رواية ظل بعد ظل الفصل السابع عشر 17 بقلم ياسمين النعيمي

               

رواية ظل بعد ظل الفصل السابع عشر 17 بقلم ياسمين النعيمي


ليلة الاتصال الأخير مرّت ثقيلة عليهم هم الاثنين ...
و هذا صباح اليوم الثالث ...
ريّا كانت متمددة عالسرير، ضامة البطانية لصدرها، و شاشة الموبايل منورة بوجهها من نص ساعة ... 
آخر ظهور لقيس قبل عشر دقايق،
المحادثة مفتوحة ... بس ماكو كلام.
من بعد المكالمة الأخيرة، صار كلشي بينهم محسوب، هو بعده يسأل، يتابع، يهتم ... بس ذاك الدفا اللي كانت تعيش عليه وياه اختفى شوية
و هي؟ ما متعودة تطلبه.
الموبايل ضوّى أخيراً بإشعار رسالة،
- صباح الخير.
- طلعن البنات ؟
قرت الرسالة مرة ... مرتين ...
و انقبض قلبها رغم بساطتها.
قبل أسبوع؟ كان يكتب: صباح الخير حبيبتي ... صباح الخير يا روح قيس ...
و لما ما تصبح عليه يكتب وينج يابا اليوم ما نصبح ؟!
أما هسة ... بس سؤال.
بلعت غصتها و تعمدت ما ترد مباشرة. دخلت الحمام، بدلت، سوت قهوتها ... و بعد تقريباً نص ساعة ردت،
- اي ... طلعن.
تحولت الصحين للون الأزرق فوراً،
يعني منتظر الرد ...
بس ما رد بعدها ...
ظلت صافنة عالمحادثة ... تحاول تقنع نفسها إنه مشغول.
بس تعرفه ... تعرف شلون لمن يريد يسولف وياها، يخلق كلام من لاشي.
و هسة، واضح ديقاوم نفسه وياها.
بالليل ...
رهف كانت نايمة بحضنها عالقنفة، و التلفزيون مشتغل بصوت ناصي ... رغد بغرفتها، و البيت هادئ بصورة توجع.
رن التلفون بإسم قيس.
ضمت رهف لصدرها و ردت بصوت ناصي،
- هلو ...
- هلا ريّا هلا ...
صوته ثقيل ... تعبان ... و رسمي أكثر من المعتاد،
- شلونج ؟!
ردت بهمس،
- الحمد لله ...
- البنات، و البيت، اموركم بخير ؟!
سحبت نفس مقهورة من إسلوبه، و ردت بهمس خافت،
- الحمد لله هم بخير ...
سكت شوية و قال،
- ليش صوتج هيج، بيج شي ؟!
ردت بنفس همسها،
- رهف نايمة بحضني ...
سكت لثواني أخرى و رجع سأل،
- رغد امورها بخير ؟! بالبيت ؟!
هنا سكتت ثواني أكثر،
و انتبه هو فوراً.
- ريّا ؟
- همم ؟
- سألتج على رغد ...
- رغد بخير ...
سكت.
و هي بس تسمع صوت نفسه،
بعدين سأل بهدوء:
- حچت بشي جديد ؟
غمضت عيونها لحظة ... حتى مكالماتهم صارت تدور بنفس الدائرة.
- لا ...
رد بهدوء:
- زين ...
بس "زين" مال قيس هالمرة ما كانت بنبرة راحة ... كانت كلها تفكير.
بيها رجل عقله بعده واقف يم الموضوع نفسه.
حاولت تغير الجو:
- و انت شلونك ؟
سكت ثانيتين قبل لا يرد:
- بخير.
و انتهى الحچي تقريباً.
لا سألها إذا مشتاقتله ... لا قاللها حبيبتي ... لا حتى دلعها بصوته.
و هذا الشي كان يوجعها أكثر من الزعل نفسه.
اليوم اللي بعده ...
كان دوامها مزدحم.
و رغم هذا، كل شوية تفتح التلفون لا إرادياً ... تدور رسالة منه.
الساعة صارت ثنتين الظهر ... و أخيراً ضوّا الموبايل.
- تغديتي ؟
ابتسمت بحزن.
حتى اهتمامه صار مقتصر على الواجب.
ظلت الرسالة مفتوحة أمامها ... و لأول مرة قررت تخليه يحس شوي من اللي ديحسه قلبها.
ما ردت.

مرت ساعة.
رسالة ثانية:
- ريّا ؟
عضت شفتها.
و بعد عشر دقايق كتبت:
- نعم.
انقرت الرسالة مباشرة.
بس ما اجا رد.
مرّت خمس دقايق ... عشرة ...
و فجأة رن التلفون.
ردت بهدوء:
- نعم ؟
إجاها صوته فوراً:
- شنو نعم ؟
- شبيها ؟
تنفست ببطء:
سكت لحظة، و نبرته انخفضت،
- ليش ما تردين ؟
- مشغولة.
- حتى لو مشغولة ... ردي.
هنا وجعتها الجملة.
مو لأنه معصب، بالعكس،
لأن بيها خوف خفيف يحاول يخفيه ورا كلماته.
سكتت ... و هو هم سكت.
بعدين همست:
- انت متغير.
سكون عم بينهم ثواني طويلة.
لدرجة سمعت صوت نفسه يطلع ببطء ...
و أخيراً رد:
- لانّو انقهرت منج ريّا.
كسرة مرت بعيونها بلحظتها،
هاي أول مرة يقولها بصراحة ...
ما زعلان، و ما معصب،
"منقهر".
و الفرق بينهم كبير بقلب رجال مثله.
كمل بصوت ثابت ... بس متعب،
- شلون وصل الموضوع لهينا و اني ما أدري ؟!
شلون ظلّيتي تسمعين سوالفها كل هالمدة و ما حچيتيلي ؟!
غمضت عيونها، و همست:
- لأن ما جنت اريد اكبر الموضوع قبل لا يستاهل.
ضحك ضحكة قصيرة، باردة:
- و هسة يستاهل ؟
ما ردت ...
و هو هم ما ضغط أكثر.
بس رجع سألها مباشرة:
- أكلتي ؟
رفعت عيونها بسرعة، حتى وهو مجروح منها ... قلبه بعده يسأل عليها،
همست:
- لا بعد.
تنهد:
- روحي اكلي أول.
و انتهت المكالمة بهذا البرود ...
ثاني يوم المغرب ...
رهف تريد تحجي وية عمو ... أخذت تلفون ريّا، فتحت اتصال فيديو و ركضت تصور الحديقة.
- عموو شووف، سقيت ورداتك ...
سمعت ضحكته تطلع من قلبه،
ضحكته الحقيقية ... مو قيس الثقيل الرسمي هالايام ...
و قلبها ارتاح فوراً من مجرد سماع صوته.
رهف قلبت الكاميرا عليها فجأة:
- و هاي ريّا زعولة اصير ...
شهقت و صاحت عليها،
- رهففف !!
و هي انهزمت بالتلفون ...
و رجعت ورا دقايق، سادة الفيديو باقي بس الاتصال،
- عمو يكَول جيبي ريّا ...
سحبت نفس و خلت الموبايل على إذنها، و اجاها صوته،
- زعلانة مني ؟
حاولت تتماسك،
- لا.
رد لها،
- لا ؟ 
و واضح من صوته إنه مو مصدق.
سكتت.
و هو تنهد ببطء:
- لا تعامليني مثل الغريب ريّا.
هنا ارتجف قلبها.
لأن هاي أول مرة يبين خوفه الحقيقي.
مو خوف من المشكلة ... خوف منها هي تبعد.
بس حتى بهاللحظة ... ما لان بالكامل.
ما رجع قيس القديم.
ظل حذر و متكلف ... كأنه يخاف إذا رجع طبيعي بسرعة، يخسر قوة موقفه.
و ردت بهدوء،
- انت تريد هيج ...
- انتي هيج تظنين ؟!
- اي ...
آخر ليلة قبل سفره ...
الساعة تجاوزت الوحدة بالليل،
هي كانت متمددة، و النعاس غلبها شوية
رن التلفون.
ردت بصوت منعس:
- هلو ...
سكت ثانيتين.
و بعدها إجاها صوته أخف من كل الأيام اللي راحت:
- نايمة و كَعدتج ؟
غمضت عيونها:
- لا ... بعدني.
تستمر القصة أدناه

سكت لوقت، و مثل كل الاتصالات بينهم هالاسبوع، ساكتين اكثر مما يتكلمون، و يكابر وية كل كلمة يقولها،
بس سأل:
- شتسوين لسا كَاعدة ؟!
ابتسمت بحزن ... واضح يريد يطول الحچي بدون سبب.
- ولا شي.
سكت. بعدين همس بهدوء، مبين التعب بصوته:
- باچر اصلكم العصر ...
و هاي الجملة وحدها ... خلتها تحس إنه كل هالأسبوع كان عبارة عن رجل يحاول يطفي جرحه منها و يكابر ... بدون ما يتركها وحدها.
- توصل بالسلامة.
- الله يسلمج ... 
سحب نفس طويل يقول،
- يلا روحي نامي ...
من الصبح جهزت فطور البنات و أكل رهف الي تاخذه وياها كالعادة، طلعوا للدوام، و طلعت هي ...
خلصت شغلها و توجهت للمطار ...
المطار كان مزدحم ... أصوات عربانات، إعلانات الرحلات، و ناس تتنقل بين البوابات.
بس ريّا؟ ما كانت تسمع شي بوضوح.
كل تركيزها على الباب الزجاجي الي يطلع منه المسافرين.
واقفـة بعيد شوية عن الزحمة، لابسة الكوت البيجي الطويل، و شعرها مرفوع ذيل حصان ... إيدها ماسكة موبايلها بقوة زيادة عن اللزوم.
و قلبها ... يدق بصورة متعبة.
أسبوع كامل و هم يحچون ببرود عن قبل ...
هو ما قسى، بس صار أبعد ... أهدأ ... كل كلمة يقولها تكون محسوبة.
حتى اشتياقه ... كان يخفيه و يرويه بطريقة غير مباشرة.
و لهذا السبب تحديداً، هسة وهي تنتظره، ما تعرف شلون تستقبله ... تركض تحضنه ؟ تبقى هادئة ؟ تزعل ؟ تعتذر ؟
و قطع سلسلة أفكارها طلته ...
طلع من الباب بخطواته الثقيلة الهادئة المعتادة ... لابس كوت الأسود، جنطته ساحبها وراه، و ملامحه مرهقة من السفر.
بس أول ما وقعت عيونه عليها ... وقف.
مو توقف كامل، بس تباطأت خطواته التباطؤ اللي يصير لمن تشوف الشاغل بالك كل الوقت ...
و هي؟ تباطأت أنفاسها دفعة وحدة.
ظل يباوعلها ثانيتين ... ثلاث ...
و لأول مرة من أسبوع، اختفى البرود من عيونه للحظة.
مشت باتجاهه بسرعة هادئة ...
و أول ما وقفت أمامه، همست:
- الحمدلله على سلامتك ...
صوته طلع غير عن الطبيعي:
- الله يسلمج.
و سكتوا ...
ما كان غير سكوت كلام ... و نظراتهم مليانة حچي متراكم.
عيونها دارت على ملامحه بتعب واضح، كأنها تتأكد صدك رجع.
و هو؟ كان يباوعلها بطريقة أوجعتها.
مو نظرة رجل زعلان فقط، نظرة رجل مشتاق ... و يحاول ما يبين هالشي.
مد إيده حرك جنطته للجهة الثانية و بدون ما يفكر، تقرب خطوة صغيرة منها،
- شلونج ؟
هنا انكسر شي بنفسها ... هي كانت تتمنى يحضنها مثل كل مرة يغيب لأشهر و يلتقون، و هو ببرود يسأل "شلونج"
رفعت عيونها إله، و حاولت تبتسم:
- زينة.
بس صوتها فضحها.
هو صفن بيها كم ثانية ... و واضح ديقرا الكسرة الي بوجهها.
هز راسه ببطء، و فجأة مد إيده ... رتب خصلة شعر طايرة على خدها.
الحركة طلعت تلقائية منه ... لدرجة هو نفسه انتبه بعدها بثانية.
سحب إيده بسرعة خفيفة، كأنه رجع تذكر الزعل بينهم.
و هاي الحركة وحدها وجعتها أكثر.
نزلت عيونها فوراً، و همست:
- بعدك زعلان ؟
تنهد بأنفاس متعبة ...
دار وجهه شوية بعيد عنها، و رجع لها:
- منج ؟ 
سكت، و كمل بصدق موجوع،
- اي.

انقبض قلبها.
بس قبل لا تحچي ... كمل هو بهدوء:
- هسع مو وكته، نحجي جثير بعدين ...
ثواني صمت مرت ... 
و تحرك يمشي باتجاه الموقف.
و هي مشت وراه.
حتى مشيتهم يم بعض كانت غريبة ... مو بعاد، بس مو بقربهم المعتاد.
وصلوا للسيارة و بدون ما يلتفت و بصمت، طلعت هي المفتاح مدته إله، و أخذه بتلقائية كأنه كان منتظره.
بالسيارة ...
رجع الكرسي شوية لورا، تنهد تنهيدة طويلة، و شغل السيارة.
- شلون البنات ؟
جاوبته بهدوء:
- زينين.
- رهف بعدها تعذبج ؟
- اي ... 
هز راسه بهدوء،
- و رغد ؟
هنا توتر جسمها شوية، بس حاولت تبين طبيعية:
- زينة.
سكت عن الكلام، و طول الطريق يسوق بصمت غريب بينهم، 
لا "مشتاقلج"، لا "حبيبتي"، لا حتى نظرات طويلة مثل قبل.
و هاي المسافة كسرت قلبها أكثر من أي عتاب مباشر.
بقت مستندة براسها للشباك الي بجنبها منكمشة على نفسها بالطريق الي طال هواية هالمرة ...
لمن وصلوا البيت ...
رهف أول وحدة ركضت عليه.
- عموووو !
و أخيراً ... أخيراً لان وجهه بالكامل.
انحنى فوراً شالها، و دفن وجهه برقبتها ثواني،
- اووف يا يابا شكثر حلوة ...
ضحكت رهف بصوت عالي:
- I miss youuu ...
و هو باس خدها:
- و اني أكثر حبيبتي ...
رغد كانت واقفة بالمطبخ، ملامحها متوترة من وجوده. بس أول ما شافته، ابتسمتله بخجل،
- الحمدلله على سلامتك.
هز راسه بهدوء:
- الله يسلمج بنيتي، شلونج ؟!
- بخير الحمد لله ...
- عساج بخير ...
بدلوا و رغد مجهزة الغدا ...
و كَعد على الغدا وياهم.
هادئ هالمرة، ثقيل، و واضح التعب بعيونه.
بس رغم هذا ... ظل مركز ويا رهف أغلب الوقت.
يسألها عن الروضة، عن لعبها، عن آدم و روزي جيرانهم.
حتى رغد ارتاحت شوية لأن انتباهه مو وياهم بالمباشر ...
أما ريّا ... فكانت تحاول تبين طبيعية.
تقرب الأكل، تسأله إذا يريد شي ... و ترد بهدوء.
بس قلبها ... كان يذبل شوية شوية من بروده.
و هو؟ واضح منتبه.
منتبه لصوتها الهادئ جداً ... لنظراتها اللي تتهرب منه. حتى لما بإسلوبها ما عادت تتدلل عليه.
بس بعده متماسك ...
بعد الغدا ...
التفت لرغد،
- تعيشين رغودة ... خوش غدا ...
و هي ابتسمت،
- بالعافية ...
تنهد و مسد رقبته بإيده.
- اني اروح ارتاح شواي ... راسي يفتر.
هزوا راسهم كلهم.
توجه للغرفة بهدوء، و أول ما اختفى ...
حست ريّا نفسها بعد ما تقدر تكابر أكثر.
ابتسمت للبنات بصعوبة.
- رغودة راسي يوجعني، اروح انام شوية ...
وقفتها تسأل،
- نوبة صداع ؟!
- لالا ... دايخة جان يوم طويل.
و صعدت لغرفتها بسرعة هادئة.
أول ما سدت الباب ... انهارت.
دموعها نزلت فوراً ... بدون صوت، بدون حتى شهقة.
ظلت تبچي حاضنة المخدة ... 
وجع أسبوع كامل، ظنته يداويه بحضن واحد اليوم ...
و هو جاي ببرود، و مسافات ... 
كانت تريد منه يشتاقلها ... يعصب ... يعاتب ... أي شي ...
إلا هذا البعد الصامت ...

و من كثر التعب ... نامت و دموعها مغرقة المخدة.
لمن فتحت عيونها ...
الدنيا كانت مظلمة تقريباً.
و الألم ... يضرب برأسها بصورة مدمرة.
شقيقة ...
غمضت عيونها بسرعة من قوة النبض براسها، حتى الضوا الخافت وجعها ...
تحس معدتها تقلب ... و جسمها ثقيل بصورة مرعبة.
بصعوبة مدت إيدها للجرار، أخذت الدوا و شربته بدون ما حتى تعدل جلستها ...
بس الألم بقى ...
لفت نفسها بالبطانية أكثر ... و قررت تبقى بغرفتها.
جزء منها صدكَ تعبان ... و الجزء الثاني ما عنده قدرة يشوف قيس و يتحمل بعد هالمسافة.
صار المغرب.
و الباب انفتح شوية شوية.
- ريّاا ؟
رهف هذه ...
رفعت راسها بصعوبة، الطفلة تقربت بسرعة و تسلقت السرير يمها،
- ليش نايمة لهسة ؟!
همست بعيون مغمضات:
- رهوفة ... ماما عندها صداع.
انقبض وجه رهف فوراً.
- واوا هواية ؟!
هزت راسها بصعوبة.
ظلت رهف تباوعلها بفضول طفولي حزين ... تمسد شعرها، خدها، حتى همست:
- أجيب لج دوا ؟!
ابتسمت ريّا غصب عنها رغم الألم.
- لا حبيبتي أخذته ... بس خليني انام شوية.
رهف ظلت صافنة بوجهها الشاحب، و لأول مرة تخاف هيچ.
دنكت باستها بوسة صغيرة على خدها.
- زين ... ارتاحي.
و نزلت.
تقريباً بعد ساعة ...
سمعت طرقات متتابعة عالباب.
مو خفيفة مثل رهف.
ثقيلة ... سريعة شوية،
عدلت نفسها بصعوبة، حتى فتح عيونها كان صعب،
- ادخل ...
انفتح الباب.
قيس ...
واقف يم الباب، و أول ما شافها ... تغيرت ملامح وجهه بالكامل.
كلشي هبط بملامحه دفعة وحدة.
على ما يبدو شكلها كان يثير الشفقة هواية ...
وجهها شاحب ... عيونها مورمة من البجي، و حتى فتحة عيونها كان مؤلمة ...
تقرب بسرعة،
- شبيج ؟!
حاولت تعدل وضعها،
- ما بية ... بس صداع.
بس صوتها المكسور فضحها أكثر.
وصل يمها بسرعة و أول ما لمس جبينها، حس بحرارتها الخفيفة و ارتخاء جسمها.
- هاي محد شافج هيچ لسا ؟! من يمتى ؟!
غمضت عيونها من الألم.
- لا تصيح ... راسي ...
و هنا ... انكسرت آخر ذرة تماسك عنده.
كل زعله ... كل بروده ... كل العتب اللي شايله من اسبوع كامل ...
ذاب أول ما شافها بهالحالة.
كَعد فوراً يمها عالسرير، و بصوت ناصي كله خوف همس،
- شكثر باچية انتي ؟!
و مجرد ما سمعت نبرته رجعت لها ... انهارت.
دموعها نزلت فوراً غصب عنها ... و همست بصعوبة:
- راسي يوجعني ...
انقبض قلبه بقوة،
لأن هاي مو شكوى من ألم راسها ... هاي من وجع قلبها ...
مد إيده فوراً سحبها إله بحذر، حتى لا يزيد ألم رأسها، و ضمها لصدره بلهفة ...
دفن وجهه بشعرها و همس يم اذنها،
- ليش هيجي ليش ؟!!
شهقتها طلعت ضعيفة ... و إيدها تشبثت بقميصه فوراً، كأنها طول هالأسبوع كانت تمنع نفسها مجبورة.
و هو ظل حاضنها ... يمسد على شعرها ببطء، كأنه يحاول يعتذر بدون ما يقول كلمة اعتذار وحدة.

بعدين بعدها عنه شوية حتى يشوف وجهها ... إبهامه مسح دموعها بحذر:
- ليش ما گلتي ؟
همست بعيون شبه مغمضات:
- لأنه ما يهمك ...
غمض عيونه لحظة ... و لأول مرة من رجع، بين عليه الندم الحقيقي.
مال على جبينها، باسه ببطء بوسة طويلة ... و همس بصوت تعبان،
- شلون ما يهمني ؟!
ظل جبينه ملاصق لجبينها ثواني طويلة ...
و إيده بعدها على خدها، كأنه يخاف تبعد إذا شالها.
ريّا كانت مغمضة عيونها، نفسها متقطع من البجي و الصداع، و جسمها كله مرتخي من التعب ... هو تأملها بصمت ... و قلبه وجعه عليها ...
شلون ما انتبه ؟ شلون خلّى زعله يطول هاي الأيام كلها و هي دا تذبل كَدامه يوم بعد يوم ؟!
سحب نفس بطيء ... و نبرته صارت همس من كَد ما بيها حنان،
- صار شكثر راسج يوجعج ؟!
همست:
- من كَعدت هسة ...
- و الدوا ؟
- أخذت ...
هز راسه بخفة ... بعدين بدون ما يحچي، مد إيده سحب البطانية، و نهض بسرعة كأنه يهرب و يفسح لها المجال تتمدد ...
مستندة لظهر السرير هي و فتحت عيونها نص فتحة بتعب،
- وين ...؟
التفت فوراً:
- لا تتحركين ... هسة ارد.
نزل بسرعة ... و لأول مرة من رجع ... كان وجهه فعلاً متوتر.
جاب جهاز الضغط، و أخذ وياه مي بارد و قطع ثلج، و منشفة صغيرة ... حتى رهف ركضت وراه بقلق:
- عمو شبيها ماما ؟!
نزل لمستواها بسرعة رغم استعجاله، و مسد شعرها:
- صداع شوي حبيبتي، هسة تصير زينة.
اجتي تلحقه و ما يريدها تشوف ريّا هيج، اجتي رغد تسأل و أشر لها تبقى وية رهف،
- شبيها ريا ؟ وجهك يخوف ...
و هو رد مستعجل،
- مصخنة شوي وية الشقيقة، ظلي يم اختج لا تخاف ...
و صعد للغرفة بسرعة،
لمن دخل، لكَاها متمددة ... و هالمرة حاضنة المخدة بقوة و ملامحها متشنجة من الألم.
قلبه انقبض لمنظرها ...
تقرب فوراً، كَعد يمها، و مد إيده يرفعها شوية:
- تعالي أقيس ضغطج.
فتحت عيونها بصعوبة:
- قيس ... ما محتاجة ...
- هسه اني اكَول شنو تحتاجين.
مو بعصبية قالها بس بذاك الحزم اللي يطلع منه لمن يخاف.
لف الجهاز على إيدها بهدوء، و هو يباوع بوجهها أكثر من الجهاز نفسه ... و لمن طلع الضغط متخفض شوية، زفر نفسه ببطء.
- يمتى اخر وجبة اكلتيها زين ؟!
سكتت.
رفع عيونه إلها مباشرة:
- ريّا ... انتي ما تغديتي، يمتى اخر مرة ماكلة ؟!
همست بتعب:
- الصبح ...
غمض عيونه لحظة ... طبعاً ... تبچي، ما تاكل، و تطلع للشغل و ترجع تنام بهالوجع وحدها.
حط الجهاز يمه، و قرب المنشفة الصغيرة الباردة على جبينها بحذر، و هو يسمي بإسم الله ... أول ما لمستها البرودة، تنهدت متألمة رغم عنها.
و هو ... ظل إيده ثابتة على راسها، يمسد بخفة، ببطء ... كأنه يحاول يسحب الألم بإيده.
- ليش تسوين بروحج هيچ ؟
همست بعيون مغمضات:
- حاولت اتحمل لوحدي ...
ضحك ضحكة قصيرة كلها قهر:
- و هاي شنو برأيج؟ شكلج طبيعي هيج ؟
فتحت عيونها عليه شوية ... و لأول مرة من رجع ... شافت نفس قيس مالها ... مو البارد، ولا الزعلان ... قيس اللي يخاف عليها بطريقة تفضحه مهما حاول يخفيها.

إيده نزلت لخدها ... إبهامه مرّره تحت عيونها المورمة من البجي.
- هالعيون مورمة من البجي ... و تكَولين صداع و اتحمله لوحدي.
انكسرت ملامحها فوراً، و همست بصوت متعب:
- مشتاقتلك ...
هاي الجملة وحدها كفت.
حس كأنه أحد ضربه بقلبه.
نزل عيونه بسرعة، و سحب نفس طويل يحاول يسيطر على نفسه ... 
عدلت جلستها بهالأثناء و التفت مال عليها، حضنها مرّة ثانية ... بس حضن أهدأ و أعمق.
إيده خلف راسها، و الثانية تضمها من ظهرها بحذر حتى لا يوجعها شي ...
- و اني شحالي هالاسبوع كله برأيج ؟ ما مشتاكَلج مثلاً ؟!
شهقت تهمس،
- بس عفتني و ظليت بعيد ...
غمض عيونه، و همس يم إذنها،
- و تظنين هذا لانّي ما أريدج ؟!!
سكتت، بس دموعها رجعت تنزل بصمت.
هو حس بيها فوراً ... بعدها عنه شوية و تنهد:
- لا تبجين ... راسج راح يطكَ ...
مسح دموعها بأصابعه، و شال الدوا يتأكد منه،
- هذا الدوا الاخذتيه ؟!
هزت راسها تأكد له ...
بعدين مد ايده إلها:
- تعالي هين ...
باوعتله بعدم فهم، فسحبها بلطف لما صارت مستندة على صدره، ظهرها عليه و راسها بين رقبته و كتفه.
- هيچ احسن حتى يخف الضغط عن راسج.
و فعلاً ... أول ما استقرت بهالحضن، جسمها كله لان. كأنها هم اسبوع بدأت تفرغه ...
هو ظل ساكت ... بس أصابعه تمسد على شعرها ببطء ثابت، كل شوية يبوس راسها ... جبينها ... أو حتى عيونها المغمضة.
بعد دقائق همس:
- أجيب لج شي تاكليه ؟
هزت راسها بالنفي.
- لازم تاكلين شوي.
- ما أكَدر، معدتي ...
فكر ثواني، بعدين قال:
- زين ... شوربة ؟ لو أسويلج بابنّج خفيف يريح اعصابج ...
رفعت عيونها إله بتعب:
- بس ابقى يمّي ...
هنا ... ذاب آخر شي بداخله.
ابتسم ابتسامة صغيرة موجوعة، و باس طرف عينها بحنان،
- أظل يمج يا روحي، وين اروح و انتي هيج ؟!
سكتت ... و بعد لحظات همست بخجل طفولي رغم تعبها،
- بعدك زعلان ؟
تنهد ببطء، و سند خده على شعرها.
- مو كثر ما أخاف عليج ...
لفت إيدها الضعيفة على قميصه أكثر، و هو مباشرة حاوطها أكثر.
- خلص بعد ... لا تفكرين بأي شي الليلة، لا رغد، لا زعل، ولا أي موضوع ... هسة بس ارتاحي.
سكت لحظة ... بعدين طبع بوسة طويلة على جبينها، و همس:
- إذا رديتي تبجين لوحّدج مرّة الاخرى ... أزعل صدكَ هالمرة.
ظهره لظهر السرير جالس هو و ظلت مستندة عليه ... راسها بين كتفه و رقبته، و أنفاسها بالبداية متقطعة من البجي و الألم.
و هو ما تكلم بعد أبد.
بس ظل حاضنها بهالهدوء الثقيل اللي يشبه الأمان أكثر من أي كلام. 
إيده تمسد شعرها ببطء ... مرة على خصلاتها، و مرة على ظهرها، و كل شوية يحس جسمها يرتجف بخفة من الألم أو التعب، فيضمها أقرب بدون ما ينتبه حتى لنفسه.
الغرفة كانت ساكتة تماماً. ماكو غير صوت نفسها المتعب ... و دقات قلبه الثابتة تحت خدها.
و شوية شوية ... بدأ نفسها يهدأ.
شهقاتها اختفت ... إيدها اللي كانت قابضة قميصه بقوة، ارتخت بالتدريج ... حتى جسمها ... ذاك التشنج اللي بيه من أول ما إجى، بدأ يلين بين إيديه.

هو نزل عيونه إلها ... ملامحها رغم التعب بعدها جميلة بطريقة توجعه ... عيونها مورمة من البجي، و خدودها محمرّة شوية من الصداع، و مع هذا ... أول ما هدت بحضنه، رجعت تشبه ريّا اللي يعرفها.
مال ببطء ... و باس شعرها بتمهل.
- شكثر ماخذة روحي انتي ...!!
همسه ما طلع واضح، مجرد صوت ناعس متداخل ويّة نفسها، بس حس بيها تقترب أكثر لا إرادياً.
ابتسم بحزن لحالها.
ظلوا هيچ يمكن نص ساعة... هو بنفس مكانه، ظهره مستند للسرير، و هي فوق صدره كأنها أخيراً لكَت مكان ترتاح بيه.
لحد ما حس نفسها صار أعمق، أهدأ، و جسمها بالكامل ارتخى بثقل النومة.
رفع عيونه للسقف و زفر نفسه بهدوء ... و أخيراً حاول يتحرك شوية حتى يعدل جسمها و ترتاح اكثر ...
بس أول ما بعد جسمه سنتيمترات بسيطة ... أصابعها تشبثت بقميصه فوراً.
مو بوعي كامل، بين الصحوة و الإغفاءة.
و همست بصوت ضعيف جداً:
- قيس ...
توقف فوراً.
رجع لمكانه مباشرة:
- همم ... هين اني ...
هدأت مرة ثانية ... بس أصابعها بقت ماسكة قميصه كأنها خايفة يختفي إذا تركته.
ابتسم غصباً عنه ... و بحذر شديد، مد إيده يرتب شعرها المبعثر على وجهها و يتمتم،
- شلون اخليج هسة !!
ظل دقايق بعدها لما تأكد إنها دخلت بنومة أعمق ... بعدين، و بكل هدوء الدنيا، بدأ يعدل نومتها.
سحب المخدة ورا راسها، و نزّلها ببطء لما تمددت عالسرير بدون ما تحس ... حتى لمن عبست ملامحها من الحركة، إيده فوراً رجعت على شعرها تهديها.
- شش ... نامي اني هين ...
غطاها عدل باللحاف. لفه عليها من جهة كتفها لأن يعرفها تبرد بسرعة لمن تتمرض.
و قبل لا يبتعد ... وقف يتأملها ثواني طويلة.
هاي نفسها البنية اللي قبل كم ساعة كان يحاول يطول زعلته منها ... و هسة ؟ هسة بس شاف مرضها و ضعفها كأن ما شال بقلبه زعل عليها أبد ...
مال عليها بهدوء ... و طبع بوسة طويلة دافية على جبينها.
- نامي زين يا روحي ... 
إيده مسدت خدها بخفة.
و كأن جسمها سمعه حتى وهي نايمة ... أنفاسها انتظمت أكثر، و ملامحها ارتخت أخيراً.
و هي ... استسلمت بالكامل لتعبها، و للأمان اللي رجعلها أول ما رجع حضنه.
الصبح نزلت ريّا بهدوء ...
لابسة ملابس دوامها، شعرها مربوط بطريقة رسمية، و ملامحها بعدها تعبانة شوية من نوبة الأمس ... مو نفس الشحوب المرعب ... بس واضح جسمها بعدها مرهق.
أول ما وصلت آخر الدرج، انتبهت إنه البيت هادئ أكثر من المعتاد، رهف و رغد طالعين ... 
و هذا صار روتينها من قيس موجود ...
دخلت بخطوات مترددة ... و لكَته هناك.
واقف يم الطباخ، لابس تيشيرت غامق و بنطلون رياضي، واضح هو اللي مطلع البنات و مرتب كلشي.
و مسوي لها مخلمة ...
رفع عيونه عليها مباشرة ... و بنفس اللحظة انتبه لترددها.
هاي أول مرة بعد زعلهم تنزل و تبقى واقفة هيچ ... لا تجي يمه، لا تتدلل عليه مثل عادتها ...
انقبض قلبه من ترددها هذا ...
طفى النار و تقرب هو،
- شلونج اليوم ؟
صوته هادئ ... هادئ بصورة ذوبت كل دفاعها تقريباً.
رفعت عيونها إله بحذر، و أول ما شافت نظرة الأمان بعينه ... حست كل ذاك التردد ينهار شوية شوية.
- أحسن.

مد إيده بدون تفكير، حط ظاهر كفه على جبينها،
- بعدو راسج حار ...
همست بسرعة:
- لا عادي ... بس الصداع تعبني.
ظل يباوعلها ثواني، و هي ما تقدر تبعد عيونها عنه رغم الزعل اللي بعدها شايلته بقلبها.
- تكَدرين تروحين للشغل ؟
هزت راسها بهدوء:
- إي ... اليوم دوامي خفيف بالجامعة.
أومأ بهدوء ... بعدين سحب لها الكرسي،
- أكَعدي اكلي اول، من البارحة على لحم بطنج ...
كَعدت ... و سكتت.
هو صبّلها الشاي، و قرب لها الطاوة، و ظل يسولف سوالف بسيطة عن رهف و شنو سوت ... و هي ترد بكلمات قصيرة.
مو لأنها زعلانة بس ... لأنها بعدها خايفة.
خايفة إذا رجعت طبيعية وياه ... يرجع يبتعد مرة ثانية.
و هو منتبه لهالشي.
منتبه شكَد صارت تحسب لكل حركة و كلمة وياه ... و شكَد هذا شي جديد عليها.
بعد كم دقيقة سألها فجأة:
- شوكت تخلصين اليوم ؟!
رفعت عيونها إله:
- من وكت، تقريباً بالوحدة ...
تنهد و سألها،
- يعجبج نطلع مكان كَبل جية البنات ؟!
صفنت متفاجأة، بس سرعان ما هزت راسها،
- اي عادي ...
و لأول مرة من أيام ... رجع الدفئ الهادئ بعيونها.
و قبل الساعة وحدة كان أمام بوابة الجامعة ينتظرها،
أول ما ركبت يمه، التفتلها:
- وين تحبين نروح ؟!
فكرت شوية ... بعدين ردت:
- أكو كافيه قريب ... بي جلسة خارجية حلوة.
هز راسه:
- يلا.
الكافيه كان هادئ ... شمس الظهر كانت دافية، بس نسمة هوا بارد منتشرة بالمكان ...
كَعدوا برا ... طاولة صغيرة بعيدة عن الناس.
- شتاكلين ؟!
و هي ردت بصدق،
- شبعانة ...
و هو ما ضغط عليها،
- براحتج اطلبي التردينو ...
رفعت المينيو تقولّه،
- هذولة عندهم أساي طيب كلش ...
- مو بارد عليج ؟!
و ردت بلا مبالاة،
- اني اريد شي يبرد راسي ...
وصلته الرسالة ... و ابتسم لها، خلاها تختار و لما سألته قاللها،
- اختاريلي انتي ...
سوا الطلب هو و تلفت للمكان، كله زرع أخضر و ورود و طبيعة تجنن، سألها،
- زين سألتج، تعَرفين اماكن حلوة احسن مني ...
ابتسمت تقول،
- قليل اطلع بس من اطلع لازم مكان يفتح النفس ...
سكتت و كملت،
- رهوفات اذا عرفت جايين لهنا بدونها اليوم ما ننام بالبيت ...
و بسيرة رهف شع كل الدفئ من عيونه يقول،
- نجيبها نجيبها، بس اهم شي اختها هسة.
ابتسمت، تعرف إنه دا يمهد حتى يسولف وياها، عنهم ...
سند ظهره للكرسي، و باوعلها مباشرة:
- أدري موقفي أذاج.
نزلت عيونها فوراً.
- بس هم اني تأذيت.
سكتت.
و كمل بهدوء ثقيل:
- جن خذلتيني و اني ثقتي بيج عمية ريّا ... كلشي بالبيت تحچيه بالتفاصيل ... إلا هذا الموضوع تعمدتي تخفيه.
رفعت عيونها ببطء، و همست:
- ما جان اكو شي أكيد.
- بس انتي جان عندج خبر بكل شي.
سكتت ... لأنه صح.
تنهدت بهدوء:
- ما جنت اعرف شلون افاتحك ... ما أعرف شنو نظرتك لهالسوالف أصلاً ... و خفت تاخذ نظرة مو زينة عن رغد.
هنا هز راسه مباشرة،
- ريّا حبيبتي ... اني مو بموضع حكم.
نبرته كانت ثابتة ... هادئة ... و بيها رجولة مطمئنة أكثر من العصبية.

- ما جيت اكَول هاي لبست و هاي طلعت و ذيج حبت و سوت جريمة ... هاي الأمور تصير ... و الناس تتعلق و تحب.
سكت لحظة ... بعدين كمل:
- بس اكو قانون لكل شي ... اكو أصول ... لمن عرف، أعرف حتى احميها.
ظلت تسمعه بصمت،
- انتي لا التقيتي بيه، لا عرفتيه، و اني احترم هالشي ... تصرفج بأصلج ... بس مو صح الوضع يصل للخطوبة و زلمةٍ ال بالبيت ما يدري ...
و رفع حاجبه ينبهها،
- دحجي هذا حجيي مو مال لو يم اهلنا ... يم اهلنا الاوادم غير، و هين الاوادم غير ... هين ناس غرب ما نعَرف اصلهم من فصلهم ...
بلعت غصتها.
- شتسوي لو عرفت من الاول ؟!
- لو جنت أدري من البداية ... چان طلبت اشوفه برا البيت، بعيد عن كل عين ... بلا ما هي تدري أصلاً ... أفهم شنو معدنه من البداية كَبل لا تتعلق البنية و لا سامح الله يطلع مو خوش ادمي ...
سكتت ثواني ... بعدين همست بتعب:
- اني تصرفت بأكثر طريقة أعرفها مناسبة ... ظليت وياها خطوة بخطوة حتى ما أخسرها ... و فوكَ هذا كله، انت ضايج و خربطت حياتي كلها ...
رفعت عيونها إله أخيراً،
- تعتقد سهل علية أكون ببلد ... و اختي ببلد ثاني يبعد أكثر من عشر ساعات سفر ؟
لان وجهه فوراً.
و لأول مرة حس بالثقل الحقيقي الي عليها،
- اني مو بس خايفة من رائد ... خايفة اخسر أختي وية تغيير حياتنا الي ممكن يصير ...
همست بهدوء:
- اعتبرني ما عرفت اتصرف ... بس انت تصرف احسن مني، بس لا تخليني أخسرها.
ظل يباوعلها كم ثانية ... بعدين مد إيده أخذ كفها بهدوء.
لا تخافين ... ما نخسر رغودة ...
هنا لأول مرة أنفاسها ارتخت شوية،
تنهدت ... و بدت تدخل بالتفاصيل فعلاً،
- هو مو شخص سيء قيس ... بس أحسه اتكالي شوية.
رفع حاجبه:
- شلون؟
- انت عايش هنا و تعرف هالشي أكيد ... هنا هواية شباب، حتى العرب و العراقيين ... بسبب الوضع و غلاء الحياة، يمشون بمبدأ الشراكة بالزواج، شراكة بكل شي ...
ظل يسمعها بتركيز كامل.
- رغد عاجبها الاختلاف ... تحس هذا تطور و استقلالية ... بس هي ما عايشة بهالطريقة حتى تستوعب ضغطها النفسي عليها بعدين.
سكتت لحظة و كملت:
- هي عايشة مدللة ... و متحمسة تكتشف غير حياة.
أومأ لها، و هي كملت:
- مرة كَاللها مستحيل يعيش وية مرأة ما تشتغل ... من باب الفخر بنفسه كَالها هيچ.
هنا تبدلت ملامحه مباشرة،
- هذا غلط.
قالها بثبات رجل مقتنع بكلامه.
- هاي فورة شباب و متوهمة بسوالف القوة و الاستقلالية، بعدين من تصير تشتغل و تصرف على بيته تسيب الوضعية بينهم و تعرف هي فاتت بدرب ما بيه ردّة ...
ريّا أكدت له تقول،
- بابا دائماً جان يقول البنية تشتغل اذا تريد، لانو عندها طموح، مو لأن البيت يوكَف عليها. و اني مقتنعة بهالشي، لأنه بأي لحظة تتعب، تتمرض، تحمل، تحتاج ترتاح ... هنا يعوفها و تنتهي حياتهم ؟!
سكتت لحظات تستذكر السنوات القديمة و قالت،
- ماما لحد قبل حملها برهف جانت طول الوقت بالمستشفى، هي و بابا اثنينهم يشتغلون، و ما اذكر بابا يخليها تصرف على البيت شي، و لما حملت برهف و تمرضت جانت مضطرة تعوف الشغل، ولا هي ولا احنا حسينا بنقص شي ... و لحد اليوم احنا ما صارفين شي على البيت لأنه ابوية علمنا هيج شي و انت و عمي سلمان كملتوا بنفس النظام ...

سكت يسمعها باهتمام و كمل،
- هذا الطبيعي ... الي ما يگدر يتحمل المسؤولية ... لا يفتح بيت من الأساس ... احنا ما عدنا بنات للزواج بنظام فيفتي فيفتي 50\50 ...
ارتاحت ملامحها من كلامه، و كملت،
- هذا اللي أحاول اوصله إلها ... بس هي منبهرة بأسلوبه.
ابتسم بطرف شفته،
- طبيعي ... كل مختلف بالبداية يبين حلو.
بعدين سألها بهدوء:
- بس السؤال ... إذا طلع صدكَ من هالنوع، هي مستعدة تتخلى عنو ؟
سكتت ريّا ... و ما عرفت تجاوب بسرعة،
- ما أدري ...
همستها كانت صادقة و متعبة.
- لهذا خايفة.
ظل صافن بيها شوية ... بعدين سأل:
- انتي اقرب لها مني ... تكَولين احسن احاجيها أول لو اشوفه ؟!
فكرت شوية ... بعدين همست:
- هي تستحي منك، بس برأيي الأفضل تسمع منك أول.
رفع حاجبه:
- هيج تشوفين ؟!
- حتى لا تحس إنك جاي تحارب الشخص اللي هي تريده ... خليها تحس إنك جاي تضمن راحتها ... مو تفرض سيطرتك.
ظل صافن بكلامها كم ثانية ... و واضح اقتنع.
بعدين تنهد:
- زين.
سكتوا شوية ... و أخيراً ... مال عليها مبتسم:
- عوفينا من رغودة هسة ... نرد لاختها.
رفعت عيونها إله.
اتّسعت ابتسامته يقول،
- شلونها ؟
انكسرت ابتسامتها فوراً و همست بحنيّة تشع من صوتها،
- مشتاقتلك ...
هنا لانت عيونه بالكامل.
و قبل لا يحچي، كملت بدلع ناعم، و ثقيل على قلبه،
- و لا تعيدها مرة ثانية ... هاي الحركات مال تزعل و تاخذ موقف.
ابتسم غصب عنه،
- هاا بدينا.
- صدك أتمرض تره.
ضحك بخفة هالمرة. و مد إيده سحبها من أصابعها لعنده شوية،
- لا يابا ... ما نعيدها.
رفعت حاجبها:
- وعد ؟
مال قريب شوية ... و رجعت نبرته الخاصة إلها وحدها:
- إذا انتي تبطلين تضمّين عليّ سوالف تشيب الراس ... أوعدج.
ضحكت أخيراً ... ضحكة صغيرة، بس رجعتلهم شي ضايع منهم.
مر اليوم طبيعي، و رجعت المياه لمجاريها ...
بالليل رهف نامت من وقت هالمرة بعد ما خلتها بحديقة البيت تلعب وية اصدقائها ... لما تلعب وياهم تطلع طاقاتها و تنام من وقت، فصارت لما تريد الليلة تمشي بهدوء تبدأ التحضيرات هذه من العصر ...
الصالة مضواية بضوا أصفر خافت، و صوت غسالة الصحون بالمطبخ ...
ريّا كانت جالسة ع القنفة، عاكسة رجلها جواها، و عيونها كل شوية تروح لقيس.
هو كان هادئ بصورة غريبة ... مو بارد مثل قبل ... بس واضح ديحسب كل كلمة براسه.
رفع عينه عليها فجأة:
- وين رغودة ؟
فهمت فوراً.
توترت شوية ... بس حاولت تبين طبيعية:
- بغرفتها يمكن.
هز راسه بهدوء. و بعد ثواني قال:
- خل تجي تكَعد ويانا.
صمت قصير مر بينهم.
هي كانت تعرف ... هاي مو جلسة عادية.
بس بنفس الوقت، طريقته ما بيها تهديد ... و هذا طمنها شوية.
صعدت لرغد ...
دكَت الباب بهدوء،
- رغودة ؟
إجاها صوتها من داخل الغرفة:
- تعالي ...
فتحت الباب ... لكَتها جالسة ع النص و بإيدها كتاب تقرأ بيه، على ما يبدو أحد كتب رواياتها ...
أول ما شافت ملامح ريّا، فهمت تقريباً،
- شنو ؟
تقربت ريّا منها و كَعدت يمها.
- تعالي كَعدي ويانا شوية جوا.

سكتت رغد ثانيتين ... و عيونها اتحركت بعيد.
- بين طيور الحب ؟!
ابتسمت ريّا تقول،
- تأدبي ولج مو كل مرة تكَعدين ويانا !!
هنا سكتت رغد و ملامحها توترت،
- ريّا ...
مدت ريّا إيدها تطبطب على رجلها بهدوء،
- لا تخافين عادي ... كَلتله اكو هيجي موضوع و يريد يعرف منج قبل لا يلتقي بيه.
بلعت ريقها بصعوبة.
واضح عليها خايفة من المواجهة أكثر من الموضوع نفسه.
و ريّا فهمت هالشي فوراً.
- رغودة ... لو جان رافض لو يريد يعصب جان من أول يوم سواها ... هو يريد يفهم بس.
سكتت رغد، بعدين همست:
- أستحي ... احجي انتي بدالي.
ضحكت ريّا، و مسدت شعرها:
- امشي امشي ...
نزلوا سوا.
أول ما دخلت رغد للصالة، قيس رفع عيونه عليها.
و مباشرة انتبه لشلون وقفتها متوترة، و شلون عيونها نزلت بسرعة أول ما التقت بعينه.
هاي البنية من صغرها تخاف من نبرة أبوها اذا احتدّت ... ما متعودة تواجه رجال بهالطريقة أصلاً.
فأول شي سواه؟ كسر التوتر.
رجع نظره للتلفزيون و قال بشكل طبيعي جداً:
- ها رغودة، الدرجات خوش هنّوبة لو ما بيج خير ؟
اتفاجأت شوية من سؤاله، و ردت بخجل:
- لا نجحت الحمدلله.
- اي اعرفج شاطرة ... بس قصدي شكثر جبتي حتى نقرر نزوجج لو نكَولّو البنية تكمل دراسة ...
ضحكت ريّا غصب عنها، و حتى رغد ابتسمت شوية،
هذا بالضبط اللي كان يريده.
تنزل رهبتها أول.
أشر لها بعينه للقنفة المقابلة،
- امشي اكَعدي شكلج شكل وحدة جاية مجلس تحقيقي ...
ابتسمت خجلانة ...
و كَعدت يم ريّا مباشرة، و واضح متوترة رغم كلشي.
هو ظل يسولف شوية عن الجامعة، و هاي السنة، و المواد و الامتحانات ...
و كل مرة رغد تجاوبه، يحافظ على نفس هدوءه الطبيعي.
لا نظرات تخوف ... لا نبرة تحقيق.
لحد ما حسها ارتاحت شوية ... و صوتها صار طبيعي أكثر.
هنا تنهد بخفة، و سند ظهره للقنفة.
و أخيراً فتح الموضوع.
- رغودة، اني ريّا كَالتلي اكو واحد يريد يخطبج منّا، و هالاجيت كل هالدرب لخاطرج بنيتي ... 
سحب نفس و كمل،
- أكو شغلة أريدج تفهمينها كَبل لا نحَچي بأي تفصيل.
توترت فوراً ... و بدون ما تحس، إيدها ضغطت على إيد ريّا.
انتبه قيس للحركة ... و هدأت نبرته أكثر.
- اني لا جاي احاسبج يابا ... و لا جاي لگول سويتي عيب..
رفعت عيونها إله ببطء.
- و لا شايفج غلطانة عبن عجبج شخص.
سكت لحظة ... و كمل بهدوء:
- و بنفس الوكت ... ما جاي حتى ازوجج لأول واحد يريدج و اگول يلا خلص دام البنية رايدتو.
سكتت رغد تسمعه بتركيز كامل.
- لمن حچتلي ريّا بالموضوع ... رتبت شغلي و جيت كَبل، مو لانّو أريد اسوي مشكلة لو شي، جيت حتى اتطمن عليج.
هنا رفعت عيونها إله بسرعة.
و هو كمل، نبرته صارت أهدأ بصورة لمستها:
- لانج غالية عليّ ... و مو كل واحد يستاهل رغودة.
انكسرت رهبتها شوية بهالجملة، واضح إنها لمست مكان حساس بقلبها.
- و لا أريدج تخافين مني بهالسالفة ... بس أريد افهم ... و أتأكد الشخص اللي داخل لحياتج يعرف قيمتج لولا ...

ظل هدوء خفيف بينهم، و بعدين سألها:
- هو هذا الولد عاجبج ؟!
ردت بإيماءة خجولة، و سألها،
- شنهو أكثر شي عاجبج بيه ؟! 
اتفاجأت من السؤال،
مو هذا المتوقع أبداً ...
نزلت عيونها بسرعة، و تمتمت بخجل:
- ما أعرف ...
رفع حاجبه بخفة:
- يعني جايبته و جاية و ما تعَرفين شتحبين بيه ؟!
ضحكت ريّا غصب عنها، و رغد احمر وجهها فوراً.
- لا يعني ... مرتب ... يحچي حلو ... و يسمعلي.
ظل يسمعها باهتمام كامل.
- وياه أحس اگدر احچي أي شي ببالي بدون خوف.
هنا صفن بيها قيس كم ثانية.
مو لأن الكلام عاجبه أو لا ... بس لأنه فهم شعور أعمق ...
رغد ما متعلقة برائد نفسه ... متعلقة بالإحساس اللي خلاها تعيشه.
و هذا أخطر شي.
- و تشوفيه رجال مسؤول ؟
سكتت شوية و همست بتردد،
- إي ... يعني ما أعرف ...
- شلون عرفتي ؟
ترددت.
- يحچي عن المستقبل هواية.
هز راسه بهدوء، و مال شوية للأمام، و نبرته صارت أثقل ... مو تخويف، بس رجولة واضحة.
- دحكَي رغودة ... الرجال مو بس سوالف حلوة و اهتمام ... الرجال مسؤولية.
ظلت ساكتة تسمعه،
- إذا تمرضتي بيوم ... يسندج، و إذا وكَفتي عن الشغل بيوم ... يشيلج و يشيل بيته. و لو صار عندج طفل ... يتحمل مسؤوليتو كلها وياج، ما يخلي الحمل عليج لوحّدج ...
نزلت عيون رغد للأرض.
و هو كمل بهدوء:
- الزواج مو إعجاب بس ... مو لأن اثنين مرتاحين بالحچي يعني يفتحون بيت.
سكت لحظة ... بعدين سألها مباشرة:
- لو باچر مثلا قررتي توكَفين عن الشغل فترة ... يكَدر يتحمل مسؤولية بيت كامل ؟!
هنا توترت.
لأنها ما عندها جواب أكيد.
و قيس انتبه فوراً.
- شفتي ؟ هاي الاسئلة المهمة ... مو شكثر يحبج.
تنفست رغد ببطء، و همست:
- هو مو سيء ...
لان وجهه فوراً.
- ما گلت سيء.
و هدت نبرته أكثر:
- بس اني مسؤوليتي أفهمه ... مو لانّو أريد احاربج ... لانّو اريد اتأكد ما يتعبج لو يضرج بعدين ...
هنا لأول مرة رفعت عيونها إله بثبات.
و همست بخوف طفولي صادق:
- إذا ما ارتاحيتله ... راح تجبرني أتركه ؟
سكت.
ريّا التفتت لقيس مباشرةً، حتى هي تنتظر الجواب.
تنهد ببطء ... و جاوب بهدوء رجل واعي مو متسلط،
- ما أجبرج ... بس اوعدج ما أرفضه بدون سبب، و السبب يكون بإيدج كَبل القرار، و انتي تقررين.
سكتت رغد ... و واضح الجملة مستها.
و هو كمل:
- و إذا طلع رجال كفو ... اني انطيج و اني ابارك ...
هنا دمعت عيون رغد بدون ما تحس.
لأنها كانت داخلة المكان متوقعة حرب ... مو هذا الاحتواء كله.
انتبه فوراً لدموعها، و تنهد بخفة:
- هسة البجي علوّيش يابوي ؟!
ضحكت بخجل و مسحت خدها بسرعة:
- ماكو ...
ابتسم لها ابتسامة خفيفة،
- لا تخافين مني يابا ... تره اني مو ضدج.
و هاي الجملة بالتحديد ... هي اللي كسرت آخر حاجز عندها.
نزلت عيونها، و لأول مرة من بداية الجلسة ... ارتاحت.
و هو قاللها،
- انطيه رقمي خليه يحاجيني ...
هزت راسها، و لما همت تطلع صاح لها،
- رغودة ...
التفتت له،
- هممم ...
- بنيتي هالفترة خففي تواصل لمن ما نعرف السالفة شلون تصير ...
هزت راسها موافقة ... ما كانت قبل هذه الجلسة ممكن توافق، بس كلام قيس فتح عقلها على أمور ما كانت شايفتها ...

بعد يومين ...
الكافيه كان هادئ، و الشمس تضرب الواجهة الزجاجية بقوة.
قيس وصل قبل الموعد كعادته.
ما يحب يدخل مقابلة مهمة و الشخص الثاني ينتظره. خصوصاً بهيج موضوع.
جالس بمكان جانبي، ظهره للحايط، حتى يشوف مدخل الكافيه كامل.
و بعد دقايق، دخل رائد.
مرتب ... لابس قميص سادة و جاكيت خفيف، و واضح محاول يبين ثابت رغم التوتر الي لحظه بمشيته !! 
وقف أول ما وصل للطاولة:
- مرحبا ...
وقف قيس صافحه بثبات.
- أهلاً و سهلاً ...
و من أول سلام ... قيس حس بالفرق.
مو فرق أفضل و أسوأ .. فرق عمر ... فرق نضج ... فرق بين رجل بعده ببداية الطريق، و رجل شايل بيوت و مسؤوليات سنين.
أشرله يكَعد.
- تفضل.
كَعد رائد، و بالبداية ظلت السوالف عامة ... الجامعة ... التخصص ... الحياة بلندن ...
لهجته مكسرة، مايلة للهجة عربية أكثر، و هواية كلام عربي ما يفهمه زين ...
بس قيس مشى الوضع و بالتدريج بدأ يدخل للأهم.
- أهلك هين ؟
- والدي مهندس.
هز راسه بهدوء:
- مهندس وين ؟
- عنده شركة صغيرة تستلم مقاولات ... ترميم و بناء و هيچي.
- زين.
سكت لحظة، بعدين سأل بنبرة طبيعية جداً:
- و عنده شغل ثاني ؟
رائد جاوبه بسرعة:
- إي، عنده راتب من الحكومة العراقية.
هنا بس ... وقف عقل قيس على الجملة.
و رغم إنه ملامحه ما تغيّرت، بس تركيزه صار أحد.
- راتب شنو ؟
تردد رائد جزء من ثانية.
- يعني ... يقدم خدمات لوزارة ال...... العراقية.
رفع قيس عيونه إله مباشرة.
هاي مو إجابة واضحة.
و الرجال يفهمون هالشي فوراً.
- خدمات شنو ؟
ابتسم رائد ابتسامة خفيفة مرتبكة،
- أمور استشارية و هيچي ... بصراحة ما أدخل بهالتفاصيل هواية.
هز قيس راسه ببطء.
بس بداخله ؟ أول ضو أحمر اشتعل.
كمّل بهدوء:
- و انتو أصلكم منين ؟
- من بغداد ... هنا احنا من تقريباً 25 سنة ...
- أبوك من وكتها يروح و يجي ؟!
- لا أبوية صار يروح و يجي قبل 12 سنة ... بين هناك و هنا.
- شسمه الوالد ؟ بلكي نعرفه ...
هنا رائد ذكر الاسم بكل بساطة، لأنه بالنسبة إله الموضوع طبيعي.
أما قيس ...
فسكت ثانيتين فوق عن الطبيعي.
لأن الاسم معروف.
معروف أكثر مما لازم.
بس لا علّق ... ولا بين شي.
رجع أخذ رشفة قهوة بهدوء تام،
و كمل كأنه ما صار شي ...
- زين ... و إنت شنو خطتك إذا تزوجت ؟
رائد ارتاح شوية، لأن الجو رجع طبيعي بنظره.
- حالياً أدرس ... تعرف بالجامعة ... ورا التخرج نشتغل اثنيناتنا، و نبني حياتنا بالتدريج ... و أكيد اهلنا يساعدونا بالبداية.
- شلون يساعدوكم ؟
- يعني أهلي متمكنين مادياً، بالبداية طبيعي نتساعد ... لحد ما الواحد يعتمد على نفسه.
هز قيس راسه بهدوء.
- و هسة إنت تعتبر نفسك معتمد على نفسك ؟
سكت رائد شوية،
- بنص الطريق يعني ...
هنا سند قيس ظهره للكرسي، و لأول مرة نبرته صارت أثقل شوية،
مو هجومية ... بس واقعية بصورة توجع،
- شوف اخوي ... مو عيب الواحد يعتمد على أهله بأول عمره، و كلنا هذه بدايتنا ... و لولا فضلهم و فضل رب العالمين محد يكون الي هو عليه اليوم.
سكت لحظة، و كمل،
- و مو عيب الرجال يبدي شوي شوي.
و رائد ارتاح لهالكلام.
بس قيس كمل مباشرة:
- بس ما يصح الواحد يفتح بيت و بعدو لا معتمد على نفسو، ولا باني الأساس حتى ...
رجعت ملامح رائد تتوتر،
- لأن الزواج مو مشاعر بس ... مو لأن اثنين شافوا نفسهم يحبون بعض يعني نتزوج و نفتح بيت و احنا ما عدنا أساس ...
ثبت عيونه بعينه مباشرة،
- هاي البنية مدللة.
قالها بدون أي تردد.
- و ما متعودة تتحمل مسؤولية بيت و مصرف بيت و شغل ، هذا فوكَ طاقتها ...
رائد حاول يوضح بسرعة:
- لا أكيد ... اني مو قصدي أعتمد عليها.
هز قيس راسه.
- يمكن ... بس من تحچيلي نبني نفسنا سوا و نوكَف سوا و نتساعد ... أفهم من عندها إنك بعدك ما جاهز تفتح بيت وحدك.
سكت رائد.
و قيس كمل بهدوء:
- رغد ممكن هسة يعجبها جو الاستقلالية و التعب و الشغل، هذا طبيعي بعمرها.
ابتسم بهداوة،
- جثير بنات بهالعمر يحبن يحسن نفسهن قويات و مستقلات و ما يحتاجن أحد.
رجع جدي فوراً.
- بس الواقع يختلف.
مال شوية للأمام،
- بعد سنة ... سنتين ... ثلاثة ... راح تتعب، و تكَلّك اني عندي اطفال، و أتعب، ماريد هالحياة ... وكتها تريد احد معتمد على نفسو، و يسد حاجة البيت الي أسسه وياها ...
ظل رائد يسمع، و كل شوية ثقته بنفسه تهبط ...
لأن فجأة اكتشف إنه الموضوع مو: تحبها لو لا ؟
الموضوع: تكَدر تعيشها الحياة اللي متعودة عليها ؟
و الجواب الحقيقي ... لا.
حتى هو داخله حسها.
قيس كمل بهدوء رجل حاسم:
- المرة تشتغل لأن تحب شغلها ... مو لأن البيت محتاج راتبها حتى يكَف على حيله.
و لو حملت ؟ لو تمرضت ؟ إذا مرت بفترة ما تگدر تشتغل ؟ إذا گالت اريد أرتاح ؟
ثبت عيونه بعينه.
- تكَدر تخليها مدللة و مرتاحة بلا ما تحسسها هي ثكَلت عليك ؟! 
رائد هالمرة ما جاوب بسرعة،
لأن لأول مرة، يحس الصورة الواقعية للزواج أكبر من اللي متخيله.
تنهد قيس بخفة.
و نبرته لانت شوي:
- ما جاي أگلك انت مو زين ... و لا جاي اگلك ما تحبها ... اني جداً أحترم الشاب الي يفكر بالزواج لما يحب بنية ...
سكت، و كمل بهدوء:
- بس أكو فرق بين واحد يحب البنية ... و واحد جاهز يفتح لها بيت.
نزلت عيون رائد للأرض.
و قيس فهم كلشي من هالسكوت.
و قال،
- من تصير جاهز فعلاً ... حياك الله.
رفع رائد عيونه بسرعة.
واضح الجملة نزلت عليه كرفض مهذب.
بس بنفس الوقت؟ ما كَدر يعترض.
لأن جزء منه يعرف ... الرجل المقابل دا يتكلم بمنطق مو بعاطفة.
الليل كان هادئ ...
البنات نايمات، و البيت كله غرقان بهدوء ثقيل بعد يوم طويل.
ريّا كانت كاعدة على القنفة، لابسة بجامتها، و اللابتوب بحضنها تحاول تخلص شغلة للجامعة ...
أما قيس ... فكان بالمقابل، على الطاولة الجانبية، فاتح لابتوبه بصورة شخص لفتت انتباهها ...
لأن قيس مو من الناس اللي يبحث و يدوّر عالنت عبث.
كل حركة عنده إلها سبب.
ظلت تباوعله بين فترة و الثانية. صار ساعتين مركز بصور غريبة، ملامحه جامدة، و كل شوية يفتح رابط جديد.
لحد ما لاحظ نظراتها.
رفع عيونه إلها للحظة.
- شبيج ؟
هزت كتفها بخفة.
- منو هذا اللي دا تبحث عنه صار ساعتين ؟!
رجع نظره للشاشة، و بعد ثواني جاوب بهدوء:
- واحد.
رفعت حاجبها،
- واحد و ماخذ اهتمامك هيچ ؟!
ما رد مباشرةً ... ضغط كم ضغطة، و بعدها فر اللابتوب ناحيتها شوية،
- تعالي شوفي.
تقربت، و أول ما شافت الاسم بالمقالات، ما فهمت بالبداية.
أخبار ... مقابلات ... عقود ... صور رسمية.
- منو هذا ؟
قيس ظل ساكت لحظة، بعدين قال:
- هذا الجاي يناسبنا ...
سكتت فوراً.
رجعت تباوع للشاشة بتركيز أكثر،
- أخبار عن مشاريع ... مناقصات ... شبهات فساد ... تحقيقات قديمة ... عقود حكومية.
قلبها هبط،
- عزااا هذا، هذا أبو رائد ؟
لقراءة باقي الفصول اضغط هنا
تعليقات



<>