رواية فـريسة للمـاضي الجزء الثاني من صغيره ولكن الفصل الثالث عشر 13 والرابع عشر 14 بقلم الهام رفعت

      

رواية فـريسة للمـاضي الجزء الثاني من صغيره ولكن الفصل الثالث عشر 13 والرابع عشر 14 بقلم الهام رفعت
الفصــل الثالث عشر
فريسـة للماضـي 
ـــــــــــــــــــــ

وصلت ميـرا برفقه زوجها إلي فيلا أبيها وولجوا للداخل، صدمت ميرا من رؤيه أخيهـا متسطحًا علي الأرضية وغافيًا عليها ، هرعت تجاهه وحدقت فيه بقلقٍ ملحوظ وهي تدير رأسه لتتمكن من رؤيته والإطمئنان عليه ، جحظت عيناها من شحوب وجهه وهيئته الغير مطمئنة ، ثم وجهت بصرها لزوجها المحملق فيه بدهشة وهتفت هي باهتياجٍ خائف :
- واقف كده يا وليد ، تعالي شوفه ، انا خايفه عليه قوي .
دنا منهم وليد ورفعه قليلاً ووضع يده علي عنقه مستشعرًا نبضه ، ثم نظر لها قائلاً بهدوء :
- متخافيش ، مفيهوش حاجة .
ميرا متسائلة بقلق جلي :
- هو نايم يعني ، شكله تعبان قوي .
تنمل مالك قليلاً بعد سماع اصواتهم التي تسللت لآذانه وأفاقته من نومه ، ثم نظرلها عابسًا بوجهه ومظلمًا عينيه وهو يمرر بصره عليهم ، ثم ابعد مالك يديها من عليه واردف بعبوس :
- انتوا كمان جاين عاوزين ايه .
لم تجب ميرا عليه بل هتفت بلهفة قلقة :
- انت كويس يا مالك ، ايه اللي منيمك كده .
مالك متأففًا :
- ملكيش دعوة ، انا مش عايز حد يسأل عني ، سيبوني لوحدي بقي .
نظرت له ميرا بحزن وقالت بتأنيب :
- ايه اللي عملته دا يا مالك ، ينفع كده ، فيه....
قاطعها بحدة وصوت عالي : 
- ملكيش دعوة ، انا اعمل اللي يعجبني ، اذا كان عاجبكوا .
وليد متدخلاً بتعنيف :
- يعني ايه الكلام ده ، بتضحك علي بنت خالك المتجوزه وعايز تغتصبها وتقول مزاجي واللي عايزه ، انت ولد قليل الأدب وعايز تتربي .
مالك بنبرة مستهزئة وهو يرمقه باستهجان :
- وانت بقي اللي هتربيني .
اوشك وليد علي تعنيفه بعد إهانته له ، ولكنه هاتفه استوقفه ، فأجبر نفسه علي اخراجه ، ووجده رقمًا غريبًا واضطر للرد عليه قائلا ً:
- ايوه مين ؟ .
الشخص:......
وليد متسائلاً بعدم فهم :
- ابو مين ، انت قصدك ايه .
الشخص:......
أنسلت الهاتف من يده ووقع علي الأرضية ونظر أمامه مصدومًا ، فحدقت فيه ميرا متعجبه منه وتسائلت :
- فيك ايه يا وليد ؟، ومين اللي بيكلمك ؟ .
اضحي وجهه غير مستوعبًا لما القي علي مسامعه ، ورد باستنكار :
- بابا ! ، بابا وطنط ثريا ، عملوا حادثة بالعربية .
ميرا بصدمة صارخة : 
- انت بتقول ايه يا وليد ، هما عاملين ايه ؟ .
مالك محركًا رأسه بعدم تصديق :
- لا مش ممكن ، مامي.......
____________________

ظلت تكركر فرحًا من سماعها لما كانت تتمناه ،لم تتواني هايدي في إظهار فرحتها وهتافاتها المتشفيه فيهم ، دارت حول نفسها كأنها شابه صغيره غير مبالية بعمرها ، ضحكت بسعادة لذلك الواقف امامها وصرخت بفرحه :
- أسعد خبر سمعته في حياتي كلها ، متعرفش فرحانه قد ايه النهارده .
سامي بابتسامة عذبة ونظرات تتمني لها الرضي :
- فرحانه يا حبيبتي ، انا اعمل اللي تقوليلي عليه وانا مغمض .
هايدي متنفسه بحبور جم وهي تطوق عنقه :
- إلا فرحانه ، ربنا يخليك ليا يا حبيبي .
سامي بفرحة كست تقاسيمه :
- بجد انا حبيبك يا هايدي .
هايدي بدلال وهي تلتصق به :
- حبيبي وكل حاجه عندي ، كفايه اللي بتعمله علشاني .
سامي بنبرة جدية ذات معني :
- أحنا لازم نمشي من هنا وبسرعه ، اكيد خبر هروبك هيتعرف ومش بعيد يقلبوا الدنيا عليكي .
هايدي متسائلة باستغراب :
- انت مش قولت هتعملي ورق مضروب ! .
سامي بمغزي : 
- جاهز يا روحي وفي التمام .
هايدي بموافقة :
- خلاص ، هدخل أجهز نفسي علشان نمشي .
سامي بجدية :
- وزي ما فهمتك يا هايدي ، أعملي نفسك قريبتي علي ما نخلص منها ، علشان دي عارفه عني بلاوي ، وكمان الصفقة هتم فين وازاي ، تابع وهو يضمها اليه بوقاحة :
- ونديها سكه وكمان نبقي لوحدينا ، ونعيش عمرنا اللي بيضيع ده .
هايدي بشرود :
- ياما نفسي أسافر من هنا ، واعيش في راحه بقي......
_____________________

دلف من مكتبه وهو مزعورًا ، غير مصدقًا لحديث ذلك الرجل الذي هاتفه ، ذابت أوصال فاضل وأصبح غير قادرًا علي السير ، استند بيده علي المقعد وأغمض عينيه متعبًا ، فهرعت فاطمه نحوه وهتفت متسائلة بقلق ملحوظ :
- فاضل! ، انت تعبان ولا ايه ؟.
أخرج تنهيدة حزينة ونظر لها قائلاً بعدم تصديق :
- ثريا اختي ، ثريا اختي ماتت يا فاطمه .
فاطمه بشهقة مصدومة : 
- مين اللي قالك ، انت متأكد ! .
هتف فاضل بنبرة حزينة تحزن من يسمعها : 
- أختي ماتت ، كلهم ماتوا وسابوني .
فاطمه بحنان وهي تربت علي ظهره :
- شد حيلك يا فاضل ، انا معاك علي طول ان شاء الله ، والأعمار بيد الله ، ودا قضاء ربنا.
فاضل وهو ينظر حوله :
- لازم اروح المستشفي دلوقتي .
فاطمه بجدية ونبرة اصرار : 
- يلا تعالي ، انا كمان هروح معاك .

ولجت ساره الفيلا بجمودها الذي اضحي يكسو وجهها الفتره الماضيه ، ثم رأتهم هكذا ولكن غلبها فضولها لمعرفه الجديد ، فربما حدث شيئًا آخر لم تعلم به ، تقدمت منهم بخطوات حذره وتسائلت بتردد :
- فيه ايه ؟ ، فيه حاجه حصلت ؟ .
ردت عليها فاطمه بحزن : 
- تعالي يا ساره ، فايز بيه وثريا عملوا حادثة بالعربية .
هتفت ساره بصدمة :
- ايه ! ...وهما عاملين ايه ؟ ..
فاطمه بأعين مملؤة بالدموع أجابت :
- ماتوا يا ساره .
نظرت ساره أمامها مجفلة في حاله مالك الآن ، فبالتأكيد علم بذلك ، وتخيلت حالته الآن وودت البقاء معه ، ولكن ما فعله مؤخرا جعلها تمقطه ولم تبغي رؤيته ، قطع ذلك الحوار فاضل قائلا بجدية :
- انا هكلم زين يحصلني علي هناك .........
______________________ 

انتظر بجانبها حتي غفت أمامه ، ملس زين علي رأسها بلطف وهو يحدق في وجهها الصغير ، وكم الألم الذي عانته لتفقد ابنهم ، ألتاع قلبه وكأنها كان يشعر بمعاناتها في تلك اللحظه ، تنهد بضيق لاعنًا ذلك الوقح لما كان يزمعه مع زوجته ، واقسم داخليًا في إلقانه درسًا قاسيًا منتظرًا لفرصته حين يطمئن عليها ، دثرها زين جيدًا وقبل رأسها بهدوء تاركها تنعم ببعض الراحه ، نهض بحذر وتفاجئ برنين هاتفه ، امسكه زين واجاب سريعًا عندما وجده والده :
- ايوه يا بابا .
فاضل بنبرة مقلقة :
- تعالي يا زين بسرعة .
زين مستفهمًا بقلق : 
- خير يا بابا ، انت تعبان .
رد فاضل بحزن :
- عمتك عملت حادثه وماتت هي وجوزها ، انا لازم اروح اشوفها
زين بصدمة جلية : 
- وحصل إزاي ده !..
فاضل بصوت شارف علي البكاء :
- مش وقته الكلام ده ، يلا زين تعالي علشان نروح سوا ، كلهم هناك ، واكيد زعلانين .
زين بملامح متجهمة :
- حاضر يا بابا هأجهز علشان نروح ، صمت قليلا ثم وجه بصره لنور وحدثه بمعني :
- بس نور تعبانه ونايمه ، خايف اسيبها ، اعمل ايه ؟.
فاضل بجدية :
- انا هجيلك وهجيب ساره تقعد معاها ، جهز نفسك انت علشان نمشي بسرعة .
زين بطاعة : 
- حاضر يا بابا ، هقوم ألبس .......
______________________

وقف مالك منتظرًا رؤيتها بداخل ثلاجه الموتي ، تلك اللحظه القاسية التي لا يتمني الجميع الوقوف امامها ، تشنجت أعضاءه مدركا انه السبب ، وارتعشت اطراف يديه من رؤية والدته مسجيه بداخلها ومكفنه بذلك الغطاء ، تلك التي كانت تتحدث معه قبل وقت ليس بكثير ، وفطن انه من دفعها بكلتا يديه لتلقي حدفها ، انسابت دموعه علي وجهه المتشنج وذلك الرجل يكشف عن وجهها ، أرتعد من رؤيتها هكذا وتصلب موضعه ، وكانه كالمغيب بينهم ، ولم يخرجه من غيبوبته سوا صراخ اخته العنيف الذي دوي في المكان ، لم تتخيل ميرا رؤيه والدتها تتركها بتلك السرعة ، حتي اهتاجت وهي تستنكر موتها رغم رؤيتها امامها ، وعن وليد لم يشيح بصره عن والده المسجي بجانبها ، ثم طالعه بعدم تصديق وبدأ في بكاؤه الصامت الذي يقتل أعضاؤه الداخليه .
تراجع مالك للخلف غير قادرًا علي رؤية المزيد وهتف بعدم تصديق وسط إرتجافة جسده المضطربة :
- انا اللي موتك يا ماما ، انا اللي قتلتك بإيدي ، انا قاتل....
_______________________

أرتدي زين ملابسه وتجهز للخروج ، توجه لزوجته الراقده ونظر مرة أخيرة قبل ذهابه ، ثم استدار تجاه الباب وهم بالخروج لوالده المنتظر ، هدج زين ليهبط العوامة فوجد ساره تصعد هي في مواجهته ، وقفت امامه وحدثها هو بمعني :
- هي لسه نايمه يا ساره ، سيبيها تصحي براحتها .
ردت ساره بشبح ابتسامة منصاعه لكلامه : 
- حاضر ، أنت هتوصيني عليها .
زين بابتسامة مصطنعة : 
- متشكر قوي .
ثم اكمل زين سيره ليتجه لوالده ليذهبا سويًا ، بينما ولجت ساره العوامة ناظره لما حولها بملامح غامضة ، وتفرست محتويات العوامة من الداخل ، ولم تتخيلها كذلك ، بل اروع ما رأت ، وذلك الأثاث الباهظ الثمن وبعض المقتنيات والتحف الغالية ، اكملت سيرها وهي تتطلع حولها بنظرة لم تتفهمها هي ، فهل تحقد عليها او تثني علي حياتها المرفهة التي يغدقها بها زوجها ، اوحاقدة علي حب الآخر لها ، تقدمت ساره من غرفة نومها ثم باشرت بفتحها بحذر .
تدرجت للداخل مسلطه بصرها عليها ، ودنت منها متمعنه النظر لوجهها المتعب ، شعرت بالشفقة عليها متذكره صداقتهما معا ، ولم ترد رسم العداوة المحفورة بداخلها ، بل القدر وضعه رغمًا عنها ، تنهدت ساره بعمق وجلست علي ذلك المقعد المريح بزاوية الغرفة ، ثم تأملت ما حولها واثنت ثغرها بابتسامة وهي تتذكر مره أخري حديثها الدائم عن العوامة وجلساتهم سويًا ، شعرت ساره بالخجل من نفسها لتلك العداوة التي تنبت بداخلها تجاهها ، ونظرت لها لائمه نفسها ، فهي من كانت تأتمن علي اسرارها معها ، ووضعت هي الحق عليها كونها لا تعلم بحبها السري لمالك ، زفرت بقوة مغتاظه منه هو ومشفقه علي حالته في آن واحد ، وهمست لنفسها بحيرة :
- يا تري يا مالك هتفضل كده ولا ايه اللي هيحصل ...
_______________________

بعد وقت وصل سامي وهايدي لشرم الشيخ بعدما استقل الطائرة كوسيلة سريعة للوصول ، ونجاح اوراقه الزائفة التي يجيد صنعها ، وبعدما غير من هيئتها كي لا ينكشف أمرهم ، تنهدت هايدي بارتياح عندما وطئت بقدمها المكان ، حدق فيها سامي وغمز لها بعينه :
- ايه رأيك في تفكير العبدلله ، ما فيش حاجه تعدي من تحت إيدي .
هايدي بسعاده جليه وابتسامة واسعة :
- كده بقي نخلص الصفقة ونطير علي برة .
سامي بحب هتف بتمني : 
- ياه يا هايدي ، متعرفيش انا كنت بحلم باليوم دا قد ايه .
هايدي بمغزي : اهو جه وهنبقي لوحدينا ، بعدم ما نخلص منها هي كمان .
سامي بتفهم : تخلص الصفقه وهنخلص ان شاء الله ......

بعد وقت ليس بقليل وصلوا بسيارة الأجرة إلي العمارة القاطن فيها ، تاملت هايدي هيئتها باعجاب وتشدقت باطراء :
- العمارة فعلا متكلفة ، وباين غالية كمان ، نظرت له وتابعت مظلمه عينيها بخبث :
- شكلك معاك كتير بقي .
سامي وهو يسحبها من خصرها لتدلف معه :
- انتي ناسيه بنشتغل ايه ، احنا معلمين البلد ..
زمت شفتيها بثناء ، ثم استقلت معه المصعد متجهين لشقتهم .
وقف المصعد امام الدور الموجود به شقته ودلفوا للخارج ، كانت الخادمة هناء تضع الحقيبة البلاستيكية الخاصة بالقمامة في الصندوق الخارجي ، ولمحته مع تلك المرأه الغريبة ، نظر لها سامي بتوتر كونها تعمل عند الضابط القاطن بجواره ، حدجتها هايدي لاويه شفتيها وغير مباليه بها ، واضطرت الخادمة للدخول حين نادتها سلمي ، فأجابتها هي بطاعة وهي تستدير عائدة للداخل :
- حاضر يا مدام سلمي ، انا جايه أهو .
ازدرد سامي ريقه واشار بيده لها هامسًا :
- يلا ادخلي بسرعه ، الشقه دي بتاعه ظابط .
هايدي بزعر وهي تبتلع ريقها :
- وانت ملقتش غير دي وتسكن جمبها .
سامي بمعني وهو يفتح الباب :
- بعدين هتعرفي بالخطة يا روحي ، خلينا نتصرف مع اللي جوه دي الأول .
هايدي بتأفف : اما نشوف الست دي كمان .........
____________________

جلس فاضل مطأطأً رأسه حزينًا علي فقدان أخته ، انتظر الجميع إنهاء الإجراءات اللازمة للدفن ، لتنتهي المسألة كما هو متعارف عليها في مثل تلك المواقف ، ولكن احد الضباط تقدم منهم وانتصب في وقفته محدثًا إياهم :
- للأسف يا جماعة ، احب ابلغكم ان الحادثة مدبرة .
تطلع عليه فاضل بصدمة ، بينما نظر له وليد بغضب وهتف :
- مدبرة أزاي ، مين اللي يعمل كده في بابا ؟! .
الضابط بأسف مصطنع :
- للأسف احنا معندناش اي دليل يدين حد ، كل اللي عرفناه ان فرامل العربية كانت مقطوعة بآله حادة ، استأنف بدلالة :
- انتوا ممكن تساعدونا ، وتعرفونا مين اللي ممكن يعمل كده ، وهل كان فيه اعداء للوالد او للمدام ؟ .
نظر وليد امامه في حيرة من امرة ، وأستشاط غضبًا كون احدًا يرد التخلص من والده ، وقست نظرات مالك في الإنتقام لوالدته المغدورة ، وكور قبضته بغضب جم لاعنًا نفسه علي إرسالها للرمق الأخير بيديه تلك .
بينما حدثه فاضل بنبرة حادة رغم إجهادها :
- وايه المطلوب دلوقتي ، متقولش هنتحفظ عليهم ، انا هاخد اختي وجوزها وهيندفنوا بكره ان شاء الله .
أمال الضابط رأسه للجانب قليلاً ورد بجدية :
- طبعا دي حادثة ، فوجودهم مش هنحتاجه في حاجة ، كل اللي مطلوب اننا نعرف مين اللي قاصد يعمل كده ، وتساعدونا اننا نلاقيه .
فاضل بتهكم صريح :
- احنا معندناش أعداء ، المفروض دي شغلتكم ، ولازم انكم تمسكوا اللي عمل كده .
الضابط بتردد وهو يؤكد رغم صعوبة الأمر :
- طبعًا طبعًا ، ومن شغلنا برضو اننا نسألكم علشان نحط كل الإحتمالات قدامنا .
فاضل بإيجار ونبرة منزعجة :
- وياريت بسرعه ..

انتهي زين من إتمام الإجراءات الضرورية لأخذ تصريح الدفن ، وهم الجميع بالذهاب متأهبين للعزاء الذي سيقيمه وليد في فيلته ، ولم يبدي مالك إعتراضًا علي ذلك ، لأنه من طردهم بلا رحمة من عنده ، ولم يعطي لنفسه الحق في إقامة سرادق العزاء في المكان الذي شهد قسوته عليهم ....
_____________________

علم معتز بخبر وفاة عمتها وزوجها ، ترك ورديته لأحد زملائه وتوجه لها ، أعلمها معتز بذلك وصدمت سلمي وأعتزمت نزول الاسكندرية ، ولكن معتز حدثها بتعقل :
- يا سلمي مش هينفع ، انتي حامل يا حبيبتي ، وغلط تنزلي دلوقتي ، ومتنسيش ان انا عندي شغل ومقدرش اسيبه ، دا انا جيت بس علشان أعرفك بنفسي لو عوزتي تكلميهم ، وخفت عليكي لو اتصلت بيكي تتعبي ولا حاجة . 
هتفت سلمي ببكاء شديد :
- يا حبيبتي يا عمتي ، اما مش مصدقه ، عايزه أنزل يا معتز علشان خاطري .
معتز بتفهم :
- عارف يا سلمي ان انتي زعلانه ، وهما كمان هيقدروا انك حامل ومتقدريش تروحي .
سلمي بحزن مستنكرة ما يدور حولها :
- هو ايه اللي بيحصل ده يا رب ، يعني مش هشوف عمتو تاني
ضمها معتز إليه وربت علي ظهرها قائلاً:
- ربنا يرحمها يا سلمي ، ادعيلها انتي بس .
سلمي محاولة الكف عن البكاء :
- ربنا يرحمهم .
معتز مستفهمًا بفضول :
- متعرفيش مين ممكن يعمل كده ، أصل اللي وصلني انها حادثة مقصودة .
سلمي فاغره فيها بصدمة : 
- كمان ! ، دا مين اللي ممكن يعمل كده ، انا عمتي طول عمرها في حالها ومعندهاش أعداء .
معتز بحيرة : 
- دا مين ده اللي عايز يخلص منهم هما الإتنين........
_____________________

تَيَقَّظت نور من نومها ناظرة للأعلي بهدوء ، امالت رأسها للجانب وتفاجئت بساره جالسه علي المقعد وناظرة للفراغ بشرود ، ابتسمت نور عفويًا وايقنت مجيئها للأطمئنان عليها ، ثم نادتها :
- ســـاره ..
ساره ناظره إليها بإنتباه :
- نور أنتي صحيتـي .
نور بإبتسامة هادئة :
- جيتي تطمني عليا .
ساره بإبتسامة زائفة تساءلت : 
- انتي عامله ايه ؟.
ردت نور بضيق ممزوج بالحزن :
- انا كويسه ، بس انا زعلانه قوي ، انا كنت حامل يا ساره ، والبيبي راح .
ساره بحزن زائف : 
- معلش يا نور ، بكره تجيبوا غيره .
نور بانزعاج :
- عرفتي مالك عمل معايا ايه .
تغيرت تعابير ساره للامتعاض والغضب الشديد ، وتفهمت نور انها حزينة مما حدث لها واستطردت لسرد ما حدث :
- ضِحك عليا يا ساره ، وفهمني ان زين بيخوفني علشان اروحله
لامتها ساره بامتعاض :
- وأزاي تصدقي ان زين يعمل كده .
نور بتبرير :
- مش اول مره زين يخوني ، انا مش كنت بقولك انه يعرف بنات .
ساره بضيق وضحت :
- يا نور دا كان قبل ما تبقوا مع بعض ، ودلوقتي انتوا متجوزين بجد ، وهو بيحبك قوي .
نور بحيرة : 
- مش عارفه ، انا خايفه قوي زين يرجع يعمل كدة ، حتي لو قالي بحبك كل شوية ، انا بغير عليه قوي ، وبحبه .
ساره محاولة إزاحة تلك الفكرة :
- صدقيني يا نور ، زين عمره ما هيفكر يخونك ، ومتصدقيش حد يقولك حاجة ، لاني شايفه انه بيحبك قوي .
نور بتفهم : 
- حاضر ، تابعت بتساؤل وهي تلتفت حولها :
- هو زين فين ؟ .
ردت ساره بتردد :
- اصل انتي كنتي نايمة معرفتيش باللي حصل .
نور بتساؤل : 
- هو ايه اللي حصل؟ ..
ساره بتنهيدة :
- عمتك ثريا وجوزها عملوا حادثه وماتوا .
اعتدلت نور في نومتها وهتفت بصدمة جلية :
- ايـــــه !.......
_____________________

في مساء اليوم التالي .....
لم يزيح زين بصره من عليه ، وحدجه بغضب عارم ، ويقسم لولا الظروف لفتك به ، ولم يشفع له حزنه الذي يكسو هيئته في الإنتقام لزوجته وابنه الذي لم يعرف به ، ربت حسام علي كتفه متفهمًا ضيقه ولذلك حدثه قائلاً بجدية :
- اهدي يا زين ، انا حاسس بيك ، بس انت كمان تقدر الظروف ، وانت عاقل وتقدر تتحكم في أعصابك .
زين بانفعال داخلي مكتوم :
- اللي حايشني عنه موت عمتي ، انا مكنتش هسيبه ، بس حظه حلو .
حسام بتعقل :
- احمد ربنا انها جات علي قد كده ، وإلا كان هيبقي موقف الكل وحش مع بعضه .
زين باستنكار:
- انا مش عارف مستكترين عليا اعيش سعيد ليه ، كله سعيد وفرحان وعايش عادي ، ومحدش اتبهدل غيري ، اعمل ايه يعني ، ومراتي بتحبني وانا بحبها ، يبقي فيه ايه بقي .
حسام بتأني :
- حاول تفكر بهدوء يا زين ، وأكيد مالك مش هيفكر يقربلها بأي شكل ، ولا حتي هيحاول يكلمها ، خصوصا ًبعد ما بان قدام الكل كان عاوز ايه .
زين متذكرًا ما حدث :
- اسكت بقي يا حسام ، وكفايه عليه اللي هو فيه ، علي الله يقدر يحس ويتعدل عن كده ..
رغم عدم رؤيته له ، إلا انه مالك أيقن نظراته الحانقة تجاهه ، تعمد مالك الجلوس امامه يريد منه ان يخلصه من حياته هو الآخر ، شحب وجهه وبدا عليه التعب ، وتأمل حوله ليتأكد مما حدث ، فلم يدرك حتي الآن عدم رؤيته لوالدته ، وأختفاء ذلك الحضن الدافئ الذي أبعده بيديه ، واستشعر الوحده عن ذي قبل .
نهض مالك وابتعد قليلاً يريد محادثه نفسه الحزينة ، وقف بمفرده ليطلق العنان لعبراته في التصبب علي وجهه ، نظر امامه متنهدًا بحزن ومخرجًا لأنين البكاء ،ثم وضع كلتا يديه علي رأسه وهتف ببكاء جلي :
- الله يرحمك يا ماما ، يا ريت تسامحيني ...........
                      _______________
                          ___________
                                ______
الفصــل الرابع عشــر
فريســة للماضــي 
ـــــــــــــــــــــــ

بعد مرور شهـــر........

أفاق منه نومه علي صوت شخص ما يهتف بأسمه ، فتح حســام عينيه ببطء وحدق في الواقفة امامه بعبوس يكسو تقاسيمه ، أعتدل في نومته علي الفور ناظرًا لها بعدم فهـم ، وحدثهــا متسائلاً :
- انتـي مين ؟..
ردت السيدة بصوت أجـش :
- انا الخدامـة الجديدة يا سعادة البيه .
حسام بضيق :
- انتي الخدامه الجديدة ، اومال فين المزة التانية ، قصدي الخدامة التانية .
السيدة بجهل : 
- معرفش حاجه يا بيه ، انا اول يوم ليا ، والمدام طلبت مني ادخل اصحي حضرتك .
نظر لها حسام مغتاظًا من وجودها ونهض سريعًا من علي الفراش وهدج للخارج مصيحًا بانزعاج :
- مريـم ......يا مريم .
هرعت مريم تجاهه وردت بتعجب :
- ايه حسام ......مالك صوتك عالي كده ليه !..
نظر خلفه واشار لتلك السيدة ورد باشمئزاز :
- تقدري تقوليلي مين دي ؟.
مريم لاوية شفتيها للجانب :
- دي الخدامة الجديدة  ، تابعت بنبرة مستفزة لتثير حنقه :
- نقاوه إيديا يا حبيبي ، ايه رأيك في حلاوتها ، حاجه مافيش كلام .
حدجها حسام بغيظ وهتف بتردد :
- بس دي ممكن تخوف الواد .
السيدة معترضة بنبرة خشنة :
- لا يا بيه ، دا انا اكلته ونيمته ، وحبني خالص مالص .
كتمت مريم ضحكتها بأعجوبه ، بينما أهتاج حسام وكز علي اسنانه وهتف :
- الله يرحمني ، انا داخل البس وامشي من هنا .
ولج الغرفه مرة اخري وهو يستشاط غيظًا من زوجته وتلك المرأة الشمطاء التي لا تختلف كثيرًا في هيئتها عن الرجل ، ولجت مريم خلفه وهتفت بضيق زائف :
- تقدر تقولي ناني فيها ايه وحش ؟!.
حسام بتهكم :
- ناني مين دي! ، هو الأخ الي بره ده أسمه ناني .
ردت مريم كاتمة ضحكها :
- اسمها نعيمة ، وانا بدلعها وعايزاك تدلعها انت كمان .
حسام بامتعاض :
- ودي جايه تشتغل ولا جايه تتدلع .
مريم بالامبالاة زائفة :
- سيبك منها ، ويلا البس علشان كده هنتأخر علي الشغل .
حسام علي مضض :
- طيب ، يارب خد اللي في بالي .....
___________________

سَئِمَت من المكوث في العوامة الفترة الماضية ، ولذلك قررت ان تذهب معه للشركة وتغيير روتين يومها المقتصر علي الذهاب لعمها فقط ، ارتدت نور ملابسها متجاهلة نصائحه لها ، ثم تقدمت منه وردت عليه بتأفف :
- انا زهقت يا زين من القعدة ، بقالي كام يوم مش بخرج غير عند انكل . 
زين بتفهم :
- عارف يا حبيبتي انك زهقتي ، بس انا خايف عليكي وانت لسه مخفتيش وبتاخدي دواكي .
نور بتذمر :
- هو انت لما تاخدني معاك الشركة فيها ايه ، انا هقعد معاك واتعلم شوية حاجات ، مش حاجة صعبة .
زين بحنان وهو يملس باصبعه علي خدها :
- انا خايف عليكي يا حبيبتي ، الدكتور قال لازم ترتاحي ، خصوصًا انك كنتي تعبانة قوي .
نور بضجر :
- انا مش تعبانه ، انا كويس قدامك أهو .
زين مستسلمًا لرغبتها : 
- خلاص زي ما تحبي .
نور متسائلة بفرحة :
- هتشغلني فين بقي ؟ .
زين باستنكار : 
- فين ازاي ، في مكتبي طبعًا .
نور زاممة ثغرها بضيق خفيف : 
- بس انا عايزه مكتب ليا ، هو انا مش ليا فيه الشركة برضو .
زين مؤكدًا:
- ايوه يا حبيبتي ، ليكي التلت فيها .
نور بتساؤل : ولمين الباقي .
رد بايجاز :
- ليا .
نور بمفهوم :
- يعني بتاعتي انا وانت ، تابعت بتساؤل :
- طيب.. وسلمي ومريم ؟! .
رد بجدية : 
- الشركه بتاعتي انا وانتي وبس ، وانا اللي بديرها لوحدي ، لأني وصي عليكي ، وانا اللي بتصرف في نصيبك .
نور متنهدة قالت بمعني :
- طيب ممكن بقي اشتغل وافهم كل حاجه ، علشان ابقي معاك
زين بابتسامة عذبة :
- وماله لما تشتغلي معايا ، علي الأقل نبقي مع بعض علي طول .
ردت معترضة :
- مش علي طول قوي ، انت ناسي اني لسه بدرس والأجازة قربت تخلص .
زين مستنكرًا :
- وفيها ايه ، انتي الوقت اللي فاضيه فيه تعالي معايا ونشتغل سوا انا وانتي ، استأنف بتأفف :
- مع انا لما كنت في الجامعه مكنتش بروح ، وشغال عادي ولا اي حاجه .
نور بدلال مائع : 
- طيب يلا بقي علشان هنتأخر .
زين وهو يمسك يدها ويستدير بها للخروج :
- تعالي يا وجعه قلبي ........
______________________

جلسوا ثلاثتهم علي طاوله الطعام يتناولون إفطارهم ، ولم تخلو جلستهم من نظرات رودي العابسة لهما ، حاولت هايدي تجاهلها لحين الإنتهاء من الصفقة المربحة وتحملت حركاتها المستفزة ، وعن رودي ظلت تثاورها الشكوك في علاقتهم سويًا ، خاصةً بعد رؤيه تلك النظرات المريبة بينهم ، والتي توحي بعلاقة أخري غير تلك التي يدعيها ، وتأججت الشكوك بداخلها وتحفزت كليًا لكشفها ، نظر لها سامي بطرف عينيه وايقن شكها في امر هايدي ، فهو علي علم انها لن تتقبل خدعته التي رسمها عليها بسهولة ، لذلك تشدق لينهي تفكيرها ويشتت أنتباهها لـ :
- ومرات الظابط مبسوطة من السنتر يا رودي .
رودي وهي تلتفت اليه :
- ايوه عاجبها ، دا كل يوم فيه من وقت ما مضينا العقود .
سامي بجدية : 
- طب كويس ، علشان تبان قدام الناس انها صاحبة المكان ، وتلبس الليله لوحدها .
رودي بتجهم :
- ونخلص بقي من الصفقة دي ، ثم وجهت بصرها لهايدي وتابعت بتساؤل :
- وأنتي ناويه تقعد معانا كتير يا نادين ؟.
هايدي متعثره في الرد :
- يعني ، علي ما ألاقي مكان وكدة .
سامي بامتعاض زائف :
- مالك يا رودي ، انتي بتطرودي بنت خالتي ولا ايه .
ردت رودي بحنق : 
- انا مش بطرد حد ، انا بسألها سؤال ، اصل مش شيفاها بدور علي مكان .
نكست هايدي رأسها ، بينما هتف سامي متذمرًا :
- ايه الكلام اللي بتقوليه ده ، ما تقومي ترميها بره أحسن .
رودي بتأفف منزعج :
- هو انا كنت قولت ايه يعني ، دي علي طول في اوضتها ، وعمري ما شوفتها خرجت زي ما يكون خايفه حد يشوفها ، ولا عامله مصيبة .
اضطربت هايدي وتلعثم سامي وهتف بتوتر :
- عامله مصيبة ايه ، دا هي بس بتتكسف ومتعرفش حد .
وجهت بصرها لملابسها العارية وردت بمقط وهي تمرر بصرها عليها كليًا :
- لا ما واضح الكسوف ، ما انا شايفاه بعيني .
نظر سامي لهايدي ، واغتاظ من الأخري ولكنه تريث في التخلص منها عندما يسنح له الوقت ، ثم رمقها بضيق وحدثها بكلمات موحية يتفهمها هو وهايدي :
- هانت يا حبيبتي ، متضايقيش نفسك ، اول ما تخلص الصفقة هتستريحي خالص ...........
______________________

جلست في مكتبها الخاص بداخل السنتر ، وظلت تتطلع علي تلك الاوراق الموضوعة امامها وتتامل ما هو مدون فيها ، زاد إستغرابها بعض الشئ كونها تتفهم تلك المهمة جيدًا ، وما امامها سوا بعض الاوراق الغير مجدية للعمل بداخل السنتر ، وتخيلت ربما الاخيره لم تتفهم العمل ، وقررت سلمي مباشرة الأعمال بنفسها وزيادة مسئوليتها بداخله مستغلة حنكتها في تلك المسألة ، ليتسني لها تجهيزه بمستوي راقي ، اسندت تلك الأوراق جانبًا واعتزمت مفاتحة رودي في تلك المسألة لتعلمها بمدي خبرتها في هذا المجال ..
ادارت سلمي رأسها لهاتفها الذي يهتز بجانبها ثم التقطته ، واعتلي ثغرها إبتسامة فرحة وهي تتطلع علي هويه المتصل ، اجابت هي علي الفور :
- صباح الخير يا حبيبي .
معتز متنهدًا بحرارة :
- وحشتيني قوي يا روح قلبي .
سلمي بعبوس زائف :
- ما انت اللي بتيجي ساعه وتمشي ، وياريت بتزود عن كده .
معتز مبررًا :
- اعمل ايه بس ، أول ما نقبض علي تجار المخدرات دول هتلاقيني فضيلك علي طول .
سلمي بتهكم :
- اما اشوف ، دا انت حتي مفضتش تكتب معايا عقود الشراكه .
معتز بمعني :
- مش خلاص كل حاجه تمام ، لازمته ايه الكلام ده ، تابع بضيق :
- وبعدين انا هضيع الخمس دقايق في الكلام ده .
سلمي لاوية شفتيها : 
- خمس دقايق .
رد ببلاهة غير مستمعًا لضيقها :
- وحشتيني قوي .
سلمي بتعجب : 
- هو انت مش هتتغير ابدا ! .
معتز بمغزي :
- انا هفضل كده علي طوووووول........
_____________________ 

منذ وفاه والدتهم وهي دائما ما تأتي اليه وتطمئن عليه لانها من الآن تعتبر المسؤله عنه ، وتواظب علي إحضار ما يشتهيه معها وتغصبه علي مشاركتها في الطعام ، وتأتي بابنها كي يرفه عنه قليلاً، دنت ميرا منه وجلست بجانبه وحدثته وهي تلاعب طفلها:
- مش هتسلم النهاردة علي الولد الحلو ده .
مالك بابتسامة باهتة وهو ينظر اليه :
- فعلا حلو ، ربنا يحميهولك .
ميرا بجدية غير راضية بوضعه :
- مش هتخرج بقي يا مالك من الجو ده ، شايف شكلك بقي عامل إزاي .
مالك متأففًا بنفاذ صبر :
- يووه يا ميرا ، كل مره تيجي تسمعيني الكلمتين دول .
ميرا بنبرة حنونة :
- يا حبيبي انت اخويا الصغير ، ومبقاش لينا غير بعض ، عاوزني يعني اشوف كده وافضل ساكته ، اخرج يا مالك وعيش سنك ، متشيلش نفسك ذنب موت ماما ، دي كانت حادثة مقصودة ،والله اعلم لحد دلوقتي مين اللي عمل كدة .
أغرورقت عيناه بالدموع قائلاً بندم :
- يا ريتني ما طردتهم ، انا كنت قاسي قوي ، انا مش هسامح نفسي ابدا ، انا اللي رميتهم بإيدي علشان يموتوا ، انا السبب في كل حاجه ، انا السبب .
استسلم لبكاءه المرير متذكرًا لذلك اليوم المشؤم ، ربتت ميرا علي ظهره مهدئة إياه وهتفت بحزن :
- خلاص يا مالك ماما ماتت ، ولو بتحبها حاول تبقي أحسن من كده يا حبيبي ، واثبت قدام الكل انك راجل ويعتمد عليك ، كفاية فكرتهم الوحشة عنك بسبب اللي عملته .
اومأ رأسه قائلاً بتنهيدة :
- سيبني شويه مع نفسي ، انا زعلان ومش قادر أفكر في اي حاجة دلوقتي .
ميرا مبتسمة بطاعة :
- حاضر ، هسيبك براحتك ، بس توعدني تاكل الأكل اللي عملتهولك .
رد بايجاز :
- حاضر .
نهضت حاملة إبنها الذي غفي علي ذراعها وحدثته بمعني :
- وليد مستني تليفون منك زي ما أتفقنا يا مالك ، هو قالي انه جاهز يعرفك اي حاجة في الشغل .
مالك بهدوء ظاهري : 
- حاضر يا ميرا هبقي اكلمه .
سارت ميرا للخارج وتعقبها مالك بتنهيدة عميقة أخرجها كونها تأتي لإزاحة الهموم قليلاً من عليه ، بعدما اضحي في نظر الجميع غير مرغوب فيه ، وأعهد نفسه علي التغير لاحقًا ، حينما يتهيأ لذلك بسبب موت والدته الذي أحدث فجوة غائرة بداخله....

في الأسفل توجهت ميرا لفتح باب الفيلا متهيأه للخروج ، وتفاجأت بساره أمامها ، وتفوهت باستغراب :
- ساره !..
ازدردت ساره ريقها ، وردت عليها بتوتر داخلي :
- أهلا يا ميرا .
ميرا بنفس دهشتها :
- انتي جايه لمالك !..
ردت ساره بتردد : 
- انا مهندسة الديكور اللي بعتها المهندس باهر ، وكنت باجي هنا علشان شغلي .
ميرا مومأة رأسها بتفهم وهي تتطلع عليها :
- طيب يا ساره ، انا همشي علشان تشوفي شغلك 
ابتسمت ساره لها ودلفت ميرا للخارج ، وتنفست ساره بحبور ، ثم ولجت هي الداخل لمباشرة عملها.........
______________________

أغتاظ من أخته التي سحبتها أمام عينيه وولجت بها لمكتبها، ولج هو الآخر خلفهم بتعابير متجهمة ونظر لهم بعدم رضي ، فحدجته مريم بتعجب قائلة :
- انت جاي عاوز ايه ، متروح تشوف شغلك .
زين بضيق ناظرا لنور :
- يلا يا نور تعالي معايا .  
مريم باستنكار : 
- تيجي معاك فين ، انا اللي هعرفها كل حاجة ، روح انت علي شغلك .
زين بامتعاض :
- بس انا عاوز اعلمها انا .
مريم بنفاذ صبر :
- زين سيبها بقي ، احنا ستات زي بعض وهنفهم بعض بسرعة .
صر زين علي اسنانه وهتف من بينهما :
- عن إذنكوا .
بادر بالخروج وهو متذمر ، بينما أنفجرت مريم ضاحكه عليه وهتفت بخبث :
- مش قادر يبعد عنك يا جميل ، دا انتي مجنناه بقي .
ردت نور بلامبالاه :
-  سيبك من الكلام ده ، انا عايزه أعرف كل حاجه هنا ، زين قالي ان الشركة بتاعتي انا وهو .
مريم بتهكم :
- ايوه بتاعتكوا لوحدكوا ، حتي بابا أتنازل عن نصيبه له .
نور بجدية ممزوجة بالحماس : 
- عرفيني كل حاجه يا مريم ، علشان انا هشتغل مع زين هنا .
مريم مقترحة فكرة ما :
- في جروب أجنبي احنا متعاقدين معاه جاي بكرة ، ايه رأيك نقابله سوا .
نور بشغف : 
- واووو ، انا موافقه ، خديني معاكي يا مريم ، عايزة اعمل شغل زي ده .
مريم بتأكيد :
- متقلقيش ، هاخدك معايا ، تابعت بمرح :
- ومنها نشوف أجانب وننبسط شوية........
______________________

وقف ملازمًا للطبيب وهو يتفحصها بعناية ، ثم وجه بصره نحوها متأملاً وجهها المتعب ، استنكر أمير عنادها التي باتت تفتعله معه ، وحرك رأسه آبيًا ما تفعله خاصةً حملها في شهورها الأولي ، انتهي الطبيب من فحصها ثم أقصي السماعة الطبية من أذنه ووضعها في حقيبته ، وتشدق بعملية :
- المدام صحتها كويسة ، والبيبي كمان ، بس لازم تجيلي العيادة علشان اتابع حالته كويس ، وياريت المدام تلتزم بالتعليمات علشان صحتها هي والبيبي .
أمير بضيق : 
- ياريت يا دكتور تقولها ان كده غلط ، لانها بتبذل مجهود كبير قوي ، ومش مراعيه انها حامل .
الطبيب بجدية :
- ودا نتيجه إجهادها المبالغ فيه ، ولازم ترتاحي يا مدام كويس جدا ، علشان متتعبش بعد كده . 
ردت ديما بنبرة متعبة :
- انا كنت قاعده عادي ، لقيت نفسي تعبت ودوخت .
اميرا مستنكرًا بامتعاض :
- لا يا ديما ، انتي كنتي في البسين ، وكذا مرة اقولك متلبسيش مايوه .
هتفت ديما بضيق :
- طبعا ، كل اللي يهمك لبسي ، مش انا تعبت ولا اي حاجة . حتي البيبي انت مش حابه .
استمع الطبيب لحديثه الأسري الخاص ونهض قائلا بتفهم :
- طيب أستأذن انا .
لم يرد عليه احد واستمروا في نقاشهم الحاد ، فأضطر الطبيب لتركه المكان لهم ..
أمير بجدية : 
- لو مسمعتيش كلامي يا ديما مش هيحصل كويس 
ديما باعتراض :
- بتاع ايه اسمع كلامك ، انت مش طلقتني وقولت انك مش حابب الولد ومش فرحان بيه .
أمير بغيظ :
- طيب انا رديتك يا ديما ، ايه رأيك بقي ، ومن هنا ورايح كلامي انا وبس اللي هيمشي .
ديما معترضة رغم فرحتها الداخلية :
- برضه مش هتتحكم فيا ، ومش هديك فرصه لكده .
امير بعصبية :
- متخلنيش اتصرف تصرف مش هيعجبك .
ديما بعناد وهي تحدق في عينيه : 
- ولا تقدر تعمل حاجة .
امير بعناد أشد :
- هتشوفي يا ديما هعمل ايه ........
_____________________

جلس في غرفه مكتبه ممسكًا لألبوم من الصور الخاص به وبعائلته ، تأمل فاضل تلك الصور بشرود فيما مضي ، ثم رفع إحداهن أمام عينيه وتطلع فيها بحزن ، فكانت له هو واخته وأخيه الأصغر ، ولا إراديًا أدمعت عيناه لفراقهم له ، تنهد فاضل بحزن لفراق أخته الصغيره علي حين غره ، ومتعجبًا ممن خطط لقتلها هو وزوجها ، لم تبرد نيران غضبه ممن أنهي حياتها ، وتستمر محاولاته مع افراد الشرطة لمعرفه الجاني الذي فشل في كشف هويته حتي الآن ..
ولجت فاطمه مكتبه كعادتها في الايام الغابرة منذ توفت اخته ، وتقدمت منه وهي تتأمله بحزن جلي علي طلعتها ، جلست في مقابلته بهدوء ، وتطلعت عليه مشفقه علي حالته الشاردة ، لم يستشعر فاضل وجودها معه وظل يتأمل تلك الصور ومنغمسًا في ذكريات الماضي ..
اضطرت فاطمه للحديث قائله بنبرة هادئة :
- هتفصل كده لحد أمتي يا فاضل ، كل يوم ادخل ألاقيك قاعد القاعدة دي .
نظر لها فاضل بتعابير منطفئة حزينة ورد :
- أصل ثريا دي غالية عندي قوي ، وكمان عادل ، يوم ما مات وانا بقول ثريا بتهون عليا ، جت هي كمان وسبتني .
فاطمه بضيق ممزوج بالرأفة :
- ليه بتقول كده ، وانا روحت فين ، وكلنا روحنا فين ، دا حتي زين بيجي علي طول وبيصر انكوا تاكلوا سوا ، ومكنش بيعمل كده الأول ، كلنا حاسين بيك يا فاضل ، وكلنا حواليك وهنفضل علي طول جمبك ان شاء الله .
فاضل بتفهم قال بمعني : 
- ان شاء الله يا فاطمه ، انتي حتي عوضتيني عن زوجتي الله يرحمها ، كانت طيبة ومحترمة زيك بالظبط .
فاطمه بابتسامة هادئة : 
- طيب الحمد لله ، ويا ريت تحبني زيها .
رد فاضل بابتسامة باهتة : 
- مغلطتش لما اتجوزتك..........
______________________

في شركه زين....
فتح باب مكتب أخته وولج دون إستأذان قائلاً بإبتسامة واسعة :
- يلا يا نور يا حبيبتي ، الشغل خلص وهنمشي .
حدجته مريم بتعجب وردت عليه هي باستنكار :
- ومالك فرحان كده ليه ، عامل زي العيل اللي مروح من المدرسة .
زين بضيق :
- علي فكرة انا بكلم مراتي ، وجه بصره لنور متابعًا 
- يلا يا نانو .
مريم بسخط وهي تعيب علي حديثه:
- يلا يا نانو علشان تروحو .
هتفت نور بضحك وهي توزع أنظارها بينهم :
- انتوا هتفضلوا كده علي طول ، بحس انكوا مش طايقين بعض
مريم موضحة بتأفف :
- أصلي مولودة وراه علي طول ، فتلاقينا علي طول بنتخانق .
زين بنفاذ صبر :
- انا هفضل واقف كده علي طول .
نهضت نور قائله :
- لا يا بيبي انا جايه طبعًا .
التقطت حقيبتها وبعض متعلقاتها الخاصة ، ثم أقتربت منه ومد لها يده لتمسك بها ، وامسكت هي يده واطبق علي يديها بقوة وسحبها خلفه وسط نظرات مريم التي تفوهت بامتعاض :
- دا ايه الحب دا كله ، الله يحرقك يا حسام ....
_____________________
في شركه وليد...
جلست امامه علي المقعد ناظرة اليه بحزن زائف ، بينما بادلها هو بنظرات منزعجة ، فهمت هي بالحديث قائلة :
- الباقيه في حياتك يا وليد .
رد بإيجاز :
- حياتك الباقية .
نهله بحزن زائف :
- انا اول ما عرفت بالخبر زعلت قوي .
وليد باستهزاء غير مصدقًا حديثها :
- زعلتي من ايه بالظبط ، ان اتأخرت ومروحتلكيش .
نهلة بضيق مصطنع وهي تلومه :
- ايه الكلام ده يا وليد ، وانا اللي بحبك ، وجيت مخصوص علشان أعزيك .
وليد بنفاذ صبر :
- بصي يا نهلة ، لازم تفهمي ان ابويا ميت ، ولسه ممسكناش اللي قتله ، ومخي واقف ومش قادر افكر في حاجة .
نهضت نهلة وأستدارت حول المكتب متجهه اليه ، ووقفت خلفه وسط تأففه ، إلا انها قامت بتدليك أكتافه من الخلف قائله بدلال:
- انا ميهمنيش غير راحتك يا وليد ، عايزاك علي طول مبسوط .
ثم دنت منه وهمست في أذنه بشوق لتحفزه علي إخراج مشاعره المكنونة :
- وكل دا علشان بحبك يا وليد ، انا مستعده أعمل اي حاجة علشانك .
أغمض وليد عينيه شاعرًا بأنفاسها التي لفحت وجهه ، ونبرة صوتها التي تدفعه للإقتراب منها ، ولم تكتفي هي بذلك حتي قبلت عنقه بهدوء وهمست مره أخري :
- هتجيلي أمتي يا وليد ، أستنيت كتير .
وليد بأعضاء مضطربه ونبرة مهزوزة :
- خلاص يا نهله ، هشوف وأجيلك .....
______________________

سار ممسكًا بيدها ودلف بها للخارج ، نظرت له نور بحب قائلة :
- بتحبني قوي كدة .
زين مؤكدًا : طبعًا يا قلبي ، وعايزك تتأكدي من حبي دا .
نور بابتسامة فرحة :
- وانا كمان بحبك ، تابعت بتساؤل :
- أحنا هنروح عند عمي زي كل يوم .
زين وهو يدير سيارته : أيوه ، كل يوم هاخدك ونروح عنده .
نور بحماس :
- شوفت مريم إقترحت عليا ايه ، مش هتصدق .
زين متسائلاً باقتضاب : 
- اقترحت ايه ؟ .
ردت بسعادة غمرت هيئتها :
- هتاخدني معاها وهي رايحه للجروب الأجنبي .
زين باستنكار : نور انتي لسه تعبانه ، وكمان دا مجهود عليكي ، نسيتي ان الدكتور قالك ارتاحي .
نور بضجر :
- يوووه يا زين ، انا لو تعبانه هقول .
زين بضيق : 
- ما انتي كنتي تعبانه قبل كده يا نور ، وسكتي .
نور مبررة بحزن :
- انا مكنتش عاوزه أقلقك عليا ، وانا مكنتش حاسه بحاجة بتوجعني .
زين مشيرًا بيده قال بجدية :
- خلاص يا نور ننسي اللي حصل ، بس انا خايف الشغل دا ياخدك مني .
نور موضحة باستنكار : 
- بالعكس ، دا انا هبقي معاك علي طول ونشتغل سوا .
زين بتهكم : أما أشوف ، ومتنسيش ان جامعتك قربت تبدأ ، صمت للحظات وأستأنف متذكرًا بابتسامة ماكرة :
- هتخفي أمتي بقي ، أصلك وحشتيني قوي ........
______________________

أنهت عملها التي أتت من أجله بعد وقت ليس بقليل ، وأثناء تلك المدة كانت تنتظر نزوله بين لحظة وأخري ولكنه لم يفعل ، ملت ساره وتأففت بوضوح ، ثم فكرت في طريقة ما مناسبة للصعود اليه ، زمت شفتيها وقررت التوجه للمطبخ وعمل شيئًا ما لهما .
ولجت للداخل وحاولت البحث عن أدواتها اللازمة لعمل كوبين من النسكافيه ، كحيلة منها لرؤيته والتحدث معه قليلاً ؛ أنهت ساره ما بيدها وحملته متوجهه لغرفته في الأعلي .
صعدت لغرفته ووقفت أمامها واخذت نفسًا طويلاً وزفرته دفعة واحدة متأهبه للدخول عليه ، ثم طرقت الباب بهدوء وولجت للداخل ..
وقفت عند الباب للحظات لتلفت إنتباهه إليها ، فقد كان جالسًا علي الفراش وناظرًا للناحية الأخري ، وعند عدم وجودها لردة فعل منه تنحنحت بخشونة ، ادار مالك رأسه إليها ورمقها بوجه عابس ، ثم أدارها مرةً أخري ، تقدمت ساره للداخل بهدوء ووضعت ما بيدها علي الطاولة الصغيرة في منتصف الغرفة ؛ ثم وجهت بصرها اليه وحدثته وهي تقترب منه :
- عامل ايه يا مالك ، انا عملتلنا نسكافيه نشربوا سوا .
نظر لها مالك مضيقًا عينيه وهتف قائلاً :
- هي الفيلا دي بقت مفتوحة كده لأي حد يدخل .
ردت ساره مبررة بتردد : 
- انا جايه لشغلي ، وعادي لما اطلع اتكلم معاك ، إحنا بقينا عيلة واحدة ، وكمان انا معزتكش في مامتك .
ضم ركبتيه علي صدره ، متذكرًا لما فعله يوم توفت والدته وهتف بحزن جم :
- انا السبب ، انا اللي موتها .
جلست ساره علي طرف الفراش وردت مواسية إياه :
- متقولش كده يا مالك ، الأعمار بيد الله .
ثم لمحت نظرت الحزن والندم في عينيه ، ولم تجد أمامها سوا ضمه إليها ، وربتت علي ظهره مهدئة إياه ، أغمض عينيه وتلقائيًا ضمها اليه مستشعرًا لذلك الدفء ، ومتشوقًا لأحدًا يحتويه .
توترت ساره بعض الشئ وظنت أنه يكن لها بعض الحب ، رفع مالك بصره ناظرًا إليها بأعين مهزوزة ، ثم دنا منها وقبلها بهدوء ، لم تبدي ساره رفضها وتجاوبت معه ، ولكنه أنتبه لنفسه وابتعد عنها سريعًا قائلاً بخجل :
- أنا آسف !.
ساره ناظرة إليه بعتاب :
- أسف ليه ، انا بحبك يا مالك ، بحبك قوي...................
                     الفصل الخامس عشر من هنا
تعليقات



<>