رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الخامس5 والسادس6 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الخامس5 والسادس6 بقلم عاشقة القلم 

استيقظت الصديقتان مع أول خيوط الصباح، بعدما ملأت أشعة الشمس الغرفة دفئًا، وتسللت زقزقة العصافير من النافذة المفتوحة.

تمطت مريم وهي تفرك عينيها، ثم التفتت إلى ديلان التي كانت قد سبقتها إلى ترتيب فراشها.

ابتسمت قائلة:

مريم: ألهذه الدرجة أنتِ نشيطة في الصباح؟.

ابتسمت ديلان بخجل.

ديلان: اعتدت الاستيقاظ مبكرًا.

خرجتا من الغرفة بعد أن توضأتا وصلاتا معا الفجر، فوجدتا والدة مريم قد أعدت مائدة الإفطار، تفوح منها رائحة الخبز الساخن والشاي بالنعناع وبعض العسل والقشطة وجبن ابيض مع صحن من الزيتون والمربى المنزلي.

قالت وهي تدعوهما:

كريمة: هيا يا ابنتَي... لا يصح أن تدرسا على معدة فارغة.

جلستا تتناولان الإفطار وسط أحاديث بسيطة عن الامتحانات والعطلة الصيفية القريبة، بينما كان والد مريم يطالع الجريدة كعادته، يشاركهما الحديث بين الحين والآخر بابتسامة أبوية هادئة.

قال وهو يطوي الصحيفة:

عبد الله: أهم ما في الامتحان أن يدخل الإنسان مرتاح القلب، فلا يجعل الخوف يسرق منه ما تعب في تحصيله.

هزت ديلان رأسها باحترام.

ديلان: إن شاء الله يا عمي.

ابتسم الرجل.

عبد الله: وأنا واثق أنك ستنجحين.

خفضت بصرها وهي تتمتم:

ديلان: بإذن الله.

بعد الإفطار، عادت الصديقتان إلى غرفتهما.

استأنفتا مراجعة آخر النقاط التي اتفقتا على مناقشتها، وكلما تعثرت إحداهما في سؤال، سارعت الأخرى إلى شرحه.

ومع اقتراب الظهيرة، أغلقت مريم آخر دفتر وقالت براحة:

مريم: الحمد لله... أشعر أننا انتهينا من كل شيء.

تنفست ديلان الصعداء.

ديلان: نعم... بقي علينا أن نثق بما درسناه.

ثم نظرت إلى الساعة المعلقة على الجدار.

ديلان: ينبغي أن أعود، أمي ستقلق إذا تأخرت.

أومأت مريم موافقة.

مريم: سأوصلك.

خرجتا معًا من المنزل.

كان الشارع هادئًا على غير عادته، والنسيم يحمل رائحة أشجار الليمون المزروعة أمام البيوت.

سارتا ببطء، وكأن كلتيهما تؤجل لحظة الوداع.

قالت مريم وهي تنظر إليها:

مريم: لا تقلقي كثيرًا من الامتحانات.

ابتسمت ديلان.

ديلان: سأحاول.

ثم أضافت ضاحكة:

ديلان: وإذا نسيت شيئًا فسأتذكرك وأقول: "لو كانت مريم هنا لشرحت لي."

ضحكت مريم بدورها.

مريم: وأنا سأفعل الشيء نفسه.

وحين وصلتا إلى مدخل الحي الذي تسكنه ديلان، توقفتا.

احتضنتها مريم بحب.

مريم: بالتوفيق يا ديلان.

بادلتها العناق.

ديلان: وأنتِ أيضًا... أسأل الله أن يكتب لنا النجاح.

افترقتا على أمل اللقاء يوم الامتحانات.

تابعت ديلان سيرها وحدها.

ومع كل خطوة كانت تقترب من منزلها، كانت تشعر أن ذلك الهدوء الذي عاشته خلال اليومين الماضيين يتلاشى شيئًا فشيئًا.

توقفت أمام الباب للحظة.

أخذت نفسًا عميقًا.

ثم دفعت الباب ودخلت.

عاد كل شيء كما كان...

البيت نفسه...

والجدران نفسها...

والصمت الثقيل الذي اعتادت أن تستقبله به تلك الدار.

لكنها كانت تحمل هذه المرة شيئًا مختلفًا.

شيئًا منحها إياه ذلك اليوم القصير...

شيئًا من الطمأنينة، وقليلًا من القوة، يكفيان لأن تواجه الأسبوع الأصعب في حياتها الجامعية.

وكانت تجهل...

أن الأسبوع القادم لن يحمل امتحاناتها وحدها.

بل سيكون بداية تغيرات صغيرة، ستقودها مع الأيام إلى طريق لم تكن تتخيل يومًا أنها ستسلكه.


حلّ مساء الأحد سريعًا، وكأن عطلة نهاية الأسبوع لم تكن سوى استراحة قصيرة التقط فيها الجميع أنفاسهم قبل أن يبدأ سباق الأيام القادمة.

في منزل ديلان...

كانت قد انتهت من ترتيب كتبها فوق الطاولة الصغيرة الملاصقة لنافذة غرفتها، ثم أعادت مراجعة جدول الامتحانات للمرة الأخيرة.

جلست على حافة الفراش، بينما كان أحمد وعمر يتجادلان حول لعبة خشبية، قبل أن يهدأ صوتهما شيئًا فشيئًا.

أغلقت ديلان الدفتر، ثم رفعت بصرها نحو النافذة.

كان الليل قد بدأ يفرض سكونه على الحي، ولم يعد يُسمع سوى أصوات متفرقة تأتي من البيوت المجاورة.

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

لقد أفادتها المراجعة مع مريم أكثر مما توقعت، وشعرت بثقة لم تعرفها منذ أيام.

همست لنفسها:

"غدا تبدأ الامتحانات... لا مجال للخوف الآن."

ثم ضمت كفيها وهمست بدعاء خافت:

ديلان: "اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلًا."

أغمضت عينيها للحظة، ثم نهضت ترتب حقيبتها استعدادًا لصباح الغد.

وفي الجهة الأخرى من المدينة...

كان باران يجلس إلى مكتبه، وقد انتشرت أمامه المخططات والأوراق الخاصة بمشروع التخرج.

أما المجسم الهندسي، فقد وضعه بعناية داخل صندوقه المخصص حتى لا يصيبه أي ضرر أثناء نقله في الصباح.

تناول الورقة التي تحمل موعد المناقشة، وأعاد قراءتها للمرة الأخيرة.

لم يبقَ سوى ساعات.

ابتسم في هدوء.

كم حلم بهذه اللحظة.

سنوات طويلة من الدراسة، والمشاريع، والاختبارات، والليالي التي قضاها ساهرًا بين الرسومات والحسابات...

كلها ستُختصر غدًا في مناقشة واحدة.

دخلت عائشة تحمل كوبًا من الحليب الساخن.

وضعته أمامه قائلة بحنان:

عائشة: لا تُرهق نفسك أكثر يا بني.

رفعت يدها وربتت على كتفه.

عائشة: لقد تعبت كثيرًا... وغدًا سيكرم الله تعبك بإذن الله.

ابتسم وهو ينظر إليها.

باران: أسأل الله ذلك يا أمي.

ثم أغلق ملفه أخيرًا.

لم يعد هناك ما يراجعه.

كل ما بقي...

أن يواجه الغد.

وفي تلك الليلة...

نامت المدينة على حلمين.

حلم فتاة، لم تكن تريد من الدنيا سوى أن تنجح وتقترب خطوة من مستقبلها.

وحلم شاب، كان يستعد لأن يطوي آخر صفحة من حياته الجامعية، ويبدأ أول صفحة من مستقبله.

ولم يكن أيٌّ منهما يعلم...

أن صباح الغد، رغم انشغال كل واحد منهما بطريقه، سيكون بداية مرحلة جديدة، سيكتبها القدر لهما على مهل، كما كتب كل ما سبقها من لقاءات صامتة.


كان الأسبوع الذي سبق الامتحانات قد مر سريعًا، حتى بدا وكأنه انزلق من بين الأيام دون أن يمنح أحدًا فرصة لالتقاط أنفاسه.

ازدحمت أروقة الجامعة بوجوه متعبة، وامتلأت القاعات بالطلاب المنهمكين في مراجعاتهم الأخيرة، بينما تحولت المكتبة إلى ملاذٍ لا يكاد يخلو من طالب يبحث عن معلومة أخيرة قد تنقذه في الامتحان.

وفي خضم ذلك الزحام...

اختفت تلك المصادفات الصغيرة التي اعتاداها دون أن يعترفا بها.

لم تعد ديلان تقف طويلًا في الساحة أو قرب لوحة الإعلانات، فقد كانت تمضي معظم وقتها بين قاعات المراجعة والمكتبة، تحمل كتبها من مكان إلى آخر، ولا يشغلها سوى الامتحانات التي ستحدد انتقالها إلى السنة الثانية.

أما باران، فقد انشغل انشغالًا كاملًا باللمسات الأخيرة لمشروع تخرجه.

كان يقضي ساعات طويلة برفقة زميله سليم، يراجعان المخططات، ويتأكدان من أدق التفاصيل، ويعيدان ترتيب العرض مرة بعد أخرى، حتى أصبح الوقت يمر عليهما دون أن يشعرَا.

ولهذا...

مرَّ أسبوعٌ كامل، لم تقع فيه عيناه عليها مرةً واحدة.

ولم تره هي أيضًا.

ورغم أن كليهما حاول إقناع نفسه بأن الأمر لا يعنيه...

إلا أن شيئًا صغيرًا ظل يهمس في داخله كلما دخل الجامعة وغادرها.

"ترى... هل جاءت اليوم؟".

لكن السؤال كان يضيع وسط ازدحام الأيام، قبل أن يجد له جوابًا.

وأخيرًا...

أطل صباح الاحد.

الصباح الذي انتظره كل طالب في الجامعة بمزيجٍ من الترقب والخوف.

استيقظت المدينة على غير عادتها.

الشوارع أكثر ازدحامًا.

ووسائل النقل تمتلئ بالطلاب منذ الساعات الأولى.

كان كل وجه يحمل حكاية مختلفة...

حكاية طالب يخوض أول امتحان في حياته الجامعية.

أو آخر امتحان قبل التخرج.


وفي أحد أحياء المدينة...

كانت ديلان قد أنهت صلاتها، ثم رفعت كفيها تدعو الله طويلًا.

أغمضت عينيها وهمست بخشوع:

ديلان: اللهم لا تضيع تعبي... ويسر لي أمري، وافتح عليَّ فتوح العارفين، واجعل النجاح حليفي.

نفخت في كفيها برفق، ثم مسحت بهما وجهها.

وأخذت حقيبتها التي أعدتها منذ الليلة الماضية.

في صباح ذلك اليوم، بدت والدتها أكثر وهنًا من المعتاد. لم تغادر إلى عملها كما اعتادت كل صباح، بل بقيت في فراشها تحاول مقاومة الألم الذي أثقل جسدها. وما إن همّت ديلان بالخروج إلى الجامعة، حتى نادتها أمها بصوت خافت، امتزج فيه التعب بالحنان.

اقتربت ديلان منها بقلق، فمدّت الأم يدها المرتجفة إلى الدرج المجاور وأخرجت كتابًا، ثم ناولته إليها قائلة:

أمينة: يا ابنتي، خذي هذا الكتاب معك، وأعطيه لابنة نوال، فهي تدرس في الجامعة نفسها، وستجدينها هناك، لقد وعدتها ان اعيده لها لكنني كما ترن لم استطع الذهاب هذه الايام.

أخذت ديلان الكتاب برفق، ثم نظرت إلى وجه أمها الشاحب، وقد ازدادت ملامحها إرهاقًا على غير عادتها، فقالت بلهجة يغلبها القلق:

ديلان: أأنتِ واثقة أنك ستكونين بخير؟ إن بدا عليكِ التعب أكثر، فسأبقى معك ولن أذهب اليوم.

ارتسمت على شفتي الأم ابتسامة واهنة، وربّتت على يد ابنتها بحنان قائلة:

أمينة: لا تقلقي يا ديلان، إنه إرهاق عابر، سأرتاح قليلًا، وستعود إليّ عافيتي بإذن الله. اذهبي إلى جامعتك ولا تشغلي بالك بي، فلديك إمتحان اليوم وهذا مستقبلك، كما ان كاظم سيبقى معي فقد خرج ليجلس قليلا في المقهى ثم سيعود، اما عمر واحمد فاليوم ليست لهم دراسة، قد اعطتهم المدرسة اياما للمراجعة قبل إمتحان نهاية السنة، يعني لن ابقى لوحدي لاتقلقي، وركزي على دراستك وفقط.

اقتربت ديلان وقبّلت يدها.

ديلان: ادعي لي يا أمي.

ربتت أمينة على رأسها بحنان.

أمينة: دعائي لا يفارقك.

خرجت ديلان من المنزل، بينما كان قلبها يخفق بقوة.

ليس خوفًا...

بل رهبة البداية.

وفي الجهة الأخرى من المدينة...

كان باران يرتدي قميصه الأبيض بعناية، بينما وقف أمام المرآة يعدل ياقة سترته.

دخل مراد وهو يدور بمفتاح السيارة حول إصبعه مبتسمًا.

مراد: هل المهندس الكبير مستعد؟.

ابتسم باران وهو يحمل حقيبة مشروعه.

باران: مستعد... أو أحاول أن أبدو كذلك.

ضحك مراد.

مراد: لا تقلق... بعد ساعات ستكون انتهيت من كل شيء.

خرج الشقيقان معًا.

أما في المقعد الخلفي للسيارة، فكان المجسم الهندسي موضوعًا بعناية شديدة، وقد ثبته باران بنفسه خشية أن يصيبه أي ضرر في الطريق.

أدار مراد المحرك، وانطلقت السيارة تشق شوارع المدينة التي بدأت تضج بالحركة.

نظر باران من النافذة.

تنفس بعمق.

ثم قال في نفسه:

"اليوم... سأطوي آخر صفحة من حياتي الجامعية."

ولم يكن يعلم...

أن هذا اليوم، الذي جاء يحمل له نهاية مرحلة...

سيحمل لغيره بداية مرحلة جديدة.


بعد أن أوصل مراد شقيقه إلى الجامعة، ترجّل الاثنان بحذر، ثم فتحا الباب الخلفي للسيارة.

تناول باران وصديقه سليم المجسم الهندسي بعناية بالغة، بينما كان مراد يساعدهما في حمل الصندوق الذي يضم بقية المخططات واللوحات.

لم يكن المجسم مجرد قطعة خشبية صُممت بإتقان، بل كان خلاصة أشهر طويلة من السهر والتعب، لذلك كان باران يتعامل معه كما لو كان يحمل بين يديه ثمرة سنواته الجامعية كلها.

سار الثلاثة عبر الممر المؤدي إلى كلية الهندسة، حتى وصلا إلى القاعة التي خُصصت لمناقشة مشاريع التخرج.

استقبلهما أحد المشرفين، وأشار إلى المكان المخصص لوضع المجسمات.

وما إن استقر المشروع في مكانه، حتى شعر باران بشيء من الارتياح.

ابتسم سليم وهو يربت على كتفه.

سليم: الحمد لله... بقي الجزء الأصعب.

ابتسم باران بدوره.

باران: ليتنا نعرف متى سيكون دورنا.

هز سليم كتفيه.

سليم: الإدارة اختارت ثلاثة مشاريع فقط لمناقشتها هذا اليوم، لكنها لم تعلن ترتيب المناقشات بعد.

نظر باران إلى ساعته.

ما يزال أمامهم متسع من الوقت.

التفت إلى صديقه قائلًا:

باران: سأخرج قليلًا مع مراد، ثم أعود.

سليم: لا تتأخر، فقد يعلنون الترتيب في أي لحظة.

باران: لن أتأخر.

خرج الشقيقان من مبنى الكلية معًا.

كان مراد ينظر إلى الساعة بين الحين والآخر.

مراد: ينبغي أن أغادر، وإلا تأخرت عن عملي في أول أسبوع بعد الترقية.

ابتسم باران.

باران: لا تقلق، سأكون بخير.

ربت مراد على كتفه بحنان أخوي.

مراد: ستنجح بإذن الله... وأنا واثق أنك ستُبهرهم.

اتسعت ابتسامة باران.

باران: شكرًا يا أخي.

صافحه، ثم عانقه عناقًا سريعًا قبل أن يتجه مراد نحو سيارته.

ظل باران يتابعه بعينيه حتى غادرت السيارة  من امام بوابة الجامعة.

ثم استدار...

وعوضًا عن العودة مباشرة إلى الكلية، وجد قدميه تسلكان طريقًا آخر.

طريقًا صار مألوفًا له منذ أشهر.

توقف أمام لوحة الإعلانات الكبيرة في الساحة الرئيسية.

ألقى نظرة سريعة حوله.

كانت الساحة تضج بالطلاب.

وجوه كثيرة...

أحاديث متداخلة...

خطوات مسرعة...

لكنه كان يبحث عن وجه واحد فقط.

"مر أسبوع كامل..."

همس بها في داخله.

"أسبوع لم أرها فيه مرة واحدة."

ابتسم لنفسه ساخرًا.

"وما الذي تنتظره يا باران؟،

حتى إن رأيتها... ماذا ستفعل؟"،

لم يجد جوابًا لأسئلته.

لكنه بقي واقفًا.

وكأن قلبه يرفض المغادرة.

وفجأة...

توقفت عيناه.

كانت هناك.

تقف أمام لوحة الإعلانات، تميل برأسها قليلًا وهي تتأمل قائمة القاعات، تبحث عن رقم قاعة امتحانها.

ساد داخله سكون غريب.

ثم شعر بشيء يشبه الفرح الطفولي يجتاح قلبه.

"ها هي..."

"إذن جاءت."

أما ديلان...

فما إن انتهت من قراءة القائمة حتى رفعت رأسها مصادفة.

وفي اللحظة نفسها...

وقع بصرها عليه.

واقفًا في الجهة المقابلة.

كما اعتادت أن تراه.

لكن بعد غياب أسبوع كامل.

اتسعت عيناها قليلًا دون شعور.

وشعرت بقلبها يخفق بقوة مفاجئة.

"إنه هو..."،

"إذن لم يتخرج بعد..."

لا...

تذكرت سريعًا أنه أخبر أحد زملائه قبل أسابيع أن مناقشة مشاريع التخرج ستكون في هذا الوقت من العام.

إذن...

جاء اليوم.

بقيت تنظر إليه للحظات قصيرة.

أما هو...

فلم يستطع هذه المرة أن يخفي ما ارتسم على وجهه.

ابتسم.

ابتسامة صغيرة...

هادئة...

خرجت منه بعفوية كاملة، وكأن قلبه تنفس أخيرًا بعد غياب طويل.

ولم يشعر إلا وهو يخطو خطوة صغيرة إلى الأمام.

وفي الجهة الأخرى...

ارتبكت ديلان.

وأحست بحرارة خفيفة تسري في وجنتيها.

خفضت بصرها سريعًا.

لكنها لم تستطع منع نفسها من أن ترفع عينيها إليه مرة أخرى.

وقبل أن يحدث أي شيء...

شعرت بيد تجذبها من معصمها.

التفتت بسرعة.

كانت مريم.

قالت وهي تلهث من الاستعجال:

مريم: ديلان... هيا بسرعة، بقيت دقائق فقط، الجميع بدأ يدخل إلى قاعات الامتحان.

انتبهت ديلان إلى الوقت.

ألقت نظرة أخيرة، خاطفة، نحو الجهة التي يقف فيها.

ثم تركت نفسها تنقاد خلف صديقتها، واختفتا بين جموع الطلبة المتجهين إلى مبنى الآداب.

ظل باران يتابعها بعينيه حتى غابت عن ناظريه، رفع يده يمررها على شعره ومن ثم مسح على وجهه، وكأنه يمتص ذلك التوتر وتلك المشاعر التي إجتاحته للحظة.

لم يشعر بخيبة.

بل على العكس...

كان قلبه أخف مما كان عليه قبل دقائق.

يكفي أنه رآها.

يكفي أن هذا الصباح بدأ بوجهها.

ابتسم في هدوء، وهمس في داخله:

"لا أعلم لماذا؟... لكن رؤيتها اليوم أشعرتني أن كل شيء سيكون على ما يرام."

وفي تلك اللحظة، دوّى صوت مألوف من خلفه:

سليم: باران!.

استدار سريعًا.

كان سليم يلوح له من بعيد امام الكلية وهو يصيح:

سليم: أسرع... لقد أعلنوا ترتيب المناقشات، ودورنا سيكون الثاني.

اتسعت ابتسامة باران أكثر.

رفع يده ملوحًا لصديقه، ثم أسرع نحوه بخطوات واثقة.

كان يمضي إلى مناقشة ستحدد مستقبله...

وقلبه، على غير عادته، ممتلئ براحة غريبة.

راحة لم يعرف سببها...

لكنه كان يعلم أنها بدأت منذ اللحظة التي التقت فيها عيناه بعيني تلك الفتاة المجهولة، بعد أسبوع كامل من الغياب.


ومن جهة أخرى...

كانت ديلان قد دخلت قاعة الامتحان، وما تزال خطواتها تحمل أثر تلك اللحظة القصيرة التي سبقت دخولها.

جلست في مقعدها، ثم وضعت حقيبتها إلى جوارها، وأخذت نفسًا عميقًا وهي تحاول أن تهدئ اضطراب قلبها.

لكنها لم تستطع.

أغمضت عينيها للحظة...

فعادت تلك الصورة لتقفز إلى ذهنها.

كان يقف في الجهة المقابلة من الساحة...

ينظر إليها...

ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، بدت صادقة إلى حد أربكتها.

فتحت عينيها سريعًا.

وضغطت على أطراف أصابعها في توتر.

"هل... ابتسم فعلًا؟"،

"أم أنني تخيلت ذلك؟"،

"ربما كنت واهمة..."،

"لقد مر أسبوع كامل لم أره فيه... فهل اشتقت لرؤيته إلى هذا الحد حتى صار خيالي يخدعني؟"،

أطرقت رأسها خجلًا من أفكارها.

ثم هزته برفق، كأنها تطرد كل ما دار فيه.

"ما الذي تفكرين فيه يا ديلان؟"،

"ركزي..."،

"اليوم امتحانك، وهذا هو مستقبلك "،

"أما هو... فليس سوى طالب رأيته مصادفة مرات قليلة داخل الجامعة "،

تنفست بعمق.

وحين بدأ المراقبون بتوزيع أوراق الأسئلة، كانت قد أجبرت نفسها على إبعاد كل شيء ما عدا الامتحان عن ذهنها.

وفي الجهة الأخرى...

عاد باران بخطوات سريعة إلى قاعة مناقشة مشاريع التخرج.

كان قلبه أخف مما كان عليه قبل دقائق.

بل أخف مما كان عليه طوال الأسبوع الماضي.

ابتسم في صمت وهو يضع ملفه فوق الطاولة.

"إذن... جاءت اليوم "،

"كنت أخشى ألا أراها مرة أخرى"،

مرر يده على غلاف المشروع، ثم زفر بهدوء.

"لا أعلم لماذا..."،

"لكن مجرد رؤيتها هذا الصباح أشعرتني براحة غريبة."

"وكأن اليوم بدأ بداية طيبة."

ابتسم مرة أخرى دون أن يشعر.

"إذن يا باران..."،

"قدّم أفضل ما لديك."

"لقد تعبت سنوات طويلة حتى تصل إلى هذه اللحظة."

"واليوم... يجب أن تثبت لنفسك قبل أي أحد أنك تستحق هذا النجاح."

لم يكن يدري لماذا ارتبطت بداية يومه بتلك النظرة العابرة.

لكنه شعر بطاقة لم يعهدها في نفسه من قبل.

وفجأة...

قطع شروده صوت سليم وهو يلوح بيده أمام وجهه.

سليم: باران!.

انتفض من أفكاره، والتفت إليه.

نظر إليه سليم باستغراب، ثم قال ضاحكًا:

سليم: أين شردت؟ اليوم ليس يوم أحلام ولا سرحان.

ثم عقد حاجبيه وهو يبتسم بمكر:

سليم: والغريب أنك منذ عدت وأنت تبتسم وحدك... ماذا هناك؟.

ارتبك باران لوهلة، ثم أشاح بنظره وهو يبتسم ابتسامة خفيفة.

باران: لا شيء...

صمت لحظة، ثم أضاف سريعًا:

باران: فقط تذكرت موقفًا طريفًا حدث أمام باب الجامعة.

هز سليم رأسه ضاحكًا.

سليم: حسنًا... احتفظ بالمواقف الطريفة إلى ما بعد المناقشة.

اقترب من الطاولة، وفتح ملف المشروع.

سليم: الآن... لنراجع آخر الأسئلة التي قد يطرحها علينا الأساتذة.

جلس باران إلى جواره، وأخذ يقلب الأوراق بعينين أكثر ثباتًا.

أما الابتسامة التي ارتسمت على وجهه قبل قليل...

فقد بقي أثرها ساكنًا في أعماق قلبه، يمنحه طمأنينة لم يعرف لها سببًا.


انقضت الساعات الثلاث وكأنها لحظة عابرة.

منذ أن تسلّمت ديلان ورقة الأسئلة، قرأت الدعاء في سرها، ثم همست: 

ديلان: "اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلًا."

تنفست بعمق، ثم قلبت الورقة.

وما إن وقعت عيناها على السؤال الأول، حتى شعرت بشيء من الطمأنينة يسري في قلبها.

كانت الأسئلة مألوفة، وكأن ساعات المذاكرة الطويلة التي قضتها بين دفاترها وذلك المرجع النادر لم تذهب سدى.

أمسكت قلمها بثبات، وانطلقت تكتب بثقة، متنقلة بين الأسئلة في هدوء، حتى إنها لم تشعر بمرور الوقت إلا عندما أعلن أحد المراقبين:

" بقيت عشر دقائق."

رفعت رأسها للمرة الأولى منذ بداية الامتحان.

ألقت نظرة أخيرة على إجاباتها، ثم أعادت قراءتها بتأنٍ، قبل أن تبتسم ابتسامة خفيفة ملؤها الرضا.

وحين صفق احد المراقبين معلنًا انتهاء الوقت، سلّمت ورقتها وهي تحمد الله في سرها.

خرجت من القاعة برفقة مريم، وقد بدت ملامحهما أكثر ارتياحًا مما كانتا عليه صباحًا.

قالت مريم وهي تزفر براحة:

مريم: الحمد لله... كان الامتحان أسهل مما توقعت.

ابتسمت ديلان وهي تهز رأسها.

ديلان: نعم... الحمد لله.

سارتا معًا عبر الممرات المزدحمة، تتبادلان الحديث حول بعض الأسئلة، حتى بلغتا بوابة الجامعة.

وهناك...

توقفت ديلان فجأة.

اتسعت عيناها قليلًا وهي تضرب جبينها بخفة.

ديلان: يا إلهي... كدت أنسى!.

التفتت إليها مريم باستغراب.

مريم: ماذا حدث؟.

قالت ديلان معتذرة:

ديلان: أمي أوصتني صباحًا بأمر مهم. اذهبي أنتِ إلى محطة القطار، سأعود بعد دقائق وألحق بك.

عقدت مريم حاجبيها.

مريم: ألن تتأخري؟.

ابتسمت ديلان مطمئنة.

ديلان: لا، الأمر لن يستغرق وقتًا طويلًا، وإذا تأخرت وجاء القطار فلا تنتظريني.

أومأت مريم، ثم ودعتها ومضت في طريقها.

أما ديلان، فاستدارت من جديد نحو مباني الجامعة.

وبينما كانت تخطو في الممرات، عادت كلمات والدتها إلى ذاكرتها.

في بداية العام الدراسي، وما إن علمت السيدة نوال، التي تعمل أمينة في منزلها، بأن ديلان التحقت بكلية الآداب، حتى عرضت عليها ابنتها استعارة كتاب أدبي نادر، احتفظت به منذ سنوات، بعدما استفاد منه شقيقها الأكبر حين كان طالبًا في الكلية نفسها.

كان مرجعًا ثمينًا، لا يتوافر في مكتبات الجامعة ولا في المكتبات العمومية، وقد ساعد ديلان كثيرًا طوال عامها الدراسي.

لكن صاحبة الكتاب كانت قد اشترطت منذ البداية أن تعيده إليها مع نهاية السنة، لأنها وعدت بإعارته لطالب آخر ليستفيد منه هو أيضًا.

ولأن أمينة تغيبت عن العمل خلال الأيام الأخيرة بعد أن بدأت أعراض حملها الثالث تشتد عليها، فقد أوصت ابنتها صباح ذلك اليوم قائلة:

أمينة: لا تنسي يا ديلان... أعيدي الكتاب بنفسك، لا أحب أن نتأخر في رد الأمانات، وقد وعدتُ السيدة نوال بذلك.

ابتسمت ديلان وهي تتذكر وصية والدتها.

وضمت الكتاب إلى صدرها بحرص، وإتجهت نحو صاحبة الكتاب التي كانت طالبة بكلية الهندسة.

واصلت سيرها نحو مبنى كلية الهندسة، بعد أن أخبرتها إحدى الطالبات أن جميع طلبة الهندسة حضروا اليوم لمتابعة مناقشة مشروع تخرج زملائهم.

لم تكن تعلم...

أن خطواتها، التي جاءت لتعيد أمانة، كانت تقودها في تلك اللحظة إلى صدفة أخرى... صدفة لم يكن القدر قد فرغ بعد من نسج خيوطها.


في الجهة الأخرى من الجامعة...

كانت قاعة مناقشة مشاريع التخرج تغصُّ بالطلبة وأعضاء هيئة التدريس وبعض ذوي الطلبة الذين حضروا ليشهدوا ثمرة سنواتٍ طويلة من التعب.

وقف باران إلى جوار سليم أمام المنصة، وقد انتصب المجسم الهندسي في منتصف القاعة، تحيط به اللوحات والمخططات التفصيلية المرتبة بعناية.

كان الهدوء يلف المكان، لا يقطعه إلا صوت رئيس اللجنة وهو يقلب صفحات التقرير أمامه.

شعر باران بأن نبضات قلبه تتسارع.

"هذه هي اللحظة..."،

"سنوات من الدراسة ستُختصر في دقائق."

ألقى نظرة سريعة نحو سليم، فوجده لا يقل عنه توترًا، فابتسم له ابتسامة خفيفة بثَّت شيئًا من الطمأنينة في نفسيهما.

قال رئيس اللجنة بهدوء:

الرئيس: تفضلا... قدما لنا فكرة موجزة عن مشروعكما.

تنفس باران بعمق، ثم بدأ الحديث بصوت ثابت.

راح يشرح الفكرة الأساسية، بينما كان سليم ينتقل إلى الجوانب التقنية، ثم عاد باران ليتحدث عن مراحل التنفيذ والنتائج المتوقعة.

ومع مرور الدقائق...

بدأ التوتر يتلاشى شيئًا فشيئًا.

كانا يتحدثان بثقة من يعرف كل تفصيل في مشروعه.

ولم يكن ذلك غريبًا...

فكم من ليلةٍ سهراها فوق هذه الرسومات.

وكم من مرة أعادا الحسابات من جديد حتى خرج المشروع بالصورة التي يحلمان بها.

انتهى العرض.

ساد القاعة صمت قصير.

ثم اعتدل أحد الأساتذة في جلسته وقال:

الاستاذ: لدي بعض الأسئلة.

تبادل باران وسليم نظرة سريعة.

وبدأت المناقشة.

توالت الأسئلة...

مرة يجيب باران.

وأخرى يتولى سليم الإجابة.

ثم يعود الأول ليكمل ما بدأه الثاني، وكأنهما يتحدثان بعقلٍ واحد.

راقبت اللجنة انسجامهما بإعجاب.

وكانت علامات الرضا ترتسم شيئًا فشيئًا على وجوه الأساتذة.

حتى الأستاذ المعروف بشدة ملاحظاته، اكتفى هذه المرة بابتسامة صغيرة وهو يغلق ملف المشروع.

نظر رئيس اللجنة إلى زملائه.

تبادلوا كلماتٍ قصيرة لم يسمعها أحد.

ثم التفت إليهما قائلًا:

الرئيس: الحقيقة...

لقد قدمتما مشروعًا متميزًا، سواء من الناحية العلمية أو التطبيقية،

ظهر بوضوح حجم الجهد الذي بذلتماه طوال الأشهر الماضية.

نيابةً عن اللجنة...

نبارك لكما.

وقد حصل مشروعكما على أعلى تقييم.

ساد الصمت...

ثانية...

ثم انفجرت القاعة بالتصفيق.

ارتسمت الدهشة على وجه سليم قبل أن يتحول دهشته إلى ضحكة عريضة.

أما باران...

فبقي للحظات ينظر إلى اللجنة، كأنه لم يستوعب ما سمعه.

"نجحنا..."،

"انتهى الأمر..."،

"حقًا انتهى..."،

شعر بثقلٍ هائل يغادر صدره دفعة واحدة.

استدار نحو سليم.

ولم يقولا شيئًا.

اكتفيا بعناقٍ طويل، اختلطت فيه فرحة النجاح بذكريات سنوات الدراسة كلها.

اقترب بعض زملائهما يهنئونهما.

وصافحهما الأساتذة واحدًا تلو الآخر.

ثم إجتمعت اللجنة القاعة في زاوية من القاعة، تاركة المجال للطلبة كي يحتفلوا معًا.

ارتفعت الضحكات.

وتعالت كلمات التهنئة.

لكن...

وبين كل تلك الوجوه...

شعر باران فجأة بأن شيئًا ما دفعه ليرفع رأسه نحو باب القاعة.

لا يعرف لماذا.

ولا كيف.

فعلها بعفوية تامة.

وحين وقع بصره على آخر القاعة...

تجمد مكانه.

كانت تقف هناك.

هادئة...

تضم كتابًا إلى صدرها بكلتا يديها.

عيناها تتجهان نحوه وسط الزحام.

للحظة...

لم يعد يسمع شيئًا.

لا تصفيقًا...

ولا ضحكات...

ولا أصوات زملائه.

كل ما رآه...

هو تلك الفتاة التي اعتاد أن يلتقيها صدفة بين ممرات الجامعة ومحطة قطار الأنفاق.

لكن...

ما الذي جاء بها إلى هنا؟،

ولماذا تقف عند باب إحدى قاعات الهندسة؟،

تسارعت أنفاسه دون أن يشعر.

وشعر بقلبه يخفق بعنفٍ لم يعرفه من قبل.

أما ديلان...

فقد توقفت هي الأخرى حين رأت الفرحة تملأ وجهه.

لم تكن تعرف سببًا جعلها تبتسم.

لكنها ابتسمت.

ابتسامة صغيرة...

هادئة...

كأنها فرحت لفرحته دون أن تدري كيف حدث ذلك.

وشعرت براحةٍ غريبة وهي تراه يحيط به زملاؤه بالتهاني.

"إذن..."،

"لقد نجح..."،

همست بها في داخلها.

ثم خفضت بصرها في حياء.

وقبل أن ينتبه أحد إلى وجودها...

استدارت بهدوء لتكمل طريقها، باحثة عن صاحبة الكتاب التي جاءت من أجلها.

بينما بقي باران يحدق في المكان الذي كانت تقف فيه...

غير مصدّق أن القدر جمعهما مرة أخرى...

في يومٍ كان يظن أنه سيُكتب في ذاكرته بسبب نجاحه فقط.

الفصل السادس من رواية

حبيبتي زوجة اخي💔🥺


......✍️ظل باران واقفًا في مكانه، وعيناه معلقتان عند آخر القاعة.

كانت لا تزال هناك...

تقبض على كتابٍ سميك بين ذراعيها، تقف في هدوء كعادتها، وكأن الضجيج الذي يملأ المكان لا يعنيها.

لم يدرِ أحقًا جاءت إلى هنا... أم أن القدر ساقها إليه مرة أخرى؟.

تسارعت نبضات قلبه على نحو لم يعهده من قبل.

وللحظة قصيرة...

شعر أن فرحة نجاحه اكتملت برؤيتها.

رفع يده بعفوية، كأنه يريد أن يحييها من بعيد، لكنه سرعان ما تراجع.

"ماذا تفعل يا باران؟"،

ابتسم في خجل من نفسه.

واكتفى بالنظر.

وفي اللحظة نفسها، رفعت ديلان بصرها نحوه.

التقت عيناهما لثوانٍ معدودة.

ثوانٍ قصيرة...

لكنها كانت كافية لتبعث في قلبيهما شعورًا دافئًا لم يستطع أي منهما تفسيره.

ثم تحركت ديلان بخطوات هادئة، بعدما لمحت صاحبة الكتاب تلوح لها من خارج القاعة.

اقتربت منها، ناولتها الكتاب بابتسامة لطيفة، وتبادلتا كلماتٍ مقتضبة، قبل أن تستدير وتغادر المكان.

أما باران...

فظل يتابعها بعينيه حتى اختفت بين الممرات.

تنهد بهدوء.

ثم ابتسم.

"حتى وإن كانت صدفة..."،

"فقد كانت أجمل صدفة في هذا اليوم."

انتشله من شروده صوت سليم وهو يربت على كتفه بقوة.

سليم: أين شردت يا رجل؟ هيا... الجميع ينتظرنا.

التفت إليه باران وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة لم يستطع إخفاءها.

وقبل أن يجيبه، عاد عدد من الأساتذة إلى منصة القاعة يتقدمهم عميد الكلية.

ساد الهدوء تدريجيًا.

وقف الجميع احترامًا.

ابتسم العميد وهو ينظر إلى الطلبة المجتمعين، ثم قال بصوتٍ ملأ القاعة:

العميد: أهنئكم جميعًا على ما قدمتموه اليوم. لقد أثبتم أن سنوات الدراسة لم تذهب سدى.

ساد تصفيق حار.

ثم تابع:

العميد: ونظرًا لتميز عدد من مشاريع هذا العام، فقد قررت الكلية إقامة حفل رسمي نهاية هذا الشهر، بعد الانتهاء من مناقشة جميع المشاريع وتقييمها، يُسلَّم فيه للخريجين شهادات التخرج، كما سيُكرَّم الطلبة المتفوقون بحضور ذويهم وأعضاء الهيئة التدريسية.

وتوقف لحظة قبل أن يضيف:

العميد: وسيُعلن خلال الحفل أيضًا عن أسماء الطلبة الذين وقع عليهم الاختيار للاستفادة من المنح الدراسية خارج البلاد، بعد المفاضلة بينهم وفق نتائجهم العلمية وتقييم مشاريعهم.

ما إن أنهى كلماته...

حتى تعالت الهمسات في القاعة.

قال أحد الطلبة بحماس:

طالب: يبدو أن المنافسة ستكون قوية هذا العام.

وأضاف آخر وهو يربت على كتف باران:

طالب آخر: إن لم تكن أنت من بينهم، فمن سيكون؟.

ابتسم سليم وهو يلتفت إلى باران قائلًا:

سليم: بعد التقييم الذي حصلنا عليه... أظن أن فرصتنا كبيرة جدًا.

لم يجب باران.

اكتفى بابتسامة هادئة.

لكن في داخله...

بدأت الكلمات الأخيرة للعميد تتردد مرارًا.

"المنح الدراسية خارج البلاد..."،

لم تكن فكرة السفر جديدة عليه،

بل كانت حلمًا طالما سعى إليه،

إلا أن وقعها اليوم...

كان مختلفًا تمامًا.

ولأول مرة...

شعر أن هناك شيئًا قد يجعله يتردد.

شيئًا لم يكن موجودًا قبل أشهر.

شيئًا لا يعرف عنه سوى ملامح وجه هادئ... وعينين يلتقي بهما بين الحين والآخر...

ثم تختفيان من جديد بين زحام الجامعة.


حلّ المساء على منزل عائلة عزّت، لكنه لم يكن مساءً عاديًا.

منذ أن وطئت قدما باران عتبة البيت، كانت الفرحة قد سبقته إلى الداخل.

فتحت عائشة الباب قبل أن يطرقه، وكأنها كانت تنتظر وقوفه خلفه منذ ساعات.

ما إن وقع بصرها عليه حتى قرأت الجواب في عينيه قبل أن ينطق.

ابتسمت ابتسامة واسعة، ثم رفعت يديها إلى السماء قائلة:

عائشة: الحمد لله... الحمد لله الذي لم يخيّب تعبك يا بني.

لم يجد باران ما يقوله.

اكتفى بأن انحنى وقبّل يدها، ثم احتضنها احتضانًا طويلًا، وهو يشعر للمرة الأولى أن الحمل الذي ظل يحمله على كتفيه طوال سنوات الدراسة قد سقط أخيرًا،

ولم تمض دقائق حتى امتلأ البيت بالضحكات.

جاء عزّت من غرفته مسرعًا، وربت على كتف ابنه بكل فخر،

أما مراد، فما إن عاد من عمله حتى عانقه بقوة وهو يردد:

مراد: كنت أعلم أنك لن تخذلنا.

ولم يطل الوقت حتى صعد العم إبراهيم وزوجته صفية، ومعهما روني ودنيز وملك الصغيرة التي لم تفهم سبب كل هذا الفرح، لكنها أخذت تصفق بيديها الصغيرتين كلما ضحك أحدهم، فضحك الجميع معها.

جلسوا جميعًا حول المائدة، يتبادلون التهاني والدعوات.

وبينما كانت عائشة توزع الحلوى، قال عزّت وهو ينظر إلى ابنه بفخر لم يحاول إخفاءه:

عزت: أخبرنا... كيف جرت المناقشة؟.

راح باران يقص عليهم ما حدث، وكيف أثنت اللجنة على المشروع، وكيف حصل هو وسليم على أعلى تقييم.

كانت عيناه تلمعان كلما استعاد تفاصيل تلك اللحظات.

أما والده، فظل ينظر إليه بصمت، وكأن سنوات تعبه كلها أثمرت في تلك اللحظة.

وبعد برهة، قال مراد:

مراد: وهل صحيح أن العميد أعلن عن تكريم المتفوقين؟.

أومأ باران.

باران: نعم... نهاية الشهر.

وأضاف بعد لحظة:

باران: وسيختارون عددًا من الطلبة للمنح الدراسية خارج البلاد.

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم قال إبراهيم مبتسمًا:

ابراهيم: ولم لا تكون واحدًا منهم؟.

نظر عزّت إلى ابنه، ثم قال بهدوء:

عزت: إن كانت المنحة في مصلحتك، فلا تتردد.

العلم لا وطن له يا بني.

وأضافت عائشة، وقد امتزج الفخر بالخوف في صوتها:

عائشة: سيصعب علينا فراقك...

لكن إن كان مستقبلك هناك، فسأدعو الله أن يكتب لك الخير أينما كان.

ابتسم باران ابتسامة صغيرة،

لم يجب.

كان يكتفي بالاستماع.

أما داخله...

فبدأ شيء ما يتحرك ببطء.

بعد أن انتهت السهرة، وعاد كل واحد إلى غرفته...

دخل باران غرفته وأغلق الباب خلفه برفق.

ساد المكان هدوء لم يعتده منذ الصباح.

خلع سترته، ثم جلس على حافة السرير.

ظل صامتًا للحظات، قبل أن يستلقي على ظهره، مثبتًا بصره في سقف الغرفة.

ترددت كلمات والده في رأسه.

"إن كانت المنحة في مصلحتك، فلا تتردد."

ثم كلمات والدته.

"سيصعب علينا فراقك..."،

وأخيرًا...

تذكّر إعلان العميد.

"تكريم المتفوقين... والترشيح للمنح الخارجية."

تنهد طويلًا.

لم يكن السفر يومًا أمرًا يخيفه.

بل كان حلمًا راوده كثيرًا.

أن يكمل دراسته...

أن يحقق المزيد...

أن يعود بخبرة تفتح له أبواب المستقبل.

لكن الليلة...

لأول مرة...

وجد نفسه يفكر في شيء آخر.

أغمض عينيه.

فحضر وجهها.

كما رآها صباحًا أمام لوحة الإعلانات.

وكما لمحها ظهرًا عند باب قاعة المناقشة.

عيناها الهادئتان...

وارتباكها الصامت...

والابتسامة الخفيفة التي لم يدرِ أكانت حقيقية أم أن قلبه هو من رسمها.

فتح عينيه ببطء.

وابتسم لنفسه.

ثم قال بصوت خافت، لم يسمعه سواه:

باران: ما الذي يحدث لي؟.

ظل صامتًا لحظة.

ثم تابع حديثه مع نفسه:

باران: أشهر طويلة...

وأنا أراها صدفة في محطة القطار، أو بين ممرات الجامعة،

لا أعرف اسمها...

ولا تعرف اسمي.

ولم نتبادل كلمة واحدة.

ومع ذلك...

كلما رأيتها، شعرت أن يومي أصبح أخف.

مرر يده فوق جبينه، وزفر ببطء.

باران: وإذا سافرت...

فربما لن أراها أبدًا.

ساد الصمت من جديد.

لم يكن صمت الغرفة...

بل صمت قلب يحاول أن يجد جوابًا.

وأخيرًا...

اعتدل في جلسته، وكأن فكرة استقرت داخله.

ابتسم ابتسامة هادئة، ثم قال بحزم:

باران: لا...

لن أسمح أن ينتهي كل شيء هكذا.

إن جمعني القدر بها مرة أخرى...

فسأكسر هذا الصمت.

لن أقول شيئًا يربكها...

ولن أتجاوز حدود الأدب.

سأسألها عن اسمها فقط.

فإن وجدت منها نفورًا، أو شعرت أنني أسأت إليها...

فسأنسحب بهدوء، وأطوي هذه الصفحة إلى الأبد، ولن أسمح لمشاعري أن تعطل مستقبلي.

أما إن منحني الله قبولًا...

فلعل تلك الصدف المتكررة لم تكن عبثًا.

أطفأ المصباح، واستلقى من جديد.

كانت المرة الأولى التي يضع فيها قلبه أمام قرار حقيقي.

ولم يكن يعلم...

أن القدر كان قد سبقه بخطوات، وبدأ ينسج لهما لقاءً جديدًا، سيغيّر مجرى حياتهما دون أن يشعر أيٌّ منهما.


خرجت ديلان من القاعة بخطوات هادئة، بينما بقيت أصوات الضحكات والتهاني تتردد خلفها.

لم تلتفت.

كانت تشعر أن بقاءها أكثر من ذلك سيجعلها غريبة بين أولئك الذين تجمعهم سنوات من الدراسة والذكريات، بينما هي لم تكن سوى عابرة سبيل قادتها الصدفة إلى هناك.

شدّت الكتاب إلى صدرها، ثم مضت عبر الممر الطويل المؤدي إلى ساحة الجامعة.

كانت الشمس قد بدأت تميل نحو كبد السماء، ونسيمٌ خفيف يداعب أغصان الأشجار الممتدة على جانبي الطريق، فيما كانت أفواج الطلبة تتحرك في كل اتجاه، بعضهم يغادر بعد انتهاء محاضراته، وآخرون يستعدون لامتحانات الأيام القادمة.

أما هي...

فكانت تمشي بجسدها فقط.

بينما ظل عقلها هناك...

داخل تلك القاعة.

رأت المشهد مرة أخرى وكأنه يُعاد أمام عينيها.

باران يقف إلى جانب صديقه،

الابتسامة التي ارتسمت على وجهه بعد إعلان النتيجة،

العناق الذي جمعه بصديقه،

تصفيق الحاضرين،

وفرحة الأساتذة بما قدماه،

ثم...

تلك النظرة،

حين التقت عيناهما للحظة، قبل أن تغادر.

أطرقت برأسها، وابتسمت دون أن تشعر.

"الحمد لله..."،

"لقد نجح."

لم تكن تعرف لماذا قالتها في نفسها.

ولماذا شعرت براحة غريبة وهي تراه سعيدًا.

وكأن نجاحه أسعدها هي أيضًا.

توقفت خطواتها للحظة.

ثم همست في سرها، وكأنها تعاتب قلبها:

"ما الذي يشغلك يا ديلان؟"،

"إنه مجرد طالب رأيته مرات قليلة..."،

"لا تعرفين اسمه..."،

"ولا يعرف اسمك..."،

"فلماذا تفرحين لفرحه؟"،

لم تجد جوابًا.

واكتفت بالسير.

لكن كلمات العميد عادت تتردد في ذاكرتها من جديد...

"سيُكرَّم الطلبة المتفوقون..."،

"وسيُعلن عن أسماء المرشحين للمنح الدراسية خارج البلاد..."،

توقفت أفكارها عند الجملة الأخيرة.

المنح الدراسية... خارج البلاد.

رددت الكلمات في داخلها ببطء.

ثم تسللت إليها فكرة صغيرة أربكتها.

"إن كان من بين المتفوقين..."،

"فربما..."،

لم تكمل الفكرة.

وكأن قلبها رفض سماع بقيتها.

خفضت بصرها وهي تتابع سيرها.

"ولماذا يهمك أصلًا إن سافر أو بقي؟"،

سألت نفسها في صمت.

لكن السؤال عاد إليها مرة أخرى...

"إن سافر..."،

"فهل ستكون تلك آخر مرة أراه فيها؟"،

شعرت بانقباض خفيف في صدرها.

فأسرعت تهز رأسها وكأنها تطرد تلك الخواطر قبل أن تستقر.

لا...

ما الذي تفكر فيه؟،

هي لا تعرف عنه شيئًا،

وربما لن تراه بعد اليوم أصلًا،

ولعل ما تشعر به ليس سوى أثر تلك الصدف المتكررة التي جمعتهما خلال الأشهر الماضية،

ليس أكثر.

زفرت بهدوء.

وحاولت أن تستعيد تركيزها.

"الأهم الآن..."،

"أن أستعد للامتحان القادم."

"أما هو..."،

"فله طريقه..."،

"ولي طريقي."

كانت قد بلغت محطة قطار الأنفاق دون أن تشعر.

ازدحم الرصيف بالركاب المنتظرين، وكلٌّ منهم يحمل هموم يومه ووجهته الخاصة.

وفجأة دوّى صوت مكبرات المحطة في الأرجاء:

"يرجى من السادة المسافرين التراجع خلف الخط الأصفر... القطار المتجه إلى..."،

انتفضت ديلان من شرودها.

رفعت رأسها، فإذا بأضواء القطار تقترب داخل النفق، وصوت عجلاته يزداد وضوحًا شيئًا فشيئًا.

تنفست بعمق.

ثم قبضت على حقيبتها، وتقدمت مع بقية الركاب.

وقبل أن تخطو إلى داخل العربة...

ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، لم تعلم لها سببًا.

ابتسامة بقيت ترافقها حتى أغلقت أبواب القطار، وانطلق مبتعدًا...

بينما بقي قلبها، لأول مرة، يحمل سؤالًا صغيرًا...

ترى... هل سأراه مرة أخرى؟.


مع انطلاق القطار، أخذت المدينة تتراجع خلف الزجاج، بينما بقيت ديلان تحدق في انعكاس صورتها أكثر مما تنظر إلى الخارج.

كانت المحطة تبتعد...

لكن شيئًا في داخلها ظل عالقًا هناك.

في تلك القاعة.

عند تلك اللحظة التي رأت فيها الفرحة تشرق على وجه ذلك الشاب الهادئ.

أغمضت عينيها برهة.

ثم زفرت بخفة.

"الحمد لله..."،

همست بها في سرها.

"أسأل الله أن يوفقه."

ولم تضف شيئًا بعدها.

بقيت الرحلة كلها صامتة.

لم يدم ذلك الهدوء طويلًا.

فما إن وصلت ودفعت باب المنزل، حتى اصطدمت بالواقع الذي اعتادت أن تستقبلها به جدرانه.

كان صوت كاظم يملأ المكان غضبًا.

كاظم: أين قميصي الأزرق؟!،

وهل أصبح عليّ أن أبحث عن ملابسي بنفسي كل يوم؟! ،

تبع صوته ارتطام باب الخزانة بقوة.

ثم عاد صراخه من جديد:

كاظم: وأين الغداء؟! عدت من عملي ولم أجد شيئًا جاهزًا!،

في المطبخ...

كانت أمينة تستند إلى حافة الطاولة، وقد بدا الإرهاق واضحًا على وجهها الشاحب.

وضعت يدًا على بطنها، بينما كانت الأخرى تمسح العرق عن جبينها.

كان الغثيان الذي رافق حملها في أسابيعه الأولى قد سلبها كثيرًا من قوتها.

وما إن رأت ديلان تدخل حتى قالت بنبرة امتزج فيها التعب بالعتاب:

أمينة: أين كنتِ يا ديلان؟ لقد تأخرتِ كثيرًا.

خفضت ديلان رأسها.

ديلان: اضطررت لإعادة الكتاب الذي طلبتي مني إعادته لصاحبته صباحًا يا أمي... ثم تأخرت قليلًا داخل الجامعة.

لم تكد تكمل كلامها حتى قاطعها صوت كاظم من الغرفة المجاورة:

كاظم: وهل ستبقين واقفة هناك؟! حضري الطعام أولًا، ثم ابحثي عن ملابسي!.

أغمضت ديلان عينيها لحظة.

ثم توجهت بصمت إلى المطبخ.

خلعت معطفها.

ورفعت أكمام ثوبها.

وبدأت تعمل.

كانت تنتقل بين الموقد والخزانة والمائدة بسرعة، بينما تحاول في الوقت نفسه أن تمنع والدتها من الوقوف.

كلما حاولت أمينة مساعدتها، أعادتها إلى مقعدها برفق.

ديلان: اجلسي يا أمي... سأفعل كل شيء، ماكان عليك ان تحملي مرة أخرى .

نظرت إليها أمينة بعينين يملؤهما الأسف.

كانت تعلم أن ابنتها خرجت منذ الفجر إلى امتحانها.

ثم عادت لتبدأ دوامًا آخر داخل هذا المنزل.

لكنها...

لم تجد ما تقوله.

انقضى المساء ببطء.

أعدت ديلان الطعام.

غسلت الأواني.

رتبت المنزل.

ساعدت إخوتها الصغار في واجباتهم.

ثم هيأت لوالدتها كوبًا من الأعشاب الدافئة قبل أن تطمئن عليها.

ولم تكن الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلًا حتى دخلت غرفتها أخيرًا.

أغلقت الباب بهدوء.

وجلست إلى مكتبها الصغير.

أخرجت كتبها ودفاترها، ثم فتحت دفترها للمراحعة إستعدادا لليوم التالي.

حاولت أن تبدأ المراجعة.

قرأت السطر الأول...

ثم الثاني...

لكن الكلمات تفرقت أمام عينيها.

دون استئذان...

عاد ذلك المشهد.

وجهه...

وهو يقف بين زملائه.

ابتسامته الصادقة بعد إعلان النتيجة.

فرحة صديقه وهو يعانقه.

وتصفيق الأساتذة.

ثم كلمات العميد...

"المرشحون للمنح الدراسية خارج البلاد..."،

توقفت عيناها فوق الصفحة المفتوحة.

وسرحت.

"ترى..."،

"هل سيكون من بينهم؟"،

"يبدو أنه يستحق ذلك..."،

ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة.

لكنها سرعان ما اختفت.

أغلقت الكتاب بقوة خفيفة.

ثم أسندت رأسها إلى الكرسي.

ديلان: ما بك يا ديلان؟.

قالتها لنفسها بصوت خافت.

ديلان: إلى أين يأخذك خيالك؟،

تنهدت طويلًا.

ثم أدارت بصرها إلى خارج الغرفة.

وقع نظرها على غرفة والدتها، أين كانت نائمة امها على سريرها في الغرفة، وقد بدا التعب واضحًا على ملامحها.

ثم على إخوتها الصغار حولها، يغطون في نوم عميق على الفراش المجاور.

وخلف باب المنزل...

كان صوت كاظم لا يزال يتذمر من أمرٍ تافه، كعادته.

ابتسمت ابتسامة باهتة، امتزجت بشيء من المرارة.

ثم همست لنفسها:

ديلان: هذا هو عالمي...

هذا هو واقعي.

أما تلك اللحظات العابرة...

فليست إلا صدفًا جميلة، لا ينبغي أن أبني عليها أحلامًا.

سكتت قليلًا.

ثم مدت يدها إلى الكتاب من جديد.

وأخذت نفسًا عميقًا.

ديلان: لن يغيّر حياتي أحد...

ولا أحد سينتشلني من هذا الواقع.

بعد الله...

لن يفعل ذلك إلا علمي.

إلا نجاحي.

إلا أن أشق طريقي بنفسي، بعيدًا عن هذا البيت... وعن كاظم... وعن كل من يرى أن الفتاة لا تستحق أكثر من أن تعيش أسيرة لغيرها(كانت تقصد امها).

أعادت فتح الكتاب.

ومسحت بيدها آثار الشرود عن قلبها قبل عقلها.

ثم بدأت تقرأ...

هذه المرة، بعينين أكثر إصرارًا من أي وقت مضى.


صباح جديد...

أشرقت الشمس بخيوطها الأولى، وكأنها تعلن بداية يوم جديد يحمل لكل إنسان معركته الخاصة.

في أحد أحياء المدينة...

فتحت ديلان عينيها قبل أن يرن المنبه بدقائق.

بقيت مستلقية قليلًا تحدق في سقف الغرفة.

لم تكن الليلة الماضية سهلة.

لكنها، على الرغم من التعب، استيقظت بقلب أكثر ثباتًا.

التفتت نحو غرفة والدتها.

كانت أمينة ما تزال نائمة، وقد بدت علامات الإرهاق واضحة على وجهها، فحين كان كاظم لم يعد بعد من الخارج، لابد ان ليلته كانت حافلة بمراهنات القمار لذلك لم يعد بعد.

ابتسمت في سرها انه لازال خارج البيت ثم إقتربت من أمها بخفة، وعدلت الغطاء فوق كتفيها، ثم همست:

ديلان: شفاكِ الله يا أمي.

بعدها توضأت، وأدت صلاة الفجر، وجلست دقائق تقرأ شيئًا من القرآن، قبل أن ترفع يديها بالدعاء.

"اللهم لا تضيع لي تعبًا، ولا تخيب لي رجاءً."

ثم أغلقت مصحفها، واستعدت للخروج.

وقبل أن تغادر، ألقت نظرة أخيرة على إخوتها الصغار وهم نائمون.

ابتسمت ابتسامة هادئة.

"من أجلهم..."،

"ومن أجل أمي..."،

"ومن أجل نفسي..."،

"سأواصل الطريق."

وفي الجهة الأخرى من المدينة...

كان باران قد استيقظ هو الآخر مبكرًا.

لم يحتج إلى صوت المنبه.

فتح عينيه، فتذكر مباشرة القرار الذي اتخذه الليلة الماضية.

جلس على حافة السرير، ثم مرر يده في شعره البني الكثيف، وأطلق زفرة طويلة.

ابتسم لنفسه.

"لقد حسمت أمري."

نهض، وارتدى ثيابه، ثم خرج من غرفته.

كانت والدته قد أعدت الفطور.

جلس مع والده ومراد يتبادلون أطراف الحديث، لكن ذهنه كان في مكان آخر.

ولم يطل به المقام.

إستغرب كل من والديه ومراد..

عائشة: الم تنتهي الدراسة بعد.

باران: مازالت مناقشات بقية الزملاء ولعلي التقط معلومةاو اي شيء مفيد لم يمر عليا.

ثم حمل حقيبته، واستأذنهم، ثم غادر متجهًا إلى محطة القطار.

كان الصباح أكثر ازدحامًا من الأيام السابقة.

وقف باران في مكانه المعتاد.

ورغم أنه كان يحاول إقناع نفسه بأنه جاء مبكرًا لأنه اعتاد ذلك...

إلا أنه كان يعلم في أعماقه أنه ينتظر.

وبعد دقائق...

ظهرت.

كانت تسير بخطوات هادئة، تحمل حقيبتها بين يديها، وعيناها معلقتان بالطريق.

ما إن رآها، حتى شعر أن شيئًا في داخله قد هدأ.

ابتسم دون وعي.

ثم تذكر قراره.

تحركت قدماه خطوة إلى الأمام...

لكنه توقف.

"ليس الآن."

قالها في نفسه.

"هي الآن تعيش ضغط الامتحانات."

"ولا يحق لي أن أكون سببًا في تشتيت ذهنها."

تنهد بخفة.

ثم تابعها بعينيه وهي تصعد إلى القطار.

وللمرة الأولى...

لم يحاول أن يقترب.

اكتفى بأن يصعد إلى العربة من باب  أخر.

ومن بعيد...

وقعت عيناه عليها مرة واحدة.

كانت تجلس قرب النافذة، وقد أخرجت ملخصًا صغيرًا من حقيبتها، وأخذت تراجع فيه بتركيز.

ابتسم ابتسامة إعجاب.

"هذا هو مكانها الآن..."،

"بين كتبها وأحلامها."

"وسأدعها تكمل طريقها."

خفض رأسه قليلًا.

ثم قال في سره:

"بعد آخر امتحان..."،

"إن شاء الله..."،

"سأكسر هذا الصمت."

"سأسألها عن اسمها فقط."

"أما الآن..."

"فلتكن كل أمنياتي لها... أن تنجح."

وفي العربة امامه...

لم تكن ديلان تعلم...

أن هناك من اكتفى، في ذلك الصباح، بأن يدعو لها في صمت...

ثم آثر أن يؤجل أمنيات قلبه...

احترامًا لحلمها الذي رآه في عينيها قبل أن يراه في كتبها.


انقضت الساعات الثلاث الأخيرة من العام الدراسي ببطء شديد، حتى خُيّل إلى ديلان أن عقارب الساعة تعاند الطلبة عمدًا، وترفض أن تعلن النهاية.

كانت القاعة تغرق في صمت لا يقطعه إلا صوت تقليب الأوراق واحتكاك الأقلام بها، بينما راحت ديلان تراجع إجاباتها للمرة الأخيرة بعينين ثابتتين، وقد بدا عليها من التركيز ما جعلها تنسى كل ما يدور حولها.

رفعت بصرها نحو ساعة يدها.

لم يبقَ سوى دقائق معدودة.

ابتسمت في سرها ابتسامة خفيفة، ثم همست:

«الحمد لله...»

أغلقت ورقة الإجابة بعدما اطمأنت إلى كل ما كتبته، وأراحت ظهرها إلى المقعد قليلًا.

ولأول مرة منذ أسابيع...

شعرت أن الحمل الذي كان يجثم فوق كتفيها بدأ يخف.

ما هي إلا لحظات حتى دوّى تصفيق المراقب معلنا انتهاء الامتحان.

وقف المراقبون يجمعون الأوراق، وبدأ الطلبة يغادرون القاعة تباعًا، وقد ارتسمت على الوجوه مشاعر متباينة؛ هذا يبتسم وقد اطمأن إلى إجاباته، وآخر يراجع في ذاكرته سؤالًا أقلقه، وثالث يضحك مع زملائه لأن العام كله انتهى أخيرًا.

خرجت ديلان برفقة مريم إلى ساحة الجامعة.

كان الهواء عليلًا على غير عادة الأيام الماضية، وكأن المدينة كلها تشارك الطلبة شعورهم بانتهاء عام طويل.

سارتا جنبًا إلى جنب بين أفواج الطلاب الذين ملأوا الساحة بالضحكات وأحاديث الإجازة والنتائج المرتقبة.

تنهدت مريم وهي تبتسم قائلة:

مريم: انتهى الأمر أخيرًا... لا أصدق أننا تجاوزنا السنة الأولى.

ابتسمت ديلان بدورها.

ديلان: الحمد لله... أسأل الله أن يكلل تعبنا بالنجاح.

ثم أضافت وهي تنظر إلى مباني الجامعة التي اعتادت رؤيتها كل صباح:

ديلان: مرت السنة أسرع مما توقعت.

ضحكت مريم.

مريم: وأبطأ أيضًا... خاصة أيام الامتحانات.

شاركتها ديلان الضحك لأول مرة منذ أيام، قبل أن تخرجا من البوابة الرئيسية متجهتين نحو محطة قطار الأنفاق.

وقبل أن تصلا إلى الدرج المؤدي إلى المحطة، توقفت مريم فجأة.

ضربت كفًا بالأخرى وهي تقول:

مريم: أوه... كدت أنسى!.

التفتت إليها ديلان باستغراب.

ديلات: ماذا هناك؟.

قالت مريم على عجل:

مريم: أخبرتك أن أمي ستستلم اليوم عملها الجديد، أليس كذلك؟.

أومأت ديلان.

كانت تعلم أن والدة مريم، بعد تقاعدها من مهنة التعليم، عُرض عليها أن تعمل مرشدةً دينية، تقدم دروسًا للنساء في أحد المساجد، إلى جانب الإشراف على حلقات التدريس في المدرسة القرآنية التابعة له.

قالت مريم بابتسامة يغلب عليها الفخر:

مريم: اليوم أول يوم لها... وقد وعدتها أن أرافقها حتى تستلم عملها، ثم أعود معها.

ثم أمسكت يد صديقتها بلطف.

مريم: سامحيني... لن أستطيع أن أرافقك اليوم.

ابتسمت ديلان وربتت على يدها.

ديلان: بل اذهبي... هذا يوم جميل لوالدتك، وأسأل الله أن يبارك لها فيه.

احتضنتها مريم سريعًا.

مريم: لا تنسي أن تخبريني ان نذهب للجامعة فور ظهور النتائج.

ضحكت ديلان.

ديلات: وأنت أيضًا.

لوحت كل واحدة للأخرى بيدها.

ثم افترق الطريق بينهما.

هبطت مريم الدرج مسرعة، متجهة إلى الرصيف الآخر.

أما ديلان، فأكملت طريقها وحدها.

وللمرة الأولى منذ أيام...

وجدت نفسها تعود من الجامعة دون رفيقتها.

شعرت بغربة خفيفة.

لكنها مضت.

دخلت المحطة، وكانت حركة الركاب كعادتها لا تهدأ.

وقفت خلف الخط الأصفر تنتظر وصول القطار، تضم حقيبتها إلى صدرها في هدوء.

وفي الجهة الأخرى من الرصيف...

كان باران يقف منذ دقائق.

منذ أن انتهى من حظور مناقشة  بعض الاصدقاء تخص مشروع تخرجه، جاء إلى المحطة مبكرًا.

اليوم...

ليس ككل الأيام.

كان هذا هو الموعد الذي قطعه على نفسه.

آخر امتحان.

آخر يوم دراسي.

آخر فرصة قبل أن يغادر الجامعة إلى عالم آخر.

ظل يراقب مدخل المحطة بعينين يملؤهما انتظار صامت.

ولما لمحها...

شعر أن قلبه خفق بقوة حتى كاد يسمعه.

ها هي...

كما اعتاد أن يراها.

تحمل حقيبتها، وتمشي بخطوات هادئة، ورأسها مائل قليلًا إلى الأسفل.

لكنها هذه المرة...

كانت وحدها.

لم تكن مريم إلى جوارها.

تساءل في نفسه:

"أين صديقتها؟"،

ثم ابتسم ابتسامة خافتة.

لعلها...

الفرصة التي انتظرها طويلًا.

وصل القطار، وانفتحت أبوابه، واندفع الركاب إلى الداخل.

ركبت ديلان بهدوء، وأخذت تبحث بعينيها عن مقعد شاغر.

وفي الطرف الآخر من العربة...

وجد باران مقعدين متجاورين لم يشغلهما أحد بعد.

تقدم نحوهما بسرعة هادئة، وجلس إلى أحدهما.

ثم رفع بصره إليها.

كانت لا تزال تبحث عن مكان تجلس فيه.

تردد لحظة...

ثم استجمع شجاعته لأول مرة منذ أشهر.

ورفع يده قليلًا، وهو يقول بصوت خفيض، لا يكاد يسمعه سواها:

باران: تفضلي يا آنسة... هنا يوجد مكان شاغر.

                 الفصل السابع من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>