رواية جريمة الي المجهول الفصل الثامن عشر 18 بقلم زار

             

رواية جريمة الي المجهول الفصل الثامن عشر 18 بقلم زار 

كأنه وقف عند الكلمة دي تحديداً ، سكت مسافة و ردّ بصوت حاد وتقيل.. 
قعدتي؟! الكلمة دي بتغير كل الحكاية..
ف ثواني.. كأن الكلام كلو اتحول ضدي ، حاولت أتكلم بسرعة..صوتي بقى يهتز.. لا أنا ما قعدت كدا.. أنا!.. أنا كنت.. ما كنت عارفة أطلع كيف ، ولا أعمل شنو؟.. 
سكت مساافة.. و ردّ لي ببرود.. 
المشكلة يا مريم..كلامك دا ممكن يتفسر بطريقتين..
يا إنك كنتِ خايفة ، وما قادرة تتحركي. 
يا إنك كنتِ شايفة كل حاجة ، وقررتي تقعدي.
سكت مسافة، كأنه منتظر مني كلمة.. 
و المرة دي حاولت أرتب كلماتي و خوفي ، لأني عرفت انه بضغط فيني عشان اغير كلامي ، مسحت دموعي قلت ليه بصوت مخنوق.. 
أنا ما قعدت عشان كنت راضية! ، قعدت لأني كنت محاصرة ، و متهمة في قضية ، ما كان عندي مكان أرجع ليه ، ولا زول ممكن أستند عليه ، و أي خطوة غلط كانت ممكن تضيعني أكتر.
و فعلاً.. في البداية ما كنت فاهمة حاجة ، و لما بديت أشك ، ما كان عندي دليل واضح ، و لا طريق آمن أطلع بيه بدون أعرض نفسي لخطر أكبر.
بلعت ريقي وواصلت.. 
أنا ما اخترت أقعد بإختياري ، كنت خايفة و مشوشة، 
والخوف وعدم الفهم.. ما بتفسروا كإختيار. 

حصل سكوت طويل ف المكتب..
ما اتكلم مباشرة ، هزّ راسه و ثبت عينه علي بنظرة طويلة، بعدها قال بصوت أقل حدة..
 طيب.. خلينا نكمل من النقطة دي.. احكي لي بالتفصيل.. أول مرة حسيتِ فيها إن المكان  ما طبيعي و كيف؟.. 
أخذت نفس عميق وقلت ليه.. 
بعد جيت بأيام ، و ما كان موقف واحد ، كانت مواقف صغيرة متفرقة ، بس رنا كانت بتتصرف كأنها بتخبي حاجة دايما ، و هي الخلتني أشك.. 
اكتفى بهز راسه و ما قاطعني ، كأنه عايز يسمع التفاصيل للآخر ، و بعد خلصت ، فجأة.. قال لي و نفيسة؟
حسيت بنغزة في قلبي ، بس حاولت أكون ثابتة.. 
قلت ليه ما كان عندي تعامل مباشر معاها، كانت بتظهر وتختفي ، وأحيانا بتجيني في الغرفة ، تسألني عن حياتي زمان.
سكت لحظة، كأنه سجل الجملة، بعدها غير نبرة صوته و قال بهدوء..طيب في زول تاني.. و فجأة رفع صورة صغيرة من الملف ، ختاها قدامي.. سألني بتعرفيه؟.. 
عاينت للصورة، قلبي دق بقوة ، كان فيها راجل. 
حسّيت بارتباك خفيف، وقلت بصوت واطي.. أيوة.
رفع حاجبه بسرعة.. وين شُفتيه؟
رديت بصوت متردد.. دا الراجل اللقيته لما هربت و هو الخنقني و سلمني لنفيسة. 
قال لي.. طيب!.. دي نقطة مهمة شديد ، بعدها قفل الملف.. و قال بصوت حاسم.. 
أنا ما شايف تناقض كبير في كلامك زي ما اتقال ، بس واضح إنك كنتِ محاصرة نفسياً، وده بشرح ليه التفاصيل عندك جات متقطعة.
غالباً.. نفيسة بتحاول تغير موقفها وتخفف عنها التُهم، لكن كلامك ما بدعم الفكرة دي.
سكت ثواني و قال.. إنتِ هسي بالنسبة لينا.. شاهدة، ما متهمة.
للحظات حسّيت بصدري بدا يخف شوية ، ورجعت اتنفس طبيعي ، و قبل ما أتكلم.. 
قال.. هسي تقدري تمشي ، بس ممكن نحتاجك تاني ، لو القضية وصل للمحكمة.
هزيت راسي بصمت.. وطلعت مع أبوي من المكتب ، راسي عايز ينفجر منزالصداع ، ركبنا الحافلة ، للحظة حسيت الطريق بقى أطول من المعتاد ، رغم إنو نفس المسافة.. 

أبوي فضل ساكت طول الوقت ، ما التفت لي ، و لا حاول يفتح أي كلام ، و لسه ملامح الضيق في وشه ، و كأنه شايل هم كبير. 
وصلنا البيت.. دخلت الغرفة على طول ، بس عقلي كان بعيد تماماً.. هناك في المكتب ، مع مُحي الدين ، و أسئلته البتقطع النفس ، و جملته الاهيرة.. "شاهدة.. ما متهمة". 
كررتها بيني وبين نفسي ، و المفروض ارتاح ، بس خلتني اسأل نفسي.. أنا هسي شنو؟  ضحية؟.. ولا بس زولة كانت واقفة في المكان الغلط؟
فجأة.. كل الحصل ، رجع قدامي دفعة واحدة.
وإحساس الخوف خلاني ، لا قادرة أتحرك ولا أفهم.
اتمددت على السرير ، وغمضت عيوني ، كنت محتاجة أسكت حتى من نفسي!.

تاني يوم.. مشيت المدرسة.. و لسه الصداع ماسكني 
كأني ما نمت من الأساس.. 
دخلنا الحصة.. و الأستاذة بدت تشرح.. 
كنت سرحاانة ، و عقلي مشغول بسؤال تاني .. لو طلبوني في المحكمة.. ح أقول شنو؟ ، وكيف ح أتكلم قدام الناس كلهم بدون ما أتلخبط؟. 
فجأة حسيت بخبطة خفيفة على كتفي ، نسرين همست لي باستغراب .. يابت الأستاذة بتتكلم معاكِ..
عاينت ليها بإرتباك..قالت لي.. سرحاانة وين يا مريم؟ ركزي معاي.. رجعت أركز في الشرح.. لكن الحقيقة إني كنت سرحانة في مكان تاني تماماً ، في قاعة ما شفتها قبل كدا و قدام ناس ما بعرفهم، وفي سؤال واحد ف راسي ما قادرة أجاوب ليه؟!. 

اليوم انتهى.. من غير ما أركز فيه ، رجعت البيت حاولت اراجع ، بس كل مرة بلقى نفسي بفتح نفس الصفحة ، بدون ما أقرا.
كان أصعب إحساس إنك تكوني واقفة في نص الطريق
 بين حياتك القديمة و الجديدة. 
____________
مرت ١٥ يوم.. 
وأنا في نفس روتيني المعتاد ، نفس الأيام.. بس باختلاف التاريخ.. لكن أكتر حاجة كانت بتخوفني هي نظرات أبوي.
كطول الوقت بعاين لي بصمت غريب ، كأنه منتظر حاجة تحصل ، أو خبر يجي في أي لحظة.

و في نفس اليوم.. 
كنت قاعدة سرحاانة ، جاني و من غير مقدمات وقف قدامي و بصوت تقيل قال لي .. 
مريم!.. المحكمة طالبة حضورك تمشي تشهدي.
"الجلسة يوم التلاتاء".
في اللحظة دي.. حسيت إني اتجمدت تماماً.. الكلام وقف في حلقي ، همست.. أسبوع بس!. 
أبوي ما زاد كلمة واحدة ، و طلع بهدوء.
كل الأسئلة رجعت تلف في راسي من جديد ، وكل حاجة اتلخبطت في بعض ، بقيت ما فاهمة أي حاجة.. 
حتى لما أمي جات قعدت معاي ، و حاولت تطمني إنو كل شيء ح يمشي تمام ، ما قدرت أطمئن. 
و المُحزن إني بقيت ألاحظ تفاصيل ما كنت بلاحظها.. 
سكوت أبوي ، ضيقه ، سرحانه و التعب البقى واضح في عيونه.. الحاجات دي كلها خلتني أحس إني ورطه معاي
في حاجة أكبر مني ومنه ، و بقيت سبب همومه.
و الوجعني أكتر.. إني ما اخترت دا كله.. بس لقيت نفسي جريت أهلي معاي في نص الطريق دا.
 ___________
يوم الثلاثاء... 
الساعة ٩ و ربع.. كنا واقفين قدام المحكمة.. 
المبنى كان كبير ،  وحيطه باهتة قديمة ، كان في زحمة ما طبيعية ، و أصوات متداخلة ، ناس ماشة وجاية. 
عساكر بزيهم الرسمي ، محامين شايلين ملفات. 
وكل زول شايل معاه حكاية.. 

أما أنا..  كنت حاسة نفسي تايهة وصغيرة وسطهم،
عيوني بتدور حول المكان بخوف حقيقي ، و قلبي بدق بسرعة.. إحساس إني في مكان أكبر مني ، و إني ممكن أتلخبط في أي لحظة. 
ابوي كان جنبي بس باين عليه ، متوتر اكتر مني!. 
هو دخل القاعة .. و العسكري وجهني لمكان الشهود مجرد ما دخلت ، عيني وقعت على عدد من  البنات قاعدين في الجهة التانية.. 
وشوشهم شاحبة ، وعيونهم في الأرض ، عرفتهم طوالي.. ديل نفس البنات الكانوا في بيت نفيسة. 
وقفت لحظة ، و قلبي دق بسرعة ، ماكان في طريقة اتكلم معاهم بس وجودهم اداني قوة بسيطة ، و خلاني احس اني ما براي ، و ح يشاركوا معاي نفس الحصل ليهم.
دعيت في سري.. يارب اديني قوة اقدر اقول كل الحقيقة زي ما هي قدام الناس.. 

 فجأة.. الحاجب نادى علي بصوت عالي.. الشاهدة.. مريم عبدالرحمن!..   
حاولت اتماسك من الخوف، و دخلت بخطوات مترددة.  
مجرد ما شفت نظرات الناس و همسهم ، حسيت بضغط وخوف رهيب. 
 عاينت لقفص الاتهام  بسرعة ، عيني وقعت على نفيسة. للحظات حسيت ببرودة في جسمي ، كانت هادية بشكل مريب ، كأن القضية ما بتعنيها. جمبها وتين وصحبتها وشوشهم منكسرة. 
 و ع الجهة التانية في صف رجال.. عيني وقعت على الراجل المسكني وأنا بهرب. جسمي اتجمد كله.. ومن التوتر زحيت عيوني بعيد عنهم.    

بدوا يسألوني..  
عن البيت.. و كانت نفس أسئلة الضابط ، بس بشكل أعمق مختصر ، و كل سؤال كان بفتح لي  باب في ذاكرتي ما عايزة أفتحه..  يدي كانت بترجف وانا بجاوب.. 
و أصعب أسئلة كانت لمحامي نفيسة.. صوته كان هادي، لكن كلماته زي السكين... 
"إنتِ متهمة في جريمة قتل.. ليه نصدقك؟ وليه قعدتي الفترة دي لو ما راضية؟ ، و يمكن بتكذبي ماف صوت بكاء؟... 
كل مرة كان بضغطني بسؤال ، بس كنت بعاين للقاضي وأقول نفس الحقيقة.  
مرّ وقت ما حسيت بيه.. ساعة ولا دقائق ،   بس في النهاية، القاضي هز راسه وقال لي.. كفاية اتفضلي.. 
اتنهدت بارتياح  ، و طلعت بخطوات بطيئة ، ابوي طلع وراي.. قال لي يلا نمشي.. مشيت وراه من غير كلام ، بس جواي كان في فضول غريب.. أعرف الح يحصل شنو؟، والبنات ح يقولو شنو؟.. 
ركبنا المواصلات.. و ما كنت مصدقة ، انه الحصل انتهى ببساطة واني خلصت فعلا.
ابوي قطع تفكيري قال لي.. بوصلك المدرسة.. تكملي باقي اليوم..هزّيت راسي بهدوء ، كنت مستغربة في تعامله البارد معاي ، بس ما كان عندي شجاعة أسأله ، لأني إني من رجعت جبت ليه معاي الهم و المشاكل. 

وصلنا المدرسة ، دخلت فصلي بهدوء.. البنات سألوني كنتِ وين؟ .. من غير ما أحس قلت ليهم مقابلة مع أبوي. 
ما استفسروا كتير.
الحصة بدت.. بس كنت لسه عالقة في تفاصيل المحكمة.. 
اليوم خلص ورجعت البيت ، لقيت خالتو سيدة واريج قاعدين مع أمي ، سلمت عليهم ، ودخلت غيرت. 
اأمي جابت لي الفطور و قالت لي.. خلاص شهدتي؟، قلت ليه ايوة ، سألتني..  وتاني بتمشي؟ ، قلت ليها ما عارفة والله  ، بس ياريت اخلص من القصة دي. 
ربتت على كتفي ، وقالت لي.. ان شاء الله بتخلص! 
هسي اكلي وتعالي اشربي القهوة. 

بعد ما خلصت أكل ، طلعت بخطوات مترددة. كانت أول مرة أقعد معاهم من يوم رجعت.
حاولت أتصرف طبيعي ، لكن من أول لحظة حسيت إن الجو مختلف ، الكلام بقى قليل ، و الضحك خفّ ، أمي قامت تعمل حاجة وخلتنا.
أريج عاينت لي بسرعة ، بنظرة ما فيها نفس العفوية الزمان. و مسكت تلفونها ، خالتو سيدة.. كمان اتجنبت تعاين لي ، كأنها مشغولة بحاجة تانية. 
حسيت نفسي غريبة قاعدة وسطهم ،  سألت نفسي بصمت.. هل دي أنا؟ ولا دي نظرتهم لي؟. 
أول ما أمي رجعت ، رجعوا يتونسوا بشكل طبيعي. 
حاولت أشارك ، بس ردودهم كانت مختصرة ، في الآخر.. حسيت إني ضيفة تقيلة ، شلت كباية القهوة و طلعت. 

قعدت على الكرسي ، و بديت أفكر في الطريقة البقوا يتحاشوا بيها الكلام معاي ، حسيت بوخزة ف صدري.. 
هل فعلاً اتغيروا؟ ولا أنا البقيت حساسة زيادة؟
أو يمكن الموضوع كان كبير عليهم.. ولسه مُتحفظين.
اتنهدت و قلت ف نفسي.. ما لازم أفسر كل حاجة من أول مرة ، يمكن محتاجين وقت. 

بعد العشاء.. 
خالي جانا بالعربية ، و ساق معاه امي..  
وقبل ما تمشي.. قالت لي.. هسي ما تشيلي هم.. ركزي في قرايتك بس. 
هزيت راسي ، و بادلتها بابتسامة خفيفة ، إحساس انو لسه في زول شايفني زي ما أنا ، و ما غير نظرته فيني.
أخيراً.. حسيت بالتعب ، ما حاولت افكر كتير ، بس خليت جفوني تغمض براها. 
_____________
تاني يوم.. 
بدت حصة الكيمياء ،  و اتوزعت لينا أوراق الاختبار.
تقريباً.. أنا آخر واحدة أخدت ورقتي ، و كنت راسبة.. الأستاذة قالت لي.. تعالي لي بعد الحصة.. 
حاولت أتصرف عادي ، طويت الورقة ، و حشرتها في شنطتي.
كنت مانعة نفسي تماماً اني انهار قدام البنات. 

بعد طلعت مشيت المكتب.. الأستاذة أشارت لي.. اقعد.. 
سكتت ثواني وقالت .. أنا ما متفاجئة من درجتك دي!. لأنه طريقتك البتمشي بيها الأيام الأخيرة دي هي المشكلة.. يا مريم!.. جسمك معانا في الفصل ، لكن عقلك برا.
ما قدرت أرد لأنه كلامها صاح.. 
قالت لي .. إنتِ ما غبية ولا ضعيفة ، لكن سايبة نفسك تضيع ، المشاكل الحاصلة ليك دي ، أنا ما بقلل منها. لكن في فرق بين زول متأثر ، وزول وقف حياته كلها. 
وباين انك وقفتِ حياتك!. 
عاينت ليها ، من غير ما اتكلم ، كأنه لساني اتربط..  
و بصوت حاسم قالت.. 
إنتِ ممتحنة علمي ، وفي نص السنة ، بس لسه عندك فرصة ، لكن ما ح تستناك.
يا إما تنقذي نفسك من هسي ، أو تقبلي النتيجة بعدين. القرار دا عندك إنتِ.
امشي فكري كويس لو عايزة تقومي..أنا بساعدك. لكن ما ح أقدر أقومك لو ما قررت. 

هزيت راسي بصمت وطلعت ، الغريبة إني ما بكيت ، ولا كان عندي دموع.
وصلت البيت و كلامها لسه بدور في راسي .. سايبة نفسك تضيع.. عاينت حولي للحظات.. شفت كتبي مرمية ، دفاتري مقفول.. كل حاجة بتقول نفس الشيء.. أنا وقفت!. 
سحبت نفس بطيئ ، حسيت بثقل ف صدري ، و إحساس بالمسؤولية لأول مرة.. 
ما فكرت في الحصل لي.. فكرت في الح يحصل لو فضلت كدا.. وقفت بهدوء.. مشيت ناحيت شنطتي ، طلعت كتبي و قعدت على الأرض.
فتحت أول صفحة.. عيوني بقت تمشي في السطور  بصعوبة ، بس ما وقفت
همست لنفسي بصوت واطي.. أنا ما ح أضيع نفسي زيادة.. الحصل.. حصل ، لكن الجاي  علي أنا!. 

في اللحظة دي.. ما حسيت إني بقيت قوية فجأة.. 
بس حسيت إني قادرة اقيف من أول.. 
_______________
من يوم كلام الأستاذة ، و أنا قررت اتغير!. 
في الأول.. الموضوع كان صعب ، كنت بفتح الكتاب و أقعد ساعات عشان أفهم صفحة واحدة.
يوم ورا يوم.. بديت أرجع ، أصحي بدري ، أرتب يومي
حتى لو بسيط.. أوقات كنت بسرح ، و أرجع لنفس الذكريات.. بس الفرق إني بقيت ما بسيب نفسي أغرق فيها.

مرّ شهر ونص.. و أنا في نفس الروتين.. ما كنت مثالية ، بس ما كنت ضايعة زي زمان.. 

في يوم.. كنت قاعدة اذاكر في الصالون.. 
فجأة.. سمعت صوت أبوي في الحوش ، كان بتونس مع نجود.. عن قضية نفيسة ، رخيت اذني و سمعت ، انه جلسة "النطق بالحكم" يوم الأحد.
اتجمدت لثواني.. وقلبي دق بسرعة ، ما قدرت اسأله ، بس رجعت لكتابي. 

و الغريب .. إني ما قدرت أنوم بسهولة  ، حاولت أطرد الفكرة و قلت لنفسي.. ما عندي شغل بيهم.. خلاص
أنا خلصت دوري.
بس ما اقتنعت ، حسيت الحكاية لسه م اتقفلت سألت نفسي.. طيب لو ما مشيت.. ح أنسى فعلاً؟.  
بس أنا ما عايزة أرجع أوجع نفسي.. و ف نفس الوقت ما عايزه أهرب تاني ، عايزة أواجه نفيسة من غير ما اخاف بدون قوتها و سيطرتها ، اشوفها وهي بتاخد جزائها وكل زول عاونها. 

قبل ما اغرق في النوم همست.. الحكاية دي ما بتتقفل بالكلام.. لازم أشوف نهايتهم بعيني...
____________
ليلة المحكمة.. 
ابوي كان راقد ف السرير ، واضح عليه التعب.. 
مشيت وقفت جمبه مسافة ، و أنا مترددة اتكلم.. 
في الآخر همست ليه بصوت واطي.. ابوي!..أنا عايزة أمشي جلسة الحكم.
قام عدل قعدته ، وردّ لي بإستغراب.. تمشي لي شنو؟ خلاص الموضوع انتهى بالنسبة ليكِ. 
بلعت ريقي وقلت ليه.. بس ما انتهى بالنسبة لي.
سكت مسافة و قال لي بحسم.. 
ما ضروري ترجعي للحاجات دي يا مريم.
بس لأول مرة اقول ليه بثبااات.. 
أبوي.. انا عايزة امشي عشان أقفل الصفحة دي للأبد.
 ما رد مباشرة كأنه بفكر في كلامي ، بعدها قال لي.. 
أنا عندي شغل مهم بكرة ، وما بقدر أأجله!. 
قاطعته بسرعة.. نجود ح تمشي معاي.. قال لي.. بس هي شغالة؟!.. نجود ردّت ليه بهدوء..ما مشكلة بمشي معاها ، لازم نساعدها تتخطى المرحلة دي. 
ردّ ليها بعدم اقتناع.. طيب بس خليك قريبة منها.. 
هزت رأسها وسكتت. 

الصباح... 
صحيت صليت الصبح ، قعدت قريت شوية.. 
و بالي مشغول.. ما كنت خايفة بقدر ما كنت متلهفة اعرف.. ح يحصل شنو ف جلسة الحكم؟.. 
فتحت الدولاب ، و اخترت لبس أنيق وبسيط.. 
اتجهزت و سرحت شعري ، وقفت قدام المراية.. اتأملت نفسي لحظات ، و همست بثقة.. انا قوية وقادرة اتخطى.. 

طلعت لقيت نجود واقفة منتظراني ، ابتسمت ليها بخفة ، و طلعنا من البيت. 
وصلنا المحكمة مع الوقت ، دخلت بإحساس مختلف. 
القاعة كانت هادية بشكل غريب ، مافي نفس التوتر الكان زمان ، بس في انتظار تقيل.. 
 أول حاجة عيني وقعت عليها كانت قفص الاتهام.
شفت نفيسة.. واقفة لكن ما نفس نفيسة!. 
مافي برود ونظرة حادة ، بس ملامح خالية من الحياة.. جنبها وتين وصحبتها.. وشوشهم شاحبة، و عيونهم في الأرض.. في الجهة التانية.. الرجال و في عيونهم نظرة خوف وانكسار. 
قعدنا في الصفوف الخلفية ، قلبي كان بدق بسرعة.. وأطرافي بردت تماماً. 
بعدها.. 
دخل القاضي.. و بدأ يتكلم بصوت واضح و رسمي.. 
بعد الاطلاع على الأدلة وسماع الشهود.. 
للحظة حسيت بقشعريرة سرت في جسمي

حكمت المحكمة على.. 
أولاً.. المتهمة نفيسة إدانتها بتهمة.. الاتجار بالبشر، الاحتجاز القسري، والاستغلال.. و الحكم عليها بالسجن لمدة ٢٠ سنة.
عاينت ليها بتركيز.. أول مرة أشوف نظرة انكسار في عيونها ، و بسرعة مسحت دمعة نزلت على خدها.
ثانياً.. المتهمتين وتين و... 
إدانتهم بتهمة.. استدراج الضحايا، والاشتراك الجنائي، والتستر.. و الحكم بالسجن ٥ سنوات لكل منهما.
وتين نزلت دموعها و انهارت في الأرض ، و صاحبتها بقت تبكي بقهر.
ثالثاً.. المتهم "الشرطي".. 
إدانته بتهمة.. إساءة استخدام السلطة، والتواطؤ مع الشبكة ،وتهديد الضحايا ومنعهم من الهروب.
َ و الحكم عليه.. بالسجن ١٥ سنة، والفصل النهائي من الخدمة.. 
في اللحظة دي.. رجع لي صوته وهو بقول لي.. نفيسة مستنياك ، هسي هو ح يستنى مصيره.. 
رابعاً.. المتهم المسؤول عن استدراج الضحايا.. إدانته بالدور الأساسي في الجريمة ، و الحكم عليه بالسجن ١٥ سنة.
خامساً.. بقية المتهمين..
إدانتهم بممارسة الد. عارة مع القاصرات والاشتراك في الاستغلال ، و الحكم عليهم بالسجن ثلاث سنوات ، وأربعون جلدة لكل فرد.
القاضي سكت مسافة وقال.. 
سادساً.. المتهمة رنا.. حسيت ضربات قلبي اتسارعت.. 
إدانتها بالإهمال والتسبب في تعريض الضحية للخطر، مع عدم ثبوت مشاركتها في أفعال الاحتجاز.
وتأخذ المحكمة في الاعتبار تعاونها مع النيابة، وما تعرضت له من أذى ، و عدم ثبوت القصد الجنائي لديها.
الحكم عليها بالسجن سنة واحدة مع وقف التنفيذ.
عاينت ليها.. وكانت ساكتة، نظرتها ما فيها نفس القوة القديمة، كأنها شايلة ذنب أكبر من الحكم ذاته.
حسيت تجاها بشفقة و امتنان ، لأنها في يوم.. كانت كويسة معاي.
القاضي  قال.. 
تقرر المحكمة تعويض الضحايا مادياً.. و إلزام المتهمين بدفع تعويضات ، وتحويل الضحايا لجهات مختصة للدعم النفسي وإعادة التأهيل

رُفعت الجلسة.

في اللحظة دي..
حسيت بخفة شديدة في صدري .. زي هم وانزاح.
الناس بدوا يتحركوا ويطلعوا. 
بس أنا!.. فضلت قاعدة مكاني ، كأني في حلم.. 
نجود ختت يدها على كتفي وقالت لي بحنية.. يلا يا مريم.. نمشي.

​قمت على طولي ، و طلعنا من القاعة.. 
ركبت العربية و اتحركنا ، سندت راسي على كتف نجود.. 
و في ثواني.. مرّ علي بسرعة شريط طويل قدام عيني.. شفت السكينة في يدي و فتحي واقع ف دمه ، شفت لحظة خوفي و هروبي في الزقاقات لطريق ضياع مجهول ، رماني في حضن رنا.. و انتهى بي في وكر نفيسة ، بظلام بدرومه و جحيمه ، لقائي بمحي الدين وهروبي معاه. 

أخدت نفس طويل.. و قلت.. ​مروة!.. كانت مجرد طريق أعيش بيه الفترة ديك.. و كل زول قابلته في الطريق ده ، رنا ، نفيسة، ناس وتين ، و منير ، حتى مُحي الدين.. كلهم كانوا مجرد فصول في كتاب وجع ما كان من المفترض أقرأه. 
حسيت بغصة في حلقي وأنا بقول في سري.. الصفحة دي اتقفلت ، و ما عايزة أعيش جواها. 

​أنا بس عايزة  "أنسى" ، و أرجع مريم البسيطة ، البتشيل كراساتها و هم اخوها ، مريم العايزة تلحق الشهور الاتسرقت منها ، و تبني من حطام الوجع سد يحميها في عمرها الجاي.
​همست لنفسي بيقين.. الماضي انتهى بناسه، ببيوته ، و أسراره.. و من الليلة مريم البسيطة بدت من جديد... .

تعليقات



<>