
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الحادي عشر11 والثاني عشر12 بقلم عاشقة القلم
في تلك اللحظة، لم يكن أمام ديلان متسع للتفكير.
"لا... لن أسمح له."
تراجعت خطوة، وحاولت الإفلات من قبضته، إلا أنه شد ذراعها بقوة.
اشتعل الخوف داخلها، لكنه لم يشل إرادتها.
بل تحول في لحظة إلى قوةٍ لم تكن تعلم أنها تمتلكها.
جمعت كل ما بقي فيها من شجاعة، ثم رفعت ركبتها بكل ما أوتيت من قوة، ووجهت ضربةً مباشرة بين فخذيه.
أطلق كاظم صرخة ألم حادة، وانحنى جسده لا إراديًا، مرتخيًا من شدة الوجع.
كانت تلك اللحظة التي انتظرتها.
انتزعت نفسها من قبضته، وانطلقت بكل سرعتها نحو باب المنزل.
كانت أنفاسها تتقطع، وقلبها يخبط صدرها بعنف، حتى خُيل إليها أنه سيسبقها إلى الباب.
ارتجفت يدها وهي تحاول فتح القفل.
ديلان: افتح... أرجوك افتح... يا رب لا تتركني وحدي...
وأخيرًا...
انفتح الباب.
لكنها لم تجد الفراغ أمامها،
بل وجدت مريم.
تجمدت مريم في مكانها، وقد انعقد لسانها من هول ما رأت.
كانت ديلان شاحبة الوجه، ترتجف من رأسها حتى أخمص قدميها، ودموعها تنهمر بلا توقف.
ولم تمهلها لحظة.
اندفعت نحوها وارتمت بين ذراعيها بكل ما بقي فيها من قوة، وكأنها وجدت أخيرًا طوق النجاة بعد أن كانت تغرق.
تشبثت بها وهي تنتحب انتحابًا مريرًا، حتى اهتز جسدها من شدة البكاء.
كانت شهقاتها متلاحقة، ممزقة، تخرج من أعماق قلبٍ عاش لحظات من الرعب لا تُوصف.
دفنت وجهها في كتف مريم، ولم تستطع أن تنطق بكلمة واحدة.
أما مريم، فقد احتضنتها بقوة، وهي تنظر إلى الداخل بوجه شحب لونه، وقد أدركت من ملامح ديلان وحدها أن أمرًا جللًا قد وقع.
وفي داخل المنزل، كان كاظم لا يزال يتلوى من الألم، بينما كانت لحظة فشله الأولى قد بدأت تتحول إلى بداية سقوطه.
أطبقت مريم ذراعيها حول ديلان، تضمها إليها بكل ما أوتيت من حنان، بينما كانت تشعر بارتجاف جسدها بين يديها، حتى خُيِّل إليها أن عظامها ترتعد من شدة الخوف.
أخذت تربت على ظهرها برفق، وهي تقول بصوت اختلط فيه القلق بالشفقة:
ــ ديلان... اهدئي... ما الذي حدث؟ تكلمي، أخبريني، هل والدتك بخير؟، هل أصابها مكروه في المستشفى؟.
لكن ديلان لم تستطع أن تنطق بحرف.
كانت شهقاتها تتلاحق، وأنفاسها تتقطع، وعيناها شاخصتين نحو باب المنزل، كأن الرعب ما زال يطاردها حتى وهي خارجه.
تتبعت مريم نظراتها، ثم ألقت نظرة سريعة إلى الداخل، قبل أن تعود بعينيها إلى صديقتها.
"لا... الأمر ليس متعلقًا بوالدتها... هناك شيء حدث هنا."
أحاطت كتفي ديلان بذراعها، وقالت بحزم ممزوج بالحنان:
مريم: تعالي... لن نبقى أمام الباب.
سارت بها بخطوات هادئة نحو الحديقة القريبة، وكانت تشعر بثقل خطوات ديلان، وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها.
جلستا على أقرب مقعد خشبي، تحيط به الأشجار من كل جانب، بينما كانت أصوات الأطفال المتناثرة في أرجاء الحديقة تمنح المكان شيئًا من الحياة، على النقيض تمامًا مما كان يعتمل في قلب ديلان.
جلست مريم إلى جوارها، ثم أمسكت وجهها بكلتا يديها، وأزاحت برفق خصلات الشعر المبعثرة عن جبينها، ومسحت دموعها بطرف حجابها.
قالت بصوت خفيض، كأنها تخشى أن يزيد ارتفاعه من ارتجاف صديقتها:
مريم: انظري إليَّ يا ديلان... أنتِ الآن في أمان، خذي نفسًا عميقًا... ثم أخبريني ماذا جرى.
أغمضت ديلان عينيها، واستنشقت الهواء بصعوبة، تحاول أن تستعيد أنفاسها المتقطعة.
"اهدئي... لقد انتهى الأمر... لقد نجوت... الحمد لله... لقد نجوت."
همست بها ديلان لنفسها تخفف من روعها.
راحت تكررها في داخلها مراتٍ عدة، حتى بدأت ضربات قلبها تستعيد شيئًا من انتظامها.
فتحت عينيها ببطء، ثم قالت بصوت مبحوح، تكاد الكلمات تخرج متكسرة من بين شفتيها:
ديلان: لقد... عاد كاظم...
توقفت، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها وهي تستعيد المشهد.
أخفضت رأسها، ثم أكملت بصعوبة:
ديلان: كنت وحدي في المنزل... أعد الطعام لأمي... ولم أشعر بدخوله... وفجأة... وجدته خلفي...
ارتعش صوتها، واختنقت الكلمات في حلقها.
أما مريم، فقد ازدادت قبضتها على يدها قوة، وهي تنصت في ذهول.
تابعت ديلان، وقد اغرورقت عيناها بالدموع من جديد:
ديلان: حاول أن... أن يعتدي عليّ... أمسك بي وحاول أن يثبتني... لكن الله أنقذني... ضربته وهربت... ولو لم أفتح الباب وأجدك أمامي...
لم تستطع إكمال عبارتها.
وضعت مريم يدها على فمها، واتسعت عيناها من هول ما سمعت.
لم تكن تتخيل يومًا أن يبلغ كاظم هذا القدر من الانحطاط.
همست بصدمة:
مريم: يا الله...
وساد بينهما صمت ثقيل، لم يكن يُسمع فيه سوى بكاء ديلان المتقطع.
أما مريم، فكانت تشعر بالغضب يغلي في عروقها، حتى احمر وجهها، واشتدت ملامحها.
"أي إنسان هذا؟! بل أي وحش يعيش بين الناس بوجه إنسان؟، كيف تجرأ على فعل هذا بها؟."
همست بهم مريم لنفسها من شدة هول ما سمعته من ديلان.
قبضت على يد ديلان بقوة، ثم قالت بنبرة حاسمة لا تقبل نقاشًا:
مريم: لا... والله لن تعودي إلى ذلك البيت وحدك بعد اليوم.
رفعت ديلان رأسها تنظر إليها بعينين غارقتين في الدموع.
أكملت مريم بثبات:
مريم: تعالي معي إلى منزلنا، أمي ما زالت في البيت، لم تذهب إلى المدرسة اليوم، فلديها بعد الظهر درسٌ تلقيه على النساء في المسجد، وستبقى هناك حتى يحين موعد خروجك إلى المستشفى.
ثم أردفت وهي تضغط على يدها في طمأنة:
مريم: لن أتركك وحدك مع ذلك الوحش القذر، مهما كان الثمن. وجودك هناك الآن خطر عليك، ولن أسمح بأن تعيشي لحظة خوفٍ أخرى.
تطلعت ديلان إلى صديقتها، وشعرت للمرة الأولى منذ تلك اللحظات العصيبة بأن قلبها بدأ يهدأ شيئًا فشيئًا.
كان الخوف لا يزال يعصف بها، لكن وجود مريم إلى جانبها منحها شعورًا افتقدته منذ زمن... شعورًا بأنها ليست وحدها في مواجهة هذا العالم.
فأطرقت برأسها، وهمست بصوت يكاد يُسمع:
ديلان: جزاكِ الله عني خيرًا يا مريم... لا أدري ماذا كان سيحدث لي... لو لم يرسلك الله في تلك اللحظة.
ابتسمت مريم ابتسامة مشوبة بالألم، ثم احتضنتها مرة أخرى وقالت برقة:
مريم: بل احمدي الله أولًا، فهو من نجّاك، وهو من ساقني إليك في الوقت الذي كنتِ بأمسِّ الحاجة فيه إلى من يقف إلى جانبك. ولن أتركك بعد اليوم تواجهين هذا البلاء وحدك.
سارت ديلان إلى جوار مريم بخطواتٍ بطيئة، كأن الأرض تثقل قدميها مع كل خطوة. كانت نظراتها شاردة، وملامحها جامدة على نحوٍ يشي بما يعتمل في داخلها من خوفٍ وانكسار. لم تستطع العودة إلى منزلها لتجلب حقيبتها؛ فلم يكن معها سوى هاتفها الذي ظل في جيب فستانها منذ غادرت المنزل صباحًا، أما العودة إليه فقد أصبحت فكرةً تبث الرعب في قلبها.
لم تحاول مريم أن تملأ الطريق بالكلام، فقد كانت تدرك أن بعض الجراح تعجز الكلمات عن مداواتها، وأن الصمت في مثل هذه اللحظات أرحم من أي مواساة.
وحين وصلتا إلى المنزل، طرقت مريم الباب طرقاتٍ خفيفة، فلم تلبث أن فتحته والدتها، كريمة، بابتسامتها المعهودة. غير أن ابتسامتها ما لبثت أن تلاشت عندما وقعت عيناها على ديلان.
تأملتها لبرهة، فإذا بوجهها الشاحب، وعينيها المنتفختين من كثرة البكاء، وانحناءة كتفيها التي لم تعهدها فيها، كلها كانت تنطق بأن أمرًا جللًا قد وقع.
رفعت كريمة بصرها إلى ابنتها، وسألتها بصمتٍ لم يحتج إلى كلمات، مكتفيةً بهزةٍ خفيفة من رأسها.
فهمت مريم سؤال والدتها، فاكتفت بتحريك حاجبيها في إشارةٍ ترجوها أن تتمهل حتى يدخلن إلى الداخل.
تنحت كريمة جانبًا، وهي تقول بحنو:
كريمة: أهلًا بك يا ديلان... تفضلي يا ابنتي.
دخلت الفتاتان، وأغلقت كريمة الباب خلفهما، ثم تبعتهما حتى جلسن في الصالون، لم تستطع أن تصرف نظرها عن ديلان، فقد كانت ملامحها تصرخ بألمٍ حاولت عبثًا أن تخفيه.
جلست كريمة قبالتهما، ثم التفتت إلى ابنتها قائلة باستغراب:
كريمة: ألم تقولي إنكما ذاهبتان لزيارة والدة ديلان في المستشفى؟، كيف عدتما بهذه السرعة؟.
أجابت مريم بهدوء، وهي تحاول ألا تثير قلق والدتها أكثر:
مريم: بلى يا أمي، لكن موعد الزيارة لم يحن بعد، فأحضرت ديلان معي إلى هنا حتى يحين الوقت.
أومأت كريمة برأسها، ثم حولت نظرها إلى ديلان، وسألتها بلطفٍ امتزج بالقلق:
كريمة: وكيف حال والدتك الآن يا ابنتي؟، هل وصلكم خبر عنها؟،
هزت ديلان رأسها نفيًا دون أن تنطق بحرف.
ازداد قلق كريمة، فأخذت تتأملها مليًا، كان في وجهها شحوبٌ غير مألوف، وفي عينيها خوفٌ دفين، أما ارتجاف أصابعها فكان يكشف ما تعجز عن قوله.
مالت نحوها قليلًا، وقالت بصوتٍ حنون:
كريمة: ما بك يا ديلان؟ أشعر أن الأمر أكبر من مجرد قلقٍ على والدتك، أخبريني... هل حدث لها مكروه؟، ولماذا تبدين بهذه الحالة؟.
ارتعشت شفتا ديلان، وحاولت أن تتماسك، لكن الكلمات خانتها.
شعرت بغصةٍ تعتصر حلقها، ثم انهارت فجأة، وانفجر البكاء من أعماقها، كأن السد الذي كانت تحبس خلفه آلامها قد تهدم دفعةً واحدة.
شهقت وهي تغطي وجهها بكفيها، بينما راحت دموعها تنهمر بلا توقف.
أسرعت كريمة إليها دون تردد، وجثت أمامها، ثم احتضنتها إلى صدرها بحنان أمٍّ تخشى على ابنتها من قسوة الدنيا.
أخذت تمسح على شعرها وظهرها، وهي تردد بصوتٍ مفعم بالشفقة:
كريمة: هوني عليك يا ابنتي... لا حول ولا قوة إلا بالله... اهدئي... أنا هنا... أخبريني ما الذي حدث؟، من الذي آذاك؟.
لكن ديلان لم تكن قادرة على الكلام، وكل ما استطاعت فعله هو التشبث بثياب كريمة وهي تبكي بحرقةٍ موجعة.
تنهدت مريم، وقد أدركت أن صديقتها لم تعد تملك القدرة على رواية ما جرى، فبدأت تحكي لوالدتها كل ما قصته عليها ديلان منذ قليل.
وما إن انتهت حتى شهقت كريمة شهقةً خرجت من أعماق قلبها، واتسعت عيناها ذهولًا واستنكارًا.
شدت ديلان إلى صدرها بقوةٍ أكبر، وأخذت تقبل رأسها مراتٍ متتالية، وكأنها تحاول أن تمحو عنها ما تعرضت له من خوفٍ وإهانة.
ثم قالت بصوتٍ ارتجف من شدة الغضب:
كريمة: يا إلهي... أإلى هذا الحد بلغت به الخِسَّة والدناءة؟!، أيجرؤ على التهجم عليك مستغلًا غياب والدتك وهي ترقد مريضة على سرير المستشفى؟!.
سكتت لحظة، وقد غلبها الغضب، ثم أردفت وعيناها تتقدان سخطًا:
كريمة: أي نوعٍ من الرجال يكون هذا؟!، بل أي قلبٍ يحمله بين ضلوعه؟!.
ثم أمسكت وجه ديلان بين كفيها، ونظرت إليها بحزمٍ امتزج بعطف الأمومة، وقالت:
كريمة: اسمعيني جيدًا يا ابنتي... لن تعودي إلى ذلك المنزل ما دامت والدتك في المستشفى، ستبقين هنا بيننا، ولن أسمح لأحدٍ بأن يمسك بسوء.
ثم أضافت بنبرةٍ لا تقبل النقاش:
كريمة: وعندما تعود والدتك إلى المنزل، سيكون لي معها حديثٌ طويل... أما ذلك الحقير الوضيع، فسأجعله يدرك أن لديلان من يدافع عنها ويحفظ كرامتها، ولن أسمح له أن يكرر فعلته مرةً أخرى ما حييت.
وما إن سمعت ديلان تلك الكلمات، حتى شعرت، لأول مرة منذ ذلك الصباح، بأن هناك من يحيطها بالأمان، وأن الحضن الذي احتمت به لم يكن مجرد حضن امرأة، بل كان حضن أمٍّ احتواها كما لو كانت إحدى بناتها.
بقيت ديلان في منزل كريمة طوال النهار، ولم تغادره إلا حين اقترب موعد الزيارة في المستشفى، كانت تجلس بصمت، شاردة الذهن، وكلما نظرت إلى الساعة شعرت بأن قلبها يزداد خفقانًا، كانت تتوق لرؤية والدتها والاطمئنان عليها، وفي الوقت نفسه كانت تخشى لقاء كاظم، فقد بات مجرد التفكير فيه يزرع الرعب في نفسها.
وقفت كريمة وهي ترتدي عباءتها، ثم قالت بحزم لا يقبل النقاش:
كريمة: هيا يا ابنتي، لقد حان الوقت.
التفتت إليها مريم وهي تلتقط حقيبتها، وما إن همَّت ديلان بالاعتراض قائلة إنها تستطيع الذهاب وحدها، حتى سبقتها كريمة بلهجة قاطعة امتزجت بحنان الأم وصرامتها:
كريمة: لن تذهبا وحدكما إلى المستشفى.
نظرت إليها الفتاتان باستغراب، فأردفت وهي تعقد طرف وشاحها:
كريمة: أخشى أن يكون كاظم هناك، ولن أسمح له هذه المرة أن ينفرد بأمينة أو يسبقكما إليها، فيملأ رأسها بالأكاذيب كما اعتاد أن يفعل، إن كان يظن أنه سيواصل خداعها، فهو واهم... ما دمتُ على قيد الحياة فلن أترك له تلك الفرصة.
شعرت ديلان بشيءٍ من السكينة يتسلل إلى قلبها، لم تكن بحاجة إلى كلمات مواساة، بل كانت بحاجة إلى من يقف إلى جوارها، وقد وجدت ذلك في كريمة.
استقلت النسوة الثلاث سيارة أجرة، وانطلقت بهن تشق شوارع المدينة، ساد الصمت طوال الطريق، ولم يكن يُسمع سوى هدير السيارة، كانت ديلان تحدق عبر النافذة بشرود، بينما كانت أصابعها متشابكة بقوة فوق حجرها، وكأنها تحاول أن تحبس ارتجافها.
أما كريمة، فكانت تراقبها من طرف عينها، تدعو الله في سرها أن يحفظ هذه الفتاة التي أثقلتها المحن وهي في ربيع عمرها.
وصلن إلى المستشفى، فهبطن من السيارة واتجهن بخطواتٍ متسارعة نحو قسم التوليد.
كانت ديلان تتقدمهن، وقلبها يخفق بعنف كلما اقتربت من غرفة والدتها.
توقفت لحظة أمام الباب، ثم دفعتْه برفق.
أول ما فعلته هو أن ألقت بنظرها في أنحاء الغرفة تبحث عن كاظم.
لم يكن هناك.
خرجت من صدرها زفرة طويلة لم تشعر بها إلا في تلك اللحظة، وكأن صخرةً كانت جاثمة على قلبها قد انزاحت قليلًا.
همست في نفسها:
"الحمد لله... لم يأتِ بعد."
التفتت بعدها إلى السرير.
كانت أمينة تغط في نومٍ عميق، وقد بدا الإرهاق واضحًا على وجهها الشاحب، حتى إن ملامحها بدت أكبر من عمرها بسنوات.
لم يكن ذلك غريبًا، فقد كانت الليلة الماضية من أقسى الليالي التي مرت بها؛ إذ عاودها النزيف والآلام بعنف، ولم يتمكن الأطباء من إنقاذ الجنين، فانتهى الأمر بإجهاضه، ثم اضطر الفريق الطبي إلى إجراء عملية لتنظيف الرحم حفاظًا على حياتها.
اقتربت ديلان بخطواتٍ مترددة، وجلست إلى جوار السرير.
حدقت طويلًا في وجه أمها، وشعرت بوخزةٍ تمزق قلبها.
"كم تألمتِ يا أمي... وأنا لم أكن إلى جوارك."
مدت يدها المرتجفة وربتت برفق على كتفها، ثم أخذت تمسح على شعرها بحنان، وانحنت تقبل يدها مراتٍ متتالية، وكأنها تستمد منها الطمأنينة.
تحركت أمينة قليلًا، ثم فتحت عينيها ببطء.
وحين وقعت عيناها على ديلان، ارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة، رغم ما كانت تعانيه من ألم.
قالت بصوتٍ خافت أنهكه التعب:
أمينة: أتيتِ يا ابنتي؟.
ثم أضافت وهي تحاول الاعتدال في جلستها:
أمينة: لقد طلبت من كاظم ألا يدعك تأتين، وأن تبقي مع أخويك، فلقد أخبرني أنه سيذهب إلى المنزل ليجلب لي بعض الثياب، ويطمئن عليكما، ثم يعود.
تبادلت ديلان وكريمة نظرةً خاطفة، قبل أن تبادر كريمة بالكلام، وقد حرصت ألا تزيد همَّ أمينة فوق ما تحتمل.
ابتسمت ابتسامة مطمئنة وقالت:
كريمة: مررت أنا ومريم على ديلان، وأحضرتها معنا، واستأذنكِ في أمر، إن سمحتِ لي.
نظرت إليها أمينة باستفهام.
فقالت برقة:
كريمة: أريد أن تبقى ديلان في بيتي حتى تعودي سالمة إلى منزلك، لقد وجدتها وحيدةً تستوحش البيت، وكانت تبكي بحرقة من شدة خوفها عليك، فخشيت أن ينهكها الحزن أو يصيبها مكروه وهي بمفردها.
أطرقت أمينة لحظة، ثم سألت بقلقٍ لم تستطع إخفاءه:
أمينة: وماذا عن الصغيرين؟..
لم تمهلها كريمة حتى تكمل حديثها، وقالت بثقة:
كريمة: لا تقلقي بشأنهما أبدًا. سأحضرهما إلى منزلي أيضًا إن أذنتِ لي، وسيبقيان معنا حتى تتعافي.
ثم أردفت بابتسامة حانية:
كريمة: وسآخذهما معي كل يوم إلى المدرسة القرآنية، فيقضيان وقتهما في حفظ القرآن الكريم، وتعلم ما ينفعهما من أمور دينهما، فيبتعدان عن أجواء القلق والخوف.
ما إن سمعت أمينة ذلك، حتى انفرجت أساريرها، وكأن همًا ثقيلًا انزاح عن صدرها.
أغمضت عينيها لحظة، ثم قالت بصوتٍ امتزج بالامتنان:
أمينة: الحمد لله...
ثم نظرت إلى كريمة بعينين اغرورقتا بالدموع، وأضافت:
أمينة: هكذا سأطمئن عليهم جميعًا... ما داموا بجوارك.
وسكتت برهة، قبل أن تتابع بصوتٍ متهدج:
أمينة: والله يا كريمة... لا أدري كيف أرد لك هذا الجميل، كلما ضاقت بي الدنيا، وجدتك أول الواقفين إلى جانبي وإلى جانب أولادي.
ابتسمت كريمة وربتت على يدها بحنان، ثم قالت:
كريمة: لا تقولي هذا يا أمينة، ديلان، وأخواها، هم أبنائي قبل أن يكونوا أبناءك، وما أفعله اليوم هو أقل ما يفرضه علينا حق الجيرة والمودة.
ثم شددت برفق على يدها، وأردفت بنبرةٍ يملؤها الحب و الإخلاص:
كريمة: لا تشغلي بالك بشيء الآن، اعتني بنفسك فقط، وتعافي سريعًا، فهناك ثلاثة قلوب صغيرة تنتظر عودتك، ولا شيء يسعدها أكثر من أن تراك بينهم من جديد.
ابتسمت أمينة وسط دموعها، بينما مدت ديلان يدها تمسك بيد والدتها في صمت.
وفي تلك اللحظة، شعرت أن وجود كريمة إلى جانبهما لم يكن مجرد مساندة، بل كان رحمةً ساقها الله إليهما في أشد ساعات المحنة، لتخفف عنهما شيئًا من ثقل الألم الذي أثقل قلبيهما.
وبينما كانت أجواء الغرفة قد بدأت تستعيد شيئًا من هدوئها، انفتح الباب فجأة، ودخل كاظم بخطواتٍ واثقة.
في اللحظة التي وقع فيها بصر كريمة عليه، انعقد حاجباها، ورمقته بنظرةٍ امتلأت ازدراءً واشمئزازًا، كانت تعلم ما اقترفه في غياب زوجته، ولم تعد ترى فيه سوى رجلٍ سقط من عينها إلى غير رجعة.
أما هو، فما إن وقعت عيناه على ديلان حتى تبدلت ملامحه، وصاح بلهجةٍ حملت من التوبيخ أكثر مما حملت من القلق:
كاظم: أين كنتِ؟! لقد انتظرتك طويلًا لتبقي مع أخويك حتى أعود إلى أمك، لكنك اختفيتِ دون أن تتركي أثرًا.
ارتجفت ديلان لا إراديًا عند سماع صوته.
ذلك الصوت وحده كان كافيًا ليعيدها إلى تلك اللحظات المرعبة... إلى المطبخ... إلى الباب المغلق... إلى نظراته التي كانت تطاردها كوحشٍ يترصد فريسته،
شعرت ببرودةٍ تسري في أطرافها، وانقبضت أناملها دون وعي.
ولم تنتبه أمينة إلى ذلك، إذ استوقفها أمرٌ آخر، فسألت بلهفة الأم التي لا يشغلها شيء أكثر من أبنائها:
أمينة: وأين الصغيران؟ لا أراهما معك.
أجاب كاظم وهو يلوح بيده في استخفاف:
كاظم: اضطررت إلى إبقائهما خارجًا، فإدارة المستشفى تمنع دخول الأطفال إلى الأقسام الداخلية، أجلستهما على أحد المقاعد عند المدخل، وطلبت منهما ألا يبرحا مكانيهما حتى أعود.
ما إن سمعت ديلان ذلك، حتى انقبض قلبها.
"وحدهما... عند مدخل المستشفى؟".
لم تحتمل الفكرة.
تقدمت خطوة إلى الأمام، ثم قالت لوالدتها بصوتٍ خافت حاولت أن تجعله ثابتًا:
أمينة: لا تقلقي يا أمي... سأذهب إليهما الآن، وسأبقى معهما.
استأذنتها بإيماءةٍ سريعة، ثم اتجهت نحو الباب دون أن ترفع عينيها إلى كاظم، فقد كانت تحاول الهروب من تلك المشاعر التي داهمتها، وإحساس بالرعشة الذي إجتاحها وكاد ان يظهر عليها.
سارت بخطواتٍ متعجلة، وكأنها تفر من وجوده، فلحقت بها مريم على الفور، وهي ترمقه بنظرةٍ حادة تحمل كل ما في قلبها من احتقار.
غير أن أمينة لم يفتها ما رأت.
فقد لاحظت شحوب وجه ابنتها المفاجئ، وارتجاف صوتها، وتلك الرهبة التي ارتسمت في عينيها ما إن دخل كاظم.
تملكها القلق، وكادت تناديها:
أمينة: ديلان...
لكن صوت كاظم سبقها، قاطعًا كل فرصة لأن تلتفت أمينة إلى ما وراء ذلك الخوف.
قال بحدة:
كاظم: ألم أسألك أين كنتِ؟! كيف تتركين أخويك وحدهما؟.
وقبل أن تتمكن ديلان من الرد، تدخلت كريمة بهدوءٍ يحمل من القوة أكثر مما تحمله الصرخات.
قالت وهي تنظر إليه مباشرة:
كريمة: لقد مررت عليها بنفسي،
ثم أضافت بنبرةٍ ثابتة:
كريمة: وجدتها في حالةٍ يُرثى لها، تبكي بحرقة حتى كاد قلبها يتقطع من شدة الخوف على والدتها، فأخذتها معي، كانت تتكئ على كل حرف في محاولة إرسال رسالة مبطنة إليه، خصوصا حين تحدثت عن بماء ديلان الهستيري.
وأشارت إلى أمينة وهي تتابع:
كريمة: وقد أخبرتني أنها أعدت الطعام لكم، وجهزت حقيبة المستشفى، واهتمت بكل ما يحتاج إليه البيت قبل أن تغادر.
ثم ثبتت عينيها في عينيه، وقالت بصرامةٍ مهذبة:
كريمة: لذلك لا أرى مبررًا لهذا اللوم، ولا لهذا الصراخ، راعِ حال زوجتك المريضة، وارحم قلب ابنتها التي لم يبق لها في الدنيا، بعد الله، سوى أمها، أتظن أنها في مثل هذا الظرف قادرة على التفكير بهدوء أو ترتيب أمورها كما تريد؟.
ساد الصمت.
نظر إليها كاظم بغيظٍ ظاهر، وانقبض فكاه حتى برزت عروقه.
فتح فمه يريد الرد، لكن النظرة التي واجهته بها كريمة كانت حازمةً إلى حدٍ جعله يبتلع كلماته.
لم تكن نظرة خوف، ولا تحدٍ أجوف، بل كانت نظرة امرأةٍ أدركت حقيقته، وأوصلت إليه رسالةً واضحة:
"أنا أعلم... وأراقبك... ولن أسمح لك بإيذائها."
أخفض بصره للحظة، وقد شعر أن الأرض تضيق به، بينما التفتت كريمة إلى أمينة، وقد استعادت هدوءها، وقالت بابتسامةٍ مطمئنة:
كريمة: أستودعك الله يا أمينة، وأسأل الله أن يمنَّ عليك بالشفاء العاجل.
ثم أضافت برفق:
كريمة: وكما اتفقنا، سأصطحب الأولاد إلى منزلي حتى تعودي إليهم سالمة.
وما إن أنهت كلامها، حتى دوى صوت كاظم في الغرفة، وقد فقد ما تبقى من رباطة جأشه:
كاظم: أيُّ أولادٍ ستأخذين معك؟!.
التفتت إليه أمينة، وأجابت بهدوءٍ لم تكن تعلم أنه سيستفزه إلى هذا الحد:
أمينة: السيدة كريمة، جزاها الله خيرًا، طلبت مني أن تقيم ديلان وأخواها عندها حتى أخرج من المستشفى، وقد وافقت.
لم يتمالك كاظم نفسه، فارتفع صوته وقد احمر وجهه غضبًا:
كاظم: وافقتِ؟! وكأنني غير موجود! أنا رجل هذا البيت، وأنا من يُستأذن في مثل هذه الأمور... مفهوم؟!.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم التفتت إليه كريمة ببطء، ولم يتغير شيء في ملامحها.
قالت ببرودٍ أربكه أكثر مما كانت ستفعل لو صاحت في وجهه:
كريمة: لقد استأذنتُ والدتها إذا كنت تتسائل عن ديلان، وهي أدرى الناس بمصلحة أبنتها، انا الاولاد فيمكنك أخذهم معك إذا أردت.
ثم أردفت، وهي تخفض صوتها احترامًا لحرمة المكان:
كريمة: ولا أرى سببًا يدعوك إلى كل هذا الغضب، نحن في مستشفى، وزوجتك ترقد على سرير المرض بعد أن فقدت جنينها، وهي اليوم أحوج إلى الهدوء من أي شيء آخر.
وتابعت، وعيناها لا تفارقان وجهه:
كريمة: الأولى بك أن تنشغل برعايتها، وأن توفر لها ما تحتاج إليه من عناية وراحة، فهذا واجبك الحقيقي، لذلك فكرت انك ستنشغل عن الصغيرين، وديلان ليست في حال جيد لتعتني بهما.
ساد صمتٌ ثقيل.
ثم أرسلت إليه نظرةً أخيرة، نظرةً فهم منها ما لم تنطق به الكلمات، وكأنها تقول:
"لن أترك تلك الفتاة لقمةً سائغة بين أنيابك."
استدارت بعدها في هدوء، وغادرت الغرفة.
ولحقت بها مريم، بينما كانت ديلان قد سبقت الجميع إلى أخويها.
أما كاظم، فظل واقفًا في مكانه، يقبض كفيه حتى ابيضت مفاصله، تتأجج في صدره نيران الغضب، وقد أدرك للمرة الأولى أن هناك من بدأ يقف في وجهه، ويهدد السلطة التي طالما فرضها على من حوله بالخوف والصمت.
في الجهة الأخرى من المدينة، كان باران يعيش معركةً من نوعٍ آخر؛ معركةً لا يُسمع فيها صليل السيوف، بل ضجيج الأفكار وهي تتصارع داخل رأسه بلا هوادة.
منذ أن غادر ذلك المقهى، لم يعرف لقدميه قرارًا.
مرةً يعود إلى الجامعة، وأخرى يقصد المكتبة، ثم ينتهي به المطاف في الكافتيريا، يعيد الجولة ذاتها وكأن المكان سيمنحه في كل مرة أملًا جديدًا. كان يفتش بعينيه في وجوه الطالبات، ويتوقف عند كل ملامحٍ تشبهها، ثم يمضي بخيبةٍ أكبر من سابقتها.
لم يكن يبحث بعشوائية، بل كان يسترجع كل تفصيلةٍ عالقة في ذاكرته.
"كانت تدخل من هذا الممر... وجلست هناك ذات مرة... وكانت تقف مع صديقتها عند تلك الشجرة..."
كل مكانٍ احتفظ بصورةٍ لها أصبح محطةً في رحلة بحثه.
لكنها... لم تكن في أي مكان.
تنهد طويلًا، وجلس على أحد المقاعد الحجرية في باحة الجامعة، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ثم أخفى وجهه بين كفيه.
شعر لأول مرة أن المدينة بأكملها قد اتسعت حتى استحال العثور على فتاةٍ لا يعرف عنها سوى ملامحها.
ابتسم بسخريةٍ مريرة من نفسه، وهمس:
باران: ما الذي فعلته بنفسك يا باران؟.
رفع رأسه نحو السماء، ثم أطرقه من جديد.
باران: أحببت فتاةً... لا تعرف اسمك... ولا تعرف أين تجدك... وأنت... لا تعرف حتى اسمها!.
خرجت منه ضحكةٌ قصيرة، لكنها كانت مغموسة بالألم أكثر من الفرح.
باران: أي مفارقةٍ هذه؟.
ساد الصمت، ولم يكن يسمع سوى حفيف الأشجار وصخب الطلبة من بعيد، أما هو، فكان غارقًا في محكمةٍ أقامها ضميره، وجلس فيها متهمًا وقاضيًا في آنٍ واحد.
باران: لو لم أتأخر في ذلك اليوم...
أغمض عينيه بقوة.
باران: لا... بل لو لم يحدث ذلك الشجار أصلًا...
قبض على كفيه، وقد عاد يسترجع تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم.
باران: كنت سأصل قبل الموعد... كنت سأجدها تنتظرني... كنت سأخبرها بكل شيء...
ثم زفر بحرقة، وقال:
باران: لكنها، بلا شك، جاءت... وانتظرت... ثم غادرت وهي تظن أنني خدعتها.
تخيلها وهي تنظر إلى الباب في كل مرة يدخل فيها أحد، ثم تنخفض عيناها خيبةً بعد أخرى.
تخيلها وهي تغادر المكان بقلبٍ مثقلٍ بالخذلان.
فأغمض عينيه، وكأن تلك الصورة تطعنه.
باران: سامحيني...
خرجت الكلمة منه همسًا مكسورًا.
باران: والله ما أخلفت موعدي بإرادتي...
ظل صامتًا برهة، ثم ضرب بكفه على المقعد في ضيق.
باران: يا لغبائي!.
تنهد بمرارة وهو يهز رأسه.
باران: لماذا لم أكتب اسمي على الرسالة؟.
صمت لحظة، ثم أردف بصوتٍ يملؤه الندم:
باران: أو على الأقل... لماذا لم أترك رقم هاتفي؟.
مرر يده على وجهه بإرهاق.
باران: لو فعلت... لربما اتصلت بي... لربما سألتني عن سبب غيابي... لربما منحتني فرصةً واحدة لأشرح لها الحقيقة.
رفع بصره، وكأنه يخاطب نفسه بعنف:
باران: لكنك لم تفعل يا باران... ظننت أن اللقاء سيكون أسهل من كل ذلك، وأن القدر سيبتسم لك أخيرًا.
ابتسم ابتسامةً باهتة.
باران: يبدو أن القدر قرر أن يختبر صبرك أولًا.
استند برأسه إلى ظهر المقعد، وأخذ يحدق في السماء الممتدة فوقه.
كانت الغيوم تتحرك ببطء، أما أفكاره فكانت تسبقها ركضًا.
باران: كيف أصل إليها؟.
ردد السؤال مرةً، ثم ثانية، ثم ثالثة، وكأنه يبحث عن إجابةٍ بين حروفه.
باران: لا أعرف اسمها...
ولا عنوانها...
ولا أحدا من دفعتها في كليتها على وجه اليقين...
ولا أحدًا من أهلها...
كل ما أعرفه... أنها سكنت قلبي منذ أول لقاء.
ابتسم رغم ألمه وهو يستعيد صورتها.
تلك النظرة الخجولة...
وهدوءها...
وطريقتها في الكلام...
حتى صمتها كان مختلفًا.
أطرق رأسه، وقال بصوتٍ خافت:
باران: أتعلمين؟،
لم يعد يؤلمني أنني لم أركِ اليوم...
ما يؤلمني هو أن تكوني الآن تظنين بي سوءًا.
توقف قليلًا، ثم أكمل وكأنه يحادثها وهي أمامه:
باران: أخشى أن تكوني قد مزقتِ الرسالة...
أو قررتِ ألا تمنحيني فرصةً أخرى،
لكن...
حتى لو أغلقتِ كل الأبواب...
سأظل أبحث عنك،
حتى لو احتجت أن أمر على هذه الجامعة كل يوم،
حتى لو سألت ألف شخص،
حتى لو طال انتظاري أشهرًا...
لن أستسلم.
نهض من مكانه، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بثباتٍ امتزج بالأمل:
باران: إن كان القدر قد جمعني بك مرة، فهو قادرٌ على أن يجمعني بك ثانية،
أما هذه المرة...
فلن أترك الفرصة تضيع من بين يدي مهما كان الثمن.
الفصل الثاني عشر من رواية
حبيبتي زوجة أخي 💔🥺
✍️.......مع اقتراب خيوط المغيب، كان باران يسير عائدًا إلى منزله بخطواتٍ بطيئة، أثقلتها خيبة أملٍ لم يعهدها من قبل.
لم يكن التعب الذي يسكن جسده نتيجة ساعات التجوال الطويلة فحسب، بل كان تعب قلبٍ ظل يركض طوال اليوم خلف سرابٍ ظنه قريبًا، فإذا به يبتعد عنه كلما اقترب منه.
من الجامعة إلى المكتبة...
ومن المكتبة إلى الكافتيريا...
ثم إلى ذلك المقهى الذي شهد بداية الحكاية...
عاد إلى كل الأماكن التي ربما تطأها قدماها، لعل القدر يجود عليه بلحظة لقاء، أو حتى بخيطٍ صغير يقوده إليها.
لكن القدر ظل صامتًا.
تنهد بعمق وهو يرفع رأسه إلى السماء التي بدأت تكتسي بلون الشفق، وتمتم في نفسه:
"حتى اسمك... لا أعرفه."
أغمض عينيه لثوانٍ، ثم تابع سيره.
"كيف يمكن لإنسانٍ أن يتعلق قلبه بشخصٌ يجهل عنه كل شيء؟، لا اسم... ولا عنوان... ولا كلية... ولا وسيلة تواصل... لا أملك سوى صورةٍ لا تفارق خيالي، ورسالةٍ لا أعلم إن كانت ما تزال تحتفظ بها، أم مزقتها وهي تلعن اليوم الذي التقتني فيه."
ابتسم ابتسامةً حزينة، ثم هز رأسه نافيًا.
"لا... لا أريد أن أصدق ذلك، أشعر... بل أكاد أجزم... أنها جاءت في ذلك اليوم، وانتظرتني طويلًا، ثم رحلت وهي تظن أنني خنت وعدي."
كان هذا التصور وحده كفيلًا بأن يعصر قلبه ألمًا.
ولأول مرة منذ سنوات، شعر باران بالعجز.
هو الذي اعتاد أن يجد لكل مشكلة حلًا، يقف اليوم عاجزًا أمام فتاةٍ لا يعرف عنها سوى ملامحها التي حفرتها الأيام في ذاكرته.
"يا رب... إن كنت قد كتبت لي لقاءها مرة، فلا تحرمني من لقاءً آخر... هذه المرة لن أضيع الفرصة."
وصل إلى المنزل، صعد درجات السلم ببطء، وكل درجةٍ كانت تعيد إليه وجه ديلان.
وقف لحظة أمام الباب، ثم أخذ نفسًا عميقًا، ومسح بيده على وجهه، كأنه يحاول أن يترك أحزانه في الخارج.
"لا ينبغي أن أقلقهم... ليس لهم ذنب فيما أمر به."
فتح الباب، ودخل بهدوء.
وما إن وطئت قدماه الصالون، حتى وجد أفراد العائلة مجتمعين كعادتهم، وقد امتلأ المكان بأحاديثهم وضحكاتهم.
رفع رأسه، وقال:
باران: السلام عليكم جميعًا.
جاءه الرد من كل الجهات مصحوبًا بالترحيب.
وما إن لمحته الصغيرة "ملك"، حتى أشرقت ملامحها، وقفزت من مكانها وهي تصيح ببراءة:
ملك: خالو باران!.
أقبلت تركض نحوه بكل ما أوتيت ساقاها الصغيرتان من سرعة.
وما إن اقتربت، حتى انحنى باران إلى مستواها، فاتحةً ذراعيه لها.
ألقى بنفسها بين ذراعيه، فرفعها برفق، وقبل وجنتها الممتلئة قبلةً طويلة، ثم داعب أنفها بأنفه، فضحكت ضحكةً ملأت المكان دفئًا.
شعر، للحظةٍ قصيرة، أن همومه تراجعت خطوة إلى الخلف،
جلس على الأريكة، وأجلس ملك فوق إحدى ركبتيه، بينما كانت أصابعها الصغيرة تعبث بأزرار قميصه، وهو يبادلها اللعب والابتسام.
ابتسمت والدته عائشة، لكنها لم تُخفِ عتابها وهي تقول:
عائشة: أخيرًا عدت يا بني.
ثم أضافت بنبرةٍ امتزج فيها اللوم بالحنان:
عائشة: انتظرناك على الغداء كثيرًا، لكنك لم تأتِ.
شعر باران بوخزة ضمير،
فقد كان يعلم أن والدته لا تبدأ الطعام حتى يكتمل اجتماع الأسرة.
ابتسم معتذرًا وقال:
باران: أعتذر يا أمي... لم أتمكن من العودة.
ثم أردف وهو يختار كلماته بعناية حتى لا يثير الشكوك:
باران: انشغلت مع بعض أصدقائي في الجامعة، وبعدها حضرت نقاشاتٍ مع عددٍ من الزملاء، كنا نتبادل الأفكار ونتحدث عن تجارب الآخرين، فالإنسان يتعلم كثيرًا حين يستمع إلى تجارب غيره، وربما يجد فيها حلولًا أو أفكارًا كانت غائبةً عنه.
كان يتحدث بثبات، بينما داخله يهمس بسخريةٍ مرة:
"نصف ما قلته صحيح... أما النصف الآخر، فكان رحلة بحثٍ عن فتاةٍ سرقت راحة قلبي."
ربت والده عزت على كتفه برضا، وقال:
عزت: أحسنت يا بني.
ثم أضاف وهو ينظر إلى أبنائه:
عزت: الإنسان العاقل لا يكتفي بتجاربه وحدها، بل يتعلم أيضًا من نجاحات الآخرين وإخفاقاتهم، فالخطأ مدرسة، سواء كان خطأنا أو خطأ غيرنا،
ابتسم باران، وأومأ برأسه احترامًا.
وفي تلك اللحظة، مد مراد يديه نحو ملك قائلًا ممازحًا:
مراد: تعالي إليَّ يا صغيرة.
التفتت إليه ملك، ثم أسرعت تعود لتدفن وجهها في عنق باران، وأحكمت ذراعيها الصغيرتين حول رقبته، وهي تهز رأسها رافضةً الذهاب إليه.
انفجرت الضحكات في أرجاء الصالون.
أما مراد، فتظاهر بالحزن وهو يقول:
مراد: يبدو أنني خسرت المنافسة.
ضحكت عائشة، ثم التفتت إليه قائلة:
عائشة: حتى هذه الصغيرة أصبحت تنفر منك، لأنك لا تلاعبها كما يفعل باران.
ثم أضافت مازحة:
عائشة: لا أدري ماذا ستفعل بأبنائك حين تتزوج!.
ضحك مراد وقال وهو يهز كتفيه:
مراد: سيحبونني رغمًا عنهم.
ابتسم باران لأول مرة منذ الصباح ابتسامةً صادقة، وقال:
باران: لا تقلقي يا أمي... عندما يصبح أبًا، سيتغير كل شيء.
نظر إليه مراد ضاحكًا:
مراد: ومن أخبرك بذلك؟.
أجاب باران مبتسمًا:
باران: لأن الأمر حين يتعلق بالأبناء، يصبح القلب هو الذي يتصرف، لا الطباع.
هزت عائشة رأسها وهي تبتسم، ثم قالت:
عائشة: أشك في ذلك، فهو سريع الغضب، ويتعصب لأتفه الأسباب،
قهقه الجميع.
أما عزت، فقد اعتدل في جلسته وقال بهدوء الحكيم الذي يتحدث عن تجربة:
عزت: لا تستعجلي الحكم عليه يا عائشة.
ثم ابتسم وهو ينظر إلى مراد.
عزت: أتذكرين كيف كنتُ أنا؟.
رفعت حاجبيها وقالت:
عائشة: وكيف أنسى؟.
ضحك عزت، ثم تابع:
عزت: لم أكن أحب ملاعبة الأطفال أصلًا، بل كنت أهرب منهم كلما سنحت لي الفرصة.
ثم نظر إلى ولديه وقال:
عزت: لكن عندما رزقني الله بكم، تغير كل شيء.
ساد الصمت، وأكمل بصوتٍ هادئ.
عزت: شعور الأبوة لا يمكن وصفه... إنه يوقظ في الرجل جانبًا لم يكن يعلم بوجوده.
ثم التفت إلى عائشة مبتسمًا:
عزت: أما أنتن، فالله سبحانه وتعالى أودع في قلوبكن حنان الأمومة منذ الصغر.
وأشار إلى ملك، وقال:
عزت: انظري إليها... حتى وهي طفلة، تعامل دميتها وكأنها ابنتها، تطعمها، وتغطيها، وتعاتب من يقترب منها.
ثم أشار إلى مراد وباران ضاحكًا:
عزت: أما الأولاد، فمعظم ألعابهم قتال، وسيارات، وتسلق، ومغامرات، وحتى لعبهم لا يخلو من شيءٍ من الخشونة.
تعالت الضحكات مرةً أخرى، حتى ملك نفسها بدأت تضحك دون أن تدرك سبب ضحك الجميع.
نظر إليها باران، وأخذ يداعبها قليلًا، ثم قبل رأسها بحنان، قبل أن يحملها نحو والدته.
وقال وهو يناولها إياها:
باران: تفضلي يا أمي... يبدو أن هذه الأميرة نسيت أن خالها يحتاج إلى بعض الراحة.
تشبثت ملك بقميصه لحظة، ثم رضخت حين احتضنتها جدتها.
نهض باران من مكانه، واستأذن الجميع قائلًا:
باران: إذا أذنتم لي، سأذهب إلى غرفتي، أحتاج إلى حمامٍ دافئ، ثم أبدل ثيابي.
ابتسم عزت قائلًا:
عزت: اذهب يا بني، يبدو أن يومك كان طويلًا.
ابتسم باران ابتسامةً هادئة، ثم اتجه نحو الدرج.
لكن ما إن ابتعد عن أنظارهم، حتى تلاشت تلك الابتسامة شيئًا فشيئًا.
دخل غرفته، وأغلق الباب خلفه في هدوء.
أسند ظهره إلى الباب، وأغمض عينيه طويلًا.
ساد الصمت.
لم يعد مضطرًا إلى إخفاء ما يشعر به.
رفع رأسه نحو السقف، وهمس بصوتٍ بالكاد سمعه هو نفسه:
باران: أين أنتِ الآن يا من ملكت قلبي؟.
تردد الاسم بين جدران الغرفة، فارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ شاحبة.
باران: على الأقل... أنا أطلقت عليك اسما الآن في قلبي، وإن كنت لا أعرفه على الحقيقة.
تنهد بحرقة، ثم مرر يده بين خصلات شعره وقال:
باران: ترى... هل أنتِ بخير؟،
هل ما زلتِ غاضبةً مني؟،
أم أنكِ نسيتِ ذلك الشاب الذي لم يفِ بوعده؟.
اقترب من النافذة، وأخذ يحدق في السماء التي اكتست بسواد الليل.
ثم قال بعزمٍ خافت، لكنه صادق:
باران: أقسم أنني لن أتوقف عن البحث.
قد يطول الطريق...
وقد يسخر القدر مني مرةً أخرى...
لكنني لن أسمح أن تكون تلك المصادفة الجميلة آخر ما يجمع بيننا.
وللمرة الأولى منذ عاد إلى المنزل، سمح لدمعةٍ صغيرة أن تفر من عينيه، ثم مسحها سريعًا، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتجه إلى الحمام، علَّ الماء يطفئ شيئًا من النار التي كانت تشتعل بصمتٍ في قلبه.
من جهة أخرى من المدينة...
خرجت ديلان من المستشفى برفقة أخويها الصغيرين، تتقدمها كريمة وإلى جوارها مريم، كانت تسير بخطواتٍ هادئة، بينما يمسك أحمد بيدها اليمنى، ويتعلق عمر بيدها اليسرى، وكأنهما يخشيان أن تفلت منهما كما أفلتت منهما والدتهما حين دخلت غرفة العمليات.
لم يكن في قلب ديلان ما يطمئنها، لكنها كانت تحاول أن تبدو قوية أمام أخويها، حتى لا يزداد خوفهما، وبين الحين والآخر كانت تنظر إليهما، فتبتسم ابتسامةً باهتة، ثم تربت على رأسيهما بحنان.
استقل الجميع سيارة أجرة، وانطلقت بهم نحو منزل ديلان.
وحين وصلوا، أخرجت ديلان المفتاح بيدٍ مرتجفة، ثم فتحت الباب ببطء.
ما إن وطئت قدماها المنزل حتى اجتاحها شعورٌ غريب، كان المكان هادئًا على غير عادته، موحشًا، كأن الحياة قد غادرته برحيل أمينة عنه.
جالت بعينيها في أرجاء البيت، فتوقفت عند المطبخ.
هناك...
في ذلك الركن تحديدًا...
عادت إليها الذكرى بكل تفاصيلها،
رأت في خيالها كاظم وهو يحاصرها، وسمعت صوته من جديد، وشعرت بالخوف ذاته يتسلل إلى أطرافها.
ارتجف جسدها دون إرادة منها، وشحب وجهها.
انتبهت كريمة إلى ذلك، فاقتربت منها وربتت على كتفها برفق قائلة:
كريمة: لا تخافي يا ابنتي... نحن معك.
تنفست ديلان بعمق، وأومأت برأسها محاولةً طرد تلك الصورة من ذهنها.
ثم قالت بصوتٍ خافت:
ديلان: لن أتأخر... سأجمع بعض الملابس فقط.
دخلت غرفتها، وأخرجت حقيبةً متوسطة الحجم، وبدأت ترتب فيها بعض ثيابها وثياب أخويها، وأضافت إليها ما يحتاجونه من مستلزماتٍ بسيطة تكفيهم لأيامٍ معدودة.
كانت كل قطعةٍ تضعها في الحقيبة تذكرها بوالدتها.
"هذه هي من اشترتها لي..."
"وهذا القميص كانت أمي تحبه على أحمد..."
شعرت بغصةٍ في حلقها، لكنها تماسكت حتى لا يراها الصغيران تبكي.
لم تمضِ دقائق حتى أغلقت الحقيبة، وألقت نظرةً أخيرة على المنزل.
همست في سرها:
"اللهم احفظ أمي... وأعدها إلينا سالمة."
ثم أغلقت الباب خلفها، وكأنها تغلق معه صفحةً مؤلمة من حياتها.
وصلوا إلى منزل كريمة،
وما إن فتح الباب، حتى استقبلهم زوجها، عبد الله، بابتسامته المعهودة التي تبعث الطمأنينة في النفوس.
فتح ذراعيه مرحبًا وهو يقول:
عبد الله: أهلًا وسهلًا بأبنائنا... نورتُم البيت.
ابتسمت ديلان بخجل، بينما انطلق أحمد وعمر يردان السلام بصوتيهما الطفوليين.
وفي تلك اللحظة، خرج ابن عبد الله فراس من غرفته، وما إن رأى أحمد وعمر حتى أشرق وجهه فرحًا.
أسرع إليهما وهو يقول بحماس:
فراس: أحمد... عمر... تعالا بسرعة، لدي ألعاب جديدة أريد أن أريكما إياها.
نظر الصغيران إلى أختهما يستأذنانها بأعينهما.
ابتسمت ديلان رغم تعبها، وقالت:
ديلان: اذهبا... لكن لا تزعجا أخاكما الصغير كثيرًا.
ضحك الصبي قائلًا:
فراس: لا تقلقي فلن يزعجانني بل سنستمتع كثيرا معا.
تعالت ضحكات الجميع، ثم اصطحبهما إلى غرفته، وأغلق الباب خلفهم، ولم تمضِ لحظات حتى بدأت أصوات ضحكاتهم تصل إلى أرجاء المنزل، وكأن الأطفال وحدهم يملكون تلك القدرة العجيبة على نسيان الأحزان، ولو لساعات.
اقتربت مريم من ديلان، وأمسكت بيدها برفق.
مريم: تعالي... أنتِ بحاجة إلى الراحة أكثر من أي شيء.
لم تعترض ديلان، فقد كانت تشعر بأن جسدها لم يعد يقوى على حمل كل ذلك الإرهاق.
صعدتا إلى غرفة مريم.
وما إن دخلتا حتى جلست ديلان على طرف السرير، وأغمضت عينيها.
همست مريم وهي تجلس بجوارها:
مريم: أتعلمين؟،
اليوم كان من أطول الأيام التي عشتها في حياتي.
ابتسمت ديلان ابتسامةً واهنة.
ديلان: وأنا شعرت وكأن عامًا كاملًا مر عليّ منذ الصباح،
وضعت مريم يدها فوق يد صديقتها.
مريم: انتهى الجزء الأصعب... أنتِ هنا الآن، ولن يستطيع أحد أن يؤذيك.
أخفضت ديلان رأسها، وأغمضت عينيها في صمت، بينما راحت دمعةٌ وحيدة تنحدر على وجنتها.
أما في الطابق السفلي، وبعد أن خلا الصالون من الجميع، جلس عبد الله على الأريكة، وما إن جلست كريمة إلى جواره حتى نظر إليها متعجبًا وقال:
عبد الله: أين كنتما طوال هذا الوقت؟.
ثم أردف وهو ينظر نحو الدرج الذي صعدت إليه الفتاتان:
عبد الله: عدتُ إلى البيت فلم أجدك ولا مريم، مع أنني أعلم أن اليوم يوم راحتك، وليس لديكِ أي دروس.
وسكت لحظةً قبل أن يضيف:
عبد الله: ثم أراكما تعودان ومعكما ديلان وأخواها... لا بد أن أمرًا خطيرًا قد حدث.
كان عبد الله قد عاد قبل قليل من ضيعته، حيث اعتاد أن يزور والديه كلما أتيحت له فرصة، يطمئن عليهما ويقضي معهما بعض الوقت، وفور عودته فوجئ بما رآه.
تنهدت كريمة تنهيدةً طويلة، وأسندت ظهرها إلى الأريكة.
قالت بصوتٍ خافت:
كريمة: إنها قصةٌ طويلة يا عبد الله...
وأنا متعبة الآن أكثر من أن أرويها.
ثم رفعت رأسها نحوه وأضافت:
كريمة: كل ما أستطيع قوله في هذه اللحظة أن أمينة في المستشفى.
انعقد حاجبا عبد الله، وقال بقلق:
عبد الله: في المستشفى؟!.
هزت رأسها بأسى.
عائشة: نعم... لقد فقدت جنينها، واضطر الأطباء إلى إبقائها بضعة أيام حتى تستعيد عافيتها.
أطرق عبد الله رأسه، وتمتم بحزن:
عبد الله: إنا لله وإنا إليه راجعون...
ثم رفع عينيه إليها متسائلًا:
عبد الله: لكن ما علاقة ديلان بكل هذا؟.
تنهدت كريمة بحرقة.
كريمة: لم أستطع أن أتركها في بيتٍ واحد مع ذلك الحقير.
نظر إليها عبد الله باستغراب.
عبد الله: ماذا فعل هذه المرة؟.
سكتت كريمة لحظات، ثم قالت:
كريمة: سأخبرك بكل شيء لاحقًا.
وأشارت بعينيها إلى الطابق العلوي.
كريمة: أخشى أن يصل شيءٌ من حديثنا إلى مسامع ديلان، أو إلى الصغيرين.
خفضت صوتها أكثر، وأردفت:
كريمة: يكفي ما تحملته ديلان اليوم... أما أحمد وعمر فما زالا صغيرين، ولم تعرف قلوبهما بعدُ قسوة الحياة، ولا أريد أن تكون صدمتهما في رجلٍ ظنا يومًا أنه أبٌ صالح لهما.
ساد الصمت.
كان عبد الله يقرأ في وجه زوجته أن الأمر أكبر بكثير مما قالته.
ولم تكن الدموع التي لمعت في عينيها إلا دليلًا على أن الحقيقة أشد قسوةً مما يتخيل.
ربت على يدها بحنان وقال:
عبد الله: حسنًا... لا تتعبي نفسك الآن.
تنهدت، ثم نهضت وهي تقول:
كريمة: سأذهب لأعد العشاء، فالأطفال بحاجة إلى أن يشعروا بأنهم بين أهلهم.
ابتسم لها عبد الله ابتسامةً امتزجت بالتقدير، وهو يتابعها بعينيه حتى اختفت داخل المطبخ.
بقي وحده في الصالون.
تنهد بحرارة، ثم ضرب كفًا بكف، وقال في نفسه:
"إلى متى سيبقى ذلك الرجل يزرع الخوف في قلب تلك المسكينة؟".
أغمض عينيه، واستعاد صورة ديلان وهي تدخل المنزل قبل قليل.
ذلك الشحوب...
وتلك النظرات المكسورة...
لم تكن نظرات فتاةٍ في مقتبل العمر، بل نظرات روحٍ أنهكتها الأيام.
شعر بانقباضٍ يعصر قلبه.
فمنذ وفاة والدها، وهو وزوجته يعدّان ديلان واحدةً من أبنائهما.
بل كم دعا الله، في سجوده، أن يرزقه ابنةً ثانية تكون أختًا لمريم.
ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى أصبحت ديلان تدخل بيته وتخرج منه كابنةٍ لا كضيفة.
كان يفرح لفرحها، ويحزن لحزنها، ويرى فيها تلك الابنة الهادئة المؤدبة التي لم يعرف منها إلا كل خير.
وحين تزوجت أمينة من كاظم، تنفس الصعداء يومها، وقال في نفسه:
"الحمد لله... لعل الله قد بعث لهذه الصغيرة رجلًا يعوضها عن حنان أبيها."
لكن الأيام كشفت له وجهًا آخر لذلك الرجل.
وجهًا امتلأ قسوةً، وأنانيةً، ودناءة.
فكلما مر الوقت، ازداد يقين عبد الله أن كاظم لم يكن يومًا أبًا لديلان، ولا حتى أهلًا لأن يحمل هذا اللقب.
زفر بحرقة، ثم رفع بصره إلى السماء وهمس:
عبد الله: اللهم اشفِ أمينة، وأعدها إلى أولادها سالمة.
ثم أردف بصوتٍ امتزج بالدعاء والعزم:
عبد الله: واحفظ ديلان من كل سوء... فما عادت هذه الفتاة تحتاج إلى الشفقة، بقدر ما تحتاج إلى من يقف بجوارها، حتى لا تنكسر أمام قسوة الحياة.
دخل باران غرفته بخطواتٍ مثقلة، ثم أوصد الباب خلفه في هدوء، وكأنه أراد أن يعزل نفسه عن العالم بأسره، أسند ظهره إلى الباب وأغمض عينيه طويلًا، ثم أطلق زفرةً عميقة خرجت من أعماق صدره، زفرة رجلٍ أنهكه يومٌ طويل من الركض خلف أملٍ لم يبلغه.
رفع يده إلى عنقه وأرخى أزرار قميصه، ثم اتجه إلى الحمام.
ما إن اندفعت المياه الساخنة على كتفيه حتى أغمض عينيه مرةً أخرى، تاركًا قطراتها تنساب فوق وجهه وشعره، وكأنه يتمنى لو استطاعت أن تغسل عن قلبه ذلك الثقل الذي تراكم منذ الصباح.
همس لنفسه بصوتٍ خافت، لم يمتزج سوى بصوت الماء:
باران: ليت الألم يذوب كما يذوب هذا البخار...
مرر يده على وجهه، ثم قال بأسى:
باران: لماذا أشعر وكأنني فقدت شيئًا كان ملكي، مع أنه لم يكن لي يومًا؟.
ساد الصمت، ولم يعد يسمع إلا خرير الماء.
رفع رأسه قليلًا، وأغمض عينيه وهو يستعيد صورتها.
وجهها...
تلك النظرة الهادئة...
خصلات شعرها التي كانت تتحرك مع النسيم...
وصوتها الذي لم يسمعه إلا مراتٍ معدودة، لكنه ما زال يتردد في ذاكرته كأنه لم يغادرها قط.
ابتسم ابتسامةً باهتة.
باران: عجيبٌ أمرك يا باران...
لم تراها ليومٌ واحد...
كنت تراها في لقاءات عابرة...
ثم أصبحتَ عاجزًا عن إخراجها من قلبك.
تنهد بحرارة، ثم أغلق صنبور الماء.
باران: يبدو أنني خسرت معركةً لم تبدأ بعد.
خرج من الحمام مرتديًا ملابس منزلية مريحة، وجفف شعره بمنشفة، ثم ألقى بنفسه على سريره.
أغمض عينيه.
كان يتمنى أن يسرقه النوم سريعًا، ولو لساعاتٍ قليلة، ليريح عقله من ذلك الطوفان الذي لا يهدأ.
لكن الأفكار كانت أسرع من النوم،
كاد يستسلم لها، حتى قطع سكون الغرفة صوت والدته من خلف الباب:
عائشة: باران... إن انتهيت، فتعال يا بني، العشاء جاهز.
اعتدل في جلسته، وأجابها بصوتٍ حاول أن يبدو طبيعيًا:
باران: حاضر يا أمي... سأكون عندكم حالًا.
نهض، وألقى نظرةً أخيرة إلى المرآة.
ابتسم لنفسه ابتسامةً صغيرة، ثم قال:
باران: أخفِ كل شيء...
لا تجعلهم يرون ما في داخلك،
اتجه إلى غرفة الطعام.
جلس في مكانه المعتاد بين أفراد أسرته، يتبادل معهم الأحاديث، ويجيب عن أسئلتهم، ويشاركهم الطعام.
كانت الضحكات تتردد في المكان، بينما كان قلبه في مكانٍ آخر.
كلما انشغل الجميع بحديثٍ ما، كان شروده يسرقه إليها.
"ترى... هل تناولت عشاءها؟"،
"أم أنها ما زالت غاضبةً مني؟"،
"وهل تفكر بي كما أفكر بها؟"،
ثم يهز رأسه في داخله ساخرًا من نفسه.
"بل ربما نسيتني تمامًا..."،
وحين تناديه والدته ليسمع حديثها، يعود إلى الواقع سريعًا، ويرد مبتسمًا، حتى لا يثير قلق أحد.
وبعد العشاء، اجتمعت الأسرة حول فناجين القهوة.
كانت رائحة البن تعبق في المكان، والأحاديث تتنقل بين العمل، وأخبار الأقارب، وخطط الأيام القادمة.
أما باران، فكان يستمع أكثر مما يتحدث.
كان حاضرًا بجسده...
وغائبًا بروحه.
حتى إن عزت سأله مرةً عن رأيه في موضوعٍ كان يدور بينهم، فانتبه على حين غرة، وأجاب مبتسمًا باعتذار:
باران: يبدو أنني سرحت قليلًا.
ضحك الجميع، ولم يلتفت أحد إلى سبب ذلك الشرود.
ومع اقتراب الليل، نهض مراد وقال:
مراد: أستأذنكم، فغدًا يوم عمل طويل.
رد الجميع بتحية المساء، ثم نهض باران هو الآخر.
باران: وأنا أيضًا سأخلد إلى النوم.
ابتسمت عائشة وهي تقول:
عائشة: تصبحان على خير يا أبنائي.
مراد وباران: وأنتم بخير.
دخل باران غرفته من جديد.
أغلق الباب، وأطفأ معظم الأضواء، ولم يُبقِ سوى مصباحٍ صغير فوق مكتبه.
استلقى على فراشه، ووضع إحدى يديه تحت رأسه، بينما بقيت الأخرى فوق صدره،
أخذ يحدق في السقف،
كان الصمت يملأ الغرفة،
لكن داخله...
كان يعج بالضجيج.
همس لنفسه:
باران: أين أنتِ الآن؟،
هل تنظرين إلى السماء نفسها؟،
هل تتذكرين ذلك اليوم؟،
أم أنكِ طويتِ صفحته كما تُطوى صفحات الكتب؟،
تنهد طويلًا.
باران: حتى اسمك...
لا أعرفه، لكنني أشعر وكأنني عرفتك منذ سنوات.
أغمض عينيه.
فظهرت ملامحها أمامه بوضوحٍ عجيب.
فتح عينيه فجأة، واعتدل في جلسته.
ظل صامتًا للحظات،
ثم لمع شيءٌ في عينيه،
وقف دفعةً واحدة، حتى كاد المقعد المجاور يهتز من سرعة حركته.
قال بحماسٍ مفاجئ:
باران: نعم...
هذا ما يجب أن أفعله.
اتجه مسرعًا إلى مكتبه، فتح أحد الأدراج، وأخرج كراسًا جديدًا لم تُخط على صفحاته كلمةٌ واحدة.
ثم تناول قلم الرصاص الذي طالما رافقه في ساعات الرسم.
جلس.
أخذ نفسًا عميقًا، وأغمض عينيه.
بدأ يستدعي ملامحها واحدةً تلو الأخرى.
"العينان..."،
"الأنف..."،
"ابتسامتها الخجولة..."،
"وخصلات الشعر التي داعبها النسيم..."،
فتح عينيه، وانطلقت أنامله فوق الورقة.
لم يكن يرسم...
بل كان يسترجع ذكرى، كل خطٍ يخطه كان يقوده إلى لحظةٍ عاشها معها، وكان قلبه يخفق مع كل لمسةٍ من قلم الرصاص.
مر الوقت...
وهو لا يشعر به، حتى وضع القلم أخيرًا، ثم ابتعد قليلًا عن الورقة،
وأطرق ينظر إليها.
اتسعت عيناه بدهشة،
همس غير مصدق:
باران: سبحان الله...
وكأنها هي.
وكأن الصورة لم تُرسم بقلم، بل التُقطت بعدسة كاميرا، رآها كما رآها في إحدى المرات، جالسةً في هدوء، تضم كتابًا بين يديها.
والنسيم يلاعب خصلات شعرها الكستنائي، التي كانت تتخللها خيوطٌ ذهبية أودعها الخالق فيها، فتزيدها بهاءً وإشراقًا، ظل يحدق في الرسم طويلًا، ثم ابتسم ابتسامةً دافئة.
باران: هكذا لا تستطيع الأيام أن تسرق ملامحك من ذاكرتي.
قلب الصفحة ببطء، وأخذ نفسًا عميقًا.
ثم قال:
باران: لكن...
هذه المرة سأرسمك كما أتمنى أن أراك، تحرك القلم من جديد،
إلا أن هذه اللوحة لم تكن من الذاكرة وحدها...
بل من أمنيةٍ خبأها قلبه، رسمها وهي تنظر إليه مباشرة، بعينيها الرماديتين اللامعتين، وقد امتلأتا دفئًا.
ورسم على شفتيها المتكرزتين تلك ابتسامةً واسعة، لم يرها في الحقيقة قط، لكنه كان يتمنى أن يكون هو سببها يومًا.
وأضفى على وجنتيها حمرةً رقيقة، تتوسطها غمازتان صغيرتان، بينما انسدل شعرها الكستنائي حول وجهها في نعومة، كإطارٍ يحتضن بدرًا مكتملًا.
وحين انتهى...
ظل يتأمل اللوحة طويلًا، ثم ابتسم ابتسامةً لم يعرفها وجهه منذ أيام.
مد يده يلامس الورقة بأطراف أصابعه، وكأنه يخشى أن تختفي إن أبعد نظره عنها.
وقال هامسًا:
باران: هكذا كنتِ في ذاكرتي...
وهكذا أراكِ في أحلامي.
رفع الكراس بين يديه، وأخذ يحدث الرسمتين كما لو أنهما تسمعانه.
باران: أتدرين؟.
لقد أرهقني البحث عنك اليوم،
لكني سأبحث غدًا أيضًا،
وبعد غد...
وكل يوم، حتى يجمعني الله بك،
ثم ضحك بخفة.
باران: لا تضحكي مني...
أعلم أنني أحدث رسمةً على ورق، لكنكِ بالنسبة إليَّ أقرب إلى الحقيقة من كثيرٍ من الوجوه التي أقابلها كل يوم، ضم الكراس إلى صدره برفق، وكأنه يحتضن أغلى ما يملك.
أغمض عينيه، واستقر على وسادته، بينما بقيت الرسومات بين ذراعيه.
كان قلبه، الذي أثقلته الخيبة طوال النهار، قد وجد أخيرًا شيئًا يواسيه.
لم يكن لقاءً...
ولا حديثًا...
ولا حتى وعدًا، بل مجرد رسمتين حفظ فيهما وجهًا خشي أن تعبث الأيام بتفاصيله.
ولم تمضِ سوى دقائق قليلة، حتى غلبه النعاس.
استرخى جسده، وهدأت أنفاسه شيئًا فشيئًا، بينما ظل الكراس معانقًا صدره، كأنما يخشى، حتى في نومه، أن تضيع منه آخر صورةٍ بقيت له من الفتاة التي استوطنت قلبه قبل أن يعرف اسمها، وسكنت روحه قبل أن يعرف طريقًا يوصل إليها.