
رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني2الفصل التاسع عشر19 بقلم ايه محمد رفعت
أفاق من غفوته المريضة على بحر من الدماء يحاوط تلك المُلقاة أرضًا، وقد مست دماؤها المنهمرة من بين ساقيها حذاءه، ومع ذلك لم تهتز بهذا الحقير شعرة، بل استكمل طريقه حتى جلس على طرف الفراش، يشعل سيجاره، ويدخنه بغلٍ يجتاحه حينما يُعاد من أمامه ما فعله "كِنان" و"تيام" به.
اعتدل على الفراش وتمدد وهو يرتدي حذاءه، ومازال يدخن بشراسةٍ، حتى أنهى سيجاره، عقله الشيطاني يحتفل بأول خطواته الانتقامية على "تيام"، ويضع من أمامه مخططات أخرى للانتقام من "كِنان" هو الآخر، كلاهما اشتركا في نفس نقاط الضعف والتي تلخصت في "نوح" و"تالا"، ولكن هناك نقطة اضافية ستكون سكينًا حادًا تصيب ظهر "كِنان" إن مست زوجته، ولم يعنِه إنها بالنهاية شقيقته!!
دمس بقايا السيجار بالمطفئة، واختطف نظرة إلى "رحيق" التي مازالت فاقدة للوعي، ثم نهض ينحني صوبها، يتفقد بإصبعه رقبتها، وحينما وجدها مازالت على قيد الحياة. سحب هاتفه بنزقٍ ونفور مما سيضطر لفعله، اختار رقمًا يحرر الاتصال به وهو يتمتم بحقدٍ:
_أبقى غبي لو سيبتك تروحي قبل ما أكسره بيكِ كسرة تجيب بيها أجله.
ورفع الهاتف حينما استمع إلى صوت المتصل به، ثم قال بجمود:
_حصلني في المختبر السري، وإياك حد يحس بيك وإنت داخل.
أغلق الهاتف وألقاه جانبًا، ثم حملها بين يديه، ومر بها من الباب السري لجناحه حتى وصل إلى سيارته، المصفوفة بأحد الابواب الجانبية للقصر، وما أن خرج بها حتى تسلل له صوت شهقات مرتفعة، استدار "هارون" خلفه، فتفاجأ بوجود "تالا" على التراس الخارجي، وما أن رأته يحمل "رحيق" وهي غارقة بالدماء مثلما ترى، حتى جحظت عينيها في صدمةٍ، وما أن رأت نظرات الشيطان تنعكس عليها حتى كممت فمها والدموع تنهمر على وجهها، كفها يرتعش دون توقف، وكلما شملها "هارون" بتلك النظرة القاتلة ازداد رعبها، تراجعت "تالا" عن السور الخارجي وهي تحاول قدر المستطاع أن تكبت شهقاتها، وكأنها بتراجعها للخلف حصل هذا اللعين على موافقتها بالصمت وعدم الحديث عن الامر، فاستكمل طريقه إلى سيارته.
وضعها بالخلف وتحرك بها في سكونٍ تام كأنه يحمل ورقة بالية لا يهتم إن فقدها أو حتى تمزقت إلى فُتات!
*******
انتفضت فزعًا حينما لمس جسدها المقعد الخشبي الموضوع من خلفها، فاستدارت تتفحص ما خلفها ودموعها تنهمر كالشلال، بينما مازال كفها يقبض على فمها حتى لا تنفرج عنها أي شهقة أو صوتٍ قد يصل إلى أخيها الذي يغفو على فراشها بالداخل.
وزعت نظراتها بين السور الخارجي، وباب شرفة غرفتها بحيرةٍ ووجع يضرم جسدها الهزيل، قلبها يمر فيه ألمٌ مثل تيار كهربائي أصابه، كلما تذكرت محاولات "رحيق" للحديث معها، وفي كل مرة كانت تصدها وتبتعد عنها خشية على أخيها مما قد يطوله على يد "هارون"، والآن وفي تلك اللحظة تخشى أيضًا علمه بما رأته منذ قليل.
تراجعت" تالا" للخلف حتى سندت ظهرها على الحائط، لا تعلم ماذا ستفعل في تلك اللحظة! لعنت اللحظة التي ذهب عنها النعاس وخرجت تستنشق الهواء على التراس!
الخوف والتوتر يكادان أن يفتكا بها، تحتاج في تلك اللحظة أن تشعر بالأمان يحاوطها عسى تلك البرودة تتركها، ولكن إن ولجت لغرفتها وهي بتلك الحالة من المؤكد بأن أخيها سيشك بها، ولن يتركها الا حينما تخبره سببها الحقيقي وراء حالة الذعر التي تجتاحها.
هرولت من الجناح بأكمله، تتجه إلى غرفته، وكأن كل الابواب غلقت بوجهها ولم يعد هناك باب يرحب بها الا بابه.
طرقت الباب بطرقات متواصلة عنيفة، ومازالت عيناها تراقب الدرج بخوفٍ من عودة ذلك الشيطان.
انتفض "نوح" بمنامته، فأسرع يحرر مصباحه الجانبي، وأسرع يفتح باب الغرفة والقلق يسيطر عليه، فاذا به يهمس بدهشةٍ حينما رآها:
_تـالا!!
أحاطت خصره وهي تضم ذاتها إليه، وبكاؤها يزداد بقوة أرعبته، لف ذراعيه حولها بذهولٍ، وحرر سؤاله بصعوبة:
_في إيــه؟؟؟
تمسكت به وصوت بكائها يزداد بشكلٍ حرك كل خلية داخله، فسحبها للداخل وأغلق الباب، وكلما حاول إبعادها عنه تشبثت به مجددًا.
رعشتها بين يديه أدمى قلبه وأطاح به، فشدد بقوة من ضمها وهو يهتف بقلقٍ:
_تالا مالك في إيه؟!
همست بصوتٍ مبحوح للغاية:
_هيقتلني، هيقتلني يا نوح.
استخدم قوته الذكورية وأبعدها عنه عنوة، وقبض على وجنتيها بين يديه حتى يجبرها على النظر في عينيه المفزوعة لما قالت:
_مين اللي هيقتلك؟ تالا حصل إيه؟!
تدفقت دموعها تباعًا وراحت تردد بتلعثمٍ وأنفاس ثقيلة:
_هارون أنا شوفته وهو شايل رحيق، وآآ... وكانت في حالة مش طبيعية، لبسها كله دم ومغمي عليها، تقريبًا قتلها يا نوح.
وأضافت وهي تشير له باضطراب:
_كان طالع من الباب اللي ورا، وآآ... شافني أنا كنت على التراس وشافني، وآآ.. وبصلي... هيقتلني.. أكيد هيقتلني!
ضمها "نوح" إليه والخوف مما قصته قد احتله كليًا، لقد حدث بها ما حدث من مجرد نظرة ألقاها عليها هذا الشيطان، فماذا عن "نوح" الذي يعلم قذارته ويعلم ما يستطيع أن يفعله؟
جذبها إليه ثم اتجه بها إلى الأريكة، عاونها على الجلوس، ثم سحب من براده الصغير عُلبة من العصير، قدمه لها وهو يقول بصوتٍ جاهد لجعله هادئ:
_اشربي يا حبيبتي وإهدي خالص، أنا مستحيل هسمحله يأذيكِ.
راقبته من بين دموعها العالقة بأهدابها، ثم رددت بصوتها المتقطع:
_أنا مش عايزة أقعد هنا يا نوح، عايزة أمشي من هنا.
ضم كفها المرتجف بين كفيه، وردد بهدوء:
_تالا اهدي كده واسمعيني، تيام مينفعش يعرف حاجه عن اللي انتِ شوفتيه ده، وبالتالي لو قولتيله انك عايزة تسيبي البيت هيشك إن في حاجه.
وتابع وهو يثير اهتمامها لما سيقول:
_هارون بيتلكك لتيام على غلطة وساعتها هيستغلها قدام عثمان وهيقلب التربيزة عليه.
خرجت عن صمتها بكلماتٍ باكية:
_بس أنا خايفة يا نوح، هارون مش هيسيبني في حالي.
قبض على يدها برفق وقال:
_مش هيحصل وأنا جانبك.
وأضاف وهو يسندها بجسده حتى وضعها بالفراش:
_أنا لازم أشوف كِنان حالًا، ارتاحي هنا وأنا شوية وراجع.
تمسكت به والخوف يظهر جليًا بعينيها، ورجاؤها مزق قلبه:
_خليك معايا متسبنيش يا نوح، أنا خايفة.
تمدد جوارها وهو يحيطها بحبٍ وحنان، يحاول أن يزيح خوفها بصوته الشجي:
_أنا هنا يا تالا، مش هروح في أي مكان، نامي يا حبيبتي.
سندت رأسها على صدره، مازال يربت على خصلاتها بحنان، وحينما شعر بهدوء وتيرتها المنفعلة ناداها برفقٍ:
_تالا، ارجعي أوضتك، تيام لو شافك هنا هيعملك مشكلة.
رددت وعينيها مستسلمة للنوم:
_أنا مرتاحه هنا، عايزة أنام.
قبل جبينها بحبٍ، وشملها بالغطاء:
_نامي يا روحـي!
******
جلس بمكتبه السري الخاص بالمختبر الضخم، حيث يتم تصنيع العقار النسائي والسموم البيضاء بكافة أنواعها، ينتظر أن ينتهي الطبيب والممرضات من عملهم الذي استغرق أربعة ساعات في غرفة الجراحة، والآخر مازال يدخن سيجاره ويرتشف كأسه دون أي مبالاة، وكأنه لم يكن السبب فيما حدث بها.
فاذا بالطبيب يطرق باب المكتب ويدخل بملامح حزينة، ربما لانه ظن أنه مثل أي زوج يحمل مشاعر تجاه زوجته.
دفن "هارون" سيجاره وردد:
_أخبرني!
تحرر الطبيب عن صمته وقال بآسفٍ شديد:
_للاسف لقد فقدنا الجنين، وبذلنا قصارى جهدنا حتى نوقف النزيف ولكنه لم يتوقف فاضطررنا أن ننزع الرحم.
واستكمل وأمارات الدهشة ترتسم على ملامحه لعدم تأثر هارون"":
_وهي الآن بغيبوبة بسبب ما تعرضت له، لديها اصابات خطيرة بانحاء جسدها، لذا من الصعب علي تحديد متى ستستيقظ؟
هز "هارون" رأسه ومال يجذب كأسه يتجرعه، ثم سحب من الخزانة رزمة من المال وألقاها على مكتبه باهمالٍ:
_حسنًا، قم بالاشراف على حالتها، وإبقي الأمر طي الكتمان.
وأشار باصبعه بتحذير:
_إن علم أحدٌ بالامر، عنقك ستُدفن جوار جسدك اللعين.
ابتلع الطبيب ريقه بصعوبة، وحينما حصل على اشارته الصادرة من يده، هرول بالمال للخارج، وقد تأكدت شكوكه بأنه من فعل ذلك بزوجته، لقد عمل لديه منذ سنواتٍ عديدة، وقد أجرى بذاته عدة عمليات إجهاض لنساءٍ تعملن معه، ولكن عقله لا يتخيل أن يكون بهذا الجحود أبدًا مع زوجته!
*****
صباحًا وبعد أن هيأ لها أنه حدث بينهما ما خططت له، عاد الجنرال إلى النقطة السرية الخاصة بهم، ولج من الباب يتفحص الردهة الواسعة، وعينيه تتجه للغرفة المتوسطة الدرج ببسمة ماكرة، تلاشت حينما استمع صوتًا حادًا يأتي من المطبخ.
عكس طريقه عن غرفته، وإتجه إليه، فزارته ابتسامة ماكرة حينما وجدها تجلس على مقعد رخامة المطبخ المكشوف، ترمي السهام من محلها على اللوحة الدائرية المعلقة جوار البراد، وعلى ما يبدو من النطوق المحاطة باللوحه بأنها قضت ليلها تلعب تلك اللعبة الشرسة، التي جعلت اللوحة تحمل أكثر من ثلاثين سهمًا، بشكلٍ ينذر له عن وصولها لدرجة غضب مرعبة، ومع ذلك تنحنح مصدرًا صوتًا ليلفت انتباهها، بينما يقتحم المطبخ وهو يهتف بهدوءٍ:
_مساء الخير.
شملته بنظرة قاتلة، ثم عادت تحمل سهمين معًا وتسلطهما على اللوحه:
_قول صباح الخير.
إدعى عدم ملاحظته الدقيقة للوقت، وراح يتأمل ساعته:
_أوه الساعة 6 الصبح، مخدتش بالي!
حملت ثلاثة أسهم صوبتهم بمهارةٍ، وهي تهتف بغضب مكبوت دون أن تستدير إليه:
_ليه سهرة جنابك نسيت الوقت من حلاوتها!
سيطر على ضحكاته بثباتٍ يُحسب له، وتخطاها وهو يدخل إلى المطبخ، يعد طعامًا سريعًا لذاته، وكوبًا من القهوة، قائلًا ببرود:
_فعلًا الوقت سرقني ومحستش بالنهار وهو طالع.
كادت أن تسلط سهامها عليه، ولكنها تراجعت وزادت من سهامها على اللوحة، وحينما نفذ ما تحمله، جذبت سلة الخناجر المعدنية المجاورة لها، فأسرع "ياسين" بإبعاد السلة وهو يحذرها:
_لا كده خطر عليكِ.
شيعته بنظرةٍ قاتلة، وسحبت السلة مجددًا وهي تتحداه بشراسةٍ:
_مالكش فيه، ركز في قهوتك لحسن تفور.
ابتسم لها، وردد بخبثٍ:
_هلحقها متقلقيش.
وأسرع يسكب القهوة بكوبين، ثم حمل الفطائر من الميكرويڤ ووضعها أمامها، وهو يشير:
_شكلك مفطرتيش لسه!
أبعدت الطبق واستمرت بفعلها، وهي تتمتم بسخطٍ:
_إيه مفطرتش مع الهانم ولا إيه؟
قلبه يرقص طربًا وهو يقرأ انفعالاتها التي تشير بغيرتها القاتلة عليه، فاستمر بالضغط عليها بهدوئه وثباته:
_لا مكنش في وقت تعملي فطار، كانت تعبانه ورجعت شقتها على طول.
وما أن رفع كوب قهوته حتى أطاح بها خنجرها، فتراجع "ياسين" للخلف ليتفادى سقوطها بصعوبةٍ، بينما يدعي اندهاشه مما فعلته:
_إيه الجنان ده!!
نهضت عن مقعدها وتجاهلت ما قال، ثم اتجهت للدرج حتى تصعد إلى الأعلى، فأوقفها حينما قال ببسمة خبيثة:
_مش عايزة تعرفي المعلومات المهمة اللي وصلتلها؟
ربعت يديها أمام صدرها وهي تطالعه من أعلى الدرج بنظرة غائمة، ومن ثم أتاه صوتها الساخر:
_والله! ولاقيت وقت تعرف فيه معلومات مهمة!! أصلي شكيت من مزاجك العالي وابتسامتك العريضة إنك لاقيت وقت لشغلك
صعد الدرج الفاصل بينهما حتى وقف قبالتها يتابعها بثباتٍ فسرته هي بالبرود، حتى ترنح عنه:
_أيوه لاقيت وقت لإني طالع أشتغل مش أقضيها يا سيادة الرائد، ولو راجع مبسوط ومزاجي رايق لاني بدل ما أتحط تحت الإستجواب حطيتها هي وعرفت منها أدق التفاصيل عن الحقير ده.
وتابع بخبث حينما وصل على نفس مستوى وقوفها:
_وبعدين أنا قولت إن لقائك بالدكتورة مارال هيغير مودك الحاد ده، بس من بعد حركات الخناجر والسهام اللي كانت هترشق فيا دي وأنا قلقان عليكِ أكتر من الأول.
حافظت على ثباتها قبالته ونظراتها الحادة تكاد تخترقه، فاستطرد بهمسٍ ساخر:
_تحبي نطلع أوضة التدريبات ولا ننزل نقطع شجرة أحسن ما المرادي سيفك يقتلني!
صوت أنفاسها المنفعلة يعلو ومازالت تربع يدها أمام صدرها وتقابله بنظرة تعالٍ، فاسترسل هو:
_اعتقد مش محتاجه لا لده ولا لده نظراتك لوحدها مليانة إجرام ووعيد ليا، بس أنا مظلوم من كل الإتهامات البشعة دي.
وأضاف بدراما وهو يمسد على صدره:
_أنا تقي وبخاف الله قبل أي بشر، مليش في سكة الشمال والشمال عندي بيتلخص في صنف الستات كله، إلا اللي سحرت قلبي وروحي وكياني.
وغمز ضاحكًا:
_عملتلي سحر وقفلته على قلبي وروحي وعنيا!
أبقت على ثباتها ببرودٍ قاتل، بينما ينتظر هو أن تتحدث، حتى تحررت عن صمتها بكل كبرياء:
_إنزل أوضتك وريح فيها يا قائد، ويا ريت تسيبك من الرومانسيات دي وتفوق للمهمة ده لو مفيش عند سيادتك مانع يعني.
ضحك بصوته الرجولي الجذاب، وبصعوبة قال:
_عنيا حاضر يا سيادة الرائد، أنا مُقصر جدًا أنا عارف!
احتقن وجهها غضبًا من حديثه ومدت معصمها له بضيق:
_قبل ما تنزل اتفضل وقف جهاز التعقب اللي زرعته في دراعي ده، أنا مش عيلة صغيرة عشان تراقبني في كل خطوة بخطيها.
انزعاجها، غيرتها القاتلة، غضبها، احمرار بشرتها من فرط حقدها على تلك الفتاة يجعله يتمنى أن تستسلم لمشاعرها وتعترف بحبها ولو لمرة واحدة، أفاق من شروده وتنحنح وهو يستعيد قوته أمام تلك المشاكسة:
_مش هينفع، سبق وقولتلك إن الجوكر والأسطورة حطوكي في عهدتي، فطول ما أنتِ بتقابلي الكلب ده الجهاز ده هيفضل في مكانه.
اقتربت المسافة الفاصلة بينهما ورددت بهدوءٍ خطير:
_وسيادتك شايفني ضعيفة مش هقدر أحمي نفسي منه!!
يعلم سبب انزعاجها منه الحقيقي، مثلما يعلم انها تتحجج لخلق مشاجرة معه، لذا ردد وعسليته تتجنب زُرقة عينيها الفتاكة:
_عمري ما شكيت في قوتك، بس ده زيادة حماية ليكِ.
صرخت بعنفوان ومازالت تتطلع له:
_والله!! ومعملتش كده ليه مع زين؟! ولا عشان هو راجل وقوي وقادر يحمي نفسه، لكن أنا الست الضعيفة المسكينة اللي دايما محتاجة لمساعدة سوبر هيرو الفريق.
أجابها برزانة وثبات لم يخسره بعد:
_ومين قالك إني معنديش جهاز تعقب لزين أو هو معهوش جهاز ليا، مرين احنا في مهمة أصعب مما تتخيلي، أي خطوة غلط وغير محسوبة هتدمرنا كلنا، احنا لسه بنلاعبهم على الهادي، اللي عدى كله لعب عيال واللي جاي هو اللي يتخاف منه.
وقبل أن تتحدث صاح:
_زين أول واحد دخل اللعبة بشكل رسمي عشان كده أنا وراه وبراقبه ولما بيحتاجني بظهرله، وإنتِ دخولك هيكون بعديه على طول فمن واجبي أأمنلك نفس الحماية، ولما ييجي دوري اكيد هعتمد عليكم .
وختم حديثه بقوة:
_كلنا بنكمل بعض، وبنساند بعض لحد ما نوصل للي إحنا عايزينه، القادة كان سهل عليهم يتخلصوا من العيلة دي بسهولة، بس ده مش غرضهم ولا غرضنا، احنا غرضنا معروف نكشف اسرار العيلة دي ونكشف الناس اللي وراهم، فكلنا بنسعى لده.
اتشحت ببسمة إجرامية مرعبة، وهزت رأسها بمكر:
_كلامك موزون جدًا يا قائد، وفعلًا عندك حق.
ثم أشارت له ومازال يتعمق بها ليكتشف ما تود تلك المشاكسة فعله:
_خليك هنا بقى شوية، راجعالك حالًا.
وتركته وصعدت لغرفتها، ثم عادت بعد قليل تشير له بالصعود، رمش "ياسين" باستغراب، وصعد فقالت ببسمة واسعة:
_شمر كم قميصك لو سمحت.
زوى حاجبيه بعدم فهم، فأشارت بعينيها بتحذيرٍ مرعب:
_كم قميصك يا جنرال!
كمم "ياسين" ذراع قميصه وهو يتساءل بدهشةٍ:
_هتحقنيني سم ولا إيه؟
تفحصت أوردته بتركيزٍ وعدم مبالاة لما يقول، ومن ثم غرست الجهاز الذي تحمله ببراعة أبهرته بعدما علم من رؤيته للجهاز ماذا تفعل تلك العنيدة بينما تجيبه هي ببسمة غرور:
_يعني إنت بتتعقب "زين" وبتراقب خطواتي فإزاي نسيبك إنت كمان من غير حماية! يعني بتضحي بنفسك فدانا إحنا والوطن ومنضحيش عشانك، دي تيجي دي!!!!!
ووضعت الجهاز بيده وهي تشير له بانتصار:
_انت كده تحت المراقبة، تعادل يا جنرال!
تفحص يده ومررها حتى يخف عنه الألم بينما ابتسامته تزداد:
_ده هيريحك يعني؟
هزت رأسها بكل تأكيد وهي تتجه لغرفة التدريبات، اتبعها ياسين" وقال بخبث":
_أوكي بس انا كنت خايف على مشاعرك بس، إنتِ عارفة بعد النهاردة هشوف صوفي كتير جدًا، ومش بعيد هارون يدخل بالخطة التانية اللي بيمارسها مع أغلب الاغبية اللي بيتعاملوا معاهم وألقيها داخلة تقولي انا حامل ولازم تتصرف اصلي أفضحك بالفيديو اللي متسجلش للأسف!
صعدت فوق جهاز الركض، وبدأت تفعله على أكثر ما فيه، ركضت وهي تحبس غضبها، وعلى لحظة كانت ستسحب نفس السيف الذي أدمت به قلبه من قبل، و هذه المرة تفكر جديًا أن تقتلع عنقه.
عادت من شرودها حينما شعرت بتباطئ الجهاز، فوجدته يوقفه وهو يتساءل ببراءة مزيفة:
_ها يا عنيدة هانم أعمل إيه لو عملت الخطوة دي؟!
ردت ببرود حاولت التمسك به:
_أنا اللي هقولك تعمل إيه؟ صلح غلطتك واتجوزها إحنا بردو عندنا ولايا!
قهقه ضاحكًا حتى كاد أن يتمايل للخلف، بينما تقابله هي بنظرة باردة، ثم تركته واتجهت لغرفتها، لحق بها وهو يسألها بفضول:
_على فين؟
قالت دون أن تلتفت إليه:
_هروح لروني، حاسة اني خلاص هديله عنوان الشقة المزيفة، بحيث أعجل بالخطوة الجاية، ولا أنت إيه رأيك يا قائد؟
قابلها بنظرةٍ هادئة وتبسم وهو يجيبها بثقةٍ:
_معاكِ طبعًا، متقلقيش كل حاجة جاهزة وزي الفل، الشقة مكتوبة باسمك، زي ما اسمك موجود في سجلات الملجأ، متقلقيش عاملين حساب لكل حاجه، احنا جانبك ومعاكِ خطوة بخطوة.
هزت رأسها بخفةٍ، ثم تساءلت بانزعاج:
_طيب وإنت وصلت لإيه مع أنثى القنفذ؟
زوى حاجبيه وهو يضحك بشدةٍ:
_أنثى الإيه؟
سحبت نفسًا طويلًا، فردد ضاحكًا:
_آه قصدك صوفي!
يتعمد أن يخرجها عن ثباتها، وكأنه يمنحها السكين ويدعوها لقتله، وخاصة حينما صاح:
_هبقى أقولك وإنتِ بتحكيلي عن لقائك مع هارون، يلا هنزل أصلي الضحى وأنام شوية.
وتركها وهبط الدرج ثم وقف يستدير لها:
_هشوف لبسك قبل ما تخرجي، زين مش هنا وراه مهمة انتحارية محتاجة دعواتنا كلنا، بس أنا موجود بداله.
منحته نظرة ساخرة، فابتسم لها واستكمل طريقه للاسفل دون أن يضيف كلمة واحدة.
****
عاد نفس الحلم يطارده من جديد، ولكن هذه المرة رأى بعينيه أنه يطفو على سطح المياه وشقيقته و"رحيق" غرقتا أمام عينيه.
انتفض "تيام" من منامته وأنفاسه تتعالى بعنفٍ، بينما حبات العرق تنهمر من فوقه بغزارة، جعلته يسحب زجاجة المياه من جواره ويتجرعها بأكملها، حتى هدأت حدة أنفاسه وبدأ يسترد انتظام أنفاسه.
استدار "تيام" جواره باحثًا عن شقيقته بذعرٍ، فاذا به يبعد الغطاء وهو يناديها بلهفةٍ:
_تـــــــــالا!!!!
جن جنونه حينما لم يجدها بأي زواية بالغرفة، وكل ما يتذكره وعد "هارون" القذر بالانتقام، خرج يهرول من جناحه بعدما فتش التراس وكل مكان قد تكون فيه.
كاد أن يهبط إلى الاسفل، ولكن يده تخشبت على الدرابزين حينما فكر بأمر "نوح"، صعد مجددًا للأعلى وإتجه إلى غرفته يطرقها بعنفوان، وشراسة، جذبت انتباه "كِنان" الذي كان يستعد للخروج، فأسرع تجاهه يتساءل بقلق:
_في إيه يا تيــام؟؟؟!
رد وهو يشير له بحدة:
_مش لاقي تالا، ويا ويله لو كانت جوه عنده.
حاول أن يهدئه وقد شك بأن الأمر سيكون مريبًا:
_طيب اهدى بس، حتى لو كانت جوه دي مراته!!
سيطر على عصبيته بصعوبة وأشار:
_خليه يفتح الباب ده حالًا، متختبرش صبري كتير يا كِنان.
طرق "كِنان" الباب برفقٍ، فاذا ب"نوح" يفتح الباب ويوزع نظراته بينهما بارتباكٍ، وخاصة حينما تساءل "تيام" بنبرة هجومية:
_تالا عندك؟؟
علم "كِنان" من نظرات أخيه الإجابة على سؤاله، بينما يعيد تيام" سؤاله بحدة":
_مبتردش ليه أختي عندك؟
رفع رأسه له وبقوة وشجاعة قال:
_آه مراتي عندي، هل ده مخالف لشرع ربنا ولا لقانونك إنت؟؟
اقترب منه ينافسه بنظرة قوية، وتخطاه وهو يمر إلى داخل الغرفة، فكاد "نوح" أن يتبعه وهو يصرخ بغضب:
_إنت رايح فيـــن؟
سحبه "كِنان" للخارج وثبته على الحائط وهو يهدئه:
_أخوها يا نوح، اهدى هيطمن عليها ويخرج تاني.
وقف يراقب ما يحدث بالداخل بغضب يكاد يجعله كالجمر، ولكنه هدأ تدريجيًا حينما وجده يجلس قبالتها ويمسد على ظهرها بحنانٍ، ورؤيته لها وهي تغفو باسدال صلاتها وبحجابها قد برز له عن مدى عمق علاقة حبهما.
شعرت "تالا" بكفه يمسد عليها، فتبتسمت وهمست بنومٍ:
_نـوح!
فتحت عينيها والابتسامة الجذابة تحتل وجهها، فإذا بها تتلاشى عنها، وتعتدل سريعًا بجلستها وهي تردد بصدمة:
_تيـام!
قابلها بابتسامة لا يعرف كيف رسمها، وبصوته المُتعب ردد:
_كده تخضيني عليكِ يا تالا!
خطفت نظرة سريعة لمن يراقبهما من أمام باب الغرفة ثم تطلعت لاخيها ونظراتها يشملها وجعًا:
_آآ... أنا آسفة.. أنا كـ...
أوقفها عن استكمال ما سيجعلها بهذا الكم من الاحراج، وعاد يخطف نظرة إلى "نوح" الذي يراقبه بانزعاج، وهو يسألها بهدوء:
_بتحبيه؟
تفاجأت بسؤاله، فاذا بها تشير برأسها بدموعٍ، فابتسم وهو يضمها بقوة، ويهمس لها:
_وأنا مش عايز غير سعادتك وراحتك يا تالا.
لم تفهم مقصد حديثه، تركها "تيام" ونصب قامته الرياضية، ثم خرج لهما وهو يغلق باب الغرفة من خلفه، ومازال "كِنان" يراقبه بقلق على أخيه وخاصة حينما وقف "تيام" قبالته بصمتٍ كسره بعد فترة:
_الخميس اللي جاي إعمل حفلة صغيرة على اليخت بتاعي، إعزم فيها أصحابكم عشان تشهر فيها جوازك من تالا.
جحظت عينا "نوح" بصدمة، بعدما كان يتأهب لخوض معركة دامية معه، فاذا به يميل صوب أخيه يسأله:
_هو قال إيه يا كيوي؟
ضحك الاخير وهمس له بصوتٍ رجولي:
_اداك المباركة على الجوازة المستحيلة دي.
وأضاف وهو يطرق على كتفه بضربةٍ قوية أسقطته أرضًا:
_هتتلموا إنت وعصفورة الكناريا بتاعتك في عش واحد يا نوحه!
وإذا ب"تيام" يردد وهو يتطلع له بنظرة ثاقبة:
_ده هيتم بشرط.
تلاشت ضحكة "نوح" البلهاء، وتمتم لاخيه بوجوم:
_كنت عارف ان الحرب بتاعته مش هتخلص بالبساطة دي، سند أخوك يا كيوي!
ضحك "كِنان" بصوتٍ مسموع، ودعمه بجسده القوي حتى وقف ينصت ل"تيام" بجوارحه، تنهد "تيام" بحزن شديد، وكأنه يحارب وجعًا سيخترق أضلعه من شدته:
_عايزك تأخد تالا وتمشي من هنا خالص، بعيد عن عيون هارون، خدها وسافر لأي مكان، عايزك تختفي بيها يا نوح.
ارتاب "كِنان" لأمره، وقد شك بأن الحرب قد أذنت دفوفها،بينما طال صمت "نوح" وهو يعيد ما أخبرته به "تالا"، وقد وجد بابتعادها عنه نجاة لها،لذا اسرع بإجابته:
_موافق يا تيام، هأخدها ونسافر لأي مكان تحبه،المهم تالا تكون ليا.
واضاف بعشقٍ لمسه فيه" تيام":
_أوعدك إني هحميها بروحي.
منحه ابتسامة صغيرة، وضمه بمحبة رآها منه "نوح" لأول مرة، فاذا به يتطلع لأخيه بصدمة، حتى أنه لم يرفع يده ليحاوطه حتى!
شرد "كِنان" لوهلة والحزن يتمكن منه هو الآخر، فما أن هرول أخوه لغرفته حتى يخبر "تالا" حتى ردد "تيام" ببسمة آنين:
_عندي نفس الوجع اللي إنت حاسس بيه، لاني مقدرش افترق عن تالا، بس ده الحل الصح عشان الكلب ده ميبتزناش تاني بيهم.
رنا "كِنان" إليه وسأله بأعين غائمة:
_ناوي على إيه يا تيام؟
اتسعت بسمة مرعبة على وجهه:
_كل شر يستحقه يابن عمي!
ولف رأسه له وهو يسأله باهتمام:
_القوة كلها في إيدك إنت، لو بقيت معايا هارون ميت لامحالة.
منحه بسمة أكثر منه شرًا وردد:
_عشان أقدر أخدمك، لازم أستعيد مكانتي اللي سحبها مني.
استدار بجسده له وقال بثقة:
_اعتبر إن ده حصل، وبأمر مباشر من الديزل بنفسه!
******
فتحت عينيها والابتسامة العاشقة لا تفارقها، لقد نقلت من الجحيم إلى جنة عشقه الذي شملها بها، نهضت "رزان" من نومها تحمل المياه وتسقى بها الزهور المتفردة على تراس غرفتها، وهي تدندن بعشقٍ، وعاطفة تسوقها للغرق في غرامه.
كأنها زهرة نقية تتباهى ببراءتها في حديقة لوثتها الشياطين بقذارة أفعالهم، فاذا بالفخ المنصوب للقصاص من زوجها يزف لها مع الخادمة، حينما تركت الصينية التي تحملها وهي تخبرها ببسمة خبيثة:
_القهوة جاهزة سيدتي، لقد صنعتها لكِ بنوع بن استحضرته خصيصًا لكِ.
أشارت لها بخفةٍ ورددت بامتنانٍ:
_شكرًا ريفانا.
وانتقلت على الفور ترتشف أول رشفة منها، فاذا بها تبعد الكوب وهي تهتف بنفور:
_طعمها مُر!
هزت رأسها وقالت بمكرها:
_نعم سيدتي، بالبداية ستشعرين بذلك!
عادت "رزان" ترتشف القهوة مجددًا، وكلما تجرعت رشفة يحلو طعمها عن المرارة السابقة، حتى تلذذت بطعمها بشكلٍ غريب!!
وحينما فرغت منها وضعت الكوب فوق الصينية وتساءلت:
_أين رحيق؟ هل هي بغرفتها أم بالحديقة؟
رددت بحيرة وهي تهز كتفيها:
_لا أعلم سيدتي، لم أرآها منذ الصباح.
سبقت "رزان" خطواتها، ومضت للأعلى حتى تتفقد رفيقتها، وثمة شيءٌ مخيف يختلج داخلها بأن هناك أمرًا ما قد أصابها!
****
وصل "كِنان" إلى المكان الذي أرسله سابقًا إلى "زين"، فوجد" هارون" ورجاله محتشدين بالداخل، مضى صوبه، يرمقه بكره شديد، ثم قال بنفور:
_عملت إيه؟
نفث دخان سيجاره وهو يجيبه:
_لسه رجالتي بيستجوبوه جوه.
واستطرد وهو يبتسم له بمكر:
_بلع الطعم وكان جاي يسلم البضاعة زي ما فهمته، ودلوقتي بيستلقى وعده!
رمقه "كِنان" بغضب، اتبع نبرته الواثقة:
_سلطان مش هيقع بالسهولة دي، إنت متعرفوش كويس.
ارتشف كأسه لأخره، ونهض يتجه لغرفة المراقبة وهو يدعوه:
_ بقاله ساعتين صامد، هنشوف لإمته هيكمل؟
اتبعه "كِنان" للداخل، حيثما يوجد شاشات المراقبة بكل مكان، وقف جواره، وقد تجهمت معالمه غضبًا حينما وجد إثنين من أقوى رجال "هارون"، يقيدون" سلطان" على أحد المقاعد، ويوسعانه ضربًا مُبرحًا.
لكمات قاتلة أصابت أماكن قاتلة في جسده القوي، ومازال صامدًا أمامهم كصمود جبلٍ شامخٍ لم يهتز يومًا أمام رفرفة طائر لا يزن مثقال ذرة أمامه، صمود ورثه عن أبيه وقائده العظيم، بينما يميل صوبه ذلك الملثم وهو يعود لنفس سؤاله:
_إن أردت النجاة أخبرنا من أنت وإلى أي جهاز مخابرات تنتمي؟
منحهم نظرة مرعبة، وابتسامة أشد رعبًا، وبثقة موزونة فاح:
_إيه رأيك ترتاح شوية نفسك قرب يتقطع من المجهود اللي بذلته، خايف تفقد الوعي قبل ما تستعرض لعب العيال اللي بتعمله ده!
واسترسل بكبرياء ثقيل جعلهم يبرقون بصدمة ودهشة:
_أخرك هاته، أنا نفسي طويل يسيعك أنت واللي وراك!
وأضاف وهو يميل لمكان الكاميرا السري الغير واضح بالمرة:
_لو خلصت المهزلة دي اطلع واجهني راجل لراجل!
وأضاف وزيتونته تشتد حدة وثقة:
_أعتقد بعد الساعات دي إني نجحت في تاني اختبار ولا إيه يا باشا؟
سحب "كِنان" الحاسوب وأعطى إشارة صريحة للرجلين بالخروج من الداخل، فاتجهوا معًا للغرفة، وقد تحدث أحدٌ منهما:
_لقد استعملنا كل شيء سيدي، وأجهزة كشف الكذب أكدت أنه صادقٌ.
بينما أضاف الآخر والإعجاب صريح بعينيه:
_إنه رجل شجاع، قوة تحمله إعجازية!
ليتهم يعلمون أنه قوة تحمله علامة فارقة بتاريخه، السلاح القوي الذي ورثه عن أبيه، قوة تحمل تفوق قوة جسده بشكلٍ جعل من بالغرفة مَبْهُورُونَ
من قوة صموده.
أشار "كِنان" لهما والشماتة من "هارون" تحتل قسماته:
_فكا قيوده.
أومأ برأسيهما ومضيا للداخل ليحلا وثاقه، رنوَا صوبه فاذا ب"زين" يراقبهما ويتساءل برزانة مرعبة:
_هل إنتهت اللعبة؟
وقفا كلاهما عاجزان عن الرد، بينما يراقبانه "هارون" و"كِنان"، وفجأة نهض "زين" عن المقعد وسحب أحد أسياخ الحديد الموضوعة على الطاولة التي شهدت رحلة تعذيبه، ومن ثم مررها بالقيود الحديدية، ففتحت أقفالها أمامهم، والصادم بالأمر حينما اقترب منهما وهو يهتف ببرود:
_تركتكم تلعبون وتستعرضون قوتكما على أكمل وجه، والآن حان دوري!
قال جملته وفي سرعة البرق كان يهشم حنجرة الأول، ولقى الثاني حتفه فور أن إخترق سيخ الحديد بطنه، في نفس لحظة استدارة "زين" للكاميرا وهو يهدر:
_هتحاسبني على الجتتين دول، وبردو إنت اللي هتآويهم.
قالها وانصرف كالشبح الذي لم يكن له وجود، تاركًا صدمة "هارون" منه كادت أن تجعله يجن، بينما راقبه "كِنان" بشماتة ظاهرة، وردد بسخرية:
_مالك يا هارون، الصدمة أفقدتك النطق!
واضاف وهو يرتدي نظارته ويغادر مخزن الملهى الليلي الخاص به:
_ياريت بعد كده متراجعنيش في أي قرار أخده.
وتركه يكاد يشتعل غضبًا، ثم غادر على الفور، ألقى "هارون" كأسه بغضب قاتل، وتمتم من بين اصطكاك أسنانه:
_صبرك عليا يا كلب، بتتفاخر قدامي أوي، بكره نشوف هتعمل إيه لما مراتك تبقى صاحبة مزاج للصنف اللي إنت مسؤول عنه!!!
ابتسامة الشر زُرعت على وجهه، وإذا بأحد رجاله ينقل له خبرًا أسعده بعد توتر أعصابه:
_غزل هانم وصلت فوق في مكتبك يا باشا!
******
طرق الباب وفي ذات اللحظة كان يدق الجرس، ولم يهدأ قلقه إلا حينما انفتح باب الشقة، وظهر "ياسين" قبالته، ضمه تيام" وهو يردد برعبٍ":
_عمــر انت فين من ساعتها خضتني عليك!
أجابه بنظرة غامضة:
_كنت في الحمام، إيه مالك وشك مخطوف كدليه؟
ولج للداخل وأسرع بغلق باب الشقة:
_هارون حاطك في دماغه وزاقق عليك واحدة تجيبله آرارك، أنت كويس؟
منحه ابتسامة صغيرة، وردد بخبث:
_آه تقصد صوفي!
هز كتفيه بحيرة، وردد:
_معرفش، عنده جيش قذر من الستات، إيش دراني اختارلك مين؟
اتجه "ياسين" إلى مقعده وإدعى انشغاله باستكمال لوحته التي كان يرسمها للتو:
_محسسني إني ظابط شرطة مدسوس وسطكم، هيعرف عني إيه يعني، يجيني دغري وأنا أريحه!
اتبعه "تيام" وسحب مقعدًا قبالته ثم قال بغموض:
_عمر أنا عايزك تمشي من إيطاليا كلها، هارون مش هيسيبك في حالك.
استدار بمقعده له يطالعه بنظرات ثاقبة وردد بخبث ودهاء:
_عشان عرفت إنه له في سكة الـ. ـدرك ويـب!
جحظت عيني "تيام" في صدمة، بل صعق محله وكأن صاعقة من السماء ضربته في مقتلٍ.
******
غامت عينيه على الشرفة، والشعور بالملل قد أحاطه، لقد تركها تفكر بقرار قد يكون سببًا لنجاتها، ولكنه يفتقدها في تلك اللحظة، ويتمنى من داخل أعماقه أن يكون البقاء هو اختيارها.
أتاه "ماتيو" يخبره:
_الدكتورة تقترب من باب الجناح سيدي.
استدار بمقعده في لهفة وهو يأمر بفتح الباب ويصدر أمره التالي:
_اختبئ قدس لا تحب رؤيتك!
فعل "ماتيو" مثلما طلب منه "عثمان"، بينما تترقبها رماديتاه باهتمام ولهفة، حتى ظهرت أمامه وهي تحمل الحقيبة، وترنو صوبه وهي تبتسم:
_صباح الخير، جاهز للتمرين الصعب، ولا وحش القلعه أخد صيت على الفاضي؟
اتسعت بسمته وردد وهو يهز رأسه:
_اختارتي البقاء في قصر الوحش، تبقي للأسف زي ما قولتلك مجنونة يا دكتورة؟
انحنت تضع الجهاز من حول قدميه وهي تخبره بنظرة ماكرة:
_يمكن بحب التحديات مع الوحوش اللي زيك، في قصتي أنا الجميلة اللي هتنتصر على الوحش، وهتحوله لبني آدم.
وغمزت بسخرية ومرح:
_جاهز تتحول لبني آدم يا وحش!!!!
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه، وقال:
_جاهز، بس إنتِ اللي جاهزة تتقبلي حقيقية الوحش يا دكتورة؟
عبثت بحاجبيها بعدم فهم، فاتسعت ابتسامته وتمتم وهو ينزع جهازها ويتحرك للشرفة الخارجية، اتبعته" قدس" وهي تراقبه باستغرابٍ، فاذا به يستدير لها بمقعده ويشير لها بالاقتراب، اقتربت وعلامات الدهشة تحتل وجهها، فقال بغموض تام:
_نسيت أقولك إني وصلت في مرحلة الابتكار لشيء عمر ما عقلك البشري يتخيله.
وطرق على أذراع مقعده بقوة:
_بقائي على الكرسي ده بإرادتي، الإنسان دايمًا مخير وأنا ضحيت بوقوفي على رجلي عشان حاجه أعظم.
استرابت من حديثه، وتساءلت باستغراب:
_حاجة إيه؟
أجابها وهو يتعمق بها:
_القوة والسيادة.
زوت حاجبيها بدهشة، وكأنه يلقي عليها لغزًا ويترك لها حله، فإذا به يحل أزرار قميصه ببطءٍ، مما دفعها أن تستدير وهي تتساءل بغضب:
_إنت بتعمل إيـ...
بتر حديثها حينما شعرت بنفسها ترتفع عن أرضية الشرفة الرخامية، وما رأته أمامها جعل عينيها تتسعان بعدم تصديق، وهي تراه يحملها ويرفرف بها بجناحين كسواد الليل المهيب، ويعلو بها عن الأرض لدرجة جعلتها تشعر وكأنها بعدت عن كوكب الأرض!!
ومازالت الحرب دامية عين عقلها الرافض لذلك الأمر وبين عينيها التي تشاهد ما يحدث!!!