أما في الحقيقة، فكانت تبدأ من الأمل الذي رفض أن ينطفئ، ومن يقينٍ صغيرٍ استقر في أعماقه، بأن الأقدار التي جمعت بين روحين مرتين، لا بد أن تخبئ لهما لقاءً ثالثًا.
:-*:-*:-*:-*:-*:-*:-*:-*
في الجهة الأخرى، لم تكن ديلان أوفر حظًا من باران، وإن اختلفت أسباب القلق بينهما.
فما إن ارتفع أذان الفجر يشق سكون الليل، حتى فتحت عينيها ببطء، وكأنها لم تنم إلا قليلًا، كان النوم يزور جفنيها ويغادرهما سريعًا، بينما بقيت الأفكار ساهرةً في رأسها حتى آخر لحظة.
جلست على فراشها هنيهة، تستعيد ما مرّ بها في اليوم السابق، ثم هبت واقفة على الفور، كانت أولى خطواتها نحو الفراش الصغير الذي ينام عليه أخواها.
انحنت فوقهما، وأزاحت خصلة شعرٍ انسدلت على جبين أحدهما، ثم ابتسمت ابتسامةً دافئة وهي تراهما غارقين في نومٍ بريء، لا يعرف شيئًا عن قسوة الحياة التي أثقلت كاهل أختهما.
همست في سرها:
ديلان:الحمد لله... ما زالا ينعمان بهذه الطمأنينة، أسأل الله ألا يحرمهما منها أبدًا.
خرجت من الغرفة بخطواتٍ حذرة، وأخذت تتفقد أرجاء المنزل.
كان الصمت يلف المكان، ولم يكن لكاظم أثر.
توقفت لحظة، ثم تنفست بارتياحٍ عميق، كأن صخرةً كانت جاثمة على صدرها قد أزيحت أخيرًا.
ديلان: الحمد لله... لم يعد هذه الليلة، ليت هذا الهدوء يدوم، وليت أبواب هذا البيت لا تعرف طرقاته مرة أخرى.
لكنها سرعان ما استغفرت ربها، فقد كانت تعلم أن الأمان الحقيقي لا يكون إلا بحفظ الله.
توضأت، ثم عادت إلى غرفتها، وفرشت سجادتها، ووقفت بين يدي خالقها بقلبٍ مثقل، لكنه موقن بأن باب السماء لا يُغلق في وجه من قصده.
أدت صلاة الفجر بخشوع، ثم أطالت السجود، حتى ابتلت سجادتها بدموعٍ حاولت كتمانها.
وحين رفعت يديها بالدعاء، خرجت الكلمات من قلبها قبل لسانها.
ديلان: يا رب... لا تحرمني أمي، لا أملك بعدك سواها، فإن فقدتها أصبحت يتيمة الروح قبل أن أكون يتيمة الأم، اشفها شفاءً لا يغادر سقمًا، وأعدها إلينا سالمةً معافاة.
سكتت لحظة، ثم أغمضت عينيها وهمست بصوتٍ مرتجف:
ديلان: ويا رب... قوِّ قلبي، واربط عليه، لا تجعل ضعفي يقودني إلى خطأ، ولا حاجتي تدفعني إلى طريقٍ لا يرضيك، أعني على حفظ نفسي وديني وكرامتي، وامنحني من القوة ما يكفيني لمواجهة ما ينتظرني.
شعرت بعد دعائها بشيءٍ من السكينة يتسلل إلى قلبها، فمسحت دموعها، ونهضت تستقبل يومًا جديدًا لا تعلم ماذا يخبئ لها.
لم يكن لديها متسعٌ للاستسلام للحزن؛ فهناك بيتٌ ينتظر من يدبر شؤونه، وأخوان صغيران لا يعرفان من الدنيا إلا أن أختهما قادرة على حل كل شيء.
ربطت شعرها، وشمرت عن ساعديها، وبدأت تتنقل بين المطبخ والغرف بخفةٍ اعتادتها. أعدت الإفطار، ورتبت المنزل، وغسلت ما تراكم من أوانٍ، وهي تردد في نفسها:
ديلان: سأنتهي سريعًا... يجب أن أذهب إلى أمي في المستشفى. لعلها تكون أفضل حالًا اليوم.
ولم تمضِ سوى دقائق حتى بدأ الصغيران يستيقظان.
خرج أحمد وهو يفرك عينيه، يتبعه شقيقه الأصغر عمر بخطواتٍ متثاقلة، وما إن وقعت عيناهما على ديلان حتى ارتسمت الابتسامة على وجهيهما.
ابتسمت لهما بحنانٍ أخفى ما في قلبها من قلق، وقالت:
ديلان: صباح الخير يا بطليَّ.
أجاباها بصوتٍ واحد تغلب عليه البراءة:
الصغيرين: صباح الخير يا ديلان.
اجتمع الثلاثة حول مائدة الإفطار، ولم تكن المائدة عامرةً بأصناف كثيرة، لكنها كانت عامرةً بالمودة التي جمعتهم.
كان الصغيران يثرثران بحماسٍ عن ألعابهما وأصدقائهما، بينما كانت ديلان تنصت إليهما مبتسمة، وكأنها تتزود من ضحكاتهما بما يعينها على مواصلة الطريق.
وما إن انتهوا من الطعام حتى قال أحمد بحماس:
أحمد: دعينا نساعدك اليوم.
ابتسمت وهي تنظر إليهما بفخر، ثم قالت:
ديلان: حسنًا... إن كنتما تريدان مساعدتي حقًا، فابدآ بترتيب فراشكما وتنظيم غرفتكما، أما بقية الأعمال فاتركاها لي.
هزّا رأسيهما موافقين، ثم انطلقا إلى غرفتهما يتسابقان في ترتيبها، وكلٌّ منهما يحاول أن يثبت أنه الأسرع.
راقبتهما ديلان من بعيد، فارتسمت على شفتيها ابتسامة صادقة.
ديلان: الحمد لله... رغم كل ما نمر به، ما زالا يحتفظان ببراءتهما، سأبذل ما في وسعي حتى لا تسرق الحياة هذه البراءة منهما.
وبعد أن انتهيا من ترتيب غرفتهما، عاد الصغيران إليها، وقد بدت الحماسة واضحة على وجهيهما.
قال أحدهما برجاء:
أحمد: هل تسمحين لنا بالذهاب إلى الحديقة القريبة؟، نريد أن نلعب مع أصدقائنا.
ترددت ديلان لحظة، ثم نظرت من النافذة نحو الحديقة المجاورة، حيث كانت الألعاب الملونة تزين المكان، وإلى جوارها مساحة واسعة خُصصت ملعبًا صغيرًا للأطفال، يركضون فيه خلف الكرة بقلوبٍ لا تعرف إلا الفرح.
ابتسمت وقالت:
ديلان: حسنًا... لكن لا تبتعدا عن الحديقة، وعودا قبل أن أتوجه إلى المستشفى. مفهوم؟.
أجابا بحماس:
"مفهوم!."
قبّلا يدها، ثم اندفعا خارج المنزل كعصفورين أُطلق سراحهما.
وقفت ديلان عند الباب تراقب خطواتهما حتى ابتلعهما الطريق، ثم أغلقت الباب برفق، وعادت إلى الداخل.
غير أن ابتسامتها ما لبثت أن خبت شيئًا فشيئًا، وعاد القلق ليستوطن ملامحها.
رفعت بصرها إلى السماء من خلف النافذة، وهمست في قلبها:
"اللهم احفظهما كما تحفظ أمي... ولا تجعل هذا البيت يعرف حزنًا جديدًا."
ثم بدأت بتجهيز الحقيبة التى ستأخذها والدتها، بدأت إستعداداتها قبل الذهاب إلى المستشفى، وقلبها يسبقها إلى والدتها، بينما كانت تجهل أن هذا اليوم يحمل في طياته بداية خيوط قدرٍ جديد، ستتغير معه حياة أكثر من شخص.
---------*******--------
مع انبلاج الصباح، جلس باران إلى مائدة الإفطار تحيط به أسرته، غير أن جسده وحده كان حاضرًا بينهم، أما روحه فكانت تجوب الطرقات باحثةً عن وجهٍ واحد، كان يجيب عن أحاديثهم بابتساماتٍ باهتة وكلماتٍ مقتضبة، بينما عقله لم يبرح سؤالًا واحدًا يتكرر بإلحاح:
"أين أنتِ ايتها الفتاة؟."
وما إن انتهى من إفطاره حتى استأذنهم وغادر المنزل على عجل، كأن كل دقيقة يتأخر فيها تُبعده عنها أكثر.
اتجه إلى محطة قطار الأنفاق، ووقف على الرصيف ينتظر وصول القطار، كانت الجموع تتحرك حوله في كل اتجاه، وجوهٌ لا يعرفها، وخطواتٌ متسارعة، وإعلاناتٌ تُعلن عن قدوم القطارات ورحيلها، لكنه لم يكن يرى أو يسمع شيئًا من ذلك. كانت عيناه تجولان بين الوجوه بلا وعي، وفي كل فتاةٍ ترتدي حجابًا كان قلبه ينتفض لوهلة، ثم يخبو حين يكتشف أنها ليست هي.
أطرق برأسه وزفر ببطء، وهمس لنفسه بصوتٍ لم يكد يسمعه:
باران: يا رب... دلَّني عليها، ولو لمرةٍ واحدة... فقط دعني أشرح لها، ثم بعد ذلك سأقبل بأي شيء تقرره.
وصل القطار، فاستقلَّه وجلس قرب النافذة. أخذ يتابع انعكاس صورته على الزجاج أكثر مما يتابع الطريق، وأخذ يعاتب نفسه مرةً أخرى.
باران: لو أنني لم أتأخر في ذلك اليوم... لو أنني تركت لها اسمي أو رقم هاتفي... لما كنت اليوم أبحث عنها كمن يبحث عن إبرة في كومة قش.
أغمض عينيه لحظة، ثم فتحهما على أملٍ جديد.
باران: لا... لن أستسلم. سأظل أبحث عنها حتى أجدها.
ما إن وصل إلى الجامعة حتى اتجه بخطواتٍ سريعة نحو كلية الآداب، وكأن قلبه هو الذي يقوده لا قدماه.
راح يجوب الممرات بعينيه، يراقب الداخلين والخارجين، يبحث بين الطالبات عن ملامحها، أو عن صديقتها التي طالما رآها تسير إلى جوارها. لكنه لم يجد لا هذه ولا تلك.
أوقف إحدى الطالبات بأدب وسألها:
باران: عذرًا... هل ظهرت نتائج الامتحانات؟.
هزت رأسها نفيًا وقالت:
الطالبة: لا، لم تظهر بعد، على الأغلب ستكون نهاية الأسبوع.
شكرها بابتسامةٍ شاحبة، ثم ابتعد.
همس لنفسه وهو يمرر يده بين خصلات شعره:
باران: إذًا... لهذا السبب لم تأتِ. كنت آمل أن أجدها هنا.
لكن شيئًا في داخله رفض الاستسلام.
باران: ربما جاءت لتستعير كتابًا... ربما جلست في الكافتيريا... ربما...
تشبث بتلك الـ"ربما" كغريقٍ يتمسك بطوق النجاة.
اتجه إلى الكافتيريا، وجال ببصره بين الطاولات واحدةً تلو الأخرى، حتى ظن بعض الجالسين أنه يبحث عن شخصٍ تأخر عن موعده، لم تكن هناك.
خرج منها متجهًا إلى المكتبة،
كانت رائحة الكتب تعبق في المكان، والهدوء يلف الأرجاء، إلا أن عينيه لم تتوقفا عن البحث بين الأرفف والطاولات.
اقترب من أمينة المكتبة وسألها برفق:
باران: هل جاءت اليوم طالبة...؟،
ثم وصف لها ديلان بدقة، فأطرقت تفكر قليلًا قبل أن تجيب:
أمينة المكتبة: يؤسفني، لا أذكر أنني رأيتها.
أطرق برأسه شاكرًا، وغادر بخطواتٍ أثقل من ذي قبل.
ظل يتنقل بين أرجاء الجامعة، وكل مكانٍ سبق أن لمحها فيه، حتى بدأ الأمل يتسلل من بين أصابعه شيئًا فشيئًا.
توقف في منتصف الساحة، وأطلق زفرةً طويلة.
باران: أين أبحث عنكِ بعد الآن يا مالكة قلبي؟.
ساد الصمت لحظة، ثم رفع رأسه فجأة وكأن فكرةً لمعت في ذهنه.
المقهى...
المكان الذي طلب منها أن تأتي إليه يوم لقائهما.
ربما...
ربما جاءت، ولم تجدني، لكنها قد تعود مرةً أخرى.
تعلقت روحه بذلك الاحتمال الضعيف، فانطلق نحوه دون تردد.
وقف أمام الباب الزجاجي للمقهى، وحدق عبره إلى الداخل،
خفق قلبه بعنف.
"لعلها هناك..."
دفع الباب ببطء، فتردد رنين الجرس المعلق أعلاه في المكان،
رفع بصره، وأخذ يجول به في كل ركن.
طاولة... ثم أخرى...
النافذة...
الزاوية البعيدة...
لا أحد.
لم يكن هناك سوى زبائن منشغلين بأحاديثهم، وصوت فناجين القهوة وهي توضع على الطاولات.
تسلل الإحباط إلى قلبه، لكنه لم يغادر.
اقترب من النادل الذي كان قد رآه في المرة السابقة، وقال بصوتٍ خافت امتزج فيه الرجاء بالأمل:
باران: عذرًا... أتذكر الفتاة التي سألتك عنها في أمس؟.
نظر النادل إليه مليًا، ثم أومأ برأسه.
النادل: نعم... أذكرها.
أشرق وجه باران قليلًا وهو يسأله بسرعة:
باران: هل جاءت إلى هنا بعد ذلك؟ اقصد امس بعد ذهابي او اليوم قبل مجيئي الان.
هز النادل رأسه بأسف.
النادل: لا... لم تأتِ أبدًا، أو على الأقل لم أرَ فتاةً بالمواصفات التي وصفتها لي.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ، شعر خلالها باران وكأن شيئًا انكسر في داخله.
خفض رأسه، ثم أخرج من جيبه ورقةً صغيرة وقلمًا، دوَّن عليهما رقم هاتفه، وناولها للنادل قائلًا بنبرةٍ يغلبها التوسل:
باران: أرجوك... إن رأيتها يومًا، أو إن جاءت تسأل عني، فاطلب منها أن تنتظر قليلًا، ثم اتصل بي فورًا.
تردد لحظة، ثم أردف وعيناه معلقتان بالورقة:
باران: وإن لم أستطع الوصول بسرعة... فأعطها هذا الرقم، وقل لها إن باران يبحث عنها منذ ذلك اليوم... اقصد قالها ذلك الشاب الذي يدرس الهندسة إسمه باران وهو يسأل عنك....وإنه لم يتخلَّف عن الموعد بإرادته... وإن لديه ما يود أن يشرحه لك.
تأمل النادل ملامحه المتعبة، ورأى في عينيه صدقًا لا يحتاج إلى برهان، فأخذ الورقة ووضعها بعناية في درجٍ قريب، ثم قال مطمئنًا:
النادل: لا تقلق يا سيدي... إن جاءت، سأفعل تمامًا كما طلبت، او سأتصل بك انا اهبرك انها هنا.
ارتسمت على شفتي باران ابتسامةٌ باهتة، وقال بصوتٍ امتزج فيه الامتنان بالخذلان:
باران: أشكرك... لقد أسديت إليَّ معروفًا لن أنساه.
خرج من المقهى بخطواتٍ بطيئة، وما إن أغلق الباب خلفه حتى التفت إليه مرةً أخيرة، وكأن جزءًا من قلبه بقي ينتظر في الداخل.
رفع بصره إلى السماء، وتمتم بحرقة:
باران: يا رب... لا أطلب المستحيل... فقط امنحني فرصةً واحدة لأشرح لها الحقيقة... فرصةً واحدة قبل أن تضيع مني إلى الأبد.
_______/////////______
عاد الهدوء يخيم على المنزل بعد خروج الصغيرين، فلم يبق فيه سوى ديلان، تتنقل بين أرجائه بخفة اعتادتها، وقد عقدت العزم على إنهاء كل ما تبقى من أعمالها قبل أن تتوجه إلى المستشفى.
دخلت المطبخ، وأشعلت الموقد، ثم شرعت في إعداد طعام الغداء، كانت تقلب الطعام بين الحين والآخر، بينما ينشغل ذهنها بوالدتها.
ديلان: ترى... هل تحسنت حالتها هذا الصباح؟، هل تمكنت من النوم؟، ليتني أستطيع أن أبقى إلى جوارها طوال الوقت.
تنهدت بخفوت، ثم أخذت تضع جزءًا من الطعام في وعاء صغير، وهمست لنفسها:
ديلان: هذا لأحمد وعمر عندما يعودان من الحديقة... أما هذا فسآخذه إلى أمي، فهي لا بد أنها سئمت طعام المستشفى.
أغلقت الوعاء بعناية، ثم اتجهت إلى الغرفة، وأخرجت حقيبة صغيرة وضعت فيها بعض الملابس النظيفة التي جهزتها لوالدتها، ثم عادت إلى المطبخ تراجع ما أنجزته، غارقة في أفكارها، حتى إنها لم تنتبه إلى ذلك الباب الذي انفتح ببطء شديد... ثم أُغلق بالهدوء ذاته.
في الجهة الأخرى، كان كاظم قد غادر المستشفى تشتعل في صدره نار الحقد والخيبة.
وأثناء مروره بمحاذاة الحديقة القريبة من المنزل، وقعت عيناه على الصغيرين يركضان خلف الكرة بين ضحكاتهما البريئة،
توقفت خطواته.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ملتوية تقشعر لها الأبدان، وقال في نفسه:
كاظم: إذن... هما خارج المنزل... وهذا يعني أنها وحدها.
لمع في عينيه بريق خبيث، ثم استدار بخطوات واثقة نحو البيت.
أدار المقبض ببطء، ودلف إلى الداخل في صمت تام، ثم أغلق الباب خلفه برفق، وكأنه يخشى أن يوقظ السكون.
كانت ديلان لا تزال منشغلة في المطبخ، فلم تسمع شيئًا.
اقترب منها رويدًا رويدًا...
حتى صار على بعد خطوة واحدة منها.
وفجأة...
شعرت بنَفَسٍ ساخن يلامس عنقها من الخلف.
تجمد الدم في عروقها، وقشعر جسدها كله.
استدارت بسرعة خاطفة...
لتجد كاظم يقف خلفها، يرمقها بنظرةٍ بثت الرعب في قلبها.
اتسعت عيناها، وانفلتت من بين شفتيها صرخة مدوية شقت أرجاء المنزل.
ديلان: ابتعد عني!.
لكن كاظم لم يتراجع، بل اندفع نحوها محاولًا الإمساك بها ودفعها إلى حافة طاولة المطبخ، يحاصرها بين يديه وجسده، ووجه يقترب منها راسما إبتسامة خبيثة على وجهه القبيح....
لف يديه حولها ليحاصرها، ويثبت حركتها وتحركت إحدى يديه يحركه على جسدها بطريقة مقززة.
اجتاح الخوف ديلان كإعصارٍ عاتٍ، فاستحال وجهها شاحبًا، وارتجف جسدها بعنف، بينما كان قلبها يخفق بجنون بين ضلوعها. لم تجد أمامها سوى أن تطلق صرخةً مدوية مزقت سكون المكان، وهي تتراجع عنه في ذعر:ـ ابتعد عني أيها الحقير!... أرجوكم... أنقذوني!!!!......