رواية ما لا يحكي الفصل الرابع عشر14 يقلم دينا شعبان


رواية ما لا يحكي الفصل الرابع عشر14 يقلم دينا شعبان

ـ أنا لازم أبعد عنك... عشان أحميك.

نظر إليها بصدمة، وشعر وكأن الأرض تميد تحت قدميه.

ـ يعني إيه؟

ـ أنا آسفة... بس مش هينفع نكون مع بعض.

قالتها بوجع شديد.

حضن وجهها بيديه بحنان وقال:

ـ هششش... مش عايز أسمع أي حاجة دلوقتي غير إنك تهدي، لو سمحتِ متعمليش في نفسك كده عشان خاطري.

نظرت له بعيون دامعة وقالت:

ـ صدقني أنا ما سرقتش حاجة، ومعرفش هو بيتكلم عن إيه.

ـ يعني إنتِ فاكرة إني مستني منك أي تبرير لكلامه العبيط ده؟

ـ طيب هو ليه بيعمل معايا كده؟ حتى بعد كل اللي عمله فيا؟ هو للدرجة دي كان بيكرهني وأنا مش واخدة بالي؟ ودلوقتي بعد ما نسيت كل اللي عمله فيا مش عايز يسيبني في حالي. يونس، أنا مش هقدر أشوفك بتتأذى بسببي، صدقني مش هستحمل ولا هسامح نفسي.

كانت تتكلم وهي منهارة من البكاء، وحست بغصة في قلبها وكأن السعادة ليست مكتوبة لها.

ـ الأفضل إننا ما نكملش مع بعض، صدقني ده الصح عشانك.

ـ بس أنا عمري ما هسيبك، ولو فاكرة إنك بإبعادك ليا بتحميني تبقي غلطانة. أنا من غيرك يا نور أموت. حرام بعد ما حسيت بأمل وإن روحي هترجع ليا تاني بعد كل السنين دي، تيجي بكل بساطة تنهي كل حاجة قبل ما تبدأ.

بدأ يمسح دموعها بأصابعه ليكمل:

ـ وبعدين أنا مبحبش أشوف دموعك، صدقيني بحس إن قلبي بيتقطع لما بشوفك موجوعة أو زعلانة.

هزت رأسها بهدوء، ورفعت يدها وبدأت تمسح دموعها بكفها كالأطفال وهي تقول:

ـ أنا كويسة، ما تقلقش عليا.

نظرت حولها ثم عادت تنظر إليه:

ـ يلا عشان نرجع نركز في الشغل، مش لازم نتأخر في...

قاطع كلامها وهو يقول:

ـ مفيش شغل، ولا هنعمل أي حاجة قبل ما نقرر الأول.

نظرت له باستغراب وقالت:

ـ نقرر إيه؟

ـ هنقضي شهر العسل فين يا جميل؟

قالها بابتسامة، فابتسمت وخفضت رأسها بخجل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ⁦...♡

كان قاعد على مقعد مكتبه، ماسك القلم وبيضغط عليه بضيق.

ـ كل ده عشان تجيبي الملف! طبعًا لازم تتكلمي مع ده شوية وده شوية.

وقبل ما ينهي كلامه، سمع صوت طرقات على الباب.

ابتسم وعرف إنها أكيد هي، فعمل نفسه مشغول في الملف وقال بصوت جاد مزيف:

ـ ادخل.

دخلت سارة، وقربت من مكتبه ووضعت الملف أمامه ببرود، ولسه هتلف عشان تخرج، لكن صوته أوقفها:

ـ اتأخرتِ ليه كل ده عشان تجيبي الملف؟

ـ معلش، كنت مشغولة في حاجة كده.

قالت جملتها باختصار شديد.

حس من نبرة صوتها إنها مضايقة أو زعلانة، لكنه مش عارف ليه. ضايقه زعلها، والأكتر إنه مش فاهم سبب معاملتها ليه.

ـ طيب، تحبي نطلب الغدا ونتغدى سوا النهارده؟

قالها مترقبًا ردة فعلها.

حست بفرحة لأنه طلب منها يتغدوا مع بعض، لكنها ما بينتش ده.

ـ أممم... مش عارفة الحقيقة هينفع ولا لا، أصل اتفقت مع خالد إننا هنتغدى مع بعض النهارده.

قالتها وهي راسمة ابتسامة مستفزة على وجهها.

ملامحه كلها اتغيرت أول ما سمع اسمه.

ـ نعم يا أختي! خالد مين ده؟ وبعدين ما إنتِ عارفة إننا كل يوم بنتغدى سوا، إيه الجديد؟

كتمت ضحكتها بصعوبة على ردة فعله، لكنها جاوبت ببرود أشعل غضبه:

ـ عادي يعني يا أحمد، مش زمايل؟ ولازم أتعرف وأقرب من كل الزملاء، زيك إنت ويونس، ولا إيه؟

ـ لا، مش لازم. وبعدين إحنا نعرف بعض من زمان أوي، مش خالد اللي شكلك لسه مستكشفة اسمه النهارده.

ـ أصحاب يعني. إنت ويونس ونور صحابي من وإحنا لسه أطفال، يبقى عادي لو اتعرفت على حد تاني وأنا كبيرة برضه، إيه المشكلة؟

ـ أنا مش زي يونس ولا زي أي حد في حياتك، والكلمة اللي هقولها تتسمع من أول مرة، إنتِ فاهمة؟

قالها بعصبية، وما كانش حاسس بصوته العالي اللي تقريبًا الشركة كلها سمعته.

كانت بتبصله بصدمة كبيرة، مش قادرة تفهم ردة فعله دي حب ولا غيرة ولا مجرد صداقة ولا بسبب إيه. حست بحيرة، وحاسة إنها مش فاهماه.

حس إنه زودها معاها في الكلام، وهو نفسه استغرب نرفزته وعصبيته اللي ظهرت مرة واحدة، فحاول يهدأ.

وقفت، وقبل ما تتحرك اتكلم بسرعة:

ـ إنتِ رايحة فين؟

ـ رايحة أجيب شنطتي من المكتب.

قالتها بنفاد صبر.

ـ خليكي، وأنا هبعت أي حد يجيبهالك.

وقبل ما ترفض، كان رفع سماعة التليفون وطلب من حد فعلًا يجيب شنطتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ⁦...♡

ـ الختم أهو بقى عندك، تقدر تقولي ورقي هيخلص إمتى عشان أسافر؟

قالتها داليا بحدة.

ـ لا، بس بصراحة عجبتيني. أنا كنت واثق إنك هتقدري تنفذي اللي طلبته منك، بس إنك تحولي موقفك قدام عاصم بكل سهولة، لا وكمان تخليه يشك في طريقته، ده بقى اللي ما توقعتوش منك خالص. طلعتي شريرة يا روحي.

قال مجدي جملته بشيء من الخبث.

جلست على المقعد اللي أمامه وقالت:

ـ كان لازم أعمل كده عشان أخليه يكرهها أكتر وأكتر.

ـ وهو لو كان بيحبها، كان هيطلقها عشانك ليه؟

ابتسمت بسخرية وقالت:

ـ مين اللي قال كده؟ بالعكس، عاصم مش بيحب نور، ده بيعشقها. بدليل لما لقى الحاجات اللي نور كانت بتعملها معاه، واللي المفروض كانت بتخنقه، مش موجودة فيا، ساعتها بس حس بقيمتها.

ـ طب وسابها ليه من البداية؟

ـ عشان شاف عندي حاجات مش موجودة عندها، زي الزن مثلًا. وبعدين ما حدش بيحس بالنعمة غير لما تضيع منه، ولا إيه؟

ـ بس كل اللي قولتيه إيه علاقته بسرقة الخزنة؟

ـ ما أنا قلتلك، عشان يكرهها ويعرف إن أنا بس اللي أستاهل الحب ده، مش هي. ولو هو مش قادر يشوف ده، يبقى أنا هخليه ياخد باله بطريقتي الخاصة.

قالت جملتها بشر واضح.

مسك الختم من على المكتب، وحطه في الدرج وقفله بالمفتاح.

وقف وكان لسه هيخرج من الغرفة، لكنها كانت أسرع منه لما مسكت إيده عشان توقفه.

ـ إنت رايح فين؟ وفين الورق بتاعي والفلوس؟ أنا لازم أسافر في أسرع وقت. وجودي مع عاصم كتير مش صح، وأنا مش هقدر أفضل أقنعه إن نور هي اللي سرقته، عشان لو اكتشف اللي حصل مش بعيد يحبسني.

ـ وأنا يرضينيش إن الجمال ده يتحبس يومين. ورقك هيبقى عندك، والفلوس اللي طلبتيها هتاخديها. أنا برضه ما بنساش حد وقف معايا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ⁦...♡

صفاء بعد ما عاصم مشي من عندها، حست إن المشاكل مش ناوية تسيب بنتها، وخافت عليها. ما قدرتش تفضل قاعدة مكانها، وقررت إنها تروح لأم عاصم عشان تنهي الموضوع معاها.

خرجت أم عاصم على صوت طرقات الباب. فتحت الباب، ولقت صفاء واقفة قدامها، وواضح على ملامحها الضيق.
ـ صفاء! اتفضلي.

دخلت، وأول ما قعدوا على الأريكة اتكلمت أم عاصم بترحيب:

ـ منورة يا صفاء، بقالي كتير ما شوفتكيش. قوليلي تحبي تشربي إيه؟

ـ لا شكرًا، مفيش داعي تتعبي نفسك. أنا جاية لك في كلمتين وماشية على طول.

كلامها خلا القلق يتمكن منها.

ـ خير يا حبيبتي؟

ـ أنا عاملة حساب العيش والملح اللي كان بينا، وإن كان في يوم من الأيام قرابة بينا.

ـ في إيه يا صفاء؟ قلقتيني، ادخلي في الموضوع على طول.

ـ ابنك جه بيتي وبيتهم بنتي إنها سرقت أوراق من شقته، وطبعًا الكلام ده كله غلط.

ـ إيه! عاصم راح بيتك؟

ـ أيوه، وياريت تفهمي ابنك إن بنتي دلوقتي مش بتفكر فيه، ولا بقى في حساباتها. يبقى يركز هو في حياته مع مراته بعيد عن بنتي أحسن.

ـ صدقيني يا صفاء، أنا ما كنتش أعرف إن عاصم راح لكم البيت غير منك دلوقتي، ولا أعرف حاجة عن الورق اللي بيقول إنه اتسرق ده.

ـ أديكي عرفتي. وياريت تفهمي ابنك الكلمتين اللي قولتهم لك. بنتي مش عايزاه خالص، وبقت تكرهه كمان. ومش بعد ما رجعت شافت حياتها، يرجع هو يبوظها بسهولة. وفاكر إن ممكن أسكت؟ أنا المرة دي جيت لغاية عندك، بس المرة الجاية تأكدي إني هعمل محضر ضد ابنك بعدم التعرض لبنتي.

وقفت وقالت:
ـ عن إذنك.

ما استنتش منها أي رد، واتجهت ناحية الباب، فتحته وخرجت وقفلت وراها.

كانت أم عاصم بتسمع كل كلمة بصدمة، ومش مصدقة إن عاصم ممكن يتصرف بالشكل ده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ⁦...♡

كانوا قاعدين على الطاولة اللي في ركن بعيد عن المكتب وبيأكلوا.

سارة كانت بتاكل وهي مستمتعة بالأكل كالعادة، وأحمد كان مركز معاها في كل حاجة. حس إنه أول مرة ياخد باله من ملامحها، إزاي بريئة كده.

قال في سره:

ـ يا الله، ملامحها زي الأطفال، بس لسانها هو اللي متبري منها. يا ربي دي بتاكل ولا حاسة أصلًا إني قاعد معاها؟

رجع بص على الأكل اللي قدامه وابتسم غصب عنه.

لاحظت ابتسامته، ففضلت سرحانة فيه لثوانٍ وهمست لنفسها:

ـ ياريتك حاسس بيا وبحبي ليك، بس يا خسارة، شكله كده حب من طرف واحد.

ضيقت عينيها وكملت همس لنفسها:

ـ بس أنا اللي غلطانة إني اتوقعت من حد زيك، بدون قلب وبدون مشاعر، إنه ممكن يحب أصلًا. كان يوم أسو'ح يوم ما شوفتك. يا ريتني حبيت بطيخة، على الأقل هتطري على قلبي في الحر ده.

نظرت له بضيق وهي طول الوقت بتكلم نفسها، ورجعت كملت أكل. حست إن دي الطريقة الوحيدة اللي هتطلع بيها عصبيتها وضيقها من أبو قلب زي الحجر ده.

رن تليفونها، فنظرت للشاشة، لكنها رفضت المكالمة ورجعت تكمل أكل.

استغرب لما لقاها ما ردتش.

وشك يكون خالد اللي بيكلمها عشان يروحوا يتغدوا سوا؟

حس بخنقة بمجرد التفكير في الموضوع، ففك أول زرار من قميصه ومرر إيده على عنقه محاولًا يهدأ.

ما عدتش ثانية، وتليفونها رن تاني بنفس الرقم.

ضغط على إيده جامد لدرجة إن عروقه برزت. كان عايزها ترد عشان يسمع الحوار بينهم عامل إزاي، لكنه اتفاجأ لما لقاها هترفض المكالمة مرة تانية.

وما استحملش إنه ما يعملش حاجة.

سحب التليفون من تحت إيدها بسرعة قبل ما تضغط على زر الرفض.

وفتح المكالمة ورد بعصبية وسط صدمتها من تصرفه:

ـ في إيه يا حبيبي؟ رن رن إيه؟ مش بتفهم من أول مرة؟ لما تلاقي حد رفض المكالمة افهم إنه مش فاضي، وما ترنش تاني.

اتسعت عيناه من الصدمة.

أما هي، ففهمت سبب صدمته وكتمت ضحكتها على شكله.

بلع ريقه بصعوبة ورد على والدتها:

ـ هو حضرتك تبقي... أنا آسف يا طنط، أنا افتكرت حضرتك حد تاني.

ـ ...

ـ حاضر، هي بتاكل. أول ما تخلص هتكلم حضرتك على طول. سلام.

وقفل الخط، ورجع التليفون مكانه، وهو حاسس بإحراج من تصرفه ومن نظراتها.

ـ ما كنتش أعرف إنها مامتك. أنا شوفت رقم غريب، افتكرت حد بيضايقك، بس مش أكتر.

قالها بتلعثم.

حبت تغيظه أكتر، فقالت:

ـ أممم... يعني افتكرته حد غريب؟ طيب ما أنا كان ممكن أرد أنا وأديله كلمتين، ولا إنت شايفني صغيرة؟

ـ خلاص بقى، أهو اللي حصل. أنا رايح أغسل إيدي وجاي، وما تروحيش في أي حتة. أرجع ألاقيكي، فاهمة؟

وقف واتجه إلى الحمام الموجود داخل المكتب.

أما هي، ففضلت باصة لأثره، وحاسة إنها هتتجنن من تصرفاته اللي مش فاهمة معناها إيه.

تعليقات



<>