رواية فتاة الاشارة الفصل الثالث والعشرون23 بقلم اسماعيل موسي

رواية فتاة الاشارة الفصل الثالث والعشرون23بقلم اسماعيل موسي
دخل الرجل المكتب بخطوات هادئة وواثقة كأنه يعرف المكان منذ سنوات رغم أنه يتظاهر بالعكس تمامًا وكانت بدلته الرمادية البسيطة تخفى أى مظهر للثراء المبالغ فيه بينما أخفى جزءًا من ملامحه بنظارة طبية خفيفة ولحية مختلفة قليلًا عن شكله الحقيقى وحتى صوته بدا أهدأ وأبطأ من المعتاد وكأنه تعمد تغيير طريقته بالكامل
رفعت تالا عينيها نحوه بعدما سمحت له بالدخول ثم أشارت إلى المقعد أمامها وقالت اتفضل
جلس الرجل ووضع حقيبة جلدية صغيرة بجواره ثم أخرج ملفًا مرتبًا بعناية ووضعه فوق المكتب بينما لاحظ بعينيه السريعتين الإرهاق الواضح فوق وجه تالا وكثرة الملفات المتراكمة حولها والهواتف التى لا تتوقف عن الرنين وكأن الشركة كلها تقاتل فقط كى تبقى حية ليوم إضافى
قال الرجل بنبرة عملية هادئة أنا ممثل لشركة استيراد جديدة ولسه بندخل السوق وسمعنا إن عندكم مشاكل تصريف فى بعض خطوط الإنتاج فقولنا ممكن نستفيد إحنا وأنتم
فتحت تالا الملف بسرعة وبدأت تراجع الأوراق وكانت الصفقة صغيرة مقارنة بحجم تعاقدات الشركة القديمة لكنها بدت مهمة جدًا فى الوقت الحالى لأنها تعنى سيولة سريعة وتحريك جزء من البضائع الراكدة داخل المخازن
قالت تالا وهى تراجع الأرقام حضرتك طالب كميات متوسطة بس الدفع هيكون فورى؟
أومأ الرجل بهدوء كاش بعد الاستلام مباشرة
رفع الحاج عبده عينيه بدهشة من خلف الأوراق لأنه فى الظروف الحالية كان أى عميل يطلب آجالًا طويلة وليس دفعًا فوريًا لكن الرجل ظل يتابع المكتب بعينيه فى صمت وكأن كل تفصيلة داخله تهمه بداية من أماكن الملفات وحتى طريقة تعامل الموظفين خارج الباب الزجاجى
أما تالا نفسها فكان يراقبها بدقة دون أن يظهر ذلك ولاحظ أنها لا تتحرك كموظفة عادية ولا حتى كمديرة مؤقتة بل كشخص يحمل فوق كتفيه حملًا أكبر من عمره بكثير
قالت تالا بعد دقائق من المراجعة الأسعار مناسبة بس الكميات دى مش هتحل أزمة التكدس عندنا
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت ثم قال أى مشكلة كبيرة بتبدأ بخطوة صغيرة
تأملت تالا الجملة لحظة قبل أن تعيد الملف إليه ثم قالت حضرتك واضح إنك فاهم السوق كويس
رد بهدوء بحاول أتعلم
دخل موظف فجأة يطلب توقيعًا عاجلًا من تالا فاعتذرت للحظات وانشغلت بمراجعة بعض الأوراق بينما استغل الرجل الوقت ليتفحص المكتب أكثر وعيناه توقفتا لثوانٍ عند صورة قديمة ليامان موضوعة قرب النافذة
ثم سأل فجأة وكأنه يسأل بعفوية هو الأستاذ يامان لسه مسافر؟
توقفت يد تالا للحظة قصيرة جدًا قبل أن ترفع عينيها إليه وكان السؤال عاديًا ظاهريًا لكن توقيته لم يعجبها
ردت بهدوء حذر حضرتك مهتم تعرف ليه؟
ابتسم الرجل بسرعة وقال مجرد فضول الاسم معروف فى السوق طبعًا
ساد صمت قصير داخل المكتب قبل أن يتدخل الحاج عبده محاولًا إنهاء التوتر المهم الشغل يمشى وربنا يسهل
أومأ الرجل وهو ينهض ببطء ثم قال يبقى نعتبر نفسنا اتفقنا مبدئيًا وأنا هستنى ردكم النهائى النهارده بالليل
مد يده يصافح تالا فترددت جزءًا صغيرًا من الثانية قبل أن تصافحه وكانت يده ثابتة بصورة غريبة باردة ومسيطرة بشكل لم تحبه
خرج بعدها بهدوء كما دخل بينما ظلت تالا تنظر ناحية الباب بعد خروجه دون سبب واضح
سألها الحاج عبده باستغراب مالك يا بنتى؟
سكتت لحظة ثم هزت رأسها وقالت مفيش
لكن الحقيقة أن شيئًا داخلها لم يشعر بالراحة لأن الرجل كان هادئًا أكثر من اللازم وواثقًا أكثر من اللازم وكأنه لم يأتِ ليشترى بضاعة فقط بل جاء ليرى بعينيه كيف ما زالت الشركة واقفة حتى الآن
مرت ثلاثة أيام كاملة قبل أن تصل أول شاحنات التحميل إلى المخازن الرئيسية للشركة وكانت المرة الأولى منذ أسابيع التى تتحرك فيها البضائع المتكدسة بهذا الشكل حتى العمال أنفسهم بدت عليهم الدهشة وهم يشاهدون الصناديق تخرج أخيرًا بدلًا من تراكمها اليومى الخانق
وقفت تالا تتابع التحميل بصمت بينما الحاج عبده يقف جوارها يحرك سبحته بعصبية لأنه كان يخشى أن تنهار الصفقة فى آخر لحظة مثل كل شيء يحدث مؤخرًا
لكن المفاجأة أن الرجل الغامض لم يتراجع بل وصل بنفسه لمتابعة الاستلام وراجع الأوراق بهدوء شديد ثم أصدر تعليماته للعمال بسرعة وثقة كأنه معتاد على إدارة صفقات أكبر بكثير من تلك التى يدعى أنه يعمل بها
وبعد انتهاء التحميل بساعات قليلة دخل أحد الموظفين مكتب تالا يلهث وهو يحمل إشعار التحويل البنكى واتسعت عينا الحاج عبده فور رؤيته وهو يردد الفلوس دخلت الحساب بالكامل كاش زى ما اتفق
ساد صمت قصير داخل المكتب ثم تنهد الحاج عبده بقوة كأنه تخلص من حجر فوق صدره بينما جلست تالا مكانها تنظر إلى الأرقام فى صمت لأن السيولة التى دخلت لم تكن كافية لإنقاذ الشركة لكنها على الأقل منحتهم وقتًا إضافيًا للتنفس
وفى مساء نفس اليوم عاد الرجل مرة أخرى ودخل المكتب بهدوئه المعتاد ثم جلس دون مقدمات طويلة وقال واضح إن التعاون بينا ناجح لحد دلوقتى
وضع ملفًا جديدًا فوق المكتب ففتحته تالا بسرعة لكن الراحة اختفت تدريجيًا من ملامحها لأن الكميات المطلوبة هذه المرة كانت أكبر بكثير أضعاف الصفقة الأولى ولو تمت فستفرغ جزءًا ضخمًا من المخازن وتوفر سيولة حقيقية للشركة
لكن المشكلة كانت فى الأسعار
رفعت عينيها نحوه ببطء وقالت الأسعار دى أقل من السوق بشكل كبير
أومأ الرجل بهدوء وأجاب وأقل من أسعار صقر المرشدى كمان بشوية بسيطة
تدخل الحاج عبده فورًا بقلق يبقى احنا هنخسر
رد الرجل ببساطة شديدة الخسارة المؤقتة أحسن من الموت الكامل
ثم نظر مباشرة نحو تالا وأضاف العملاء دلوقتى بقوا يقارنوا بينكم وبين أسعار صقر ولو فضلتوا بنفس أسعاركم الحالية محدش هيشترى منكم مهما كانت جودة المنتج
سكتت تالا وهى تنظر إلى الملف لأنها كانت تعرف أنه يقول الحقيقة فالسوق لم يعد يهتم بالولاء ولا السمعة والكل يجرى خلف الأرخص
قالت بعد صمت طويل لو بعنا بالسعر ده هامش الربح هيبقى شبه معدوم
ابتسم الرجل بخفة وقال بس المخازن هتفضى والسيولة هترجع تتحرك والشركة هتفضل واقفة
تبادل الحاج عبده النظرات مع تالا فى قلق لأن القرار كان خطيرًا والشركة أصلًا تنزف ماليًا وأى خطوة خاطئة قد تعجل سقوطها بالكامل
قالت تالا أخيرًا وهى تغلق الملف أنا محتاجة وقت أفكر
نهض الرجل بهدوء وهو يرتب أزرار سترته وقال أكيد بس السوق مش هيفضل مستنى كتير
وقبل أن يخرج توقف لحظة عند الباب ثم قال دون أن يلتفت أحيانًا الشركة بتحتاج تخسر جزء صغير علشان تعرف تكمل الحياة
ثم غادر المكتب تاركًا خلفه صمتًا ثقيلاً بينما ظل الحاج عبده ينظر إلى الباب بعد خروجه قبل أن يهمس حاسس الراجل ده مش طبيعى
لكن تالا بالكاد سمعته لأن عينيها كانتا معلقتين بالأرقام داخل الملف والعقل يقول إن الصفقة خطيرة لكن الواقع كان أكثر قسوة فالمخازن ممتلئة والسيولة اقتربت من الانهيار والشركة تختنق ببطء كل يوم ولو لم تتحرك البضائع قريبًا فلن يبقى هناك شركة أصلًا كى تخاف على أرباحها
داخل المكتب الزجاجى الواسع فى أعلى برج شركة صقر المرشدى كانت بسنت تقف أمام الشاشة العملاقة تتابع تقارير السوق بينما تنعكس أضواء المدينة فوق الزجاج الخلفى كأن القاهرة كلها ممددة تحت قدميها
أما صقر فكان جالسًا فوق الأريكة الجلدية يدخن بهدوء وعيناه تراقبانها باهتمام لأنه منذ أسابيع يلاحظ أن بسنت لا تتحرك خطوة دون حساب وحتى الحرب نفسها كانت تديرها كأنها لعبة شطرنج طويلة
أغلقت بسنت الملف الإلكترونى أخيرًا ثم التفتت نحوه بابتسامة خفيفة وقالت وقعت
رفع صقر حاجبه وسأل مين؟
اقتربت منه وهى تلقى الملف فوق الطاولة الزجاجية ثم قالت تالا وافقت على الصفقة التانية
ابتسم صقر ببطء وهو ينفث دخان سيجارته وقال كنت عارف إنها هتوافق مكانش عندها حل تانى
جلست بسنت فوق ذراع المقعد بجواره ثم قالت بهدوء دلوقتى نقدر نبلع مخازن يامان كلها واحدة واحدة من غير ما يحس
سألها صقر باهتمام وإحنا هنستفيد إيه غير إننا نكسرهم أكتر؟
ضحكت بسنت بخفة ثم سحبت ملفًا آخر من فوق الطاولة وفتحته أمامه وقالت الأرباح الحقيقية لسه ما بدأتش أصلًا
أشارت إلى الأرقام داخل الملفات ثم تابعت إحنا دلوقتى بنشترى البضاعة منهم بأسعار شبه خسرانة لأنهم مضغوطين وبيجروا وراء السيولة لكن الأهم إننا مش هنرمى البضاعة دى فى السوق دلوقتى
توقف صقر عن التدخين لحظة وقال مش هنبيعها؟
هزت رأسها ببطء وقالت لا هنتعمد نخزنها
ضيّق عينيه وهو يبدأ فى فهم الفكرة تدريجيًا بينما ابتسمت بسنت ابتسامتها الباردة المعتادة وأكملت إحنا حرقنا السوق الفترة اللى فاتت وخسرنا جزء محترم من الأرباح علشان نسحب العملاء منهم لكن ده كان استثمار مش خسارة
اقتربت أكثر وهمست بثقة أول ما مخازن يامان تفضى بالكامل ويقف إنتاجهم أو يضعف بسبب نقص السيولة هنرفع الأسعار تانى بالتدريج
بدأت ابتسامة صقر تتسع ببطء بينما أكملت بسنت وهى تنظر إلى الأفق خلف الزجاج ساعتها البضاعة اللى اشتريناها منهم بالخسارة هتتباع بسعر السوق الطبيعى وبكده نعوض كل الخساير اللى حصلت لما حرقنا الأسعار
ساد صمت قصير داخل المكتب ثم انفجر صقر ضاحكًا وهو يصفق ببطء وقال شىء قذر جدًا يا بسنت
ابتسمت دون خجل وقالت التجارة القوية عمرها ما كانت نظيفة
وقف صقر بعدها واتجه نحو النافذة وهو ينظر إلى المدينة أسفل البرج ثم قال بهدوء يعنى إحنا كده بنخليهم يبيعوا روحهم بإيديهم
ردت بسنت وهى تشعل سيجارة جديدة بالظبط تالا فاكرة إنها بتنقذ الشركة لما تفرغ المخازن وتدخل سيولة لكن الحقيقة إنها بتسلمنا السوق كله بنفسها
سكت صقر لحظة قبل أن يسألها ولو اكتشفت؟
ضحكت بسنت هذه المرة بصوت واضح وقالت اكتشفت إيه؟ إن فيه شركة بتشترى بضائعهم؟ ده شيء قانونى ولا إن السوق كله بيتلاعب ببعضه؟ دى أول قاعدة فى البيزنس أصلًا
ثم اقتربت منه ببطء وهمست قرب أذنه تالا ذكية بس لسه عاطفية زيادة عن اللزوم ولما الإنسان يخاف على الناس اللى حواليه بيبدأ يتنازل خطوة ورا خطوة من غير ما يحس
مد صقر يده يمسك ذقنها بخفة وهو يبتسم ثم سألها وأنتى؟ بتخافى على حد؟
اختفت الابتسامة من فوق شفتيها للحظة قصيرة جدًا ثم ردت ببرود الخوف فى الشغل بيخسر
ظل صقر يراقبها ثوانٍ طويلة قبل أن يضحك بهدوء وقال أحيانًا بحس إنك أخطر منى يا بسنت
رفعت عينيها إليه بثبات ثم قالت عشان كده أنت محتاجنى
وفى تلك الليلة بدأت مخازن شركة صقر تمتلئ تدريجيًا ببضائع شركة يامان بضائع خرجت من أصحابها بثمن منخفض تحت ضغط الأزمة بينما كانت تنتظر بصمت اللحظة التى تعود فيها الأسعار للارتفاع من جديد وقتها فقط سيبدأ الربح الحقيقى للحرب كلها

بدأت الأيام تمر بصورة أثقل من المعتاد داخل شركة يامان بعدما تحولت الصفقة الثانية إلى مجرد مسكن مؤقت لا أكثر لأن الأزمة الحقيقية لم تكن فى خروج جزء من البضائع من المخازن بل فى قدرة الشركة على الاستمرار أصلًا وسط النزيف المالى المستمر الذى يلتهم كل شىء ببطء شديد
كانت المرتبات تقترب من موعدها والموردون يطالبون بمستحقاتهم وخطوط الإنتاج التى أوقفتها تالا جزئيًا تحتاج إلى إعادة تشغيل سريع قبل أن تنهار المنظومة بالكامل وتتحول الشركة إلى مبنى ضخم بلا روح
كل ليلة تقريبًا كانت تالا تبقى وحدها داخل مكتب يامان حتى ساعات الفجر الأولى تراجع الأرقام وتعيد حساب كل شىء من جديد وكأنها تحاول إجبار الواقع على إنتاج حل مختلف لكن كل الطرق كانت تنتهى عند نفس الحقيقة المخيفة
الشركة تحتاج صفقة كبيرة وسريعة وإلا ستعود للاختناق خلال أسابيع قليلة مهما حاولت المقاومة
ولهذا بدأت تنتظر اتصال العميل الغامض كما لو كان المنقذ الأخير
كانت تراقب هاتفها أثناء الاجتماعات وأثناء نزولها للمخازن وحتى أثناء مرورها بين العمال لكنها لم تتلقَ أى اتصال
مر يوم كامل
ثم يوم آخر
والرجل اختفى تمامًا وكأنه تعمد تركها معلقة بين الأمل والخوف
فى مساء اليوم الثالث جلست تالا داخل المكتب وهى تضغط أصابعها فوق الطاولة بعصبية واضحة ثم أغلقت عينيها للحظات طويلة قبل أن تلتقط الهاتف أخيرًا وتطلب رقمه بنفسها رغم أن كبرياءها كان يرفض ذلك تمامًا
وفى نفس اللحظة تقريبًا كان صقر المرشدى يجلس داخل مكتبه الزجاجى الواسع فى أعلى البرج بينما بسنت تستند إلى ذراع المقعد بجواره وهى تدخن بهدوء وتراجع بعض تقارير السوق
رن الهاتف أمامه فنظر إلى الشاشة ثم ظهرت فوق شفتيه ابتسامة بطيئة قبل أن يغمز بسنت بعينه هامسًا
الأمورة وقعت
ابتسمت بسنت دون دهشة كأنها كانت تنتظر تلك اللحظة منذ البداية ثم التقطت قلمًا بسرعة وكتبت فوق ورقة صغيرة جملة قصيرة بخط واضح
هنشترى البضاعة كلها
رفع صقر الورقة أمام عينيه وضحك بخفة قبل أن يجيب الاتصال بصوته الهادئ المتخفى
جاءه صوت تالا متماسكًا رغم الإرهاق الواضح داخله وهى تسأله إن كان ما زال مهتمًا باستكمال التعاون بينهم لأن الشركة مستعدة لتقديم تسهيلات أكبر هذه المرة إذا كان جادًا فى التوسع
استمع صقر إليها بهدوء شديد ثم قال إنه كان ينتظر الوقت المناسب فقط وإنه بالفعل مستعد لشراء كل البضائع الموجودة داخل مخازن الشركة بالكامل تقريبًا وبنفس أسعار الصفقة السابقة
شعرت تالا للحظة أن الهواء عاد إلى صدرها من جديد لأن صفقة بهذا الحجم تعنى إنقاذًا حقيقيًا للشركة
تعنى سيولة تكفى للمرتبات
وتعنى استمرار خطوط الإنتاج
وتعنى وقتًا إضافيًا للبقاء وسط تلك الحرب القذرة
لكن قبل أن توافق طلب الرجل أن يتم الاتفاق النهائى خلال عشاء هادئ بعيدًا عن ضغط الشركة والموظفين لأن التفاصيل تحتاج إلى نقاش مباشر
صمتت تالا لحظة طويلة لأن الطلب لم يعجبها أبدًا لكنها كانت محاصرة من كل اتجاه وفى النهاية وافقت بصوت منخفض بعدما أقنعت نفسها أن المهم الآن هو إنقاذ الشركة فقط
فى تلك الليلة جلست تالا أمامه داخل مطعم هادئ يطل على النيل بينما الأضواء تنعكس فوق المياه السوداء فى الخارج
كان الرجل ما يزال يرتدى مظهره الهادئ نفسه
النظارة الطبية،والبدلة الرمادية
وطريقته البطيئة فى الكلام وكأنه شخص مختلف تمامًا عن رجال الأعمال المعتادين،لكن مع مرور الوقت بدأت تالا تلاحظ تفاصيل صغيرة لم تنتبه لها سابقًا
ثقته الزائدة،طريقته فى مراقبة المكان
أسلوبه فى الحديث عن السوق وكأنه يعرف كل خباياه من الداخل،حتى نظرته أحيانًا كانت تبدو مألوفة بصورة تزعجها دون أن تعرف السبب الحقيقى وراء ذلك الشعور
تحدث الرجل طويلًا عن التعاون المستقبلى وعن إمكانية تحويل العلاقة بين الشركتين إلى شراكة ممتدة بينما كانت تالا بالكاد تسمعه لأن عقلها كان مشغولًا فقط بفكرة واحدة
إنقاذ الشركة بأى طريقة حتى لو اضطرت إلى تقديم تنازلات لم تكن تتخيل يومًا أنها ستقبل بها
وفى نهاية العشاء وقعت الاتفاق المبدئى أخيرًا بعدما شعرت أنها لم تعد تملك رفاهية الرفض أو التأجيل
عادت إلى الشركة ليلًا مرهقة بصورة تكاد تسحقها بالكامل
دخلت المبنى بخطوات بطيئة بينما أغلب الأدوار كانت فارغة إلا من بعض الموظفين المتأخرين،وكان الصمت داخل الممرات خانقًا بصورة غريبة،وفور دخولها المكتب لمحها عامل البوفيه العجوز وهو يقترب منها بتردد واضح ثم همس بصوت منخفض،هو الراجل ده قريبك يا أستاذة تالا؟
رفعت عينيها إليه باستغراب وسألته تقصد مين؟
رد الرجل بسرعة،العميل الجديد اللى بيجيلك المكتب كل شوية،ضيقت تالا عينيها أكثر وسألته لماذا يسأل أصلًا
حك الرجل رأسه فى ارتباك ثم قال إنه أول مرة شافه افتكره شخصًا آخر لكن بعدما ركز معه أكثر بدأ يشعر أنه يعرفه بالفعل،شعرت تالا بشىء بارد يمر داخل صدرها فجأة فسألته بسرعة،تعرفه منين؟،ابتلع الرجل ريقه ثم قال بتوتر
مش متأكد،بس حاسس إنه هو نفسه الراجل الكبير صاحب شركة المرشدى، صقر المرشدى
تجمدت تالا مكانها بالكامل كأن الكلمات ضربتها مباشرة فى وجهها،ضحكت بسرعة محاولة تكذيب الفكرة وقالت إن ذلك مستحيل وإن الرجل مختلف تمامًا عن صقر
لكن عامل البوفيه هز رأسه ببطء ثم قال إنه ظن ذلك فى البداية أيضًا لأن الرجل غير ملابسه وطريقته وحتى صوته قليلًا لكن العين لا تتغير،وأضاف أنه رأى صقر المرشدى أكثر من مرة قديمًا أثناء اجتماعاته مع يامان ولذلك مستحيل أن يخطئ فيه بسهولة،بدأ قلب تالا يدق بعنف وهى تستعيد كل اللقاءات السابقة داخل عقلها دفعة واحدة، هدوؤه
أسئلته،طريقته فى مراقبة الشركة،وإصراره الغريب على شراء البضائع كلها،وفى تلك اللحظة فقط شعرت أن شيئًا أكبر بكثير كان يتحرك حولها طوال الوقت بينما هى لم تكن تراه أبدًا
تعليقات



<>