رواية قلبي عدوك الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم رباب حسين

 

رواية قلبي عدوك الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم رباب حسين


لم تكن صدمة آسر يمكن احتواؤها ببضع أنفاسٍ متقطعة بل كان انهيارًا صامتًا امتد إلى أعماق روحه.

كأن الأرض انسحبت من تحت قدميه فجأة وتركته معلقًا بين حقيقة لا تُحتمل وذاكرة تأبى أن تصدق.

تلك المرأة التي كانت ملاذه وصوته حين يختنق، ودفء قلبه حين يبرد العالم من حوله؛ أصبحت فجأة وجهًا آخر لا يعرفه.

ارتجفت روحه قبل جسده وتكسرت داخله كل الصور التي رسمها لها... صورة الأم، الأمان والطمأنينة، كلها سقطت دفعة واحدة بلا رحمة.

نظر إلى الفراغ وكأنه يبحث عن تفسير، عن كذبة ينقذ بها ما تبقى من قلبه لكن الحقيقة كانت أقسى من أن تُنكر.

لم يبكي ليس لأنه لا يريد بل لأن الدموع عجزت عن التعبير عن هذا القدر من الألم.

فبعض الوجع لا يُبكى بل يُعاش صامتًا، ينهش الروح ببطء ويترك صاحبه جسدًا بلا مأوى.


طال الصمت وحسن يراقبه ويتعجب من تبدل ملامحه، وكأنه هرم بعدة دقائق، فقال له: إنت تعبان ولا حاجة؟

نظر له آسر بعينيه فقط، عقله لايزال عالق بهذا الحديث السابق، فأردف حسن: لو تعبان اتصل بالست الوالدة أقولها.

تحدث آسر بصوت مكسور: أنا... أنا بس عايز الفيديو.

حسن: وماله، بس عايز الفلوس.

آسر: هما كانو كام؟

حسن: ٢٠٠ ألف بس.

نظر آسر إلى الفراغ، المبلغ كبير للغاية ولكن عليه أن يسترد الفيديو بأي شكل، لم يجد طريقة أخرى سوى الكذب، فأخرج من معطفه دفتر الشيكات، وكتب له المبلغ ومضى عليه، نظر له حسن وقال: لأ، أنا عايز حقي كاش.

آسر: المبلغ مش هيتسحب من ال ATM، متقلقش الشيك متغطي، وبعدين لو الشيك طلع فيه حاجة هتعرف توصلي بسهولة يعني.

حسن: صح، وأنا هثق فيك، هات الشيك وخد الفيديو أهوه على الموبايل ده.

أمسك آسر الهاتف وقال: فيه نسخ تانية؟

حسن: لأ، مفيش غير النسخة ديه، مع إني كان ممكن أخد من أبوها فلوس أد كده تمن الفيديو بس مردتش، ستهم غالية عندي برده.


نظر له آسر باشمئزاز، لم يكن يتخيل أن تكون والدته بهذا المستوى من الدنو والإجرام. نظر إلى الهاتف ورأى صورة أنين من الخارج فقط، لم يتحمل النظر إليها أكثر، طعنة قاسية بقلبه هو، من تمنى أن تكون له وملكه وضعتها والدته بين يد الرجال ينهشون جسدها دون رحمة، وبقى السؤال يتردد داخل عقله: لماذا؟!


تمالك ما تبقى به من قوة زائفة ثم قام بإزالة التسجيل من على الهاتف نهائيًا حتى لا يبقى له أثر، ثم بحث بجميع ملفات الهاتف أو الأرقام التي أرسل لها الفيديو، لم يجد سوى رقم عادل، وحين تأكد من أن التسجيل قد مُحي تمامًا أعاد الهاتف إليه وقال: فاضل ليك فلوس أد إيه عند أمي؟

حسن: ليا ٣٠٠ ألف، إدتني وقتها ١٥٠ ألف بس وقالتلي هبعتلك الباقي لما أكمل خطتي.

أومأ له آسر وقال: طيب هات رقمك عشان لما أجهزلك المبلغ أكلمك.


أعطاه حسن رقم هاتفه، ثم غادر آسر وهو لا يرى أمامه سوى اللون الأسود، لم يعد للحياة معنى بعينيه، تشوشت رؤيته وتعثرت خطواته، كان يمشي بين المارة ويتخبط من بينهم، ينظرون إليه بتعجب وهو لا يعبأ بما يحدث له، حتى اصطدم برجل وتعثرت خطواته بأحد الحجارة في الطريق، فسقط بالأرض وعندما حاول النهوض لم يتحرك جسده، خارت قواه ولم تعد قدماه تحمله، فنظر حوله بضعف، وحانت اللحظة التي يجب أن يحدد ما عليه فعله الآن؛ أيصمت أم يبلغ الشرطة عن سلوى؟

يبلغ الشرطة عن والدته!

يخسرها... يخسر الأب الذي لم يعرف سواه بحياته... عادل، يخسر... أنين!

نعم... أمي من قتلت أمها؟ هل أُعاقب على ما اقترفته أمي؟ ولم هي دون عن كل تلك الفتيات؟ لم عشقتها هي دون غيرها؟ يا قلبي لم اخترت من هي أبعد من حدود الكون لتعشقها؟!

وللحظة وُلد شعور داخل قلبه لم يكن ليتخيل يومًا ما أن يفكر به، شعر بالامتنان أنها لم تحبه، يكفي أن يرحل ويعيش هو بالألم وحيدًا، يكفي ما تحملته وحدها حتى الآن، فليحمل هو ألمه ويرحل.


نهض بعد أن قرر ما سيفعل، وأخذ سيارة متجهًا إلى منزل عادل وسلوى.

____________


عاد زياد وحنان وتالين إلى المنزل والحزن حليفهم، نظرت حنان إلى أرجاء المنزل ولأول مرة تشعر بالغربة داخل جدرانه، لم تتحمل أن تعود إلى المنزل وتترك خالد وحيدًا بالمشفى، نظرت لها تالين وهي تبكي بصمت ثم أحتضنها بقوة، واقترب منهما زياد وربت على ظهرهما وهو يشعر بالذنب من داخله، نظرت له حنان وقالت: هنعمل إيه يا زياد؟

زياد: متقلقيش يا ماما هيقوم بالسلامة إن شاء الله، هما يومين زي ما الدكتور قال يتظبط الضغط والسكر وهيخرج.

حنان: وبعد ما يخرج، هتعمل إيه؟ أبوك مبقاش مستحمل أي جدال تاني، لازم تشوف حل في موضوعك ده، ولا مراتك بقت أهم من أبوك كمان.

زياد: أنا مش فاهم إحنا بنقارن ليه بينكم وبينها، ماما هو ده مش وقته بجد، خلينا نطمن على بابا الأول.

حنان: هتقعد معانا ولا رايح عندها؟

زياد: أكيد مش هسيبكم في الحالة ديه وأمشي، خديها يا تالين ترتاح دلوقتي والصبح نتكلم.

تالين: حاضر، تعالي يا ماما وإن شاء الله كل حاجة هتتحل.

صعدا معًا وجلس زياد بالبهو، عليه أن يقرر ماذا يختار وما هو الحل في ذلك المأذق، لم يعد قادرًا على التفكير بالأمر أكثر من ذلك، وضع رأسه بين راحتيه ثم تنهد بقوة، وحين أغمض عينيه تذكر وجهها، رأى ابتسامتها تظهر وسط الظلام، وكأنها تضفي سوطًا جديدًا على قلبه. نعم... صفعة الاشتياق إليها، قد أصبحت ملجأ ألمه ومصدر الهدوء بحياته، ليصرخ هذا القلب معلنًا وبقوة، لنحارب من أجلها.

___________


عادت صافي إلى منزلها محطمة، كيف لكلمة واحدة أن تهزم إمرأة في ثانية. كانت تعلم أنه إذا علم بما فعلت سوف يرحل عنها، ولكن كبريائها جعلها تضع أول خطوة في الابتعاد عنه.

دخلت غرفتها وصارت تبكي من الحزن، هو الوحيد الذي لم يراها بأعين الناس، لم يراها كما يرونها جميعًا؛ الفتاة المستهترة التي تعيش حياتها دون حدود، لا تعتد بالقيود الإجتماعية، ومن يواجهها بما تفعل ويحاسبها على أخطائها التي هي بالأساس نتيجة لما فعله أهلها بها، يصبح في مرمى هجومها الحاد، أولًا زياد وثانيًا أنين، وكأنها تعلم أن بداخل كل شخص ينتقدها رغبة بأن يفعل مثلها، ولكن لم يتعرض للإهمال الذي قادها إلى تلك الحياة الزائفة، فتكسرهم هي بيدها لترى أنهم جميعًا سواء.


بعد وقت من بكائها شعرت بدوار قوي وغثيان جعلها تركض إلى المرحاض على الفور، وحين وقفت لتغسل وجهها نظرت إلى المرأة وضيقت عينيها بشك، ثم تحولت ملامحها إلى الدهشة، ورددت جملة: أنا حامل؟!

_______________


وصل آسر عند منزل عادل، وحين فتحت له الخادمة سأل عليهما فقالت أن عادل بغرفة المكتب وسلوى بغرفتها، صعد إلى الطابق العلوي ووقف أمام غرفتها، حاول أن يتماسك ويطرق الباب وهو يرسم تعابير وجهه الصارمة، ثم دخل الغرفة ووقف أمامها وهي تركض نحوه بسعادة وقالت: آسر حبيبي، وحشتني.


أحتضنته ولكنه لم يضع ذراعيه حولها، ابتعدت ونظرت إليه بتعجب من هيئته وقالت: مالك يا آسر؟! متضايق من حاجة؟

آسر: إنتي قتلتي طنط ليلى؟

تجمدت ملامحها، شعرت ببرودة تسير داخل أوصالها وقلبها كاد يتوقف عن النبض، ابتلعت ريقها بتوتر وحاولت أن تتحدث بجمود وقالت: قتلت إيه؟! أنا أقتل برده؟

آسر: متكدبيش، أنا قابلت حسن بنفسي واستدرجته في الكلام وعرفت كل حاجة، ودلوقتي مفيش قدامك حل غير إنك تقوليلي الحقيقة.

فتحت عينيها على مصراعيها وقالت: وإنت عرفت حسن منين؟

آسر بحدة: عايز أعرف الحقيقة، ودلوقتي. بدل ما أروح أبلغ البوليس عنك بنفسي إنتي والحقير اللي اسمه حسن.

ثم أردف باستهزاء: يا ستهم.

لم تعد قادرة على إخفاء ارتباكها أكثر فقالت: اسمعني، أنا هفهمك، أنا كنت عايزة أعيش زي الناس كلها ما عايشة.... 

قاطعها آسر قائلًا: لا لا سيبك من الكلام ده خالص عشان مش هيجيب معايا نتيجة، أنا عايز أعرف الحقيقة وبس، هتقوليها ولا أعرفها من حسن في النيابة؟

سلوى: هقول.. خلاص هقول، أنا... لما إشتغلت عند عادل في الفندق وشفت مراته عايشة إزاي، شفت عادل كان بيعمل معاها إيه وبيجبلها إيه... طمعت، غصب عني طمعت أخد مكانها، أنا قعدت سنين بنام كل يوم خايفة إني معرفش أجيبلك أكل تاكله تاني يوم، كل ليلة أقول يارب أشتغل عند حد محترم، وهي كانت تأمر تُجاب، مفيش مرة طلبت منه طلب ورفضه، فا قلت ما أخد مكانها، حاولت كتير ألمح لعادل إني معجبة بيه بس مكنش شايفني، كنت راضية بإني أكون زوجة تانية بس هو مساعدنيش، فقررت أخلص منها عشان عينه مكنتش شايفة حد غيرها.


وفعلًا إتفقت مع حسن، وراح فك فرامل العربية، وعملت حادثة وماتت فيها، ومن وقتها وأنا بحاول مع عادل لحد ما خلاص إتجوزنا.

آسر: وبعد خطتك الزفت ديه ما خلصت، ممكن أعرف إيه اللي عملتيه مع أنين ده؟!

سلوى: ما هو مش بعد ده كله يروح يكتب كل حاجة باسم بنته، وأنا يرميلي قرشين وخلاص كده، لأ.... مش هيحصل وارجع اترمي في الشارع تاني أنا وإنت.

آسر بغضب: تقومي تعملي كده في البنت؟! مفكرتيش لو ديه بنتك كان هيبقى شعورك إيه؟! أنا بجد مصدوم فيكي، أنا حاسس إني في كابوس مش عارف أفوق منه، إنتي عارفة إنتي عملتي فيا إيه؟ إنتي فضحتي البنت الوحيدة اللي حبتها، خليتي رجالة يلموسها قبلي، عارفة حالتها كانت عاملة إزاي وهي مش عارفة حصل فيها إيه؟! عارفة إحساسي أنا وأنا واقف قدام العيادة مستني أعرف إذا كان محدش لمسها ولا لأ، إنتي دمرتيني، حرمتيني منها وللأبد، كان. كل همك الفلوس وبس وقصاد ده كسرتيني، وخلاص خسرتها بسببك، وكده كده مش هتاخدي حتى القرشين، إنتي خلاص معندكيش حل غير إنك تروحي تعترفي في القسم يا أما هروح أنا بنفسي وأبلغ عنك.


أمسكت بذراعه وتحدثت برجاء: لأ، مش بعد ده كله تيجي إنت تعمل فيا كده، ده أنا عملت كل ده عشانك إنت، عشان أخليك تعيش في عز زي ده.

آسر بغضب: مش على حساب روح واحدة ملهاش ذنب إنك طمعتي في جوزها، مش على حساب بنت إتفضحت واطردت من بيتها بليل في الشارع من غير فلوس ولا مأوى، أنا نفسي أعرف إنتي أم إزاي؟! عرفتي تعملي كده إزاي؟! 


من الآخر اللي قولته هيتنفذ ودلوقتي، إتفضلي وأنا وهنزل أشرح لعمي عادل كل حاجة، ويستحسن لما يعرف متبقيش قدامه.

سلوى بخوف: إنت عايزني أروح دلوقتي؟

آسر: لو عايزة تستني لما تواجه عمي عادل براحتك.

سلوى: طيب قوله هو بس سيبني أهرب.

آسر: لو منفذتيش كلامي تنسي إن ليكي ابن، تنسيني نهائي.

سلوى: لأ، خلاص هروح القسم، بس تخليك جنبي.

آسر: للأسف، مش هقدر أسيبك، بس عمري ما هسامحك... عمري.


تركها ونزل إلى غرفة المكتب، حين دخل وجد عادل يجلس شاردًا، الحزن بدل ملامحه، صدمته بما فعلت أنين حظرت ابتسامته عن وجهه، والقلب صار يأن بصمت.


اقترب آسر منه وقال: عمي.

نظر له عادل وقال: أهلًا يا آسر، تعالى حبيبي أقعد.

آسر: لأ ملوش لزوم، أنا جي أقولك حاجة مهمة وأمشي، بس قبل ما أقولها أنا عايز أشكرك على كل حاجة عملتها معايا، أنا لما كان حد بيتكلم عن أبوه قدامي وأنا صغير كنت برسم صورتك في دماغي من غير تفكير، وعايزك تتأكد إني مكنتش أعرف أي حاجة عن اللي هقوله ده غير من ساعة واحدة بس.

عادل بقلق: فيه إيه يا آسر فهمني.


قص له آسر ما سمع اليوم وعلامات الغضب التي تظهر على وجهه كانت تصيب قلبه برعشة تزلزل كيانه، تجعل حديثه متقطع وأنفاسه تتهرب منه، ثم قال: الفيديو خلاص اتمسح، وأنا إتأكدت بنفسي إن مبقاش ليه وجود، وبالنسبة لكل اللي قالته ماما عن أنين فا هو مش حقيقي، واعتقد لازم تسمع منها حقيقة موضوع النايت كلاب ده.


تحولت ملامح عادل فأصبح كالأسد الثائر، وتحدث بصوت تصدعت الجدران من حوله من شدة غضبه وقال: يعني سلوى قتلت مراتي ليلى؟! أنا مش هخلي الشمس تطلع عليها تاني.

وقف آسر أمامه يحاول أن يمنعه وهو يدفعه بعيدًا عنه بقوة، حتى حاوط آسر جسده ولم يترك له مجال للهروب وقال: أنا مش بمنعك عشانها، هي كده كده تستحق كل اللي إنت بتفكر فيه وعايز تعمله، لكن بمنعك عشان نفسك، مش عايز تروح في داهية بسببها، مش عايز أنين تخسر أبوها كمان وبسبب أمي برده، فكر فيها هي، أنين محتاجالك، هي دلوقتي الأحق إنك تفكر فيها، وأمي خلاص هتسلم نفسها وخلي العدالة تاخد مجراها. أرجوك يا عمي عشان خاطر أنين... أرجوك.


أمسك عادل المزهرية التي بجواره ودفعها أرضًا ليخرج هذا الغضب الذي يلتهم صدره من الداخل، ثم بدأ يحطم كل شيء بالغرفة وآسر يقف بعيدًا يشاهد ما يفعله بصمت، تركه يخرج كل ما به من مرار صدمته، تسلل الخوف إلى قلبه رويدًا رويدًا حتى ارتعش جسده، ولم يعد يتكلم أكثر، انهمرت دموعه وهو يشاهده بصمت، فلم يكن ما بالغرفة فقط من يتعرض للتدمير، بل حياته هي التي تدمرت في ليلة واحدة كما يرى الآن وخسر كل شيء.


هل هناك أقسى من انكسار القلب بفراق الأحباب دفعة واحدة، مسكينًا يا قلبي العليل، فقد صرت وحيدًا في طرفة عين، وانهار تحت انقاض عمرًا كاملًا حمله فوق اكتافه ليدفن قلبه بيديه أسفله. 

            الفصل الثالث والعشرون من هنا 

 لقراءة باقي الفصول من هنا 

تعليقات



<>