رواية قلب الجبل الفصل العاشر10 بقلم فاديه النجار
في سجن النساء بمديرية أمن قنا
كانت العتمة والبرودة هما السائدين في الزنزانة الضيقة. مايسا كانت قاعدة في الركن، ضامة رجليها لصدرها، عبايتها القطيفة الفاخرة اتبهدلت بالتراب، ووشها اللي كان دايماً مفرود بالكبرياء والغطرسة، عاد شاحب ومخطط بالدموع الناشفة وسواد الكحل اللي ساح على عينيها.
صوت قفل الباب الحديدي ورزعة المفتاح في إيد السجانة كان بيعمل صدى جوة دماغها زي دقات الساعة اللي بتعلن نهايتها. بصت حواليها لقت نساء بملابس بيضاء دبلانة، نظراتهم ليها كانت بين الشماتة والاستغراب.
مايسا صرخت بصوت مخنوق وهي بتضرب الأرض بإيدها: "أنا مايسا عبد القوي! أنا الهانم بنت الأكابر! كيف ترموني في المخروبة دي مع الخلج دول؟ يا عبد القوي.. يا جبل.. يا عاصم يا ولد بطني.. بعتوني؟ بعتوني للحبس والكلبشات؟!"
دخلت عليها السجانة بغلظة وهزت كرباجها في الهوا: "اسكتي يا حُرمة منك ليها! هنا مفيش هوانم ولا أكابر.. هنا كله زي بعضه، أحمدي ربنا إن قضيتك شروع في قتل وحريق عمد مش إعدام واصل! نامي على برشك وانكتمي!"
انكمشت مايسا في ركنها، والغل في قلبها عاد يغلي زي البركان. مكنتش ندمانة على اللي عملته، كانت ندمانة إن خطتها فشلت وإن "سلطان" طلع ندل واعترف عليها. همست بفحيح وعينها بتلمع في الضلمة: "والله ما هسيبك يا قلب.. والله ما ههنيك بـ جبل ولا بقصره.. لو خرجت من هنا عاد هحرق قلبك بجد، والمرة الجاية مش هغلط غلطة سلطان."
---
في قصر الجبالي
كان الوقت مغرب، والشبابيك الكبيرة مفتوحة بتدخل هوا الجبل الطراوة. الشيخ "عبد القوي" جه بنفسه ومعاه كبار عائلته عشان يطيب خاطر جبل وعمر، ويأكد إن عيلته ملهاش يد في اللي عملته مايسا.
عبد القوي كان قاعد منكس الراس، وماسك سبحته بيفرك حباتها بقهر. بص لجبل وقال بصوت يملأه الحزن: "يا جبل بيه.. أنا جيتلك لحد دارك عشان أقولك إن عبد القوي بريء من عملة مايسا. الحرمة دي متبقاش خيتي من اللحظة دي.. هي اختارت طريق المطاريد والدم، والقانون ياخد مجراه معاها، وأنا مش هحط لها محامي واصل، ولا هعتب باب سجنها."
جبل وقف بكل هيبته، وقرب من الشيخ عبد القوي وأخد بإيده وقعده في صدر المندرة: "يا حاج عبد القوي.. إنت راجل صاحب واجب ومقامك على راسي من فوق. مايسا عملت عملتها وشالت ذنبها، وإحنا عارفين إنك راجل حقاني. نسبنا مقطوعش، عاصم والبنات هما ولاد أخوي وولاد بنتك، والدم ميبقاش مية. الشر انزاح، والحمد لله إن ربنا سترها على الدار وأهلها."
عمر اتكلم وهو بيصب القهوة السادة للضيوف: "عفارم عليك يا حاج عبد القوي.. ده العشم فيك وفي أصلك الطيب. البلد كلها عرفت إن الجبالي مبيظلمش، بس كمان مبيفرطش في حقه."
بص جبل لعاصم اللي كان واقف ورا كرسيه بثبات، وبان في عيون عاصم نظرة شكر وامتنان لعمه جبل، لأنه محملوش ذنب أمه، وحافظ على كرامته قدام أهل البلد.
---
في الجناح
كانت "قلب" قاعدة في البلكونة الكبيرة الباصصة على الجنينة، الهوا كان بيطير خصلات شعرها الذهبي الناعم، وكانت لابسة فستان ستان رقيق بلون السماء الصافية. في إيدها كوباية شاي بالنعناع، وعينها سرحانة في النجوم اللي بدأت تظهر في السماء.
دخل جبل الأوضة بخطواته الرزينة، قلع عبايته الصوف ورماها على الكرسي، وبقى بالجلباب الأبيض الخفيف. بص عليها وابتسم ابتسامة دافية مطلعيتش من قلبه لغيرها. قرب من وراها، وحط إيديه على كتفها وباس راسها بحنان.
قلب اتنفست براحة ولفّت راسها تبص له: "خلصت القعدة تحت يا جبل؟"
جبل قعد على الكرسي اللي جنبها وأخد إيدها الصغيرة بين كفوفه الكبيرة الخشنة: "خلصت يا قلب الجبل.. الحاج عبد القوي جه وطيب الخواطر، وعاصم ولد أخوي أثبت للكل إنه راجل بجد ومبيقبلش العوج. عاد بالي مرتاح، ومفيش ورايا غيرك."
قلب ابتسمت بخجل، ونزلت عينيها في الأرض: "أنا مبسوطة عشان عاصم والبنات.. ومبسوطة أكتر إنك جنبي وسليم."
جبل رفع وشها بصابعه برقة، وبص في عينيها الزرقا الصافية: "إنتي لساتك خايفة يا قلب؟ لساتك حاسة إن بلدنا دي غريبة عليكي وصعبة؟"
قلب هزت راسها بالنفي، ودمعة رقيقة لمعت في عينها: "لأ يا جبل.. في الأول كنت خايفة من كل حاجة.. الشبه البيننا، العادات، الصوت العالي، والضرب اللي حصل امبارح. بس لما دخلت في حضنك، ولما شفتك واقف زي الجبل بتحميني وتحمي بنتك حبيبه وعيال أخوك، عرفت إن الأمان مش بالمكان.. الأمان هو إنت. أنا بحبك يا جبل."
الكلمة نزلت على قلب جبل زي المطر اللي روى أرض عطشانة من سنين. عينيه وسعت وبان فيها لمعة عشق قوية. شدها من إيدها بهدوء لحد ما وقفت، وضّمها لمركزه، ودقّات قلبه السريعة كانت مسموعة ليها بوضوح.
جبل بصوت رجولي دافي فيه بحة عشق: "قوليها تاني يا قلب.. قوليها وعلي صوتك عشان الجبل يسمعها ويهتز ليها. أنا عشت عمري كله بحارب الواجب والمشاكل والمسؤولية، ومكنتش أعرف إن ربنا شايل الكنز ده كله ليا في الأخر. إنتي مش بس مراتي.. إنتي النور اللي نور عتمة سنيني."
قلب لفت دراعاتها حوالين رقبته، ودفنت وشها في صدره العريض وهي بتضحك بدلع قاهري: "بحبك وبموت فيك يا جبل الجبالي.. ويا ويلك لو زعلتني في يوم."
جبل شالها بحنان وضحكته الرجولية الصافية مالت الأوضة: "أزعل قلب الجبل؟ ده أنا أقطع رقبتي ولا أشوف في عينيكي دي لمحة زعل واصل. الليلة دي عاد ليلتنا الحقيقية، ليلة الفرحة اللي ملهاش آخر."
---
في صباح اليوم التالي
شمس الصباح طلعت منورة، والطيور كانت بتغرد في الجنينة. فرح كانت واقفة في المطبخ الكبير بتشرف على الفطار الصعيدي الملوكي (فطير مشلتت، عسل، قشطة، واجبان).
نزلت قلب من على السلم وهي بتضحك، ووجها منور وزي البدر، ووراها جبل اللي كان لابس جلبابه الصعيدي الفاخر وواضع شاله على كتفه، وهيبته تملأ المكان.
ريم ورنا جريوا على قلب: "قلب! قلب! شوفتي عاصم جاب لنا إيه؟ جاب لنا كشاكيل تلوين جديدة وجوايز عشان نجحنا في الحساب!"
قلب نزلت لمستواهم وضمتهم: "مبروك يا حبايب قلبي.. يلا نفطر سوا، وبعدها أنا هقعد معاكم ونلون كل الكشاكيل دي."
حبيبه.. قلب حبيبتي
قلب.. انتي الي حبيبه قلبي من جوي حملتها ووضعتها علي رجلها
عاصم دخل من الباب الخارجي وبص لعمه ولقلب، وسلم عليهم باحترام ووقار: "صباح الخير يا عمي.. صباح الخير يا مرت عمي."
جبل طبطب على ضهر عاصم بفخر: "صباح النور يا زين رجال الجبالي.. جهز نفسك عشان بعد الفطار هننزل سوا الإسطبلات نشوف الخيل ونتابع تصليح المخازن، البلد عاد لازم تعرف إن عاصم الجبالي هو دراعي اليمين."
ابتسم عاصم بثقة، وقعدوا كلهم حوالين طبلية الفطار الكبيرة، والضحكة والفرحة رجعت لدار الجبالي بعد سنين من الجفاف والشر.
---
في سجن النساء بمديرية أمن قنا - وقت "الفسحة"
كانت شمس الظهر حامية وحارقة، بس المحبوسات كانوا بيتحركوا في حوش السجن الضيق المحاوط بجدران خرسانية عالية وسلك شائك. في ركن بعيد ومضلل، كانت مايسا قاعدة على حجر كبير، عينيها مبقتش تدمع عاد، لكنها اتحولت لقطعتين من الجمر الكاتم. كانت بتراقب السجينات بنظرات حادة، وبتفكر كيف تدير خيوط انتقامها وهي ورا الحديد.
قربت منها سيدة في الأربعينات من عمرها، وشها فيه علامات القسوة، واسمها "نعيمة الكحلاوية" - مسجونة في قضايا سلاح وتهريب ومحكوم عليها بمدد طويلة، وليها كلمة مسموعة وسط السجينات.
نعيمة قعدت جنب مايسا وطلعت سيجارة ولعتها ونفخت دخانها في الهوا: "مالك يا هانم؟ بقالك كام يوم واكلة نفسك والغل هيموتك؟ الدينا هنا مابتديش ضهرها للي يضعف.. عاد لازم تشدي طولك لو عايزة تعيشي وسط حريم السجن."
مايسا بصت لها بنظرة متكبرة ومجروحة في نفس الوقت: "أنا مضعفتش يا نعيمة.. أنا بس بفكر كيف أقطع رقبة الحرمة اللي كانت السبب في رميتي دي، وكيف أحرق قلب جبل الجبالي اللي هان اسمي ورماني للشرطة."
نعيمة ضحكت بمرارة وصوت أجش: "جبل الجبالي؟ يا مري! إنتي واصلة لراس الكبار قوي يا مايسا.. بس السجن ده مبيقفلش أبوابه على حد، واللي معاه قرش بيسير الجبال والبحور. إنتي براكي عيلة الجبالي.. يعني الدهب والفلوس واصلينك، والي معاه فلوس هنا.. يطول أي حد برة!"
لمعت عيون مايسا بخبث وشيطانها صحي في ثانية. قربت من نعيمة وهمست بصوت واطي: "قصدك إيه يا نعيمة؟ يعني أقدر وأنا هنا جوة الزنزانة أوصل للي برة وأنفذ اللي في راسي؟"
نعيمة غمزت بعينها ومالت عليها: "السجن ليه (أبواب) سحرية يا هانم. أنا ليا رجالة برة في الجبل، مطاريد من اللي مابيهابوش الموت، وبإشارة مني ومن قرشين حلوين من دهباتك اللي مخبياهم عند قرايبك، يقلبوا قنا واصل! قوليلي.. إيه اللي يبرد نارك؟"
مايسا ابتسمت ابتسامة صفراء مرعبة، وضوافرها غرزت في الحجر: "عايزة البت اللي اسمها 'قلب'.. مرته الجديدة الواكل عقله بيها. البت دي قاهرية، رقيقة وزي البسكوتة، مش بتاعة ضرب نار ولا جبل. لو اتخطفت واترمت في الجبل وسط الديابة.. جبل الجبالي هيموت في اليوم مية مرة، وكبريائه اللي هددني بيه هيتداس تحت الرجول!"
نعيمة نفخت الدخان وقالت بخبث: "الحكاية دي تعوز ترتيب ووعر (صعب)، ولازم نحدد ليلة يكون القصر فيها مفيهوش حراسة شديدة، ورجالتي هيعرفوا يتصرفوا. بس كله بتمنه يا بنت عبد القوي."
مايسا بقسوة وغل: "رقبتي والدهب كله فدا الحكاية دي يا نعيمة.. بس البت دي تتكسر، وجبل يركع ويترجاني عشان أدله عليهاهو ده الي هيبرد ناري "
---
في قصر الجبالي (بعد مرور أسبوعين)
كانت الحياة بدأت تاخد مجراها الطبيعي والهادي. جبل كان بيتحرك بهيبة وراحة، و"قلب" بدأت تتعود على تفاصيل القصر الصعيدي، وبقت تشرف على كل كبيرة وصغيرة بمساعدة فرح، والكل بقى يحبها لحنيتها وطيبتها اللي غيرت روح المكان.
في المندرة الكبيرة، كان جبل قاعد مع عمر وعاصم بيراجعوا حسابات الأراضي والمحاصيل.
عمر بص لجبل وقال بابتسامة: "الدار عاد ليها طعم تاني يا خوي.. ربنا يهنيكم ويجعل أيامكم كلها فضل وخير. عاصم ولد أخوك سادد في الأراضي والكل بيعمله حساب."
جبل بص لعاصم بفخر: "عاصم راجل ولد راجل يا عمر.. وأنا من بكرة هسلمه دفاتر الزمام بتاعة أراضي بحري كلها، عشان يبقى يده في الشغل علطول بعد دراسته."
عاصم وقف وشكر عمه باحترام: "ربنا يخليك لينا يا عمي، وتفضل دايماً سندنا وظلنا اللي بنتحامى فيه."
وفجأة دخل واحد من الخفر وهو بينهج: "جبل بيه! في مرسال جيه من مركز قنا.. المحامي بتاع عيلة عبد القوي باعت ورقة بيبلغكم إن جلسة المحاكمة بتاعة مايسا اتحددت الأسبوع الجاي، والنيابة وجهت لها تهمة رسمية بالاشتراك في جناية حريق عمد وشروع في قتل."
عاصم وشه اتغير للحظة، بس شد ضهره وبص لعمه. جبل أخد النفس وقال بحسم: "القانون ياخد مجراه.. إحنا مقفلناش باب الحق، والي يغلط يشيل شيلته. روح يا غفير وتابع مع المحامي."
---
طلعت قلب الأوضة لقت جبل واقف في البلكونة وعينه على الجبل، والهم ظاهر على ملامحه بعد خبر المحاكمة. قربت منه بخطوات رقيقة، ولفت دراعاتها حوالين وسطه من ورا، وسندت راسها على ضهره العريض.
جبل اتنهد ولف ليها، أخد وشها بين إيديه وباس جبينها: "صاحية وواعية يا قلب الجبل؟"
قلب بنبرة ناعمة مليانة حنية: "حسيت بيك يا حبيبي.. مالك؟ الغفير قال إيه تحت وزعلك؟"
جبل قعدها على الكنبة وقعد جنبها ومسك إيدها: "مفيش زعل واصل يا قلب.. بس المحاكمة بتاعة مايسا اتحددت. أنا مش زعلان عليها، هي تستاهل، بس شايل هم عاصم والبنات.. السيرة في البلد مابترحمش، والناس هتحكي وتقول أمهم في السجن."
قلب طبطبت على إيده بحب ووعي: "عاصم بقى راجل يا جبل، وهو عارف إنك معملتش حاجة غلط، وإنت حاميته وحميت أخواته. والبلد كلها عارفة مقام جبل الجبالي. متشلش هم.. طول ما إحنا ايد واحدة، مفيش كلام هيأثر فينا."
جبل بص في عينيها وحس إن كل همومه بدوب قدام رقتها: "إنتي منين جيتيلي بكل الحنية دي يا بنت مصر؟ ده أنا لو لفيت الدنيا مكنتش هعثر على 'قلب' تطيب جراحي كيفك."
قلب ابتسمت بدلال ودفت راسها في صدره: "أنا جيت عشان أكون أمانك يا جبل.. زي ما إنت أماني."
شالها جبل بحب وتوجهوا للداخل، والهدوء لف الأوضة، بس برا الجدران دي.. كانت خيوط المؤامرة بتاعة مايسا ونعيمة الكحلاوية بدأت تتغزل في الضلمة.
---
في سجن قنا (ليلاً)
كانت السجانة بتمر، ونعيمة الكحلاوية واقفة عند النضارة (فتحة الباب الحديدي)، وأعطت إشارة لواحد من العساكر المرتشين اللي كان بيمر في الممر. العسكري رمى لها ورقة صغيرة ومشى بسرعة.
أخدت نعيمة الورقة وراحت عند مايسا اللي كانت قاعدة مستنية على نار.
نعيمة همست بخبث: "رجالتنا برة رصدوا القصر يا هانم. وعاملو خطة.. الأسبوع الجاي جبل وعمر وعاصم هيكونوا مشغولين في بندر قنا عشان جلسة المحاكمة بتاعتك، والقصر هيكون خالي ومفهوش غير الخفر برة والبنات والحريم جوة. دي الفرصة الكبيرة عشان رجالتنا يدخلوا من السور القبلي ويخطفوا 'قلب' من قلب جناحها!"
عيون مايسا لمعت ببريق شيطاني ضلم الأوضة، وضحكت بصوت مكتوم ومليان غل: "يا فرج الله! الجلسة هتبقى يوم نهايتك يا قلب.. ويوم كسر عينك يا جبل! اخطفوها.. ومستخسرش فيكم كل دهبي وفلوسي!"
---
تُرى هل ستنجح خطة مايسا الخبيثة في استغلال وقت المحاكمة لخطف "قلب"؟ وكيف سيواجه جبل الجبالي هذا الغدر الجديد الذي يطبخ وراء جدران السجن؟
