رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني2الفصل الثامن عشر18 بقلم ايه محمد رفعت

رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني2الفصل الثامن عشر18 بقلم ايه محمد رفعت


وصل "كِنان" إلى الموقع، بعد تلقيه مكالمة "حيدر" يخبره فيها بأن الشاب الذي اختاره وفضله عنه، منذ ذهابه إلى اليخت ولم يعد حتى تلك اللحظة، نزع نظارته السوداء وهو يخطف نظرة سريعة إلى اليخت القابع بمنتصف المحيط، ثم تطلع إلى من أتى يقابله والشماتة ظاهرة على ملامحه مهما حاول اخفاءها: 
_كويس إنك جيت يا باشا، أنا خايف أتدخل أنا والرجالة جون يفكرنا ناوين على الغدر، والدنيا تزيط أكتر. 

شمله بنظرة نارية وتجاهله وهو يسأل أحد رجاله بخشونة: 
_إيه اللي حصل؟ 

خطف الرجل نظرة صغيرة صوب "حيدر" الذي أحاطه بوعيدٍ، فابتلع ريقه بارتباكٍ:
_سلطان أصر يروح لوحده، ومن ساعة ما راح بقاله أكتر من ساعة ونص مرجعش. 

عيناه مازالت قابضة على "حيدر" الذي ارتبك فور أن إلتقت عينيه برئيسه، تخطى "كِنان" الصبي، وبات قبالة "حيدر": 
_عيب تصيع على واحد صايع يا حيدر، أنا عارف إنك اللي زقيت سلطان يروحلهم بطوله، زي ما أنا عارف إنك فاهم خطورة الخطوة دي كويس. 

ردد بحقدٍ أفصح عما يخفيه: 
_هو مش ده اختيارك يا باشا اللي كنت عايز تركبه علينا كلنا من قبل ما حتى تقيم قدراته، اديه وقع وإتعلم عليه من أول طالعه. 

و ما كاد أن يسلط "كنان" غضبه عليه، حتى اهتز المكان من أسفل أقدامهم، وحينما سُلطت الأبصار نحو دوي هذا الانفجار المرعب، وجدوا النيران قد اشتعلت باليخت، والشظايا تتساقط فوق المياه بغزارةٍ.

اعتلت الدهشة المعالم، والشماتة رُسمت على وجه "حيدر" الذي لم يعنه شيئًا سوى تخلصه من ذلك المنافس الخبيث، والثقة تتضاعف لديه أنه من المستحيل أن ينجو أحدّ من بين تلك النيران الشرسة، الجميع حتمًا ليسوا على قيد الحياة. 

خابت ظنونه وتبخرت فور أن تسلل إلى مسمعهم صوت «الجيت سكي»، من قبل خروجه عن طريق النار المُشتعلة، وسرعان ما ظهر "زين" أمامهم، وهو يخرج من وسط النيران بشموخٍ جعل "حيدر" يبرق بصدمة وغضب كاد أن يسممه قبل أن ينفثه خارجه، لقد استهان بـ رجلٍ تربى بين ذخيرة الأسلحة، وفتيل القنابل، رجلًا كان "الجوكر" و"الأسطورة" و"الوحش الثائر" من أوائل قادته! 

دس "كِنان" يديه بجيوب بنطال بذلته السوداء، وابتسامته الخبيثة تحتل وجهه، نظرات واثقة شملته، وكأنه يثبت لرجاله جميعًا وعلى رأسهم "حيدر" اختياره، حتى أنه ردد دون أن يتطلع جواره: 
_مكايدك هتطولك في الآخر لو محطتش لنفسك راجع يا حيدر. 

لف برأسه إلى سيده وملامح الغضب والذعر تحتلان مُقلتيه، بينما أشار "كِنان" الى رجاله بالإنصراف، وقبل أن يمضى صوب "زين"، تمتم بعنجهية تعلوها راية الانتصار: 
_أنا نظرتي في الأشخاص مبتخيبش، عيب تشك في ذكائي بعد ما قضيت معايا السنين دي.

وأخفض من نبرته وهو يتقدمه:
_حجم جسمك مديك غرور كادب يا حيدر! 

وتركه يقتاد حقدًا وكراهية، ثم وقف يقابل" زين" الذي صعد بخطواتِ ملكٍ متوجٍ، يرنو إليه وهو يضع قبالته حقيبتين من المعدن، وبصوته الرجولي قال: 
_نصبولي الكمين لبستهم في حواجز اللجنة. 

ارتسمت بسمة على وجه "كِنان"، بينما يرفع" زين" صوته ليكون مسموعا لذلك الحاقد: 
_فاتتك حفلة القروش دي يا حيدر، بس ملحوقة مرة تانية تنضم لقايمة الكروش بس إنت صفي نيتك إنت بس. 

قالها وتطلع إلى "كِنان" الذي يراقبه بابتسامة إعجاب، وردد وهو يمضى صوب دراجته النارية: 
_أتمنى أكون أبهرتك مع إن فرحتك واصلالي من وأنا طاير بين النار. 

ووضع الخوذة فوق رأسه، ثم ضم أصبعين لجبينه كإشارة لمن خلفه يطالعه بغضب: 
_سلام يا كرش القروش المستقبلي!  

وما أن غادر حتى تعالت ضحكات "كِنان" عاليًا، ورأسه ينحني للأسفل وهو يهزها بعدم تصديق: 
_علم عليك من غير أي كلمة مباشرة! 

واضاف وهو يشير إلى الحقائب: 
_حط الشنط في عربيتي، وياريت تعقل وتهدي دنيتك من ناحية سلطان وإلا هتبقى خرجتك مع اللي لسه خارجين من الدنيا من شوية يا حيدر! 

قادر درجته بسرعة كبيرة، من حول المحيط، الذي مازالت النيران تقتاد باليخت المتفحم، بينما يهمس "زين" من خلف خوذته: 
_رحيم زيدان لو شاف حفلة الشوي دي، هيبقى فخور بيا عشر سنين لقدام! 
                                   ******
خرجت بعد أداء الإختبار تسرع بخطواتها لتصل له، وجدته يقف مع أصدقائه؛ فوقفت تبحث عنه بين مجموعة الشباب، وكلما تقابلت عينيه بها أبعدهما عنها، فيخيب أمالها، خاصة بعدما تأكدت بأنه مازال غاضبًا منها، وبالرغم من ذلك لم يتركها بالداخل إلا بعدما تأكد من إنها أنهت حل الإختبار بالكامل. 

استدارت لتغادر حينما حاولت لفت نظره للمرة الثالثة وتجاهلها، فاذا به يترك أصدقاءه ويرنو صوبها: 
_عايزة إيه يا تالا؟ 

استدارت إليه بلهفةٍ ظهرت على ملامح وجهها الرقيق: 
_نوح! 

سيطر على مشاعره أمام ندائها الذي سيطر على قلبه قبل أن يطول مشاعره، وتنحنح بخشونة: 
_خير؟  

تعجبت من نبرته الغريبة معها، وهتفت باستنكارٍ: 
_أنا كنت فاكراك مش شايفني وأنا بحاول أناديلك من ساعتها، بس من طريقة ردك اتأكدت إنك قاصد تتجاهلني يا نوح!   

أمسك بالكتب الخاصة به ووضعها على البلطو الطبي الخاص به: 
_مش بتجاهلك يا تالا، بحاول أحافظ على الحدود اللي إنتِ حطاها بينك وبيني جوه وبره الجامعة، مش ده المفروض يخليكِ سعيدة ومرتاحة إنتِ وأخوكِ! 

رمشت بأهدابها الثقيلة بحيرةٍ، وكأن من أمامها شخص آخر غير من إعتادت عليه، خرجت حروفها متلعثمة: 
_نوح!! ليه بتكلمني بالطريقة دي؟ إحنا جايين الجامعة مع بعض وجوه اللجنه كنت بتكلمني كل شوية، ليه أول ما خرجنا إتحولت كده! 

أبعد خصلاته للخلف حينما لفحتهما نفحة من الهواء البارد، التي استجاب لها فستانها الأسود الرقيق، وطرف حجابها الطويل، عسليتها الساحرة التي تتطلع له أضعفته وأرغمته لها قسرًا، فأرخى نبرته المشدودة: 
_إركبي عربيتك وإرجعي القصر يا تالا، أنا مش هرجع دلوقتي، كمال وأحمد والشباب كانوا متفقين معايا نخرج آخر يوم بالامتحانات. 

وما كاد أن يغادر من أمامها حتى اوقفته بكلماتها: 
_إنت زعلان من اللي حصل امبارح، عشان تيام زعقلنا لما شافنا تحت مع بعض! 

عاد يقف أمامها وهو يقرأ اللهفة والحزن بعسل عينيها الصافي، أدمى شفتيه السفلية بقوةٍ أدمتها، وعينيه تتجهان صوب أصدقائه المجتمعين على بعدٍ منهما، قبل أن يتركهم ويقف رفقتها. 

سحب "نوح" نفسًا ثقيلًا للغاية، وتطلع لها بوجعٍ: 
_أنا مقهور من اللي أنا بعيشه يا تالا، كنت فاكر إن عذابي انتهى لما بقيتي مراتي، بس الظاهر إنه كان وهم وعيشت فيه بطوله وعرضه، خدعت نفسي والحقيقة ان العقد اللي شاهد على جوازي منك محدش معترف بيه، لا أخوكِ ولا إنتِ ولا أي حد! 

وأضاف ببسمةٍ ساخرة ووجع رجولته يطمس عينيه السوداء: 
_عايزة تعرفي مالي؟ من شوية وأنا واقف مع صحابي بودعهم باليوم الاخير، اسلام فاجئني وقالي إنه معجب بيكِ وعايز يستغل إن ده اليوم الأخير لينا بالجامعة ويطلب إيدك، وعايزني وسطة بينك وبينه، تخيلي؟! 

وخز قلبها من الوجع الملموس عنه، وما كادت أن تتحدث، حتى قاطعها بقوله الغاضب: 
_حقه مهو مش كل اللي في الجامعة يعرفوا بقصة حبي ليكِ ولا بخطوبتنا اللي اتفسخت أكتر من مرة، ولا حتى بجوازنا اللي إنتِ مش معترفة بيه. 

وختم حديثه وهو يتجه ليعود إليهم: 
_إمشي يا تالا. 

وقفت محلها تتطلع له بدموعٍ برزت داخل مُقلتيها،  لم تتعمد أن تتسبب له بجرحٍ ولو صغيرًا، لقد وضعت بين كفتين كلاهما تشكلان نصف قلبها، ما بين أخيه وبين من أحبته منذ نعومة أظافرها. 

انسكبت دمعة خائنة على وجهها، أزاحتها "تالا" وراقبت محل وقوفه بين أصدقائه بنظرة طويلة، "نوح" الذي عشقها، وعشقه يبرهن لها صدق مشاعره، "نوح" ذاته الذي تحدى "هارون" بكل قوته لأجل حمايتها، وبالرغم من أنها زوجته تحل له، إلا أنه احترم رغبتها بكل حب ولم يرغمها يومًا على كسر حدود تحل له. 

قبضت على كتبها، وتنهدت وكأنها تتهيأ لخوض سباقٍ شاقٍ، ثم اتجهت إليه بجرأة لم تمتلكها يومًا، اخترقت جمعتهم ونادته بصوتٍ مسموع، قاصدة لفت انتباه جميع اصدقائه: 
_نـــــوح. 

برق بدهشةٍ، لدرجة أنه شعر أنه يتوهم، "تالا" لم تكن يومًا لتناديه بهمسٍ بالجامعة، كانت تتجاهله وترفض أن يقف رفقتها داخل الحرم الجامعي، رغم أن الجامعة تحتوي على الكثير من الجنسيات الأجنبية، والقليل من الجنسيات العربية.

 راقبها بذهولٍ مثلما يتطلع لها أصدقاؤه، فابتسمت وقالت بنبرة لطيفة: 
_نوح محروج يعتذر منكم على الخروجة دي، بس أنا بقى مش محروجة انتوا تقدروا ترتبوا ليكم خروجة في يوم تاني، أنا النهاردة عايزة احتفل بنهاية الإختبارات مع جوزي. 

برق الجميع بذهولٍ ودهشة، فتابعت لتؤكد شكوكهم: 
_أستأذنكم أستلف منكم دكتور نوح، عشان ورانا ترتيبات كتيرة خاصة بالفرح، كتب كتابنا كان عائلي وعلى الضيق بس الفرح هيوصلكم دعوات الفرح كلكم، هيسعدنا تواجدكم أكيد. 

انسحب زميلهم"إسلام" من بينهم، بينما تهافت الشباب يهنئون "نوح" الذي يراقبها بصدمة، جعلته لم يستمع لعتاب أصدقائه لإخفائه الأمر، كان يتطلع لها ومن حوله يتجمهر الشباب لتهنئته، فاذا به يعتذر منهم ويسرع إليها، جذبها برفق بعيدًا عنهم، حتى اصبحا أمام سيارته المصفوفة ببقعةٍ منعزلة، وهتف باستغرابٍ: 
_أفهم إيه من اللي عملتيه ده؟؟ 

تركت كتبها والبلطو الخاص بها على مقدمة سيارته وربعت ذراعيها أمام صدرها بغيظٍ: 
_مش معقول إن الـ genius (عبقري)  بتاع الدفعة مفهمش اللي قولته يعني! 

تطلع لها بتيهةٍ، وكأنها غير مفهومة له، فكت عقدة يدها وقالت وهي تتهرب من عينيه: 
_نوح أنا مخنوقة وعايزة أخرج، خدني أي مكان أتجن فيه أنا وإنت، ملاهي مثلًا إيه رأيك؟ 

عقد أحد حاجبيه بسخطٍ، ومازال يتطلع لها من الأعلى للأسفل بعدم تصديق، فأضافت وهي تشير له على سيارته: 
_مش قادرة أسوق، خدني معاك بعربيتك! 

لم يهتز بوقفته، مازال يتطلع لها بتركيزٍ، وكأنه ينتظر أن تنتهي عن تمثيل هذا المشهد المُتقن، فاذا بها تتنهد بضيقٍ: 
_طيب أعملك إيه تاني! ما أنا قولتلهم كلهم إني مراتك، وبقولك نستغل آخر يوم ونخرج مع بعض وإنت مبلم مكانك زي التمثال! 

خرج عن صمته أخيرًا وقال: 
_لأني حاليًا مش فاهمك،إنتِ عايزة إيه يا تالا؟ 

سحبت البلطو وكتبها، وهي تصيح بانفعال: 
_مش عايزة منك حاجة، أنا غلطانة حقك عليا يا دكتور. 

ركض خلفها يوقفها، وحينما رفضت ضمها من الخلف وردد وهو يلتقط أنفاسه: 
_احنا مبقناش صغيرين على لعب العيال ده، بتجري مني يا تالا! 

حاولت فك ذراعيه من حولها وهي تصيح بغضب: 
_ابعد عني، أنت مبقتش تحبني ولا يهمك زعلي. 

مال بذقنه على رأسها وهو يتنهد بوجعٍ: 
_حرام بعد كل المرمطة دي وتقوليلي الكلمتين دول، أنا مبعرفش أعمل في حياتي حاجه غير إني أحبك وبس يا تالا. 

هدأ غضبها واختفى كأنه لم يراودها من قبل، استكانت بين ذراعيه وهي تشعر برأسه يميل على كتفها، أحاطت يديه ورددت بحزنٍ: 
_أنا عارفة إن اللي بيعمله تيام بيضايقك، أنا مبقدرش أزعله وزعلك مني كمان بيزعلني يا نوح. 

أدارها إليه وقد تمكن من رؤية دموعها جيدًا، أزاحهما بإبهاميه: 
_بكره هيتقبل أني الوحيد اللي أستحقك. 

ومال يقبل يدها وهو يشير لها مُبتسمًا: 
_ نتجن في الملاهي؟ 

هزت رأسها بكل تأكيد وحماس: 
_طبعًا. 
                         ******
خرج بسيارته مكفهر الملامح، الخوف يطمس معالمه ويكاد يقتله بأرضه، منذ أن خرج من جناح "الديزل"، لدرجة جعلته يشعر بالإختناق، فوقف على جانبي الطريق يزحزح رابطة عنقه حينما شعر بالإختناق، يخشى أن يرفض" عثمان" انضمام "غزل" للعائلة، فإن أراد أن تتمم تلك الزيجة عليه أن يحصل على موافقته، وإن رفض ذلك سيخسر تلك الفتاة القوية، والتي لن ينالها إلا بالزواج، حتى وإن أراد الوصول لها بطرقه الدنيئة لن يرغب في ذلك، لأنه يشعر بأنه قد وقع بحبها، ويرغب بها بجواره. 

استكمل قيادة سيارته إلى المقهى الخاص به، وهو يتمنى أن يراها اليوم، ولج إلى مكتبه مباشرة، فاذا بأحد رجاله يدخل من خلفه والتوتر يظهر على معالمه. 

وضع "هارون" ساقًا فوق الأخرى وهو يهدر بانزعاجٍ: 
_خير يا مصطفى داخل قالب وشك على الصبح ليه؟ 

ابتلع ريقه بارتباكٍ، وهو يجاهد لخروج كلماته: 
_في أخبار جديدة يا باشا. 

انتبه له بتركيزٍ: 
_عن مين، تيام ولا كِنان؟ 

أشار بيده وهو ينطق: 
_الاتنين. 

زفر بحقدٍ دفين، وردد وهو يسند ظهره للمقعد: 
_اشجيني. 

أسرع باخباره بما جمعه عنهما: 
_تيام باشا علاقته باللي اسمه عمر ده زادت أوي، سابله إدارة المطعم بشكل كامل، وبيقضي معاه وقت طويل. 

_غيره. 
قالها وهو يشير له بفتورٍ، فتابع: 
_كِنان باشا اتعرف من فترة على شاب اسمه سلطان، دخله وسط رجلته واللي هيصدم حضرتك إنه خلص على رجالة جون إلياسان لوحده وفي عرض البحر! 

انتبه لما يقول، وخاصة أن "كِنان" من الصعب أن يثق بأحدٍ ويسمح له بالدخول وسط رجاله بهذة البساطة، رفع بصره إليه وسأله بوجومٍ: 
_اعرفلي حكاية سي سلطان ده إيه كمان! 

هز رأسه في طاعةٍ، وخرج على الفور، بينما يسحب "هارون" سيجاره يدخنه بغل وحقد انتقلا لنبرته الهامسة: 
_لولاه كنت قتلتكم إنتوا الاتنين ودفنتكم بإيديا، بس وماله كل شيء وله مدة صالحية، أول ما تنتهي بيترمي على أقرب زبالة! 

وسحب هاتفه يردد أمره بقذارة: 
_عملالي فيها قتيلة يا ****  ، اسمعي يا بت أنا مش هستني عليكِ أكتر من كده، الصبح تكوني هنا ومعاكِ قرار الواد ده. 

ونهض يضع سلاحه وأغراضه الشخصية، ثم مضى صوب الباب السري الموجود بالمكتب الخاص به، سلك الممر الطويل حتى وصل لغرفة ضخمة عبارة عن براد، يمد الأرفف المعدنية بالبرودة، حتى تحفظ الأنابيب التي تحتوي على "العقار النسائي" بكميات ضخمة. 

سحب "هارون" نفسًا طويلًا من سيجاره قبل ان يطمسه أسفل قدميه، ثم سحب كرتونة كبيرة من العقار، التقطتها وخرج بها من المخبأ السري، ثم تركها على مكتبه وضغط على زر جانبي. 

دقيقتين وولجت له فتاة من العاملات بالمقهى، ترتدي ثيابًا تكشف مفاتنها بشكلٍ مقزز، تضع الخواتم المعدنية في كل جزء من أذنيها وانفها، وجسدها بشكلٍ خليع، رنت منه بطريقة اعتادت عليها ولكنه صدها بخشونة ونفور اجتاحه فجأة تجاه النساء: 
_خدي الجرعة دي وزعيها على البنات، على بليل تكون  اتباعت كلها. 

وسحب كأسًا من الخمر المحرم، يتجرعه وهو يتابع: 
_ومتنسيش توزعي على حبايبنا. 

غمزت له وهي تهز رأسها: 
_عنيا يا باشا. 

اوقفها فجأة بعدما حملت الكرتون وكانت بطريقها للخروج: 
_استني. 

توقفت محلها تتأمل ماذا يريد بعد، اقترب منها "هارون" يسحب أنبوبا صغيرا مما تحمله ونظراته أصبحت شيطانية، خبيثة، لا تنذر بخيرٍ في ساحته التي شهدت على كل جُرمٍ إرتكبه بحق الإنسانية. 

إشارة يده لها جعلتها تخرج في صمتٍ، بينما مازالت يده قابضة على الأنبوب، يتعمق بالتطلع لها كأنها تحمل مصيرًا مجهولًا، يتراقص بين إصبعيه. 

تلاشت معالم الغيرة والغضب الساحق عنها، وتشكلت ابتسامة ساخرة على شفتيها، تناولت من العصير الذي ترتشفه ببرود، وهي تتابع هاتفها وتحافظ على السماعات الموضوعة بأذنيها أسفل خصلاتها الصفراء الطويلة، والنظارة التي تخفي ملامحها بجدارة، فإن رآها وعينيه بعينيها لن يستطيع التعرف عليها ولو بقى ألف عامٍ. 

تركت "مرين" كوبها، وخطفت نظرة سريعة تجاه الفتاة التي ظهرت بالساحة الداخلية للمقهى، شملتها بنظرة متفحصة وراحت تراقبها ببرود وهي تتصنع انشغالها بالهاتف، بينما تهمس بسخرية: 
_أحلامك تافهة زيك يا روني!  

وأغلقت هاتفها بعدما استمعت لحواره المتبادل بين تلك الفتاة، ورأت بذاتها احتفاظه بالأنبوب الصغير، وقد قرأت نيته بوضوح. 

وضعت الهاتف بحقيبتها وتركت مبلغا من المال على الطاولة، ثم نهضت تخرج وهي تتطلع صوب الكاميرات بخطى رزينة واثقة، لحقت بها حتى خروجها الكامل من عرينه الفاسد. 
                              ******
«المعضوضة من أكيلة لحوم البشر أخدت أمر مباشر من روني عشان تتلون عليك، بالتوفيق يا جنرال ويا ريت متندرجش في القذارة وتنسى المهمة!» 

راقب "ياسين" رسالتها ببسمة خبيثة، أغلق جهازه وتمتم وهو يراقب ساعته: 
_ريحة الغيرة واصلالي عندي هنا عنيدة هانم. 

جلس يراقب ساعة يده، وأصابعه تطرق على المقعد بضجرٍ، حتى أتاه تحقيق شكوكه حينما تعالى صوت جرس الباب الخاص به، ابتسم بثقةٍ ونهض يبعثر خصلاته حتى يتصنع أنه نهض من نومه للتو. 

فتح باب شقته ليستقبل أول خطوة يخطوها "هارون" إليه، وجدها تقف أمامه بفستانها الفاضح، والميكب المبالغ به، الذي وضعته لتخفي آثار مشاكسته العنيدة، بينما ترفع له زجاجة الخمر وهي تبتسم بمكر: 
_قولت دي أقل حاجة أكافئك بيها بعد تعبك معايا، ها ليك بشرب الصبح ولا بليل بس؟ 

سيطر على نفوره منها ومما تحمله، بينما يشير لها بيده: 
_ليا طبعًا، اتفضلي يا قمر! 
                         ******
بدأ "تيام" العمل على تطوير مخدر "الشابو" بأمر من "عثمان"، جاهد عقله كثيرًا، وأرهقه بالتفكير، وحينما لم يصل إلى برٍ آمن عاد يفعل ما كان يفعله سابقًا رغم اختناقه الشديد، جاهد لمضاعفة النوعية تحت المجهر الخاص به، وبعد وقت أبعده وتنهد بمللٍ من فشل أول تجربة له. 

نزع ما يرتديه وهو شاردٌ فيما مضى من حياته، كان سابقًا لا يستسلم حتى وإن فشل مائة مرة، ولكنه الآن تغلب منه الضجر والنفور من تلك المهنة المخزية. 

صعد "تيام" إلى غرفته، إتجه إلى الشرفة الزجاجية الخاصة به، وقف يتأمل الحدائق بنظرة هائمة من فرط الهموم، وفجأة رأى شقيقته تهبط من سيارة "نوح"، وهي تحمل عُلبة كبيرة من غزل البنات، باقة من الزهور، والعديد من الأكياس المغلقة. 

تبدد عنه الغضب والضيق حينما لاحظ فرحتها وسعادتها الظاهرة بعينيها، رآها تتمسك بيده فور أن هبط خلفها من السيارة، وعلى ما يبدو بأنها كانت تشكره. 

بالأسفل. 

أمسكت" تالا" يد "نوح" بسعادة ورددت بعشق: 
_مهما قولت مش هعرف أوصفلك سعادتي باليوم ده يا نوح، رجعتني عيلة صغيرة بضفاير، انا كنت حاسة إني طايرة من السعادة، ولولا خوفي من تيمو مكنتش هخليك ترجعني الوقتي خالص. 

منحها ابتسامة عاشقة، وعاطفته تحوي كل ذرة حب لها: 
_يا روحي ربنا يقدرني وأسعدك، وأحققلك كل اللي بتتمنيه يا تالا. 

غمست أصابعها بين أصابعه وبصدقٍ قالت: 
_إنت، إنت بس اللي بتمناه من دنيتي كلها يا نوح. 

خفق قلبه بعنفٍ بين ضلوعه، فإذا به يقبل أعلى رأسها ويضمها بقوةٍ: 
_وأنا ملكك يا تالا، وبكره دنيتنا هتبدأ مع بعض. 

استكانت بين ذراعيه وقد تركت كل مخاوفها من خلفها، تمنت أن تصبح آمنة معه حتى آخر يوم قدر لها الحياة فيه. 

بالأعلى. 
انطفأت شعلة غضبه وهو يتأمل مشهدهما معًا، مال برأسه على حافة الشرفة والبسمة الصغيرة تجلت على شفتيه، رغم غضبه الشديد وعدم رضاه باختيارها الكامن داخل تلك العائلة الملعونة، ولكنه الآن يشعر بالرضا بأن ذلك "النوح" تمكن من إسعاد شقيقته حتى وإن عاند ورفض تصديق ذلك! 
                               ******
تناول ما وضع أمامه وهو يتابعها ببرودٍ، بينما تمشط الردهة بخطواتها المنفعلة التي طوت السجاد من أسفل قدميها من فرط غضبها المشتعل، ضربت كفًا بالآخر وكل دقيقة تمر عليها تتفحص الباب السري للمنزل. 

طرقت كفًا بالآخر، وهي تتمتم غضبًا، جعلها مثل جمرة النار المتحركة، وإذا بها تتوقف وتستدير صوب ذلك الذي يتناول طعامه بجمودٍ، كأنها غير مرئية له. 

سحبت "مرين" المقعد المقابل له، تدقق النظر فيه وتمتم بسخط: 
_قاعد تكمل أكلك ولا على بالك أن البيه صاحبك بيقر علينا واحد ورا التاني! 

استكمل "زين" تناول طعامه بنفس البرود، فصاحت بانفعال: 
_خلي عندك دم يا زين، بقولك سمعت هارون الحقير بيتفق معاها أنها توقعه. 

توقف عن مضغ الطعام وتطلع لها بوجومٍ ساخر: 
_وإنتِ مصدقة إن ده حد يوقعه بذمتك؟  

تمتمت بتلعثمٍ وارتباك: 
_ميقعش ليه؟ هو الرجل الحديدي يعني! 

ترك "زين" الملعقة وقال ساخرًا: 
_مروان يا أشطا فكك من اللف والدوران وتعالالي دغري كده، إنت الغيرة واكلاك على الواد ومش قادر تتلون فبلاها أم الأسطوانة الحمضانة بتاعت هيكشفنا وهيقر علينا دي. 

وتابع وهو يرمقها بغضبٍ: 
_وبعدين المفروض تكوني خايفة عليا من اللي أنا داخل عليه بعد ما اخباري وصلت للكلب ده، مش شاغلة بالك بسهرة ياسين مع أنثى القنفذ دي. 

حدجته بنظرة غاضبة، وهي تحاول أن تحبس غيرتها داخلها، ولكن قلبها كان يتمرد عليها رغمًا عن أنفها: 
_زين خد بالك عشان الناس دي مش سهلة، وأولهم اللي اسمه كِنان ده، أكيد مش هيجازف ويدخلك العالم السفلي بتاعهم إلا لما يتأكد منك 100 في الـ100،اللي خضته النهاردة ده جزء بسيط جدًا من اللي بيحصل هناك. 

ترك ما بيده وأجابها بجدية: 
_عارف، وجاهز لاختبارته كلها، المهم أحط رجليا على بوابة الدخول للعالم القذر ده. 

تجلى الحزن بزُرقتها فجأة، ورددت بصوتها الخافت: 
_بتمنى اللي شوفته على تليفون الكلب ده ميكنش  له علاقة بالعالم القذر ده. 

لمس الوجع بنبرتها فتذكر تلك الأيام العصيبة التي عاشوها معًا، وكيف عافر ثلاثتهم في الصغر للخروج مما وقعوا فيه، لذا نهض عن محله واتجه يقف قبالة مقعدها، يلمح بصيص دموع قابضة تلمع بمُقلتيها، قبض على يدها وقال بقوة يبثها لها: 
_جرى إيه يا شريك ده أنا بقول عليك قوي وأد أي حاجه، قلبت قوام كده!

وأضاف وهو يحاول أن يمازحها: 
_وبعدين اللي حصل زمان ده حطنا على أول الطريق، وخصوصًا باللي عملناه إحنا التلاته مع الكلاب دول. 

مالت برأسها إليه فحاوطها وهو يقف محله، متابعًا بسخرية: 
_مروان اشطا مينفعش يكون بالمشاعر الرهيفة دي، فوق وسخن عشان خناقتك مع الواد اللي مقضيها مع أنثى القنفذ ده. 

وأبعدها وهو يطرق على كتفها بقوةٍ: 
_عايزك مسيطر من يوم يومك، متتعاملش مع الجارحي وعيلته إلا بالسلاح والقنابل المسيلة للدموع عشان دول ناس رقيقة ملهاش في حفلة شوي إبليس توابيت. 

ضحكت بملء ما فيها، وفجأة تلاشت ضحكتها وقالت بجدية: 
_مارال وحشتني أوي يا زين، خدني ليها، إنت وعدتني! 

اتسعت ابتسامة حالمة على وجهه فور أن نطقت حروف إسمها، فإذا به يردد بهيامٍ: 
_كوكيز قلبي وحشتني ومشتاق ليها فوق الشوق شوق يغطي العالم من مصر لإيطاليا وواصل لحد عندها. 

احتقنت مُقلتيها غضبًا، فلكزته بقوة ألمته: 
_متحبش فيها، قولتلك لسه مبقتش مراتك! 

تآوه بصوتٍ مسموع وهدر ساخطًا:
_إلهي يفصلوكِ عن كل لحظة رومانسية تخش في حياتك البائسة دي يا بايرة، ده إن حصلت المعجزة يعني وسمحتي للواد يلبسك دبلة فضة حتى. 

ودفعها بوجهها للخلف بغيظ: 
_غوري إلبسي هخدك للكوكيزاية بتاعتي، بس وقسمًا بربي يا مروان لو قلبتها عليا لأحرمك من شوفتها تلات أربع خمس مهمات، وإبقي قابليني لو الجوكر أو الأسطورة عرفوا يخليوكي تشوفيها أثناء أداء المهمة زي ما أنا بقدر أعمل، مهو الشبح معداش على الجهاز غير مرة واحدة يا بنتي!!! 

رتبت خصلاتها بغيظٍ وهي تكز على أسنانها بحدة، وفاجأته حينما ناولته لكمة أصابت أسفل عينه، فضمها وهو يصيح بوجعٍ، ويحاول أن يمسكها،ولكنه لم يستطع حتى رؤيتها من شدة ما أصابه، فأسرع لحوض الإغتسال، يغسل عينيه وهو يتمتم بعصبية: 
_هموت وأعرف بيحب فيكِ إيـــــــه؟ ده إنتِ سفاحة يا ماما. 

وأضاف وهو يتفحص حجم الضرر الواقع عليه: 
_لا وكل مهمة بيتدشمل عشانك يا بايرة!! 

راقبته وهو يتحرك للبراد، ويضع قطعة الثلج فوق عينه بينما يطالعها بشرار: 
_أخالف مبادئي وأمد إيدي عليكي، ولا أعمل فيكِ إيـــــــه!! 

اتجهت صوب الدرج ورددت دون مبالاة: 
_مش هتأخر في اللبس يا شبح الجهاز اللي متكررش. 

صك أسنانه غيظًا، فسحب البيض الموضوع قبالته، وبنصف عين يحدد مكان الإصابة بتركيزٍ، تراجعت "مرين" للخلف وهي تترجاه برعب: 
_شعري لا يا زين، بليـــ...! 

تلاشت بقية كلماتها فور أن استقرت الثلاث بيضات فوق رأسها، فجلست أرضًا بصدمة جعلتها توشك على البكاء بينما من خلفها يغمز لها بانتصار وسخرية: 
_هيصفر من صفار البيض يا بت، بعملك صبغة طبيعية! 
                              ******
ظن أنه سيوقع به بفريسته التي تنجح بإرغام جميع الرجال على يدها، ولكنه لا يعلم أنه ليس رجلًا من قطيع الرجال الذين ينجرفون خلف امرأة! 

تهاوت على الأريكة بعدما فشلت في محاربة هذا الدوار الذي اجتاحها فجأة، رأته يتخلف عنها وصورة وجهه تبتعد عنها حتى سقط دون وعي على الأريكة. 

نهض "ياسين" يتطلع لها بابتسامةٍ ساخرة، ثم اعتدل بجلسته بثقة بعدما زرع بعقلها الباطن المعلومات التي ستذهب بها إلى ذلك الحقير، والآن حان دوره هو!! 

إتجه لها وجلس على مسافة منها يناديها: 
_اسمك الحقيقي إيـه؟ 

فتحت نصف عين وهي تستمع لصدى صوتٍ بعيدٍ عنها، ولكنها رددت بصعوبة: 
_صفية، اسمي صفية. 

وضع ساقًا فوق الأخرى وهو يتابعها بنظرات صقر يتربص لكل حرف سيفيده بمهامه: 
_هارون لاوي دراعك بإيه عشان تكوني تحت جناحاته كده؟ 

رددت بتلعثم وهي تكاد تفقد بصرها: 
_بنتي، بنتي معاه. 

ضيق عسليته بدهشة، وبدأ يطرح سؤالًا آخرا: 
_عندها كام سنة؟ 

نطقت بثقلٍ وقد بدأت بالبكاء: 
_16 سنة. 

تفحص ساعته باهتمام، ستفقد الوعي بعد أقل من ستين ثانية، أنصت جيدًا لهمساتها وهي تردد بعشوائية: 
_بنتي... هارون بيهددني... هيدخلها مزاد... الدرك ويب!!!!!!!!!! 

اختفى عنها الوعي وعينا "ياسين" تظلمان كظلام ليلٍ مخيفٍ، واشك على التهام نور الصباح المشرق، حملها للفراش ونهض يحوم بالغرفة بصدمة وشرود بالملف المتبقي الذي فشلت "مرين" بفتحه إلى الآن، على ما يبدو بأن كل حقيقة يكتشفونها عن تلك العائلة ستظل نقطة مظلمة داخل أعماقهم القذرة. 
                            ***** 
 تفاجأ بـ "آيلا" تعرض بثا حيا من أمام جناحه، تجعدت ملامحه ذهولًا من قوة تلك المرأة، التي أتت تباشر عملها وإصابتها لم تكن هينة بالمرة. 

سمح لها "عثمان" بفتح الباب؛ فمضت "قدس" إلى الداخل تبحث عنه بآعين باردة، فوجدته يقابلها بنظرة لم تكن محملة بالغموض مثلما اعتادت، رنت إليه تضع الحقيبة الطبية من يدها وبجمودٍ رددت: 
_تحب نبدأ بإيه، بالتمارين ولا بتشخيص الحالة للمرة المليون؟ 

أفرجت شفتيه عن بسمة لم تصل لرماديتيه، وقال: 
_بتخيريني بالكلام ونظراتك كلها إصرار على الفعل!   

وأضاف وهو يستند على ذراعيه: 
_إنتِ جايبة كل القوة دي منين يا دكتورة؟! 

انحنت تجاهه ورددت بهمسٍ خافت وهي تفتح حقيبتها بينما عينيها تقابل عينيه: 
_من نفس المكان اللي جايب منه ذكائك وخبثك يا وحش القلعة! 

ضحك بصوت مسموع، بينما تحيط هي ساقيه بأجهزتها، وتردد بحزمٍ كأنها أستاذة تدرس له: 
_وبعدين بقى، عايزة أشوف شغلي من فضلك. 

تبسم وهو لا يصدق أنه يحصل على الأوامر الآن، وهو الذي اعتاد أن يأمر فيُطاع دون أي نقاش، فإذا به يهتف بسخرية: 
_حاضر يا مس. 

سددت له نظرة محذرة، وفعلت الجهاز فتفاجأت به يسألها باهتمامٍ: 
_ارتبطتي قبل كده يا قُدس؟ 

تركت ما تفعله وتطلعت له ببلاهةٍ، يطرح سؤالًا بعيدًا كل البعد عن محيط حوارهما، فرددت: 
_أفندم! 

تعمق بعينيها بمكرٍ، اندمج بنبرته: 
_إيه الإجابة صعبة للدرجادي، ولا اللي دخل حياتك هو اللي سابلك وجع صعب. 

مالت تجلس على حافة الطاولة من خلفها، حتى باتت على نفس مستوى مقعده: 
_وإنت إيه دخلك بحياتي الشخصية؟ 

أبقى على ثباته وأجابها: 
_مجرد فضول ولا مش مسموح يكون عند وحش القلعة فضول تجاه الدكتورة المعالجة ليه! 

قابلته بمكر يفوق مكره وقالت: 
_لما تجاوبني على نفس السؤال وقتها أفكر أجاوبك. 

تلاشت عنه ضحكته وكأنها لم تزُرْه يومًا، فأسرعت تحاوطه قبل أن ينسحب من الحوار: 
_شوفت بقى إن في خصوصيات مينفعش نتكلم فيها، والدليل  أهو وشك جاب ميت لون، ناقص تقلب على معدن ماتيو المرعب ده. 

ترقبت أن يتحدث عن أي شيء، ولكنه بقى صامتًا ويديه تتمسك بحواف المقعد المعدني، نهضت "قدس" تستكمل عملها حينما فقدت الأمل بالحديث، تصنمت يدها حول الجهاز حينما قال: 
_كانت حبي الأول ومراتي وأم أولادي. 

استدارت إليه وهي لا تصدق بأنه نطق أخيرًا، فإذا به يستطرد وهو يتعمق بعينيها بقوةٍ: 
_جاوبتك وبسهولة. 

ابتلعت ريقها الهادر، وتماسكت أمام تلك المشاعر التي وُلدت بداخلها له: 
_كانت! 

هز رأسه وبوجعٍ ملموس: 
_لما كشفتي عليا عرفتي إن اللي حصلي كان نتيجة حادثة، وفي نفس الحادثة دي فقدت مراتي الحامل في توأم. 

تأثرت بما قاله بشكلٍ جعل الدموع تتلألأ بعينيها، جلست على الطاولة مجددًا أمامه، وقد انسكبت دموعها حتى وهو لم يبين لها أي حزن أو ألمٍ لما خاضه، فقالت بشفقة: 
_ربنا يرحمهم ويصبرك على الفترة اللي عشتها دي. 

غير "عثمان" الحديث عن هذا الأمر، حينما سألها: 
_مجاوبتنيش يعني يا دكتورة، في حياتك حد؟ 

هزت رأسها وهي تستدعي صوتها الهادر: 
_لا، عمري ما سمحت لحد يدخل حياتي ولا هسمح بده. 

زوى حاجبيه بدهشة ساخرة: 
_عندك عقدة ولا إيه؟ 

ازاحت الدموع العالقة بأهدابها، وقالت بضحكة هادئة: 
_لا مش للدرجادي، بس زي ما تقول كرهت الرجالة كلها بعد وفاة بابا الله يرحمه. 

تعجب من جملتها فاستكملت وهي تضغط على الجهاز المتحكم بساقيه: 
_بابا كان بالنسبالي راجل مختلف عن كل الرجالة المحاطة بيا، ولو هنتكلم عن العُقد فكانت من نصيب ماما، وهي بدورها حكيتلي عن اللي عاشته مع جوزها الأول ولولا بابا دخل حياتها كانت فضلت بعقدتها لحد ما تقابل وجه كريم. 

ومازحته ضاحكة: 
_ويمكن لو ده كان حصل مكنتش وقعت في طريقك وطريق ماتيو المريب بتاعك ده! 

ابتسم على حديثها، وسألها بنبرة هادئة نادرًا ما يلتحف بها: 
_فضولي قاتلني لخوفك الكبير من ماتيو، رغم إنك تباني قوية وجريئة. 

اجابته باندفاع مضحك: 
_أي قوة وجراءة هتيجي وأنا شايفة كوم حديد واقف يبرقلي، ومستنيني أغلط عشان يقتص من حياتي!! 

واضافت وهي تشير بيديها معًا كأنها ترسم لوحة: 
_شكله مخيف، ضخم جدا وأد الإنسان الطبيعي مرتين، المفروض يكون بشكل أقل عشان حتى وإنت بتديله أوامر تحس إنك المسيطر عليه وإنك الأقوى مش العكس. 

تحررت ضحكاته مجددًا، وردد بصعوبة بالحديث: 
_أوعدك أفكر في النقطة دي، وجايز لو اقتنعت أغير في شكله. 

زمت شفتيها بقلة حيلة، وتمتمت وهي تعيد الجهاز بعد تمام العشر دقائق: 
_لسه هتفكر، يبقى مفيش أمل! 

أغلقت حقيبتها وقالت وهي تعدل الرابطة المعقودة حول رأسها المُصاب: 
_كفايا كده النهاردة، بكره هنكرر التمرين بس مش عشر دقايق، ربع ساعة، وكل ما هتجتازه هطول المدة. 

وحملت حقيبتها وما كادت أن تغادر حتى أوقفها بندائه: 
_قـدس! 

استدارت إليه فرفع يده وعلى الفور تحرك المقعد صوبها، انتظرت ما سيقول، فاتخذ دقائق حتى نطق: 
_ينفع أقولك حاجه ومتجادلنيش بعدها أو تنزلي بأسئلتك الكتيرة؟ 

تعجبت مما يقول، ومع ذلك هزت رأسها بتأكيد، خطف نظرة غريبة لها ثم قال بغموض فشلت فشلا ذريعًا في فهمه: 
_إمشي من هنا يا قدس، المكان ده مش مكانك، القصر ده مقبرة من جوه، بيبلع أي شخص بيعدي عليه، وإنتِ متستحقيش تكوني ضحية من ضحاياه، الأوامر الصادرة هنا محدش بيقدر يعارضها حتى وحش القلعة بنفسه. 

كادت أن تتحدث وتطرح سؤالًا منطقي عما يقصده ولكنه أوقفها بإشارة يده وهو يتابع: 
_لو مش عايزة تسيبي مامتك تكمل اللي باقي من حياتها لوحدها إمشي، خدي الفلوس وارجعي مصر، إنتِ هنا مش في آمان وفي وجودي أنا شخصيًا. 

تحررت عن صمتها باستفهامٍ: 
_ليه بتقول كـ.... 

أنهى حواره حينما انسحب بمقعده وهو يصيح بصرامة: 
_أغلقي الباب من خلفها آيلا. 

انفتح الباب من أمامها، ومازالت تقف أمامها تتصنع الإرتباك والتوتر مما قاله، بينما ينهي مقابلتهما: 
_بكره الصبح لو جاني خبر إنك مشيتي هعرف إنك عاقلة وبتحسبيها صح، و أعتقد ان ده اللي هتعمليه لكن الخيار التاني هيأكدلي إنك آ... 

وقطع حديثه قصدًا، متمتمًا بسخرية: 
_إنك مجنونة ودماغك لاسعة! 

وإتجه للداخل وهو ينهي اللقاء: 
_مع السلامة يا دكتورة! 

غادرت "قدس" الجناح بأكمله وعقلها لا يستوعب أي لعبة جديدة يلعبها تلك المرة، ولكنها لمست صدق مشاعره حينما أخبرها عن زوجته وأولاده، حتى حينما طالبها بالرحيل!! 

لقد تركها حائرة فيما قرر كشفه لها حتى ترحل عن القصر، وكل خطوة يخطوها معها تؤكد لها حديث "ياسين"،" عثمان التميمي" ليس سهلًا بالمرة، بل يفوق كل توقع وضعته هي و وضعه فريقها بأكمله!! 
                                     *****

انتهت للتو من عملها المرهق بالمشفى بعد طول يومٍ جعلها تتمنى بتلك اللحظة التمدد على فراشها باسترخاءٍ، تأففت "مارال" بضيقٍ حينما وجدته يعيق طريقها مجددًا، يتودد إليها بصوتٍ جاهد لجعله مغريًا منذ أن رأته بأول أسبوع لها بالمشفى :
_هل تطل الشمس ليلًا أم أن الكوكب برمته إنعكس خشية من جمال عينيكِ.

زفرت وهي تهمس بسخطٍ:
_إنت مش هترجع غير لما عزرائيل يحضر ويقبض روحك في أي وقت.

واستطردت وهي تلتفت من حولها بخوف، وكأن قلبها يشعر بوجوده:
_وإنت ابن حلال ومش خسارة في الموت!

رسمت "مارال" ابتسامة بالكاد تخفي توترها الشديد، ورددت من بين اصطكاك أسنانها:
_سيد ماركو أتمنى أن لا يجمعنا حديثًا آخر سوى العمل، أنت لا تعلم من أي جهة قد تتلاقى ضربة حظك!

رمش بعينيه بعدم فهم:
_ماذا تقصدين سيدتي؟

أتته لكمة قوية جعلته يرتد للخلف بغتة لما أصابه، فرمش بعينيه بصدمةٍ وتصلب جسده الذي احتضن أرضية المشفى الفاخرة، علمت من يقف خلفها دون أن تستدير، فلعقت شفتيها بتوترٍ وهي تندفع بحديثها قبل أن تستدير للخلف رويدًا رويدًا:
_هو اللي آ..

قاطعها ذاك الملثم ذو الكاب الأسود، وهو يجيبها ببسمة قاتلة:
_عارف يا روح قلبي.

وعدل من البلطو الطبي الذي ترتديه، وهو يردد بكلمات ثقيلة واثقة:
_قولتلك قبل كده متقلقيش من شيء، أنا جانبك ومعاكِ  حتى لو كنت في آخر بقاع العالم كله، هتلاقيني بتمشي فيه كأنه أوضة وصالة كده!

ضمت شفتيها معًا وهي تراقب ذلك الذي يحتضن الرخام كاللوحة الفنية المغرية، ورددت بضجرٍ:
_مش هتبطل تضرب الناس بقى يا زين؟!

ابتسم وهو يحرك قلادة ميداليته بتسليةٍ:
_أنا ملاك بجناحين، هما اللي بيستفزوني يا كوكيز قلبي. 

قوست جبينها بشكٍ، جراء كلماته البعيدة كل البعد عن وصف الملاك، فاقترب منها "زين" وهو يحذرها ومازالت عيناه يقتلها الثبات والرزانة القاتلة:
_خلصي شغلك يا حبيبتي، وأنا هستناكِ فوق وخلي بالك عيونك الجميلة دي متشفش غير إصابة المريض اللي قدامك وإلا هيحصل الحقير اللي مرمي ورايا ده.

ابتلعت ريقها برعبٍ جلي، ورددت بصوت يكاد يكون مسموعا:
_هو أنا عندي القدرة إني أركز في شيء وإنت على طول محاوطني شبه الشبح!

ابتسم لتخمينها الذكي للقبه المصون المنسوب إليه بجدارة، فعادت تؤكد بارتباكٍ:
_زين إنت فعلًا بترعبني أنا مبحسش بوجودك ولا بخروجك!  آآ... آنت فعلا شبح!

زوى شفتيه وهو يغمز لها بزيتونته:
_كفايا إن أنا حاسس بيكِ!

ارتبكت من قربه المباغت لها، فتابعها بتمعنٍ واستمتاعٍ، وأشار لها وهو يرتدي قبعته من جديدٍ:
_خلصي واطلعي أوضتك على طول، معايا مفاجأة هتعجبك أوي. 

وخطا عنها فاستدارت تتابعه، لتجده يستدير إليها ويعود يدنو منها مرددًا ببسمةٍ خبيثة:
_حضري نفسك في أي وقت هتلاقيني عندك عشان تمضي العقد.

ضيقت عينيها بذهولٍ:
_عقد! عقد إيه؟

جحظت عيناها في صدمة، فأشار لها بمكرٍ وغادر، ثم فاجأها حينما طل برأسه من خلف الحائط حتى يجيبها:
_عقد جوازنا،  الجوكر بنفسه وقعه وواقف بس على إمضتك.

 وجذب الكمامة ليطمس ملامحه وهو يشير لها
بينما يلف جاكيته الأسود من حوله:
_اقنعته إن مهمتي صعبة وإن فرصة نجاتي قليلة فحابب  لما أموت تكوني على عصمتي! 

واختفى ثم عاد يطل برقبته مجددًا وهو يتابع وعينيه تهلك عاطفة عشقها إليه:
_إنتي عارفة عمي ميرفضليش طلب.

وغمز بمشاكسة وهو يغادر:
_حضري نفسك يا دكتورة، في لحظة وإمضة هتبقى حرم  زين رحيم زيدان.

وتركها وغادر ثم عاد يطل برقبته للمرة الثالثة يخبرها وهو يحك جبهته بمكرٍٍ شيطاني:
_بصراحة أنا خدعت الجوكر، أنا اللي حابب نكتب كتابنا عشان أتواقح براحتي!

جحظت عيناها صدمة، بينما يغمز لها: 
_هستناكِ فوق أنا والمفاجأة متتاخريش يا كوكيزاية. 

وغادر تلك المرة تاركها تتمتم برعب: 
_أطلعله إزاي ده بعد اللي قاله!  

وأضافت وهي تزيح العرق عن جبينها: 
_اطلبله بوليس الآداب ولا أكلمله عمي!!! 

اتجهت لغرفة مكتبها تنزع البلطو الطبي عنها، وتستعد للمغادرة، وهي تشعر بالتوتر حيال أمره. 

بينما بالأعلى، ولج "زين" للداخل حيثما ترك "مرين" بالداخل، فما أن رأته خطفت نظرة خلفه بلهفة وحينما لم تجد شقيقتها تساءلت بقلق: 
_فين مـارال؟! 

أجابها وهو يتفحص الغرفة بنظرات عاشقة: 
_جاية ورايا يا مروان اهدى. 

وتخلف عنها بعدم مبالاة،  بينما تحتفظ عينيه بكل زاوية بالغرفة التي تقطن بها حبيبته، جلس على الفراش ويده تتمسد برفقٍ على الوسادة، بينما تتجه زيتونته لتلك الشرفة التي حصل منها على أجمل كلمة أنعشت قلبه، وانتهت على سراحتها، التي حملت أدواتا بسيطة للاعتناء بشعرها ومرطبات لوجهها فقط. 

نهض "زين" يتصنع الجلوس على  السراحة، وفي لحظة سرق المشط الخاص بها، وبينما يعتدل بوقفته انتبه لنظرات "مرين" النارية، التي درست كل حركة صغيرة فعلها منذ دخوله للغرفة، فإذا بها تهدر بتحذير: 
_رجع اللي خدته بدل ما أقفلك عينك التانية. 

تأفف "زين" بانزعاج وصاح: 
_متندمنيش إني جيبتك معايا يا اشطا، اعقل كده وركز في تسريحة شعرك، سيبني أركز في الكلمتين اللي هقولهم للكوكيزاية بتاعتي، مش ناقصة فرهدة هي الله يكرمك. 

ربعت يديها أمام صدرها بسخرية، والعنف يبرز بنبرتها: 
_لا مهو إنت مش هتقول الكلمتين اللي بتحفظ فيهم دول، ويا ريت تحترم نفسك لحد على الأقل تكتب الكتاب. 

غمز لها بمشاكسة وقال: 
_هكتب والله العظيم لأكتبه وفي القريب العاجل، عشان أكبت أنفاسك دي، ومش بعيد أبور شعرك ده بمكنة الحلاقة بتاعتي حلاوة كتب كتابي! 

صاحت بعنفوان: 
_إنت مصمم تتضرب تاني!!! 

كاد أن يشتبك بلسانه معها، ولكنه انسحب عنها فور أن انفتح الباب وطلت منه "مارال" تهتف بعدم تصديق: 
_مـــــــــــــرين!!! 

انتبهت لشقيقتها تهرول صوبها باكية، فأسرعت إليها تتلقفها بأحضانها، وكلتاهما غارقتا بالبكاء من شدة اشتياق كلا منهما للأخرى، بينما يتابعهما "زين" بتأثرٍ ومحبة تجتاح شقيقته وحبيبته. 

ربتت "مرين" على ظهر شقيقتها وتساءلت بنبرة باكية: 
_عاملة إيه يا حبيبتي طمنيني عليكي؟ 

ابتعدت "مارال" عنها تطالعها بعتاب وهي تجفف دموعها: 
_لسه فاكرة تسألي عني؟! أنا مزهقتش أسئلة عليكي لبابي ولزين، بس هو وفى بوعده وجابك ليا. 

ومنحته نظرة ممتنة وقالت: 
_ربنا يخليك ليا يا زين، إنت أسعدتني بجد. 

أبعد "مرين" للخلف وصاح بهيامٍ: 
_يا روح قلب زين، وحياة زين اللي متعلقة بين السما وبين الأرض، لا طايل جنتك ولا حتى مُكنة في أرضك! 

لكزته "مرين" بغضب وصاحت: 
_بتزقني كدا ليه، إبعد عايزة اتكلم مع أختي! 

لف يده حول كتف "مرين" وقال: 
_مش انتِ أختي بالرضاعة، يبقى هي كمان أختي، سيبني أخد راحتي بالكلام معاها، الحوار اللي عايزها فيه مهم وميحتملش أي تأخير يا مروان! 

لوت شفتيها بتهكمٍ وصاحت بنفور: 
_يا ريتها كانت هي اللي رضعت معاك كان زمانها لا تجوز ليك وخلصنا. 

صرخ بوجوم وغضب: 
_بعيد الشر عنها وعني يا بومة!! 

كادت "مارال" أن تسقط من فرط الضحك، ورددت بصعوبة: 
_إنتوا مفيش فايدة فيكم، مهما كبرتوا مش هتتغيروا أبدًا. 

وتابعت وهي تتطلع له: 
_وبعدين زعلان من كلامها ليه، ما  كان نصيبك  هيحدفك على أجمل مزة في العيلة كلها، شعر بني وعيون زرقة وآ... 

قطع كلماتها بصياح مضحك: 
_ابلعي الجارحي هيفخخنا بالمتفجرات، ده مش طيب القلب ولا له في الهزار زيي يا ميري! 

ضحكت مجددًا، فابتسم وهو يغازلها: 
_يا روحي على الجمال اللي بيدوب قلبي في كأس عصير دايب من كتر السكر والفاكهة العايمة جواه! 

دعست "مرين" قدمه ورددت ببرود: 
_حاسب الكوباية اتكسرت. 

واسترسلت بضيق: 
_لما بتعمل كده في وجودي في غيابي بتنيل إيه؟ 

اجابها بنبرة صادقة ومضحكة: 
_بحترم نفسي عشان كاميرا مراقبة ابليس توابيت! 

ضحكوا معًا بينما اشار لهم "زين" بجدية: 
_هسيبكم مع بعض شوية، بس مطولوش لازم نمشي قبل ما حد يحس بينا. 

أشارتا له بتفهم، فكاد بالخروج لولا ان أوقفته باهتمام: 
_زين إيه اللي في وشك ده؟ 

منح شقيقتها نظرة حادة وقال: 
_كنت هقتل اللي عمل فيا كده بس لأجل الإهتمام ونظرة الخوف دي عفوت عن مروان اشطا اعفاء مُؤقت! 

وتركهما وغادر على الفور، بينما عادت "مارال" تضم شقيقتها وهي تهتف بحنين لها: 
_وحشتيني أوي يا ميري، ها قوليلي بقى إيه آخر تطورات قصتك مع ابن أنكل عدي؟! 
                                     *****
صف سيارته بالاسفل، وصعد الدرج بخطواتٍ متهدجة، فإذا بباب المكتب السفلي ينفتح ويأتي صوت هذا المقزز: 
_شرفني هنا يا باشا. 

أغلق "كِنان" عينيه بقوةٍ وهو يسيطر على انفعالاته بصعوبة، فاستدار للخلف وهبط يتجه إليه وهو يجزم أنه إن استنزف أعصابه سيقبض على عنقه وليحدث ما يحدث بعدها. 

ولج لمكتبه فاختنق من رائحة الدخان القاتلة، والخمور التي تفوح منه، وقف أمامه يطالعه بنزق: 
_خير يا هارون باشا، لو سكران ومحتاج تطلع اللي عندك لحد شوفلك دكتور نفسي أنا للأسف مش فاضيلك. 

قالها واستدار ليغادر، ولكنه توقف حينما قال: 
_مين سلطان ده؟ 

قال ومازال يوليه ظهره:
_راجل من رجالتي يعني ميخصكش. 

قالها في نفس لحظة ظهور "تيام" على باب المكتب، بعدما أرسل "هارون" في طلبه هو الآخر،ليستمع الى صوت "هارون"  الغاضب: 
_ازاي ميخصنيش، بتدخل واحد ما بينا في شغلنا اللي أنا المسؤول الأساسي عنه قدام الديزل وتقولي ميخصنيش!! 

راقبه "كِنان" ببرود نتج عن قوله الساخط: 
_إنت صدقت نفسك ولا إيه؟ المكانة اللي بتتكلم عنها دي تخصني حتى لو الظاهر للكل إني انسحبت منها، وإنت بنفسك عارف كده. 

وأضاف وهو يرنو إليه ببطءٍ: 
_إنت متسواش من غيري يا هارون، ومهما عملت عمر الشريحة ما هتنفع معاك. 

وخطف نظرة إلى "تيام" الذي يتابعهما بصمت: 
_إحنا اللي شايلين الليلة دي كلها مع عثمان، أنا بقوتي وتيام بذكائه، إنت ولا حاجة يا هارون، سامع ولا حاجة. 

تأجج حقد "هارون" وكراهيته الشديدة لهما، فراقبهما بنظراتٍ مشتعلة وصاح بحقد: 
_ده اللي انتوا بتقنعوا بيه نفسكم، أنا الكل في الكل، بمزاجكم أو غصب عنكم، صحيح إن الشريحة منجحتش معايا بس بردو هتفضلوا تحت جزمتي بمزاجكم أو غصب عنكم. 

إلى هنا وكفى، تحرر "تيام" عن صمته، ولكمه بكل قوته وهو يصرخ بشراسة:
_جزمة مين يا كلب، لا عشت ولا كونت، موتك على إيدي يا هارون، والله محد هيقتلك غيري سامــــــع! 

فصله "كِنان" عنه سريعًا، مهما حدث لا يود أن تصل الأمور بينهم لتلك الدرجة التي ستستدرج غضب "الديزل"، نهض" هارون" وقد احاطه اثنان من رجاله بعدما هرولوا إليه من الباب الخارجي للحديقة. 

وقف يجفف الدماء عن شفتيه النازفة، ونظراته الحاقدة تشملهما، وابتسامة مرعبة تتشكل على محياه، فاذا به يهتف بنبرة أكثر رعبًا للضحايا التابعة لكليهما: 
_التمن هيكون غالي أوي على اللي عملتوه ده، وزي ما أنا شايف نظرة التحدي والقوة اللي في عنيكم دي بكره هشوف الذل والإنكسار من اللي هعمله فيكم. 

واستطرد بخشونة وهو يتطلع إلى"كِنان": 
_بكره الصبح اللي اسمه سلطان ده يكون في المخزن، هيخضع للإختبارات اللازمة اللي بعدها هنقرر بيها إذا كنا هنقبل بيه يكون من رجالتك ولا لا. 

وسحب بصره ل"تيام" الذي يطالعه بتقزز ونفور: 
_أما انت بقى فسي عمر بتاعك سبقك واتحط تحت المجهر والصبح هيجيني قراره. 

وختم قوله وهو يتحرك من بينهما متعمدًا ضرب كتفيهما: 
_خليكم فاكرين وعدي ليكم. 

وتركهما وصعد للأعلى، فتحرك "تيام" للأعلى على الفور يبحث عن شقيقته بلهفة وخوف، وحينما وجدها تغفو بسلامٍ تمدد جوارها يضمها بوجعٍ وهو يفكر كيف سيقضي على ذلك الخنزير، لا يعلم أن ذلك القذر سيسدد انتقامه كاملًا على من سيكشف عنها حجاب الظلم والهوان. 
                               ******
"ولج "كِنان" إلى جناحه مهمومًا، كلما يقتاد شره تجاه "هارون ويشعر بأنه سيتخلص منه يعيد" عثمان" تقييده بالسلطة التي منحها إياه، وبأخيه وزوجته المتعلقين برقبته. 

نزع جاكيته وفك أزرار قميصه باختناقٍ شديد من تفكيره في خطوة انتقام "هارون" القادمة، والتي لا يتوانى عن التوقف أبدًا. 

تفاجأ بها تغفو على المقعد الهزاز بالشرفة، وقف يتابعها بابتسامة عاشقة، فما أن شعرت به حتى رددت قبل أن تنفتح عينيها: 
_كِنان! 

اتجهت زُرقتها لمحل وقوفه، فإذا بها تهرول صوبه، تلقفها بين أحضانه واستكان على الحائط من خلفه بإرهاق، تمسكت به "رزان"، وتمتمت بنعاس: 
_يالا شيلني وطلعني للهوا، أنا مخنوقة هنا. 

ضحك بصوتٍ مسموع، وهدر بسخرية: 
_إنتِ أخدتي عليا بزيادة حبتين، فهميني طيب أنا إيه بالنسبالك، لو الحكاية ضاربة معاكِ كده أجبلك طيارة بطيار خصوصي ليكِ، تقضي ليلك ونهارك بالهواء الطلق! 

رفعت رأسها إليه وقالت بنصف عين: 
_ لا أنا عايزة سوبر ماني هو اللي ياخدني فوق. 

ردد بسخرية: 
_سوبر إيه؟ 

هدرت بضحكة عالية: 
_سوبر ماني! 

ضحك معها وفجأة ابتعدت عنه تنتزع حذاءها وتعود له وهي تفرد ذراعيها كالطفلة الصغيرة: 
_يلا يا كيوي ارفعني فوق، عايزة أنام على كتفك. 

عبث بنصف عين وكأنه يهددها:
_كيوي!! 

أسرعت تحيط رقبته بدلال: 
_متتلككش عايزة أطلع فوق أنا!! 

أحاطها بحبٍ، وصعد بها وهو يتمسك بها بإحكام، بينما تميل هي على كتفه ومازالت تحاوطه، لتترك هيام العشق بينهما ينسدل كستار يحميهما من الأعين. 
                             ******
ما فعلوه به جعله كالبركان الثائر، لم يجد ما يخمد به غضبه سوى تلك المُستكينة بتعبٍ شديد، أبعد عنها الغطاء وصاح بصوتٍ جهوري: 
_هو أنا كل ما هتزفت أدخل الجناح هلاقيكِ مستموتة، قــــــــومي. 

انتفضت على مسكته التي جذبتها عن الفراش، بشكل رطمها بالارض فصرخت بألم وهي تتمتم: 
_آآه.. في أي يا هارون!! 

ركلها بقدميه وهو يصرخ: 
_في إيه!! في إني قرفت منك ومن برودك ده، قومي اتنيلي اغسلي خلقتك دي. 

علمت مغزى حديثه، فابتلعت ريقها بارتباك وقالت: 
_هارون أنا تعبانه من الحمل، من فضلك سبني أرتاح. 

قالتها ونهضت تتمدد على الفراش بتعب بدا على ملامح وجهها، ولكنه كان يبحث عن الحجة ليأدبها عوضًا عما فعله به "تيام" بالاسفل، فإذا به ينزع حذاءه ويرنو لها هاتفًا: 
_وأنا هريحك على الآخر. 

ضمت جسدها وعينيها تبرقان بصدمة: 
_إنت هتعمل إيــــــه؟! 

تهاوى عليها بأول ضربة طالت بطنها وظهرها، فصرخت صرخة مداوية وترجته:
_آآه... حرام عليك... 
لم ينصع لكلمة منها وتهاوى بالضرب المبرح عليها، غير مبالٍ  بتوسلاتها بأن يرحم ابنها وابنه، ولكن شيطانه أعماه عن كل  شيء، وما يراه هو انتصار "تيام" اللحظي عليه! 


تعليقات



<>