رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السابع7 والثامن8 بقلم عاشقة القلم

رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل السابع7 والثامن8 بقلم عاشقة القلم

.......✍️تحولت كلمات باران البسيطة إلى صوتٍ بدا وكأنه شقَّ طريقه وسط ضجيج العربة ليستقر في أذني ديلان وحدها.

باران: تفضلي... هنا مكان شاغر.

رفعت رأسها نحوه.

ولوهلةٍ، لم تستوعب أن الحديث موجَّه إليها.

ثم التقت عيناهما...

العينان اللتان اعتادت أن تراهما من بعيد بين ممرات الجامعة، وعند محطة القطار، وأمام لوحة الإعلانات، وفي زحام الأيام التي مضت دون كلمة واحدة.

شعرت بقلبها يخفق بخفة.

لكنها تماسكت.

ألقت نظرة سريعة حولها، فلم تجد مقعدًا آخر شاغرًا، بينما كانت العربة تمتلئ شيئًا فشيئًا بالركاب.

تقدمت بخطوات مترددة، ثم قالت بصوت خفيض يغلب عليه الحياء:

ديلان: شكرًا.

جلسَت على طرف المقعد، محافظةً على مسافةٍ كافية بينهما، ووضعت حقيبتها فوق ركبتيها، بينما شبكت أصابعها بعضها ببعض في محاولة لإخفاء ارتباكها.

أما باران...

فشعر بأن قلبه يكاد يقفز من بين ضلوعه.

طوال الأشهر الماضية كان يتخيل هذه اللحظة عشرات المرات.

كان يظن أنه حين تأتي، ستنساب الكلمات بسهولة.

لكن...

ها هو يجلس إلى جوارها لأول مرة، ولا يجد كلمة واحدة يبدأ بها.

ساد بينهما صمت قصير.

لم يكن صمتًا ثقيلًا...

بل صمتًا يشبه البدايات الخجولة.

كان صوت عجلات القطار وهي تحتك بالقضبان يملأ الفراغ بينهما، بينما راحت المحطات تتوالى خلف النوافذ.

خفض باران بصره قليلًا، ثم رفعه إليها مرة أخرى.

كان يعلم أنه إن لم يتكلم الآن، فقد لا يمنحه القدر فرصة أخرى.

أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بهدوء:

باران: أعتذر... إن كنت قد سببت لك أي إزعاج.

التفتت إليه ديلان باستغراب.

هز رأسه وهو يتابع، وقد بدت عليه أمارات التوتر لأول مرة:

باران: أعلم أن كلامي قد يفاجئك... لكنني لم أرد أن تنتهي أيام الجامعة هكذا... دون أن أقول شيئًا.

نظرت ديلان للأرض ظل وجهها هادئًا، إلا أن قلبها بدأ يخفق أسرع.

أنصتت إليه بصمت.

قال بعد لحظة تردد:

باران: منذ أشهر... كنا نلتقي كثيرًا في محطة القطار، وفي الجامعة.

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

باران: لا أعرف اسمك...

ولا أظنك تعرفين اسمي.

لكنني... اعتدت أن أراك.

ولم أعد أعتبر رؤيتك صدفة عابرة.

ازدادت أنفاس ديلان اضطرابًا.

أشاحت بصرها إلى حقيبتها، ولم تعرف بماذا تجيب.

أما هو، فقد أسرع يضيف، خشية أن تسيء فهمه:

باران: أرجوك... لا تسيئي الظن بي.

ما سأقوله لا أقصد به أن أحرجك أو أزعجك.

ولو شعرتِ للحظة أنني تجاوزت حدود الأدب، فسأعتذر الآن، ولن أتحدث إليك مرة أخرى.

رفعت رأسها إليه.

لم تجد في ملامحه ما يدعو إلى الريبة.

كان صادقًا...

أو هكذا أخبرها إحساسها.

ظل الصمت بينهما للحظات.

ثم قال باران، وقد جمع شجاعته كلها:

باران: كنت أتمنى... لو تسمحين لي أن نجلس بضع دقائق في مكان عام، بعد أن تنتهي رحلتنا.

لا أريد أكثر من حديثٍ قصير.

هناك أمر أود أن أقوله لك.

اتسعت عينا ديلان قليلًا.

ثم هزت رأسها برفق، وقالت بصوتٍ خافت، لكنه كان حازمًا:

ديلان: أعتذر...

ساد الصمت ثانية.

وأكملت وهي تشبك أصابعها بقوة:

ديلان: لكنني لا أستطيع.

توقف باران عن الكلام.

لم يقاطعها.

فقالت، وقد ازداد حياؤها:

ديلان: لا أستطيع ان أجلس مع أي شاب...

ولا أستطيع أن أفعل شيئًا لا يرضي الله، ولا يرضي أسرتي.

لم يشعر باران بخيبة بقدر ما شعر بالاحترام.

ابتسم ابتسامة هادئة.

ثم أومأ برأسه قائلاً:

باران: معك حق.

ولو كنت مكانك...

لقلت الشيء نفسه.

شعرت ديلان بشيء من الارتياح.

لم يحاول أن يجادلها.

ولم يضغط عليها.

بل تقبل جوابها بكل هدوء.

أدخل باران يده إلى جيب سترته، وأخرج ظرفًا أبيض صغيرًا، كان قد احتفظ به منذ الليلة الماضية.

ظل ينظر إليه لحظة، ثم مده إليها.

ترددت ديلان.

فنطق سريعًا:

باران: لا تقلقي...

لن أطلب منك جوابًا الآن.

هذه مجرد رسالة.

كتبت فيها كل ما عجز لساني عن قوله.

إن رأيتِ أن تأخذيها، فافعلي.

وإن رأيتِ أن تتركيها...

فسأحترم قرارك.

نظرت إلى الظرف.

ثم إلى وجهه.

كان يبدو متوترًا أكثر منها.

مدت يدها ببطء...

وأخذت الظرف.

لكنها لم تنظر إليه.

ضمته إلى حقيبتها في هدوء.

تنفس باران الصعداء، وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدره.

ثم قال بصوت يكاد لا يُسمع:

باران: شكرًا لك...

لأنك استمعتِ إلي.

ثم ابتسم ابتسامة صادقة، وأضاف:

باران: ولا تقلقي...

لن أطلب منك شيئًا آخر الآن.

كل ما أرجوه...

أن تقرئي الرسالة حين تجدين الوقت المناسب لذلك.

فإن رأيتِ أنني مخطئ...

فمزقيها، وانسي أن هذا اللقاء حدث.

أما إن وجدتِ فيها صدقًا...وفكرت في عرضي ورأيتي انه يحتاج ان نمنحه فرصة فستجدين في آخرها ما أرجوه منك.

لم تجبه ديلان.

لكنها شعرت أن قلبها لم يعد بالهدوء الذي كان عليه حين صعدت إلى القطار.

أما القطار...

فكان يواصل سيره بهدوء، بينما حمل بين راكبين مجهولين للناس...

أول حديثٍ وُلد بعد أشهرٍ طويلة من الصمت.


ساد الصمت بينهما من جديد.

لكن...

لم يعد الصمت ذاته الذي لازمهما طوال الأشهر الماضية.

كان صمتًا مختلفًا.

صمتًا وُلدت بعده كلمات قليلة، لكنها كانت كافية لتبدل شيئًا في داخلهما.

كانت ديلان تنظر من خلف زجاج النافذة، تحاول أن تبدو منشغلة بما يمر خارج القطار.

غير أن عقلها لم يكن يرى شيئًا من الشوارع أو الأبنية التي تتوالى أمامها.

كانت تشعر بوجود الظرف الصغير داخل حقيبتها...

وكأنه أصبح أثقل من حقيبتها كلها.

"لماذا أخذته؟"،

سألت نفسها للمرة العاشرة.

"كان يمكنني أن أرفض "،

ثم عادت تجيب نفسها.

"لكنه لم يجبرني..."،

"ولم يتجاوز حدوده..."،

"حتى إنه احترم رفضي."

تنهدت بهدوء،

ثم هزت رأسها بخفة،

"لن أفتحه الآن..."،

"سأفكر حين أصل إلى البيت."

أما باران...

فكان يجلس في هدوء، وقد خف التوتر الذي لازمه منذ أن لمحها في المحطة.

لم يكن ينتظر جوابًا.

ولم يكن يطلب وعدًا.

كان يشعر براحة غريبة.

راحة رجل حمل في صدره كلامًا طويلًا لأشهر...

ثم استطاع أخيرًا أن يضعه بين يدي صاحبه.

نظر إلى انعكاس وجهه على زجاج النافذة، فابتسم دون شعور.

"الحمد لله..."،

"لقد قلت ما استطعت قوله "،

"والباقي..."،

"أتركه لله "،

لم يحاول أن ينظر إليها كثيرًا، فقد رأى إرتباكها ووجنتيها التي توردت خجلا، وتوترها الذي ظهر جليا وهي تفرك كفيها مع بعض.

اكتفى بالصمت.

أعلن مكبر الصوت اسم المحطة التالية.

كانت محطة قريبة من وسط المدينة.

رفع باران رأسه ببطء.

ثم التفت إليها.

قال بصوت هادئ:

باران: سأنزل في هذه المحطة.

رفعت ديلان عينيها إليه.

واكتفت بإيماءة خفيفة برأسها.

وقف باران، وحمل حقيبته.

وقبل أن يتجه نحو الباب، توقف لحظة.

ابتسم ابتسامة وقورة، وقال:

باران: أسأل الله أن يوفقك...

وأن يحقق لك كل ما تتمنينه.

تفاجأت ديلان بالدعاء أكثر من الكلمات.

رفعت رأسها نحوه، وقالت بخجل:

ديلان: ولك بالمثل.

كانت تلك أول جملة كاملة تقولها له دون تقطع بسبب خجلها الشديد منه.

جملة قصيرة...

لكنها جعلت قلبه يخفق بقوة.

اكمل باران..

باران: إن لمست في كلامي صدقا فسأنتظرك كما دونت في الرسالة.

أومأ برأسه شاكرًا.

ثم نزل من القطار.

وقف على الرصيف لحظة، يتابع العربة بعينيه.

ولم يرفع يده مودعًا.

ولم يحاول أن يلفت انتباهها مرة أخرى، حتى لا يربكها اكثر مما هي عليه.

اكتفى بابتسامة هادئة.

ثم استدار، ومضى في طريقه.

أما داخل القطار...

فبقيت ديلان تنظر عبر الزجاج إلى الرصيف الذي ابتعد شيئًا فشيئًا.

حتى اختفى.

خفضت بصرها ببطء.

ثم وضعت يدها فوق حقيبتها...

حيث يرقد الظرف الأبيض في صمت.

شعرت بأن قلبها عاد يخفق من جديد.

"ما الذي كتبه؟..."،

سؤال ظل يلح عليها.

لكنها أغلقت حقيبتها بإحكام، وأسندت رأسها إلى المقعد.

لن تقرأه هنا.

ولن تسمح لفضولها أن يغلبها أمام الناس.

ستنتظر...

حتى تعود إلى غرفتها.

وحين تصبح وحدها...

ستفتح ذلك الظرف، الذي ربما يحمل بداية طريق جديد...

أو نهاية قصة لم تبدأ بعد.


وصلت ديلان إلى منزلها قبيل العصر.

كان صوت كاظم يتردد في أرجاء المنزل كعادته، يتذمر من أمرٍ تافه، بينما كانت أمينة تحاول تهدئته وهي تخفي إرهاقها خلف ابتسامة باهتة.

ألقت ديلان السلام، ثم ساعدت والدتها في إعداد الشاي، ورتبت المطبخ، وأجابت عن أسئلة إخوتها الصغار الذين كانوا يتحدثون بحماس عن انتهاء العام الدراسي.

مضى الوقت كأي يوم آخر...

لا شيء تغيّر في هذا البيت.

وحدها هي كانت تشعر أن شيئًا صغيرًا استقر في أعماقها منذ أن غادرت القطار.

كلما وضعت حقيبتها جانبًا، تذكرت الظرف الأبيض.

وكلما همّت بفتحه، عاد صوت والدتها يناديها، أو طلب أحد إخوتها منها شيئًا، أو ارتفع صوت كاظم في أرجاء المنزل.

حتى أرخى الليل سدوله.

وأخيرًا...

دخلت غرفتها.

أغلقت الباب برفق حتى لا توقظ إخوتها الذين سبقوها إلى النوم.

جلست على طرف سريرها، ثم مدت يدها إلى الحقيبة.

أخرجت الظرف.

ظل بين يديها لحظات طويلة.

قلبته مرة...

ومرة أخرى.

لم يكن عليه اسمها.

ولا اسم صاحبه.

ولا أي عبارة تدل على صاحبه.

مجرد ظرف أبيض بسيط...

ككل شيء يخص ذلك الشاب الهادئ.

تنفست بعمق.

ثم فتحته بحذر، وأخرجت منه ورقة مطوية بعناية.

بدأت تقرأ...

« السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

أعتذر إليك قبل أن تقرئي أول كلمة.

وأعتذر مرة أخرى لأنني وضعتك في موقف لم تختاريه.

أعلم أن ما فعلته قد يفاجئك، وربما يزعجك أيضًا، ولذلك أعذرك مهما كان موقفك بعد قراءة هذه الرسالة.

لا أعرف اسمك.

ولا تعرفين اسمي.

ولم يجمع بيننا حديث من قبل.

لكن الله جمع بيننا مرات كثيرة في المكان نفسه، حتى أصبح حضورك جزءًا من أيامي الجامعية دون أن أشعر.

لم أكتب إليك لأنني أبحث عن تسلية، أو لأنني اعتدت الحديث مع الفتيات.

بل على العكس...

لقد بقيت أشهرًا كاملة ألوم نفسي كلما فكرت في الحديث إليك، خوفًا من أن أكون سببًا في إحراجك أو مضايقتك.

وأشهد الله أنني ما قصدت إلا الخير.

حين رأيت حياءك، ووقارك، وحرصك على دراستك، ازددت احترامًا لك قبل أن تتكون في قلبي أي مشاعر أخرى.

ولذلك أخرت الحديث حتى انتهت امتحاناتك، وحتى انتهت دراستي أيضًا، حتى لا أشغلك عن مستقبلك، ولا أكون سببًا في تشتيت تركيزك.

أعلم أن هذه الرسالة قد تكون آخر ما يصلك مني.

ولهذا أردت أن أكون واضحًا معك.

إن لم تشعري بالارتياح بعد قراءتها، فأرجوك انسي الأمر كله، ومزقي هذه الورقة، واطمئني...

فلن أحاول الوصول إليك مرة أخرى، ولن أسمح لنفسي بأن أسبب لك أي حرج.

أما إن وجدتِ في كلماتي صدقًا، ورأيتِ أن من حقي أن أعرف جوابك...

فسأكون ـ بإذن الله ـ يوم السبت القادم، في تمام الرابعة مساءً، في الكافتيريا المقابلة للمكتبة المركزية للجامعة.

لن أنتظر أكثر من ساعة.

وإن لم تأتي...

فسأعتبر ذلك جوابًا كافيًا، وسأدعو الله أن يوفقك في حياتك، ثم أمضي في طريقي، ولن أزعجك بعد اليوم.

ولا أطلب منك أن تأتي وحدك.

بل إن أردتِ، فاحضري مع إحدى قريباتك أو صديقاتك، فهذا أفضل لك ولي، حتى تطمئني أكثر أنني لا اريد بك سوءا معاذ الله.

وأخيرًا...

أسأل الله أن يكتب لك الخير حيث كان.

وأن يحقق لك أحلامك، وأن يجعل النجاح حليفك في الدنيا والآخرة.

سامحيني إن أخطأت في حقك دون قصد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

... شاب احترمك وأحبك قبل أن يعرف حتى اسمك.»


هبط الليل على المنزل بهدوئه المعتاد، وسكنت الأصوات شيئًا فشيئًا، حتى لم يبق سوى همسات الريح المتسللة من النافذة، وصوت عقارب الساعة وهي تمضي ببطء، كأنها تزيد من ثقل اللحظات بدل أن تخففه.

أغلقت ديلان باب غرفتها برفق بعد ان ألقت نظرة في الرواق، وإطمئنت ان الكل نائم، ثم استندت إليه لثوانٍ طويلة.

كانت تشعر أن قلبها أثقل من أن يحمل كل ما يضج به.

ألقت نظرة على حقيبتها فوق الكرسي، لكنها ما لبثت أن عادت إليها، وأخرجت منها الظرف الأبيض.

تأملته طويلًا...

ذلك الظرف البسيط الذي لم يحمل اسمًا، ولا عنوانًا، ولا حتى توقيعًا.

ومع ذلك...

كان يحمل من الاضطراب ما لم تحمله في حياتها رسالة من قبل.

جلست على طرف سريرها، وأخرجت الورقة للمرة الثالثة منذ أن وصلت إلى المنزل.

بدأت تقرأها ببطء...

وكأنها تقرؤها لأول مرة.

كل سطر كانت تقف عنده طويلًا.

"لا أعرف اسمك..."،

ابتسمت ابتسامة باهتة.

"وأنا أيضًا..."،

همست بها في داخلها.

"لا أعرف حتى اسمه..."،

ثم تابعت القراءة.

"أشهد الله أنني ما قصدت إلا الخير."

خفضت عينيها.

كم كانت تلك العبارة مختلفة عن كل ما كانت تسمعه من كاظم كل يوم.

لم تكن تعرف لماذا خطرت لها المقارنة أصلًا.

لكنها حدثت.

من تلقاء نفسها.

هزت رأسها سريعًا.

"لا..."

"لا يجوز أن أقارن."

"لا أعرفه أصلًا."

تابعت القراءة.

حتى توقفت عند قوله:

"ولا أطلب منك أن تأتي وحدك."

طال صمتها.

وأعادت قراءة الجملة مرة...

ثم مرتين.

شعرت بشيء من الطمأنينة يتسلل إليها.

"إذن..."

"هو يعلم أنني لن أقبل بمثل ذلك."

"بل فكر في الأمر قبلي."

تنهدت.

ثم وضعت الرسالة على حجرها.

وراحت تحدق في الفراغ.

بدأت الأسئلة تتدافع داخل رأسها بلا رحمة.

"ماذا يريد مني؟"،

"ولماذا أنا تحديدًا؟"،

"هل أعجبته لأنني كنت أمر أمامه كل يوم؟"،

"أم أنه يظن أنني سأوافق لمجرد أنه كتب رسالة؟"،

سرعان ما أنكرت الفكرة.

"لا..."،

"لو كان كذلك..."،

"لما انتظر كل هذه الأشهر."

أغمضت عينيها.

فعاد إليها ذلك الصباح...

حين ابتسم لها أمام لوحة الإعلانات.

تلك الابتسامة الهادئة...

الخالية من الجرأة المبتذلة...

ولا من نظرات التباهي او نظرة تحمل معنى مسيئ التي طالما نفرتها في بعض الشباب، بل كانت نظرته مختلفة فيها شيء من الدفئ والحنان لم تلمسه من قبل في أي أحد، نظرة لم تستطع تفسيرها إلا انها صادقة بريئة من كل معنى مبتذل، نظرة بعثت في قلبها الطمأنينة والامان الذي غاب عنها منذ سنوات.

شعرت بحرارة تسري في وجنتيها، وبخفقان قلبها الذي شعرت انه سيخرج من بين ظلوعها، حتى اننا وضعت يدها على قلبها وكأنها تمسكه لتهدئه وتخفف من روعه، وشعرت بحرارة تلفح وجهها، وإبتسامة عريضة ٱرتسمت على شفتيها بدون شعور منها، وعلقها يأتي بصورته أمامها وهو يبتسم لها.

فضغطت الرسالة بين أصابعها.

"ما بك يا ديلان؟"،

"منذ متى وأنت تفكرين في شاب بهذه الطريقة؟"،

"أهذه أنت حقًا؟"،

نهضت من مكانها، وبدأت تسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا.

تحاول أن تهرب من أفكارها...

لكنها كانت تسبقها في كل خطوة.

توقفت أمام النافذة.

رفعت بصرها إلى السماء.

كان الليل ساكنًا...

هادئًا...

كأنه لا يعرف شيئًا عن العاصفة التي تدور داخلها.

أغمضت عينيها مرة أخرى.

"إن ذهبت..."،

"فماذا سأقول؟"،

"وإن لم أذهب..."،

"ألن أظل أتساءل طوال عمري ماذا كان يود أن يقوله لي؟"،

ساد الصمت.

ثم خرجت منها تنهيدة طويلة.

مدت يدها، وطوت الرسالة بعناية كما كانت.

وأعادتها إلى الظرف.

ثم فتحَت أحد كتبها الجامعية.

ووضعتها بين صفحاته.

وأغلقت الكتاب ببطء ووضعته على الرف.

وكأنها تحاول أن تغلق معه كل تلك الأسئلة.

لكنها كانت تعلم...

أنها لم تُغلق شيئًا.

بل أجلت الإجابة فقط.

وللمرة الأولى منذ زمن طويل...

كانت تعرف أنها لن تستطيع حسم هذا الأمر وحدها.

كان هناك شخص واحد فقط...

تثق برأيه بعد نفسها.

مريم.


لم تستطع ديلان أن تؤجل الأمر أكثر.

منذ أن طوت الرسالة وأخفتها بين صفحات الكتاب، وهي تشعر أن كلماتها لم تُغلق مع الكتاب، بل بقيت مفتوحة داخل قلبها، تلاحقها أينما ذهبت.

في الصباح التالي، وبعد أن أنهت بعض أعمال المنزل، خرجت من بيتها متذرعة بأنها ستعيد بعض المراجع إلى المكتبة، ثم اتجهت إلى المكان الذي اتفقت مع مريم أن تلتقيا فيه.

كانت حديقة صغيرة تتوسط الحي، يحيط بها عدد من الأشجار العتيقة التي ألقت بظلالها على المقاعد الحجرية، فيما كانت نسائم الصباح تداعب الأوراق في هدوء يبعث على السكينة.

وصلت مريم أولًا.

وما إن رأت ديلان حتى نهضت تستقبلها بابتسامتها المعتادة.

مريم: السلام عليكم.

ديلان: وعليكم السلام ورحمة الله.

جلستا متجاورتين.

لاحظت مريم منذ اللحظة الأولى أن شيئًا ما يشغل صديقتها.

لم تكن تلك ديلان التي تعرفها.

كانت أكثر صمتًا...

وأكثر شرودًا.

وظلت دقائق تمر بينهما، تتبادلان أحاديث عابرة عن الامتحانات، وعن العطلة الصيفية، لكن مريم كانت تشعر أن ديلان تؤجل الحديث الحقيقي.

وأخيرًا...

تنهدت ديلان طويلًا.

ثم فتحت حقيبتها ببطء.

أخرجت الظرف الأبيض.

وظلت تنظر إليه لحظات دون أن تتكلم.

انعقد حاجبا مريم في دهشة.

مريم: ما هذا؟.

رفعت ديلان عينيها إليها، وقالت بصوت خافت:

ديلان: لا أعرف...

لا أعرف إن كنت سأحسن التصرف اريد ان تقرئينه اولا.

تناولت مريم الظرف في هدوء، ثم نظرت إلى ديلان تستأذنها بعينيها.

فاكتفت ديلان بإيماءة بسيطة.

فتحت مريم الرسالة.

وبدأت تقرأ.

أما ديلان...

فكانت تراقب تعابير وجهها أكثر مما كانت تراقب الكلمات.

كلما تقدمت مريم في القراءة، كانت ديلان تشعر أن أنفاسها تضيق.

"ترى... ماذا ستقول؟"،

"هل ستلومني لأنني أخذت الرسالة؟"،

"أم ستظن أنني أخطأت منذ البداية؟"،

انتهت مريم من القراءة.

أعادت طي الورقة بعناية.

ثم بقيت صامتة.

صمتها كان أشد وطأة من أي جواب.

لم تحتمل ديلان الانتظار أكثر.

سألتها بصوت متردد:

ديلان: تكلمي...

مهما كان رأيك سأحترمه.

تنهدت مريم بهدوء، ثم قالت:

مريم: قبل أن أبدي رأيي...

أريد أن أسألك بعض الأسئلة.

أومأت ديلان برأسها بالإيجاب.

مريم: هل سبق أن ضايقك هذا الشاب؟.

ديلان: لا.

مريم: هل حاول أن يكلمك طوال السنة؟.

ديلان: أبدًا.

مريم: هل لاحقك في الجامعة أو في الطريق؟.

ديلان: لم يحدث.

مريم: كما انه لم  يقل في رسالته كلمة لا تليق؟.

هزت ديلان رأسها نفيًا.

ابتسمت مريم ابتسامة خفيفة.

ثم قالت:

مريم: إذن... لا أرى في الرسالة ما يسيء إليك.

خفضت ديلان رأسها.

لكن القلق لم يفارقها.

قالت بصوت يكاد لا يُسمع:

ديلان: لكنني لا أعرفه...

لا أعرف حتى اسمه.

ولا من أي عائلة هو.

ولا ماذا يريد مني في الحقيقة.

هزت مريم رأسها بتفهم.

مريم: وهذا حقك.

بل من حقك أن تخافي.

ومن حقك ألا تثقي بشخص لا تعرفينه.

سكتت لحظة، ثم أردفت:

مريم: لكن من الإنصاف أيضًا ألا نحكم على إنسان بالسوء قبل أن نعرف نيته او ماذا يريد؟.

بقيت ديلان صامتة.

كانت كلمات مريم تجد طريقها إلى عقلها بهدوء.

قالت بعد تردد:

ديلان: أخشى أن أندم إن ذهبت...

وأخشى أن أندم أكثر إن لم أذهب.

ابتسمت مريم لهذه الجملة.

وقالت:

مريم: يبدو أنك تفكرين بالأمر منذ أيام.

ابتسمت ديلان بخجل.

ثم اعترفت:

ديلان: منذ أن قرأت الرسالة...

لم يغادرني التفكير.

ساد الصمت بينهما.

ثم رفعت ديلان رأسها، وقالت ببطء:

ديلان: إن ذهبت...

فلن أذهب وحدي.

ابتسمت مريم في هدوء.

مريم: وأنا لن أتركك تذهبين وحدك.

تنهدت ديلان، وكأن جزءًا من الحمل الذي كان فوق صدرها قد خف.

ثم قالت وهي تنظر إلى الرسالة:

ديلان: سأذهب...

لكن ليس لأنني اتخذت قرارًا.

سأذهب فقط لأسمع ما يريد قوله وماذا يريد مني؟.

ثم سكتت لحظة، قبل أن تضيف بحزم ظهر لأول مرة في صوتها:

ديلان: فإن لم يعجبني كلامه...

أو شعرت بشيء لم أرتح له...

أو رأيت منه تصرفًا لا يليق...

فسأنهض في اللحظة نفسها، وأغادر دون أن أسمح له بإكمال حديثه.

ابتسمت مريم ابتسامة رضا.

وقالت:

مريم: هذا هو القرار الذي كنت أتمنى أن أسمعه منك.

ليس لأنك وافقت على الذهاب...

بل لأنك ذاهبة بعقلك قبل قلبك، لكن اطلب منك ان تفعلي شيئا اولا.

ديلان: ماهو؟.

مريم: لقد بقيت اربع ايام على يوم السبت، اطلب منك ان تصلي صلاة إستخارة لعل الله يحدث امرا في هذه الايام.

ديلان: حسنا سأصليها الليلة وادعوا بكل خشوع وتذرع ان ينير الله قلبي للطريق الصحيح.

مريم: هذا هو الراي الصحيح وتأكدي فالله تعالى لن يخذل عبدا إستخاره وطلب العون منه.

ديلان: إذن سابلغك في الهاتف ما يحدث معي .

ابتسمت ديلان ابتسامة خافتة.

لكنها لم تكن تعلم...

أن القدر كان قد كتب لذلك الموعد قدرا مختلفا...

قبل أن يبدأ.

عادت ديلان إلى منزلها، لكن قلبها لم يعد معها. كانت خطواتها هادئة، بينما تضج روحها بأسئلة أثقلتها حتى خُيِّل إليها أن الليل وحده يسمع اضطرابها. حاولت أن تنشغل بما حولها، غير أن الفكرة ظلت تلاحقها، تتردد في أعماقها كلما أغمضت عينيها.

وحين انتصف الليل، وقد غرق المنزل في سكونه، نهضت من فراشها بهدوء، كأنها تخشى أن توقظ أحدًا من نومه أو أن تُفزع ذلك السكون المبارك. اتجهت إلى موضع الوضوء، فانسكب الماء البارد على كفيها ووجهها، يحمل معه شيئًا من ثقل صدرها، ويغسل عنها شيئًا من حيرتها. ثم بسطت سجادتها، واستقبلت القبلة بقلب منكسر، لا يحمل بين جنبيه إلا رجاءً صادقًا أن يهديها الله إلى ما فيه الخير.

وقفت بين يدي ربها بخشوع، تؤدي صلاة الاستخارة، وتُفرغ في ركوعها وسجودها ما عجز لسانها عن البوح به للناس. وما إن سلَّمت حتى رفعت كفيها إلى السماء، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، وهمست بصوت خافت امتزج بالرجاء:

«اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به.»

ثم تابعت دعاءها بحرارة المؤمن الذي لم يبق له إلا باب ربه:

«اللهم اختر لي ولا تخيرني، ودبر أمري فإني لا أحسن التدبير. اللهم إن قلبي بين يديك، فاهدني إلى ما يرضيك، ولا تجعلني أندم على قرار اتخذته أو طريق سلكته. اللهم ارزقني الطمأنينة بعد الحيرة، واليقين بعد الشك، وافتح لي من أبواب الخير ما لا يخطر لي على بال، واجعل لي من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ومن كل بلاء عافية.»

وظلت تردد الأدعية حتى سكن اضطراب قلبها شيئًا فشيئًا، وشعرت بأن يقينًا خفيًا بدأ يتسلل إلى روحها، وكأنها ألقت أثقالها كلها عند باب الرحمن، وأيقنت أن ما اختاره الله لها سيكون خيرًا، وإن خالف ما تتمناه نفسها.

ابتسمت ابتسامة واهنة يملؤها الرضا، ثم طوت سجادتها برفق، وعادت إلى فراشها، وما إن أغمضت عينيها حتى استسلمت لنوم هادئ، وقد تركت أمرها كله لمن لا تضيع عنده الودائع.


أشرقت شمس يوم جديد هادئة، على غير ما كان يدور في صدر ديلان.

استيقظت قبل موعدها المعتاد، لكنها لم تنهض من فراشها مباشرة، بل بقيت تحدق في سقف الغرفة طويلًا، وكأنها تنتظر من قلبها أن يمنحها جوابًا أخيرًا.

اليوم...

هو اليوم الذي حدده صاحب الرسالة.

اليوم الذي ظلت تؤجله في خيالها منذ أيام، وتعيد رسم تفاصيله مرة بعد أخرى، ثم تمحوها، وكأنها تخشى حتى التفكير فيه.

أغمضت عينيها.

فعادت إلى ذاكرتها كلمات الرسالة.

"إن لم تأتي... فسأعتبر ذلك جوابًا، ولن أزعجك بعد اليوم."

كم بدت تلك العبارة مؤلمة.

لا لأنها شعرت بأنها ملزمة بالذهاب...

بل لأنها لم تجد فيها ذرة ضغط أو ابتزاز.

ترك لها القرار كاملًا.

وكأنما وضع مصير تلك الحكاية بين يديها، ثم تراجع خطوة احترامًا لحريتها.

تنهدت ببطء.

ثم نهضت من فراشها.

غسلت وجهها بالماء البارد، علّه يطفئ شيئًا من اضطرابها، ثم وقفت أمام خزانتها.

مدّت يدها نحو أحد الفساتين.

ثم سحبتها سريعًا.

"لا..."

أخرجت ثوبًا آخر أكثر بساطة.

تأملته لحظات.

ثم أعادته إلى مكانه.

وأغلقت باب الخزانة.

ابتسمت لنفسها ابتسامة خافتة يشوبها شيء من السخرية.

ديلان: ما الذي تفعلينه يا ديلان؟،

ألهذه الدرجة أصبحتِ حائرة؟،

جلست على طرف السرير.

وضعت وجهها بين كفيها.

بدأ عقلها يقنعها بالعدول.

"لا تذهبي..."،

"أنت لا تعرفينه."

لكن شيء في داخلها كان يجيب بهدوء:

"ولهذا سأذهب..."،

"لأعرف."

عاد العقل يقول:

"وماذا لو كان يخدعك؟"،

فأجاب القلب:

"إن شعرت بذلك... سأغادر."

رفعت رأسها فجأة.

وكأنها حسمت أمرها.

قالت بصوت خافت، لكنها سمعته واضحًا:

ديلان: سأذهب...

ثم سكتت لحظة.

وأكملت:

ديلان: لا لأنني وثقت به...

ولا لأنني صدقت كل ما كتبه...

بل حتى لا أعيش في حيرة، ولأنني أريد أن أسمع منه، لاحسم أمري معه واقطع الشك باليقين،

فإن لم يعجبني حديثه...

أو لم أرتح له...

فسأغادر في اللحظة نفسها.

لن يمنعني أحد.

ولن يجبرني أحد.

إتصلت بمريم واتفقت معها على الوقت والمكان الذي ستلتقيان فيه، ثم نهضت من مكانها لتنهي أعمالها المنزلية.

وحين حان الوقت ارتدت ثوبًا بسيطًا، لا يختلف كثيرًا عما اعتادت ارتداءه في الجامعة.

سرّحت شعرها بعناية، ثم جمعته كما اعتادت دائمًا.

لم تتزين.

ولم تحاول أن تبدو مختلفة.

أرادت أن تذهب كما عرفها طوال تلك الأشهر...

ببساطتها.

فتحت درج مكتبها.

أخرجت الرسالة.

ترددت لحظة.

ثم أعادتها إلى حقيبتها.

"سأعيدها إليه..."،

همست بها في داخلها.

"مهما كانت النتيجة..."،

"فلا ينبغي أن تبقى عندي."

أخذت حقيبتها، 

كانت قد اخبرت والدتها انها ستذهب مع مريم في امر يخصها.

واتجهت نحو الباب.

وقبل أن تضع يدها على المقبض، التفتت نحو المرآة القريبة.

تأملت انعكاس وجهها.

كان هادئًا في الظاهر...

لكن عينيها كانتا تفضحان قلقًا لم تستطع إخفاءه.

ابتسمت لنفسها ابتسامة صغيرة.

وقالت:

ديلان: اللهم إن كان في هذا الأمر خيرٌ لي، فيسره.

وإن كان غير ذلك...

فاصرفه عني، واصرفني عنه.

ثم مدت يدها إلى مقبض الباب.

وأدارته ببطء...

غير مدركة أن القدر، في الجهة الأخرى من ذلك الباب، كان قد كتب لها طريقًا لم تكن تتوقعه أبدًا.

الفصل الثامن من رواية 

حبيبتي زوجة اخي💔🥺


........✍️ لم يغادر باران الرصيف مباشرة بعد أن وطئت قدماه أرض المحطة.

وقف في مكانه، ساكنًا كأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة، بينما أطلق القطار صفيره الخافت، ثم بدأ يتحرك ببطء، تجره عجلاته فوق السكة الحديدية بإيقاع رتيب، قبل أن يزداد تسارعًا شيئًا فشيئًا، حتى أخذ يبتعد عنه حاملاً بين عرباته فتاةً لم تكن تعلم أنها أصبحت، خلال فترة قصيرة، تشغل مساحةً واسعة من قلبه.

كانت عيناه معلقتين بالقطار، تتبعان كل عربة تمر أمامه، وكأن بصره يأبى أن يفارقها، أو كأن قلبه لا يزال عالقًا في إحدى نوافذه.

لم يلتفت إلى صخب المحطة من حوله، ولا إلى أصوات المسافرين، ولا إلى الباعة الذين يملؤون المكان بنداءاتهم المعتادة.

كل ما كان يراه...

هو ذلك القطار الذي يحمل معه رسالةً كتبتها نبضات قلبه قبل أن يخطها قلمه.

ظل واقفًا حتى غابت آخر عربة خلف المنعطف، وابتلعها الأفق، فلم يبقَ أمامه سوى السكة الممتدة في صمت، كأنها تحفظ سرًّا لا يطلع عليه أحد.

حينها فقط...

خرج من صدره زفير طويل، ثقيل، وكأنه كان طوال تلك الدقائق يحبس أنفاسه دون أن يشعر.

رفع رأسه قليلًا، وأغمض عينيه.

عاد به الخيال إلى دقائق قليلة مضت...

إلى اللحظة التي مد فيها يده بالظرف إليها.

يا الله...

كم كان قلبه يخفق آنذاك!،

لم يكن يخشى الرفض بقدر ما كان يخشى أن يسيء إليها دون قصد، أو أن يضعها في موقف يحرج حياءها أمام الغرباء.

رأى في ذاكرته ارتعاشة أصابعها وهي تتناول الظرف.

ذلك التردد الذي لمحَه في عينيها.

تلك النظرة الخاطفة التي رفعتها نحوه قبل أن تخفضها سريعًا.

كانت لحظة قصيرة...

لكنها حفرت نفسها في ذاكرته كما لو أنها امتدت عمرًا كاملًا.

ابتسم ابتسامة وادعة، ثم ما لبث أن تلاشت شيئًا فشيئًا.

وأخذ يعاتب نفسه بصوت خافت، لا يكاد يسمعه أحد.

ــ ما بك يا باران؟،

أحقًا بلغ بك الأمر أن تفرح لمجرد أنها أخذت منك رسالة؟.

هز رأسه ببطء، وكأن الجزء العاقل منه يسخر من ذلك القلب الذي يبالغ في التقاط الأمل من أصغر التفاصيل.

لكن قلبه لم يتردد في الإجابة،

بل جاءه صوته الداخلي هادئًا، ثابتًا، صادقًا.

ــ نعم...

ويكفيني ذلك،

يكفيني أنها لم تنظر إليّ باحتقار،

يكفيني أنها لم تردني بكلمة قاسية،

يكفيني أنها لم تمزق الرسالة أمام عيني، ولم تلقها من نافذة القطار، ولم تجعل من مشاعري مادةً لسخرية أحد.

خفض بصره إلى الأرض، وأكمل حديثه مع نفسه وكأنه يقر بحقيقة لم يعد قادرًا على إنكارها.

ــ لقد احترمتني...

واحترمت ما شعرتُ به نحوها،

أما ما ستختاره بعد ذلك...

فذلك حقها وحدها،

لن ألومها إن رفضت،

ولن أعاتبها إن مزقت الرسالة بعد دقائق من نزولي،

فالمحبة لا تُفرض، والقلوب لا تُؤمر.

رفع رأسه مرة أخرى نحو السكة الحديدية، وقد بدأ الضجيج يعود تدريجيًا إلى سمعه بعد أن كان غارقًا في صمته الداخلي.

وتسللت إلى ذهنه فكرة جعلته يبتسم في هدوء.

كان يستطيع أن يبقى في القطار حتى آخر محطة.

بل كان الطريق يسمح له بذلك دون عناء.

لكنه تعمد النزول قبلها.

لم يكن هروبًا...

بل احترامًا،

احترامًا لخجلها،

واحترامًا لمساحتها الخاصة،

لم يشأ أن يثقل عليها بنظراته وهي تقرأ رسالته،

ولم يرد أن تشعر بأنها مطالبة بأي رد، أو بأنها مضطرة إلى مجاملته لأنه يجلس أمامها.

كان يعرف أن وجوده بجوارها قد يحرمها حتى من فتح الظرف،

وربما ظلت تقبض عليه في صمت حتى تنزل من القطار، خشية أن يقرأ شيئًا من ملامحها.

ابتسم ابتسامة امتزج فيها الرجاء بالرضا.

ثم قال في نفسه:

ــ أردتكِ أن تكوني وحدك...

بعيدًا عن عينيّ،

اقرئي كلماتي كما تشائين،

اغضبي إن أردتِ،

وارفضي إن أردتِ،

أو... امنحيها فرصة،

المهم ألا يكون وجودي سببًا في تقييد مشاعرك.

ظل صامتًا لحظات، ثم أطرق رأسه، وأخذ يراقب طرف حذائه وهو يرسم دوائر صغيرة فوق أرض الرصيف.

ولأول مرة منذ زمن طويل...

شعر بخفة غريبة تسري في صدره.

لقد فعل ما كان يؤرقه منذ أيام،

قال ما عجز لسانه عن قوله،

ووضع قلبه بين يديها في رسالة، ثم انسحب بهدوء، تاركًا لها حرية القرار كاملة.

لم يعد يملك شيئًا بعد ذلك،

لا انتظارًا يفرضه،

ولا وعدًا يطالبها به،

ولا حقًا يعاتبها عليه،

رفع بصره نحو السماء، وقد بدأت أشعة الشمس تميل شيئًا فشيئًا، فتمتم بصوت ملؤه الإيمان والسكينة:

باران: اللهم...

إن كنت تعلم أن في هذه المشاعر خيرًا لي ولها، وأن قربها سيكون سببًا في رضاك وسعادتنا، فقرّب بين قلبينا برحمتك، ويسّر لنا ما كتبت لنا من خير.

وإن كنت تعلم أن في ابتعادها سلامةً لديننا أو لدنيانا، فاصرف قلبي عنها صرفًا جميلًا، ولا تجعل في نفسي اعتراضًا على قضائك.

ثم ابتسم ابتسامة هادئة، وقد استقرت الطمأنينة في قلبه بعد طول اضطراب.

لم يعد يخشى ما ستكتبه الأيام،

فقد أدى ما عليه.

أما ما تبقى...

فقد تركه بين يدي الله، فهو وحده القادر على أن يفتح القلوب إذا شاء، وأن يصرفها إذا شاء.

وأخيرًا...

استدار مبتعدًا عن الرصيف بخطوات هادئة، بينما كان قلبه، على الرغم من قلق الانتظار، يشعر براحة لم يعهدها من قبل،

راحة رجلٍ قال الحقيقة كما هي...

ثم ترك للقدر أن يكتب بقيتها.


عدل باران حقيبته على كتفه، ثم ألقى نظرة أخيرة نحو مدخل المحطة، كأن قلبه يرفض أن يغادر المكان قبل أن يطمئن أن تلك اللحظة قد انتهت حقًّا.

تنفس بعمق، ثم استدار متجهًا نحو الشارع المقابل.

كانت الأرصفة تضج بحركة المارة، والسيارات تتعاقب في سيرها، وأصوات الباعة تمتزج بصفير المركبات، إلا أن كل ذلك بدا بعيدًا عنه، كأنه يسمع العالم من خلف ستار كثيف.

قبل يومين فقط، اتفق مع والده على أن يلتقيا في مقهى صغير يقع غير بعيد عن السوق القديم، بعد أن ينهي والده لقاءً مع أحد أصدقائه القدامى. كان ذلك الرجل قد عرض عليه أن يشاركه بعض الأعمال الحرة بعد إحالته إلى التقاعد، مستفيدًا من خبرته الطويلة ومكانته التي اكتسبها طوال سنوات عمله في وظيفته الحكومية.

ولم يكن أمام باران سوى ساعة كاملة قبل الموعد.

ساعة...

كانت كافية لأن تقوده قدماه إلى المقهى.

أما قلبه...

فقد ظل عالقًا في عربة قطار تمضي مبتعدة، تحمل معها فتاةً لم تعد تغيب عن خاطره.

سار على مهل، تتهادى خطواته فوق الرصيف، بينما كانت أفكاره تركض في اتجاه آخر.

ابتسم دون أن يشعر، ثم تمتم في سره:

باران: ترى... هل ستفتح الرسالة حالما تجد المقعد خاليًا؟،

أم ستبقيها في حقيبتها حتى تصل إلى منزلها؟،

هل ستقرأها مرة واحدة...

أم ستتردد قبل أن تفض ختمها؟،

وتخيلها للحظة وهي تخرج الظرف من حقيبتها، تنظر إليه في حيرة، ثم تتأمل  الرسالة المكتوبة بخطه.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة.

لكنها ما لبثت أن تلاشت.

توقفت قدماه فجأة.

وأطلق زفرة طويلة أثقلت صدره،

هز رأسه في عتاب لنفسه، وهمس:

باران: ما الذي تفعله يا باران؟،

لِمَ تسبق الأحداث؟،

لِمَ تحملها ما لم تختره بعد؟،

خفض بصره إلى الأرض، وأكمل حديثه مع نفسه بصوت يكاد لا يُسمع:

باران: ربما...

لن تفتح الرسالة أصلًا،

وربما عندما لاتجد اسمي عليها، تقرر تمزيقها دون أن تعرف ما بداخلها.

وربما...

ستلقيها في أول سلة مهملات تمر بها، وكأنها لم تكن.


انقبض قلبه مع تلك الفكرة.

وشعر بوخزة خفية مرت في صدره، كأن أحدًا قبض على قلبه بيد باردة.

غير أنه لم يسمح لذلك الألم أن يستقر طويلًا.

ابتسم ابتسامة هادئة، امتزج فيها الوجع بالرضا.

ثم قال في نفسه بثبات:

ــ وحتى لو فعلت...

فذلك حقها.

أنا من وضعت القرار بين يديها.

وليس لي بعد ذلك أن أعترض على ما تختاره،

يكفيني أن ضميري مرتاح،

لم أتبعها في الطريق،

ولم أضيق عليها،

ولم أستغل حياءها،

ولم أحاول الوصول إليها من باب لا يرضي الله،

كل ما فعلته...

أنني طرقت باب قلبها مرة واحدة...

بكل احترام،

فإن شاءت أن تفتحه...

فذلك فضل من الله.

وإن أغلقته...

فسأمضي راضيًا.

ساد الصمت برهة، ولم يعد يُسمع سوى هدير الطريق الممتد أمامه، بينما كانت أفكاره تتقاذفه في كل اتجاه، وما لبث أن هز رأسه بأسف، وكأنما يلوم نفسه على هفوة لم يدرك فداحتها إلا الآن، ثم تمتم بصوت خافت يحمل مرارة الندم:

باران: لكن... لماذا لم أكتب اسمي عليها؟.

ظل نظره معلقًا بالطريق، بينما أطلق زفرة طويلة خرجت مثقلة بما يعتصر صدره، كأنها تحاول أن تُخفف شيئًا من ذلك الحمل الذي جثم على قلبه منذ غادرها، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة واهنة، امتزج فيها الأمل بالحنين، وقال مخاطبًا نفسه:

باران: كنت أريد، حين ألقاها من جديد، أن أُعرّفها بنفسي أولًا... أن أنطق باسمي وأنا أرقب انعكاسه في عينيها، وأتأمل دهشتها أو ابتسامتها وهي تتلقاه. وربما... ربما تكون هي الأخرى قد بحثت عن اسمي بين السطور، وحين لا تجده يدفعها الفضول إلى أن تُفصح لي عن اسمها، وتقدّم نفسها إليّ كما سأفعل أنا، أليس ذلك أجمل؟... أليس في تلك اللحظة البسيطة ما يجعل اللقاء أكثر صدقًا وعذوبة، وأكثر رسوخًا في الذاكرة؟.


واصل سيره حتى لمح المقهى المطل على طرف السوق القديم.

كان والده يجلس إلى إحدى الطاولات الخارجية، يتبادل الحديث مع رجل تجاوز الخمسين من عمره، وعلى الطاولة بينهما بعض الملفات والأوراق.

كان الرجل صديقًا قديمًا لوالده، وقد عرض عليه أن يشاركه في بعض الأعمال الخاصة بعد تقاعده، مستفيدًا من خبرته الطويلة في مجال عمله، وعلاقاته التي بناها عبر سنوات الخدمة.

ولم يكن ذلك كل ما في برنامج اليوم.

فبعد انتهاء اللقاء، كان عليهما شراء بعض الاحتياجات التي طلبتها هازان، بينما يشتري بقية المشتريات من السوق القديم، كما خططا منذ الصباح، حين خرج باران إلى جامعته ليترقب انتهاء ديلان من آخر امتحاناتها.

ما إن وقع بصر والده عليه حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة، ولوّح له بيده.

اقترب باران بخطوات هادئة.

انحنى يصافحه بكل احترام، ثم جلس قبالته.

ولم تمض دقائق حتى انصرف الرجل بعد أن سلّم والده الأوراق، واتفقا على موعد جديد.

فتح الوالد الملف يتصفحه سريعًا، ثم أغلقه وهو يبتسم في ارتياح.

وبدأ حديث طويل بين الأب وابنه.

سأله عن خطته بعد تخرجه.

وعن نتائج الامتحانات.

وعن المنحة التي ينتظر إعلان نتائجها.

وتحدث معه عن المستقبل، وعن المسؤولية التي تنتظره بعد نيل شهادته، وعن أهمية أن يبدأ حياته العملية بثبات، وألا يتعجل في إتخاذ أي قرار، والنتائج تأخذ وقت ختى تأتي يثمارها فلا يتعجل، فالأرزاق بيد الله، وما كُتب له سيأتيه في أوانه.

كان باران ينصت بكل اهتمام،

يهز رأسه احترامًا،

ويجيب بهدوء واتزان،

لكن خلف تلك الإجابات...

كان ثمة صوت آخر، لا يسمعه أحد سواه.

صوت يهمس بين لحظة وأخرى:

ــ هل ستقرأها الآن؟،

هل ستفهم قصدي؟،

هل ستصدق أنني ما أردت منها إلا الحلال؟،

وهل....... ستأتي؟.

كان السؤال يعود إليه كلما حاول أن يطرده.

وكأنه نبض جديد يسكن قلبه.

انتهى اللقاء، وتجول مع والده بين المحال، يشتريان ما تحتاج إليه الأسرة وما طلبته هازان ليبعثوا لها به طردا، ويتبادلان الحديث في أمور الحياة، بينما كان باران يبذل جهدًا كبيرًا ليبدو طبيعيًا، حتى لا يلاحظ والده شيئًا مما يدور في داخله.

ومع حلول المساء...

عاد إلى المنزل.

استقبلته والدته بابتسامتها الحانية.

وجلس مع الأسرة حول مائدة العشاء.

شارك  مزاحه المعتاد مع أخاه مراد لعله يخفف مما يجول بعقله.

واستمع إلى أحاديث عمه ووالده عن العمل والتقاعد والمشروع الجديد الذي ناقش اباه عمه لعلهم يدخلون مع رجل شركاء، فوالد باران إعتاد مشاركة أخيه، وأخذ رأيه وحتى النصيحة من اخيه ولو كان اصغر سنا منه،

وكان باران يبتسم كلما استدعى الموقف ذلك.

كما كان باران يجلس على الأرض يلهو مع الصغيرة ملك بين الفينة والأخرى، يبادلها الضحكات ويشاركها ألعابها بصبرٍ وحنان، حتى كانت قهقهاتها البريئة تملأ أرجاء المنزل دفئًا وحياة، في محاولة للارفيه عن نفسه من الظغط الذي يلازمه، ولم تكن ملك تخفي تعلقها بخالها، فكلما لمحته هرولت إليه، تمد ذراعيها الصغيرتين في شوق، وكأنها تعلم أنها ستجد عنده رفيقًا يشاركها عالمها الطفولي دون ملل.

أما مراد، فعلى الرغم من محبته لها، فإن طبعه الحاد وسرعة انفعاله كانا يحولان بينه وبين مجاراتها في لعبها. فما إن تكثر من الحركة أو تعبث بألعابه حتى يفقد صبره سريعًا، فينهرها أو ينتزع اللعبة من بين يديها، فتبتعد عنه عابسة، وتؤثر الاحتماء بباران، الذي كان يتسع صدره لشقاوتها، ويقابل عبثها بابتسامة هادئة، مدركًا أن ما يراه الآخرون فوضى، ليس سوى براءة طفلة تبحث عمن يشاركها عالمها الصغير.

حتى بدا للجميع أن يومه لم يكن يختلف عن سائر الأيام.

لكن...

ما إن أغلق باب غرفته خلفه، حتى سقط القناع الهادئ الذي ارتداه طوال النهار.

خلع سترته ببطء.

وكان قد وضع حقيبته جانبًا،

ثم ارتمى فوق سريره مستلقيًا على ظهره.

شبك أصابعه خلف رأسه.

وثبتت عيناه في السقف.

ساد الصمت الغرفة.

ولم يبقَ فيها سوى صوت أنفاسه.

أغمض عينيه.

فإذا بصورة ديلان تحضر من جديد؛

هيئة وقوفها؛

ارتباكها؛

صمتها؛

والظرف الأبيض بين يديها،

ابتسم ابتسامة عذبة لم يشعر بها.

ثم همس وكأنه يحدث قلبه:

باران: إن جاءت...

وغمرت الفكرة قلبه بسعادة جعلت نبضاته تتسارع حتى خُيِّل إليه أنه يسمعها.

ورأى نفسه يهرول إلى والدته كطفل يحمل خبرًا طال انتظاره،

يقول لها بلهفة:

باران: أمي...

هناك فتاة أحبها واريد ان اكمل حياتي معها،

أرجوكِ... اذهبي واخطبيها لي،

أريدها زوجةً لي على سنة الله ورسوله.

ثم أخذ خياله يرسم ما بعد تلك اللحظة،

لعل الله يكرمه بالمنحة التي ينتظرها.

فيسافر لإكمال دراسته وهو مطمئن القلب، بعدما ارتبطت به،

وحين يعود...

تكون هي قد أنهت دراستها الجامعية،

ويكون قد حصل على مؤهل يفتح له أبواب العمل سريعًا،

عندها  يزفان ويبدآن حياتهما معًا.

بيت صغير...

تمتلئ أركانه بالمودة والسكينة،

زوجة أحبها بقلب صادق،

يبذل كل ما يستطيع ليسعدها،

ويعوضها عن كل تعب مرت به.

همس والابتسامة لا تزال تزين شفتيه:

باران: والله...

لن أبخل عليها يومًا بحبي او حناني، سأجعلها تشعر، في كل يوم، أنها كانت أجمل قدر ساقه الله إليّ.

إن كانت من نصيبي...

فسأحمد الله ما حييت،

وسأكون أسعد رجل على وجه الأرض.

وسكت لحظة،

ثم تبدلت ملامحه، وخف بريق عينيه.

وأكمل بصوت امتزج فيه الرضا بالألم:

باران: وإن لم تأتِ...

فسأرفع يدي إلى الله أن يكتب لها الخير حيث كان،

وأن يرزقها السعادة مع من اختاره لها،

وسأنسحب من حياتها بهدوء...

دون أن أطرق بابها مرة أخرى.

سأدفن هذا الشعور في أعماقي، لكني سأفضل احبها طوال حياتي، لانها اول فتاة دق قلبي لها،

فالحب الحقيقي...

لا يؤذي،

ولا يفرض نفسه،

ولا ينتزع القلوب قسرًا،

ومن أحب بصدق...

دعا لمن أحب بالسعادة، وإن كانت مع غيره.

أغمض عينيه أخيرًا،

ولم يكن يعلم...

أن الأقدار كانت، في تلك اللحظة نفسها، تخط أول سطور فصل جديد.

فصل...

لن يشبه شيئًا من الأحلام التي نسجها قبل أن يغلبه النعاس.


انقضى اليوم التالي في هدوء غير مألوف، وكأن البيت كله قد استسلم للسكينة بعد يوم طويل.

أُطفئت الأنوار تباعًا، وأغلق كل فرد من أفراد العائلة باب غرفته، لتغرق أرجاء المنزل في صمت لم يقطعه سوى صوت ساعة الحائط وهي تعلن مرور الدقائق بانتظام.

أما باران...

فلم يكن الصمت من حوله يشبه الصمت الذي يسكن داخله.

دخل غرفته بهدوء، ثم أغلق الباب خلفه برفق، وكعادته بدّل ثيابه، وتوضأ، وأدى صلاة العشاء، وأطال سجوده أكثر مما اعتاد.

لم يطلب شيئًا من الدنيا.

ولم يسأل ربه إلا أن يطمئن قلبه، وأن يكتب له الخير حيث كان.

ظل جالسًا على سجادته لحظات، يسبح ويستغفر، حتى شعر بشيء من السكينة يتسلل إلى صدره.

نهض بعدها واتجه نحو مكتبة صغيرة تتوسط غرفته.

مد يده إلى أحد الكتب التي اعتاد مطالعتها، وجلس على طرف سريره، ثم فتحه.

راح يقرأ السطر الأول...

ثم الثاني...

ثم أعاد الأول مرة أخرى.

أغلق الكتاب ببطء.

وابتسم لنفسه.

باران: يبدو أن عقلك في مكان آخر الليلة يا باران.

ألقى الكتاب إلى جواره، وأسند ظهره إلى الجدار، مطرقًا برأسه.

ومن جديد...

حضرت صورتها.

كما رآها آخر مرة،

جالسة بجانبه في عربة القطار،

تقبض على حقيبتها بكلتا يديها،

وعيناها الممتلئتان بالحيرة تنظران إلى الظرف الذي وضعه بين يديها، ثم دسته في حقيبتها،

أغمض عينيه.

واستعاد تلك اللحظة بكل تفاصيلها.

ارتباكها...

صمتها...

ترددها قبل أن تمد يدها وتأخذ الرسالة،

تنهد طويلًا،

وهمس:

باران: ترى!.....هل قرأتها؟،

ساد الصمت.

ثم عاد السؤال يطرق قلبه مرة أخرى.

باران: أم أنها ما زالت داخل حقيبتها؟،

وربما...

لم تفتحها أصلًا،

وربما...

قرأت أول سطر، ثم مزقتها.

ابتسم ابتسامة خافتة، لكنه هز رأسه بعدها مباشرة.

باران: لا... حتى لو فعلت...

فلن ألومها، أنا بالنسبة إليها...

مجرد شاب غريب،

لا تعرف اسمي،

ولا تعرف عائلتي،

ولا تعرف عني شيئًا،

ثم سكت قليلًا، وأطرق برأسه أكثر.

باران: لكن... أتمنى فقط...

ألا تكون قد أساءت الظن بي.

كانت تلك هي الفكرة التي تؤرقه أكثر من أي شيء آخر،

لم يكن يخشى أن ترفضه،

فالرفض حقها،

ولم يكن يخشى ألا تأتي،

فذلك قرارها،

أما أن تظنه شابًا عابثًا...

فذلك ما كان يؤلمه حقًا.

رفع رأسه نحو النافذة،

كانت السماء صافية، تتلألأ فيها النجوم في هدوء عجيب.

اقترب منها، وأزاح الستارة قليلًا.

ظل ينظر طويلًا إلى ذلك السكون الممتد أمامه، ثم ابتسم فجأة.

ابتسامة صغيرة خرجت من أعماقه.

باران: حتى اسمك... لا أعرفه.

قالها بصوت خافت، وكأنه يحدث الليل.

ثم تابع هامسًا:

باران: ومع ذلك... منذ أشهر، وأنت أول وجه أبحث عنه كل صباح، وأول دعاء يمر بخاطري بعد كل صلاة.

ضحك بخفة من نفسه،

وأردف:

باران: لو أخبرني أحد قبل أشهر أنني سأقف يومًا أحدث السماء عن فتاة لا أعرف حتى اسمها...

لظننته يمزح.

أسند كفيه إلى حافة النافذة،

وأخذ نفسًا عميقًا، ثم عاد إليه ذلك السؤال الذي لم يفارقه منذ سلّمها الرسالة.

باران: وإن جاءت...

سكت لحظة،

وأغمض عينيه،

كأنه يرسم في خياله تلك اللحظة.

باران: سأعرفها بنفسي أولًا،

وسأخبرها أنني لم أقترب منها إلا لأنني أريد أن أسلك الطريق الذي يرضي الله، ان تكون شريكتي في هذه الحياة، وتكون نصفي الثاني الذي يكملني، لانني اشعر انني ناقص بدونها، وبها ستكتمل حياتي وسعادتي،

وأنني...

لن أطلب منها وعدًا،

ولن أضغط عليها بقرار،

يكفي ان اخبرها بما في قلبي وما اشعر به إتجاهها،

يكفيني أن أسمع رأيها، إن كانت تبادلني نفس الشعور او لا،

أما إن لم تأت...

فتح عينيه ببطء،

وزفر زفرة طويلة.

باران: فسأعتبر صمتها جوابًا،

وسأدعو لها بالتوفيق،

ولن أحاول الاقتراب منها او من عالمها مرة أخرى.

ساد الغرفة صمت عميق،

لم يعد يُسمع سوى دقات الساعة،

نظر إليها.

لم يبقَ على الموعد...

إلا أيام قليلة.

عاد إلى سجادته ليصلي.

ورفع كفيه إلى السماء.

وفي تلك اللحظة، لم يدعُ لنفسه بقدر ما دعا لها.

باران: اللهم...

إن كانت هذه الفتاة خيرًا لي في ديني ودنياي وآخرتي...

فقربها مني بالحلال، ويسر لي السبيل إليها،

وإن كان في الأمر شر لا أعلمه...

فاصرفه عني، واصرفني عنه، ورضني به، واكتب لكلٍ منا الخير حيث كان، فانت تعلم ونحن لانعلم وانت علام الغيوب،

ثم مسح وجهه بكفيه،

وأطفأ مصباح غرفته،

واستلقي على فراشه،

لكن النوم...

أبى أن يزوره سريعًا.

كان كلما أغمض عينيه، عادت إليه صورتها وهي تتسلم الرسالة بصمت.

وتعود معها تلك النظرة الأخيرة التي جمعتهما.

ظل يتقلب طويلًا، حتى غلبه النعاس قبيل أذان الفجر بقليل...

وقلبه معلق بموعدٍ لا يعلم أن القدر قد أعد له فيه ما لم يكن يخطر له على بال.


كان صباح اليوم التالي هادئًا على غير عادته.

الشمس قد بدأت تبسط خيوطها الذهبية فوق أرصفة المدينة، بينما كانت الجامعة قد استعادت شيئًا من هدوئها بعد انتهاء الامتحانات و بعض مناقشات بعضا من مشاريع التخرج، ولم يبق فيها إلا بعض الطلبة الذين يترددون لإنهاء إجراءاتهم أو لقاء أساتذتهم.

خرج باران من منزله بعد أن أخبر والدته أنه سيلتقي بسليم لبعض الوقت.

لم يكن في الأمر كذب،

لكنه لم يخبرها أن في صدره حديثًا أثقل من أن يحمله وحده.

كان سليم ينتظره في المقهى الصغير المقابل للجامعة، ذلك المكان الذي جمعهما عشرات المرات طوال سنوات الدراسة.

جلسا في الركن المعتاد،

تبادلا حديثًا عابرًا عن نتائج المناقشة، وعن الحفل الذي سيقام بعد أسبوعين لتسليم الشهادات، وعن الأخبار التي بدأت تنتشر بين الطلبة حول المنح الدراسية.

كان باران يجيب...

لكن إجاباته جاءت مقتضبة، شاردة، كأن الكلمات تخرج من فمه بينما بقي عقله في مكان آخر.

ظل سليم يراقبه بصمت، يعرفه منذ سنوات،

ويعرف أن هذا الصمت ليس صمت التعب، ولا صمت التفكير في المستقبل، بل شيء آخر...

شيء لم يعتده عليه.

وبينما كان باران يحدق في فنجان القهوة الذي برد قبل أن يتذوقه، قال سليم فجأة:

سليم: ألن تخبرني؟.

رفع باران رأسه مستغربًا.

باران: أخبرك بماذا؟.

ابتسم سليم ابتسامة هادئة.

سليم: بما يشغلك منذ أيام.

ساد الصمت.

ابتسم باران محاولًا التهرب.

باران: لا شيء يستحق الذكر.

هز سليم رأسه نافيًا.

سليم: منذ عرفتك، وأنت لا تبتسم وحدك ثم تسرح في الفراغ، ولا تجيب بعد أن أناديك مرتين، ولا تنظر إلى ساعة يدك كل بضع دقائق.

تنهد باران طويلًا، وأخفض بصره.

كان يشعر أن الكلمات عالقة في حلقه، لم يكن معتادًا أن يحدث أحدًا عن نفسه، ولا عن قلبه،

ولا عن تلك الفوضى التي يعيشها لأول مرة.

ظل صامتًا برهة، ثم قال بصوت خافت:

باران: فعلت شيئًا... لم أتوقع يومًا أن أفعله.

انعقدت ملامح سليم باهتمام،

لكنه لم يقاطعه.

أكمل باران بعد لحظة صمت أخرى:

باران: أعطيت فتاة... رسالة.

ارتفعت حاجبا سليم بدهشة، لكنه لم يضحك، بقي ينظر إلى صديقه بصمت، وكأنه ينتظر أن يكمل ما عجزت الكلمات عن قوله.

وعندما رأى صمت باران طال هتف قائلا..

سليم: صاحبة الشعر الكستنائي.

ابتسم باران ابتسامة باهتة، وهو يهز رأسه في شيء من الخجل.

باران: أعلم... لو أخبرني أحد قبل أشهر أنني سأفعل هذا...

لقلت إنه يبالغ،

لكن...

هذا ما حدث.

سأله سليم بهدوء:

سليم: وهل ندمت؟.

طأطأ باران رأسه.

وظل يفكر طويلًا قبل أن يجيب.

باران: لا...

ثم رفع بصره إليه.

باران: لكنني خائف.....

أخاف أن أكون قد أحرجتها،

أخاف أن تكون قد عادت إلى بيتها وهي منزعجة بسببي،

أخاف أن تكون قد ظنت أنني مثل أولئك الذين يتسلون بمشاعر الفتيات، وبعد ان يعلقونهم بأحبالهم الواهية، يتركونهم في صمت يواجهون المجهول لوحدهم، بعد ان حطموا قلوبهم ونزفت ارواحهم....

توقف.

كأن الكلمات أثقلت صدره.

ثم أردف بصوت أكثر خفوتًا:

باران: هذا ما يؤلمني...

أما إن رفضتني...

فذلك حقها.

ساد الصمت بينهما.

كان سليم يقرأ في ملامح صديقه صدقًا لم يره من قبل.

قال بعد لحظات:

سليم: وهل لو عاد بك الزمن...

كنت ستفعل الشيء نفسه؟.

ابتسم باران.

ابتسامة صغيرة امتزج فيها الحياء باليقين.

ثم قال دون تردد:

باران: نعم.....لأنني أيقنت أنني أحبها واريدها في حياتي لتكتمل بها سعادتي.

لكن...

ربما كنت سأختار كلمات أجمل، او توقيتا افضل او مناسبا،

أو طريقة أخرى تجعلها أقل ارتباكًا، طريقة تجعلها تطمئن لي لنتكلم براحة أكثر وصدق أكبر.

ضحك سليم بخفة.

سليم: يبدو أنك راجعت الرسالة في رأسك مئات المرات.

ابتسم باران لأول مرة منذ جلس.

باران: أكثر مما تتصور،

كل ليلة أقول:

لو أنني حذفت هذه الجملة...

ولو أنني قدمت تلك...

ثم أعود فأقول:

لقد انتهى الأمر، فأنت تعرفني لا أجيد إختيار الكلمات المنمقة، كتبت ماجال بعقلي وشعر به قلبي في تلك اللحظة.

ابتسم سليم وهو يهز رأسه.

سليم: وبرأي هذا أفضل من ألف رسالة بكلمات منمقة، لان الشيء الصادق هو الذي يصل للقلب كما اردته، واظنها ستشعره به وهي تقرأها، وسيصلعا كما تمنيت او أكثر، لكن متى ستعرف جوابها؟.

تنهد باران.

وأجاب وهو ينظر من خلال زجاج المقهى إلى المارة في الخارج:

باران: يوم السبت.

طلبت منها أن تأتي إلى مكان عام... إلى كافتيريا الجامعة، هذا افضل مكان خطر بعقلي حينها،

هذا إن أرادت أن تسمعني،

وإن لم تأت...

فلن أقترب منها مرة أخرى.

سكت قليلًا.

ثم قال بصوت بالكاد سُمع:

باران: ومنذ أن سلمتها الرسالة...

وأشعر أن الأيام لم تعد تتحرك.

ابتسم سليم ابتسامة دافئة.

ثم مال نحوه قليلًا وقال:

سليم: أتدري...

أكثر ما يطمئنني في كل ما قلته؟.

رفع باران عينيه إليه.

سليم: أنك لم تتحدث مرة واحدة عن نفسك، منذ جلست هنا...

وأنت لا تفكر إلا في شعورها هي،

تريد أن تعرف إن كنت أخفتها...

أو أحرجتها...

أو أزعجتها،

لو كانت نيتك سيئة...

لما كان هذا أول ما يشغل قلبك، فهذا هو صديقي الذي اعرفه منذ سنين وتأكد مادامت نيتك صادقة وخوفك عليها أكثر من خوفك على نفسك فلن يخيبك الله وأنا أرى أن هذه الفتاة من نصيبك لا محالة، فهي نعم الفتيات صراحة منذ ان لاحظت إهتمامك بها، لم اراها إلا وهي تحمل كتبها، إما تسير وحدها او مع صديقة واحدة، إما بإتجاه قاعات المحاظرة او بإتجاه بوابة الجامعة منصرفة لبيتها، لم اراها مثل الفتيات اللاتي يجلسن ويضحكن ويتسامرن مع الشباب، او يضيعن وقتهن في اشياء أخرى تافهة، لبسها بسيط محتشم بدون مساحيق التجمبل كما إعتدنا من الفتات الأخريات، ليس متحرر يظهر مفاتنهن اكثر مما يخفيها، ومكياج صارخ وكلام بدون ظوابط وضحك مستهتر دون حياء، حتى وإن لم تكن محجبة لكن تحافظ على نفسها، وكأنها محاطة بهالة من الحياء والوقار تجبر اي شاب ان يحترمها ولايتخطى حدوده معها، لذلك اعذرك يا صديقي في كل ما تشعر به إتجاهها، واتمنى ان تكون من نصيبك فأنت تستحقها.

خفض باران بصره.

وشعر بشيء من السكينة يتسلل إلى داخله.

لكن القلق...

لم يغادره.

همس وكأنه يحدث نفسه أكثر مما يحدث صديقه:

باران: أدعو الله فقط...

أن يكتب الخير،

إن جاءت...

فالحمد لله، وذاك ما أبغي وأتمنى......

وإن لم تأت...

فسأكتفي بأنني حاولت مرة واحدة...

بالطريقة التي أرضت ضميري.

مد سليم يده، وربت على كتف صديقه برفق.

ثم قال بابتسامة هادئة:

سليم: إذن... دع الباقي لله يا باران، فبعض الأبواب...

لا يفتحها إلا الله في الوقت الذي يختاره ويراه مناسبا لكليكما.

ساد الصمت من جديد.

لكن هذه المرة...

لم يكن صمتًا مثقلًا بالاختناق.

بل كان يشبه الدعاء...

دعاءً صامتًا خرج من قلب شاب، لم يعرف الحب يومًا، حتى جاءه على هيئة نظرة عابرة... لم يتبادل فيها كلمة واحدة مع صاحبتها


مرّت الأيام التالية ببطءٍ لم يعتده باران من قبل.
كان يظن دائمًا أن الأيام تركض مسرعة، وأن الساعات لا تكفي لإنجاز ما يريد، لكنه اكتشف للمرة الأولى أن انتظار موعد واحد قادر على أن يجعل اليوم يبدو أطول من أسبوع كامل.
كان يحاول أن يشغل نفسه بأي شيء.
يقرأ قليلًا، يخرج مع والده لقضاء بعض الحاجات، أو يساعد والدته في بعض الأعمال، لكن قلبه كان يعود في كل مرة إلى الموعد ذاته.
حتى جاء مساء الخميس.
خرج يتمشى في شوارع الحي بعدما شعر أن الجلوس في المنزل يزيد من اضطرابه، وما إن وصل إلى الحديقة الصغيرة القريبة من المسجد حتى لمح سليم يجلس على أحد المقاعد الخشبية.
ابتسم سليم وهو يراه يقترب.
باران: كنت أعلم أنني سأجدك هنا.
جلس باران إلى جواره، وتبادلا حديثًا عابرًا عن انتهاء الدراسة، وكيف مضت سنوات الجامعة أسرع مما كانا يتخيلان.
قال سليم وهو يتأمل الأشجار أمامه:
سليم: ما أغرب الحياة... بالأمس كنا نحلم بالتخرج، واليوم بتنا نفكر فيما بعده.
أومأ باران موافقًا.
باران: بقي أن يكتب الله الخير لنا فيما هو آت.
ابتسم سليم.
سليم: وإن كُتب لنا أن نكون من أصحاب المنحة، فستبدأ رحلة جديدة تمامًا.
أجاب باران بهدوء:
باران: سواء كانت هنا أو في أي بلد آخر... المهم أن يجد الإنسان مكانًا يستطيع أن يبني فيه مستقبله.
ساد بينهما صمت قصير.
ثم التفت إليه سليم مبتسمًا ابتسامة ذات مغزى.
سليم: كلما اقترب يوم السبت... ازداد شرودك.
لم يُنكر باران.
اكتفى بابتسامة خافتة، وهو يطرق برأسه.
ثم قال بعد لحظة:
باران: أشعر أنني أعيش أطول أسبوع في حياتي.
نظر إليه سليم دون أن يعلق.
فأردف باران بصوت منخفض:
باران: أقنع عقلي كل يوم ألا ينتظر شيئًا...
لكن قلبي يسبقني في كل مرة.
سأله سليم بهدوء:
سليم: وهل هيأت نفسك لكل الاحتمالات؟.
تنهد باران طويلًا.
ثم ابتسم ابتسامة امتزج فيها الرجاء بالرضا.
باران: أحاول...
وأدعو الله أن يختار لي الخير، أيًّا كان.
ربت سليم على كتفه برفق، ثم قال:
سليم: وهذا يكفي يا باران... فما دام الأمر بيد الله، فلا تحمل قلبك ما ليس في وسعه.
ابتسم باران شاكرًا، ونهض بعد دقائق مودعًا صديقه.
وبينما كان يسير عائدًا إلى منزله، رفع بصره إلى السماء التي بدأت تكتسي بحمرة الغروب.
لم يبقَ سوى يوم واحد...
وكان قلبه، رغم كل محاولاته، يزداد تعلقًا بذلك الموعد الذي لا يعلم ماذا يخبئ له القدر فيه.

وفي مساء ذلك اليوم...
كانت والدة باران تتحدث عبر مكالمة مرئية مع ابنتها هازان، التي فور رأته نادته ليكلم أخته التي تسأل عنه، التي لم تستطع إخفاء فرحتها وهي تهنئ أخاها بالتخرج.
قالت بابتسامة واسعة:
هازان: ما شاء الله عليك يا باران... كنت أعلم أنك ستنجح.
ابتسم لها بخجل.
باران: الحمد لله.
ثم أردفت بمزاح:
هازان: والآن، لم يعد أمامك عذر،
تعال إلى هنا، وابحث عن عمل بجوارنا.
ضحك باران،
باران: لو كان الأمر بيدي لفكرت في ذلك، لكن الجامعة هي من ستحدد كل شيء إذا وقع الاختيار عليّ ضمن بعثة المنحة،
ربما تكون الدولة التي ستبثعني إليها غير البلد الذي تعيشين فيه.
قالت هازان بثقة:
هازان: المهم أن تحقق حلمك،
أما البلد...
فلا قيمة له أمام مستقبلك.
باران: وكيف اموركم أنت وأركان؟.
هازان: الحمد لله فقد قام بكل الاجراءات، وفتح فرعا لمكتبه هنا للشركة التي أسسناها، وانا أصبحت سكرتيرته وبدانا العمل، تحصلنا على بعض الصفقات الاي نعمل عليها حاليا.
باران: هذا جيد، وملك هل تستكعون أخذها الآن؟.
هازان: لايمكنني الان فأنا مشغولة طواب النهار في المكتب مع أركان، وقد صرفنا مل النقود الاي جلبناها معنا، ولايمكنني إحظار مربية لملك لتبقى معها، كما ان البيت الذي نقيم به الإيجار، ولا نعلم ما تحمله الايام معها لنا، لذلك لايمكنني المحازفة بإحظارها إلى هنا.
باران: لاتقلقي فملك في أعيننا.
هازان: أعلم ذلك يا أخي، خصوصا امي وابي وانت بطبعك حنونا وهادئ، عكس مراد الذي يتعصب بسرعة لأتفه الأسباب، لا اعلم ماذا سيفعل خين يتزوج ويرزق بأطفال.
ضحك باران وكذلك فعلت كل من والدته وهازان، حينها تدخلت والدته قائلة.
عائشة: ربما يتغير عندما تكون لديه عائلة مسؤولة منه.
اجابتها هازان..
هازان: يمكن يا أمي فبعد الرجال يتغيرون بعد زواجهم، ربما تحنل المسؤولية تصقل شخصيتهم ويسبحون امثر تفهما.
انتهت المكالمة بعد دقائق، وبقيت كلماتها تتردد في ذهنه، وهو جالس بحوار امه في الصالون وامامهم ملك تعبث بألعابها.
من جهة أخرى كان مراد قد وصل بعد إنتهاء المكالمة...
جلس معهم يتبادلون أطراف الحديث، لكنه كان يراقب أخاه بصمت.
انتظر حتى رآه يتجه نحو غرفته، ثم أوقفه قبل أن يغلق بابها.
ابتسم وهو يقول:
مراد: منذ أيام وأنا أشعر أن في داخلك حديثًا لا تريد أن تخبر به أحدًا.
رفع باران عينيه إليه، وحاول أن يبدو طبيعيًا.
باران: مجرد تفكير فيما بعد التخرج.
نظر إليه مراد طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
مراد: أتمنى أن يكون الأمر كذلك، ولاتشغل بالك بالمنحة فهي ارزاق.
ربت على كتفه بحنان أخ أكبر.
وأضاف:
مراد: مهما كان الذي يشغل بالك...
لا تحمله وحدك دائمًا.
ثم تركه، ودخل غرفته.
أما باران...
فظل واقفًا أمام الباب للحظات.
كانت كلمات أخيه تلامس شيئًا في أعماقه، ابتسم ابتسامة خافتة، ثم دخل غرفته...
وفي قلبه، كان العد التنازلي قد بدأ.
غدًا...
سيأتي اليوم الذي انتظره منذ أن وضع تلك الرسالة بين يدي فتاة لم يكن يعرف عنها شيئًا...
إلا أن قلبه، منذ رآها أول مرة، اختارها دون استئذان.

أشرق صباح السبت هادئًا على غير عادته في نظر باران.
كان النهار يبدو كأي نهار آخر، لكن قلبه وحده كان يعلم أن هذا اليوم يختلف عن كل الأيام التي سبقته.
استيقظ قبل موعده بوقت طويل.
لم يكن بحاجة إلى من يوقظه.
فقد ظل يقلب جسده على فراشه منذ أذان الفجر، وما إن شعر بأن النوم لن يعود إليه، حتى نهض وتوضأ، ثم وقف بين يدي ربه يصلي ركعتين أطالهما أكثر من عادته.
وحين فرغ من صلاته، رفع كفيه إلى السماء.
لم يطلب شيئًا بعينه...
بل اكتفى أن يقول في خشوع:
"اللهم إن كان في هذا اللقاء خيرٌ لي ولها، فيسره، وإن كان غير ذلك فاصرفه عنا، وأرضِ قلبي بقضائك."
تنفس بعمق، وشعر بشيء من الطمأنينة ينساب إلى قلبه.
نهض بعدها يرتب ثيابه بعناية لم يعهدها في نفسه.
خرج من غرفته ليجد والدته تعد الشاي في المطبخ.
ما إن رأته حتى ابتسمت.
عائشة: استيقظت مبكرًا اليوم،
اقترب منها، وقبّل رأسها.
باران: لدي بعض الأعمال كلفني بها أبي، فأحببت أن أقوم بها صباحا، لان لدي موعد مع أحد أصدقائي مساءا.
ناولته كوب الشاي وهي تقول بحنان:
عائشة: وفقك الله يا بني، وكتب لك الخير أينما كان، لكن إجلس إفطر اولا ثم اخرج.
ابتسم وهو يتمتم:
باران: آمين.
في تلك اللحظة دخل مراد، وقد بدا مستعدًا للخروج إلى عمله.
نظر إلى أخيه مبتسمًا.
مراد: يبدو أنك سبقتني اليوم.
ضحك باران بخفة.
باران: يحدث أحيانًا.
اقترب مراد وربت على كتفه.
مراد: بالتوفيق... في كل ما تخطط له.
رفع باران عينيه إليه متفاجئًا،
هل شعر بشيء؟.
لكن مراد اكتفى بابتسامة بسيطة، ثم تناول مفاتيحه وغادر المنزل.
ظل باران ينظر إلى الباب المغلق لحظات.
ثم ابتسم في نفسه.
"حتى أخي بدأ يقرأ ما في وجهي...ام ماذا".
تناول سترته الخفيفة، وألقى السلام على والدته، ثم خرج.

مرّ نهار السبت على باران أثقل مما تخيله.
كان يظن أن انشغاله ببعض أمور المنزل سيجعل الساعات تمضي سريعًا، لكنها على العكس، بدت وكأنها تتعمد التباطؤ، حتى غدا ينظر إلى عقارب الساعة أكثر مما ينظر إلى من حوله.
كان قد جلس مع والدته على مائدة الإفطار، ثم خرج قليلًا لقضاء ما طلبه منه والده، وكانت تلك الأمور في الحي قبل أن يعود.
حاول أن يقرأ بعض الصفحات من أحد الكتب التي اعتاد مطالعتها، لكنه وجد نفسه يعيد قراءة السطر ذاته مرارًا دون أن يعي منه شيئًا.
أغلق الكتاب مبتسمًا من نفسه.
وتمتم بصوت خافت:
باران: يبدو أن عقلي قرر أن يأخذ إجازة اليوم.
في وقت الظهيرة، جلس مع والدته ووالده وأخيه مراد إلى مائدة الغداء.
كانت والدته تتحدث عن بعض شؤون المنزل، بينما كان والده يقص عليهما موقفًا طريفًا حدث له في العمل، فضحكت الأم من قلبها.
أما باران... كان يلاعب ملك التي تحب اللعب معه، عكس مراد فخلقه ضيق ولا يتحمل شقاوتها،
فكان حاضر الجسد، غائب الفكر.
ينتبه للحوار تارة، ثم يسرح تارة أخرى، وتارة يلاعب ملك التي كانت تعيده من شروده باصواتها الطفولية التي تصدرها.
ولم يفته أن والده رماه بنظرة خاطفة، قبل أن يقول مبتسمًا:
عزت: منذ أيام وأنت تبدو شارداً يا بني... هل بدأت تفكر في المنحة وما بعد الجامعة؟.
انتبه باران على صوته، ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
باران: ربما... فكل شيء سيتغير بعد التخرج.
هز عزت رأسه موافقًا.
عزت: طبيعي... مرحلة وتنتهي، لتبدأ أخرى.
تدخلت والدته وهي تنظر إليهما بحنان:
عائشة: أسأل الله أن يفتح لكما أبواب الخير، وأن يختار لكما ما فيه صلاح دنياكما وآخرتكما.
ردد الشقيقان في آن واحد:
« آمين.»
وانتهى الحديث عند هذا الحد.
لكن مراد ظل يشعر أن في داخل أخيه شيئًا أكبر من مجرد التفكير في المستقبل، إلا أنه آثر ألا يقتحم عليه خصوصيته، ثم صرف نظره على انه يبالغ، فأخاه دائما رزين في تفكيره، فربما يهيء له انه يفكر في شيء بعيد عن دراسته.
ومع اقتراب العصر...
بدأ قلب باران يخفق بوتيرة لم يعهدها.
دخل غرفته وأغلق الباب خلفه بهدوء.
وقف أمام نافذته للحظات،
لم يبق إلا وقت يسير.
تنفس بعمق.
ثم اتجه إلى الحمام، فتوضأ، وعاد ليقف بين يدي الله يصلي ركعتين، أطالهما بخشوع.
وحين فرغ، رفع كفيه إلى السماء، وأغمض عينيه.
ظل يدعو دقائق، حتى شعر بشيء من السكينة ينساب إلى صدره.
نهض بعدها، وفتح خزانته.
لم يبحث عن أجمل ما يملك،
بل اختار ثيابًا بسيطة، أنيقة، تشبه شخصيته الهادئة.
اختار قميصًا أبيض بسيطًا، وبنطال يناسب القميص، وساعة يده التي أهداه إياها والده يوم نجاحه في الثانوية، وخذاءا رياضيا يتماشى مع النلابس الاي إرتداها، ثم وقف أمام المرآة لحظات.
تأمل انعكاس صورته، نثر بعضا من عطره الذي يشبه شخصيته،
وابتسم بخجل من نفسه.
باران: ما بك يا باران...
إنها مجرد مقابلة.
لكن قلبه كان يجيبه في صمت:
"بل هي أول خطوة قد ترسم طريقا لبقية العمر."
وقف أمام المرآة يعدل ياقة قميصه، ثم ابتسم لنفسه مرة أخرى ابتسامة خجولة.
باران: ما بك يا باران...
كأنك ذاهب إلى امتحان جديد.
لكن قلبه كان يعلم...
أن ما ينتظره أصعب من أي امتحان خاضه في حياته.
خرج من غرفته يحمل سترته بيده.
كانت والدته لا تزال في المطبخ ترتب بعض الأواني.
التفتت إليه وقالت مبتسمة:
عائشة: ستخرج؟.
اقترب منها، وقبّل رأسها بحنان.
باران: نعم يا أمي... لدي موعد مع أحد الأصدقاء.
لم يكن يكذب...
ولم يقل الحقيقة كاملة.
فاكتفى بما لا يوقعه في الحرج.
ابتسمت وربتت على كتفه.
عائشة: وفقك الله يا بني... وحفظ نفسك في الطريق.
باران: بإذن الله.
ألقى عليها السلام، ثم خرج من المنزل.
ما إن أغلق الباب خلفه حتى شعر بأن نبضات قلبه ازدادت سرعة.
رفع بصره إلى السماء، وأخذ نفسًا طويلًا، ثم بدأ يسير بخطوات هادئة نحو محطة القطار.
وخلال الطريق...
كان يعيد في ذهنه عشرات الجمل.
كيف سيبدأ الحديث؟،
بأي الكلمات سيعرفها بنفسه؟،
وكيف سيطمئنها أنه لم يطلب لقاءها إلا لأنه أراد أن يسلك الطريق الذي يرضي الله ويحفظ لها كرامتها؟.
ابتسم كلما تخيل الحوار.
ثم يهز رأسه، ويبدل ما قاله في خياله بكلمات أخرى، خشية أن يربكها أو يثقل عليها.
وبينما لم يعد يفصله عن محطة القطار سوى دقائق معدودة...
مزق هدوء الشارع صوت صياح غاضب، أعقبه ارتطام قوي، ثم تعالت أصوات الناس وهم يهرعون نحو الجهة المقابلة.
توقف باران في مكانه.
والتفت غريزيًا نحو مصدر الضجيج.
انعقد حاجباه وهو يرى جمعًا من الناس يلتفون حول شجار بدا من الوهلة الأولى أنه ليس شجارًا عابرًا.
ولم يكن يدري...
أن تلك اللحظة، التي لم تستغرق سوى ثوانٍ، ستقلب مجرى يومٍ انتظره أسبوعًا كاملًا.

            الفصل التاسع من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>