ـ يعني كلامي صح، وفعلاً روحت بيتها. بس عايزة أعرف ليه.
كان جالسًا على مقعده ينظر إليها بحب، وهي جالسة أمامه منشغلة ببعض الأوراق بعد أن أصرّ عليها أن تظل معه في مكتبه.
كان يفكر في أشياء كثيرة تشغل عقله وتسيطر عليه، لكن كلما نظر إليها كان يحمد الله في سرّه أن بعد كل هذه السنوات، وأخيرًا، سيتزوج الفتاة التي حلم بها طوال حياته. كان يشعر وكأنه يعيش حلمًا جميلًا، ويتمنى ألا ينتهي إلا وهي زوجته أمام الله.
ـ يونس... يونس.
قالتها نور وهي تلوّح بيدها أمام وجهه.
فاق من شروده، ونظر إليها بكل الحب الذي يحمله قلبه، ثم سرح في ملامحها من جديد.
أمسكت الملف الذي أمامها ووضعته أمامه، ثم أمسكت القلم وقربته منه وقالت:
ـ أنا راجعت الملف كويس، وشايفة إنه مشروع ناجح وهيبقى...
كانت تتحدث، لكنه لم يكن يسمع كلمة واحدة مما تقول، بل كان مركزًا في ملامحها فقط. وفجأة ظهرت ابتسامة عريضة على وجهه بسبب فكرة خطرت له للتو، فوقف مرة واحدة.
رفعت نظرها إليه وقالت باستغراب:
ـ إنت رايح فين؟ إنت ما سمعتش أنا كنت بقولك إيه.
ـ قصدك رايحين فين؟
قالها بابتسامة.
نظرت إليه وهي لا تفهم شيئًا.
أمسك يدها التي كانت تمسك القلم، وأخذ القلم من بين أصابعها ثم أمسك يدها وقال:
ـ يلا قومي.
ـ هنروح فين؟
ـ هتقدملك يا جميل.
ـ إيه؟ دلوقتي؟
نظر سريعًا إلى ساعة يده ثم عاد ينظر إليها:
ـ وهي الحاجات دي ليها مواعيد؟
ـ مش المفروض أتكلم مع ماما في الموضوع قبل ما تقابلها؟
ـ أمم... طيب خلاص، نكلمها سوا، وأهو عشان متكونيش لوحدك.
ـ بس...
ـ من غير بس، يلا بينا.
وخطف الجاكيت من على ظهر المقعد.
وهو يسحبها خلفه، خرجا من المكتب، وكل أنظار الموظفين كانت متجهة نحوهما، وبالأخص نحو يونس وهو يمسك يدها.
همست له:
ـ يونس، سيب إيدي، الموظفين كلهم بيبصوا علينا.
ـ مش لازم يعرفوا مراتي المستقبلية؟
ثم ابتسم لها بحب.
وبالفعل خرجا من الشركة متجهين إلى منزل نور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
فتح عاصم باب الشقة، وأول ما دخل كانت والدته في استقباله.
ـ مساء الخير يا ماما.
قالها عاصم باختصار وهو متجه إلى غرفته، لكن أوقفه صوتها.
ـ عاصم، استنى، عايزة أتكلم معاك في موضوع.
استدار إليها وقال:
ـ ممكن نأجل أي كلام لبكرة؟ عشان بجد مش قادر أسمع أي حاجة.
ـ مش هينفع، الموضوع اللي عايزاك فيه مينفعش يتأجل يا عاصم.
نظر إليها بعدم فهم، متسائلًا عن الموضوع المهم إلى هذه الدرجة.
أكملت كلامها:
ـ روحت بيت نور ليه يا عاصم؟ كنت عايز منها إيه؟
في لحظة تغيرت ملامحه بالكامل، ومرّ شريط سريع من الذكريات في رأسه، منذ أن ذهب إلى منزلها، ثم ما حدث في الشركة مع يونس، وكيف كانا قريبين من بعضهما ويمسك يدها. مجرد التفكير في الأمر أشعل الغضب داخله.
ـ حضرتك عرفتي منين؟
ـ يعني كلامي صح، وفعلاً روحت بيتها. بس عايزة أعرف ليه.
ـ كان لازم أروح عشان آخد حاجتي اللي سرقتها من بيتي.
قالها بغضب.
ـ سرقتك إزاي يعني؟ نور طلقتك يا عاصم، يعني مش مراتك عشان تدخل شقتك كده من غير ما تعرف أو مراتك تشوفها.
ـ إنتِ عارفة إن داليا كل يوم بتسهر وبرجع ألاقيها داخلة وش الصبح، وأنا كنت بايت عندك، يبقى مين اللي خدهم؟ أكيد هي.
ـ نور ماخدتش حاجة يا عاصم، وعلى فكرة أمها جاتلي وحذرتني، وبلغتني أعرفك إن ممكن تعمل محضر ضدك بعدم التعرض لبنتها.
كانت نبرتها تحمل تحذيرًا واضحًا.
ـ بنتها اللي مقضياها معاه، صاحب الشركة اللي شغالة عنده.
ـ هي دلوقتي ست حرة، وهي أدرى بتصرفاتها، وإنت مالكش الحق تتدخل في أي حاجة تخصها، فاهمني يا عاصم؟ وياريت تركز في حياتك مع مراتك وتنساها يا ابني.
ضحك بسخرية على الكلمة التي سمعها، وهمس لنفسه بألم:
"حياتي؟ وهي دي حياة اللي عايشها؟ ومراتي اللي بترجع وش الصبح، وأول ما تصحى تنزل، كأنها عايشة في أوتيل مش بيت."
وكان لسه هيدخل أوضته، لكنها قالت:
ـ إنت داخل أوضتك ليه؟ مش ناوي ترجع بيتك؟ أنا كنت مفكرة إنك جاي تشوفني وتطمن عليا وتمشي عشان مراتك.
ـ مراتي... مراتي زمانها سهرانة مع صحابها دلوقتي. أنا بقيت حاسس إني عايش في فندق، مش بيت طبيعي.
وقبل أن تعترض، تركها ودخل غرفته.
تنهدت بحزن على حياة ابنها المدمرة، التي لا روح فيها ولا أي شيء طبيعي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
وصلوا أمام العمارة، فنزلوا من السيارة ودخلوا، ثم صعدوا حتى وقفوا أمام الشقة.
كانت نور تشعر بتوتر شديد، وكل شيء يحدث بسرعة كبيرة بالنسبة لها.
طرق يونس الباب.
فتحت صفاء، وأول ما رأتهما ابتسمت وقالت:
ـ حمد الله على السلامة يا حبيبتي، منور يا يونس، اتفضل.
دخلا وجلسا.
قالت صفاء بابتسامة:
ـ تشرب إيه بقى؟ ولا أقولك، المرة اللي فاتت مشيت قبل ما نتغدى سوا، دلوقتي أكيد إنتوا الاتنين جعانين. ثواني والأكل يبقى جاهز.
رد يونس سريعًا قبل أن تتحرك:
ـ مفيش داعي تتعبي نفسك يا طنط، أنا كنت عايز حضرتك في موضوع مهم.
ـ خير؟ فيه مشكلة لا قدر الله في الشغل ولا أي حاجة؟
قالتها وهي تجلس أمامه، والتوتر ظاهر عليها.
ـ لا أبدًا يا طنط، الشغل كله كويس، مفيش أي مشكلة. هو الموضوع شخصي شوية.
ظلت صامتة تركز معه وتنتظر أن يكمل.
فجأة شعر أنه هو من توتر هذه المرة.
نظر إلى نور، فوجدها تبتسم له بحب واضح في عينيها، فشعر براحة غريبة بمجرد النظر إليها.
همس لنفسه:
"يا ربي، إزاي عيونها قادرة تشقلب كياني كله في لحظة؟"
حاول أن يستجمع تركيزه، ثم عاد ينظر إلى صفاء التي ما زالت لا تفهم شيئًا.
ـ أنا بحب نور من زمان أوي، لا بصراحة... أنا عديت مرحلة الحب من زمان، أنا بعشقها حرفيًا. طول السنين اللي فاتت كنت بدعي كل ليلة، وفي كل صلاة، إن ربنا يجمعني بيها. ودلوقتي حاسس إن ربنا استجاب لدعواتي. أنا من غيرها كنت ضايع، وعمري ما حبيت ولا هحب غيرها.
أنا مُتيم ببنتك، معرفش هي عملت فيا إيه، بس هي قادرة تقلب كياني كله بنظرة واحدة منها. مقدرش أعيش من غيرها، من غيرها أنا ببقى عايش بس من غير روح، لأنها هي روحي.
أخذ نفسًا هادئًا ثم أكمل:
ـ أنا طالب إيد نور من حضرتك، وتأكدي إني هسعدها لآخر يوم في عمري.
كانت تستمع إليه نور، دون أن تشعر بدموعها التي انهمرت على وجنتيها من شدة الفرحة.
فلم تكن تصدق أن هناك من يحبها بهذا القدر.
شعرت صفاء بصدق كل كلمة قالها من نظراته وطريقته في الحديث، واطمأنت أن ابنتها ستكون بخير معه.
لم تكن تحتاج لسماع رأي نور، فقد كان واضحًا عليها جدًا أنها موافقة، وكل ما كانت تتمناه هو سعادة ابنتها.
نزلت دمعة من عينيها وهي تقول:
ـ اوعدني إنك تعوضها عن كل اللي شافته في حياتها، وإن مهما غلطت متجيش عليها أو تهينها، وتفضل تحترمها وتقدرها، لأن صدقني ده أهم شيء لنجاح أي علاقة، حتى أهم من الحب نفسه.
ابتسم لها وقال بصدق:
ـ أوعدك أشيلها في عيوني وفي قلبي.
"ده إنت اللي خدت قلبي والله."
مسحت دموعها وهي تقول:
ـ لا لا، مش هعيط النهارده. أيوة، مفيش دموع تاني ولا حزن ولا وجع.
ثم اقتربت من نور وقبّلت رأسها وهي تقول:
ـ مبروك يا نور عيني.
ـ الله يبارك فيكِ يا ماما.
قالتها نور وهي تنظر لوالدتها بعيون دامعة.
أراد يونس أن يخرجهم من هذه الأجواء المؤثرة فقال:
ـ إيه رأيكوا؟ كتب الكتاب الخميس اللي جاي.
ـ إيه؟!
قالتها الاثنتان بصدمة وهما تنظران لبعضهما.
ـ كتير مش كده؟ خلاص، إيه رأيكوا في بكرة؟ أفضل مش كده؟
عادت صفاء إلى مكانها وهي تقول:
ـ بكرة إيه يا ابني؟ ولا الخميس اللي جاي إزاي بس؟ مش هتعملوا خطوبة؟
ـ لا، خطوبة إيه؟ ده أنا مستوي لوحدي يا حماتي! ده أنا بقالي سنين أعزب ووحداني، حرام عليكوا، حسوا بيا.
وكانت نور وصفاء تضحكان بشدة عليه.
قالت نور وهي تضحك:
ـ ماما عندها حق يا يونس، فيه تجهيزات كتير لازم نعملها، وهتاخد وقت أكيد.
ـ دي بتاعتي أنا بقى. ها؟ بكرة حلو أوي مش كده؟
وقبل أن ترد صفاء، أكمل سريعًا:
ـ حلو أوي، كنت متأكد إنكوا هتوافقوا. إنتوا تقوموا دلوقتي تلبسوا عشان نروح نشتري الشبكة، وأنا هستناكوا تحت في العربية، وهكلم المأذون عشان أثبت معاه الميعاد لبكرة إن شاء الله.
وقف واتجه نحو الباب وفتحه، وقبل أن يخرج أرسل قبلة في الهواء إلى نور وغمز لها.
خجلت وخفضت رأسها، بينما ابتسم هو من أعماق قلبه، ثم نزل ينتظرهما في السيارة، واتصل بالمأذون بالفعل وحدد معه موعد الغد.
