رواية عشق علي خط النار الفصل الاول1بقلم بسنت محمد محي الدين


رواية عشق علي خط النار الفصل الاول1بقلم بسنت محمد محي الدين

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً عندما كانت "ليلى" تجلس في غرفتها المظلمة، يضيء وجهها فقط بريق شاشة حاسوبها المحمول. ليلى ليست فتاة عادية، هي عبقرية برمجيات ومحققة إلكترونية مستقلة، لسانها السليط وعفويتها يسبقان ذكاءها الحاد دائماً. كانت أصابعها تطير فوق لوحة المفاتيح وهي تحاول اختراق سيرفرات شركة شحن مشبوهة لمساعدة سيدة مسنة غلبانة من جيرانها تعرضت للنصب وضاع شقى عمرها كله في لحظة.

"تظنون أنكم أذكياء ومحترفون؟ لقد وقعتم في فخ ليلى المنشاوي يا معشر اللصوص!"، همست لنفسها بابتسامة نصر عريضة وهي تضغط على زر الإدخال لتنزيل الملفات السرية التي تثبت إدانتهم بالدليل القاطع.

لكن فرحتها لم تدم سوى لثوانٍ معدودة. فجأة، تحولت الشاشة بأكملها إلى اللون الأحمر القاني، وظهرت رسالة تحذيرية بخط عريض ومخيف: (تم رصد الاختراق بنجاح.. جاري تحديد الموقع الفعلي من قبل الإدارة العامة لمكافحة جرائم الإنترنت).

وقفت ليلى من صدمتها، وأوقعت كوب المقرمشات من يدها ليتناثر في كل ركن على الأرض. "يا مامي! أنا كنت بهزر، دا اختراق لايت والله وتجربة سريعة مش أكتر!". لم تكد تكمل جملتها حتى سمعت صوت فرملة سيارات عنيفة وقوية أسفل بنايتها، تلاها فوراً صوت خطوات عسكرية ثقيلة ومتلاحقة تصعد السلم بسرعة ترعب القلوب وتوقف الأنفاس في الصدور.

قبل أن تستوعب ما يحدث، تحطم قفل باب شقتها بعنف واندفع عدد من رجال الشرطة يرتدون ملابس سوداء واقية وخوذات حماية. وفي مقدمتهم، سار رجل بملامح حادة كالسيف، وعينين صقريتين تنضحان ببرود قاتل وثقة مطلقة، وجسد رياضي مهيب يرتدي سترة مدون عليها بخط مذهب "المباحث". كان هذا هو الرائد "مراد"، أصغر وأكفأ ضابط عمليات خاصة في الجهاز، والشخص الذي لا يعرف المزاح أو التهاون طريقاً لقلبه قط.

نظرت ليلى بذعر إلى الأسلحة الموجهة نحوها، ثم إلى الرائد مراد، ورفعت يديها ببطء شديد قائلة بنبرة كوميدية متوترة تحاول بها تلطيف الأجواء: "يا فندم والله دي النسخة الويندوز عندي مش أصلية وهي اللي عملت كدة لوحدها! وبعدين حضرتك وسيم وجاذب أوي لتكون ضابط حقيقي.. أنت أكيد جاي تصور إعلان هنا والبرنك ده هينزل فين عشان أعمل حسابي؟".

رمقها مراد بنظرة تجميد قاسية كفيلة بإنهاء النقاش، وتقدم نحوها بخطوات ثابتة جعلت الأرض تزلزل تحت قدميها الحافيتين. نظر إلى شاشة الحاسوب ثم وجه نظراته النارية إليها وقال بصوت جهوري حازم وصارم: "أنتِ ليلى المنشاوي؟ متلبسة باختراق أجهزة أمنية وموقع مشفر تابع لقضية تهريب دولية كبرى تخص الأمن القومي للبلاد. خذوها فوراً!".

"أمن قومي إيه وقضية إيه يا كابتن؟! أنا كنت بجيب وصل أمانة وضايع لطنط ميرفت جارتنا!"، صرخت ليلى وهي تشعر ببرودة الأصفاد الحديدية تلتف حول معصميها بقوة، بينما يسحبها الجنود لخارج الشقة وهي تكاد تتعثر وتفقد توازنها تماماً في خفها المنزلي الوردي ذو الفراء.

بعد نصف ساعة كاملة، وجدت ليلى نفسها تجلس في غرفة التحقيق المظلمة والباردة بمقر المباحث العام. الإضاءة القوية مسلطة على وجهها مباشرة لتزيد من توترها، وأمامها على الجانب الآخر من الطاولة يجلس الرائد مراد، واضعاً يديه فوق مكتبه وعيناه الحادتان لا تفارقان ملامح وجهها، محاولاً بدقة شديدة قراءة أي تعبير عن الخوف أو التخطيط الإجرامي المحترف.

أما ليلى، فرغم دقات قلبها المتسارعة التي تكاد تسمعها، لم يستطع لسانها الصمت أو الاستسلام للهيبة. نظرت إلى كوب الشاي الدافئ الموضوع أمام مراد وقالت بعفوية: "يا سيادة الرائد، ممكن بق شاي طيب؟ ريقي نشف من ساعة ما شرفتونا ونورتوا البيت، وحضرتك وشك خشب وجاد أوي صراحة، اضحك فكها كدة دي الدنيا فانية ومش مستاهلة كشرة وعصبية".

ضرب مراد بيده على المكتب الحديدي بقوة هائلة جعلت ليلى تقفز من فوق مقعدها برعب. "التزمي الصمت التام! أنتِ لستِ في رحلة ترفيهية هنا لتتحدثي بهذا الشكل المستفز. من الذي دفع لكِ المال لتخريب عمليتنا السرية الليلة؟ ستة أشهر كاملة ونحن نراقب هذه العصابة الدولية ونرتب للقبض عليهم، لتأتي فتاة مستهترة ومجنونة مثلك وتفسد كل شيء بضغطة زر واحدة!".

عدلت ليلى جلستها ونفضت الخوف عنها، وقالت بجدية مفاجئة لمعت في عينيها الواسعتين: "مستهترة؟ أنا لست مستهترة يا سيادة الرائد. أنا اخترقتهم لأنهم لصوص سرقوا الغلابة، وبما أنك تراقبهم منذ ستة أشهر كاملة ولم تفعل شيئاً ولم تقبض عليهم، فهذا يعني ببساطة أن جهازي المحمول الصغير هذا أسرع وأذكى من كل خططك العسكرية المعقدة والبطيئة".

تصلبت ملامح مراد تماماً واشتعلت عيناه بشرار الغضب. الغضب شل تفكيره لأنها الفتاة الأولى التي تتجرأ على السخرية من كفاءته المهنية المشهود لها في الوزارة كلها، لكن في نفس الوقت، تعجب بشدة من شجاعتها وقدرتها العالية على اختراق نظام عجز عنه كبار مهندسي الاتصالات.

وقبل أن يجيبها برده الصارم المعتاد، انفتح باب الغرفة الحديدي فجأة ودخل ضابط آخر ملامحه يكسوها الذعر الشديد والخوف، وهمس في أذن مراد بكلمات سريعة جعلت وجه الأخير يتحول إلى كتلة من الجمر المشتعل.

التفت مراد ببطء نحو ليلى، وقال بنبرة هادئة للغاية لكنها تحمل وعيداً مرعباً يثير القشعريرة: "يبدو أن غباءكِ وتطفلكِ تسببا في كارثة أكبر مما تخيلت. رجال العصابة الكبار علموا باختراقكِ لسيرفراتهم وتتبعوا الإشارة خلفنا، والآن هم يحاصرون المبنى في طريقهم إلى هنا لحرق المقر بالكامل وتصفية الحسابات.. والمستهدف الأول والأساسي في هذه المجزرة هو أنتِ".

اتسعت عينا ليلى برعب حقيقي هذه المرة، وابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مرتعش: "تصفية؟ أنا ماليش في التصفيات والمشاكل  انا بمشى جنب الحيط والله! طب فكني وأنا هجري أستخبى في أي دولاب أو تحت المكتب عندك!".

دوى في تلك اللحظة بالذات صوت إنذار الخطر عالي النبرة في أرجاء المبنى، وتبعه فوراً صوت انفجار هائل ومروع في الفناء الخارجي هز أركان الغرفة بعنف وتناثر بسببه الغبار وشظايا النوافذ.

سحب مراد مسدسه من غمده بسرعة البرق، وتحرك بحركات تكتيكية مدروسة لحمايتها، ثم التفت إلى ليلى وحرر يديها من الأصفاد الحديدية بضغطة مفتاح واحدة سريعة.

أمسك بملابسها من الخلف ليجذبها خلف ظهره العريض لحمايتها، ونظر في عمق عينيها قائلاً بصرامة قاتلة لا تقبل أي نقاش: "المعركة بدأت بالفعل.. إذا أردتِ البقاء على قيد الحياة، لا تفارقي ظلي أبداً ولا تفتحي فمكِ بكلمة واحدة!".

نظرت ليلى إلى المسدسات بذهول وإلى آثار الانفجارات بالخارج، وقالت وهي تحاول الركض لملاحقة خطواته الواسعة والسريعة وسط الدخان: "حاضر يا فندم هسكت خالص، بس لو متنا هنا.. افتكر إني قولتلك إنك وسيم جداً والكاريزما بتاعتك مفيش منها اتنين!".

                  الفصل الثاني من هنا
تعليقات



<>