رواية قلب الجبل الفصل الخامس عشر15 بقلم فاديه النجار


رواية قلب الجبل الفصل الخامس عشر15 بقلم فاديه النجار

 
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين.

---

حبيبة فتحت عينيها ببطء، وبصت لـ قلب بابتسامة طفولية بريئة، ومسكت في طرف عبايتها: "أنا صاحية أهو يا قلب.. بس أنا مش عايزة أكل برة الأوضة، أنا عايزة أفضل قاعدة جنبك هنا. إنتي بقيتي بتعملي شعري حلو زي طنط فرح، وريحتك دايماً جميلة."

قلب ابتسمت بحنان حقيقي، وضمت البنت الصغيرة لصدرها، ومسحت على شعرها برقة: "من عيوني يا حبيبة نور عيني، الأكل هيجيلنا لحد هنا، وهنقعد ناكل سوا ونكمل الحكاية بتاعة امبارح. بس أهم حاجة تخلصي طبقك كله عشان بابا جبل لما يدخل يلاقيكي شاطرة."

---

في نفس الوقت، كانت ساحة القصر من تحت مقلوبة بـ دقات الدفوف والزغاريد اللي رجعت تملأ المكان بعد فترة طويلة من الحزن والشدائد. "الحاجة مهرة" وصلت الدار ووراها "فريدة" و"مروان" أخو مايسا الصغير.

الكل كان واقف في الاستقبال؛ جبل وعمر وعاصم سلموا على الحاجة مهرة وباسوا إيدها ورأسها بـ توقير شديد. الحاجة مهرة كانت لابسة عبايتها البيضاء وعلامات الراحة والبركة على وشها بعد زيارة بيت الله الحرام. بصت لجبل وعمر وعاصم وقالت بصوت حكيم ودافي: "حمد الله على السلامة يا ولادي.. الدار وحشتني، بس إيه واصل اللي جرى في غيابي؟ أنا شامة ريحة حريق، والهمس في البلد مابيبشرش بخير!"

جبل أخد نفس طويل، وطبطب على كتف أمه: "الحمد لله على سلامتك يا أمي، حج مبرور وذنب مغفور بإذن الله. ادخلي ارتاحي من سفرك، وكل حاجة هحكيهالك في وقتها. المهم إننا كلنا بخير، والشر انقطع من دابره (جذوره)."

مروان (أخو مايسا) كان واقف بعيد، عينه في الأرض، وشايل في قلبه حمل تقيل وقوة حيلة ملوش آخر بعد ما عرف في الطريق باللي عملته أخته "مايسا" واستعانتها بمطاريد الجبل عشان تخطف حُرمة وتولع في الدار. قرب من جبل وبصوت مخنوق من الخزي قال: "جبل بيه.. أنا مليش عين أرفعها فيك ولا في عاصم ولد خيتي. مايسا سَودت وشنا في البندر وفي النجوع، وأنا جيت أقولك إننا ملناش صالح بعمايلها واصل."

جبل بصل مروان بنظرة وقار صخرية، وحط إيده الكبيرة على كتفه: "مروان يا ولد الناس.. إنت خي وعاقل، ومايسا زرعت شيطان في طريقها وحصدت شر عملها بيدها. لا إنت ولا الحاج عبد القوي مسئولين عن ذنبها. الحق عاد بياخده القانون، والدم ميبقاش مية واصل.. إنت خال ولادي ومقامك محفوظ في الدار دي كيف ما هو."

تنفس مروان الصعداء، وحس إن كلام جبل شال من على كتافه جبل من الهم والخجل قدام العيلة والخفر.

---

بعد ما ارتاحت الحاجة مهرة من السفر، طلعت بهيبتها ووقارها لـ جناح جبل عشان تشوف "قلب" اللي سمعت باللي جرى ليها. جبل كان واقف جنب السرير، وقلب قاعدة وحبيبة الصغيرة نايمة في حضنها.

دخلت الحاجة مهرة، وأول ما قلب شافتها حاولت تقوم، بس الحاجة مهرة شاورت لها بيدها بحنان: "اقعدي يا بنيتي، ارتاحي.. حمد الله على سلامتك يا بنت قلبي ."

قلب انحنت باست يد الحاجة مهرة برقة وعفوية: "الله يسلمك يا طنط.. حمد الله على سلامتك إنتي، حج مبرور وعقبال كل سنة.والسنه الجايه نكون معاكي انا وجبل ."

الحاجة مهرة قالت هي وجبل...امين ان شاءلله

قعدت على طرف السرير، وبصت ل ملامح قلب الدبلانة والخوف اللي لسه ساكن في أطراف عينيها، وقالت بنبرة صعيدية حكيمة: "أنا عرفت باللي حصل يا قلب.. وعرفت إنك شفتي ليلة وعرة مكنتيش واخدة عليها في بندر مصر. بس الدار دي كدة يا بنيتي، جدرانها حجر وأهلها صخر، والي يعيش مع جبل الجبالي لازم يعرف إن الأمان بيتعمد بالنار. إنتي وقفتي وقفة أصيلة وحميتي عيالنا، وده عشمنا فيكي."

قلب دمعت بحب وبصت لجبل اللي كان بيبص لها بـ نظرة فخر وهدوء: "أنا مكنتش عايزة غير إن البنات وجبل يفضلوا بخير يا طنط.. الخوف كان كبير، بس الحمد لله إنها عدت."

فريدة دخلت ورا امها، وكانت شايلة صينية عليها عصير رمان فريش، وقربت من قلب بابتسامة صافية: "ألف سلامة عليكي يا قلب.. والحمدلله علي اللي جرا وإن شاء الله الشدة دي تزول وماتشوفيش شر بعد كدة ابدا ."

---

بعد ما العيلة كلها اتجمعت واتطمنت على بعضها، رجع الهدوء يلف أركان القصر. جبل دخل الجناح لقى قلب قاعدة في البلكونة بتبص على الزرع والنور الخافت بتاع النجوع. كانت لامة شعرها الأصفر برقة، والعباية السوداء مديالها هيبة هادية.

قرب جبل وقعد على الكرسي اللي جنبها، وأخد كوباية النعناع من إيدها وحطها على الطربيزة، ومسك كفها الصغير بين إيديه: "شايف البال عاد رايق شوية الليلة دي يا قلب.. كلام أمي طيب خاطرك يعني ؟"

قلب لفت وشها وبصت في عينيه الواسعة المليانة أمان: "جدا يا جبل.. مامة (الحاجة مهرة) كلامها مريح وخلاني أحس إني بجد بقيت جزء من العيلة دي، مش مجرد ضيفة أو غريبة. ومروان أخو مايسا.. صعب عليا قوي، كان باين في عينيه الكسرة والذنب."

جبل اتنهد وأخد نَفَس عميق: "مروان راجل طيب وملوش في الملاوعات، والاصول مابتزعلش حد يا قلب. إحنا قفلنا باب الشر، ومن بكرة عاصم هينزل معايا الأراضي عشان يتسلم شغل بحري كله.. الحياة لازم تمشي، والدار دي عاد لازم تفرح بيكي بجد."

قلب ابتسمت وحطت راسها على كتفه العريض، واستسلمت لسكون الليل الصعيدي، حاسة إن بالرغم من كل الصدمات، الجذور بدأت تمد في الأرض، وإن الأمان الحقيقي هو جبل الجبالي اللي واقف في وش الريح عشان يحمي "قلبه".

---

في سجن ليمان القناطر شديد الحراسة - زنزانة انفرادية تحت الأرض

الضلمة هنا كانت كحل، مبيقطعهاش غير طاقة نور صغيرة ومحاوطة بسلك حديد ضيق في أعلى الحيطة الخرسانية الباردة. صوت تنقيط المية من الحنفية القديمة كان شغال بانتظام زي دقات ساعة بتعفن جوة الدماغ.

في ركن الزنزانة على البرش، كانت مايسا قاعدة، بس مكنتش مايسا الهانم بتاعة زمان . عبايتها القطيفة الفاخرة عاد لونها باهت ومتبهدلة بالتراب، وشعرها اللي كانت دايماً بتتباهى بيه عاد منكوش ومفتل، وضوافرها اتبرت من كتر الخربشة في الحيطان الباردة.

دخلت السجانة "ستيتة" بغلظتها المعتادة، ورزعت طبق الأكل الصاج في الأرض: "خدي يا حُرمة .. كلي لقمة عشان تقدري تقفي قدام المحكمة الأسبوع الجاي. الجناية عاد بقت تقيلة بعد اعتراف شداد المطرود عليكي.انتي ايه ابليس بيتعلم منك والله ."

مايسا ممدتش إيدها للأكل، رفعت راسها ببطء، وعينيها كانت مبرقة بشكل غريب، نن عينها كان بيتحرك بسرعة وجنون. بصت للسجانة وقالت بصوت مبحوح ومخنوق: "شداد؟ شداد اتمسك كيف؟ أنا بعتله الدهب.. صرة الدهب كلها راحتله مع البت الشغالة. زمانه دخل القصر.. زمانه جاب البت قلب وسحلها في الجبل.ماهو اني غلطت لما قتلت امها ولاد الكلاب كانو لازم يقتلوها هي كمان يعني اني كنت بقتل امها علشاناجيبها احد عندي بيدي لا لا لا اكيد غلط. زمان قلب جبل انحرق! قوليلي يا ستيتة.. جبل بكى؟ جبل ركع وجالك هنا السجن يتوسطلي عشان أدله على مراته؟"

السجانة بصت لها بقرف وتفت في الأرض: "جبل بيه يركع لمين يا مصيبة إنتي؟ جبل بيه راسه في السماء، ومرته 'قلب' هي اللي طخت شداد بيدها وعمرت فيه رصاصة نيمته في دمه لحد ما الحكومة سحبته كيف العجل! جبل بيه عايش في رغد وفرح، وأخوكي مروان رجع من الحج مع الحاجة مهرة وقفلوا عليكي ، ومحدش عاد فاكر إن ليكي اسم في الدنيا.ولا حد عايز يجيب سيرتك نهائي."

الكلمات دي نزلت على دماغ مايسا كيف المرزبة (الشاكوش التقيل) اللي شجت نفوخها. عينيها وسعت على الآخر، وجسمها كله بدأ يتنفض برعشة هستيرية.
"قلب؟ البت الفرفورة تطخ شداد؟! مروان وأخواتي عاصم ابني وبناتي كلهم سابوني؟!"

السجانة رزعت الباب الحديدي وقفلته بالترباس والمفتاح الصامت. الصمت رجع تاني، بس جوة دماغ مايسا كان فيه بركان وانفجار. الخطة الفاشلة، والدهب اللي ضاع، والشماتة اللي اتقلبت عليها، وشموخ جبل اللي متهدش، كل ده دار في عقلها لحد ما الخيوط الأخيرة للعقل اتعقدت وانقطعت.

بدأت تضحك بصوت عالي ومكتوم، ضحكة صفرا مرعبة صحت السجينات في الزنازين المجاورة. قامت وقفت وبقت تلف حوالين نفسها في الزنزانة الضيقة وهي بتكلم الحيطة: "جبل.. إنت هنا؟ لابس العباية السمرة وجاي تاخدني؟ لأ.. أنا الهانم! أنا مايسا عبد القوي الجبالي ! احرق يا سلطان.. اقتل يا جلال احرق يا شداد.. النار قايدة في شعر البت الصفرا.. هههههه النار قايدة!"

بدأت تلطم على وشها وتخربش في جدران الخرسانة لغاية ما صوابعها نزلت دم، ودماغها غابت تماماً عن الواقع، ودخلت في ظلمات الجنون والهستيريا، حصاداً لكل الشر اللي زرعته بـ إيدها.

---

في قصر الجبالي (بعد مرور أسبوع)

كانت الأجواء هادية وصافية. "قلب" بدأت تسترد عافيتها بالتدريج بفضل رعاية فرح والحاجة مهرة اللي مكنتش بتفارقها وتطعمها بـ يدها. الخوف الهستيري انسحب من عيونها وحل محله هدوء ورضا، وبقت تتحرك في الجناح والبلكونة براحة وخفة.

في المندرة الكبيرة، كان جبل وعمر قاعدين، ودخل عليهم المحامي الخاص بالعائلة اللي جه من البندر ووشه عليه علامات الذهول.

جبل رفع عينه وبص له بحسم: "خير يا متر؟ الجلسة اتأجلت ولا إيه ؟"

المحامي قعد وأخد نفسه: "لا يا جبل بيه.. الجلسة مفيش منها فايدة عاد. النيابة امبارح أرسلت لجنة طبية من مستشفى الأمراض العقلية لـ سجن ليمان القناطر لـ توقيع الكشف على المدعوة مايسا عبد القوي."

عمر استغرب وقرب منه: "جرى إيه؟ مالها مايسا؟"

المحامي: "الحرمة عقلها طار وبقت مجنونه يا فندم. جالها جنون مطبق، وبقت تلطم وتكلم نفسها ومبتعرفش حد، والتقرير الطبي أثبت إنها غير مسؤولة عن أفعالها حالياً، والقاضي أصدر قرار بنقلها لمستشفى الخانكة للأمراض العقلية تحت حراسة مشددة مدى الحياة.. القضية اتقفلت لأن المتهمة عاد ملهاش عقل تتحاكم بيه."

ساد الصمت في المندرة. جبل أخد نَفَس عميق من السيجاره، وخرج الدخان ببطء، وعيونه كان فيها نظرة تذكر لـ سنين فاتت، بس ملامحه مكنش فيها شماتة، كان فيها اتعاظ من قدرة ربنا.
بص لعمر وقال بصوت رخامي هادي: "سبحان المعز المذل.. الكبر والغل أكلوا عقلها لحد ما رموها في الخراب. ربنا يسامحها ويغفر لها، السيرة دي تقفل عليها يا متر، ومش عايز عاصم ولا البنات يشموا خبر واصل عن موضوع الجنون ده، كفاية عليهم اللي شافوه."

عمر: "أشهد بالحق يا خوي.. كدة ربنا خلص الحقوق من غير ما نلوث يدنا بدمها."

---

دخل جبل الأوضة، لقى قلب واقفة قدام المراية وبتسرح شعرها، ولابسة فستان من فساتين مصر الناعمة بلون الورد. ملامحها كانت رايقة. قرب منها وشال الفرشة من إيدها وبدأ يسرح لها شعرها بحنان وهدوء.

قلب لفت وشها وبصت له، وحست إن فيه حاجة متغيرة في ملامحه: "مالك يا جبل؟ حاساك جاي من تحت وفي عينك نظرة غريبة.. المحاكمة حصل فيها حاجة؟"

جبل قعدها جنبه على الشيزلونج، وأخد إيديها بين كفوفه الكبيرة: "الموضوع خلص يا قلب.. مايسا ربنا تولاها، والقضية اتقفلت للأبد، ومفيش جلسات ولا محاكم عاد هتنكد علينا.. الشر انزاح من الدنيا كلها."

قلب بلعت ريقها وحست بالراحة تملأ صدرها، وسندت راسها على كتفه العريض: "الحمد لله يا حبيبي.. الحمد لله إن ربنا سترها معانا. أنا مش عايزة افتكر أي حاجة وحشة تاني.. أنا عايزة أعيش الأيام اللي جاية ليك وبس."

جبل ضمها لضلوعه وباس راسها بحب رصين ودافي: "واللي جاي كله ليكي يا قلب الجبل.. الدار عاد صفت، والقلب مابقاش فيه غير العشق والرضا."

---

ومع خيوط الليل الصعيدي الهادي، اتقفلت الأبواب على أسرار الدار، وبدأت صفحة جديدة في قصر الجبالي، صفحة ماليها السكينة والعهد الجديد.

                  الفصل السادس عشر من هنا          
تعليقات



<>