رواية للقدر حكاية الفصل الثالث والستون 63 والرابع والستون 64 بقلم سهام صادق

 

رواية للقدر حكاية الفصل الثالث والستون 63 والرابع والستون 64 بقلم سهام صادق

الفصل الثالث والستون

*****************


لمساته كانت تسري فوق جسدها يعرف كيف يُلغي عقلها بل يستولي عليه ليُحركها كالدمية بين اصابعه

- اهدي يافاديه... بضايق اوي لما اشوفك متعصبه كده

وانحني يلثم كتفها العاري

- متزعليش نفسك ياحببتي بكره اخدلك حقك منهم كلهم

تعلقت أعين فاديه به بلهفة وقد نست مقتها من شقيقها

- امتى بقى ياعزيز هتظهر... انت متعرفش مشاعري بتبقى ازاي لما اي واحده من صحابي في النادي بتحكي عن جوزها 

- قريب ياحببتي هنمشي من مصر خالص ونعيش حياتنا

تنهدت بمقت وعادت النيران تشتعل داخلها منذ لقائها مع شقيقها

- انت قولت هتخلصني من اللي اسمها صفا ديه... خلصني منها ياعزيز

وعندما تذكرت ان زوجها السبب في اقحامها بحياتهم

- انت السبب في وجودها بينا.. كانت عجباك اوي

شرد في ملامح صفا بلوعه.. انها الداء الوحيد الذي أصابه ولم يستطع التخلص منه..نفض أفكاره التي لم تعد تُجدي نفعاً

- انسى اللي فات بقى يافاديه.. انتي عارفه ان مافيش في القلب غيرك

عاد يُقبلها الي ان تعالت ضحكاتها بدلال.. اغاب عقلها وسط مشاعر زائفه 

مال بجسده ليلتقط سترته المُلقاه أرضاً مخرجاً منها ورقه مطوية

- اخوكي عقيم يافاديه ... عارفه يعني ايه مبيخلفش.. الفحوصات ديه لقيتها في خزنته

ابتعدت عنه تنظر اليه بأعين مُتسعه

- انت بتقول ايه

- بقول السبب اللي كان مخلي اخوكي مضرب عن الجواز...

- لو انت اللي بتقوله صح.. ازاي فرات مصدق كدبتها

َتنهد واعتدل في رقدته ثم ألتقط علبه سجائره ليخرج واحده وبدء في اشعالها ضماماً اياها بين شفتيه الغليظه

- اخوكي كبر فبقي عايز يصدق اي حاجه يافاديه... اكيد افتكر ان المعجزه اتحققت معاه ويقدر يخلف

انقلبت ملامح فاديه غير مُقتنعه بما تسمعه

- فرات مش غبي كده ياعزيز

- ماهو عشان اخوكي مش غبي انا اللي لعبت في فحوصاته الجديده.. حابب اشوف كسرته بعد الفرحه اللي عايشها ديه كلها لما يعرف انه كان عايش على أمل كداب

اتسعت أعين فاديه ذهولاً وهي تقترب منه أكثر تتفرس ملامحه

- عزيز الكلام ده لو صح لازم فرات يعرفه.. بنت الحرام ضحكت على اخويا واستغفلته

ونهضت من جانبه تبحث عن هاتفها... لتتسع ابتسامه عزيز وهو يرى كيف اقتنعت بحكايته الكاذبه التي ترغب في سماعها

وثب من فوق الفراش مُتجهاً إليها يشعر بالزهو من نجاحه 

- اهدي واعقلي كده يافاديه...انتي كده هتخسري اخوكي اكتر... لو خطفنا الواد كده هنخلص اخوكي من كدبه عايشها 

وقفت تُطالعه دون فهم وقد أصبح عقلها عاجز عن فهم ما يصبو اليه

- انا مش فهماكي ياعزيز... بدل ما تخليني اكشف الخاينه اللي لميناها من الشارع .. تقولي اخطف الولد ما يتحرق هو وأمه في ساعه واحده 

كانت أعين عزيز تلمع بخبث.. فهاهي فاديه صدقته كعادتها حينا تُريد تصديق شئً ومال نحوها يلثم عنقها بقبلات متفرقه هامساً 

- أنتي ساعديني بس نخطف الولد اول ما يتولد يافاديه

لتتجمد نظراتها نحو الساعه المُعلقه فوق الجدار وحديث عزيز يقتحم اكثر واكثر داخل عقلها

.............................

سقطت دموع سناء وهي تستمع لكلمات ابنتها قبل أن تغلق الهاتف معها... اخبرتها بالحقيقه المؤلمه ان كل ما يمروا به من مصائب بسببها هي.. هي التي لا ترحم احد من لسانها ومُعايرتها.. هي التي تقف على اوجاع الناس لتضغط بكلامها المسموم فيزداد النزف 

" انتي السبب ياماما... في كل اللي بيحصلنا... دوسك على اوجاع الناس بيقعد فيا وفي اخواتي" 

صدى عبارات ياسمين كان يخترق فؤادها فتبكي اكثر  

- لا كله الا ولادي يارب... ده انا جبتهم بعد جوازتين فشلت فيهم

دلف زيدان للغرفه مُتعجباً من صمت زوجته واعتزالها في غرفتها 

- مالك يا سناء مش عوايدك السكوت ده 

- هو انا وحشه اوي يازيدان

تعجب زيدان من سؤالها وانفجر ضاحكاً

- الوحش مش محتاج حد يقوله انه وحش يا سناء الإنسان بيحس بأفعاله 

- قصدك ايه يازيدان 

هتفت بشراسه وهي تنهض من مضجعها... فتناول عباءته وشرع في تبديل ثيابه يستغفر ربه.. 

- ابنك عيان يازيدان ومحتاج عمليه... اتصرف بقى يارجلي وهات فلوس 

انقبض قلبه وهو يسمع ما تفوهت به عن مرض احد أبناءه التوأم 

- محمود طلع عنده ايه 

لتعود الي حزنها تقبض على عباءتها بآلم تُخبره بكل ماقاله لها الطبيب 

............................

وقفت تتابعه بعينيها وهو يُحادث العمال في ألوان حجرة صغيرهم ويختار الأثاث له بنشاط وطاقه... تعلقت عيناها به مُتعجبه من تلك المشاعر التي يحملها فرات نحو طفلهم القادم 

فهل هذا ذلك الرجل القاسي الذي عاهدته سيكون ابً بحنانه ذلك... تلاقت عيناهم ليبتسم لها هاتفاً

- تعالي ياصفا عشان تقولي رأيك في الألوان 

- ما انت اختارت كل حاجه ايه لازمة رأي 

كان ردها جافاً احرجه وسط الواقفين.. فتنحنح بخشونه 

- لو مش عجباكي حاجه اكيد هنغيرها... رأيك اكيد الاهم 

تنهدت بقوة فكلما باعدت الأميال بينهم.. قربها هو

فكيف ستنتقم وتثأر لكرامتها وكبريائها..وكأن القدر أراد أن يجعلها تعيش ذلك التخبط ليتعلم أحدهم درساً  

اقترب منها بعدما رأي الضياع في عينيها.. فهو قادر بأن يفهم ما تُفكر به 

- صفا 

رفعت عيناها اليه وفرت من أمامه هاربه الي غرفتها لتلقي بجسدها فوق الفراش باكية تهتف بمراره 

- ليه بيحصل معايا كل ده.. ليه 

اتبعها فوقف على اعتاب باب الغرفه ينظر إليها بملامح لينة.. ملامح جديده عليه.. جديده على رجلاً عاش حياته في قوانين تُشرعها القسوه 

اقترب منها ببطئ الي ان جلس جانبها فوق الفراش يرفع وجهها اليه 

- انتي اللي عايزه تعيشي في ضياع ياصفا... ادي نفسك فرصه تعيشي من جديد 

عيناها حملقت به تبحث عن قسوته، ظلمه ولكن لم ترى بعينيه الا الحنان والندم 

- اعيش.. طب ازاي انت موتني ازاي هرجع اعيش من تاني.. ده انا لحد دلوقتي بفتكر كل حاجه عملتها فيا.. بفتكر وانت موقفني عريانه.. بفتكر لما بترميني بعد ما تخلص من رغبتك.. بفتكر أمرك ليا ان اقلع هدومي بفتكرك وانت بتساومني على عمري اللي جاي لارضي بلي هيحصلي معاك او السجن اللي هرجع فيه من تاني اكمل باقي عمري جواه... 

لم يشعر بنفسه الا وهو ينهض من جانبها وتلك المره هو من هرب... يسأل نفسه كيف كان بتلك البشاعه

..........................

نظرت ياقوت نحو شقيقتها تربت على كتفها 

- مكنش ينفع تقوليلها كده يا ياسمين... انا سيبتك تهدي الأول عشان اتكلم معاكي 

- أنتي بتدافعي عنها ياياقوت... امي هي السبب 

واردفت بحسره على حالها تخرج كل ما بجبعتها 

- اللي حصلي بسببها كانت عايزانى اتجوز قبلك عشان تشمت فيكي... واه  بقي مكتوب كتابي وخطيبي مات قبل فراحنا بأسبوع... وادي محمود اخويا بقى مريض قلب

ضمتها ياقوت إليها بحنو 

- استغفري ربنا متقوليش كده.. ربنا ليه حكمه ف كل حاجه 

- بس ربنا عادل ياياقوت... والانسان بيدوق من نفس كاس مكره وشماته في غيره وامي مكنتش بترحم حد 

انحدرت دموع ياسمين آلماً وهي تهتف املاً

- نفسي تتغير ياياقوت... نفسي امي تتغير 

- اهدي ياسمين... خلينا طيب نفكر في عملية محمود 

أسرعت في مسح دموعها مُنتبها لها... ف الان مصاب شقيقها هو الأهم 

- هنعمل ايه... العمليه غاليه واحنا معناش غير ربع الفلوس 

- هبيع.... 

هتفت ياقوت بالكلمه ولكن توقف باقي الحديث وهي تتذكر انها خرجت من المنزل خاليه الوفاض لا تملك الا ملابسها التي ترتديها وهاتفها 

اطرقت عيناها أرضاً.. لتمسد ياسمين فوق كتفها 

- ربنا هيدبرها واكيد هتتحل 

............................. 

- المحل اللي حليتنا عايز تبيعه يازيدان... طيب هنعيش منين قولي 

نكس رأسه أرضاً لا يجد حلا الا هذا... فهو يعلم بحاله اذا اقترض من أحد مالا فلن يستطيع سداده وأحوال كل معارفه مثله.. عقله قاده للسيد مهاب والد هناء ولكن حرجه منعه 

- قوليلي اعمل ايه غير كده... معناش غير ربع الفلوس 

كان التوأمان يقفان يتأملان حال والديهم لتنتبه سناء لهم صارخه بهم

- خد اخوك وادخلوا اوضتكم

اسرع الصغيران في الركض نحو غرفتهما 

- بطلي شخط في العيال.. متحسسيش الواد انه حالته مافيهاش امل 

اطرقت عيناها حزناً تُتمتم بأمل 

- لا ان شاء الله ابني هيخف.. هي عمليه بسيطه مش صح يازيدان 

اماء برأسه.. فلو توافر المال سيطيب صغيرهم... كان المال هو العجز الوحيد لديهم مع موعد العمليه التي حددها الطبيب بالاسراع فيها حتى يصبح الأمر أفضل 

- زيدان اطلب من جوز بنتك احنا هنفضل شايلين الهم وجوز بنتك معاه فلوس وشركات 

- انسي جوز بنتي كفايه اللي هي في.. بنتي هتطلق منه بعد ما تولد 

لطمت فوق صدرها هاتفه 

- تطلق وتيجي تعيش معانا بعيلين هو احنا بنخف الحمل ولا بنزيده... ياحظك المايل ياسناء

- اخرسي ياوليه وكفايه ندب.. من ساعه ما اتجوزتك جبتيلي الفقر 

- انا فقر يازيدان... طب انا هكلم بقى جوز بنتك واقوله على اسم الراجل اللي مقعدها في بيته 

صرخت متآوه بعدما قبض فوق ذراعها.. ترى نظرات زوجها لأول مره تحمل الشر 

- ما كفايه بقى.. انا اتحملتك كتير ياسناء غلطه واحده وهعملها تاني واطلقك انا مستحملك كل السنين ديه عشان مش عايز اغلط غلطتي الأولى وأطلق والعيال يتشردوا بينا... كفايه ياقوت كفايه ذنب واحد شايله في رقبتي 

حرر ذراعها لتطالعه وهي تُدلك ذراعها وتركها دون النظر إليها 

- رايح فين يازيدان... قولي هتجيب فلوس منين مدام كرامتك ناقحه عليك ومش عايز تكلم جوز بنتك 

ولطمت فخذيها بيديها 

- راجل طول عمره بيحب الفقر وبنته طالعاله... قال تطلق قال 

..........................

رمقه شهاب بأسي وهو جالس وسط رؤساء الأقسام والكل يتناقش حوله وهو شارد يُحرك قلمه بين اصابعه... تنهد شهاب وعاد يتولى الحديث عن شقيقه الذي ينتبه تارة وتارة أخرى يشرد في زوجته 

رنين هاتفه الذي كان دوماً يُغلقه في اجتماعاته لفت انتباه الجميع.. لتتعلق عيناه برقم المتصل فأنسحب من الغرفه سريعاً هاتفاً

- ايوه يافرات... بتقول مين 

أصابه الذهول وهو لا يُصدق ان من يأوي زوجته هو هاشم.. غادر الشركه بخطوات اشبه بالركض.. لا يرى شئ أمامه

.......................... 

اندفعت هناء لمكتب خالد بعدما ضجرت من الرسائل التي تُبعث لها منه كما تظن 

- انا كنت فاكراك راجل فعلا بس للأسف 

رمقته بأحتقار لينتفض خالد من فوق مقعده 

- هناء انتي بتقولي ايه 

- بقول انك راجل حقير.. رسايل وصور كأنك بتراقبني 

اقترب منها وهو لا يفهم شئ مما تُخبره به

- هناء انا مش فاهم حاجه... اقعدي كده وفاهميني 

لم تُمهله  لحظه فأندفعت صوبه تُحذره 

- لو مبعدتش عن طريق هبلغ مراتك 

- اهدي ياهناء

ألتفت بجسدها حتى تُغادر لتتسع عيناها وهي ترى جنات زوجته واقفه وبيدها صغيرها يمسك الحلوى.. تجمد جسد خالد وهو يرى نظرات زوجته الشاحبه 

- جنات 

..........................

- انت اتجننت ياحمزه

انقض عليه يلكمه للمره الثانيه في مكتبه تحت نظرات سكرتيرته ليُشير إليها هاشم بالانصراف

- انا تعمل فيا كده... تخبي مراتي في بيتك وعامل فيها صاحبي وبتواسيني

تآوه هاشم من شده لكماته وكاد ان يلكمه ولكن قوة حمزه كانت تفوقه

- حمزه انا مقدر حالتك ديه...

لكمه أخرى تصدى لها هاشم صارخاً

- ياقوت هي اللي طلبت مني كده... اترجتني

- اترجتك... عذر أقبح من ذنب يااستاذ

وأشار نحوه بأصبعه وهو يلتقط أنفاسه

- اه عرفت اوصل لمكانها... افتكر انك انت اللي بدأت العداوه ياهاشم

وألتف بجسده كي يُغادر مكتبه

- انت السبب في ضياع مراتك منك... متلومش الناس ياحمزه لوم نفسك... كان المفروض ياقوت تتحامي فيك لكن سابت كل حاجه واختفت من حياتك

اندفعت الكلمات كالرصاص لقلبه فكان يعرف بصدق ما يقوله هاشم

- حمزه الزهدي بهيلمانه فشل في حياته عارف ليه عشان اتعود من الحياه على المكسب لكن الحياه خسرتك المرادي... ما اصل مش كل حاجه هتمشي زي ما انت مخططلها

الحقيقه كانت مؤلمه بل قاتله ولكنها كانت حقيقه... زيجته بدأت بالتخطيط مشاعره بدأت بالتخطيط.. حبه لها كان بمقدار

كل شئ كان يسير بحساب حتى اخفقت حساباته ونسي ان المسائل الحسابيه كثيرا ما تخفق في اخر خطواتها

- المرحله اللي وصلت ليها ياقوت بسببك... عارف معناها ايه ان مراتك تهرب منك وتفضل البعد عنك

- كفايه

دمعه انحدرت فوق خده مسحها سريعاً.. ارتجفت كفوفه وهو يقبض على كلاهما ليقترب منه هاشم مُعتذرا

- انا اسف ياحمزه... بس ديه الحقيقه

غادر بخطوات ثقيله عكس ما أتى .. لينظر الي الرساله التي بعثها اليه هاشم عن عنوان منزله بدقه رغم ان فرات اخبره بكل شئ

................................

تعلقت عين شريف بذلك الشاب الذي يُقاربه من العمر يُخبره بهويته 

- انا فارس..كنت صديق لمريم 

انتفض شريف من فوق مقعده يمسك ب تلابيبه 

- اه ياكلب.. جاي تعترف بحقارتك 

سعل فارس بشده يزيح يديه عنه 

- انت مش عايز تعرف الحقيقه ولا ايه ياحضرت الظابط 

تجمدت يدي شريف وارتخت فتحرر فارس من قبضته ليُهندم ملابسه 

- وليد هو اللي بتدور عليه 

قالها وهو يرمق شريف الذي وقف يُطالعه بنظرات باهته 

- وليد مين 

- وليد الأسيوطي... اخو عضو البرلمان ورجل الأعمال احمد الأسيوطي 

............................... 

دلف الي غرفة سماح التي جلست هادئه تتناول الفاكهه وتُشاهد احد البرامج البلوسية كاد ان يُخبرها بأعتزاله الرياضه لكن رنين هاتفه جعل الحديث يتراجع لتنظر اليه سماح بنظرات أصبح يكرهها ف اللوم والخذلان بهما

- ماذا تقول... سأتي على الفور

رغم كل شئ إلا أن قلقها جعلها تُسرع في سؤله بلهفه

- انتظر سهيل... ماذا حدث

ألتف نحوها يرمقها بنظره خاطفه

- جين قتلت سماح

...............................

كانت تسير بجوار المنزل تستمتع بهواء القريه النقي... تعبت من شدة التفكير بشقيقها وبعملية والدتها التي أبلغها بها والدها يُوصل لها رسالة زوج امها

الكل يطلب منها المُساعده وهي التي بحاجه إليها.. والدها أصبح يدعمها يُخبرها انه معها ولأول مره كانت تشعر بعزوة الاهل

زفرت أنفاسها بتنهيدات خافته.. عادت نحو بوابه المنزل الخاص بعائله هاشم لتتجمد أطرافها وتتسع عيناها وهي تراه يهبط من سيارته ينطر إليها

اقترب منها بخطوات هادئه لتتراجع للخلف

- تفتكري مكنتش هعرف اوصلك يا ياقوت

الفصل الرابع والستون 

********************


كانت نظرات عيناها كالجليد وهو يقف يدور حولها يمسح على وجهه من حيناً الي اخر يسألها للمره الثالثه نفس سؤاله

- عايزه تختفي مني يا ياقوت.. طب ليه

صمتها ازعجه فأردف بغضب أعمى وحديث هاشم يخترق صداه عقله

- ردي...

- مش عايزه ارد.. لو رديت هوجعك

جمدته عبارتها فلطم فوق صدره بجنون

- كل اللي عملتي ده ولسا موجعتنيش... عارفه يعني ايه ألجأ للناس تعرفني مكان مراتي المختفيه عني بمزاجها..

طالعته بآلم استوطن قلبها قبل عينيها

- وجعك ليا فاض... لو مكنتش بعدت عنك وعن عيلتك كنت هموت هموت مقهورة... القهره اللي عيشت حياتي كلها بدوق مرارها على أمل أن الحياه تدوقني حلوها لكن حتى يوم ما الحياه غرقتني في نعيمها القهره فضلت جوايا

ارتعشت شفتيها كمثل باقي جسدها

- ياقوت انتي...

صرخت بضعف وتعلقت عيناها بأعين شقيقتها التي وقفت علي أعتاب المطبخ ثم توارت داخله ثانية حزينة على حال شقيقتها

- هتقولي ان انا الضعيفه... واه مشيت وسيبتلك حياتك.. سيبني بقى في حالي واهتم بعيلتك هي أولى بأهتمامك 

لم يكن يقصد أخبارها بما ظنته إنما أراد أن يخبرها لما لم تقف بوجه شريف وتدافع عن حقها 

صمتت تلتقط أنفاسها واندفعت نحوه لا تشعر الا بحرقة قلبها 

- اتهمتني بحادثه مريم... كلكم اتهمتوني من غير ذنب... عيشت بينكم كأني دخيله على حياتكم باخد حاجه مش ليا... عيشت فرد زايد لا ليه حق يتكلم ولا يعترض... سيبتهم يهينوني

وعند تلك العباره سقطت دموعها وهي تتذكر أفعالهم جميعاً.. تتذكر أفعال ناديه واوامرها لها وكيف تُعامل ندي بتقدير... تتذكر سخط وكره مريم وفعلت شريف ... 

- ياقوت انا اتعبت من المشاكل... تعبت ان اعيش اراضي من كل الجهات..

وهوي بجسده فوق الاريكه يرمي بثقل جسده

- حنانك هو اللي بيعوضني... يمكن اكون اناني في حبي ليكي بس انا...

وصمت عاجزاً عن التعبير بأحتياجه لها ولحبها

- للأسف اتجوزت الانسانه الغلط عشان انا...

ألتقطت أنفاسها ولملمت شتات حالها واشارت بأصبعها صوبها 

- عشان انا محتاجه حبك وحنانك ياحمزه.. محتاجه حد يعوضني.. محتاجه اللي يشيل عني قسوة السنين.. يشيل عني الضياع.. اختارت الانسانه الغلط

تجمدت عيناه فوق صفحات وجهها وملامحها الشاحبه وهو يسمعها تفيض له بأوجاعها.. نظراتها له كانت ضائعه تُخاطبه دون شعور منها.. فنهض مُقترباً بعد أن رأها تنحني بجزعها العلوي تضم بطنها بيديها

- مالك ياياقوت... اهدي ياحببتي

- اه مش قادره ياحمزه بطني...

ارتبك وهو يراها بذلك الوضع لا يعرف ماذا يفعل

- طب انتي حاسه ب ايه..

صرخت بقوه ف الآلم الذي كانت تُجاهد على مقاومته ازداد حتى أصبحت لا تتحمله.. خرجت ياسمين من المطبخ مُسرعه تنظر لشقيقتها المُنحنيه وقد اقترب جسدها من الأرض وحمزه جاثي على ركبتيه أمامها

- مالها ياقوت ياحمزه

- ياسمين ساعديني... ياقوت شكلها بتولد

- ده لسا ميعادها

عاد صراخها يزداد بقوه ليحملها خارجاً بها من المنزل وياسمين تركض هنا وهناك داخل المنزل بضياع تلتقط ما تستطيع ألتقاطه وخرجت تتبعه بهرولة

.............................

وقف كالضائع يسير في رواق المشفى دون هواده... تعلقت عيناه بساعه يده زافراً أنفاسه بقوه ولكن كل شئ توقف وهو يسمع صوت ياسمين الراكضه اليه 

- ياقوت ولدت ياحمزه وجابت ولدين زي القمر 

- ولدين... ياقوت كانت حامل في.. 

قبل أن يُكمل باقي عبارته كانت ياسمين تهز رأسها اليه بسعاده هاتفه 

- ايوه ياحمزه ياقوت كانت حامل في توأم 

عيناه لمعت بالدموع التي ظلت عالقه بين اهدابه... دار حول نفسه غير مُصدقاً انه أصبح ابً.. ان الحلم تحقق وانه سيري ذريته 

- الحمدلله..

وتعلقت عيناه ب ياسمين التي وقفت تُطالعه بسعاده واشفاق عليه من حالة الضايع التي لأول مره تراه بها 

- مبروك يتربوا في... 

لم تكد تُنهي عبارتها فوجدته يتجه نحو شقيقتها التي خرجت للتو من غرفة العمليات 

تمتمت لحالها وهي ترى لهفته 

- اختي لو شافت خوفه ولهفته عليها هتعرف اد ايه بيحبها 

............................ 

تعلقت عيناها بأفعال ناديه وسعادتها بعدما رأت الصغيران 

- يااا يا ياقوت متعرفيش سعادتي اد ايه النهارده وانا بشوف ولاد حمزه.. انتي جبتلنا السعاده معاكي 

ارتسمت ابتسامه ساخره فوق شفتيها... فمنذ متى كانت نظرتهم إليها هكذا أنها كانت بالنسبه لهم نذير شؤم 

- بس انا ليا عتاب عندك يا ياقوت... كده تختفي شهر بحاله 

دلوف ياسمين للغرفه بعدما ودعت والدها ووالدتها على باب المشفى خلصها من ذلك السؤال الذي لو أجابت عليه لنفجرت غاضبه في شقيقه زوجها 

عاد حمزه بعد أن اطمئن على صغيريه من طبيب الأطفال واتبعه شهاب يتنحنح حرجاً

- حمدلله على سلامتك ياياقوت 

تمتمت بهدوء ف شهاب الوحيد الذي لم ترى منه يوماً ردات فعل تجعلها تحمل منه بغضاً داخل قلبها 

- الله يسلمك 

شعر بالحرج لان ندي لم تأتي معه مُتعلله بحزنها على مريم ومقاطعه حمزه لشريف ولكن الحقيقه كانت في مكنونها غير ذلك..فهي لن تحتمل اسئله ناديه عن سبب تأخر حملها 

غادرت ناديه وزوجها كما غادر شهاب الذي تبدلت ملامحه بعد مكالمته مع شريف ولم يهتم حمزه لأول مره بمعرفه تفاصيلها 

سعادته كانت متعلقه بأولاده كان وكأنه ولد من جديد 

شعرت ياسمين بالحرج من وجودها بينهم

- انا هخرج اجيب حاجه 

وانصرفت دون انتظار كلمه اعتراض من شقيقتها واتسعت ابتسامتها وهي ترى هاشم يتقدم نحو غرفة شقيقتها 

- حمدلله على سلامتك 

قالها حمزه وهو ينحني يلثم جبينها بقبلة حانيه شاكرا داخله ذوق شقيقه زوجته في تركهم 

ورفع يدها يُقبلها 

- جبتيلي أجمل هديتين ياياقوت... رغم اني زعلان عشان خبيتي عليا انك حامل في توأم 

كانت رأسها مائله للجهة الأخرى صامته ولكن عندما عاتبها على تلك النقطه نظرت اليه ساخره 

- قولتلك مرتين وسط كلامنا لكن عمرك ما اخدت بالك... انت مكنتش مهتم بينا وشايفنا ياحمزه بيه 

دار بعقله يتذكر متى قالت ولكنه لم يتذكر شيئاً.. يعلم انه لم يكن يُشاركها بأي شئ في فترة حملها الا حينا تُخبره بحاجتها او تلفت ناديه انظاره... عقله كان مع عائلته الأخرى وهي اخر فرد في أولوياته 

تنهد وهو يرمقها بأسف

- هنعوض اللي فات يا ياقوت مع ولادنا 

وتبدلت ملامحه سريعاً للسعاده وهو يتذكر أولاده 

- الفيلا الجديده هتعجبكم

واردف بأبتسامه مُتسعه 

- دلوقتي استاذ ادهم محتاج سرير زي استاذ عبدالله 

- انا هرجع بيت بابا ياحمزه... 

تلاشت ابتسامته تدريجياً ينظر إلى عيناها 

- ترتاحي شويه يعني عندهم... ياحببتي انا معاكي وفي هناك مربيه ل الأولاد وخدم وياسمين معاكي كمان 

- حمزه انا مش هرجع معاك... اللي بينا خلاص اتكسر واللي بينكسر مبيرجعش تاني 

- أنتي بتقولي ايه... ياقوت انا موافق انك تثوري عليا تغضبي مني لكن بعد عني انتي والولاد لا يا ياقوت... ورجعوك معايا امر مفروغ منه فاهمه... انا مش عايز احاسبك على اختفاءك وبديكي كل العذر لكن... 

توقف الكلام على أطراف شفتيه وهو يسمع طرقات ياسمين علي باب الغرفه ثم دلوفها 

رمقتهم اثنيهم لتشعر بالتوتر 

.............................. 

وقفت هناء عندما سمعت خطوات جنات.. لترحب بها جنات بجمود..فشعرت هناء بالحرج 

- خير يامدام هناء

اطرقت هناء عيناها تفرك يداها بأرتباك.. تهتف بحالها ان تُخبرها بالحديث الذي ارادت أخبارها به 

- اولا انا اسفه على اللي سمعتي.. وصدقيني مافيش بيني وبين مستر خالد حاجه 

طالت نظرات جنات إليها مُشيرة لها بأدب من شماتها 

- اتفضلي اقعدي 

جلست هناء سريعا توضح لها 

- مستر خالد بيحبك وبيحب ابنه... يمكن بس انا فهمت مشاعره غلط ديه كانت مشاعر اخوه

ارتسم الآلم فوق شفتي جنات التي ضحكت 

- أنتي جايه تضحكي عليا ولا على نفسك يامدام هناء... جوزي حبك جوزي كان بينطق اسمك في علاقتنا الزوجيه

تجمدت أعين هناء وهي تسمع عبارات جنات

- على العموم انا مش زعلانه... عارفه ليه لان خالد عمره ما حبني وعمره ما وهمني بحبه... 

وربتت فوق بطنها 

- عايشين مع بعض عشان ولادنا بس... زي ما ستات كتير عايشه 

كلمات مقهوره كانت تخرجها زوجه ارتضت بمشاعر زوجها الفقيره نحوها ...  ك نساء كثيرات... لم تعرف هناء بماذا تُجيب عليها فماذا ستُخبرها بعد أن علمت منها ان خالد يهتف بأسمها وزوجته بين احضانه اي مشاعر قهر عاشتها تلك المرأه.

خرجت من المنزل وحمدت ربها انها لم تلتقي ب نغم.. لتعود للمنزل شارده.

دلفت للشقه وألقت مفاتيحها وحقيبتها وحذائها كما اعتادت دوماً لتسعل من دخان السجائر وهي ترى مراد جالس فوق الاريكه يُدخن بشراهة 

- مراد انت جيت امتى... مش قولتلي عندك اجتماع مع مارتن 

دهس عقب سيجارته في المطفئه لتتعلق عيناه بها يتذكر لقاءه مع مارتن ولم يشعر الا وهو يُلقي أقرب شئ ألتقطته يداه 

- مارتن طلع اخو جاكي يا هناء.. مارتن خسرني شركتي 

ورنين الهاتف اخذ يتعالا برقم والده 

...............................

صراخها كان يتعالا من شدة الآلم... تُنادي بأسمه " سهيل" ولكن أين هو لا أحد معها...سقطت دموعها من شدة الآلم وقهرها 

سهيل اختفى وترك البيت بعد مقتل جين وقد اتهم في البدايه بمقتلها ولكن برائته ظهرت بعد ساعات من اتهامه 

- ماذا بكى سيدتي 

- سهيل... هاتفي سهيل 

أخرجت الخادمه هاتفها ودقت عليه لكن الهاتف مازال خارج نطاق التغطية 

- الهاتف مغلق سيدتي 

تصاعد صراخ سماح... لتسرع الخادمه نحوها 

- أنتي تلدي سيدتي 

............................

جلست ندي بحديقة المنزل الذي أصبح كئيباً تنظر حولها شارده تتنهد بآلم على حالهم... انتفض جسدها وهي تسمع صراخ شهاب بأسم شريف 

- شريف استنى عندك... انت هتفضل متسرع كده لحد امتى... انت عارف انت رايح تقف في وش مين... ده أحمد الأسيوطي 

- وحق اختي... مدام القانون اللي ان بخدمه مش هيساعدني عشان مكانه البيه... انا هساعد نفسي بنفسي 

لطمه شهاب فوق صدره بغضب 

- قولتلك انا هبلغ حمزه... انت اللي عملت فيها راجل 

- انا راجل طول عمري

ولكن اطرق رأسه للحظات وهو يتذكر كيف كان حمزه سنداً لهم وسط الجميع... كيف كان ينجدهم من اي شئ داعما له... ابً وشقيقاً وصديقً

- اعقل ياشريف... اخوه مُختفي اصلا ومدير أعمال الراجل بلغنا نستنى تليفون منه

- وهفضل استنى اتصال الباشا

أقتربت ندي منهم باكيه وركضت بعدها لداخل المنزل صاعده لغرفتها مُلتقية ب مها ترمقها بنظرات لائمه

- لو كان حمزه هنا مكنش ده كله حصل

صعد شريف لسيارته مُنطلقاً... فتنهد شهاب بسأم واتبعه بسيارته 

وقفت مها تُطالع السيارتان وهم يغادروا.. لتتنهد وهي تضع بيدها فوق رأسها من أثر الصداع الذي بات يُداهمها بقسوه في الايام الاخيره بعد أن اهملت ادويتها 

سارت بالحديقة تُرفه عن نفسها ونظرات بعيده كانت تتبعها بأعين مظلمه ولم يكن الا سالم الذي فاق من غيبوبته وغادر المشفى منذ اسبوعان بعد أن فقد شريف الأمل في افاقته وناسه.. ناسيا ان بينهم قضيه يجب تُصفي حساباتها

.............................. 

ألتمعت عيناها وهي ترى وضع اساس المصنع.. حلمها تحقق وستُساعد كل امرأة عانت مثلها.. تعلقت عيناها بفرات الواقف يفرك جبينه من حراره الشمس ويتحدث مع المهندس المسئول على بناءه 

تآوهت بخفوت من آلم ظهرها وهتفت بأحد العمال وهي تشعر ان اليوم هو ولادتها 

- ناديلي فرات بيه لو سامحت 

رمقها العامل بنظرة سريعه وأسرع نحو سيده... ألتف فرات نحوها مذعوراً واتجها إليها بخطوات سريعه قلقه 

- مالك ياصفا... حاسه ب ايه 

ألتقطت أنفاسها تمسك ظهرها بيدها 

- حاسه اني هولد 

أشار لسائقه بالاقتراب بالسياره يبلع ريقه متوتراً وهو يسمع تآوها 

- طب اهدي كل حاجه هتبقى تمام 

صعدوا للسياره فألتقط كفيها يُدلكهما يأمر سائقه بأن يُسرع

- خدي نفسك براحه هكلم الدكتوره حالا 

وكاد ان يُخرج هاتفه من جيب سرواله الا انها منعته بعد أن شعرت بالراحه وزوال الآلم 

- الآلم راح.. روحني البيت ارتاح 

- لا لازم نروح المستشفى ياصفا انتي ميعاد ولادتك الاسبوع اللي جاي

- انا بقيت كويسه يافرات... عايزه اروح ارجوك 

ارضخ لطلبها بعد جدال طويل... ليدلفوا لغرفتهما بعد وقت قصير وهو يسندها مُتجهاً بها نحو الفراش وكادت ان تجلس ليعود إليها الآلم اكثر

- ألحقني يافرات 

كانت أعين الخدم تُلاحقهم وهم يروا سيدهم يحمل زوجته بين ذراعيه هابطاً الدرج بسرعه رغم شعوره بآلم ساقه يصرخ بعنتر وسائقه 

توارت إحدى الخادمات عن الانظار تُخرج هاتفها من عباءتها تبحث عن رقم سيدتها بخوف تنظر حولها هنا وهناك

- ايوه ياست فاديه... مرات البيه بتولد

الفصل الخامس والستون من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>