
رواية براعم الحب الفصل الرابع عشر14 بقلم رشا عبد العزيز
قطبت حاجبيها تحدق به متعجبة، وظنت أنه جاء ليخبرها شيئًا عن زوجها لتسأله:
_مالها «نور» يا «سيف»؟
لم يعرف كيف يرتب حديثه أو يمهد لها فكرته ويقنعها بها:
_أصل «نور» كانت طول عمرها تتمنى تبقى مدرسة، هي مرة حكت لي الحكاية دي، فأنا كنت بفكر...
صمت قليلاً، وملامح وجهها التي تطلعه بريبة تزيد من توتره، عاد يمسح على جبهته يكمل حديثه بارتباك لم يخفَ عليها:
_كنت بفكر نساعدها يا ماما.
_نساعدها إزاي؟
سؤال طرحته بسرعة، وباستفهام طغت عليه الحدة، شتت ثباته أمامها لتتردد الكلمات على لسانه قبل أن يعقد عزمه إنهاء ما جاء إليه:
_تقنعي حضرتك خالتي «فرحة» وعمي «جابر» تيجي القاهرة هنا وتدرس مع «مليكة»، أو ممكن أي جامعة قريبة.
احتدت ملامحها تسمع لحديثه بضيق لتهتف بانفعال:
_أنت اتجننت يا «سيف»؟! عاوزني أكلمهم في حاجة زي دي؟ دول ناس صعايدة يا ابني عندهم عاداتهم وتقاليدهم!
ثم صمتت تلقط أنفاسها وتطالع ملامحه المتجهمة بعدم اقتناع لتكمل تفسيرها له:
_وحتى لو مكنوش صعايدة، إزاي هيوافقوا بنتهم تعيش في بيت فيه اتنين شباب؟!
_طب تقدم في أي كلية قريبة وأنا مستعد أتكفل بمصاريفها.
قالها برجاء علها توافق، لكنها ازدادت حنقًا وأردفت:
_يا حبيبي افهم، «نور» دلوقتي وضعها اختلف، هي بقت ست مطلقة، حتى لو كانت صغيرة هي مطلقة، يعني الناس هتركز في تصرفاتها أكتر، وبعدين لو هما كانوا عاوزينها تدخل الجامعة كانوا سابوها تدخل الجامعة ومجوزوهاش.
كانت ترى الحزن يكسو ملامحه، ولم يصعب عليها فهم شعوره بالذنب من أجلها، لتحاول التخفيف من حدة لهجتها:
_«سيف» حبيبي، أنا عارفة إنك حاسس بالذنب ناحيتها، بس دا نصيبها، أنت كمان كنت فاكره إنسان كويس.
تعلقت عيناه بها برجاء ليسألها مجددًا علها تمنحه بصيص أمل:
_يعني مفيش حل؟
تنهدت بألم واتجهت نحوه تجلس بجانبه، تضع يدها على كتفه علها تواسيه:
_حبيبي، شيل الفكرة اللي في دماغك دي عشان تنفيذها صعب، ومين عارف؟ جايز ربنا يرزقها بابن حلال يعوضها ويخليها تحقق أحلامها كمان.
صمته جعلها تظن أن كلامها قد أقنعه، أو توهمت هي ذلك.
************************
عاد من عيادته اليوم باكرًا، فقد وعد والديه أن يتواجد معهم على العشاء ولكن في منزله كما طلب «طارق» منهم، ليسمع صوت ضحكات تتعالى قادمة من المطبخ، ابتسم بعفوية واقترب بخطوات بطيئة يحاول أن يعرف ما يجري هناك قبل أن يشعروا بوجوده، ليجد الثلاثة «رحمة» وشقيقتيه مندمجات في صنع الطعام وصوت ثرثرتهم يملأ المكان، تأملها بشعرها المعقود إلى الأعلى تهرب منه بعض الخصلات التي تداعب وجنتها برقة.
حبات العرق تلمع على جبهتها تشي له بإجهادها رغم ابتسامتها العريضة وحماسها الظاهر.
تحمحم ليشعرن بوجوده، فيتوقفن عن الكلام ويلتفتن بتلقائية نحو الباب.
_مساء الخير.
_أهلاً يا «زياد».
هتفت بها شقيقتاه، ليقترب منهم بابتسامة يسألهم وعيناه مسلطة عليها:
_أخبار الأكل إيه؟
لتنطلق «أحلام» تعدد له الأصناف التي أعدتها «رحمة»، لتشاركها «ورد» تصف له إبداعها ومذاق الأكل اللذيذ.
كان ينتظر منها أن تتكلم، لكنها ظلت صامتة تقطع صينية الحلوى ببراعة وتضيف عليها القطر، وكأن هذا المدح لا يخصها.
_يا بختك يا خويا، بصراحة «رحمة» طباخة بريفكت.
قالتها «ورد» بصدق، فاتبعتها «أحلام» مؤكدة بمزاح:
_آه والله يا بختك، ما تتبنوني يا «زيزو»؟
عقد حاجبيه وصفعها بخفة على رأسها مؤنبًا:
_نتبناكي دا إيه يا لمضة؟ لا يا ستي خليكي جنب أبوكي.
اقترب من الموقد يفتح أغطية القدور الواحد تلو الآخر ويستنشق رائحتهم باستمتاع ليقول بتلذذ:
_فعلاً الأكل ريحته حلوة بشكل، أكيد الطعم كمان يجنن.
_آه دي عمايل «رحمة»، إحنا يادوب عملنا السلطات.
قالتها «ورد» مشيرة نحو «رحمة» التي كانت تكتفي بابتسامة كرد فعل على مدحهم.
ليستدير نحوها واقترب منها ليصبح خلفها تمامًا حتى شعرت بأنفاسه الدافئة تلفح رقبتها، ارتجف جسدها بارتباك من قربه وخفق قلبها بجنون وهي تسمع كلماته:
_تسلم إيدك يا «رحمة»، فعلاً يا بختي بيكي.
اضطربت وتلجلجت الكلمات على لسانها لتجيب بكلمات بسيطة:
_الله يسلمك.
زاد ارتعاش جسدها عندما وجدته يحيط جسدها بيد واحدة وينحني نحو الأمام يهتف بسعادة:
_الله! بسبوسة بالقشطة!
وكاد أن يحمل الملعقة ويتذوقها، لكن يد «ورد» سبقتها لتضرب يده بخفة وتقول موبخة بلطف:
_إيدك يا «زياد»، بلاش تبوظها.
تصنع العبوس وقال برجاء وهو يلعق شفتيه بلسانه:
_أدوقها بس، شكلها مغري.
_استنى لسه ناقصها شوية فستقة.
قالتها «رحمة» تؤيد «ورد»، لكنه ضحك على تعبيرها واعتدل يعيد حديثها ساخرًا منها:
_ناقصها فستقة!
خجلت وهي تجد وجهه أمام وجهها مباشرة يبتسم ويناديها بحزن مزيف:
_طيب يا فستقة، هصبر نفسي، حكم القوي.
حبست أنفاسها ويده تمسك بذراعها كأنه يحاصرها، لتطلقها بارتياح بعد أن أفلتها وغادر المطبخ نحو غرفتهم.
دخل إلى الغرفة ليلتقط أنفاسه ويجلس على السرير بجسد منهك، يزفر أنفاسه بحرقة
ويتذكر كيف احترق قلبه اليوم وهو يسمع غزل «حسين» بـ«قمر» يصف لها كيف يشتاق لها ولم يعد يطيق بعدها، حتى إنه يفكر بأخذ إجازة زمنية فقط ليراها.
مسح على وجهه بضيق ولطم قلبه يوبخه:
_لحد إمتى؟ كفاية انسى وعيش!
لتلوح صورة «رحمة» أمامه وبراءتها، كيف تتعب لترضي أهله وكم هي سعيدة بوجودها معهم، ليتنهد بألم يعاتب نفسه:
_ذنبها إيه المسكينة دي تدفع ضريبة نسيانك؟
ليزوغ بصره لحظات قبل أن ينهار يخبر نفسه بحقيقة ما يحاول إيهامها به:
_لحد إمتى هتفضل تمثل دور الزوج الطيب؟
لحد إمتى توهم نفسك إنك نسيت وأنت مش بتنسى؟
أخفى وجهه بكفي يده يحاول تمالك أعصابه والسيطرة على مشاعره، مر وقت قليل قبل أن يتماسك ويعيد ذلك الدرس على قلبه عله يحفظه فيقتنع:
_استغفر الله.. خلاص يا «زياد» هي بقت مرات صاحبك، انسى كفاية، أنت بقى عندك عيلة وزوجة، افهم وبلاش تهور.
نهض يذهب نحو الحمام، علّ الماء يستطيع أن يزيل تلك الأفكار ويطفئ نار الصراع الملتهبة في صدره.
وبعد قليل خرج من الحمام ينشف شعره بالمنشفة ويشرع في ارتداء ملابسه، وقبل أن ينهي ما كان يفعل تفاجأ بشهقة، رفع رأسه ليجدها تغطي عينيها وتقول بخجل:
_آسفة مكنتش أعرف...
ليقاطعها ضاحكًا ويشير لها بالدخول:
_تعالي يا «رحمة» أنا خلصت أهو.
والتقط قميص بيجامته يرتديه، لتدخل على استحياء تفسر له سبب وجودها:
_أصل كنت عاوزة آخد شاور وأغير هدومي قبل ما ماما «ندى» وبابا يوصلوا.
هز رأسه مبتسمًا بتفهم واقترب منها لتزداد توترًا، وقف أمامها ليمسك خصلة متمردة يضعها خلف أذنها بلطف وسط ارتباكها الذي تفاقم حتى تمنت أن تهرب من أمامه، لتخفض عينيها بخجل فتسمعه يقول:
_متشكر يا «رحمة» على تعبك النهاردة، ومتشكر إنك بتعاملي أهلي كأنهم أهلك.
لترفع عينيها تخبره بصدق:
_هما أهلي فعلاً وأنا بحبهم أوي.
_صدقيني وهما كمان بيحبوكي.
ثم استرسل مازحًا:
_دا أنا هبتدي أغير منك وأنا شايفهم بيحبوكي أكتر مني!
بادلته الابتسامة دون أن تعقب لتتفاجأ به ينحني مقبلاً يدها قبل أن يقول:
_تسلم إيدك مقدمًا على الأكل، مكنتش هعرف أعملها قدامهم.
سحبت يدها بسرعة ليبتعد هو أيضًا نحو المرآة ينثر عطره ويمشط شعره قبل أن يغادر الغرفة، تاركًا «رحمة» تنظر لأثره وتتلمس أثر قبلته وشيء داخلها صار يكبر يومًا بعد آخر، تخشى أن يصل إلى ما يصعب إنكاره.
أما هو فبعد أن أغلق الباب سند ظهره عليه ليتنهد في حيرة من نفسه، هل هو يخدعها أم هو شعور بالذنب اتجاهها؟ أم هدوؤها وقلبها الطيب جعله يرتاح لوجودها وربما بدأ يميل لها؟ هز رأسه بعنف ربما يستكين ذلك القلب الذي لا يعرف ما يريد.
*************************
ذلك العشاء الذي حمل أجواء عائلية كان كجرعة حب تسقي صحراء الفقد عندها، منحها ضحكات صادقة خرجت بسعادة لم تشعر بها منذ سنين، سيل من المديح بمختلف ألوانه وثناء اختلفت لهجاته، كانت تتلفت تشكر هذا وذاك وقلبها يرقص بفخر، عيناها تلمع بحب نسيت كيف يكون مذاقه لتجده كنف عائلة منحتها إياه بسخاء.
كان يراقب سعادتها برضى، فها هي عائلته تصلح ولو جزءًا بسيطًا مما حطمه هو في روحها فيلوم نفسه، والسؤال يتكرر بندم: ما ذنبها؟ هي تستحق حياة سعيدة، إذا كانت بضعة كلمات أبهجتها ماذا لو منحت حبًا حقيقيًا؟ ظلت أسئلته حبيسة صدره تأكل روحه بقهر.
انتهى العشاء وعم الهدوء من جديد مع فنجان قهوة أُعِدَّ من يدها، كان «طارق» يرتشف القهوة بتلذذ ويطالعها تحتضن باقة الورد التي أحضرتها «ندى» فرحة بها كطفلة تفرح بقطعة حلوى.
التقت عينا «طارق» بعيني «ندى» بابتهاج لتومئ له مشيرة نحو «رحمة»، وضع فنجانه جانبًا ونادى عليها مشيرًا إلى المكان الفارغ بجانبه:
-تعالي يا «رحمة» تعالي يا بنتي.
أدهشها نداؤه وتلفتت لتجد الجميع يطالعها بابتسامة كأن عيونهم تحثها على النهوض، وضعت باقة الزهور جانبًا وجلست بجانبه بخجل ليحيط كتفها يخبرها بحب أبوي:
-أولاً يا بنتي تسلم إيدك على الأكل، تحفة.
-متشكرة يا بابا.
ليتأوه «طارق» يشاكسها:
—آه يا سلام على كلمة بابا اللي زي السكر!.
زاد توترها لتمسك كلتا يديها على حجرها تضغط عليهم بارتباك لاحظه هو، ليبتعد عنها قليلاً يمد يده بجيب سترته ويخرج علبة مخملية يشير لها نحوها:
شوفي يا «رحمة»، بما إن دي أول عزومة ليا هنا في بيت ابني ومش قادر أقولك أنا فرحان بيها إزاي ولا قادر أوصفلك مشاعري وأنا شايف استقبالك لينا، أنا يا بنتي حاسس إني فعلاً في بيت ابني وبنتي، ويشهد ربي إنك عندي زي «ورد» و«أحلام»، عشان كده زي أنتِ ما اديتيني الإحساس الجميل دا أنا عاوز أديكي هدية.
لتتسع عيناها بسرور وتنير وجهها ابتسامة عريضة وهي تجده يخرج سلسلة ذهبية تحمل في نهايتها تاج جميل جدا مزين ببعض الأحجار الكريمة، أشهرها أمامها يسألها:
_ها عجبتك؟ اخترته تاج عشان أنتِ بقيتي أميرة عيلتنا.
لتخبره بسعادة:
_حلوة أوي يا بابا.
أشار «طارق» لـ«ندى» كي تساعدها في ارتدائها، «ندى» التي جاءت بخطواتها مسرعة نحوها تلبي طلبه بحبور، تبصر سعادة تلك الفتاة وتشعر بسرور لأجلها، رغم أن فكرة الهدية كانت فكرتها لكن أن يمنحها «طارق» لها أعطاها طعمًا آخر.
ساعدتها «ندى» في ارتدائها لترفع يدها تتلمسها فتنهمر دموعها بلا توقف، ترمي نفسها بين أحضان «طارق» الذي ضمها يسمع كلمات شكرها بتأثر:
ظمتشكرة يا بابا متشكرة أوي.
هذا المشهد لم يؤثر بـ«طارق» فقط، بل بـ«ندى» التي بدأت تمسح على ظهرها بحنان، وكذلك «ورد» و«أحلام» اللتان وقفتا تطالعان المشهد بعين دامعة.
أما ذلك الذي جلس بلا حراك يتأمل المشهد بقلب ممزق، وهو يرى مدى حزنها وحاجتها للحنان.
***************************"
كانت «نور» جالسة على سريرها تمسح تلك الدمعة التي صارت رفيقتها في هذه الأيام التي أصبحت سوداء، تتجرع مرارتها حتى تشعر أن روحها تكاد تزهق مع شهقاتها المستمرة، قلبها لم يعد يتحمل ذلك الألم.
وكل ما تتذكره هو، وكيف التقت به في ذات يوم عندما أصابتها وعكة صحية وأخذها شقيقها إلى الوحدة الصحية.
تتذكر كيف كان يعاملها كأميرة في أيام زواجهم الأولى حتى ظنت أنها امتلكت سعادة الدنيا بأكملها، قلبها الذي أحبه بات رمادًا حرقته نار جبروته وقسوته، صوته العالي، شتائمه وكلماته الجارحة لا تفارق مسامعها حتى أثقلتها تلك الكوابيس المخيفة.
نهضت تحاول أن تخرج من ظلمة قدرها، علها بخروجها والحديث مع والدتها تنسى قليلاً من مأساتها، لكنها عندما فتحت الباب تسلل إلى مسامعها صوت جارتهم تجالس والدتها، عادت خطوة إلى الوراء وتركت الباب مواربًا تسترق السمع لحديثهم بفضول، حتى جثم الحزن على أنفاسها وهي تسمع جارتهم تدس السم بالعسل، تخبر والدتها عن إشفاقها عليها، كيف لفتاة صغيرة بعمر الزهور تنفصل عن زوجها؟ كيف ستكمل حياتها؟ ثم واصلت حقدها المبطن وهي ترسل لها برسائل أنها سوف تحاول إيجاد عريس يتقبلها بوضعها.
أغلقت الباب وعادت إلى سريرها تحمل خيبات أكبر، نظرة الناس لفتاة مطلقة ليحكموا عليها حتى قبل أن يعرفوا الأسباب.
أشفقت على والدتها التي كان صوتها مثقلاً بالألم، حاولت أن تستلقي علها تهنأ بنوم من هذا الحزن، وضعت رأسها على وسادتها وتقلبت يمينًا وشمالاً لتلمح تلك الكراسة، نهضت ومدت يدها تلتقطها من على أحد الرفوف القديمة، فتحت الدفتر لتتذكر أحلامها الضائعة فتعاود دموعها السقوط على كلماتها لتختلط دموعها مع حبر كلماتها، لتغلقه وتحتضنه وهي تعود للاستلقاء مجددًا علها ترى أحلامها في المنام.
***********************
لم يصدق أنهم منحوه تلك الإجازة وهو يقف الآن أمام باب منزلهم، بل وسيراها بعد قليل، نظر نظرة أخيرة نحو باقة الزهور القابعة بين يديه وتنهد يطرق باب المنزل، لتفتح له «شمس» التي استقبلته بدهشة وحفاوة:
-«حسين» حبيبي! رجعت إمتى؟ الحمد لله على السلامة.
بادلها الأحضان بشوق أيضًا يجيب على سؤالها:
من ساعتين كده، بس هما تلات أيام بس.
أشارت له للدخول ليدخل وعيناه تبحث عنها بشوق، وما هي إلا خطوات نحو الداخل حتى وجد «فارس» يظهر أمامه مرحبًا هو الآخر:
-أهلاً يا بطل، الحمد لله على السلامة.
-أهلاً يا عمي، واحشني والله.
ليضرب «فارس» كتفه ويغمز له مازحًا:
-أنا برضو اللي وحشتك؟
ليضحك «حسين» ويجلس معه، اندمج «فارس» في سؤاله عن عمله بينما توجهت «شمس» نحو غرفة ابنتها تخبرها بقدومه.
وصلت إلى غرفتها لتفتح الباب مندفعة نحو الداخل، فتجدها تضع ماسك للعناية بالبشرة وتستلقي على السرير باسترخاء مغمضة العينين، لكنها كانت تتحدث مع شخص ما عبر سماعة الأذن:
-يا بنتي المدة عشر دقايق، أنا حطيت منبه ما أعتقدش فات عشر دقايق.
اقتربت «شمس» من السرير بانزعاج لتنادي عليها:
-«قمر»... «قمر» أنتِ يا بنتي!
لكنها لم تجبها، لتعاود «شمس» الكرة، لكنها هذه المرة مدت يدها لتهزها فانتفضت بفزع حتى سقط قناعها في حجرها لتسألها بقلق:
-مالك يا ماما فزعتيني؟
لترمقها بضيق وتقول:
-خطيبك تحت بقاله ليلة، فزي قومي عشان تقابليه.
لتعقد حاجبها بجهل وتسألها:
-خطيبي مين؟
فهتفت بغضب تجذب ذراعها تحثها على النهوض:
-«حسين»، هو فيه غيره؟!
لتقول بتعجب:
-«حسين»؟ وإيه اللي جابه؟!
لتكرر حديثها توبخها باندهاش:
-إيه اللي جابه دا؟! بدل ما تقومي تلبسي حاجة عدلة بدل البيجامة دي!
نظرت إلى بيجامتها ثم انتبهت للماسك الساقط لتتذكر «ورد» التي تركتها على الخط، حملت الماسك بعبوس تنظر له بقلة حيلة وتنهض تحت نظرات «شمس» الساخطة لتلوي شفتها وتقول:
-لما أنتِ عاوزة عناية كنتِ قلتي لي وأنا أعملك كورس.
لم تمهلها الإجابة لتستدير وتهتف قبل أن تغادر:
-استعجلي الولد بيستنى بقاله فترة.
ثم تركتها مغادرة وعين «قمر» تتبعها بحنق.
كان مندمجًا بالحديث مع «فارس» لكن عينيه كانت تختطف النظرات بشوق لرؤيتها، مر وقت ليس بالقليل حتى شعرت «شمس» بالحرج لتلتقي عيناها بـ«فارس» الذي فهم مشاعرها، ليحاول التخفيف من حرجها من تصرف ابنتها وتأخرها، ليوجه حديثه لـ«حسين» وهو يربت على فخذه:
_أنا عازمك أنت و«قمر» على مطعم حلو أوي فاتح جديد.
تفاجأ «حسين» من عرضه ليقول بامتنان:
_متشكر يا عمي بس...
ليقاطعه «فارس» بإصرار:
_من غير بس...
ثم وجه نظره نحو «شمس»:
_يلا يا حبيبتي غيري هدومك.
ابتسمت «شمس» له بحب فقد بات يعرفها من نظرة عينيها لتنصرف مباشرة نحو غرفتها.
وما هي حتى دقائق قليلة وجد ابنته تقف أمامه بتوتر توزع نظرها بينه وبين «حسين» الذي ما إن رآها حتى وقف مرحبًا بها:
_أهلاً يا «حسين».
ليجيبها بلهفة يقدم لها باقة الورد التي أحضرها:
_أهلاً يا «قمر»، اتفضلي.
التقطت منه باقة الورد لتجد «فارس» ينهض يخلي لها مكانه لتجلس بالقرب من خطيبها قبل أن يغادر هو الآخر نحو غرفته، جلست تاركة مسافة ليست بالقليلة بينهم تحتضن الزهور، أمسك طرف حجابها المتدلي بعفوية وسألته بارتباك وهي تنظر لأثر والدها:
_هو بابا راح فين؟
ابتسم على ارتباكها ليخبرها:
_أبو الفوارس عازمنا على العشا أنا وأنتِ وخالتو.
التفتت نحوه متعجبة تردد حديثه بدهشة:
ظعزمنا على العشا؟!
_أي والله وما سابليش مجال للاعتراض.
ثم شملها بنظرة عاشقة يخبرها بوله:
_أنا والله كنت جاي أشوفك وأمشي على طول، أنا واصل من ساعتين بس.
ثم انحنى نحوها حتى انكمشت على حالها بتوتر ليخبرها بهمس:
_أنتِ وحشتيني أوي، مقدرتش أستنى لحد بكره عشان أشوفك.
ابتعد لتحاول تجاهل ما قاله بحرج فلم تعقب، وأخفضت عينيها نحو باقة الزهور تهرب من نظراته المحدقة بها.
تفهم كعادته خجلها ليسألها محاولاً جرها للحديث معه:
_عجبك الورد؟
_حلو أوي متشكره.
رغم أنها لم ترفع رأسها لكن كلماتها جعلت قلبه يرقص طربًا لإجابتها.
بعد قليل وصل الأربعة إلى ذلك المطعم لتدور عينا «شمس» المتأبطة ذراع «فارس» في المكان باستحسان:
_حلو أوي يا حبيبي.
بادلها «فارس» الابتسامة يجذب يدها نحو إحدى الطاولات الثنائية يسحب لها أحد الكراسي ويشير لها بالجلوس:
_اتفضلي يا روحي.
ثم التفت نحو «حسين» يشير له نحو طاولة قريبة منهم:
_أنا حجزت لكم الطاولة دي.
ما فعله أثار تعجب الاثنين لكنه أسعد «حسين» الذي اتجه نحو الطاولة وأشار لها أن تتقدمه، تقدمته على استحياء وجلست بارتباك ليجلس أمامها محافظًا على تلك الابتسامة التي لم تغادر وجهه.
أشار له «فارس» أن يطلبوا ما يشاءون ليبتسم له شاكرًا يخبرها بإعجابه بوالدها:
_عمي «فارس» راجل جنتل بجد، هو أنا بحبه من شوية؟
اتبع مدحه بضحكة بسيطة قابلتها هي بابتسامة باهتة، ليسود الصمت من جديد حتى قطعه هو يخبرها عن إنجازاته وعن تلك المسابقة التي بدأ يلمس نجاحه فيها يومًا بعد اليوم.
أخذت عيناها تتأمل حماسه وتخطيطه لمستقبله وكيف جعلها حجر الأساس فيه بل ومحورها الذي تدور حوله، ارتعشت يدها تحت الطاولة بعد أن طالت قلبها نغزات الندم من جديد، لتمسك إحداهما بالأخرى تشد عليها علها تمنحها الثبات، عيناها كانت تراقب عينيه اللامعتين بشغفه، وأذنها التقطت صوته العاشق تبصر حركة شفتيه المتتالية كأنه يلملم كلماته أمامها ويخشى أن تفلت إحداهن منها.
لكن فجأة!
شيء ما داخلها استفاق كأنه زلزال ضرب تعقلها وأنهى صلاحية صبرها، وجالت في خاطرها فكرة تريح ضميرها المتعب، ربما كان هذا هو الوقت المناسب لتقول له الحقيقة، ستنهي تلك المسرحية وتسدل الستار على فصولها فلم تعد تقوى التحمل، وهو لا يستحق أن يعيش في هذا الوهم، شعرت بتعرق يدها وتلك الحرارة التي اشتعلت في جسدها لتحاول التماسك ولملمة شتاتها، ستبوح له بذلك السر الجاثم على صدرها، رفعت يدها تمسح على جبهتها بتوتر قبل أن تبتلع ريقها وتصوب عينيها على خاصته وتقاطعه بارتباك:
_«حسين» أنا عاوزة أقولك حاجة.
كان مندمجًا في الكلام لكنه توقف يطالعها بدهشة، عينها سبقت لسانها وكأنها تخبره بوجود خطب ما، لتتلاشى ابتسامته المفعمة وتحل محلها ابتسامة متوترة:
_أيوة يا حبيبتي قولي أنا سامعك.
عينها هربت من مواجهته وشعرت بدمائها تغلي بخوف، تعلم أنها ستحطم بقرارها تماسك هذه العائلة المثالي، وستدق مسمارًا في نعش وحدتهم وتآلفهم، لكنها عزمت أمرها ولا تراجع كما كان يتردد داخلها، لتأخذ نفسًا طويلاً قبل أن تقول:
_«حسين» أنا...
بترت جملتها فجأة عندما التقت عيناها بعين "فارس" الذي غمز لها يشاكسها مبتسمًا
بسعادة، وكأن ابتسامته كانت معولاً ضرب في أرض قرارها ليحطمه وهي تتخيل تبعاته، حتمًا ستزول ابتسامة والدها وستذبل عين أمها، فبقرارها ستضرم النيران في أوتاد هذه
العائلة، عُقِد لسانها وهربت الكلمات من عقلها الذي صرخ يؤنبها: (تحملي نتيجة خطأك وحدك لا تشتري راحة ثمنها تعاسة الآخرين).
-«قمر» حبيبتي، أنتِ إيه؟ روحتي فين؟
صوته انتشلها من بين براثن تلك الحرب الضروس، لترمش عينيها وتنظر نحوه بضياع:
-هاااا؟
-هاااا إيه يا «قمر»؟ كنتِ عاوزة تقولي حاجة.
لم تعلم ماذا تجيبه لتهز رأسها نافية قبل أن تبتلع ريقها تخبره بتلعثم:
-لا أبدًا، بس كنت عاوزة أقولك حلو إنك تكون إنسان طموح، ومادام أنت مجتهد أكيد ربنا هيوفقك.
كلماتها عزفت لحن عشق بنغم جديد على أوتار قلبه المتيم:
-متشكر يا «قمر» على وجودك في حياتي، متعرفيش دا فارق معايا قد إيه، وطول ما إحنا مع بعض هنسند بعض أكيد.
أومأت له بذهن تائه كطفلة أضاعت طريق عودتها.
*******************''
وبعد مرور أسبوعين، دخل مسكنه يحمل كيسًا مليئًا بالمقرمشات والشيبس وألواح الشوكولاتة ليهتف مناديًا عليها:'
-«رحمة» أنتِ فين يا أميرة؟'
وكان هذا اسم الدلع الذي ألصقه بها منذ أن أخبرها والده أنها أميرة العائلة، ليأتيه صوتها من المطبخ:
-أنا هنا يا «زياد».
اتجه نحو المطبخ ليبتسم وهو يجدها تسدل شعرها على كتفها مكتفية برفع خصلة صغيرة بمشبك جانبي، اقترب منها ليجدها تخلط بعض أنواع الصوص وتضيف تتبيلة لها لينتابه الفضول:
_بتعملي إيه يا رحمه؟
رفعت رأسها عن الطبق وأخبرته مبتسمة:
_الحمد لله على السلامة الأول.. وياسيدي بعمل سلطة سيزر.
لتضيق عينيها وتهز رأسها باستهزاء:
_شكلك نسيت التحدي يا دكتور!
لتنفلت ضحكاته عندما أدرك مقصدها:
_بجد أنتِ عملتيها؟
وضعت يدها على خصرها تشير نحو نفسها بفخر:
_عيب عليك دا أنا «رحمة».
اقترب بحماس والتقط شوكة يمدها نحو الطبق ليرفع ويدسها في فمه متذوقًا إياها بتوجس، كانت عيناها تراقبه بتوتر حتى وجدته يفتح عينيه بانبهار ويقول مادحًا وهو يصفق ويمضغ لقمته بتلذذ:
_برافو عليكي! ولا أجدع مطعم يا شيف «رحمة».
هزت كتفها بدلال قبل أن ترفع ياقتي بيجامتها بفخر مضاعف، لكن جسدها تجمد عندما وجدته يقترب منها يقبل وجنتها قبلة سريعة قبل أن يتركها ويغادر المطبخ قائلاً:
_تسلم إيدك يا جميلة.
لتنظر إلى أثره وترفع يدها تتلمس مكان قبلتها بسعادة وقلبها يعترف بحبه ولو أنكر لسانها ذلك.
وبعد أن انتهى عشاؤهم جلس الاثنان أمام التلفاز ليفتح «زياد» الكيس الذي أحضره ويضعه أمامها، لتبدأ بتقسيم الأشياء بينهم كما اعتادوا منذ أسبوعين، وضعت أكياس الشيبس وألواح الشوكولاتة خاصته أمامها ووضعت أمامها حصتها، اندمج الاثنان في الحديث والنقاش عن أحد الأطفال في الملجأ اسمه «هيثم» والذي دخل الملجأ اليوم وكيف استطاعت هي استمالته ودمجه مع الآخرين:
_والله برافو عليكي إنك قدرتي تقنعيه.
تنهدت بحزن وهي تصف له الحالة:
_مش بالساهل يا «زياد»، الحكاية محتاجة مراحل، كان لازم يتقبلني وبعدين يأمن لي ويتكلم معايا عشان أقدر أسحبه إنه يندمج مع الولاد، بس هو محتاج وقت عشان يتعود.
ليشاكسها مبتسمًا:
_طلعتي شاطرة بحاجات كتير مش بس الطبخ يا أميرة.
بادلته الابتسامة لتتشابك عيونهم لحظات غابوا فيها عن المكان، أحدهم يغرق في عين الآخر حتى انتبه هو لنفسه ليلتفت نحو التلفاز ويمسك جهاز التحكم ويقول وهو يتنقل بين قنواته:
_خلينا نشوف فيلم أو مسلسل.
رفعت يدها تضع إحدى خصلات شعرها خلف أذنها وتهز رأسها بارتباك، اختار أحد الأفلام الذي كان يحكي قصة حقيقية امتزجت بين الدراما والرومانسية، بدأوا يشاهدون الفيلم ويتناولون المقرمشات حتى انتبهت أنه أخذ أحد أنواع الشيبس التي تحبها لتقول بضيق:
_«زياد» الشيبس دا بتاعي، دا سويت آند سور، أنت بتحب الجبنة.
ادعى جهله لينظر إليها ببلاهة مزيفة ويقول وهو يمضغ إحدى حباته:
_ياا مكنتش أعرف بس طعمه حلو خلاص حلال عليا.
لتمد يدها نحوه تحاول خطفه من بين يديه بانزعاج مزيف:
_هاته يا «زياد» أنا بحب النوع دا.
لكنه أبعد يده يمنعها من الوصول إليه، لتبدأ بينهم معركة مزيفة يتخللها الضحك والمزاح، ومابين حركة نحو اليمين وأخرى نحو اليسار وجدت نفسها تستلقي على الأريكة وهو فوقها يحاول انتشال الكيس الذي خطفته منه، والاثنين داخل هستيريا من الضحك التي هدأت شيئًا فشيئًا، ليتوقف يلتقط أنفاسه لكنه فجأة وعى على وضعهم ليحدق بها، اقترب أكثر وأزاح خصلات شعرها التي تناثرت على وجهها لتظهر عيناها أمامه فتجتاحه ثورة من المشاعر التي لم يستطع إيقافها، فانساق معها وسحبها هي أيضًا معه فتبعته كالمغيبة بلا وعي
وفي صباح اليوم التالي تململت في رقودها بعد أن دعبت أعينها أشعة الشمس لتدعك عينيها بتذمر قبل أن تفتحها ببطء، حتى استطاعت فتحها أخيرًا، شعرت أنه صباح مختلف، التفتت نحو ذلك الراقد بجانبها تطالعه باستحياء تتذكر تلك اللحظات التي جمعتهم معًا وكيف وهبت له نفسها برضى بعد عاصفة المشاعر التي اقتادتهم لنهاية الطريق لتصبح هي اليوم زوجته قولاً وفعلاً.
عيناها كانت تتحرك على قسمات وجهه بروية تسأل نفسها: هل تسرعت في الانجراف مع مشاعرها؟ أم معاملته معها منحتها الأمان كي تنساق خلفه دون وعي؟ نغزات ضربت قلبها باضطراب لتلوم نفسها: لماذا لم تنتظر حتى تتأكد من نسيانه الماضي قبل أن تدخل حياته بهذا الشكل؟ ثم زادت في عتاب نفسها:
كنتِ على بر الأمان، إيه اللي خلاكي تركبي معاه في مركب وسط بحر هايج ويا عالم هتكون إيه النهاية؟
نفضت من رأسها تلك الأفكار وقلبها يرتجف يعترف لها بحبه، فحنان وطيبته جعلتها تتعلق به رغمًا عنها، اقتربت منه حتى أصبح وجهها أمام وجهه مباشرة، تختلط أنفاسه المنتظمة بأنفاسها لتتحرك يدها بتردد نحو خصلات شعره المبعثرة تعيد ترتيبها بلطف، لتبتسم تتغزل به هامسة بحب:
ظأنت حلو أوي يا «زياد»، كل حاجة فيك حلوة، شعرك وعيونك حلوين.
حتى شهقت فزعة وهي تجده يفتح عينيه ويمسك يدها:
_مسكتك بتت*حرشي بيا وأنا نايم!
لتتوتر وتتلجلج الكلمات على لسانها بخجل تخبره بتلعثم:
-أنا؟ إمتى؟ دا أنت بتتخيل بس.
ليغمز لها ويعض على شفته بوقاحة وهو يقلد صوتها مازحًا:
-أمال مين اللي قال: "أنت حلو أوي يا «زياد» شعرك حلو وعيونك حلوين"؟
كست حمرة الخجل وجهها وأسبلت عينيها عنه بحرج، ليقهقه ضاحكًا على خجلها ليداعب أنفها مشاكساً:
_هااا اعترفي يا أميرة.
ظلت صامتة ولم تقو على رفع رأسها، ليمسح على وجنتها برقة وينادي عليها:
_«رحمة».
رفع عينيها بحرج لتلتقي بعينيه فتتسع ابتسامته:
_مبروك.
ابتلعت ريقها الذي جف من شدة الحرج تجيبه بحياء:
_الله يبارك فيك.
رفع يده يعيد ترتيب خصلات شعرها بهدوء وانخفضت تمسح على وجنتها، لكن يده تجمدت عندما سمع سؤالها:
ظ«زياد» إحنا اتسرعنا؟ كان لازم تتأكد إنك...
فهم ما تقصده ليسرع بوضع أصابعه على شفتيها يمنعها من إكمال حديثها:
_اششش.... بلاش الكلام دا يا "رحمه"، خلينا فرحانين ببداية حياتنا سوا، بلاش نفكر في الماضي ونعتبر إننا اتجوزنا النهاردة.
ثم صمت هنيهة يراقب عينيها ليسألها بريبة:
-أنتِ ندمانة يا «رحمة»؟
حركت رأسها نافية لكنه رأى في عينيها شيئًا آخر، شيئًا جعله يحرك يده على وجنتها من جديد كأنه يحثها على أن تبوح بما سكن تلك العيون، لينطق لسانها بمخاوفها:
-أنا مش ندمانة بس خايفة.
ليتحشرج صوتها كأنه اختفى في ظلمات مخاوفها لتجاهد لإخراجه:
-أنا خايفة....
بتر جملتها وهو يجذبها نحو أحضانه يحتضنها بقوة كأنه يحاول وأد مخاوفها:
-متخافيش.
ورغم أنه حاول منحها الأمان لكن هو يعلم في قرارة نفسه أنه خائف مثلها.
*********************، *******
بعد مرور أربعة أشهر، كانت «قمر» تجلس على سريرها تقبض بيديها على دعوة زفافها وعيناها زائغتان نحو المجهول الذي تخطو نحوه، فلم يتبق سوى عشرة أيام وينتهي كل شيء، قبضت على تلك البطاقة التي خُطَّ اسمه بجانب اسمها بقوة حتى تجعدت وكأنها لا زالت ترفض تلك الحقيقة، لمعت عيناها بالدموع وخفق قلبها بقهر لتتعالى وتيرة أنفاسها وهي تتذكر أن غدًا سيعقد «حسين» قرانه على «سندس»، إذًا الحكاية قد كُتِبت نهايتها وعليها أن تتقبل الأمر الواقع.
تنهدت بيأس وفتحت تلك البطاقة التي تجعدت بين يديها لتنظر إلى اسمه وتتذكر ما حدث قبل شهرين عندما اتصلت بها «مليكة» تخبرها أنهم سيقيمون له حفلة احتفالاً بفوزه في المسابقة، التي ورغم أنه اتصل بها يبشرها بفوزه وأنه حقق ذلك الحلم لكنها قابلته بكلمات باردة، شعرت هي بصدمته من برودها لكنها أجبرت نفسها على مجاملته، لكن يبدو أنه شعر بذلك البرود لتجده يبتعد عنها بجفاء وكأنه قابل برودها بجفائه حتى أصبح لا يتواصل معها لعدة أيام، وهي بدورها لم تكلف نفسها التواصل معه أو حتى الاطمئنان عليه رغم معرفتها بعودته.
ليأتي اتصال «مليكة» التي كانت تخطط لمفاجأته بهذا الاحتفال وتسألها عن الأفكار التي تقترحها لترتبك لا تعلم بماذا تجيبها حتى طرحت عليها عدة خيارات لتختار هي أحدهم، و«مليكة» بتفكيرها الجنوني أخبرتها أنها تختار من هو أكثر حماسًا، ستخبره أن جدته أصيبت بوعكة صحية حتى يفاجئونه، لتجد نفسها بلا وعي تسألها:
-«لوكا» هو «حسين» بيحب إيه؟ أصل عاوزة أجيب له هدية ومحتارة.
لتجيبها «مليكة» بحماس:
-أبيه «حسين» بيحب الساعات أوي، عنده مجموعة كبيرة.
*************************"" "
ذهبت الى محل ساعات واختارت له واحدة من الفضة نقشت عليها اسمه، وذهبت في الموعد المحدد إلى بيت خالتها برفقة والديها ليرحب بها الجميع بحفاوة كبيرة، وأجلستها «صفاء» بجانبها وظلت تتأملها بحب، لكنها جلست بتوتر تراقب من حولها بذهن شارد فجل ما تفكر فيه كيف ستقابله؟ وماذا ستكون ردة فعله على رؤيتها؟ هل سيتجاهلها كما تفعل هي معه؟ تنهدت بضيق وهي تشعر أنها لا زالت كدمية خيط معلقة بأحد الرفوف المهملة تحركها رياح القدر كيف تشاء.
دقات قلبها التي امتزجت بين الخوف والحزن وهي تشاهد حماسهم لمفاجأته، حتى والدها ووالدتها كانوا يشاركون في ترتيب طريقة مفاجأته ووقفوا يرددون لـ«مليكة» ما ستقوله وهم يحيطون بها، لتضغط على زر الاتصال وتمثل الانهيار تصرخ متصنعة الخوف:
-«حسين» الحقني تيته أغمي عليها!