
رواية براعم الحب الفصل السابع عشر17 بقلم رشا عبد العزيز
دارت الأرض من حوله، وتشوشت الرؤية حتى لم تعد قدماه تقوى على حمله، كأن صدمته قد شلت جسده حتى عجز عن الوقوف. سند يده على الجدار بجانبه، وأخذ يجر جسده جراً يبحث عن مكان يستطيع فيه أن يختلي بنفسه حتى وصل إلى دورة مياه في ذلك الطابق.
دخل إليها واتجه إلى الحوض ليسند يديه عليه ويبدأ بالانهيار، مد يده المرتعشة يفتح صنبور المياه لتتدفق، صوت المياه المنهمرة وأنفاسه المتسارعة قصع سكون المكان، بدأ جسده بالارتعاش، لا يصدق ما سمعه.
كم كان مغفلاً يعيش في خدعة كبيرة! ضم كفيه يحمل حفنة من الماء ويلقيها على وجهه عله يستيقظ من هذا الكابوس، تساقطت قطرات الماء من وجهه وفتح عينه من جديد ليوقن أنها الحقيقة مرة.
كور قبضته وبدأ يضرب الحوض بقوة يصرخ بقهر:
-_ ليه... ليه عملتي كدة؟ ليه خنتيني؟ ليه عيشتيني بوهم؟ ليه...
اختنق صوته حتى احمت عيناه غضباً يعاتبها بحرقة:
-_ دا أنا حبيتك أكتر من روحي!
آلمته يده من عنف تلك الضربات ليتوقف فجأة يطالع صورته في المرآة ويقول بانفعال:
-_ أنا لازم أنهي المهزلة دي، أنا هقولهم الفرح اتلغى خلاص وهفركش كل حاجة.
أسرع بخطواته نحو الباب عازماً على تنفيذ قراره حتى تباطأت فجأة، ليتوقف قبل أن يخرج وصوت 'فارس' يرن بأذنه وهو يربت على كتفه ويقول بفخر واعتزاز:
-_ النهاردة مش فرح بنتي بس، لا، النهاردة فرح ابني كمان.
ليحتضنه ويقبل رأسه شاكراً يقول بامتنان:
-_ متشكر أوي يا عمي.
لينحني نحوه ويهمس له بصدق:
-_ مدام النهاردة فرحكم عاوز أعترفلك بسر، أنا كنت بتمنى إن بنتي تكون من نصيبك عشان أنت ليك مكانة خاصة في قلبي.
اتسعت ابتسامته ولم يعلم ماذا يقول سوى أن يعده:
-_ وأنت كمان عارف غلاوتك عندي، واطمن 'قمر' هتكون في قلبي قبل عنيا.
ليهز 'فارس' رأسه مؤكداً حديثه بثقة:
-_ أنا متأكد يا حبيبي إنك هتصونها وتحافظ عليها.
ولم يكن تفكيره بـ 'فارس' فقط هو من أوقفه، لكن 'شمس' أيضاً كان لها دور في منع تهوره وهو يتذكرها.
كيف احتضنته بسعادة تمازح والدته قائلة:
-_ جوز بنتي حبيبي، ابني الجديد.
ثم التفتت نحوها تزيد من مشاكستها:
-_ خلاص يا 'هدى' انسيه، هو دلوقتي 'حسين' ابن 'شمس'.
خرج من أحضانها يضحك ويطالع والدته التي تنظر لها بغيظ مصطنع وتقول مدعية الانزعاج:
-_ ليه يا أختي إن شاء الله؟ لا يا حبيبتي، دا ابن 'هدى' وهيفضل ابن 'هدى'.
ثم ابتسمت قائلة:
-_ بس عادي، مستعدة أشاركه معاكي يا 'مشمش'.
لتمسح 'شمس' على ذراعه بحنان تدعو له:
-_ ربنا يحفظه ويبارك فيه، دا الغالي اللي في القلب.
عاد من تلك الذكريات ولا يزال حديثها الجارح يخنقه، مسح على رقبته يحاول أن يتنفس، لينفخ الهواء عدة مرات عله يخفف من الألم الذي يعصف بجسده.
سند بجسده على الجدار يحاول لملمة شتاته، وسؤال واحد يطرق رأسه ويحطم أفكاره، ماذا سيفعل؟ هل ينهي كل شيء ويحطم تلك
العائلة ويمزق ترابطها؟ هل يكسر قلب 'فارس' و'شمس' بفضيحة تركه لابنته ليلة زفافهم؟
وضع يده على فمه يكتم عبراته بعجز حتى انهار، وبدأ يصفع وجهه عدة مرات بكلتا يديه ويقول بهستيريا:
-_ أعمل إيه... أعمل إيه؟
ضغط على رأسه براحتي يديه كأنه يستجدي حلاً، يشعر كأنه سقط في بئر مظلمة لا سبيل للخلاص، وكل الخيارات فيها تقود إلى الهلاك.
دوامة من الأفكار المتناقضة عصفت به وأنهكت عقله وقلبه معاً.
ليلوح طيفها أمامه فضغط على أسنانه بغضب، وود لو يذهب إليها ويدك عنقها، ينتقم لقلبه المنكسر منها.
***********************
وفي غرفة أخرى من هذا الطابق كان الوضع مختلفاً، وقف خلف الباب متلهفاً لرؤيتها يحمل باقة زهور من الورد الأبيض وقلبه يدق أجراس الفرح، حتى فتح له الباب لتشرق ابتسامته وهو يخطو نحوها، عينه تتفرس ملامحها.
وتتنقل بشغف على محاسنها، جمالها الهادئ، خجلها الذي لون بشرتها الخمرية، توترها، حشمة ثوبها الذي نال رضاه، جعله يتنهد بارتياح، ويقف أمامها وصوت الزغاريد يصدح في المكان. قدم لها الباقة فالتقطتها منه باستحياء، وانحنى يقبل جبينها قبلة انتصار طال انتظارها هامساً بحب:
-_ ألف مبروك.
ابتسامة خجولة رافقت إجابتها تخرج كلماتها بتوتر:
-_ الله يبارك فيك.
-_ ما شاء الله تبارك الرحمن، زي القمر يا حبيبتي.
تضاعف خجلها وأربكتها كلماته التي لم تعلم كيف تجيب عليها واكتفت بكلمة:
-_ متشكرة.
-_ ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يسعدكم ويهنيكم.
قالتها 'هدى' بعين دامعة وهي تقترب منه وتحتضنه ليبادلها العناق يقبل رأسها:
-_ الله يبارك يا ست الكل، ربنا يحفظك لينا يا رب.
مسحت على صدره تذكر الله وتقرأ الآيات، تحصن صغيرها الذي أصبح اليوم عريساً، فكاد قلبها يطير فرحاً وهي تراه ببدلته جانب عروسه، عينها تشمله بنظرات ملؤها الحنان.
فانحنى 'حسن' يقبل يدها امتناناً لها.
فسمع صوت مبحوح ينادي عليه ليلتفت ويجد 'زهرة' الباكية وعينها المحمرة تترجاه وتتوسله بكلمات خرجت من قلب والدة أرعبها ألم الفراق:
-_ مش هوصيك على 'سندس' يا ولدي.
ابتسم 'حسن' يطمئنها ورفع سبابته يشير نحو عينيه قائلاً:
-_ متخافيش يا أمي، 'سندس' في عنيا الاتنين.
ثم اقترب منها يقبل رأسها احتراماً، تاركاً 'هدى' و'ندى' و'شمس' يلومونها ويطمئنونها بالوقت ذاته، فتقول 'هدى':
-_ 'سندس' بقت بنتنا ما تخافيش عليها يا أم 'اصيل'.
ثم أكملت 'شمس' التي ضمتها تعاتبها:
-_ وأنا رحت فين؟ أنا خالتها هنا، متخافيش وخلاص بطلي عياط خلي البنت تفرح.
التفتت نحو 'سندس' التي بدأت الدموع تتجمع في عينها، لكن 'حسن' اقترب منها يجذب ذراعها لتأبط ذراعه وانحنى نحوها يشاكسها كي يخفف عنها:
-_ بلاش تعيطي قدام والدتك وتخضيها، وكمان أنا مستحملش أشوف دموعك، عاوز تبوظي عنيكي الحلوة؟ أزعل منك، دول غاليين عليا أوي.
أتبع كلماته يغمز لها لتبتسم تكتم دموعها، كأن كلماته كانت أمراً وجب تنفيذه.
**************************
خرج من دورة المياه يسير بخطوات واهنة، لا يشعر بالعالم من حوله، ليسمع صوت 'حسن' الذي اقترب منه يسأله بقلق:
-_ 'حسين' كنت فين؟
رفع رأسه المنكس ينظر له بنظرات ضائعة زادت من قلقه، ليسأله بخوف وهو يبصر عينيه التي تغرق بياضها باللون الأحمر:
-_ 'حسين' مالك؟
مسح على عينيه ببطء وقال يطمئنه:
-_ مفيش حاجة بس فيه حاجة دخلت في عيني.
-_ طب يله عشان المصورة مستنياك في أوضة 'قمر' هي وماما والبنات، وكمان بابا اتصل عشان المأذون وصل.
أنا هسبقك على القاعة، متتأخرش.
تركه لينظر لأثره يود أن يخبره أنه لا يريد إكمال تلك المسرحية، لا يريد الذهاب والنظر لوجهها، تباً لخوفه على ترابط عائلته التي تقيده وتحبسه داخل سجن الأهل والأقارب والعائلة ولحمتها.
تحلى بأقصى درجات الصبر والتحمل، وحاول أن يسيطر على غضبه ورغبته في الذهاب إليها وسؤالها لماذا فعلت هذا به، لماذا غرست خنجر الخذلان في قلبه دون رحمة؟
فتح له الباب وانطلقت الزغاريد وأضواء فلاشات الكاميرات، ليجدها تقف أمامه، اليوم يراها على حقيقتها، وجهها شاحب يخلو من الابتسامة. صرخات الفتيات التي تشجعه على التقدم نحوها، لكن العالم صمت من حوله ولم يعد يسمع سوى صوت بكاء قلبه المكلوم. لا يعلم كيف أصبح أمامها، ينظر لها بجمود، أبى صوته الخروج، ولحظات صمته التي طالت جعلت الجميع يطالعه باستغراب، حتى هي تعجبت من نظراته التي كانت غريبة، وقد اختفى بريقها وأصبحت قاتمة بلا حياة، لتجبر لسانها على النطق أولاً بعد أن تعالت همسات الجميع لتقول بتوتر:
-_ مبروك.
أغمض عينيه وصوتها الذي كان يعشقه أصبح كسهام تغرس في قلبه فتمزقه، ليجيبها بذات الكلمة:
-_ مبروك.
'شمس' و'هدى' اللتان كانتا تتوقعان لقاءً مختلفاً، فالاثنتان يعلمان مدى حبه لها، لتقول 'هدى' في محاولة للاطمئنان عليه بطريقة غير مباشرة:
-_ مبروك يا حبيبي، ألف مبروك، ربنا يهنيكم ويسعدكم.
صوت والدته الدافئ أعاده للواقع، وتمنى لو يرتمي بين أحضانها باكياً يشكو لها جرح قلبه المتيم.
احتضنته كما فعلت مع شقيقه ليضمها بقوة زادت من خوفها عليه، لتبلع ريقها الذي جف من شدة الخوف وتسأله باضطراب:
-_ حبيبي أنت كويس؟
أدرك أن حزنه ظاهر وربما هو على وشك الانهيار ليتدارك الأمر ويخرج من أحضانها يمسح دموعه ويبتسم ابتسامة مصطنعة:
-_ أيوة يا ست الكل، ربنا يحفظك لينا.
-_ مبروك يا حبيبي، ربنا يسعدكم.
كان هذا صوت 'شمس' القادم من خلفه، لتتسارع أنفاسه فجأة وتمنى أن يصرخ يخبرها أن ابنتها قت*لته بدم بارد.
يود أن يخبرهم لولا خوفه عليها، لأنهى تلك المهزلة قبل أن تبدأ.
-_ الله يبارك فيكي.
كلمات مبعثرة خرجت من ثغره أتبعها بقبلة على رأسها.
**************************
جلس أمام 'فارس' الذي أمسك يده يشد عليها، وذلك المنديل الذي حمل اسمه واسمها موضوع فوقها، والمأذون يتلو عليه الكلام ليبدأ 'فارس' يردد الكلمات المطلوبة منه. كان يشعر بـ 'آلام' يطالعه ابتسامته العريضة، ليحاول اغتص*اب ابتسامة من رحم أوجاعه يرسمها على وجهه كستار يخفي خلفه حزنه العميق. كانت تجلس أمامه بجانب والدها.
ليسلط نظره عليها يرى اضطرابها وتوترها، ليبتسم بتهكم ويقول في نفسه:
-_ ياااا للدرجة دي مش طايقاني!
جاء دوره في الحديث ليوجه المأذون كلامه له، كان يردد ما يقال له بحرقة، كان الكلمات التي كان يحلم بترديدها دوماً كي تُكتب على اسمه وتكون زوجته وحلاله، تحولت اليوم إلى كابوس يخنقه.
انتهى عقد القران، وتسابق الجميع على تقديم التهاني والتبريكات، وهو يقف بوجه باهت، جسد بلا روح، فقد احترقت روحه وتبعثر رمادها بخيبة أمل.
وجد نفسه يقف أمامها، جذب يدها مرغماً لتتأبط يده، وسار نحو المكان المخصص لهم.
ليسمعوا منظمة الحفلة تدعوهم إلى رقصة "السلو" ليفتتحوا الحفل، وقفوا في المكان المخصص ليرتجف قلبه بغضب وهي تقترب منه، يدها اتي لمستها كانت كسياط من نار تحرق جسده، تجنب النظر لعينيها كما هربت هي من النظر إليه، وقربه يخنقها لكنها شعرت بتغيره اليوم، لكنها تجاهلت ذلك. يده التي كانت تحيط خصرها ارتعشت، يكتم رغبته في سحق عظامها، ليسخر من حاله وهو يتخيل لو لم يسمع كلامها لكانت هذه أجمل لحظات حياته.
وبالقرب منهم كان 'حسن' يراقص زوجته التي لم يرَ سواها اليوم، عيونها الخجلة، ويدها التي ارتعشت بين يده كما ارتعش جسدها بتوتر أسعده وهو يتأكد أنه أول من يلمسها أو يتعامل معها، كلماتها المبعثرة تسقي أفكاره وتريح باله، لينحني نحوها يقضي على المسافة بينهم ويهمس لها:
-_ بحبك.
كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تجعل جسدها يتخشب بين يديه، ليبتسم وهو يرى عينها التي اتسعت بدهشة ألجمت لسانها عن النطق، فلم يرحمها وانحنى يقبل وجنتها ويهمس لها:
-_ بحبك يا أحلى حاجة في حياتي.
كلماته أربكتها حتى كادت أن تتعثر لولا يده التي تمسكت بها، ليقهقه ضاحكاً من خجلها الذي زادها جمالاً.
أنتهت الرقصة لتدعو منظمة الحفل أصدقاءهم وأقاربهم للرقص معهم، ليزداد ارتباكها، وانكمشت تخبره بحرج:
-_ أنا مش برقص، مش عاوزة أرقص.
تمسك بها ينظر لها بسعادة ورضى وهي تحقق رغباته دون أن يطلبها، ثم قال بمكر:
-_ ولا أنا كمان، تعالي نرجع مكانا.
بادلتة الابتسامة وعادت معه.
أما 'قمر' فابتعدت عنه ووقفت كما وقف هو يراقبون الناس من حولهم تغمرهم السعادة، ولسخرية القدر هم تعساء.
***************************$
وعلى بعد خطوات كان 'زياد' يراقب المشهد من زاوية ثانية، وهو يشاهدها تقف بجانبه يبصر ابتسامتها البسيطة بقهر. لام قلبه الذي يخفق لرؤيتها، لقد ظن أنه قد نسيها وبدأ يعيش حياة سعيدة مع 'رحمة'، لا ينكر أنه بدأ يميل لها يرتاح لوجودها، ويشتاق للحديث معها، إذاً لماذا؟ صرخ بقلبه الذي انهارت مقاومته لمجرد رؤيتها، ليلعن ذلك الحب الذي أصبح كداء يتمنى أن يتخلص منه ومن هذا الصراع المقيت الذي بدأ يرهقه.
أغمض عينيه يدعك جبهته على ذلك الصداع الذي ضربه فجأة أن ينتهي، ليشعر بأناملها الرقيقة تحيط كفه وتسأله بنبرة قلقة:
-_ 'زياد' حبيبي مالك؟ أنت تعبان؟
أربكه سؤالها وزاد من توتره، ليلتفت نحوها ويجيبها بابتسامة مضطربة:
-_ لا يا حبيبتي متخافيش، بس الظاهر صداع من الإرهاق، ما أنتِ عارفة أنا تعبت مع 'حسين' النهاردة.
تشبثت تحيط ذراعه بخوف، عينها تطالعه بلهفة:
-_ حبيبي، طب تعال ارتاح، تحب نمشي وإلا نخرج بره؟
تعلقت عيناه بها يبصر لهفتها عليه وتعلقها به ليعتصره قلبه، فابتسم يربت على يدها التي كانت تمسكه، ثم رفعها يلمس وجنتها بحنان قائلاً يطمئنها:
-_ أنا بقيت أحسن لما شفتك.
بضع كلمات أبهجتها تجعلها تتعلق به أكثر وتسقط في عشقه مرغمة.
****************************
تجلس كجسد غادرته الحياة، جامدة بلا حراك، عينها لا تبصر أمامها رغم الضوضاء حولها، حتى لمحته يقف بعيداً.
فتعلقت عينيها به بألم، أغمضت عينيها تجبرها على النسيان.
رغم قلبها الذي يخفق مع ابتسامته لكن كرامتها صفعته تجبره على التخطي، كانت تصرخ به: أصمت، لم يعد ملك،لك لقد أصبح ملك لشخص آخر، ربما رؤيتها لانهيار 'قمر' اليوم منحتها شيئاً من القوة والإصرار على النسيان. لن تعيش على أنقاض قصة حب كانت من نسج خيالها فقط.
ستنهض من تحت ركام الوهم وتبحث عن طريق للعودة إلى الحياة، لن تسجن نفسها خلف أسوار الماضي وتكون ضحية لأحزانه، فتحت عينيها الدامعة تحاول أن تستجدي السعادة ولو كانت مزيفة، لتحفر بسمة شاحبة تستر احتراق روحها.
عين والدتها التي كانت تراقبها تحاول أن تفهم تقلباتها، فمنذ ان عادت معها لم تكن ابنتها التي ربتها، حاولت أن تلتقط أي شيء لتفهم ما يحدث بعد إصرارها على الإنكار كلما سألتها ما حل بها، لتدعي دوماً أنها بخير وهي تبالغ في القلق عليها.
لمحت إغلاقها لأجفانها بإرهاق، وتلك الدموع التي لمعت في مقلتيها، لتنظر إلى حيث تنظر هي، فتجد ابن شقيقتها.
بدأت تلملم الخيوط ببعضها لتجمعها فنسجت تلك الفكرة التي صدمتها، هل يعقل أن ابنتها كانت تحمل مشاعر له؟
لكن كيف؟ كان هناك دوماً حدود بينهم، وهي أكبر منه حقاً في بضعة شهور، لكن لم تتوقع أن تفكر به بطريقة أخرى.
تنهدت بأسى فقد فات الأوان، فمشاعرها وإن كانت بريئة محرمة، حتى وإن لم تبح بها
صغيرتها يجب أن تفيق.
يجب أن تتخطى، لكن كيف؟هذا ما كانت تفكر به، نادت عليها:
-_ 'ورد'... 'ورد'.
التفتت لها ببطء وقالت بصوت مرهق:
-_ نعم يا ماما.
-_ حبيبتي شكلك تعبانة.
أومأت برأسها تؤكد حديثها:
-_ أيوه، منمتش امبارح وتعبت مع 'قمر' النهاردة.
-_ طب يا حبيبتي قومي خلينا نقف جنب 'قمر'، دي مهما كان صاحبتك وشكلها بتدور عليكي، حرام يا بنتي دي معندهاش أخوات، وأنت طول عمرك كنتي ليها الأخت، بلاش التعب يخليكي تتخلي عنها النهاردة، يله وأنا معاكي.
لم تمنحها الإجابة، نهضت تجذب يدها وتسير بها نحو 'قمر' التي كانت تقف بجانب 'شمس' بوجه صامت، فشقت وجهها ابتسامة عريضة عندما رأتها تقترب منها، لتبادلها الابتسامة وتلوم نفسها، فيبدو أن والدتها كانت صادقة، 'قمر' تحتاجها بجانبها.
-_ كنت فين؟ متبعديش، خليكي جنبي.
هكذا عاتبتها 'قمر' وهي تتمسك بيدها وعينيها تترجاها ألا تتركها.
***************************
كانت 'أحلام' مندمجة بالتصفيق تراقب أحداث الحفل بحماس، لتجد من يقف بجانبها ويهمس لها:
-_ عقبالك.
التفتت لتجد 'شريف' يقف بابتسامة عريضة لتقول بانزعاج قبل أن تشيح بوجهها:
-_ متشكرة يا سيدي، عقبالك أنت كمان.
قطب حاجبيه مندهشاً من طريقة حديثها ليسألها بتعجب:
-_ أي مالك؟ لابسة وش خشب وبتجاوبيني كده ليه؟
لم تلتفت إليه وقالت بامتعاض وهي تربع يديها على صدرها بغيظ:
-_ أنت اللي عزمت 'لارا' على الفرح قاصد تغيظني مش كدة يا 'شريف'؟ عارف إني بكرهها ومش بحبها، بنت غتتة وتقيلة.
أشار نحو نفسه بتعجب وقال بانفعال:
-_ أنا قاصد أغيظك ليه يعني؟
تحرك خطوتين ليصبح أمامها يجبرها على النظر إليه ويقول بحنق:
-_ أولاً أنا ما عزمتهاش، هي جاية مع أخوها أنتِ عارفة إنه صاحب 'حسين'، وبعدين أنا عارف موقفك منها وعلاقتك الزفت بيها، هعزمها إزاي؟
كان جسدها ينتفض من شدة الانفعال وعينيها تواجه عينيه تخبره بغيرة مبطنة لم ينتبه لها هو:
-_ عشان كده كنت واقف معاها وعمال
تضحك من كل قلبك، شكل نكاتها البايخة بقت تعجبك.
حدق بها لحظات قبل أن ينفجر ضاحكاً ويرفع سبابته يضرب جانب رأسها ويقول مستهزئاً:
-_ هنا ما فيش مخ، هنا فيه زبالة.
لتضرب يده تبعدها عنها وتقول بغضب:
-_ أبعد إيدك ومتبقاش رخم واحترم نفسك يا 'شريف'، متخلينيش أتغابى عليك.
مط شفته بسخرية وقال لها بتحدٍ:
-_ أنتِ تتغابي عليا يا مفعوصة أنتِ؟
رمقته بنظرات غاضبة قبل أن تحاول المغادرة ليعترض طريقها بسرعة، وتتبلل حجة حديثه فيحاول تهدئتها والإيضاح لها:
-_ طب اهدي خليني أفهمك يا ستي، اسمعيني وبعدين امشي بزعابيبك.
وقفت مرغمة تحدق به بنظرات مستهجنة ليسترسل بلطف:
-_ يا ستي أنا ما كنتش بضحك على نكتتها الرخمة زي ما أنتِ فاهمة، إحنا كنا مجموعة واقفة وأخوها كان بيرخم على 'حسين'، عارفة هزار صحاب، وأنا ضحكت معاهم عادي، فهمتي يا أم دماغ زلط؟
لانت ملامحها قليلاً لكنها حافظت على جمودها وقالت باقتضاب:
-_ ماشي فهمت.
لينزعج ويقلد كلامها بفكاهة:
-_ "ماشي فهمت"، أي شويش واقف قدامي؟ ماتفكي يا بنتي، دي ليلة فرح متنكديش علينا.
صمتت ولم تعقب هي واكتفت بالتحديق به
بوجه عابس ليقول لها أمراً:
-_ اضحكي.
لكنها زمت شفتها بعناد ليقول بإصرار:
-_ اضحكي، مهو شوفي أنا مش ماشي من هنا إلا لما تضحكي.. اضحكي يا بومة عشان تطلع الصورة حلوة.
قالها يمد أصبعيه على شفتيه كأنه يعلمها الابتسامة، لم تستطع كتم ضحكتها لتضحك ويشاركها هو الضحك.
لمحت 'ندى' هذا المشهد من بعيد فتبدلت ملامحها وارتسم الحنق على محياها، لتلمحها 'شمس' وتفهم سبب غضبها.
لتتنهد بيأس وتقرر أن تخطو تلك الخطوة التي كانت تؤجلها وتضع حداً لتلك العلاقة.
******************************
وما بين ضحكات وحديث وبهجة، شارف هذا العرس على الانتهاء بقلوب حملت فرحة وقلوب حملت حسرة.
ورغم مقاومتها لدموعها طيلة الحفل لكن مدامعها ثارت عليها لتتساقط دموعها فتمسحها خلسة وهي تشاهد صغيرتها ستبدأ حياة جديدة وتبتعد عنها.
لتشعر بيد تحيط خصرها وتضمها، ابتسمت وهي تعلم هوية الشخص الذي سبقه عطره نحوها لينحني يقبل رأسها ويسألها بلهفة:
-_ ممكن أعرف إيه اللي مزعل حبيبتي؟
سندت رأسها على كتفه وتنهدت بحزن:
-_ هتوحشني يا 'فارس'... 'قمر' البنوتة الصغيرة كبرت وبقت عروسة.
مد يده يمسح دموعها برقة:
-_ دي سنة الحياة يا 'مشمش'..
ثم استرسل بهدوء يحاول طمأنتها:
-_ متخافيش، 'حسين' راجل يعتمد عليه وهيصونها.. إن شاء الله هتكون سعيدة ودا الأهم.
حركت رأسها تؤيد حديثه ليمازحها:
-_ما هو دلوقتي 'قمر' وبعدها 'سيف' إن شاء الله وبعدهم 'شريف'، خلينا نخلص منهم واحد ورا التاني عشان يخلي لنا الجو أنا وأنتِ يا غزال.
ثم قرص وجنتها يشاكسها:
-_ ونخلص من حكاية "فارس حاسب الولاد"، 'فارس' عيب، الولاد بيبصولنا، خليني أتمتع بخصوصيتي معاكي يا جميل.
هزت رأسها بقلة حيلة وضحكت ليغمز لها يخبرها بغزل:
-_ تعرفي أنتِ أحلى واحدة النهاردة.
ثم أكمل وهو ينظر لها بعبث:
-_ أحلى حتى من العرايس.
ابتسمت تعلم أنه يحاول التخفيف عنها لتقول بدلال:
-_ عينك الحلوين يا روحي أنتِ، ربنا ما يحرمني منك يا قلب 'شمس'.
****************************
انتهى ذلك الزفاف وذهب كل منهم إلى بيته، لكنه لم يستطع البقاء معها، كان يخشى أن يجرحها، دخلا معاً ليفتعل كذبة يستطيع معها مغادرة المكان، تبعها إلى غرفة النوم ليجدها تخلع ملابسها، اقترب وقف أمامها ثم حك رقبته بتوتر وقال متلعثماً:
-_ 'رحومة' أنا مضطر أخرج دلوقت، واحد صاحبي عامل حادثة ونقلوه المستشفى، لازم أروح أشوفه.
رفعت عينيها تنظر له بقلق قبل أن تنهض مقتربة منه تمسك ذراعه وتسأله بخوف:
-_ هو حالته خطرة؟
هرب من عينيها الخائفة التي تطالعه بلهفة، فتنغز قلبه بألم وإشفاق ليجيبها بتوتر:
-_ مش عارف يا 'رحمة'.
-_ هتتأخر؟
رفع كتفيه بعدم معرفة يجيبها بجهل ويده تتلمس خصلات شعرها المبعثر بعد أن خلعت حجابها يعيد ترتيبها برقة:
-_ إن شاء الله مش هتأخر، نامي أنتِ.
-_ هستناك.
ابتسم لها وقال رافضاً يقرص أنفها بمزاح:
-_ نامي يا أميرة ومتعنديش، احتمال أتأخر.
خرج وتركها قبل أن يتمادى في كذبته معها، كان يسير هائماً في الشوارع بلا هدف، وكل ما يراه أمامه صورة 'قمر' بثوب زفافها تجلس بجانب رفيق عمره، ثوبها الأبيض الذي طالما حلم أن يراها به، وكم تمنى أن يكون هو من يجلس بجانبها، تمادى قلبه يتخيل كيف أن 'حسين' الآن ينعم بقربها، كيف يسمعها كلمات غزله لتملأه الحسرة.
وتعصف به الغيرة من صاحبه، أخذ نفساً عميقاً يؤنب قلبه ويكمم صراخ توسله أن يتوقف، فقد تجاوز جميع الخطوط الحمراء.
**************************
سارت نحو الداخل بخطوات مرتعشة ليسير خلفها مبتسماً بحب حتى أصبح خلفها ليزداد جسدها ارتعاشاً.
مد يده يدير جسدها نحوه لتصبح أمامه، التقت عيناها بعينه لتسدل أهدابها بخجل.
انحنى يطبع قبلة على جبينها ويقول:
-_ ألف مبروك يا عروسة، نورتي بيتك.
ابتلعت ريقها بخجل وقالت بخفوت دون أن ترفع عينيها:
-_ الله يبارك فيك.
مد يده يرفع وجهها بأنامله لتواجه عينيه عينيها، لحظات كان يراقب فيها ارتعاش شفتيها، وذلك الخوف الذي سكن عينيها كأنها توشك على البكاء، ليقول بصوت دافئ يحاول تهدئتها:
-_ متخافيش يا حبيبتي، أنتِ بقيتي في بيتك جنب حبيبك اللي بيخاف عليكي أكتر من نفسه.
ابتعد عنها يشير لها نحو أحد الاتجاهات:
-_ روحي غيري هدومك وارتاحي ولو تحبي أنا ممكن أساعدك.
لتهز رأسها بعنف وتقول بسرعة ترفض عرضه:
-_ أنا هقدر أغير هدومي لوحدي.
ورغم ثقل فستانها أسرعت تدخل تلك الغرفة وتغلق بابها بسرعة، انفجر ضاحكاً على تصرفها وظل يحدق بذلك الباب المغلق بمكر يتمتم:
-_ فاكرة نفسك هتهربي والباب هيحميكي؟
تنهد بارتياح، فارتعاشها وخجلها وخوفها كل شيء فيها يجذبه ويؤكد له حسن اختياره.
*****************************
تملكها الخوف، لا تعلم ماذا سيحصل بعد قليل، اختفى منذ أن وصلوا وأغلق عليهم باب واحد، كانت تجلس بارتباك على سريرها تدع يديها ببعضهما من شدة توترها، قبل أن ترفعها تعض على أظافرها بقلق تخطف النظرات نحو باب الغرفة ولا تعلم ماذا تفعل، كيف تتصرف الآن؟ لحظات مرت كالسنين حتى وجدته يقف عند عتبة الباب لتزداد توتراً وهي تجد نظراته مسلطة عليها.
كان يطالع توترها بسخرية ليقول لها متهكماً:
-_ 'قمر'.
انتفضت عند سماع صوته وحاولت رفع رأسها المنكس تنظر إليه لكنها لم تجرؤ على فعل ذلك لتتفاجأ به يخبرها:
-_ أنا عارف إنك تعبانة ومتوترة، أنا هروح أنام في الأوضة التانية وأنتِ خدي راحتك.
تركها لترفع رأسها تنظر لأثره بتعجب، كانت تظن أنه سيتصرف بطريقة مختلفة فهي تعلم مدى شوقه لهذا اليوم.
تمددت دون أن تخلع ملابسها فقد تمكن منها الإرهاق، ليأخذها عقلها إلى 'حسن'، لقد أصبح اليوم ملكاً لغيرها.
تتذكر كم كان يبدو سعيداً بقربها ويبتسم بصدق عندما يسمع همسها.
تنهدت بحسرة لتنساب دموعها بقهر تفكر في حياتها القادمة.
***********************
دلف إلى الغرفة، فارتعد جسده فوراً. اجتاحه فيضٌ من الغضب كحمم بركانية ضربت أركان كيانه بلا رحمة، حتى شعر بدماء تغلي في عروقه. تسارعت أنفاسه لدرجة أنه تمنى لو يصرخ بكل ما أوتي من قوة، لكن صوته خانه. انتزع ربطة عنقه بعنف وألقاها أرضاً، ثم نزع ذلك الخاتم الذي لمع وسط الظلام وقذفه بعيداً؛ وكأنه يتخلص من قيدٍ يغل يده. ذلك الخاتم الذي أقسم يوماً ألا يغادر إصبعه حتى وفاته، بات الآن حبلاً يخنقه دون رحمة.
اتجه نحو النافذة وفتحها بقوة، مستنشقاً الهواء بعمق علّه يطفئ نيران قلبه. خرجت آهةٌ مكسورة من بين شفتيه:
-_ "آه... آه..."
شعر أن قلبه سيتوقف من فرط قهره، وتمنى لو يحدث ذلك فعلاً، لو تغادر روحه جسده الآن؛ فلم يعد يقوى على تحمل هذا الألم. لقد نحرته دون أن تسفك دمه، ودهست على كرامته بقسوة. تذكر كيف اعترف لها بحبه، بل وكيف أغدق عليها ذلك الحب بسخاء.
رفع يده وضرب جبهته بقوة عدة مرات وهو يشتم نفسه:
-_ "غبي... غبي! اعترفتلها بحبك وهي قلبها مع حد تاني؟"
هبطت يده لتلطم صدره هذه المرة، كأنه يلوم قلبه الذي عشقها:
-_ "كله منك! أنت السبب.. حبيتها بجنون!"
بدأت تتوالى في ذاكرته مشاهد جمعته بها، وكأنه يراها لأول مرة بوضوح، وكأن غمامة ضبابية انقشعت عن عينيه، فبصر بالحقيقة التي طالما حاول قلبه المتيم تجميلها. جلس على حافة السرير بجسد أثقله الوجع، يسأل نفسه بحرقة:
-_ "معقولة أنا ما كنتش شايف كل دا؟ معقولة هي كانت من البداية بتبعد وأنا المغفل كنت فاكرها بتخجل مني؟ معقولة كنت معمي كدة وحبها سحرني للدرجة دي؟"
لم يعد قادراً على كتمان قهره أكثر، فانهار باكياً بهستيريا، يجهش بالبكاء كطفلٍ صغير، يعاتب نفسه بين شهقاته، ويوبخ قلبه على ما أوصله إليه.
رفع رأسه يلهث أنفاسه الغاضبة يمسح عينيه بقوة ينظر إلى المجهول ويقول بحزم:
-_ المهزلة دي لازم تنتهي.
لينهض نحو الحمام يأخذ حماماً دافئاً سامحاً للمياه الباردة أن تلسع جسده علها تطفئ نيرانه، تساقطت المياه حوله وخالطت قطراتها حبات العرق التي غطت جسده من شدة انفعاله، سند بكفيه على الجدار أمامه يلقن قلبه الدرس ويخبره بحزم قراره الذي لا رجعة فيه.
******************'' '' '***' *********
ظل يسير في الشوارع حتى أنهك قدميه التعب ليقرر العودة إلى المنزل، دخل بخطوات حذرة خاشياً أن يحدث صوتاً فيوقظها، ليتسمر مكانه وهو يجدها ممددة على الأريكة، رأسها يستند على مقبضها وشعرها ينسدل حولها.
منظرها الطفولي جعل قلبه يخفق، يبدو أنها انتظرت عودته، اقترب منها وجثا أمامها يقترب منها أكثر ليزيح خصلات شعرها الطويل عن وجهها ويقبل وجنتها كأنه يعتذر منها.
يعترف لنفسه أنها تستحق شخصاً أفضل منه، هي تستحق السعادة الحقيقية، لا أن تعيش سعادة مزيفة يمثل هو فيها دور الزوج الحنون.
مد يديه يحملها نحو سريرهما لتستفيق تفتح عينيها بصعوبة إثر حركته وتلفظ اسمه بنعاس:
-_ 'زياد' أنت جيت؟
-_ أيوه يا حبيبتي، مش قلتلك متستنيش؟
عادت تغلق عينيها بأمان وتقول بتثاؤب:
-_ معرفتش أنام، قلت أستناك بره.
وضعها على السرير برفق ثم دثرها بالغطاء وانحنى يمسح على شعرها ويقبل جبينها يهمس لها:
-_ تصبحي على خير.
**************************
تململت لتفتح عينيها بثقل، دارت حدقتاها في المكان حتى استقرتا على ذلك الغافي بجانبها، لتبتسم بخجل وهي تتذكر لحظاتهم معاً، كانت سعيدة باهتمامه بها وكيف عاملها برقة وتفهم خوفها حتى استطاع كسر حواجز ذلك الخوف واقتحام أسوارها بحب.
ضمت جسدها بدلال تستشعر أنوثتها التي تغزل بها، وكيف جعلها تشعر أنها ملكة تستحق كل ما هو جميل.
عينها تأملته بحب وخفق قلبها الذي استطاع أن يملكه بفترة وجيزة، حاولت النهوض لتشعر بيده التي تكتفها، لتحاول إزاحتها بهدوء حتى لا توقظه، لكن ارتبكت بعد أن أفاقته حركتها، ضغط على عينيه قبل أن يفتح إحداهما ويبتسم قائلاً:
-_ صباح الخير.
توترت تخجل من جديد قبل أن تجيبه بتلعثم وعينيها تهرب منه:
-_ صباح النور.
ثم نهض يستند على كوعه يمسك بمعصمها يمنعها من مغادرة السرير بعد رؤيته لها تحاول أن تهرب من أمامه، ابتسم لها يشاكسها:
-_ عاوزة تهربي مني على فين؟
ثم غمز لها وضحك بعبث ساخراً من ملامحها التي اضطربت:
-_ ما أنا قلتلك امبارح مفيش هروب تاني يا روحي.
-_ عاوزة أعمل الفطار.
هكذا بررت له ووجها تكسوه حمرة الخجل:
-_ بس أنا مش عاوز أفطر.
لتعترض بتوتر يتملكها فيسعده في ذات الوقت:
-_ معلش أصل أنا..
أفلت معصمها لتعتدل وتنظر له بترقب خشية إغضابه، لكنه أومأ لها بتفهم:
-_ ماشي يا حبيبتي، اعملي الفطار زي ما تحبي.
ترددت وظلت تنظر له بحيرة لا تعلم هل تضايق منها أم هو يسمح لها بذلك، طالعها بدهشة وقال متعجباً:
-_ مالك يا حبيبتي بتبصيلي كدة ليه؟
لتسأله ببراءة فطرية تشير له نحو الباب:
-_ يعني عادي أمشي؟ مش هتزعل؟
قهقه ضاحكاً بسعادة فهي تمنحه من جديد الحرية في تشكيلها كقطعة صلصال، وتضيف إلى صفاته الطاعة العمياء وخشيتها من مضايقته. ابتهج وجهه واقترب منها يداعب وجنتها بحب قبل أن ينحني يقبل جبهتها لتغمض عينيها تستمع لكلماته بهيام:
-_ مش هزعل يا سكر، تسلم إيدك مقدماً يا قلبي.
أشرق وجهها بابتسامة عريضة تحدق به بحب قبل أن تبتعد متعثرة وتقف عند عتبة الباب، التفتت قبل أن تغادر تشير له بإصبعها متحمسة:
-_ تكّة كدة وهتلاقي أحلى فطار.
أرسل لها قبلة في الهواء لتفر من أمامه هاربة بخجل، ليرمي بجسده على السرير يسترخي بانتشاء.
**********'' '' ************
جافاه النوم حتى شوت عينيه تلك العروق الحمراء، انتظر حتى أطل الصباح وتجاوزت الساعة العاشرة لينهض متجهاً نحو غرفتها وطرق الباب عدة طرقات قبل أن ينادي عليها:
-_ 'قمر'... 'قمر'.
استيقظت على صوت طرقاته وندائه لها لتجد نفسها لا تزال ترتدي بدلة زفافها، نهضت تحمل ثوبها وتخطو مقتربة من الباب:
-_ نعم؟
-_ ممكن تخرجي؟ عاوز أتكلم معاكي.
خفق قلبها باضطراب وقالت بتوتر:
-_ ثواني أغير هدومي وأخرج.
جلس ينتظرها وقدمه تهتز بغضب، عينيه تطالع الساعة ثم تنتقل نحو الباب بترقب، مضى وقت ليس بقليل زاد من حنقه قبل أن تخرج وتقترب منه بتوتر، ليشير لها بالجلوس:
-_ اتفضلي.
جلست تطالع وجهه المتجهم بقلق، عينيه المظلمة بخوف لم تعتاده منه، ودون مقدمات أخفض رأسه ثم رفعها يحدق بها بـ ازدراء ويقول بهدوء:
-_ أنا سمعت كلامك مع 'ورد' امبارح.
شحب وجهها وارتعش قلبها بخوف، حاولت التظاهر بعدم الفهم وتقول بتلعثم:
-_ كلام إيه؟ مش فاهمة.
حدجها بنظرة حادة وقال بصوت غاضب تخلله القهر:
-_ إنك بتحبي حد تاني.
بهتت ملامحها برعب وازداد ارتعاش قلبها ليختض جسدها، تحرك رأسها تلوح بيديها أمامه وتصرخ رافضة:
-_ لا.. لا.. والله يا 'حسين' أنت فاهم غلط.. دا حب من طرف واحد، أنا مش وحشة زي ما أنت فاكر.
قتمت عينه فتضاعف خوفها وجثت على ركبتيها ترجوه:
-_ والله أنت فاهم غلط أنا... أنا...
لتختنق الكلمات في جوفها بخوف مع تسارع أنفاسها المذعورة وهي تجد نظراته يملؤها الاتهام، فتوسلت إليه:
-_ أقسم بالله... ما عملت حاجة ولا غلطت، دا حب من طرف واحد وحياة بابا وماما وغلاوة أخواتي، ما عملت حاجة غلط، دي أفكار وبس.
توقفت تلتقط أنفاسها وتلتفت يميناً ويساراً وأضافت:
-_ أنا مستعدة أحلفلك على المصحف إني مش زي ما أنت مفكر.
تلاشت الكلمات على لسانه وانهارت باكية تغرق الدموع وجهها، لكنه هذه المرة لم يتأثر بدموعها، فتابعت في محاولة لإقناعه:
-_ دا حتى اتجوز وبقى عنده عيلة.
ازداد وجهه غضباً يسألها بانفعال:
-_ عشان كدة وافقتي على الخطوبة؟
وضعت يدها على فمها تكتم عبراتها وتهز له رأسها بنعم، ليغمض عينيه يشعر بخنجر يغرس في قلبه، وافقت على الخطبة منه بعد زواج حبيبها! سألها دون أن ينظر إليها:
-_ أعرفه؟
اتسعت عيناها بذهول وتيبست الدماء في عروقها لتهتف بسرعة:
-_ لا.
ثم أكملت كاذبة:
-_ كان زميلي في الجامعة... ودي كانت مشاعر ناحيته، هو أصلاً ميعرفهاش.
-_ بس أنتِ لسه بتحبيه.
سؤال تمنى أن تكون إجابته مباشرة لكنها تلعثمت:
-_ أنا... أنا كنت...
لم يمهلها إكمال حديثها ليشير لها أن تنهض وتجلس أمامه لتطيع أمره بوجل، تنهد بحرقة وأخذ نفساً طويلاً وزفره ببطء، لينظر لها نظرة قاسية قبل أن يقول بصوت مزج بين الحدة والكسرة:
-_ شوفي يا 'قمر'، أنا مش هرضى على نفسي إني أعيش مع إنسانة مش متقبلاني وقلبها مع غيري، كرامتي فوق كل شيء، ولا أرضاها ليكي يا بنت خالتي تعيشي مع حد مش بتحبيه.
قاطعته برجاء:
-_ 'حسين' أنا مش..
رفع يده بوجهها يوقفها عن الكلام يطالعها بنظرة ساخطة ويسترسل:
-_ لكن أنا مش مستعد أكسر خالتي وعمي 'فارس'، هما مالهمش ذنب، عشان كده إحنا هنعيش سوا فترة ونقول إننا متفهمناش ونطلق.
أخفضت عينيها بخزي فقد أدركت أنه محق، فلم يعد هناك حل آخر.
عاد يلتقط أنفاسه المتسارعة يعاتبها بضيق:
-_ يا ريتك كنتِ اتكلمتِ من البداية، يا ريتك صارحتيني قبل ما نوصل للمرحلة دي.
قالت بندم:
-_ كنت خايفة.
ابتسم بحزن يردد حديثها متهكماً:
-_ "خايفة".. خوفك وصلنا لمرحلة صعبة، كنا ممكن نبعد قبل ما نتجوز، دلوقتي الوضع بقى أصعب بكتير.
هز رأسه بيأس وقال بقلة حيلة:
-_ ما عادش منه فايدة الكلام دلوقت.
نفخ أنفاسه المحترقة وقال بحزم:
-_ أنتِ هتعيشي هنا بنت خالتي وبس لحد ما ننفصل.
ثم تنهد بحرقة ينظر إلى إصبعه الذي خلا من خاتمها واختنق صوته يخبرها:
-_ ويشهد ربي إني كنت عاوز أعيش معاكي حياة جديدة نتشارك فيها كل حاجة وكنت صادق في مشاعري.
لينهض بسرعة يتركها تنظر لأثره بندم وخوف أن يخبر والدها أو أحد إخوتها، لتلطم خدها بصدمة قائلة بخوف:
-_ هو 'حسين' ممكن يبلغ بابا؟