
رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني2الفصل العشرون20 بقلم ايه محمد رفعت
الصدمة والذهول كانت تبدو على ملامح وجهه، وهو يراقب ما قاله للتو، وكأنه أصبح دون ثياب أمامه، تنحنح وهو يجاهد حتى يحرر صوته المطموس داخله:
_إيه الكلام اللي بتقوله ده يا عمر؟
منحه "ياسين" نظرة ساخرة، وعاد يستكمل رسمته بدقة عالية:
_قولتلك الحقيقة اللي كشفتها ليا صوفيا، واللي إنت خبتها عني، إنت مكنتش صريح معايا يا تيام، لفيت ودورت عليا وجاي النهاردة تقولي هارون حاطك في دماغه.
وأضاف بمكر أستاذٍ يدرس عنه الخبث:
_طبيعي إنه يحطني في دماغه ويبعت ناس تراقبني عشان خايف على شغلكم المشبوه إنه يتكشف!
رنا إليه "تيام" يقف جوار اللوحة، يحاول القبض على عينيه التي تتهرب منه، بينما يردد بارتباكٍ:
_هقولك أكتر من كده إيه يا عمر، إنت كده هتستحقرني، عمر أنا مجبور أكون معاهم غصب عني صدقني.
وحينما لم يجد منه أي رد، وضع يده على كتفه وقال بتوترٍ:
_إنت الصديق الوحيد اللي سمحت له يدخل العالم بتاعي، طول عمري قافل على نفسي وماليش غير أختي، خوفت أخسرك.
واضاف وهو ينقل له ما نجح بصنعه:
_صحيح إحنا لسه متعرفين من فترة قليلة، بس إتعلقت بيك جدًا وبرتاح بالكلام معاك.
ترك "ياسين" الفرشاة عن يده ولف له بنظرات قابضة مسيطرة:
_وأنا مش قادر أستوعب انك ليك في القذارة دي يا تيام، معقول توصل بيك الحقارة إنك تساعد الكلب ده يخطف البنات ويدخلهم مواقع الـ.ـدرك ويـ.ـب، يبيعهم ويعمل عليهم مزاد عيني عينك كده، والله أعلم إنت لسه مخبي عني إيه!!!
تنهد بحزن شديد وكأنه يحمل أعباء العالم بأكمله فوق كتفيه، فردد بمرارةٍ مست حلقه قبل حديثه:
_عمر أنا ماليش علاقة بالمواقع دي ولا عندي أي معلومات عنها، أنا حاولت أخرج من بينهم بس معرفتش، مسابونيش في حالي لا أنا ولا أختي.
نهض "ياسين" يواجهه بذكائه:
_إنت عايش دور الملاك وإنت مش ملاك يا تيام، إنت اللي فتحت ليهم بوابة العبور للقذارة دي، إنت اللي بنفسك قايلي أنك اللي اخترعت العقار اللي سلبوا بيه عقول بنات كتيرة، ومش بس كده إنت طورت المخدارت لأنواع مريبة، والله اعلم عملت إيه تاني خلاك تسيبهم ويحاولوا يضغطوا عليك عشان ترجعلهم تاني.
نكس رأسه خزيًا منه، وردد بوجعٍ ملموس:
_مهما قولت ووجهتلي من اتهامات مش هدافع عن نفسي لإني مش بريء يا عمر، بس اللي لازم تعرفه إن الطريق ده اتفرض عليا من قبل حتى ولادتي، الطريق بدأه أبويا وعمي التوأم، ومشينا فيه أنا وعثمان وولاد عمي.
وأضاف وهو يطالعه بأعين غائرة:
_مهما حاولت أبعد بيرجعوني بالإجبار، انت فاكر إني مبسوط بالقذارة دي، أنا كنت مرعوب على أختي وعلى البنت الوحيدة اللي حبتها، حاولت أعيش نضيف بس هما متقبلوش ده خصوصًا بعد اللي وصلت ليه بالفترة الاخيرة قبل خروجي من القصر.
انتبه "ياسين" كليًا لتلميحه المخيف، فإذا به يتساءل بهدوء:
_إيه اللي وصلت ليه؟
ابتلع "تيام" ريقه بصعوبة، وهو يستدير من حوله كأن هناك أذن ستلقط ما سيقوله، بينما يواصل "ياسين" الضغط عليه:
_اتكلم يا تيام.
زفر بارتباكٍ وهو ينظم أنفاسه بينما يحرر كلمة مرعبة عنه:
_Complete control of human consciousness
(التحكم الكامل بالوعي البشري).!!
******
مازالت جالسة على ركبتيها تحاول عقد الجهاز من حول ساقيه، وهي تتساءل باستغراب:
_حاجة إيه؟
أجابها وهو يتعمق بعينيها بعدما انحنى إليها بجسده قليلًا:
_القوة والسيادة.
زوت حاجبيها بدهشة، وكأنه يلقي عليها لغزًا ويترك لها حله، فإذا به يزداد قربًا منها، رفع يده يبعد خصلة من شعرها خلف أذنها، في نفس لحظة شعورها بألمٍ طفيف يحتل رقبتها، وكأن هناك شيئًا لدغها.
حكت "قدس" رقبتها، وتطلعت إليه وهي تحاول أن تعي ما فعله للتو، فوجدته يحل أزرار قميصه ببطءٍ، مما دفعها أن تستدير وهي تتساءل بغضب:
_إنت بتعمل إيـ...
بترت حديثها حينما شعرت بنفسها ترتفع عن أرضية الشرفة الرخامية، وما رأته أمامها جعل عينيها تتسعان بعدم تصديق، وهي تراه يحملها ويرفرف بها بجناحين كسواد الليل المهيب، ويعلو بها عن الأرض لدرجة جعلتها تشعر وكأنها بعدت عن كوكب الأرض!!
ومازالت الحرب دامية بين عقلها الرافض لذلك الأمر وبين عينيها التي تشاهد ما يحدث، وحالة اللاوعي التي هاجمتها بعنفوانٍ، وكأنها تفقد وعيها تدريجيًا رغم أنها تبصره، وتشعر بما يحدث حولها.
ابتسم "عثمان" وهو يراقب ارتخاء جسدها، وسقوط ذراعيها للخلف باستسلامٍ، بينما عينيها تتطلع له والكلمات احتبست على شفتيها!
صعد بها للأعلى وهو يحكم ذراعيه من حولها، بينما يهمس لها بمكرٍ:
_السيادة اللي تخلي أي إنسان خاضع ليا ولقوانيني يا قدس!
ولف بها حول السحاب وعيناها لا ترمشان، تستقبل نظرات عينيه الرمادية بصمت، وعجزٍ تام عن حتى الرد، والغريب بالأمر أنه أمرها بهدوءٍ:
_إيدك حولين رقبتي، ده لو مش عايزة توقعي، والمرادي الإصابة هتكون قاتلة يا دكتورة!
فعلت ما طلبه منها وكأنها آلة تتحرك بالتقاط الأوامر!!، ابتسم وهو يعلو بها بارتفاع يعلو مسافتهما السابقة ووقف بها يخبرها بمكرٍ:
_الطاعة والولاء شيء جميل، وخاصة لو منك إنتِ، المحزن في الأمر إنه للأسف هتحرم من صوتك الدافي.
ومال يهمس لها:
_بس أوعدك لما تيام يعقل، هخليه يطور العقار بشكل يخليكي تتكلمي وإنتِ في حالة اللاوعي دي!
وتعمق ببنيتيه بينما يعود لنفس نبرته السابقة:
_اعترافي إني معجب بيكِ هيخصني أنا بس، حتى إنتِ مش هتفتكري أي حاجة من اللي بتحصل دي، وآخرهم إنك آ..
مال يهمس لآذنيها ببسمة شيطانية:
_هتكونيلي زوجة وبإرادتك يا قدس!
وتابع وهو يبعدها للخلف:
_استهونتي بوحش القلعة إنتِ!
وببسمة خبيثة قال بينما يمد بصره للأسفل بجمود:
_أنا سبق وخيرتك بين الرحيل والبقاء، اخترتي تبقي معايا، وأنا هحققلك رغبتك واختيارك يا دكتورة!!!
انخفض بها بقوة جبارة، توحي بما يخفيه خلف جسده المُقيد على مقعده، وفور أن وصل بجسده للمقعد تركها، فاذا بها تقف كالتمثال المتجمد، ويجلس هو على مقعده وهو يتأملها ببسمةٍ مخيفة..
*****
توسعت مُقلتي "ياسين" دهشة، بينما يستمر "تيام" بمواصلة الحديث:
_ده أخطر بحث أنا وصلت ليه، واللي بسببه سبت كل القذارة دي، شيء مرعب أنك تتحكم في إنسان تحكم كامل، لدرجة إنك لو طلبت منه يقتل نفسه هيعملها وهو لا واعي ولا قادر يعمل حاجه غير أنه ينفذ كلامك، لأنك مسيطر عليه سيطرة كاملة!
حافظ "ياسين" على هدوئه بصعوبة بالغة، ما يستمع له يجن العاقل ويجرده من أي ذرة عقل، العلم قد يكون سببًا لرخاء الأمة واستخدامه المُعاكس قد يدمر البشرية بأكملها،هكذا استغله "تيام" وسخره "عثمان" بقوته وسطوته!
علم الآن لما بذل القادة مجهودًا شاقًا طوال تلك السنوات، كان باستطاعتهم قتل هؤلاء اللعناء وخاصة بعدما تمكنوا من اختراق القصر، بعد عدد مهول من المحاولات على مدار سنوات، وقد نقلوا له وللفريق كيفية فعل ذلك، ولكن تركهم لهم على قيد الحياة كان بهدف كشف اختراعاتهم الدنيئة، وبكشف من خلفهم، إن تم التخلص منهم لن يوقف ذلك الرؤوس التي تحركهم.
راقب "تيام" صمته المطول، وردد بتوتر:
_عمر صدقني ده كان آخر بحث وصلتله، وحرقته أصلًا قبل ما أسلمه لعثمان أو هارون، أنا قولتلك إني مكنتش عايز أكمل، ويمكن البحث ده اللي شجعني لقراري ده.
ابتسامة ساخرة تشكلت على وجه "ياسين" لم يراها "تيام"، أي بحث قد احترق وهذا اللعين الملقب ب" الديزل" يراقب كل أنش داخل قصره ومحيط أعمالهم!
خطر له مشهده القصير مع "قدس"، فعمل عقله بسرعة البرق، وسأله:
_الدوا ده بيتأخد إزاي؟
أجابه رغم استغرابه من سؤاله:
_ده بالذات مينفعش غير بالأوردة الوداجية بالرقبة.
واستكمل وهو يتعمق بالحديث معه:
_بعد ما بيفوق بيفتكر اللي ارتكبه زي الخمرة مثلا؟
أجابه" تيام" بآسف:
_لا ولا كأنه عاش اليوم ده في حياته أصلًا، عشان كده عدمت العينة اللي عملتها وحرقت الأبحاث، كفايا الذنوب اللي شايلها بسبب العقار النسائي والسموم الزفت اللي بيتعاطوها.
اتضح الأمر له الآن، إشارة "قدس" عن إصابة رقبتها، عدم تذكرها عن أي شيء حدث معها، تخطاه "ياسين" وعيناه تتأجج بغضب قاتلًا.
شخصٌ مثل "عثمان" قد يظن أنه الوحيد الذي خلق بذكاءٍ مثل الذي يمتلكه، وكأنه لم يعِ بوجود شخصٍ يفوقه دهاءًا وغموضًا، شخصٌ لقبه المصون #الجنرال... والذي بظهوره في مخضعه سيكون بمثابة نهايته!
*****
ظلت جامدة في محلها حتى استلمت آمره المباشر لها:
_قربي.
إنصاعت لأمره وعيناها جاحظة بالفراغ، بينما يشير هو لمن ينتظر إشارته:
_ماتيـــو!
اقترب الآلي منه يقدم له الأوراق والقلم، فابتسم عثمان وقال وهو يلتقطه منه:
_متقلقيش خوفك منه مش هيكونله وجود حاليًا، لإنك إنتِ نفسك مالكيش وجود!!
وأضاف وهو يتطلع لها بنظرة غامضة تحوم فيها مشاعر ظهرت رغمًا عنه:
_بس أوعدك إني هغيره عشان عيونك دول.
وتابع وهو يخفض وجهه أرضًا:
_اقعدي.
انصاعت له وعادت تجلس على ركبتيها، رفع العقد أمامه ببسمة يرقص الشر فيها، بينما يعود هو لسؤالها اللئيم:
_تتجوزيني يا قدس؟
بقيت تتطلع أمامها بصمتٍ، بينما يخبرها الاجابة بابتسامة واسعة:
_أفضل تجاوبيني بالموافقة، وتوقعي هنا.
سلط يدها على محل التوقيع، والاوراق موضوعه على ساقه، بينما يملي عليها بصوتٍ عميق:
_قُدس حازم أحمد بهنسي!
دونت ما قال، وحينما انتهت سحب الورقة يقدمها إلى ماتيو ثم عاد يميل لها مُبتسمًا:
_وقعتي على عقد جوازك من وحش القلعة يا دكتورة، يعني كده إنتِ مراتي!
وأضاف وهو يمرر يده على خصلاتها كأنها طفلة صغيرة:
_جميلة قلعة الوحش وقعت للأسف في فخه، كان رحيم بيها وطلب منها تمشي، بس هي اللي اتمسكت بيه وهو طبعًا مبيتخلاش عن حد اتمسك بيه.
واسترسل وهو يشير لها حينما التقط إشارة غامضة على شاشة "آيلا":
_روحي أوضتك اللي جوه، ونامي إنتِ محتاجة لراحة بعد الصدمات دي!!
نهضت عن الأرض تتجه إلى الداخل كالتمثال الحي، بينما جلس هو محله، ينتظر أن تعرض له"آيلا" آخر التطورات التي أصبح مُتلهفًا لرؤيتها عن تلك الفتاة الغامضة!!!
فطُرحت من أمامه شاشة مُتنقلة، لمكتب "هارون" حيثما رآى تلك التي يراقب خطواتها منذ ظهورها الأول بمكتب "هارون"، حديثهما الأول، لقاؤهما الثاني، قتلها ل" صفوت" حارس "هارون"، ثم معركتها مع تلك الفتاة التابعة لحريم ذلك الحقير، نهاية إلى تلك اللحظة التي تجلس فيها بمكتب" هارون"!!!
******
جلست بمكتبه تنتظر قدومه، وهي تجلس على مقعد مكتبه الرئيسي، تدور به ببطءٍ، والثقة تحتل زُرقتها، لقد أتت اليوم وهي تعلم بأنه يضمر لها إبرة من هذا العقار اللعين، وهي على أتم الاستعداد أن تتخطى ذلك الإختبار الذي سبق وتدربت عليه مرارًا تحت إشراف طبي من طبيبة عينها "الجوكر" بذاته لاختبار ذلك العقار ومدى فعاليته، وكيفية صنع مادة تعاكسها وتقلل من مفعوله بشكلٍ يسهل السيطرة عليه.
انفتح الباب وظهر "هارون" من خلفه، يهرول صوبها والفرحة تكاد أن تقفز من عينيه قفزًا:
_غـــــزل! وحشتيني أوي.
رغم خبث نظراتها ودلال حركتها على المقعد، رددت بنبرة ناعمة:
_وإنت لا يا روني.
تلاشت ابتسامته وهو يتطلع لها بدهشةٍ مضحكة، بينما تتخلى هي عن مقعدها وهي تشير له على الخاتم الألماسي:
_الخاتم بيعوضني عن أي شوق ليك، ثم إني كنت صريحه معاك وقولتلك إني بحب فلوسك أولًا، وإنت بعدين نشوف الدنيا هتمشي إزاي.
وأضافت وهي تجلس على المكتب:
_وأديني أهو لما حسيت إنك مشتاق تشوفني محرمتكش من شوفتي، وجيتلك!
عاد يبتسم لها بمكر، وهو يجلس جوارها:
_دايمًا وحشاني، بس النهاردة هحط حد للفراق ده.
نهضت من جواره وإتجهت للمصباح الديكوري الطويل، تلهو به وهي تتساءل بذهول:
_إزاي؟
قال وهو يتابعها بحماسٍ:
_هأخدك بليل تقابلي شخص مهم جدًا من عيلتي.
زوت حاجبيها بدهشةٍ، وعادت تتساءل ببرود:
_مين ده، باباك؟
ضحك وهو يجيبها:
_أبويا مات من زمن، الشخص اللي هتقابليه ده يعتبر العيلة كلها، عثمان التميمي.
أخفت صدمتها بنجاحٍ، وهي لا تستوعب ما قاله، بينما يستكمل "هارون":
_مصمم يقابلك، الظاهر عايز يقيم ذوقي، وأنا حابب أوريه إن ذوقي عالي أوي.
وكأنها صممت عن سماع أي شيءٍ آخر، فاقترب منها وقد ألصق رأسه بأذنيها:
_جاهزة تقابليه بليل؟
ابتعدت عنه سريعًا كمن لدغها عقرب، واستدارت تحذره:
_قولتلك مبحبش الأسلوب ده!
رفع يديه ببراءة مصطنعة:
_أنا عملت إيه بس!
وأشار على الصينية التي تحملها العاملة بنظرة ماكرة:
_اشربي واهدي.
تطلعت للمشروب بنظرة ساخطة، تعلم بأنه يضع به المنوم حتى يستطيع حقنها، ففجأته حينما هتفت وهي تتطلع له:
_لما إنت نيتك جواز، عايز تلعب ألعابك القذرة دي ليه؟
ادعى دهشته من حديثها، ونطق بحيرة مصطنعه:
_ليه بس عملت إيه؟
أدارت الصينية حتى أصبح كوبها أمامه، وببسمة ثقة قالت:
_اشرب المنوم بتاعك وارتاح في مكتبك ساعتين تلاته.
قالتها واتجهت للخروج، فأسرع خلفها يوقفها:
_استني طيب، أنا بس بحاول أتقرب منك وانتِ مش مدياني فرصة حتى واحنا على وش جواز!
استدارت تقابله بغضب بارز وصاحت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
_متخلنيش ارمي الخاتم في وشك، سبق وقولتلك إني تربية ملاجئ مش جاية من لندن أنا!!!
أوقفها عن الخروج وهو يتابع:
_ترمي إيه لا خلاص مش هعمل كده تاني، وبعدين ما احنا بليل هنقابل عثمان وبعدها هنعمل فرحنا على طول.
رمقته بنظرة غاضبة رغم تشتتها من رغبة هذا اللعين باللقاء بها، فإذا ب"هارون" يركض صوب خزنته، يجذب منها عقدا ألماسيل، ويقدمه لها قائلًا:
_طيب شوفي أنا بالمناسبة السعيدة دي جبتلك إيه؟
أظهرت الطمع والإنبهار بعينيها وهي تتحسس العقد، ثم جذبته ووقفت ترتديه أمام المرآة وهي تتمتم بضجر:
_لو كده ماشي، بس بعد كده بردو تلزم حدودك وأوعى تفكر إني لو جيت معاك بليل أقابل الراجل ده ان ده هيغير اتفاقنا بإنك تلتزم حدودك.
هز رأسه بتأكيد، وقال متلهفًا:
_مش ناوية بقا تديني رقم تليفونك؟
هزت رأسها بالنفي وقالت بابتسامة خبيثة:
_لا ناوية أديك عنوان بيتي المرادي!
****
أغلق "عثمان" شاشته والإعجاب يترنح بين رماديتاه على تلك الفتاة الشرسة، مال برأسه للخلف باستمتاعٍ وترقب بلقاء تلك الغامضة، التي يتابعها منذ أول ظهورها حتى تلك اللحظة
دوائر تلتهمها في جوفها، وكلما حاولت الخروج منها عادت تبتلعها مجددًا، ومن اللحظة والآخرى ترى عينيه الرمادية تطالعها بحب وهو يهمس لها:
_نامي يا قدس، ارتاحي!!
ومن جوارها "ماتيو" يغلق ستائر الغرفة باشارة من سيده، والهدوء يعج من حولها حتى تسلل داخلها.
******
بعد أن أوصل "مرين" إلى الشقة التي أوهمته بأنها تخصها منذ سنوات،عاد "هارون" إلى الملهى الليلي، وجلس بانتظار صعود "صوفيا"، بترقب واهتمام، حتى صعدت له مع رجاله، ولجت للمكتب الخاص به والسعادة تغمر وجهها، وتتبع نبرتها:
_جبتلك كل صغيرة وكبيرة تخصه، عشان تعرف بس إنك مهما دورت مش هتلاقي حد في شطارتي.
شملها بنظرةٍ ناقمة، وأشار بيده على المقعد:
_ارغي عشان مش فاضيلك.
اقتربت منه وهي تلوي شفتيها بنزقٍ، ثم هتفت:
_طيب على الاقل استقبلني كويس، أنا مستحقش ده منك يا هارون.
أبعد ذراعها عنه قبل أن تمسه، وهددها:
_مكانك بدل ما حزامي هيسلم عليكِ.
زمت شفتيها بقلة حيلة،واتجهت تجلس قبالته وهي تردد باستعطاف:
_طيب مش هشوف بنتي بقى،أو على الاقل أكلمها،حرام عليك بقالي آ...
قاطعها صارخًا بنزق:
_ما تنجزي يا بنت الـ*** فاكرة نفسك باستشارة عند دكتورك النفسي!
ارتعبت من غضبه، ورددت بتلعثم:
_كان بيشتغل مع تاجر مخدرات جوه مصر، واتمسك، عشان كده جيه هنا تهريب.
ضيق عينيه بتركيزٍ على ما قالت، وخاصة حينما تابعت:
_بيقول انه كان بيستغله في توزيع البضاعة جوه النوادي والجيم والأماكن اللي هو اشتغل فيها، وكان بيعمل من وراه مبالغ كبيرة، لحد ما التاجر ده اتمسك فخاف هو كمان يتجر وراه عشان كده سافر هنا.
اتسعت ضحكة خبيثة على وجهه، فمال للمقعد وهو يضع ساقًا فوق الآخرى باستمتاعٍ:
_دي احلوت أوي!
*****
عقلها مشغول بغياب رفيقتها، التي لم تغادر يومًا القصر، ثمة شيئاً يؤكد لها أن هناك أمرًا ما، وبينما تستكين بوقفتها بالشرفة، انتابها صداعٌ خفيفٌ جعلها تضم رأسها، فإذا بها تتجه لهاتف غرفتها الخاص بالمطبخ، تهتف بتعب شديد:
_ ريڤانا اصنعي لي كوبًا من القهوة، مثل الذي صنعتيه بالأمس رجاءًا.
ابتسامة شريرة تشكلت على محياها، وهي تهتف بسعادة:
_بكل تأكيد سيدتي!
******
عادت إلى المقر السري بعد أن تأكدت من رحيل "هارون"، ولجت وملامحها ساكنة تحوم بما حدث، لا تصدق أنها وصلت لرأس الأفعى بتلك السهولة، وبالرغم من الخطورة التي ستحاوطها إلا أنها حققت انجازًا عظيمًا.
تنهدت بتعبٍ وهي تضم أعلى أنفها، لانها ستخوض معركة دامية بينها و بين" ياسين" الذي لن يسمح لها بالذهاب، وربما سيفقدها تلك الفرصة الذهبية.
تعجبت "مرين" من سكون المنزل بشكلٍ غامض، في العادة كانت تجد المطبخ يعج بروائح طعام "ياسين" الشهية، أو بأخيها يجلس بانتظارها للإطمئنان عليها، شعرت بالقلق حيال "زين"، فاتجهت إلى غرفتهما السفلية، طرقتها" مرين" مرة والأخرى، وحينما لم تستمع لصوتٍ، فتحت الباب نصف فتحة وهي تنادي:
_زيـن!
جحظت عينيها صدمة حينما رأته يتمدد كالجثة الهامدة على فراشه، فتحت الباب على مصراعيه وهرولت للداخل تحاول أن تحركه بفزعٍ:
_زيـن مالك؟؟!!!!
تآوه بوجعٍ وهو يتأملها من بين انغلاق عينيه:
_ميري، اتأخرت ليه يالا !!
وتابع ببسمة ساخرة وهو يميل صوبها:
_نسيت اننا عيلة محافظة، معندناش رجالة بترجع البيت متأخر!
عبست وهي تتطلع له بسخرية:
_متأخر إيه الساعة لسه أربعة!!
وتساءلت وهي تتفحص حجم إصاباته الظاهرة على صدره المكشوف:
_إنت إيه اللي دشملك كده؟
رد ببسمة واسعة تحتلها الفخر:
_أنا زي الفل، طول ما رحيم زيدان بره المشهد فأنا ميت فل وعشرة، روني الأورني بتاعك ايده أخف ألف مرة من ابليس توابيت!
ابتسمت على حديثه، ومدت يدها تجذب عُلبة الاسعافات الاولية، وبينما تشرع بمعالجته، إذ به يهتف وهو يعتدل بتعب:
_الحمد لله كل اللي هو ذاكرهولي جاني في الإمتحان!!
وتآوه حينما وضعت المطهر على صدره بينما يقسم بوعيد:
_بالله ما حد هيجيب رقبة الكلب الأورني ده غيري، صبرك عليا يا حقير، إنت لعبت مع أخطر أعضاء الفريق!
بدا الإرتباك على وجهها، وهي تفكر بطريقة تخبره بما حدث، فنادته برفق:
_زيـن!
جحظت عيناه في صدمة، فإذا به يلقي القطن عنه وينتفض بقوة أدهشتها حقًا:
_بتناديني برقة تبقي داخلة عليا بكارثة يا بلوة، نيلتي إيه يا بت؟!!!
رمقته بضيق، بينما يتابع هو بقلق:
_قلبي حاسس بيكِ من أول ما هفيتي عليا بدور الأم الحنينة دي، انطقي أنا معنديش قابلية التحايل في الوقت الحالي!
رددت وهي تضع عينيها ارضا بارتباك:
_هارون عايز يآ...
كمم فمها بقوة وهو يتابع بصدمة:
_متقوليش، خلاكي تضربي ورقة عرفي!! اتجوزتي هارون الأورني يا بايرة!! دي أخرتها!!
أبعدت كفه بقوة وصرخت فيه بغضب:
_اديني فرصة اتكلم الله.
رقص ذراعه وكأنه يترك لها الساحة، حتى رددت بتوتر:
_عايز ياخدني بليل القصر.
ضيق عينيه بعدم فهم، فتابعت:
_عثمان التميمي طالب يشوفني!
جاور جلوسها بعد وقفته، وهو يتطلع بصدمة بالفراغ، ومن ثم استدار لها وهو ينطق:
_هو خبر سعيد ويدل إنك ماشية على خطة إبليس توابيت بالملي، بس الحزين في الأمر مش هتلحقي تخطي هناك برجليكِ، ياسين هيشلوحك يا بايرة!
تنهدت وهي تتطلع أرضًا، ثم رددت بقلة حيلة:
_طيب أعمل إيه؟
لكزها بعنفوان كاد بإسقاطها أرضًا:
_بعد إيه يالا، داخلي بالبلوة وتقولي أعمل إيه؟!
وأضاف وهو يطالعها بغضب:
_بقولك إيه اوعي تكوني بتتمسكني عشان اتصدرلك في وش الجارحي، إنسي يا ماما، أنا راجع متدشمل ومفرهد خلقة.
ردت اللكزة له بعنف:
_أنا مش عايزاك تتصدرلي قدام حد، أنا مش عيلة صغيرة أنا، ثم إن المفروض تباركلي على الانجاز ده، إنت عارف إن قدس لوحدها مش كفايا على عثمان الحقير ده، دخولي هناك هيفيد الفريق كله.
تخلى عن مزحه وردد بعقلانية:
_أكيد هيفيدنا بس أنا خايف عليكِ يا مرين، عثمان ده مهما حطينا ليه لايڤل هيتخطاه، واللي أنا حاسه ان ياسين حاطط عينه عليه ومش هيسكت إلا لما يدخل قصاده، وبعدها هتولع بينا كلنا.
وزم شفتيه بضجر مما وُضعت به:
_طيب هتعملي إيه؟
هزت كتفيها بحيرة، فابتسم ساخطًا على ما يحدث، ثم همس لها:
_بلاش الجارحي يعرف يا مروان، بدل ما تبقى جنازتك مش خرجتك على قصر الشياطين ده!
واضاف وهو يطرق على كتفها بقوة:
_روحي وانا في ضهرك، هقدملك على الحماية.
شيعته بنظرة استحقارية، ثم هدرت باستنكار:
_بوضعك ده؟
رد عليها بثقة تحق له:
_أنتِ عارفة اني الوحيد اللي فيكم اللي بتعامل حتى لو إصاباتي اصابة موت.
ابتسمت وهي تهز رأسها:
_دي حقيقة، بس المرادي الخطر كبير عليك من جوه القصر وبراه القائد!
غمز بزيتونته الساحرة وهو يتمدد لفراشه:
_أخوكِ أدها يا بت!
*****
بقيت بغرفة "نوح" خوفًا من البقاء بمفردها بعد رحيل أخيها، ولكنه مازال يغفو بعدما قضى ليله بجوارها، اعتلت "تالا" الفراش وهي تزفر بمللٍ، فإذا بها تهزه برفقٍ وهي تناديه:
_نووح، نحانيحووووو.
فتح نصف عين بتقزز مما يستمع إليه، وهدر بنعاسٍ يغلبه:
_نحانيحو!! نعمين يا تالاتيلوو!
لوت شفتيها بتهكمٍ:
_إيه الدلع السوقي ده.
ردد وهو يحاول تقليد نبرتها:
_بالعكس ده شيك وأورجانيك.
تغاضت عما يقول، وأشارت له:
_قوم أنا زهقت من قعدة الأوضة، بينا نخرج أو ننزل نلعب اسكيت.
سحب الغطاء من فوق رأسها وردد وهو يغلق عينيه:
_لما أفوق هحققلك احلامك كلها، أنا دلوقتي عايز أستمد الطاقة من النوم عشان أقدر أمدك بيها.
لكزته بعضب وهي تصيح:
_طاقة إيه اللي هتستمدها دي قوم خرجني بقولك.
غاص بنومه وهو يتجاهلها، فتنهدت بغضب وهي تسحب هاتفها، تحدثت برفقة صديقاتها، وحينما عرضن عليها الخروج رفقتهن لم تتردد أبدًا.
نهضت ترتدي ملابسها وأسرعت بحمل هاتفها ومتعلقاتها الشخصية، ثم هبطت بالمصعد حتى تخرج من هذا المنزل على الفور.
توقف المصعد بالطابق السفلي، وما كادت بالمرور حتى التصقت ساقيها محلها، فور أن رأت "هارون" يقف قبالتها، وما أن رآها بمفردها حتى رنا إليها وهو يطالعها بنظراتٍ كادت أن تسقطها قتيلة.
تراجعت حتى التصقت بالمرآة من خلفها، ورعشة يدها تسقط حقيبتها وأغراضها، اقترب حتى حاصرها وبصوتٍ كفحيح الشيطان هدر:
_اللي شوفتيه امبارح لو خرج من لسانك لمخلوق هدفنك حية.
برقت بعينيها ورجفتها جعلتها توشك أن تفقد الوعي، وخاصة حينما قبض على ذراعها من الأعلى يدمس فيه أظافره:
_فكري بس تقولي لأخوكِ ومش هخليكي تفارقي الدنيا من غيره.
صرخت بوجعٍ حتى تحرر بكاءها، وكلما جاهدت أن تخلص ذاتها منه فشلت فشلًا ذريعًا، حتى أتاها صوت "نوح" الذي نهض عن فراشه بصعوبة، ينتظر خروجها من الشرفة، حتى يطمئن عليها ثم يعود لنومه من جديد، ولكن طالت مدة خروجها من الداخل، فانقبض قلبه خوفًا عليها وهرول للأسفل يطمئن عليها.
احمرت عيناه غضبًا، فاندفع يدفعه للخلف وهو يصيح بعصبية:
_إنت إزاي تجرأ تمد ايدك الوسـ* دي عليها، إتجننت أنت ولا إيـه؟
رمقه "هارون" وبسمته تزداد برودًا، وبسخرية فاه:
_ ده إنت كبرت وطلعلك صوت أهو يا نغة، الله يرحم لما كنت بتداري مني في أخوك.
أجابه بشراسةٍ:
_ده كان زمان بقى وأنا عيل، دلوقتي أنا راجل وسيد الرجالة كلهم، جاريني أنا أفضل ما تجاري واحدة بنت.
وأضاف وهو يحدجه بقوة:
_لو بتهددها على قذارتك اللي عملتها امبارح فاطمن أنا اللي على علم بيها، فشوف هتداري مصايبك اللي بتكتر منك إزاي، وأنا جاهز.
واسترسل ببسمة ساخرة:
_بس اتأكد إن رجالتك معاك، ما أنت مبتعرفش تقدم الواجب لوحدك!
لكمه "هارون" بعنف جعل "تالا" تصرخ رعبًا وهي تتمسك بيده وتترجاه أن يرحل معها، ولكنه دفعها للخلف وسدد له ركلة مباشرة استهدفت أسفل بطنه، وحينما سقط "هارون" أرضًا انهال "نوح" من فوقه باللكمات واحدة تلو الأخرى، فإذا ب"هارون" يجذب سلاحه ويسلطه عليه وهو يتوعد له بجنون:
_والله لأحصر أخوك عليك يا و***
_هــــــــــارون!!
صياح غاضب تحرر من "كِنان" الذي صعق من المشهد الذي يراه، وفي لحظة أسرع يبعد أخاه خلف ظهره ويواجهه الند بالند:
_إنت الخمرة والنسوان لحسوا مخك ولا إيه؟ بترفع سلاحك على أخويا وأنا على وش الدنيا، ده أنا أتاويك مكانك وفي لمح البصر!
تحداه "هارون" ورنا صوبه يهمس له من بين اصطكاك أسنانه:
_بكره هعملها وقبل ما هخلص عليه هخلص عليك قبله، أوعى تفكر إن سكاتي عليكم خوفًا من عثمان، أنا بلاعبكم على تقيل أوي، هحسركم على كل حاجة بتحبوها قبل ما أريحكم من الدنيا، هتعانوا على إيدي وعلى الهادي لحد ما تتمنوا الموت.
وتركه وصعد للأعلى بغضبٍ وحقد ينطق عنه دون أي جملة، بينما من الاعلى ومن خلف الشاشات تتسع ابتسامة "عثمان"، حتى ترنح برأسه للخلف وبدأ يدندن بالصفير المستمتع، وفجأة مال برأسه لمن يجاوره وهو يتمتم بفحيح مرعب:
_القط فاكر إنه هيطلعله جناحات وهيطير، مضطرين ندبحه قبل ما مخالبه تكبر أكتر من كده ولا إنت إيه رأيك؟
*******
أغلق "كِنان" الباب من خلف شقيقه وزوجته، ودفعه بغضب اتبع نبرته الصاخبة:
_ادخل وفهمني أيه اللي كنت بتعمله تحت ده؟ ازاي تمد ايدك عليه؟؟ أنا كام مرة حذرتك تبعد عن هــــــارون مش عايز تفهم ليــــــــه؟
تدخلت "تالا" ومازالت تنهار في البكاء:
_أنا السبب،هارون كان بيتعرضلي أنا و نوح دافع عني.
زوى حاجبيه بدهشةٍ،واتجه بصره لها:
_ليه، عملتي أيه؟
وزعت بصرها نحوه ونحو "نوح" الذي هز رأسه لها،فرددت وهي تضم كفه بخوف:
_شوفته وهو طالع امبارح برحيق،وكانت سايحة في دمها.
تفاجأ "كِنان" بما قالته،وبدون أي تردد هتف:
_أوعي تيام يعرف بحاجة، سامعة يا تالا؟
هزت رأسها بينما يؤكد له "نوح" وهو يزيح الدماء من جانبي فمه:
_متقلقش يا كيوي أنا مسيطر عليها.
حدجه بنظرة ساخرة وتمتم:
_صبرك إنت عليا يا نحنوح، بخلص هنا وجايلك.
ارتاب مما قاله وردد برعبٍ:
_لا خد راحتك يا حبيبي.
عاد "كِنان" يشدد عليها:
_تالا حاولي تتجاهلي هارون على قد ما تقدري.
واستطرد وهو يوجه حديثه لهما:
_بعد الفرح لازم تبعدوا فعلا عن هنا زي ما قال تيام.
وأشار لاخيه بتوعد:
_تعالالي برة شوية يا حبيب اخوك.
لف يده حول كتفي زوجته وردد بخبث:
_كان على عيني يا كيوي، بس زي ما أنت شايف تالا فاقدة أعصابها وروحها رايحة من ساعة ما شافت هارون الزفت، ههديها وهجيلك على طول.
ضيق عينيه بسخرية، وتمتم ساخطًا:
_وماله، هدي عصفورة الكناريا براحتك ولينا لمة.
وتركهما "كِنان" واتجه إلى جناحه، وما أن ولج حتى تفاجأ بصوت الموسيقى العالي على غير عادتها، والمريب له أنها كانت ترقص على الفراش وتلقي الوسائد يسارًا ويمينًا، وتدور وخصلاتها البرتقالية تتناثر من حولها.
تجعد جبين "كِنان" وهو يرى زوجته في تلك الحالة الغريبة، فإتجه يغلق الموسيقى وهو يتطلع لها بدهشة اتبعت سؤاله:
_أيه المزاج العالي ده يا بيبي!
رددت وهي تتطلع صوبه:
_كِنـان!
ذهبت صوبه، ومازالت تقف على الفراش، مالت تستند على كتفه وهي تضحك بسعادةٍ:
_أنا فرحانه أوي.
اندهش من حالتها الغريبة، كان يظن أنها ستفتقد رفيقتها، ويخشى أن تكتشف الأمر فيحزنها، افاق من شروده على يدها التي تحاول سحبه لاعلى الفراش وهي تهتف بحماسٍ:
_تعالى أرقص معايا.
سحب كفه بقوة، وهدر ساخرًا:
_أهو ده اللي ناقص!
وتابع وهو يتعمق بها، متمتمًا بقلق:
_انتي ضاربة أيه يا قلبي، خليكِ صريحه معايا، أنا جوزك وسترك وغطاكِ.
ضحكت بملء ما فيها، حتى أنه ضحك على ضحكها، فإذا بها تقفز من الفراش هاتفة:
_خلاص هنزلك أنا.
ونزعت حذائها وهي تركض صوب الخزانة، انتقت جاكيت ثقيل، ارتدته واتجهت اليه تفرد ذراعيها:
_يلا يا حبيبي، عملت حسابي عشان الجو برد.
ببرود تام تساءل:
_بمعنى؟
رددت بضحكة واسعة:
_سوبرماني بقى وكده؟
هز رأسه ساخطًا، وتمدد على الفراش بعدما نزع جاكيته:
_لا يا حبيبي سوبر مانك في اجازة رسمية، وخاصة لو النهار لسه طالع، لو حابة تمددي جانبي هنا اتفضلي معايا.
زمت شفتيها بضيق، وأسرعت تجاهه وهي تتمتم بنزق:
_استنى جاية.
وما كادت أن تمر لمحلها المجاور له حتى سقطت فوقه، وهي تنفجر ضاحكة، مما دفعه ليردد بحيرة:
_حبيبتي إنتِ قابلتي الكلب هارون النهاردة؟
هزت رأسها بالنفي بينما تجيبه بضحك:
_أفضل شيء حصلي اني مبقتش أشوف خلقته خالص اليومين دول.
وأضافت وهي تضم وجهه:
_مبشفش غيرك يا كيوي!!
همس بسخرية وهو يتابع نظراتها له:
_قلبي مش مطمن نهائي لحالتك دي!
مالت فسقطت على الوسادة ولولا أن أسرع بالامساك بها لكانت طريحة الارض الآن، عاونها على التمدد ليتفاجئ بها قد غفت ومازالت تضحك بسعادة جعلته يبتسم وهو يتابعها، وآخر ما قد يخطر بباله أنها بدأت بأول مراحل ادمانها للسموم المسؤول عن توزيعها وارداتها!
*******
انتهت "مارال" بالكشف على أحد المرضى المسنين، والذي كان يعاني من كسر في الساق، وبينما تهبط من الطابق الخاص بالعظام، حتى مرت على قسم النساء والتوليد واتجهت لمكتبها القابع بالطرف الاخر من الطابق، فاذا بها تلتقط اسم "رحمة الجارحي" تحتل إحدى ابواب الغرف.
ابتسامة صغيرة احتلت على شفتيها، وإذا بها تطرق الباب وما أن استمعت لاذن الدخول، حتى ولجت تدلي برأسها:
_مبروك استلامك للمكتب يا دكتور.
اتسعت ابتسامة "رحمة"، نهضت عن مكتبها تردد برقة:
_مارال!
ضمت كلتاهما الاخرى بحرارة، وجلست كلتاهما أمام بعضهما بينما تردد "رحمة" وعسلية عينيها تلتمع بجذابية:
_من أول ما وصلت وأنا بسأل عنك، يدوب كنت لسه هطلع أسأل عنك فوق، بس كان في حالة ولادة مستعجلة أخدوني على هناك وأنا لسه يدوب واصلة.
ضحكت "مارال" بصوتها الرقيق، ورددت بإستحسان:
_طبعًا ما صدقوا إن دكتورة بالجدارة دي توصل ليهم.
رددت وهي تعدل حجابها الوردي الذي زاد وجهها الابيض جمالًا:
_حياتي إنتِ يا مارال، الشطارة كلها ليكِ، انا لو مبسوطة بوجودي هنا فعشان هقرب منك، أنا وانتي مكناش بنشوف بعض خالص.
وأضافت وهي تحاول تذكر الطفولة:
_بس على الاقل أعرفك وكنت بشوفك كل فترة بالجامعة والمستشفى اللي كنت بتدرب فيها ، لكن مرين مشفتهاش من سنين طويلة اعتقد لو شوفتها مش هعرفها.
وتابعت بمزح:
_لسه ملامحها قالبة على خواجاتي؟
هزت رأسها بتأكيد، وأضافت:
_تشوفيها تحسي إنها متقربليش خالص، أنا شبه مامي وهي نسخة من بابي.
ضحكت بملء ما فيها ورددت:
_عادي بتحصل ما أنا تؤام ياسين بس مش شبهه، ايزي يا دكتور!
ضحكت كلتاهما، ثم نهضت "مارال" تودعها وهي تتفحص ساعة يدها:
_هشوفك بليل ندردش مع بعض، اوضتك على مسافة قريبة مني، سلام مؤقت.
تركتها "مارال" وغادرت، بينما بدأت "رحمة" باستلام عملها بهذا المشفى المريب، الذي سيضعهما أمام أسوء سيناريو قد تتعرض له كلتاهما!
******
فتحت عينيها بتعبٍ شديد، وهي تتآوه من شدة الوجع، احتملت على ذراعيها، حتى استكانت بجلستها على الفراش، وهي تحاول رفع رأسها الثقيل، وصوت تآويهاتها يتعالى بخفوتٍ.
بدأت الصورة المشوشة توضح من أمامها، وأول ما رأته كانت عينيه الرمادية، تقابلها بنظرة هادئة، حتى تحرر صوته:
_حمدلله على السلامة يا دكتورة، الظاهر إن إصابة رأسك لسه مأثرة عليكِ وإنتِ مصرة على شغلك دي نزاهة زايدة في شغلك ولا اجتهاد إنك تخلصي مني بسرعة؟!
جددت ذاكرتها مرارًا، وهي تحاول أن تلتقط أي ذكرى ترشدها لما حدث بالأمس، ولكنها لم تستطيع أن تتذكر شيئًا، وكأنها قد فقدت الذاكرة بشكلٍ مُؤقت، مثلما حدث معها أخر مرة.
راقبته "قُدس" بنظرة قوية، وقد استشفت أنه يحيك أمرًا خطيرًا، ربما قد حقنها بشيءٍ لا تعلم حتى مصدره، كل ما تثق به أن عليها ابلاغ "ياسين" و "زين" بما يحدث، ربما تم كشف أمرها!
نهضت عن الفراش تستند على الحائط، تمر بخطوات متعثرة حتى تصل لباب الجناح، اتبعها "عثمان" وهو يتساءل ببراءة خبيثة:
_مالك يا دكتورة انتِ كويسة؟
استدارت تقابله بنظرة شرسة، وبجراءة رددت:
_انت انسان مريض، أنا واثقة إنك بتعملي حاجه مش طبيعية بمجرد دخولي هنا، ولعلمك أنا مش هستنى هنا دقيقة واحدة، هخرج من هنا.
قرأ ذكائها في رغبة صريحة منها لاستفزازه، حتى يخبرها بما يحدث، ولكنه ادعى عدم فمه لما تقول وهتف:
_أنا عملت أيه لكل ده، أنتِ مرة واحدة مسكتي رأسك ووقعتي فاقدة الوعي، ده جزاتي إني خليت ماتيو يدخلك ترتاحي شوية!
وأضاف ببسمة ماكرة:
_ثم إن ده مش مبرر يخليكِ تسيبي شغلك وتمشي يا دكتورة.
طعنته بنظرة مشككة بما يقول، واستكملت طريقها بخطواتها الغير متزنه، فصاح عثمان:
_ماتيو ساعدها.
استدارت تصيح بوجهه بشجاعة وقوة:
_مش عايزة أشوفه ولا أشوفك، أوعى تكون فاكر إني مصدقة الهبل ده، إنت مش طبيعي واللي بيحصلي هنا مش طبيعي مهما حاولت تقنعني عكس ده، سامع؟
هز رأسه ببسمة باردة:
_سامع، صوتك بيتردد بالجناح كله من قوته، بس مش لايق عليكِ وإنتِ في حالة الضعف دي يا دكتورة!
شملته بنظرة حاقدة، يحوم بها الكراهية، قبل أن تنسحب بشكل نهائي من أمامه، بينما يحافظ هو على ابتسامته الهادئة، وعينيه تراقبها من أعلى الشرفة وهي تقتحم الملحق الخاص بها.
******
ليلًا.
وقف "هارون" بسيارته أمام المبنى الخاص "بغزل" كما يعرفها، انتظر خمسة وعشرون دقيقة، حتى هبطت من الدرج بفستانها الأحمر الطويل، وخصلاتها المنهمرة من فوقها.
كانت كالفراشة التي تخطف النسمات العابرة، وكأنها حُرة طليقة، جعلته يتطلع لها كالذي يشتهي ثمرة محرمة عليه، رنت تجاهه وهي تردد:
_معلش اتاخرت عليك.
أجابها وهو يهيم بها بنظراته القذرة:
_لو اتاخرتي للسنة الجاية هقف واستناكِ.
منحته بسمة صغيرة وصعدت للسيارة التي فتح بابها، بينما على بعد منهما وعلى متن احدى الاشجار كان يستمع لحديثهما عبر الجهاز، ويهتف بنزق:
_مهرج سيرك الستات، مصيرك هتقع تحت المفرمة وهفرم أمك يا أورني!
قفز من شجرة للاخرى حتى هبط أرضًا، يصعد فوق دراجته النارية، يرتدي خوذته ويقودها بمهارة فائقة متبعًا الاشارة من طريقًا آخرًا حتى يكون جوارها، يأمن بذاته حمايتها، يخطو فوق الطريق الاسفلتي كالشبح الجاهز لحصد أرواح من يتجرأ على المساس بشقيقته، بينما يضع من أمامه طريقًا مختصرًا للقاء "بقدس"، الذي علم "ياسين" ما تعانيه!
******
خرج "كِنـان" ليلًا، وإتجه إلى الملهى الخاص "بتيام"، يريد أن يتأكد أنه لم يدرى بما حدث إلى "رحيق"، وحينما وصل إلى هناك مع "حيدر" وباقي رجاله، تركهم بالاسفل وصعد إلى مكتبه بالاعلى.
بينما بمكتب "تيام"، صاح وهو يحاول استمالته للحديث:
_طيب أعمل أيه عشان تتكلم معايا، أنا بالعافية أقنعتك تيجي معايا الشغل، ومن ساعتها وانت ساكت يا عمر.
تخلف "ياسين" عن صمته وقال ساخطًا:
_ساكت عشان اللي هقوله هيزعلك، تيام أنا كنت واضح وصريح معاك بالبداية، مجتش قولتلك اني أعظم شخص قابلته، صرحتك بشغلي كله، حتى الفترة اللي اضطريت اوزع فيها الزفت ده كان علشان أسدد القرض اللي أخده أبويا قبل ما يموت، ولو مكنتش عملت كده كان زماني مرمي في الحبس ومحدش سأل في أمي وأختي.
وأضاف "ياسين" بمكرٍ ودهاء:
_مشكرتش في نفسي إني جامد عشرين حاجة، بس على الاقل موصلتش لحقارتك دي، إنت وقعت من نظري فوق ما تتخيل.
تنهد بألمٍ، وأجابه بتفهمٍ:
_ليك حق طبعًا، بس صدقني يا عمر أنا مخترتش أكون كده وآ...
انقطع حديثهما حينما فتح "كِنـان" الباب وولج للداخل، يراقب "ياسين" بنظرة متفحصة، وهو يتمتم بنبرة قوية:
_مكنتش أعرف إن عندك حد ؟
استقام "تيام" بوقفته المائلة صوب مقعد "ياسين" قائلًا:
_ده عمر صاحبي اللي كلمتك عنه.
تذكر حديث "هارون" عما يخص ذلك الصديق الذي ظهر له من العدم، تفحصه "كِنـان" بنظرة طويلة، كأنه يخضع للتعيين والتقييم، و "الجنرال" ثابت قبالته برزانة وثقة، وخاصة حينما تركه يبدأ الخطوة الاولى نحوه بغرورٍ، فاذا "بكنان" يبدأ بفتح كفه له، وضع "ياسين" كفه بالاخر وهو يقرأ عدم ارتياح "كِنـان" لوجوده واجباره على تصنع الود:
_أهلًا بيك يا آ...
ذكره تيام بثبات:
_عمر.
عاد يكرر "كِنـان" بنبرته الغامضة:
_اتشرفت بيك يا عمر..
تحرر ياسين عن صمته أخيرًا، وقال:
_وأنا كمان.
سحب منه كفه ثم جلس محله ببرود، وكأنه لم يرى دقة نظرات "كِنـان" له، تساءل "تيام" بفضول:
_جيت ليه؟
همس له "كِنـان" بأنه سيتحدث معه فيما بعد، وما كاد أن يغادر حتى توالت أصوات النيران الحيه المكان بأكمله، وكأن قذيفة من الرصاص الحي تمطر من فوقهم، وفجأة اقتحم "حيدر" المكان، وصاح بقلق:
_رجالة إلياسان محاوطين المكان كله يا باشا، وواضح إنهم ناويين على الانتقام من اللي حصل مع جون ورجالته.
رد عليه "كنان" وهو يسحب سلاحه:
_عددهم كام؟
أجابه "حيدر" بتوتر:
_خمس عربيات مصفحة مليانين، واحنا عددنا قليل جدًا قصادهم يا باشا.
اخترق "تيام" مجلسهما القريب من باب المكتب، وصرخ فيه بغضب:
_ممكن تفهمني اللي بيحصل هنا؟
أشار له "كنان" بغضب لوجود "ياسين" الذي يتابع ما يحدث بهدوء ما قبل العاصفة:
_ممكن تسكت خالص، وهنتكلم بعدين؟
خطف نظرة سريعة إلى "ياسين" ثم قال:
_آمن لعمر الخروج من هنا وحالا، هو مالوش ذنب في الهبل ده.
تخلف "ياسين" عن صمته ببروده وثباته القاتل:
_مش خارج غير بيك يا تيام، وياريت متقلقش عليا أنا واخد على الاجواء دي كويس أوي!
ضيق "كِنان" حاجبيه بذهول، وعدم فهم لما يقول، ولكنهم جميعًا على بعد خطوة من رؤية ما سيفعله، وبالاخص "عثمان التميمي"!
*****
صعدت مرين خلف هارون للاعلى، وعينيها تسجل كل زاوية بالقصر الخارجي، والداخلي، اتبعته حتى صعد بالمصعد ومنه إلى آخر طوابق ذلك القصر الغامض، والذي يبدو من الاسفل مُبهجًا والطابق الاخير قاتمًا بلونه الاسود المُقبض، ومع ذلك كانت تتحرك خلفه بخفة ودلال، وهي على ثقة بأن الشبح يحوم من حولها، ويلتقي الآن بقدس التي بدورها تحمل فتيل قنبلة مؤقتة!
وصلت إلى باب الجناح الخاص بالديزل، انفتح من أمامها الكترونيًا كما توقعت، ثم اتبعت اشارة ذراع هارون الذي قال:
_اتفضلي يا غزل.
هزت رأسها بخفةٍ، وولجت تتبعه إلى الداخل، حيث رأت مساحة الجناح الشاسعة، والتي انتهت بلقائها بزوجٍ من الآعين الرمادية الغامضة، تتجهان صوبها بفضولٍ، حماس، اعجاب، ترقب!!!!!
وأخيرًا تم اللقاء بينها وبين رأس الافعى مثلما يلقبه الفريق، تبادلت مرين النظرات الحارقة بينها وبين الديزل المزعوم، حتى كسر هارون قاعة الصمت وهو يشير له:
_عثمان دي غزل اللي كلمتك عنها.
تجاهل ما يقوله، وكأنه غير مرئي بينما يتابعها ببسمة جذابة:
_هي فعلًا بجمالها وطالتها زي غزل الكلمات وهي خارجة من مسارها الصحيح!!!
تعجب هارون من نبرة عثمان الراقية، التي لم يستخدمها يومًا مع بشرٍ، وأخذ يراقبه بدهشة، وقد اعتراه خوفًا مريبًا من أمره، وخاصة حينما أشار له بالاقتراب.
اقترب وهو يبتلع ريقه المتحجر، وانحنى إليه يستمع ما سيقوله، همس له عثمان ومازالت عينيه تتقابل مع مرين التي تحلل ببراعة كل تفصيلة ونظرة صادرة عن ذلك الداهية، بينما تنحرف عينيها لقراءة شفتيه:
_رجالة جون إلياسان هاجمت تيام وكِنان، حالًا تتحرك برجالتك وتنهي الحوار.
وزع هارون بصره إليه وإلى مرين بذهول:
_بس آ....
أوقفه بنظرة من عينيه، وهو يضغط على حروفه:
_غزل هتستناك هنا لحد ما تستقبل ولاد عمك وترجعهم من المطار، متتاخرش!
لعق هارون شفتيه بارتباكٍ، وابتعد يؤخر قدميه، لا يريد أن يتركها هنا، وكأنها كنزًا سيطمع به الكثيرون، ولكنه أُضطر أن يغادر مُرغمًا.
تأكدت مرين بأن عثمان فعل ذلك؛ لينفرد بها، فأخفت بسمة مكرها، قد يظنها فريسة سهلة مثلما ترى بعينيه، ولكنه لا يعلم كيف ستتمكن هي من اقتلاع جذوره إن أراد فقط أن يمسها.
أشار عثمان بيده ببسمة غامضة وقال:
_اتفضلي.
إنصاعت للمقعد الذي يشير إليه، فجلست وكانت قبالته بالتحديد، راقبها عثمان وهو يستند على ذراعي المقعد بيديه، وصمته قد طال بشكلٍ زرع القلق والتوتر في نفس مرين رغمًا عن أنفها، حتى انزاح ستار صمته حينما قال بجمود:
_أعتقد من تحليلي الشامل لشخصيتك إنك مش بالغباء اللي هيأهلك تخدعيني بجوازة العشق الممنوع دي.
وأضاف ببسمة ساخطة، تزيده غموضًا:
_متقوليليش إنك وقعتي في حب هارون مثلًا، وانك عايزة تتجوزيه عشان قصة الحب دي تستمر ونهايتها الجواز السعيد والرفاء والبنين!
انتظر ردها وعينيه الخبيرة تتعمق بزُرقتها، على الاغلب بأنه فشل بتقييم آحدى فريق الاشباح الاساسي، والتي منحته بسمة ساخرة، وأجابت:
_مين قال الكلام العبيط ده، ارتباطي بهارون مرتبط بالثروة والنفوذ اللي هيتنقلوا ليا بمجرد ما أبقى مراته، وده هو بنفسه عارفهم، أنا مخدعتهوش.
اتسعت بسمته أكثر من السابق، وراح يطالعها بغموض:
_جريئة بس لو ذكية هتحسبيها صح.
وضعت ساقًا فوف الآخرى وتسائلت بقوة جعلته لم يستطيع ازاحه تركيزه عنها:
_وأيه الحسبة الرابحة بالنسبالك؟
تابعها باهتمامٍ وهو يحرر صوته الصارم:
_السلطة والنفوذ والسيادة، والثروة كلها تحت ايدي أنا مش ايد هارون، فلو بتحسبيها صح هتختاري الخيار الصح.
وختم ببسمة ماكرة مرعبة:
_فهمتيني؟
طالعته وهي تدفن الارتباك والتوتر داخلها، وبابتسامة ناعمة رددت:
_طيب وهارون؟
ضحك بصوت مسموع ورأسه يميل للخلف، ثم يعدله:
_انسيه، أنا اللي بعوزه غيري بينساه!!!!
وأضاف وهو يتعمق بها بنظرةٍ بدى الاعجاب صريحًا كبزوغ الشمس:
_اختيارك ليا مفيش بعده تخلي، التخلي عندي بيكون بالموت، لإني وببساطة عكس هارون.
وببسمة مخيفة همس لها:
_هارون بالنسبالي مارد من شيطاني، اللي بحركهم من مكاني!
وختم قوله وهو يراقب رد فعلها:
_ها جاهزة تختاري ما بين التلميذ وأستاذه؟!!