رواية هاربة ام خائنة بقلم داليا السيد
رواية هاربة ام خائنة الفصل الثامن عشر18 بقلم داليا السيد
حريق
بالطبع أسرع الجميع إلى المشفى والتقى هو بخطاب وهي بنيرة وجينا والكل كان في حالة من الفزع والخوف والقلق
خطاب واجه ياسين على الفور "لولا الحرس لفقدناهم ياسين النيران، كادت تلتهمهم"
ظل ثابتا رغم ما كان ينتشر داخله من غضب لأنه رغم شعوره بالقلق وإرسال الحراسة إلا أنه لم يحمي أخيه
"هل تخبرني ماذا حدث بالضبط خطاب؟"
ابتلع خطاب ريقه.. وجهه الشاحب عنى أنه أب قلق على ابنته قبل أن يكون حارس شخصي لياسين
"الرجال أخبرتني أن سيارة حاولت التضييق على ظافر وقد حاول الحرس التصدي لهم ولكن ظافر تفاجأ بسيارة نقل كبرى بمواجهته، لم يمكنه تفاديها خاصة بعد أن أطلق أحدهم الرصاص على سيارته مما أصاب الإطار الخلفي وانقلبت بهما السيارة واشتعلت بها النيران والرجال أخرجتهم منها بعد فرار السيارات المهاجمة"
ظل صامتا وهو يسمع خطاب ثم قال "هل أخبرك أحد بحالتهم؟"
هز خطاب رأسه بالنفي وملامحه ظلت جامدة وهو يجيبه "لا، ليس بعد"
نفخ بقوة ومرر يده بشعره مبتعدا عن خطاب وذهنه مشوش وأفكاره غير مستقرة والغضب من المجهول الذي يحاربه دون أن يستطيع أن يكشفه
شعر بيد على كتفه فالتفت ليراها، تمنحه نظرة يفهمها، تخبره أنها معه، بجواره، وأن كل شيء سيكون على ما يرام
أغمض عيونه ولم يتحدث...
خرج الطبيب فأسرع الجميع تجاهه وخطاب يسأل بلهفة فلتت منه رغما عن عسكريته المفرطة "ابنتي يا دكتور، ابنتي كيف حالها؟"
منحه الطبيب اهتمامه وقال "هي بخير، جرح بسيط بالرأس وكدمات بالذراع والساقين"
هتفت جينا بدموع ولهفة "وأخي يا دكتور، أخي ماذا حدث له؟"
نظر الطبيب لها وقال "حالته صعبة، كسر بالضلع الأيمن، وإصابة بالغة بالظهر ستمنعه من الحركة شهر على الأقل وبعدها سيحتاج لعلاج طبيعي، جروح سطحية وكدمات بالطبع"
كاد الطبيب يتحرك عندما شهقت جينا بألم وأمسك ياسين ذراع الطبيب وقال "أنت لا تعني أن أخي لن يستطيع أن يسير على قدميه؟"
نظر له الطبيب وقال "لا، لم أعني ذلك يا فندم الإصابة بحاجة للراحة والعلاج الجيد وعدم الحركة حتى ترتد الفقرات لمكانها وبعدها العلاج الطبيعي سيعيده لطبيعته"
أفلت الطبيب ذراعه من قبضة ياسين الذي ظل يحدق بالفراغ بينما انهارت جينا بالبكاء وشعر هو بيدها تقبض على ذراعه فنظر إليها وقال "أنا بخير"
ثم ابتعد وهي تعلم أنه لن يحتاج الآن إلا لنفسه ولكنها تبعته بعناد حتى رأته يخرج أمام باب المشفى حتى وجد حديقة صغيرة تحرك إليها تحت ظلام الليل ووقف وحيدا وقد احتاج أن يستنشق بعض الهواء وهو يقاوم دموع حزن تصدرت مقلتيه فظافر أخيه، ابنه بل سند له ورفيق طريق طويل، لم يفكر يوما ألا يكون بحياته وإنما هو معه للأبد، حتى عندما خانه لم يقبل بما فعل وأعاده له ولم يسحب ثقته منه و..
يد لمست كتفه فأعادته للواقع وهو يعلم أنها هي وهي تقول "سيكون بخير"
لم ينظر لها وهو يخفي عيونه دون أن يرد فتحركت لتقف أمامه كاد يبتعد ولكنها أوقفته وقالت "أنا يسر ياسين زوجتك لن تفر مني"
وأخيرا ثبتت عيونه عليها ورأت تلك الدموع السجينة داخل عيونه فرفعت يدها لوجنته كما أحبت أن تفعل وقالت "لن تخفي حزنك عني حبيبي فأنا أولى به من العالم كله"
ابتعد من أمامها ومسح دموعه وقال "ظافر ابني يسر، ربما لا أعرف كيف أعبر له عن مشاعري تجاهه ولكنه ابني"
لم ترد فالتفت إليها ولمعت الدموع بعيونه وهو يقول بألم "كنت عندما أحصل على مكافأة بالمدرسة وأعود بها للمنزل يراها ويسرع ليأخذها ويقبلني بسعادة وهو يقول، أحب هداياك أخي فتعلمت أن أشتري له الهدايا من مصروفي لاستمتع بسعادته عندما يقابلني، وعندما كان يتشاجر مع أحد كان يهدد الجميع بي وليس بأبي ويخبرهم أن ياسين سيمزقهم من أجله وقد كنت أفعل من أجل سعادته"
ابتعد وأكمل "عندما نضج أكثر ولاحظ أنني أتفوق بدراستي عنه بدأ يغضب فتعمدت كثيرا الفشل باختباراتي كي لا يشعر بأنه أقل مني، حتى عندما وجدت أنه يريد الأرض تركتها له وبحثت عن طريق آخر لا يجعلني أخسر أخي الوحيد لأنه بالنسبة لي كان ابني، بابا لم يهتم بنا وكانت حياته الأموال والحصول عليها ربما لأن الأموال كانت تعني له كل شيء لكن أنا لا، كل ما اهتممت به هو أن أجد جينا تنتظرني بابتسامتها وظافر ينتظر هديتي، الثراء لم يكن هدفي يسر فقط النجاح ولكنه لم يأخذني من أخي أو أختي لم أقصر معهم صدقيني لم أقصر تجاههم ومع ذلك ظافر يضيع مني، أخي الوحيد يضيع"
لم يمكنها إلا أن تتحرك إليه وتضمه إليها وقد امتلأت عيونها بالدموع ودفن هو رأسه بأحضانها وأغمض عيونه تاركا دموعه تنساب وتواسيه على أحزانه
استعاد نفسه وابتعد وهو يمسح دموعه وقال "دعينا نعود"
أمسكت ذراعه وقالت "الغضب لن يمنحك الصواب ياسين لابد أن تهدأ لتجيد التفكير فهل تتمالك نفسك وتهدأ"
كان يعلم أنها على حق فهز رأسه وأحاطها بذراعه وقال "سأفعل، هيا لنعد الجو برد عليك"
ولكن قبل أن يتحركا رن هاتفه فأخرجه ليرى اسم سالم فأجاب ليجد الرجل يهتف به بفزع "مصيبة يا أستاذ ياسين، مصيبة"
نظر لها وقد رأت اسم سالم وسمعته يرد "ماذا حدث سالم؟ تحدث يا رجل"
أجاب الرجل "النار اشتعلت بالمطعم والمطافئ تحاول إطفاءها دون جدوى"
مرر يده بشعره وقال "وما سببها؟ وهل هناك إصابات بالأرواح؟"
قال الرجل بنفس الفزع "لا توجد إصابات، الحريق بدأ بالمطبخ ولا نعرف سببه وفر الجميع قبل أن يصاب أحد، الشرطة هنا ولا أعلم ماذا أفعل"
أغمض عيونه وهو يحاول أن يفكر لحظة ثم فتحها وهو يرى نظرات الفزع بعيونها فقال "سأرسل لك من يتولى الأمر لن يمكنني الحضور سالم"
أغلق الهاتف ونظر إليها فقالت تحثه على الحديث "تكلم ياسين، ماذا حدث؟"
قال وهو لا يعلم ماذا يحدث لهم "المطعم يحترق يسر"
ظلت صامتة لحظة قبل أن تخفض رأسها دون أن ترد وهي لا تعلم بماذا تفكر أو ماذا تفعل عندما شعرت بيده على ذراعها فرفعت عيونها إليه فقال "لا أعرف ماذا يحدث، هناك من يحاول تدميرنا يسر"
هزت رأسها وقالت "لا داعي للتفكير بالمطعم ياسين المهم ظافر أكيد سالم ورجالك سيتولون الأمر لندخل"
أوقفها بيده فلم تنظر له فاقترب منها وقال "أنا آسف يسر أنا"
وضعت يدها على فمه وقالت بعيون صادقة "لا تفعل ياسين، أنت لم تقصر بشيء الشر يأتي من حيث لا ندري ولن يمكننا توقعه أو إيقافه، المهم أننا معا ياسين وأي شيء بعده يمكن تعويضه"
أمسك يدها وقبلها واحتضنها مرة أخرى
لم تتحدث وهي تدرك أن كل ما يصيبهم شر ولا تعلم من أين يأتي ومن وراؤه ولكن ما تعلمه أنها أصبحت تخاف أكثر وأكثر..
بمنتصف اليوم التالي كانت أمل أفضل حالا ولكنها بالطبع حزينة من أجل ظافر الذي خرج لغرفة عادية ولكنه بدا متعبا جدا كما تملكه الحزن بسبب ظهره وظلت جينا معهم واختفى ياسين بالطبع بعد اطمئنانه على ظافر وإن فر من رؤية أخيه بتلك الحالة
لم تبقى جينا وظلت هي مع ظافر حتى عاد ياسين، نظر لها بدهشة وقال "أين جينا؟"
قالت بصوت منخفض كي لا توقظ ظافر "رحلت كانت متعبة"
حدق بها بضيق وقال "كان عليها أن تبقى معه لا أنت"
لمست ذراعه بيدها وقالت "هي متعبة ياسين لم تنم من الأمس و"
قاطعها بقوة "وأنت أيضا يسر، وهو ليس أخيك ووجودك بمفردك هنا ليس صواب كان عليها البقاء على الأقل حتى أعود"
حاولت أن توقف غضبه فقالت "هل تهدأ؟ هو نائم ياسين وخطاب كان هنا وأمل أيضا لم أكن بمفردي"
حدق بها ثم أبعد وجهه وقال "المطعم انتهى يسر، النار أتت عليه كله"
نظرت له بصمت ولم ترد فعاد إليها وقال "أنا السبب"
اندهشت من كلماته فابتعد وقال "ذلك الرجل الذي طعنني بالسكين كان من رجال رجل اسمه سعيد طارده رجالي حتى فر واختفى وما أن رحلت حتى أراد الانتقام لموت رجله فأحرق مطعمك"
ابتعدت وقالت "إذن أنا السبب ياسين فهل تهدأ"
أوقفها وقال "أنت؟"
جلست بتعب وقالت "نعم، أنا من أخبرك بالرجل ولولا ذلك ما طاردته وما مات"
جلس أمامها وقال "ليس صحيح"
قالت بصدق "وأنا لا يعنيني الأمر ياسين فقد احترق وانتهينا فعلى ماذا نبكي؟ ستبني الفندق ويكون أفضل مائة مرة"
ظل ينظر لها بصمت وهي لا تتحدث ثم انحنى تجاهها وقال "لا أجد كلمات أرد بها يسر، أنت تبسطين الصعب"
قالت بهدوء "لا ياسين أنا أنطق بالصواب فهل تكف عن لوم نفسك لأنه لن يجدي نفعا فقط فكر كيف توقف كل ذلك، بالأساس ما سببه ومن وراؤه فقد اكتفينا ياسين من فعل كل ذلك بنا كاد يدمر حياتي وحياتك ولن تتركه يفعل"
تراجع بالمقعد وهز رأسه وقال "نعم معك حق، تبدين أفضل تفكيرا مني بالمصائب يسر"
قالت بنفس الهدوء رغم أحزانها الكثيرة "لأني لا أسمح بالغضب أن يأخذني ياسين ولأني أهتم بحياتك وأخاف عليك"
ابتسم رغم كل شيء وقال "وكأنك لست المطلوبة يسر"
ظلت تنظر له وقالت "لأن إصابتي لا تعنيني بشيء ولن تؤلمني بقدر ما سيؤلمني أن يصيبك أي مكروه ياسين فلا معنى للحياة بدونك أخبرتك ذلك كثيرا"
انحنى وأمسك يدها وقال "تجعليني صغير جدا بكلماتك هذه"
وضعت يدها الأخرى على يده وقالت "ولكنك كبير جدا بنظري ياسين، كبير لدرجة لن تتخيلها"
قبل يدها بقوة وقال "وأنا أحبك جدا يسر، أحبك لدرجة أني لا أتصور الحياة لحظة بدونك"
ابتسمت بسعادة وقالت "حبك هدية من الله ياسين هدية أغلى من الحياة نفسها"
هدأت نفسه بكلماتها وشعر أن عليه التفكير جيدا قبل اتخاذ أي قرار، بالصباح كان ظافر أفضل حالا وبالطبع وصلت أمل مع والدها الذي انفرد بياسين فقال ياسين "أمر ظافر يختلف عن المطعم بالتأكيد"
قال خطاب "أدركت ذلك ياسين، من أين نبدأ؟"
نظر له بقوة وقال وهو يمد له كارت "من هنا، سيف أرسل باقة ورد وعليها هذا الكارت وهذا يعني أنه وراء ما أصاب ظافر وليس له سوى رد واحد خطاب وأنت تعلمه"
هز خطاب رأسه وقال بغضب واضح "ولن يوقفني عنه شيء إنها ابنتي وخطيبها ياسين لم يكن عليك تركه يرحل"
أخفض رأسه لحظة وقال "منحته فرصة لإثبات حسن النية خطاب لكنه أبى إلا الوجه الأسود لي فامنحه له، خطتي ستعيده هنا أنا متأكد أن سيسعى للفوز طالما أنا الخسارة"
حدق به خطاب وقال "تلقي بنفسك كطعم له"
قال دون تراجع "لا يهمني خطاب المهم أن يعود"
نظر خطاب بعيونه وقال "القانون ياسين، القانون هو من سيحاسبه لن نلعب بنفس لعبته الدماء ليست طريقنا"
هز رأسه بالإيجاب وقال "لم ولن أفعل خطاب الخطة معك وأنت تعلمها وأنا لن أتجاوز"
ربت خطاب على كتفه وقال "أنت بحاجة للراحة ياسين، ظافر سيكون بخير وكلنا معه فهل تذهب للبيت وترتاح قليلا؟"
نظر له بصمت لحظة عندما خرجت يسر وقالت "ياسين ظافر يسأل عنك"
ترك خطاب ودخل ليرى أخيه الذي قال "أين أنت أخي؟"
اتجه له ووقف بجواره حيث نهضت جينا لتفسح له فقال "مع خطاب ظافر هل أنت بخير؟"
أمسك ظافر يد ياسين وقال "نعم أخي أنا بخير لولا الرجال الذين أرسلتهم خلفي لكنا بعداد الأموات أنت ملاكي الحارس ياسين"
ابتسم وداعب شعر أخيه وقال "هل تشعر بألم؟"
لم تذهب ابتسامة ظافر وقال "لا أخي أنا بخير لكن تلك المرأة زوجتك هي المتعبة ولن ترحل للبيت بدونك فهل تأخذها وتذهب كي ترتاح ثم تعودا بمظهر أفضل من ذلك"
ضحكت جينا بينما نظر هو لزوجته وانتبه بالفعل لمظهرها المتعب وهو أيضا ولكنه قال "معك حق سأعيدها البيت وأعود إليك"
أمسك ظافر يده وقال "لن تفعل، لا تعود إلا وهي معك الجميع هنا ياسين وأنا بحاجة لك وأنت أفضل من ذلك فهل تذهب وترتاح أنت أيضا؟ من أجلي أخي"
نظراته لأخيه كانت تعني الكثير فهز رأسه وقال "حسنا، جينا لن نتأخر لا ترحلي قبل عودتي"
هزت رأسها فتحرك هو وهي للخارج في صمت لم يقطعه أيا منهما وقد بدا التعب على كلاهما حتى دخلا غرفتهم، تحركت لتخلع ملابسها عندما رأته يجلس على أقرب مقعد ويغمض عيونه ويسند رأسه بأصابعه فاتجهت له وركعت على الأرض بجواره وأمسكت يده فنظر لها وقال "يسر هل تنامي؟ أنت متعبة"
ظلت تحتضن يده بيدها وقالت "لن أنام بدونك"
نهض وتحرك إلى النافذة ووقف أمامها وقال "لا أريد النوم الآن"
تحركت تجاهه وأحاطته بذراعيه وأسندت رأسها على ظهره وقالت "وأنا سأنتظر معك حتى تفعل"
أدرك ما تحاول فعله وأنها لا تريد تركه ولكنه يشعر كالتائه لأول مرة لا يعرف من أين تأتيه الضربة وكيف يوقفها وكيف يحمي من منه؟
التفت وهو يمسك يديها ليعيدها أمامه ونظر بعيونها وقال "من فضلك يسر دعيني وحدي أحتاج للتفكير"
وضعت رأسها على صدره وقالت "لن تفكر وأنت متعب، تعالى لتنام أولا ثم بعدها افعل ما شئت"
ضمها إليه لحظة ثم أبعدها وقال "لا أريد فقط اذهبي ودعيني"
رفعت وجهها إليه وقال بحنان "لن أفعل" ثم رفعت يدها لوجهه وأكملت "لن أتركك أبدا ياسين لن أتركك لآخر يوم بحياتي"
أمسك يدها وقبل راحتها ثم انحنى وقبلها قبله طويلة لم تنتهي إلا وهو ينام بهدوء بين ذراعيها وقد منحته من الحب والحنان ما سكنت به نفسه وتوقف عقله عن التفكير فنام مطمئنا لوجودها بجواره وهي تداعب شعره وتتابع أنفاسه والدموع تنهار على وجنتيها لم أصابهم وما يمكن أن يصيبهم فيما بعد..
