رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم)الفصل الثامن والثلاثون38 بقلم ليله عادل
[بعنوان: ثمن مؤجل]
ملأ الذعر المكان، و تعالت الصرخات من كل اتجاه، البعض يغادر بخوف، والبعض الآخر يصرخ طلبا لإسعاف.
بينما كان رشدي لايزال يحتفظ بقدر ضئيل من الوعي، أنفاسه متقطعة، والدماء تنزف منه بغزارة، حاول رفع رأسه بصعوبة، وعيناه تبحثان عنها بلهفه وخوف، وحين وقعت عيناه عليها، شعر وكأن قلبه توقف عن العمل.
كانت ممددة بلا حراك، فاقدة للوعي تماما، والدماء تحيط بها.
ارتجفت شفتاه وهو يحاول منادتها، لكن صوته خرج كهمسات ضعيفة متكسرة: مي ..
مد ذراعه نحوها بصعوبة، محاولا الوصول إليها، لكن الحشود الذين تجمعوا حولهما، يصرخون ويحاولون إسعافهما، كانوا كالحائل بينهما.
انهمرت الدموع من عينيه بصمت، وهو يحدق بها بعجز كامل، حتي ازدادت الرؤية تشوشا أمامه، وأصوات الناس بدأت تتلاشى شيئا فشيئا، بينما بقيت صورتها وحدها واضحة أمام عينيه، وسؤال واحد ظل يتردد في رأسه قبل أن يغيب عن الوعي "هل مازالت مي على قيد الحياة؟"
♥️_________________بقلمي_ليلةعادل.
قصر الراوي3م.
بدت الصدمه واضحه علي وجه ياسين عقب انتهاء التسجيلات، نظر لسليم بعدم استيعاب، وقال بتيه واضح: اللي سمعته ده هزار صح؟ ده مقلب! انت عامل فيا مقلب مش كده؟
تنهد تنهيدة طويلة ثم قال: كنت أتمنى، بس للأسف اللي سمعته حقيقي.
توقف أمامه يلوح بغضب وعدم استيعاب: حقيقة إيه يا سليم؟! ازاي الهانم والباشا يبقوا عارفين ويقبلوا بالجريمة دي ويشاركوا فيها كمان!!
تابع بضجر ممزوج باستغراب: يعني طول السنين دي كلها ماسة كانت متغيرة علشان كانت متهدد؟!! مش علشان أنت كنت شديد معاها زي ما كنا فاكرين؟!
أشار بيده بعصبية: كانوا شايفينك بتتدمر قدامهم كل يوم، ومكمليين!! عملت إيه ماسة عشان يعملوا فيها كده؟! ومكفاهمش اللي عملوه فيها طول السنين دى؟! كمان يلفقولها قضية بالقذارة دي؟!
تنهد بعنف وهو يمسح جبينه: أنا مش قادر أصدق، والله ماقادر أصدق ولا استوعب إنهم بالوحشية دي.
ظل سليم ينظر إليه بصمت للحظات، ثم نهض من مكانه وتحرك حتى وتوقف أمامه مباشرة: لأسف يا ياسين دي الحقيقة ولازم تصدقها، ودلوقتي عليك تختار هتكون معايا ولا معاهم؟
أجابه بمرارة: وياتري سؤالك ده ثقة فيا، ولا اختبار؟
أجابه دون تردد: لو مكنتش بثق فيك، مكنتش عرفتك حاجة من اللي سمعتها النهارده.
صمت للحظات ثم اجابه بخفوت: أنا مش قادر ولا عارف أستوعب أي حاجه يا سليم..
ثم أضاف بتردد: بس برضوا اللي أنت عملته...
عقد حاجبيه وقلب عينه مقاطعا: اللي أنا عملته إيه؟
هز رأسة سريعا:لامقصدش، أنا عارف إنهم ظلموك، وانت وعرفت توجعهم من أكتر مكان بيوجعهم
تابع بعقلانية بس موضوع صافيناز؟! هي اختنا وتمسنا في الآخر، كنت عملت كده في سارة؟مش الخنزير عماد طلع متجوزها.
ابتسم سليم بسخرية باردة: دول ليهم روقه لوحدهم، وبعدين الفكرة القذرة دي أصلا كانت فكرة أختك وجوزها، اختك الحقيرة هي اللى قلعت مراتي وصورتها وبعتتلي الصور، وكانت فخورة اووى باللى عملته، فكان لازم تدوق من نفس الكاس...
ثم تساءل بحسم: برضو مجاوبتنيش، اختارت تكون معايا ولا ضدي!؟
أخذ نفسا عميقا قبل أنا يقول: أكيد معاك يا سليم، أنا أصلا بدأت اشك انهم يكونوا عملوا حاجة مع هبة هي كمان.
رفع سليم عينيه إليه، فأكمل موضحا: أصل هبة اتغيرت فجأة برضو، أكيد عملولها حاجه..
مد سليم وجهه: معرفش يا ياسين، مفيش أي معلومة جت قصادي تخص هبة، بس كل شيء جايز، متنساش هبة كانت بترد على الهانم أزاي وفي الفترة الأخيرة كانت عايزك تطلقها.
أومأ ببطء: عندك حق، ممكن فعلا يكون حصل معاها حاجة، هسألها..
صمت لحظة ثم قال: صحيح حوار إنك زرعت ميكروفونات في أوضهم ده فكرة كويسة، المفروض تحط في كل الأماكن اللي بيقعدوا فيها كمان مش بس الأوض، خصوصا انهم كانوا بيهددوا ماسة في أوضتي أنا وهبة.
صمت سليم لحظه يفكر؛ كان بإمكانه أن يخبره بأمر الكاميرات والميكروفونات المنتشرة في كل مكان بالقصر، حتى داخل غرفته، لكنه آثر الصمت.
فعلى الرغم من حديثهما الطويل، ظل في داخله جزء صغير يرفض أن يمنحه ثقته كاملة، لذلك اكتفى بقول: فكرة كويسة، هزود المراقبة في كذا مكان فعلا.
ياسين مؤيدا: أعمل كده، حتى أوضتي أنا لوجين حط فيها لو محتاج؟! أنا كده كده بعد اللى سمعته دى استحاله اقعد هنا، هاخد لوجين وارجع فيلتي.
هز رأسه بخبث: مش مستاهله إني احط في اوضتك، كده كده انا وماسة مبقيناش نخبي حاجه عن بعض، وبعدين أنا مش عايزك تمشي، بالعكس، عايزك تفضل طبيعي جدا معاهم، واتعامل كأن مفيش حاجة حصلت.
أجابه باضطراب: أنا مش زيك يا سليم! مش هعرف اكون عادى بعد اللى سمعته، ولا هآمن لوجود لوجين ونالا هنا وسطيهم، ماممكن يعملوا فيهم حاجه.
سليم بثبات: محدش يقدر يعملهم حاجه، ولو عرفت إن فيه حاجه ممكن تضرهم أكيد هقولك، طب ما أنا سايب ماسة هنا أكيد مش مضحي بيها يعني!!
تنهد ياسين بثقل: ماشي ياسليم، هعملك اللى انت عايزه مع انى مش مقتنع، بس مش هقدر أسيبك لوحدك في ظرف زى ده!
ثم رفع عينيه إليه وتابع: بس أنا بجد عايزك تركب كاميرات في أوضة لوجين ونالا وانا هتابعهم علشان ابقي مطمن.
اومأ سليم: ماشي يا ياسين.
ثم تسأل: وبخصوص لوجين، ليه مجتش تقولى إن رشدي استغلها في المجموعه علشان يستفرد بماسة؟
ياسين بصدق: علشان كنت بدأت اشوفكم بتحاولوا تقربوا لبعض، محبتش أعمل مشاكل، بس متخيلتش الموضوع يوصل لكده.
نظر إليه سليم من اعلى لاسفل يحلل حديثه لوهلة وقبل ان يرد، دوى طرق سريع على الباب، ثم دخلت إحدى الخادمات على عجل، وملامح الذعر واضحة على وجهها، توقفت أمامهما تهلث وهي تقول: فففيه رقم اتصل من المستشفي وبيقول رشدي بيه، ومي هانم اتضرب عليهم نار.
بدت الصدمه واضحه علي ملامحهما، قبل أن يتقدم منها ياسين متسائلا: أنتِ بتقولى ايه، مستشفي إيه إللى كلمتك.
أجابته بتوتر: والنبي يا بيه نسيت اسمها، من ساعة ماقالوا الخبر وانا مش علي بعضي.
ياسين بعصبيه: أنتِ غبيه؟ يعني إيه نسيتي.
بينما تدخل سليم بهدوء: طب روحي انت دلوقتي.
هزت رأسها، واسرعت بالمغادرة، بينما حدق ياسين فيه بشم: سليم... أوعى تكون...
قاطعه بضيق حاد: اكيد مش هعمل كده! مش وقت إننا نشك في بعض دلوقتي، خلينا نشوف إيه اللي حصل الأول.
أومأ ياسين برأسه سريعا، وبالفعل غادر الاثنان وملامح القلق والصدمة تسيطر عليهما.
إحدى المستشفيات الخاصة،4م.
وصل سليم وياسين ومعهما مكي وعدد من الحراس، واتجهوا مباشرة إلى موظف الاستقبال يسألونه عنهما، فأخبرهم بأنهما لايزالان في غرفة العمليات، فتوجهوا إلى قاعة الانتظار.
التفت ياسين إلى مكي: مكي... ظبط الدنيا، ووزع الحراس في المكان، مش عايز اى صحفين هنا.
نظر مكي بطرف عينه الى سليم فأوما موافقا، تحرك مكي مبتعدا ينفذ ما أمر به، بينما نظر ياسين إلى سليم: هو إحنا مش المفروض نبلغ أهل مي؟
أومأ بتأكيد: طبعا لازم يعرفوا، أكيد الخبر بدأ ينتشر على السوشيال ميديا دلوقتي...
أخرج هاتفه وأضاف: معايا رقم أخوها، هكلمه.
وبالفعل أجرى الاتصال وأبلغ أسرتها بما حدث، فجاءه صوتهم المذعور من الطرف الآخر، وتتوالت عليه الأسئلة، لكنه لم يكن يملك إجابات كافية، أنهى المكالمة وعاد الصمت يسيطر على المكان من جديد.
مرت الدقائق ثقيلة كالساعات، حتى انفتح باب غرفة العمليات أخيرا.
خرج أحد الأطباء وهو ينزع القناع الطبي عن وجهه، نهض ياسين سريعا واتجه إليه، بينما تحرك سليم بخطوات أبطأ وأكثر تحفظا.
سأل بلهفة: خير يا دكتور؟
أجابه: رشدي بيه حاليا في غرفة الإفاقه، وإن شاء الله ممكن يفوق خلال ساعة، إصابته كانت أخف مما توقعنا الحمد لله.
تنفس ياسين الصعداء، ثم سأل: طب الإصابة إيه بالظبط يا دكتور؟
أجابه: الإصابة في الكتف الايسر، الرصاصة دخلت بعمق نسبيا ولأسف أثرت علي بعض الأعصاب، ولكن الحمد لله مفيش خطورة على حياته، ممكن بس يحصله ضعف في حركة الذراع، وده هيحتاج علاج طبيعي لفترة، لكن لسه بدري إننا نحكم بشكل نهائي، هنقدر نحدد حجم التأثر بصورة أدق بعد مايفوق ونستكمل الفحوصات اللازمة إن شاء الله.
لم يتأثر سليم بما سمع، وسأل مباشرة: ومدام مي؟
زم الطبيب شفتيه: للأسف لسه في العمليات، وحالتها صعبة، ادعولها.
ثم أومأ باعتذار قبل أن يغادر، وبقي سليم وياسين واقفين في الممر، يراقبون باب غرفة العمليات المغلق...
قصر الراوي4ونصف.
كانت ماسة تجلس في الغرفة تنتظر عودة سليم، لكن الوقت طال ولم يصعد إليها.
عقدت حاجبيها باستغراب، ثم التقطت هاتفها واتصلت به.
جاءها صوته من الجهة الأخرى: إيه يا حبيبتي؟
سألته بقلق: إيه ياروحي؟ أنت طولت أوي كده مع ياسين ليه؟
أجابها: أنا مش في القصر.
اعتدلت في جلستها: أمال فين؟
أجابها: في المستشفى، رشدي ومي اتضرب عليهم نار.
اتسعت عيناها بصدمة ونهضت من مكانها دفعة واحدة: إيه؟! مين عمل كده؟
أضافت بلهفة: ومي عاملة إيه؟
أجابها بنبرة متأثرة: لسه في العمليات، أول ماعرف أي حاجة هكلمك.
أغمضت عينيها للحظة وهمست: ربنا يسترها عليها.
رد بتنييه: متخرجيش من الاوضه وخلي بالك من نفسك، أنا سايب عشري عندك، لو فيه حاجه كلميه، لحد مافهم الدنيا فيها ايه.
أومأت بتوتر: حاضر خد بالك من نفسك، وابقي طمني على مي.
انهت المكالمه، وظلت واقفة مكانها للحظات شاردة، وقلبها مثقل بالقلق والحزن.
لكنها انتفضت على صوت طرقات سريعة على الباب، فتساءلت بتوتر: مين؟!
انفتح الباب ودخلت لوجين على عجل، تمسك هاتفها بين يديها، بينما كانت عيناها ممتلئتين بالدموع: ماسة، شوفتي اللي حصل؟
تنهدت بحزن وأومأت برأسها: أيوة... عرفت.
وضعت لوجين يدها على فمها محاولة كتم دموعها:
أنا مش مصدقة والله، إحنا لسه كنا قاعدين مع بعض إمبارح.
تابعت بعدم استيعاب: أنا نمت امبارح ومكلمتهاش علشان كنت تعبانه من السفر، أصحى ألاقي كل ده حصل؟!
ربتت ماسة على كتفها برفق، وقالت بهدوء وهي تجلس على الأريكة: سبحان الله يا لوجين، الحياة ممكن تتقلب في ثانية.
صمتت لحظة، ثم تابعت بشرود موجوع: ثانية واحدة بس كفيلة إنها تغير حياة إنسان بالكامل، اساليني انا..
جلست لوجين بجوارها وهي تمسح دموعها: مين ممكن يعمل حاجة زي كده؟
هزت كتفيها: الله أعلم.
ثم نظرت إليها متسائلة: أنتِ عرفتي منين؟
نظرت إلى الهاتف بين يديها ثم أكملت: لقيت الخبر مالى السوشيال ميديا، كلمت ياسين اتأكد قالي إنه حقيقي فعلا وإنه في المستشفي.
أغمضت عينيها للحظة وهمست: يارب تكون بخير.
شعرت ماسة بغصة وهي تتخيل مي داخل غرفة العمليات، ثم قالت: يارب.
مسحت لوجين دموعها: إحنا لازم نروحلها.
هزت رأسها: أكيد هنروح اكيد.
المستشفى التي بها عزت،5م.
عزت ممددا على الفراش تبدو عليه علامات التعب، بينما كانت فايزة تجلس أمامه على أحد المقاعد، وإلى جوارها فريدة.
نظرت إليه فايزة بابتسامة: أنت النهارده أحسن من امبارح كتير... امبارح مكنتش قادر تتكلم.
تنهد بتعب: أنا أصلا عايز أمشي من هنا.
اعترضت فريدة: مفيش الكلام ده، لما الدكتور يأذن تبقى تمشي، وبعدين اعمل حسابك، بعد ماتخرج من المستشفى هتسافر سويسرا علطول، تغير جو وتعمل الفحوصات المطلوبة، علشان ناخد قرار العملية.
أومأت فايزة مؤيدة: ومتشغلش بالك بأي حاجة دلوقتي ياعزت، أهم حاجة صحتك.
هز رأسه بضيق: مشغلش بالي أزاى بس يافايزة، دي كارثة،5مليار ضاعوا في لحظة!
مرر يده على وجهه بتوتر: إنتِ عارفة يعني إيه 5مليار؟! لو معرفناش نلحق اللي بيحصل ونلم الموضوع المجموعة ممكن تعلن إفلاسها.
تنهدت وردت محاولة تهدئته: سليم موجود وبيتابع وبيحاول على قد مايقدر يحل المشكلة.
أغلق عينيه وقال بمرارة: سليم لوحده مش هيقدر يشيل كل ده.
تدخلت فريدة محاولة بث بعض الأمل: إن شاء الله الأزمة تعدي، المجموعة عدت بأزمات كتير قبل كده ووقفت على رجليها تاني.
اوما بمرارة: الفرق إن المرة دي الخسارة كبيرة أوي، وكأن كل حاجة بتقع فوق دماغنا مرة واحدة..
ثم تنهد بضيق وتساءل: أنا عايز أعرف طه وصافيناز فين؟ مشفتهمش غير مرة واحدة من ساعة مادخلت المستشفى.
رفعت فريدة كتفيها: طه سافر، واضح إن في حاجة كبيرة حصلت، أصل دخول منى بالشكل اللي كانت عليه في الحفلة مكانش طبيعي، ولما سألت تيم قالي إنها اتخانقت مع واحدة وضربوا بعض!!
ضحكت بسخرية: طبعا أنا مصدقتش، بس قولت ملناش دعوة، عندنا مصايبنا كفاية... أما صافيناز فمنهارة جدا من ساعه اللى حصلها، وخصوصا بعد ما المعمل الجنائي اثبت صحة الكلام اللى اتقال في التحقيقات.
عبست ملامح عزت: هما بعد اللى عملوه معاها ونزولها الحجز، لسه عايزين يكملوا تحقيقات معاها، هما نسيوا هي مين وبنت مين؟! هات الموبايل ده يا فريدة.
أعطته فريدة الهاتف، فشرع بإجراء مكالماته لإنهاء هذه القضيه، بينما أراحت فايزة جسدها علي المقعد وامسكت بهاتفها تتصفح الأخبار.
وفجأة تجمدت ملامحها واتسعت عيناها بصدمة: إيه ده؟!
فريدة: في إيه يامامي؟
أجابت بصوت مرتبك: مكتوب إن في هجوم مسلح على رشدي الراوي وزوجته، واتضرب عليهم نار.
انتفضت فريدة: إيه؟!
وأسرعت بسحب الهاتف من يدها لتقرأ الخبر بنفسها.
أنهي عزت مكالمته وقال بقلق: يعني إيه؟! هم كويسين ولا حصلهم إيه؟
أخذت فايزة الهاتف من فريدة، وطلبت رقم سليم بيد مرتعشه: معرفش، هكلم سليم واشوف.
وبعد لحظات جاءها صوته: أيوة ياهانم.
قالت بلهفة وذعر: إيه اللي حصل لرشدي ياسليم؟
أجابها بهدوء: متقلقيش، الرصاصة جت في دراعه، خرج من العمليات وفي أوضة الإفاقة دلوقتي.
توقفت أنفاسها للحظة: يعني رشدي كويس؟
أجاب بهدوء: امممم..
ثم صمت لحظة قبل أن يكمل: المشكلة في مي، لسه في العمليات وحالتها صعبه.
سألت بسرعة: إنتوا في أنهي مستشفى؟
أجابها باسم المستشفي، فنهضت من مكانها فورا: طيب أنا جاية لكم حالا.
أغلقت الهاتف وأخذت تجمع متعلقاتها، بينما تساءل عزت بقلق: سليم قالك إيه؟
أجابت بتوتر: أخد رصاصة في دراعه، وخرج من العمليات، بس مي حالتها صعبة ولسه في العمليات.
هزت فريدة رأسها بعدم استيعاب: اللي بيحصلنا ده مش طبيعي أبدا.
أمسكت حقيبتها ونهضت قائلة: فريدة، خليكي مع الباشا، وأنا هروح أطمن عليهم.
أومأت فريدة: حاضر يا مامي.
تحركت مسرعة نحو الخارج، بينما لحق بها عدد من الحراس.
وما إن خرجت من باب المستشفى حتى تفاجأت بعدد كبير من الصحفيين والمصورين المتجمعين بالخارج.
وفور رؤيتها اندفعوا نحوها بسرعة.
ـ هل عند حضرتك أي معلومات عن حالت رشدي بيه؟
ـ تفتكري إيه اللي حصل؟ ومين ممكن يكون وراء الحادث؟
ـ هل الموضوع له علاقة بالأزمة الأخيرة اللي حصلت للمجموعة؟
أحاط بها الحراس من كل جانب، بينما رفعت يدها وخبأت وجهها، وتحركت مسرعه نحو السيارة، فتح أحدهم الباب لها، فدخلت علي عجل، بينما استمرت أصوات الصحفيين تتعالى خلفها.
المستشفى...
سليم وياسين مايزالان واقفين أمام غرفة العمليات عندما انفتح باب المصعد بسرعة، واندفعت عائلة مي إلى الداخل، وعلامات الذعر والقلق تغمر ملامحهم.
تقدم والدها نحو سليم يهتف بانفعال: بنتي فين؟ حصلها ايه؟!
رفع سليم يده محاولا تهدئته: اهدى يا باشمهندس، من فضلك.
نظر إليه بغضب: أهدى أزاي؟!
تدخل حاتم بلهفة: مي فين؟
أجاب ياسين: هي لسه في العمليات.
شهق حازم بصدمة: عمليات؟!
أسرع سليم: متقلقوش، الدكتور قال إنهم بيتعاملوا مع الإصابة، وإن شاء الله هتبقى كويسة.
اختل توازن راشد فور سماع كلماته، وشعر وكأن عالمه أنهار فجأة، أسرع حاتم باسناده بلهفه: بابا أنت كويس؟
اجابه بصوت مرتعش ونظرات زائغه: هبقي كويس ازاى واختك بتروح مني!
اشفق عليه سليم، فاسنده من الجانب الآخر، واجلسه علي أحد المقاعد وهو يردد: متقولش كده، إن شاء الله هتبقي كويسه.
ثم نظر نحو احد الحراس: هات ميه بسرعه.
اقترب حاتم من والده يحاول مواسته والدموع تلمع في عينيه: ادعيلها يا بابا، ربنا يقومها بالسلامه.
رفع راشد عينه مناجيا: يارب، احفظلي بنتي وردهالي سالمه يارب.
ثم نظر إلى سليم بعينين مشتعلتين بالخوف والغضب، وقال بصوت مبحوح: لو بنتي حصل لها حاجة، والله ماهسامح أي حد كان السبب.
نظر له سليم دون رد بينما ربت حازم، على كتفه: إن شاء الله هتبقى كويسة.
ظل راشد يلهث من شدة القلق، وعيناه لا تفارقان باب غرفة العمليات.
تساءل حاتم: أومال فين رشدي؟
أجابه ياسين: في أوضة الإفاقة، شوية وهيفوق، الإصابة كانت في دراعه.
تدخل راشد بقلق أشد: أمال بنتي اتصابت فين؟
ياسين بصوت منخفض: للأسف معندناش معلومات كاملة عن حالتها لحد دلوقتي.
تبادل ياسين وسليم نظرة صامتة، وكأن كل منهما يحمل ثقل اللحظة بطريقته.
ثم قال ياسين بعد لحظة: أنا هروح أطمن على رشدي.
أومأ سليم برأسه.
وبالفعل، تحرك ياسين مبتعدا نحو غرفة الإفاقة، حيث كان رشدي مايزال نائما تحت تأثير البنج.
بعد دقائق عاد مجددا، ليلتحق بسليم، ووقفا معا في الممر في انتظار خروج الأطباء وإعلان أي جديد عن حالة مي.
اثناء ذلك اقترب مكي من سليم بخطوات سريعة: أنا ظبطت كل حاجة خلاص، بس للاسف الخبر انتشر بالفعل.
ابتعد سليم معه قليلا عن التجمع: مش فارق معايا دلوقتي أي حاجة، أنا كل اللي يهمني أطمن على مي بس لأني حقيقي بعزها
أومأ مكي: أن شاء الله تقوم منها بخير، هي ملهاش ذنب في بلاوي رشدي.
سليم بجدية: عايزك تعرف مين ورا الموضوع ده، راجع الكاميرات، وحاول توصل لأي معلومة.
أومأ بتفكير: معتقدش انها هتخرج بره عماد أو منى؟ بسبب مشاكل رشدي معاهم الفترة الاخيرة
رد بعقلانية هادئة: أنا كمان مش مستبعدهم، بس خلينا نشتغل بهدوء ونشوف الحقيقة الأول، روح أنت دلوقتي وابدأ في اللي قولتلك عليه.
هز رأسه بإيجاب دون تردد، ثم تحرك مبتعدا لتنفيذ ماطلب منه.
وأثناء ذلك، اقترب أحد الضباط يرتدي الزي الميداني، وبرفقته اثنان من أفراد الشرطة بملابس ميدانية أيضا.
توقف أمامهم وقال بجدية: مساء الخير، المقدم ايوب الفيومي كنت عايز أخد منكم كلمتين بس.
أجابه سليم: أنا سليم الراوي اخو رشدي.
أومأ الضابط برأسه:طبعا حضرتك غني عن التعريف.
تابع سليم بتهذب: رشدي لسه مفاقش، والظروف زي ماحضرتك شايف متسمحش بأي إجراءات قانونية دلوقتي، لما يقوم بالسلامة ويبقى كويس، وقتها حضرتك تاخد أقواله وتسأله على اللي أنت عايزه.
صمت المقدم للحظات يفكر، ثم قال: طب حضراتكم شاكين في حد معين؟ خصوصا إن بحسب المعلومات الأولية، العائلة اتعرضت لأكتر من حادث خلال الفترة الأخيرة.
تنهد وأجاب: إحنا لينا أعداء كتير، أكيد حضرتك عارف مين هي عيلة الراوي، لكن للأسف معنديش اسم معين أقدر أبلغ حضرتك بيه دلوقتي.
أومأ بتفهم: تمام، إحنا هنفتح المحضر ونبدأ التحريات، وإن شاء الله بكرة هاجي آخد أقوال رشدي بيه.
ثم استأذن وتحرك مبتعدا.
في تلك اللحظة...
وصلت فايزة وخلفها عدد من الحراس، ما إن وقعت عيناها على سليم حتى أسرعت نحوه بقلق: إيه اللي حصل ياسليم؟!
ثم تابعت بغضب: وشوقي والحراس كانوا فين؟!
أجابها ياسين موضحا: ما أنتِ عارفة يا ماما، رشدي أغلب الوقت بيخرج من غير حراسة.
وضعت يدها على رأسها بعدم استيعاب: أنا مش متصورة إننا بنعيش نفس الحادثة مرة تانية، أنا عايزة أشوفه.
سليم بهدوء: هو نايم دلوقتي، استني لما يصحى.
هزت رأسها بإصرار: لا لازم أشوفه، محتاجه اطمن عليه.
ياسين بلطف: طيب تعالي معايا.
وبالفعل اصطحبها إلى غرفة الإفاقة.
دخلت فايزة بهدوء، تنظر إلى رشدي الممدد على الفراش، والمحاليـل معلقة بجواره، ووجهه شاحب من شدة الإرهاق، توقفت للحظات تنظر إليه بحزن.
ثم اقتربت منه ببطء، ومدت يدها تمسح على شعره بحنان أمومي، لو كان رآه وهو في كامل وعيه، لما صدق أن ذلك الحب الذي أفنى عمره باحثا عنه بينهم كان موجودا بالفعل. لكنهم أحبوه على نحو خاطئ؛ حتى أورثوه شعورا مريرا بأنه غير مرغوب فيه، وأن مكانه في قلوبهم لم يكن يوما كما تمني.
انحنت تقبل خده، ثم رفعت جسدها ونظرت إلى ياسين: الدكتور قال إيه؟
تنهد قبل أن يجيب: إصابة بسيطة، دي مش أول مرة يعني رشدي يتضرب بالنار!
أومأت بتوتر: بس المرة دي مختلفة، التوقيت نفسه يخوف، وشكل الحادثة وأسلوبها فكروني بحادثة سليم.
أومأ بتفهم، وربت على كتفها قائلا: متخافيش، رشدي هيقوم منها، وهنوصل للي عملها، وهيدفع التمن. خلينا نستنى بره.
أومأت برأسها، ونظرت مرة أخرى نحو رشدي، ثم استدارت وغادرت الغرفة بهدوء.
تسالت وهي تتحرك في الممر ومازالت تأثير الصدمة: مين ممكن يعمل كده يا ياسين؟
تنهد وهو يهز رأسه: معرفش، حتى سليم نفسه مش قادر يوصل لإجابة.
قبضت على حقيبتها بقوة وقالت بغضب ممزوج بالخوف: اللي عمل كده لازم يدفع التمن... لازم.
نظر إليها بصمت، لكنه لم يجد أي إجابة يقولها.
عادت إليهم مرة أخري، وجلست معهم في الاستراحة المجاورة لغرفة العمليات، ينتظرون أي أخبار عن مي التي طال مكوثها في العمليات دون أي إشارة مطمئنه.
فيلا عائلة ماسة،5م.
جلس مجاهد وسعدية وسلوي معا، يحتسون الشاي ويتناقشون في أمور عدة غير عابئين بما يحدث في الخارج.
قاطع جلستهم دخول عمار وهو يتسأل بقلق: شفتوا اللي حصل؟
نظرت له سلوي: فيه إيه يا عمار؟! خضتنا!
اقترب يقول بتوتر: بيقولوا اضرب نار علي رشدي ومراته.
شهقت سعديه، وضربت صدرها بصدمه: يلهوي! واختك جرلها حاجه؟
هز رأسه: معرفش، الاخبار المنتشرة عن رشدي ومراته بس.
أمسكت بيد سلوي وهي تهتف بعجل: اتصلي باختك بسرعة نطمن عليها.
أومأت برأسها وأخرجت الهاتف بسرعة، ثم أجرت الاتصال وفتحت الميكروفون
ساد الصمت في المكان، والجميع ينظر إليها مترقبا.
وبعد لحظات أتاهم صوت ماسة: ألو؟
اعتدلت سعدية في جلستها وقالت بسرعة ولهفة: ماسة بنتي؟! إيه اللي حصل؟ إنتِ كويسة انتِ وجوزك؟
ابتسمت ماسة، رغم توترها: أيوه يا ماما كويسين متقلقيش.
تنهدت براحه: الحمد لله يا حبيبتي أمال إيه اللي عمالين نسمعه ده؟
تنهدت ماسة: والله يا ماما معرفش تفاصيل، سليم في المستشفى ولسه مرجعش.
مجاهد بقلق: المهم إنتِ بخير يا بنتي؟
ردت بهدوء: ايوه الحمد لله، ولما سليم يفضى شوية هخليه يجيبني أزوركم، وحشتوني اووى.
تسأل عمار بتردد: قوليلي ياماسة، هو سليم له علاقة باللي حصل ده؟
ردت سريعا: لا طبعا، سليم تاب من زمان، ومستحيل يعمل حاجة زي اكيد دي حاجة تخص رشدي.
أطلقت سعدية زفرة طويلة: ربنا هو العدل يا بنتي، اللي بيزرع حاجة بيحصدها
عقدت ماسة حاجبيها: يا ماما حرام نشمت في حد، مي متستاهلش اللي حصلها.
سعدية بنبرة أهدأ: لا يا حبيبتي، أنا مش قصدي مراته، ربنا يقومها بالسلامة ويطمن قلب أهلها عليها، انا اقصد الزفت الثاني اللي ربنا ينتقم منه..
تنهدت ماسة: المهم يا ماما خلوا بالكم من نفسكم، ومتخرجوش الفترة دي كتير، لحد مانعرف الدنيا فيها ايه.
تبادل الجميع النظرات.
اعتدل مجاهد في جلسته وقال بحزم: متقلقيش. محدش هيخرج لوحده ولا هيتحرك إلا للضرورة.
بينما تسألت سلوي بقلق: أنتِ حاسة إن في خطر علينا؟
صمتت لثواني، قبل أن تجيب: معرفش، بس اللي حصل غريب ومش مطمئن.
شعرت سعدية بانقباض في قلبها: بس إوعي تغيبي علينا كده، كلمينا كل يوم وطمنينا عليكي أنتِ وجوزك، ربنا يحميكم يا بنتى ويبعد عنكم أي شر.
ابتسمت ماسة بحنان: حاضر يا ماما، وانتم كمان كلموني أى وقت، التليفون معايا على طول.
سعدية: ماشي يا حبيبتي، سلام.
أغلقوا المكالمة، وخيم الصمت علي المكان، بينما بقي القلق مسيطرا ملامحهم رغم اطمئنانهم عليها.
الفيلا التي يمكث بها مصطفى،5م.
جلس مصطفي أمام آلاء، يساعدها في عمل التمارين لذراعها المصاب، بينما كانت هي تجلس بالإسدال، تتابع حركاته بصمت.
مصطفى وهو يحرك ذراعها برفق: معلش، الحركة دي ممكن توجع شوية.
انكمشت ملامحها قليلا من الألم: لا عادي.
رفع حاجبه ساخرا: عادي إيه؟ وشك بيقول غير كده.
فابتسمت بخجل وأشاحت بنظرها بعيدا، فأكمل التمرين بهدوء، وبعد دقائق سحب يده للخلف وهو يقول: بس كده.
ثم نظر إليها متفحصا: عاملة إيه دلوقتي؟
حركت كتفها بحذر: الحمد لله.
ابتسم: إن شاء الله مرة على مرة هتبقي أحسن.
بادلته الابتسامة: إن شاء الله.
نهض من مكانه: ماتيجي ننزل نقعد تحت شوية؟
اختفت ابتسامتها فورا: لا، خليني هنا.
تسأل متعجبا: ليه؟
قالت بهدوء: هقعد مع ماما لما تصحى.
مصطفي بجدية: آلاء، مامتك نايمة ومش هتصحى دلوقتي، وانتِ بقالك كام يوم حابسة نفسك في الأوضة، لا أكل مع الناس، ولا قعدة، ولا حتى نزلتي الجنينة! أنتِ لسه زعلانه من ماما؟
هزت رأسها سريعا: لا والله ابدا.
اقترب منها: أومال ايه؟ مالك؟
صمتت ثواني قبل أن تخفض رأسها: بصراحه مش قادرة أبص في وشهم بعد اللى حصل!
عقد حاجبيه: مش فاهم؟
تابعت بصوت مبحوح والدموع تتجمع في عينها: علشان كلهم عرفوا اللي حصلي.
جلس امامها مره اخري متسائلا: وإيه هو اللى حصلك؟
نظرت له بخجل وهي تبتلع ريقها: أنت فاهم قصدي كويس.
تصنع عدم الفهم: لا والله مش فاهم.
اشاحت بوجهها: دكتور مصطفى بلاش.
مال عليها، ومد يده نحو وجهها يجبرها على النظر إليه، قائلا بهدوء عاقل: أنتِ متخيلة إن الناس كلها قاعدة تبصلك وتفكر في اللي حصل؟!
هز رأسه وتابع: محدش بيفكر كده يا آلاء، وكل اللي حواليكي زعلانين وخايفين عليكي وبس.
ارتجفت شفتاها: قصدك بيشفقوا عليكي!
أجابها بجدية: اسمها رحمه وإحساس بالمظلوم مش شفقة!
أجابته بنبرة مهتزة: متضغطش عليا، والله ماهقدر، أنا حاسه إن كل ما أبص في وش حد هفتكر كل اللي حصل، حتى انت.
لانت ملامحه، وامسك يدها بابتسامة: إنتِ معملتيش حاجة غلط علشان تتحرجي وتستخبي من الناس، وصدقيني اللي انتِ حساه ده وهم واهمة نفسك بيه؛ لأنك حساسة.
نهض يجذبها: تعالي ننزل دلوقتي وأنتِ هتشوفي بنفسك إن الكل هيتعامل معاكي عادي جدا واكثر من العادي كمان.
هزت رأسها: مش عايزة..
نادها بغلظه: الاء!
رفعت رأسها له فوجدته يبتسم: يلا يا لولو، كفاية حبس في الأوضة خلينا نستمتع بجمال الجنينة وقت غروب قبل منرجع الخرسانه تاني.
ابتسمت رغما عنها، وبعد لحظة تردد، قامت وتحركت معه إلى الخارج.
في الحديقة.
كانت نبيلة وعائشة وإيهاب يجلسون معا، يتناولون بعض المشروبات في أجواء هادئة.
نبيلة وهي تنظر حولها بإعجاب: والله العز حلو يا ولاد؛ تصحوا كل يوم مفيش دوشة، ولا بياعين بينادوا، ولا زحمة زرع وخضرة، وكمان ناس تخدمكم.
ابتسم إيهاب قائلا: شكل القعدة هنا عجبتك.
أومأت بتاكيد: أكيد عجبتني، هو في حد يكره الراحة؟
مدت وجهها، وتابعت باستنكار: بس عارفين، والله كل حاجة تغور، المهم الواحد يحس بالأمان ويبقي باله مرتاح، بعد ماسمعت حكاية سليم واللي عملوا فيه اهلة، واللي وهو دلوقتي بيعمله فيهم، الواحد يحمد ربنا على اللي هو فيه، تغور الفلوس اللى تخلي الناس تاكل في بعض زى الديابه كده..
عائشة بتاكيد: صح، بس برضو الإنسان لو عاش في مستوى زي اللي إحنا فيه دلوقتي مش حاجة وحشة يعني.
نبيلة بحكمه: ما إحنا ندعي ربنا يغنينا بحلاله، وميغيرش قلوبنا علي بعض..
في تلك اللحظة اقترب مصطفى برفقته آلاء، يقول بابتسامة: مساء الخير.
الجميع: مساء النور.
نظر الى نبيلة ودعابها: إيه يا ست الكل، هتعيشي في الجنينه ولا ايه؟! أنا شايفك من الصبح هنا
ردت بإبتسامة: القعدة هنا ترد الروح، تعالي يا آلاء اقعدي جنبي.
تعجبت الاء من الجملة ، ترددت للحظة، ثم أومأت برأسها وجلست بجوارها.
تساءلت نبيلة: الحاجة فين؟
الاء: ماما نايمة، العلاج بيخليها تنام.
أومات: ربنا يشفيها ويعافيها يارب.
ثم ربتت على كتف آلاء بحنان: عاملة إيه دلوقتي؟
نظرت إليها آلاء باستغراب واضح، فهي لم تعتد منها هذا القدر من اللين والاهتمام. ظلت تحدق بها للحظه وكأنها تتأكد أن الكلمات موجهة إليها بالفعل، ثم أجابت بهدوء: الحمد لله... أحسن شوية.
وفي تلك اللحظة، ارتفع صوت عائشة بصدمة: الحقوا!
التفت الجميع إليها: في إيه؟
رفعت الهاتف بيد مرتجفة: رشدي اتضرب بالنار هو ومراته!
انتفض مصطفى من مكانه: إيه؟!
أخذ الهاتف منها بسرعة وبدأ يقرأ الخبر بنفسه.
نبيلة بقلق: في إيه يا مصطفى؟
مصطفى وهو يقرأ: مكتوب إن اصيب رشدي الراوي وزوجته، بأحد الطلقات المجهولة في مكان علي النيل، واتنقلوا المستشفى وحالتهم خطيرة.
شهقت آلاء وهي تضع يدها على فمها.
نبيله رافضه للفكر: مستحيل يكون سليم عمل كده في اخوه.
أما إيهاب فقال بصدمة: اتصل بسليم نفهم منه الحقيقة.
أومأ مصطفى وهو يخرج هاتفه: معاك حق.
ضغط على رقم سليم وانتظر لثواني قبل أن يأتيه الرد.
سليم: أيوة يا مصطفى.
مصطفى بقلق: الخبر اللي نازل ده حقيقي؟
تنهد سليم: للأسف حقيقي.
اتسعت أعين الجميع وهم يتابعون حديثه.
مصطفى: هما عاملين إيه دلوقتي؟
سليم: رشدي إصابته في الكتف وخرج من العمليات، إنما مي لسه في العمليات وحالتها أصعب شوية.
مصطفى بتأثر: ربنا يستر، ويقومها بالسلامه، طمني أول مايبقى في جديد.
سليم: أكيد.
تسال: طب الموضوع يكون في خطى عليك انت وماسة
رد بتأكيد:لا ماتقلقش.
صمت مصطفى للحظه ثم تسأل: سليم هو اللي حصل ده انت..
قاطعه سريعا: أكيد مش هعمل كده معلش مش هعرف اتكلم..دلوقت سلام
أنهى المكالمة.
التفت إليه ايهاب بلهفة: قالك إيه؟
مصطفى: رشدي إصابته في الكتف، لكن مراته لسه في العمليات هو مش عارف يتكلم اوي هكلمه تاني.
نبيلة بدعاء ربنا يسترها ععلهم..
_______________بقلمي_ليلةعادل
المستشفي6م.
رشدي نائما على الفراش، جسده مازال مثقلا بآثار البنج والجروح، معلق على محاليل وذراعه الآخر ملفوف بشاش أثر الرصاص.
بعد قليل بدا جفناه يرتشعان قليلا، وكأن وعيه بدأ يعود ببطء، تمتم بصوت خافت متعب متقطع: مي...
فتح عينيه بصعوبة، ونظر حوله بتشوش، غرفة بيضاء أجهزة طبية، ولا أحد بجواره.
عقد حاجبيه ونهض بصعوبة، متجاهلا الألم الذي اجتاح جسده.
تمتمت: مي... إنتِ فين!
في تلك اللحظة دخلت إحدى الممرضات، وما إن رأته مستيقظا حتى اتسعت عيناها بابتسامة: حمد لله على سلامتك يارشدي بيه، ثانية واحدة بس هبلغ الدكتور.
نظر إليها بعينين مرهقتين تسأل بثقل: مي فين؟ مراتي فين؟
ترددت لحظه ثم قالت: استنى بس يافندم، هبلغ الدكتور وأرجع لحضرتك.
لكنه لم يستمع اليها، وحاول النهوض ليبحث عنها بنفسه، فاسرعت الممرضه نحوه تحاول إعادته للفراش: لا لا، حضرتك مينفعش تقوم.
نظر لها متسائلا: مراتي فين؟!
ردت بهدوء: مدام مي في العمليات وإن شاء الله هتبقى كويسة، بس لازم حضرتك تفضل مكانك علشان الجرح...
تجمد للحظة وكأن كلمة "العمليات" نزلت عليه كالصاعقة، دفع الغطاء عنه بعصبية: أنا لازم أشوفها.
حاولت منعه وهو يحاول أن ينتزع أسلاك المحلول من يده: يافندم مينفعش، كده غلط، حضرتك لازم ترتاح.
دفع يدها عنه بعنف وهو يقول باضطراب: ابعدي عني، أنا عايز أشوف مراتي، فكي الزفت ده!
الممرضة بقلق: يافندم حضرتك نزفت كتير، استنى الدكتور بس.
نظر إليها بضجر: اسمعي الكلام ومتعصبنيش.
وفي تلك اللحظة دخل الطبيب بعد أن استمع الى أصواتهم.
نظر إلى المشهد باستغراب: في إيه يا ميار؟
أشارت إلى رشدي قائلة: يادكتور مش راضي يهدى وعايز يخرج.
اقترب الطبيب منه بهدوء: رشدي بيه، إحنا محتاجين نطمن عليك الأول.
هز رأسه بعناد: أنا كويس، خليها تفك المحلول ده.
نظر إليه لثواني، ثم أومأ برأسه: فكهوله.
نظرت إليه بدهشة: بس يادكتور...
قال بحزم: اسمعي الكلام.
وبالفعل بدأت تفك المحلول من يده وما إن انتهت حتى نهض رشدي فورا.
ترنح قليلا من شدة التعب، استند على موخرة الفراش لوهلة، لكنه تجاهل الأمر وتحرك نحو الباب.
ناداه الطبيب: رشدي بيه!
لكن كلماته لم تصل إليه، كان هناك شيء واحد فقط يشغل عقله (مي)
خرج إلى الممر بخطوات غير متزنه، متجاهلا الألم الذي ينهش جسده، حتى وصل إلى قسم العمليات.
هناك كان الجميع مجتمعين.
انتفض ياسين وفايزة ما إن رأوه، واسرعوا نحوه بسرعة.
فايزه وهي تسنده: إنت إيه اللي قومك من السرير وانت تعبان؟ ارجع مكانك!
لكنه لم يهتم، وسأله مباشرة بنبرة تخرج بصعوبه: مي فين؟ حصلها ايه؟
أشار ياسين نحو غرفة العمليات المغلقة: لسه جوة، ارجع انت بس اوضتك وأنا هبقي اطمنك.
نظر إليه بوجه شاحب وعينين مرهقتين: أنا كويس، مفيش حاجة.
فايزه باعتراض: مفيش حاجة أزاى؟ أنت مش شايف شكلك؟
رفعت يدها ومسحت على خده بحنان أمومي واضح، بينما امتلأت عيناها بالدموع: ألف سلامة عليك، إنت متعرفش أنا خوفت عليك قد إيه أول ماسمعت الخبر، عزت كمان كان هيموت من القلق عليك، لازم تكلمه وتطمنه بنفسك.
ثم ربتت على كتفه السليم محاولة منحه بعض الطمأنينة: ومتقلقش على مي، إن شاء الله هتكون كويسة.
ظل صامتا، وعيناه معلقتان بباب غرفة العمليات، وكأن كل ماحوله لم يعد موجودا، بينما كانت أصابعه ترتجف من شدة التوتر والخوف.
حازم بهدوء وهو يشير إلى المقعد: حمد لله على سلامتك يارشدي، تعالي اقعد.
لكن قبل أن يخطو خطوة واحدة، التقت عيناه بعيني راشد الذي لم يرَ فيه زوج ابنته، بل الرجل الذي أوصلها إلى هذا المصير؛ فابنته الوحيدة تصارع منذ ساعات بين الحياة والموت بسببه.
نهض من مقعده فجأة، واندفع نحوه كالإعصار، قابضا على ياقة ثوبه بعنف، وقد طغى عليه غضبه وعجزه: بنتى جوه بسببك، والله لو حصلها حاجه لأقتلك.
تأوه رشدي من الألم، لكنه لم يحاول إبعاده، ظل واقفا يرمقه بعينين ممتلئتين بالقهر والدموع والانكسار..
ولأول مرة، لم يكن رشدي الذي نعرفه؛ الرجل العنيد الوقح، الذي يرد الصاع صاعين، بل كان رجلا مكسورا، مهزوما، ضائعا.
أسرع الجميع للفصل بينها الا سليم، ظل واقفا مكانه يشاهد ما يحدث بصمت ثقيل.
أمسك ياسين براشد محاولا إبعاده: ياعمي كده مينفعش!
تدخل حاتم هو الآخر: يا بابا سيبه، هو ذنبه ايه، ماهو اتضرب بالنار زيها؟!
صاح: ذنبه ايه؟ ماهو السبب!
أضاف حازم محاولا تهدئة الموقف: عشان خاطر مي يا بابا اهدى.
فايزة باستهجان مهيمن: بشمهندس راشد! اللي بتعمله ده مش مقبول، مش بنتك بس اللي بتدفع التمن، ابني كمان اتضرب بالرصاص، فلو سمحت سيبه واتمالك أعصابك بدل ما أضطر أتدخل بنفسي تدخل أكيد مش هيعجبك.
تدخل ياسين مسرعا: ماما من فضلك، ملوش لازمه الكلام ده.
ثم نظر الى راشد: من فضلك يابشمهندس كفاية.
استطاع أبناءه جذبه بعيدا، فجلس على أحد المقاعد يلهث من شدة الغضب، مرر يده المرتعشة على وجهه مرددا بحرقة: بنتي بس تقوم بالسلامة، واطمن عليها بس..
رفع رأسه نحو رشدي وعيناه مشتعلة بالألم: ووقتها اي حد كان السبب هيتحاسب.
نظرت له فايزه من طرف عينيها قالت بقوة: أكيد اللى اتجرأ يعمل كده في رشدي الراوي، لازم يتحاسب.
تبادل الجميع النظرات في الصمت.
أما رشدي، فظل واقفا في مكانه، مسندا ظهره إلى الحائط، مطأطئ الرأس، بينما انحدرت الدموع من عينيه في صمت، بدا وكأن الصدمة قد نزعت منه كل شيء: قوته، وغضبه، وكبرياءه، وحتى قدرته على الرد.
كل ما كان يراه أمامه هو باب غرفة العمليات المغلق، وكل مايسمعه داخل رأسه صوت مي وهي تناديه للمرة الأخيرة قبل سقوطها أمامه.
اقتربت منه فايزة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، نظرت إليه بعين الأم الحنونه، مدت يدها وربتت على كتفه بحنان وهي تقول: رشدي... تعالى ياحبيبي.
لم يرفع رأسه، فأمسكت بيده برفق وأكملت بهيمنه: تعالى اقعد واستريح شوية، متقلقش أنت وسط إخواتك وعيلتك اللي هتفضل سندك وحمايتك وأمانك، وهتجيبلك حقك وحق مراتك.
ضغطت على يده بحنان: متحملش نفسك فوق طاقتها دلوقتي...
تحرك معها أخيرا وكأنه يسير بلا وعي، جلس علي أحد المقاعد، فجلست إلى جواره وأخذت تربت على كتفه بين الحين والآخر محاولة تهدئته.
لكنه لم يكن منتبها لشيء، لا لكلماتها، ولا لاهتمامها، وكأن روحه تعلقت خلف ذلك الباب
وبعد وقت، فتح الباب وخرج الطبيب، وملامحه لا تحمل بشارة.
اندفع الجميع نحوه بلهفه، وتساءل راشد بصوت اب مكسور خائف: بنتي عاملة إيه يا دكتور طمني؟!
سحب الطبيب نفسا ثقيلا قائلا بحزن: إحنا عملنا اللى نقدر عليه لكن لأسف.. فقدنا الجنين.
ساد صمت ثقيل كأن المكان كله توقف عن التنفس للحظة.
بينما أكمل الطبيب: حاولنا بكل الطرق نحافظ عليه، لكن الإصابة كانت في مكان حساس والنزيف كان شديد، دلوقتي أهم حاجة إن حالة مدام مي تستقر، هي هتتنقل الرعاية ولو ال24ساعه الجايين عدو علي خير، يبقى عدينا مرحلة الخطر، ادعولها.
قال كلماته وغادر المكان، فخيم الصمت لثواني طويلة، كأن الصدمة ألقت بثقلها على الجميع دفعة واحدة وهم يحاولون استيعاب ما سمعوه!
تقي بتعجب: جنين ايه؟! هي كانت حامل؟!
التفتت الأنظار نحو رشدي منتظرين منه إجابه، أما هو فبقي واقفا مكانه كأنه لم يسمع السؤال أصلا.
عيناه تتحركان ببطء وملامحه تتفكك شيئا فشيئا، يحاول استعاب ماسمعه
تحركت شفتاه أخيرا وهمس بصوت مكسور بالكاد يسمع: أنا معرفش.
حاتم باستغراب: يعني إيه متعرفش؟
رفع عينيه نحوه ببطء، والصدمة واضحة في كل تفصيلة من وجهه، وقال بصوت مختنق: يعني ولا انا ولا هي كان عندنا خبر بالحمل ده.
خفض رشدي رأسه، وهو يمرر يده المرتجفة علي وجهه، افلتت من شفتيه ضحكة قصيرة باهتة أشبه بالبكاء، وهو يحاول استيعاب الأمر!
مي كانت تحمل طفلا منه بداخلها؟! طفل لم يعرف بوجوده إلا حينما رحل!
شعر بثقل خانق يجثم صدره، فأغمض عينيه بقوة، وانفلتت دمعة أخرى من بين جفنيه.
بينما كان الجميع غارقا في صدمتهم... وقف سليم على بعد خطوات يراقب المشهد بصمت.
لم يكن يشعر بالشفقة على رشدي، لكن شيئا مابداخله اهتز لأجل مي، ولأجل ذلك الطفل الذي رحل قبل أن يرى النور.
يعرف هذا الشعور جيدا يعرف معنى أن تقف عاجزا أمام امرأة تحبها وهي تنزف، ومعنى أن تفقد طفلا قبل أن تبدأ معه الحياة.
رفع رشدي عينيه، فالتقت عيناه بعيني سليم، تجمد للحظة وكأنه لا يرى سليم... بل يرى شبح جريمتة، يرى الرجل الذي أذاقه الويلات، وحطم حياته، وها هو الآن يعيش نفس المصير الذي عاشه سليم يوما.
رصاص، دماء، زوجة بين الحياة والموت، وطفل رحل دون أن يملك القدرة على إنقاذه.
اختنق رشدي بالنظرة ولم يستطع احتمالها أكثر، فأدار وجهه سريعا.
وفي هذه الأثناء انفتح باب العمليات مره أخري وخرج المسعفين يدفعون الترولي، التى سكنت مي عليه شاحبه بلا حراك.
التف الجميع حولها بلهفه يحاولون طمئة قلوبهم أنها بخير، وتبعوهم حتى وصلوا إلي غرفة الرعايه.
وقف الجميع بالخارج أمام الزجاج، ينظرون إلى مي الممدة على الفراش وأصوات الأجهزة المنتظمة هي الشيء الوحيد الذي يؤكد لهم أنها مازالت على قيد الحياة.
وقف والدها واشقائها يبكون بصمت، بينما وقف رشدي ينظر إليها نظرة اعتذار وندم، ارتجفت شفتاه وهو يحدق فيها، وكأن آلاف الذكريات تمر أمام عينيه دفعة واحدة.
ضحكتها، شجارها معه، عنادها، خوفها، وكل مرة أبكاها فيها، وكل مرة كسر خاطرها، وظن أنها ستبقى مهما فعل.
انهمرت الدموع على وجهه بلا مقاومة، ولأول مرة بكي رشدي بصدق وعجز كامل، الرجل الذي أوجع كثيرين دون أن يهتز، وظن طويلا أن الألم لا يمكن أن يصل إليه، ها هو الآن يتذوقه قطرة قطرة، كما أذاقه لغيره يوما.
ظل واقفا أمام الزجاج لا يحرك عينيه عنها، ثم استدار نحو الطبيب الذي أتي ليطمئن علي حالتها: عايز أشوفها.
هز رأسه برفض: ممنوع حاليا، حالتها حرجة.
قال برجاء ضعيف: دقيقة واحدة... بس أشوفها، ارجوك.
زم وجهه بأسف: آسف يارشدي بيه ده لمصلحتها نعدي ال24ساعه دول بس، ووقتها تقدر تشوفها.
أغلق رشدي عينيه بألم وهو يعود بنظره إليها خلف الزجاج، لم يقل شئ فقط ظل واقفا هناك كأن روحه محتجزة داخل تلك الغرفة معها.
على اتجاه آخر في الممر...
كان سليم متوقفا في الخارج وإلى جواره ياسين.، وفايزه تجلس على المقعد بمسافه معقوله
تحتسي القهوه.
نظر سليم إلى ساعته ثم زفر بضيق: بقولك إيه، أنا همشي، قعدتنا ملهاش لازمه، جاي معايا ولا هتستني!
أومأ موافقا: اها جاي معاك، بس استني هبلغ رشدي الأول.
لم يستطع منع نفسه من السؤال: إزاي لسه واقف معاه بالشكل ده بعد كل اللي عرفته؟
أجابه بعقلانية: ده أخويا يا سليم، ومضروب بالنار، و...
قاطعه بإشارة حاسمه من يده: مسألتش عشان تديني مبررات، اعمل اللي يريحك.
ثم أضاف ببرود: أنا كمان اتأثرت عشان مي، ومنكرش اني خايف عليها وزعلان عشانها، لكن ده عمره ماهيخليني أوقف اللي بعمله أو أنسى اللي حصل.
قال كلماته، ثم استدار وتحرك نحو فايزة بينما توجهها ياسين الى رشدي.
توقف سليم أمام فايزة متسال: أنا همشي، هتيجي معايا ولا هتقعدي؟
أومأت باعتراض: هقعد شوية أطمن علي رشدي، وبعدين همشي.
ثم نظرت إليه بجدية وأكملت: سليم، إنت لازم تعرف مين اللي بيعمل كل ده، الموضوع مبقاش يحتمل أي اهمال، المسألة بتكبر، وأنا مش هسمح إني أخسركم في المعركة دي.
أجابها بهدوء: مسيره هيتعرف، هيروح مننا فين؟
ثم تابع متعجبا: وبعدين رشدي كويس، مش مستاهل كل الخوف بتاعك ده، أول مره اعرف إنك بتخافي يا هانم!
ردت عليه باستنكار: مش عايزني أخاف عليه أزاى يا سليم!
امتلأت عيناها بالدموع، وتابعت: أنا أول ماقرأت الخبر افتكرت الحادثه بتاعتك و
قاطعها بضيق فهو لا يحبذ تذكر ذلك الموضوع: من فضلك، مش عايز أتكلم في الموضوع ده نهائي.
نظر إلى ساعته وأضاف: أنا همشي، محتاج أرتاح شوية، اليوم بكرة طويل، بعد إذنك ياهانم.
تحرك مبتعدا، بينما ظلت فايزة تراقبه بعينين دامعتين حتى اختفى من أمامها.
بينما خرج ياسين من باب الرعاية، واقترب منها يقول: أنا قولت لرشدي إننا هنمشي، انا تعبان ومرتحتش من امبارح وحضرتك كمان لسه تعبانه.
أومأت برفض: روح أنت، أنا هقعد شوية معاه.
تنهد ياسين وجلس القرفصاء أمامها، قائلا بنبرة حنونه: قعادك هنا ملوش لازمة، ارتاحي النهارده، وتعالي بكرة اقعدي معاه زي ما إنتِ عايزة، وهو كويس، دي اصابه في كتفه يعني يا ماما.
نظرت نحوه وتسألت: هو مش هيروح معانا؟
هز رأسه نافيا وهو يتوقف: معتقدش، مستحيل يسيب مي دلوقتي، أنتِ شوفتيه عامل ازاى وهو واقف قدام أوضة الرعاية
أومأت بتفهم، ثم أضافت وهي تنهض ببطء: طب هدخل اسلم عليه واجيلك.
♥️________________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي،10م.
دخل سليم الجناح، والتعب واضحا على ملامحه.
ما إن رأته ماسة حتى نهضت بسرعة تتساءل بلهفه وحزن: سليم! إيه اللي حصل؟ ومي عاملة إيه دلوقتي؟
أشار لها بيده أن تتمهل قليلا: استني بس...
جلس على الأريكة، وفك أول أزرار قميصه، ثم تناول كوب الماء الموضوع أمامه وارتشف منه عدة جرعات
قال بهدوء: مفيش جديد، زي ماقولتلك في التليفون، حد ضرب عليهم نار، رشدي كويس، لكن مي للاسف دخلت رعاية.
أتسعت عينها بخزن: يا نهار أبيض طب مين اللي عمل كده؟
هز رأسه: لسه محدش عارف.
تسالت باهتمام: طب الدكتور قال ايه عن مي؟
تنهد بتعب: قال لو عدينا ال24ساعه دول علي خير، يبقي عدت مرحله الخطر.
زمت شفتيها بحزن: ياروحي.
ساد الصمت للحظات، كأن الكلمة علقت في حلقه سليم، شد فكه بقوة، وخفض بصره لثواني طويلة، قبل أن ترتجف زاوية شفتيه ارتجافة خفيفة وهو يقول بخفوت: كانت حامل...
اتسعت عينها، بينما تابع: للاسف خسرت الجنين.
شهقت ووضعت يدها على فمها، وامتلأت عيناها بالدموع: يا حبيبتي، زعلتني اوي، دي زي بتحب الاطفال وكان نفسها تخلف ورشدي كان مخليها تأجل...
تنهد وهو يمرر يده على وجهه بنبرة مرتجفه: والله زعلت عليها جدا.
هزت رأسها بحزن بعينين تلمع بدموع: وأنا كمان، مي متستاهلش أي حاجة من اللي بتحصل فيها، مش عشان جوزها راجل مجرم وقذر تدفع هي التمن...
صمتت قليلا ثم أكملت وهي تقضم وجهها: هقولك على حاجة، لما عرفت خبر الحادثة وقريت الأخبار، حسيت بالخجل من نفسي.
رفع عينيه إليها متعجبا: ليه؟
تنهدت وهي تقضم وجهها بحزن اكبر وانزعاج: عشان كنت بحاول أوجعه من خلالها، كنت عايزة أوصلها حاجات وأحركها ضده وأخلي حياته جحيم، مش عشان أنقذها منه، لا عشان أنتقم منه واعيشه اللي عمله فيك وفيا زي متفقنا.
صمتت لحظة ثم أكملت: بس بعد اللي حصل، فهمت إن مي ضحية زينا، ذنبها الوحيد إنها حبت واحد ميستهالهاش، لو كنت كملت في اللي بفكر فيه كنت هبقى زيه بالظبط، بتشطر على أضعف طرف في القصة، كنت هتحول لواحده شيطانه وأنا مش واخده بالي...
ظل ينظر إليها للحظات بصمت، بينما تابعت بحكمه: يمكن اللي حصل كان رسالة!
تسأل: رسالة لمين؟
تابعت بنبرة ضعيفه: ليا... وليك... ولرشدي.
رفع حاجبيه باستغراب، فأكملت على ذات الوتيرة: رسالة ليا اني مكملش في الفكره المجرمه والشيطانيه اللي انا كنت بفكر فيها، ورسالة ليك إنك تبعد عن أي حاجة تخليك تفقد ضميرك وانسانيتك وانت بتنتقم، ولرشدي يمكن يفهم أخيرا إن أفعاله بيدفع تمنها الناس اللى حبهم.
هز رأسه موافقا: المهم دلوقتي إنها تقوم بالسلامة..
ثم غير الموضوع، وهو يضع يده على بطنه: بقولك إيه، أنا جعان أوى، ووحشني أوى أكل من أيدك.
ضحكت رغم حزنها ضحكت: بس كدة من عيوني.
همت بالتحرك لكنه امسك يديها: رايحه فين؟! اكيد مش هتعملي دلوقتي، خليها بكره، انت بس اطلبي العشا، اي حاجه خفيفه نأكلها
أومأت: حاضر
نهضت وهي تمسك الهاتف بين يديها ثم قالت بانزعاج: انا مش عارفه في ايه؟! الدنيا فجاه اتقلبت، حوار شاهين وآلاء ومصطفى من ناحية، واللي حصل لرشدي ومي من ناحية تانية، حاسة الدنيا متلخبطة خالص من يوم الحفلة وكل يوم فيلم اكشن.
تمدد على الأريكة وأغمض عينيه بارهاق: ولا متلخبطة ولا حاجة، هي كلها حصلت في وقت واحد بس، بعدين موضوع شاهين ده تافه أصلا مش مستاهل.
طلبت الطعام، وجلست بجواره، فوضع رأسه على ساقيها مستندا إلى بطنها.
أخذت تمرر أصابعها بين خصلات شعره برفق، رفع عينيه إليها وقال بابتسامة صغيرة: أنا مش برتاح غير هنا... في وطني.
ابتسمت بحب وانحنت تقبل جبينه: وأنا كمان.
وبعد قليل وصل الطعام، فتناولا العشاء معا في هدوء افتقداه لكن الهدوء لم يدم طويلا...
رن هاتف سليم التقطه ونظر إلى الشاشة ثم أجاب: أيوة يا مكي.
جاءه صوت مكي سريعا: أنا وصلت لحاجة مهمة جدا.
نهض فورا: طيب تعالى القصر حالا.
أغلق الهاتف ونظر إلى ماسة: مكي وصل لمعلومات.
اتسعت عيناها: فعلا؟
اوما: أيوة.
ماسة: الحمدلله كمل اكلك طيب..
امسكت الشوكه وقدمتها له، تبسم وهو يتناولها ثم وضع قبله على يدها..
بعد نحو ساعة وصل مكي.
استقبله سليم بنفسه، ثم تحركا معا إلى إحدى الغرف الجانبية في الطابق العلوي.
وقبل أن يدخل أغلق الباب خلفه، وأوصى عشري بالمراقبه.
استدار إلى مكي مباشرة وقال بجدية: عرفت مين اللي عملها؟!
فتح مكي الهاتف من إحدى الزوايا وأظهر له مقطع الفيديو.
ظهر به تمساح يصعد إلى إحدى السيارات، التي انطلقت به مرسعه وكأن بها أحد بانتظاره.
سليم بانزعاج: مفيش حاجة باينة من شكله.
أجابه بتعقل: أيوه، بس رقم العربية باين.
زفر سليم وابتعد يلوح بيده باختناق: أكيد لوحة جايبينها من أي عربية مسروقة أو خرده، الموضوع مقفول.
هز مكي رأسه معترضا: مش مقفول، أنا كلمت عرفان علطول واشتغلنا سوا طول اليوم علي خط سير العربيه في الكاميرات.
سأله باهتمام: ووصلتوا لحاجه؟
اومأ برأسه: مش بالظبط، بس هو فضل ماشي بالعربيه لحد ما وقف في حته معينه، وبعدين سابها ونزل، وشوية جه حد اخدها.
هز رأسه: وبعدين؟ مين الحد دى وصلتوله؟
اوما بتأكيد: أه جبناه، كان وشه باين في الكاميرا وعرفنا نوصله بسهوله، طلع واد ميكانيكي كان مأجر منه العربيه ببطاقه مضروبه ومفهمه إنها بتاعة جوز اخته.
زفر باختناق وتساءل: طب الواد التانى بعد ماساب العربيه متابعتوش وصل لفين من الكاميرات؟
اومأ مؤكدا: طبعا تابعنا، ودوخنا وراه، فضل يلف كتير لحد ما دخل في حته عشوائيات كده مفيهاش كاميرات، حاولنا نشوف الطريق من بعدها لقيناها بتطلع علي كذا طريق، يعني إحنا قدامنا احتمالين، يا يكون موجود في المنطقه دى، ودى آخر نقطه وصلها، يا هيدخل يغير جوه ويخرج منها، وساعتها هيبقي صعب نرصده تانى لأننا منعرفش شكله.
زفر سليم باختناق: إحنا بنلف في دايرة مقفوله يا مكي!
اوما باعتراض: مش مقفوله ولا حاجه، هو واضح إنه بيشتغل لوحده علشان كده عمال يغلط كتير، عرفان بعت رجالته في المنطقه اللى انقطعت فيها الكاميرات علشان يحاول يطلع باى معلومه عنه، وكمان الواد الميكانيكي شاف وشه بس ميعرفش اسمه، وعرفان شغال معاه، فاستني ونشوف هيوصل لايه.
اوما برأسه أخيرا: ماشي يا مكي تابع معاه، وفتح عينك في التسجيلات الفترة دى، خصوصا مع عماد.
أومأ مكي بالإيجاب ثم سأله بعد لحظة: رشدي عامل إيه؟ هو ومي؟
تنهد سليم: إصابة في الكتف، لكن مي اللى حالتها صعبه لأسف.
صمت للحظة قبل أن يضيف بصوت أخفض: عارف، وأنا واقف هناك افتكرت الحادثة بتاعتي.
شرد بنظراته بعيدا وتابع بنبرة محشرجه: نفس الإحساس، ونفس التفاصيل تقريبا، رغم كل السنين دي، أنا لسه متخطتش اليوم ده
ابتلع غصة مؤلمة وواصل بعينين تلمع بدموع: لحد دلوقتي عايش في اللحظة اللي شوفت فيها ماسة بتطعن وأنا مش قادر أساعدها، واللحظة اللي خسرت فيها بنتي، انا مستحيل انسى او اتخطي اليوم ده...
قبض على يده بقوة بعينين غامت بسواد: غير لما أوصل للي عمل كده وأقتله بإيدي.
نظر له بتأثر، واقترب يربت على كتفه بصمت لا يعلم ماذا يقول، ولا يملك كلمات كافيه لمواساته.
على اتجاه آخر.
دخل ياسين الغرفة، فنهضت لوجين فور رؤيته تتساءل بلهفة: طمني يا ياسين، مي عاملة إيه؟
خلع سترته وألقى بها على المقعد ثم جلس بإرهاق: الحمد لله، خرجت من العملية، بس لسه في الرعاية.
أطلقت زفرة طويلة وهي تضع يدها على صدرها: الحمد لله، والله أنا مش قادرة أستوعب اللي بيحصل ده كله.
أغمض عينيه للحظة ومسح وجهه بكفيه: لوجين، من فضلك، أنا مش قادر اتكلم دلوقتي في أي حاجة.
اقتربت منه بقلق: مالك؟
رفع عينيه إليها وقد بدا عليه التعب بوضوح: حصلت حاجات كتير النهارده أكتر مما تتخيلي، واللي عرفته كان فوق احتمالي بجد.
جلست على يد المقعد، تربت على كتفه بحنان: شكلك شايل حاجة أكبر من موضوع رشدي نفسه.
ضحك بسخرية مريرة: لو تعرفي بس...
ثم هز رأسه وأكمل: بس مش دلوقتي، أنا محتاج أرتاح شوية.
احتضنته وربتت على ظهره: طب تعالى ارتاح، وأنا هطلب العشا.
ابتعد عنها قليلا ثم سأل: نالا فين؟
زمت شفتيها: عند هبة، خدتها الصبح ومن ساعتها مرجعتش، وأنا بصراحة مخرجتش من الجناح غير لما قعدت مع ماسة شوية...
أومأ برأسه نهض: تمام، هروح أطمن عليها وأرجع، اطلبي الأكل على ما أجي.
توقفت وتحرك خطوتين، ثم توقف فجأة والتفت إليها: لوجين... بقولك إيه.
لوجين: نعم؟
نظر إليها بجدية غير معتادة: لو حصل أي حاجة معاكي، أي حاجة، متخبيش عني.
عقدت حاجبيها باستغراب: حاجة زي إيه؟
رفع كتفه: أي حاجة، لو أي حد ضايقك أو عملك حاجه، تيجي تقوليلي فورا.
حدقت فيه باستغراب أكبر: إنت بتخوفني ليه يا ياسين، فيه ايه؟
اقترب منها وأمسك يدها: مش قصدي أخوفك، بس عايزك تعرفي إنك مش لوحدك، وأي حاجة تسمعيها أو تعرفيها، اسأليني عنها مباشرة ووعد اني هقولك الحقيقة.
لوجين: طب ما تفهمني في إيه؟
تنهد ببطء: في حاجات كتير لازم تعرفيها، وحاجات كنت ناوي أقولها من زمان.
تساءلت بتعجب: زي إيه؟
صمت ثواني ثم قال: حاجة تخص شغلنا زمان.
هزت راسها بعدم فهم: مش فهمه حاجة؟!
ابتسم لها ابتسامة مرهقة ومسح على خدها: بكره نتكلم.
ردت بقلق: كده مش هعرف أنام.
تبسم ومسح على خدها: متخافيش مفيش حاجة، يلا اطلبي الأكل، وأنا هروح أطمن على نالا وأرجع.
هزت رأسها موافقة، بينما غادر هو متجها إلى الجست هاوس، وقلبه مثقل بما لم يعد قادرا على حمله وحده.
الجست هاوس.
جلست هبة في الريسبشن تقرأ مجلة وتستمع إلى موسيقى كلاسيكية هادئة، بينما كانت نالا ممددة على الأريكة بجوارها، تضع رأسها فوق قدميها.
بعد قليل تعالي طرق الباب، فذهبت الخادمه لتفتح.
دخل ياسين، وتسألت الخادمة بالإنجليزية: تحب تشرب حاجه؟
اومأ برفض: لا، شكرا، روحي أنتِ.
اتجهت عيناه نحو نالا النائمة، فاقترب منها، وانحنى يقبل رأسها: وحشتني أوي، كنت عايز أشوفها.
هبة: لو كنت جيت بدري شوية كنت لحقتها قبل ماتنام.
اومأ برأسه، ثم اعتدل في وقفته: مش مشكله هبقي اجيلها الصبح، المهم كنت عايز أتكلم معاكي شوية يا هبة.
هبة: خير؟
أشار برأسه نحو الخارج: تعالي نتكلم برة.
أومأت بالموافقة، ونادت للخدامه تعطيها نالا لتضعها بفراشها، ثم خرجت معه إلي الحديقة.
تساءلت: مي ورشدي عاملين إيه؟
تنهد: رشدي كويس الحمد لله، مي هي إللي حالتها صعبة شوية.
ردت بهدوء: ربنا يقومها بالسلامة، عرفت دلوقتي ليه كنت بقولك إن إحنا في خطر؟
نظر لها بجدية حاسمة: الخطر بره القصر يا هبة، لكن طول ما أنتِ هنا محدش يقدر يقربلك.
صمت يبتسم بتهكم فور تذكر ما سمعه من سليم، قبل أن يأخذ نفسا عميقا ويتساءل: بقولك يا هبة، زمان قبل الطلاق وقبل مانبعد عن بعض، أنتِ اتغيرتي معايا فجأة، التغيرات دي كان سببها إيه؟ يعني إحنا كنا بنحب بعض ومتفاهمين، ليه وصلنا لهنا؟ كان فيه حاجة؟!
عقدت حاجبيها: حاجه ايه؟ وإيه إللي فكرك بالكلام ده دلوقتي؟
أجابها: عايز أسألك سؤال، وتجاوبيني بصراحة.
أومأت: اتفضل.
نظر إليها مطولا قبل أن يقول: حد هددك؟
اتسعت عيناها بدهشة قبل أن تضحك بسخرية: يهددني؟ لا طبعا محدش يقدر يعمل معايا.
ثم تساءلت بتعجب: بس أنت ليه بتسأل السؤال ده؟
اشاح بنظره بعيدا: كنت بفكر، يمكن التغير المفاجئ ده مكانش منك، أو حصلت حاجه وأنا معرفهاش، خصوصا إن علاقتك أنتِ والهانم الفترة الأخيرة كانت سيئة جدا.
تبسمت بسخرية ساخطة: أنا عمري ماخوفت من حد يا ياسين وأنت عارف ده كويس، وإذا كنت متحملة الوضع ده، فعلشان مش عايزه بنتي تعيش وسط مشاكل وصراعات أكبر منها.
هزت رأسها وأكملت: لكن لو حد فكر يهددني أو يضغط عليا، صدقني هعرف اوقفه عند حده فورا.
صمتت لحظة قبل أن تتابع بهدوء: وإللي حصل بينا كان نهاية طبيعية جدا للوضع إللي وصلناله، إحنا فعلا كنا شبه بعض زمان، لكن مع الوقت كل واحد فينا بقى شخص مختلف، عنده أفكاره وطموحاته وطريقه الخاصه، إحنا اتجوزنا وإحنا صغيرين أوي ويمكن دي كانت غلطة، بس الإنسان بيتعلم من أخطائه وينضج مع الوقت.
نظرت إليه مباشرة وقالت بثبات: فأطمن، محدش من عندك عملي حاجة، ومحدش أصلا يقدر يعملي حاجه..
ابتسم بسخرية وهو يهز رأسه: فعلا، أنا غبي إني أسأل سؤال زي ده، أصل هخاف علي مين برضو؟ أنت يتخاف منك مش عليكي يا هبة.
عقدت ذراعيها بغرور: كويس إنك عارف.
أخرح نفسا طويلا: المهم حاولى تقللي خروجك من القصر الفترة دي، لحد مانعرف مين ورا إللي حصل.
اومأت بصمت، فتابع بتنييه: ولو حصل أي حاجة مهما كانت صغيرة، تيجي تقوليلي فورا.
زفرت بملل: حاضر يا ياسين، اى أوامر تانيه؟
هز رأسه: لا خشي للبنت.
مرت ساعات الليل بهدوء واستسلم الجميع للراحة بعد يوم طويل ومرهق.
لكن رشدي كان حاله مختلف تماما...
مر عليه الليل طويلا، ولم يغمض له جفن، رغم الألم الذي كان ينهش جسده، والجرح الذي مازال ينزف داخله قبل خارجه، لم يغادر مكانه ولو للحظة.
ظل جالسا أمام الزجاج، يراقب مي المستلقية بلا حراك بين الأجهزة، وعيناه معلقتان بها وكأنه يخشي إختفائها إن اشاح نظره عنهما لحظة واحدة.
كان يعد الدقائق والثواني ببطء مؤلم، ينتظر مرور الساعات ال24ساعة التي أخبره الطبيب عنها، ويتمسك بأمل واحد فقط... "أن تنجو"
في صباح يوم جديد بالقصر.
كان سليم يسبح باحترافية داخل المسبح، بينما جلست ماسة على أحد المقاعد القريبة ترتدي فستانا بسيطا، وبجوارها كوب من العصير.
وفجأة رن هاتف سليم، فنظرت إليه قائلة: سليم مصطفي بيرن..
بدأ يسبح نحوها، بينما ردت هي: إيه يا دكتور، عامل إيه؟
أجابها: الحمد لله يا ماسة، إنتِ عاملة إيه؟
ردت: الحمد لله، كويسة.
سألها: سليم فين؟
ردت بهدوء: جنبي أهو، قولي، آلاء وعائشة عاملين إيه؟
أجاب بعجل: الحمد لله كويسين، اديني سليم عايزه في حاجه مهمه.
عقدت حاجبها، وناولت الهاتف لسليم الذي جلس يجفف وجهه بجانبها: إيه يا دكتور أخبارك إيه؟
جاءه الصوت جادا: تمام، فيه حاجة كبيرة حصلت.
عقد حاجبيه: حاجة ايه؟
أجابه بقلق: أعتقد انتوا اتكشفتوا..
اعتدل في جلسه يتساءل بجدية: اتكشفنا ازاى؟
انتبهت ماسة للكلمه، بينما تابع مصطفي مفسرا: وأنا بشوف التسجيلات لقيت واحدة خدامة اسمها مفيدة، بتقول لوالدتك إنها شافتك أنت وماسة مع بعض، هبعتلك التسجيل حالا.
أغلق المكالمة، فنظرت له ماسة بتوتر: فيه إيه يا سليم؟!
أبتلع ريقه: مش فاهم استنى بس.
وبعد لحظات وصل التسجيل، فاستمعا إليه معا، اتسعت عينا ماسة بصدمة، ووضعت يدها على فمها: يا نهار أسود...
ثم قالت بندم بعينين دمعتين: أنا آسفة يا سليم، بجد، أنا السبب، أنا غبية مش عارفة أزاي سمحت لده يحصل.
نظر إليها باستغراب: بتقولي كده ليه؟
قالت بأختناق وغضب من نفسها: عشان أنا السبب في إللي حصل، لو مكنتش هزرت معاك على السلم مكانش كل ده حصل، أنا حقيقي أسفة.
أمسك يديها: متقوليش على نفسك كده، أنتِ معملتيش حاجة.
هزت رأسها بشعور بالذنب: بس مامتك عرفت إننا كويسين مع بعض.
ابتسم ابتسامة هادئة وهو يسمح على خدها: وإيه المشكلة؟ بالعكس، دلوقتي أكيد بقت خايفة أكون عرفت الحقيقة أو بدأت أصدقك.
نظرت له باستغراب: يعني الخطة مفشلتش؟
اومأ لها بذكاء: لا، بالعكس،ممكن تكون خدمتنا أكتر مما نتخيل.
نظرت إليه بتردد: أزاي؟
اومأ هو يمد وجهه بعدم معرفة: لسه مش مرتب كل حاجة في دماغي، لكن متأكد إن إللي حصل ده نقدر نستغله لصالحنا..
أكمل وهو يعود بخصلات شعرها للخلف: وبعدين، إنتِ فاكرة إني مكنتش عامل حساب إن حد يشوفنا؟ أنا حاسب لكل خطوة..
احتضنها مطمئنا: طول ما أنا موجود، مفيش حاجة تخوفك.
ثم رفع هاتفه واتصل بمكي: عايزك تاخدلى مفيدة الخدامه في أوضة التأديب علي ما أجيلك.
أغلق الهاتف، فتسألت بقلق: هتعمل إيه؟
نظر إليها مبتسما: سيبيها عليا.
لاحظ ملامحها المنكمشه فقال: إيه الوش المكشر ده؟ خايفة ليه كده؟
وقبل أن ترد، حملها فجأة، فشهقت: سليم! بلاش جنان هيشوفونا.. بلاش جنان
ضحك وهو يتجه نحو المسبح: أيوه، أنا مجنون.
وفي اللحظة التالية قفز بها إلى الماء، فصرخت وهي تضحك: أنت مجنون فعلا!
اقترب منها وهو يضحك بثقة: بطلي خوف، مفيش حاجة باظطت، مش واثقه في جوزك؟
تبسمت بثقة وأومأت بإيجاب، فاقترب منها وضم وجهها بين كفيه برفق، وأخذ يلاعب أنفه بأنفها وهو يقول بابتسامة: يبقى خلاص يا ماستي الحلوة.
ظلت تنظر إليه بعينيها اللامعتين، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة.
فمال نحوها ووضع قبلة سريعة على شفتيها، ثم جذبها إلى حضنه، يضمها إليه بقوة وكأنه يريد أن يبدد ماتبقى داخلها من خوف وقلق.
وظلت بين ذراعيه تستمد منه ذلك الشعور بالأمان الذي لم تعد تجده إلا معه.
على اتجاة اخر.
وقف عماد في الشرفة يدخن سيجارته بتوتر، ويحاول الاتصال بتمساح، لكن هاتفه كان مغلقا،ضغط على فكه بضيق، ثم التفت للخلف يتأكد أن صافيناز مازالت نائمة تحت تأثير المهدئات،ثم أخرج محفظته، وفتح بطانتها الداخلية بحذر، وسحب منها شريحة هاتف مخفية، أخرج هاتفا آخر، أدخل الشريحة فيه وانتظر قليلا حتى التقط الشبكة، بعدها تحرك إلى أبعد نقطة في الشرفة وضغط على أحد الأرقام، وما إن جاءه الرد حتى قال بصوت منخفض: أيوه يا سارة.
جاءه صوتها يحمل القلق: إيه يا عماد؟ كل ده؟ قلقت عليك.
زفر بضيق: أعمل إيه؟ كنت مستنيها تنام والدنيا تهدى شوية عشان أعرف أكلمك.
تساءلت بقلق: طب إيه الأخبار عندك؟
أجاب بضجر: لأسف قام منها، عامل زى القطط بسبع ارواح، والزفت التاني اللى اسمه تمساح قفل تليفونه من ساعتها، ومش عارف اوصله.
تساءلت: طب وهتعمل ايه، هتحاول تخلص علي رشدي تانى؟
هز رأسه سريعا: أكيد مش هغامر دلوقتي، الحراس مترشقه في كل شبر في المستشفي وعيونهم مفتحه.
تسألت: أومال عايز تمساح ليه تانى؟!
اجابها بنبرة قاتمه: لازم اخلص منه، لأنه الشاهد الوحيد عليا وشافني، يعني لو وصلوله قبلي أنا كده انتهيت.
ردت بسخرية متهكمه: إنت غبي بصراحة، يعني حد قالك تروح بنفسك؟
عماد بانفعال: مكانش قدامي حل غير ده، الوسيط رفض يتدخل.
زفرت بضيق: خلاص ياعماد خليك وراه، أكيد هيظهر، مش هيفضل مختفي يعني، وبعدين هو مش له لسه فلوس معاك؟
تنهد قائلا: آه.
قالت ببعض الاطمئنان: يبقي اكيد هيظهر يطالب بيها، ساعتها بقي خلص عليه.
زفر باختناق: مش عارف يا سارة، أنا عايز أخلص من كل ده، حاسس ان الموضوع كل مدى بيكبر وبيسوء..
أجابته بهدوء: ولا بيكبر ولا حاجه يا عماد، أنت بس اللى قلقان بزياده، تمساح طالما انت مش عارف توصله يبقي هما مش هيوصلوله قبلك، أنت سابق بخطوة، ركز بس معاهم وشوف بيتحركوا ازاى علشان تبقي متابع.
تنهد بتوتر: أكيد هعمل كده، لحد ما اشوف اخرتها مع الزفت التانى.
أغلق معها وظل واقفا مكانه، يشعر بالتوتر ينهش أعصابه.
أعاد الاتصال بتمساح مره اخري، فوجد الهاتف لا يزال مغلقا، فضغط على أسنانه بغضب، وشعر لأول مره منذ سنوات، أن الأمر بدأ يخرج عن سيطرته.
باقي الفصل الخامس والثلاثون 👇
المستشفي،11ص
اقترب الطبيب ومعه عدد من الممرضات، فانتفض رشدي واقفا فور رؤيتهم.
دخلوا إلى غرفة العناية، وبدأوا بفحص الأجهزة والمؤشرات الحيوية، بينما ظل رشدي واقفا خلف الزجاج، يتابعهم، مرت دقائق بدت له دهرا كاملا قبل أن يرفع الطبيب رأسه وينظر إليه بابتسامة.
تجمد رشدي لثانية، وهبطت دمعة حارة من عينه بإبتسامة صغيرة، فقد فهم الرسالة.
خرج الطبيب بعد دقائق، فتقدم إليه رشدي بسرعة، والإرهاق ظاهرا عليه بشدة، وكأنه لم يعرف النوم منذ أيام، تسأل بلهفة: مي عاملة إيه يا دكتور؟
ابتسم: الحمد لله، مدام مي عدت مرحلة الخطر.
نهض راشد على الصوت وتساءل بلهفة: بجد يا دكتور؟ بنتي بقت كويسه؟
اومأ وتابع بعمليه: ايوه، لكن طبعا هتفضل تحت الملاحظة في العناية خلال الأيام الجاية.
سأله رشدي بخوف: ليه، هي مش خلاص بقت كويسه؟
هز رأسه بهدوء: هي عدت مرحلة الخطر اه، لكن لسه متعافتش، فالأفضل حاليا إنها تفضل نايمه بالأدوية اللى بتاخدها، لحد ماعلامتها الحيوية تستقر أكتر، الإصابة بتاعتها مكانتش سهله ابدا، والمهم إنها عدت الخطر.
راشد بقلق: طب هتفضل قد إيه على الوضع ده؟!
أجاب: علي حسب استجابتها للعلاج.
رشدي بصوت خافت: أنا عايز أشوفها.
رفع حاجبيه مبتسما: مش مكفيك إنك واقف قدام الإزاز من إمبارح؟
لم يبتسم، بل كرر بصوت مكسور: عايز أدخلها جوة.
اومأ بالموافقة: ماشي هخليك تشوفها، بس تروح مع الممرضه الأول تغير علي الجرح بتاعك وتلبس لبس التعقيم.
كاد أن يعترض ولكن قاطعه الطبيب بحزم: مفيش اعتراض، انت من امبارح رافض اي تدخل، ومينفعش تدخلها وجرحك مش متعقم، أنت عايز تأذيها؟
هز رأسه بضعف، بينما قال راشد: طب أنا ينفع ادخلها يادكتور؟
نظر إلى راشد: هتدخلوا أنتم الاتنين تشوفها، 5 دقايق بس، وطبعا ممنوع التلامس.
أومأ الاثنان بسرعة.
بينما كان قلب رشدي يخفق بعنف، فبعد ساعات طويلة من العجز والانتظار، سيصبح أخيرا على بعد خطوات منها.
التفت إلى راشد وقال بصوت خافت: أتفضل أنت يا عمي الأول.
نظر إليه راشد للحظات، ثم تحرك دون أن يرد، وبعد أن ارتدى ملابس التعقيم، دخل إلى غرفة العناية.
وقف بجوار ابنته يتأملها في صمت والدموع تلمع في عينه، فابنته الوحيده مستلقية بين الأجهزة، ساكنة على غير عادتها، شعر وكأن شيئا ينتزع قلبه ببطء.
رفع يده نحوها وكاد أن يلمسها ليطمئن قلبه أنها بخير، لكنه تذكر تعليمات الطبيب فتراجع واكتفى بالنظر إليها.
انحدرت دموعه رغما عنه وهو يهمس: قومي يابنتي متوجعيش قلبي عليكي، أنتِ مش عارفه أنا قلبي بيتقطع ازاى وأنا شايفك بالمنظر دى، يارتنى كنت موت قبل ماشوفك كده.
لم يستطع تمالك نفسه، وانفجر في البكاء حتى مر الوقت المحدد له و أضطر للخروج.
خرج وعيناه حمراوان من البكاء، بينما كان رشدي قد انتهى من ارتداء ملابس التعقيم.
نظر إليه راشد للحظة، ثم أشاح وجهه بعيدا دون أن يقول شيئا، أما رشدي فتحرك نحو الداخل بخطوات بطيئة مثقلة بالذنب والخوف.
وفور أن وقعت عيناه عليها، توقف مكانه، كأن قدميه فقدتا القدرة على الحركة.
هبطت دمعة حارة من عينه، واقترب أكثر حتى أصبح بجوارها.
وقف ينظر إليها لثواني، عاجزا عن الكلام، بينما كانت عيناه تبوحان بكل شيء؛ من ذنب وقهر وندم.
خرج صوته أخيرا مكسورا على غير عادته: أنا آسف، آسف على كل حاجة عملتها معاكي، أنا السبب...أنا اللى كنت مقصود مش أنتِ، أنا إللي كنت المفروض ابقي مكانك هنا على السرير مش أنتِ، أنا إللي أستحق العقاب والوجع ده كله..
واصل بقهر مرير: كان نفسي العقاب يجي في أي حاجه، بس مش فيكي...
أبتلع غصة حادة وهو يطالع وجهها، بينما هبطت دموعه: أنا أذيتك كتير، وكذبت عليكي، وكسرتك أكتر من مرة، وأنتِ كل مرة كنتي بتسامحيني وتديني فرصة جديدة، فرصة ميستحقهاش واحد زي، كنت فاكر اني كدة شاطر، بس أنا كنت قذر لإني كنت بستغل ملاك زيك.
مسح دموعه وتابع بمرارة: ده أنا حتي مش عارف أطلب منك تسامحيني على إيه ولا على إيه؟! على خيانتي؟ ولا كدبي؟ ولا عصبيتي؟ ولا عالماضي القذر اللى بتدفعي تمنه دلوقت!
صمت لحظة يلتقط انفاسه، ثم تابع بنبرة مرتعشة: أنا كنت فاكر إن الحساب لو جه هيجي فيا أنا، مكنتش متخيل أبدا إنه هيعدي عليكي إنتِ كمان، ودوقت من نفس الكاس وعشت نفس الإحساس بالظبط..
ابتلع غصته وتابع بقهر: ابننا مات يا مي، مات من قبل حتى مانعرف إنه موجود، أنا معرفتش أحميه ولا أحميكي، ولا عرفت أبقى الراجل إللي يستحق واحده زيك...
أغمض عينيه للحظة طويلة، ثم فتحهما مجددا: خليكي قوية زى ما أنت قوية علطول وارجعي، أنا لسه عندي كلام كتير أوي لازم أقوله، وحاجات أكتر لازم أصلحها.
سقطت دمعة أخرى من عينه وهو يهمس: أرجعي بس، وأقسملك إني هقضي باقي عمري كله بحاول أصلح إللي عملته...
واصل بنبرة مريرة من بين دموعه: هصلي بجد، ومش هكدب عليكي وأقول إني بصلي وأنا مبصليش، وهتعالج وهروح المصحة زى ما أنتِ عايزة، ومش هشرب تاني، ولا هخونك تاني ابدا، هقطع علاقتي بكل البنات إللي أعرفها ومش هعمل الحاجات إللي بتزعلك مني تاني، هحب الحاجات إللي بتحبيها، وهروح الأماكن إللي نفسك تروحيها، وهسافر بيكي أي مكان نفسك تشوفيه.
أصبح صوته أكثر توسل وندم: هبدأ من جديد، وهكون رشدي إللي مي نفسها فيه، وحاربت علشان تكون معاه، بس أرجعي فتحي عينك وريحي قلبي إللي عمره ماحس بالمشاعر دي قبل كدة..
تنهد بصعوبة، وكأن الهواء نفسه أصبح ثقيلا عليه: أول مرة في حياتي أخاف بالشكل ده، أحس إني ممكن أخسر كل حاجة مرة واحدة...
تابع بتوسل: أرجعي علشان أعرف أطلب منك السماح وأنتِ سامعاني، وأصلح إللي كسرته بإيدي، يمكن أعرف أبص في عينك من غير ما أكره نفسي لإني عارف إن الدنيا بتخلص ذنوبي فيكي..
صمت لثواني طويلة، ثم نظر لها بابتسامه من بين دموعه: أول مره احس إني بحبك أوى كده، يمكن أول مرة أقولها وأنا فاهم معناها بجد، وأول مرة أخاف أوي كده إني أقولهالك ومتقدريش تسمعيها..
أخذ يبكي بحرقة للحظات، وكأن كل ماحبسه داخله خرج دفعة واحدة.
فتح الباب بهدوء، ودخلت إحدى الممرضات تقول برفق: لو سمحت يافندم، كفاية كده.
أومأ برأسه دون أن يلتفت إليها، ورفع يده سريعا يمسح دموعه، وقال بصوت محشرج: حاضر.
ركز النظر نحو مي، وظل ينظر إليها ثواني طويلة، وكأنه يحاول حفظ ملامحها في قلبه، ثم همس: أنا هفضل جنبك هنا، مش همشي ولا هسيبك لحظه لحد ماتفتحي عينك واطمن عليكي.
ابتلع غصته بصعوبة ثم أكمل: وصدقيني مش هسكت غير لما أجيبلك حقك إللي عمل كده، هدفع التمن حتي لو هيكلفني عمري كله، مش مهم، المهم أنتِ ترجعي.
مسح دموعه للمرة الأخيرة، ثم استدار وغادر الغرفة سريعا قبل أن تنهار مقاومته من جديد.
في الخارج... كان راشد واقفا أمام الزجاج، بالطبع لم يسمع شيئا مما قيل بالداخل، لكنه رأى دموعه، ورأى الانكسار الذي لم يراه يوما في ذلك الرجل.
وفور خروجه، اقترب منه، وقال بصوت أهدأ من السابق: متزعلش مني يارشدي على إللي حصل إمبارح، أنت أكيد فاهم أنا كنت عامل كده ليه.
رفع إليه عيناه المحمرتين من البكاء، وقال: أنا مش زعلان من حضرتك يا عمي، حضرتك ليك حق تعمل أكتر من كده، بس صدقني أنا مش ههدى غير لما أجيب حقها، بس أطمن عليها الأول.
نظر إليه طويلا قبل أن يسأل: مين ممكن يكون عمل كده؟
هز رأسه ببطء: معرفش، بس إللي أعرفه إن أنا المقصود مش هي.
تنهد راشد: يمكن الناس إللي فجروا المصنع؟ أو حد من أعدائكم عايز يتخلص منك، زي ماحصل مع أخوك زمان.
اغمض عيناه لحظه، ومر شريط طويل أمام عينه.
فما حدث لسليم لم يكن تخطيط من الأعداء، بل كان هو من رسم الخطه بنفسه، ووضع سلاحه في وجه السائق وأجبره على صدم سيارة أخيه، وحتي حينما ظهر المجهولون الذين اطلقوا عليه الرصاص وطعنوا ماسة، وقف يشاهد دون رحمة.
مرت المشاهد أمام عينيه تباعا، وكأن الماضي عاد يطالبه بثمن كل ما اقترفته يداه.
فتح عينيه أخيرا وقال بصوت خافت: مش عارف يا عمي، خليني أطمن عليها الأول، وبعدين أبقى أشوف.
هز رأسه: طب أرتاح شوية، أنت من إمبارح منمتش، كمان عشان دراعك..
نظر رشدي عبر الزجاج إلى مي، وقال بإصرار موجع: مش هرتاح غير لما تبقى كويسة.
ربت راشد على ظهره بصمت ووقف الاثنان جنبا إلى جنب يجمعهما الخوف والدعاء والنظرة المعلقة خلف ذلك الزجاج على فتاة تصارع الموت بينما ينتظر الجميع عودتها.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي،11ص.
في إحدى الغرف البعيدة داخل الحديقه، كانت غرفة عادية تبدو كمخزن قديم، تتكدس فيه الأثاثات والأغراض.
وقفت مفيدة في منتصف الغرفة، وإلى جوارها مكي وثلاثة حراس، ظلت تنظر حولها بعدم فهم، وقلبها ينقبض شيئا فشيئا وهي تتساءل عن سبب وجودها هنا.
وبعد دقائق...
فتح الباب، ودخل سليم بهيبته المعتادة.
رفعت عينيها نحوه، فابتسم ابتسامة خفيفة: أتمنى مكونش اتأخرت.
سحب مقعدا وجلس أمامها خلف طاولة صغيرة غطاها الغبار، وظل الصمت مسيطرا على المكان.
صمت غريب، جعل مفيدة تشعر أن هناك شيئا خطيرا ينتظرها، لكنها لم تجرؤ على السؤال.
مرت لحظات طويلة، ثم قالت بتردد: خير يا سليم بيه؟ حضرتك عايزني في حاجة؟
ظل صامتا لثوان، ثم أخذ نفسا عميقا وأخرج مسدسه فاتسعت عيناها بخوف.
أما هو فبدأ بهدوء شديد يخرج خزنة المسدس، ثم أخرج عدة طلقات ووضعهم أمامها فوق الطاولة واحدة تلو الأخرى.
كانت حركاته هادئة بشكل مرعب، جلعت الخوف يتضخم بداخلها وهي تبتلع لعابها بخوف.
أمسك إحدى الرصاصات وقال: في لعبة اسمها الروليت الروسي، سمعتي عنها قبل كده؟
هزت رأسها بالنفي.
أكمل وهو يلف الرصاصة بين أصابعه: بتحطي رصاصة واحدة في المسدس، وتدوسي الزناد، وأنتِ وحظك يا تطلع يا متطلعش، بيقعدوا يلعبوا كده لحد ما واحد يموت والتاني يعيش.
ابتسم ابتسامة باردة: لعبة غبية أوي، عمري مافهمتها.
توقف لحظة، ثم رفع عينيه إليها: بس إيه رأيك نجربها سوا؟ يمكن اغير رأي واحبها.
تجمد الدم في عروقها.
رفع المسدس ببطء: يلا... نلعب؟
ضغط الزناد وأصدر صوت فارغ، فصرخت مفيدة وأهتز جسدها بالكامل.
أما سليم فانفجر ضاحكا: مالك؟ خوفتي ليه؟ أحنا بنلعب.
نظرت إليه برعب: حضرتك بتعمل كده ليه؟ أنا عملت إيه؟
أراح ظهره على المقعد وقال ببرود: بلعب يامفيدة، إيه مش عايزه تلعبي معايا؟!
ثم أشار إلى الرصاصات أمامه: لسه قدامنا كتير.
ازدردت ريقها بصعوبة، فاقترب منها قليلا وقال: بس بنسألي ليه، هو أنتِ عاملة حاجة غلط؟
هزت رأسها بسرعة: والله أبدا يا بيه، ده أنا عايشة من خيركم.
ابتسم ابتسامة خالية من المرح: عايشة من خيرنا؟
ثم مال للأمام: ولما أنتِ عايشه من خيرنا، ليه بقيتي عصفورة الفترة دى؟
ارتبكت: عصفورة؟!
اومأ بريبة: آه عصفورة.
هزت رأسها سريعا: أنا مقدرش أعم...
اتسعت عيناها وهو يشير بأصبعه: عيب يامفيدة، عيب تبقي ست كبيرة كده وكدابة.
بدأت الدموع تتجمع في عينيها: والله العظيم مش فاهمة حاجة.
توقف سليم وتحرك حتى توقف امامها، نظر إليها بصمت للحظات، يراقب ارتعاش يديها ونبض رقبتها السريع، ثم قال بصوت منخفض: عندك تلات عيال مش كده؟
شهقت، واومات برعب: ايو يا بيه...
تابع علي نفس ذات الوتيرة: وعندك أحفاد، صح؟
اومأت بنفس ذلك الرعب.
صمت لحظة، ثم أكمل: طب ما ايه رايك نجيبهم يلعبوا معانا، أكيد عمرهم مالعبوها قبل كده.
انحنت على ركبتيها وأمسكت قدمه: أبوس رجلك يا بيه، ملكش دعوة بعيالي.
رفع عينه بشراسته القديمة وقال كلمة واحدة: قومي.
ترجته بصوت مبحوح: حقك عليا يا بيه.
قال بأمر: قولت قومي.
أشار للحراس، فأمسكوا بها وأوقفوها، فقالت بتوسل وهي تضع يدها علي صدرها: خصيمك النبي يا بيه متأذيش عيالي..
نظر إليها ببرود: لو كنت عايز أذيهم مكنتش هستأذن، أنا بس حبيت اوريكي إيه إللي ممكن يحصل لو مجتيش معايا بالذوق.
أنهارت تبكي: والله هعمل كل إللي حضرتك عايزه.
هز رأسه: أنا عرفت إن كل إللي بيحصل في القصر بيروح لفايزة هانم.
رفعت رأسها ببطء: يا بيه...
واصل دون انقطاع: وعرفت إن إللي بيحصل بيني وبين ماسة كمان بيتنقل...
اشتد بكاؤها، أما هو فأكمل وهو يمد وجهه بلا مبالاة:
أنا كده كده مش فارق معايا إن حد يعرف إني قاعد مع مراتي..
توقف، ثم قال ببرود أخطر: لكن إللي يفرق معايا إني أحس إن فيه عين بتراقبني ولسان بينقل كلامي...
نظر لها مباشرة: دي اسمها قلة أمانة...ودي حاجه انا بكرها..
ثم أشار إلى عينيها وأذنيها ولسانها: عينك تبقى عمياء، وودنك متسمعش، ولسانك يبقى أخرس.
ارتجفت بقوة: حقك عليا يا بيه.
أشاح بيده بنبرة قاطعة: من النهاردة إللي هقولهولك هو إللي هيتقال.
اومأت بطاعة: حاضر.
تابع بتحذير: ولو فكرتي تنقلي كلمة واحدة، لفايزة هانم من إللي حصل دلوقتي...
ابتسم ابتسامة باردة: أنا هعرف ووقتها صدقيني مش هيبقى عندك فرصة حتى تندمي.
هزت رأسها بسرعة: حاضر يا بيه.
أشار نحو الباب: استني التعليمات، يلا أمشي.
تحركت مسرعة وكأنها تهرب من الموت، وما إن أغلق الباب خلفها حتى وضع سليم الرصاصه على الطاولة، في الحقيقة لم يكن قد وضع أي منها داخل مسدسه، لكنه قصد اللعب بعقلها لإخافتها.
اقترب منه مكي: دوست عليها جامد أوي.
أشعل سيجارة وأخذ نفسا طويلا: كان لازم، علشان تخاف وتحط لسانها جوه بوقها.
سأله مكي: وهتعمل إيه مع فايزه هانم؟
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة: هلعب معاها، بس بطريقتي.
على إتجاه آخر
جلس ياسين ولوجين في جناحهما، يحتسيان القهوة في هدوء بعد انتهائهما من تناول الفطور.
وضعت فنجانها وقالت بابتسامة خفيفة: مش هتقولي بقى كنت عايز تكلمني في ايه امبارح؟
تنهد ببطء: هقولك.
أخذ نفسا عميقا، وأراح ظهره على الأريكة: الحكاية بدأت من زمان.
التفتت إليه بأهتمام، أما هو فظل صامتا لثواني يجمع شتات نفسه، قبل أن يبدأ الحديث.
حكى لها كل شيء؛ عن حقيقة أعمال العائلة، وكيف لم تكن المجموعة سوى واجهة لسنوات طويلة، كما أخبرها عن التسجيلات التي سمعها، وعما فعلته عائلته مع ماسة.
كانت لوجين تستمع إليه وملامحها تزداد صدمة حتى انتهى أخيرا، وساد الصمت للحظات طويلة.
لوجين وهي تنظر إليه بعينين متسعتين: إيه اللي أنا سمعته ده؟ أنا دماغي مش قادرة تستوعب!
تنهد يمرر يده في شعره: ولا أنا.
لوجين بنبرة مهتزة: حقيقي سليم وماسة اتظلموا كتير أوي، ذنبهم إنهم حبوا بعض؟ إيه المشكلة لما تكون فقيرة؟ عمري ماتخيلت إن ممكن إخوات يعملوا في بعض كده؟
هبطت دموعها بتأثر، بينما كان هو ينظر إليها بصمت، يشعر باختناق يجثم على صدره.
ارتسم الازدراء على ملامح لوجين، وقالت من بين دموعها: سليم عنده حق يعمل اللى بيعمله وأكتر، وياريت لو يحرقلهم الفلوس إللي بسببها حرقوا قلبه هو وماسة سنين طويلة...
صمت لحظه، ثم عقدت حاجبيها بتساؤل: وبعدين أنت ليه مقولتليش حوار الآثار والسلاح دى قبل كده؟
اومأ بأسف: عارف إن كان المفروض أقولك على كل حاجة قبل مانتجوز، بس صدقيني أنا بطلت الشغل ده من زمان، من بعد جوازي من هبة بشويه، بس ده ميمنعش إني غلطت وكان لازم أقولك.
هزت رأسها: أنا مصدقاك يا ياسين.
رفع عينيه إليها فأكملت بهدوء: آه، كان نفسي أعرف منك من بدري، وكان نفسي تحكيلي بنفسك، لكن خلاص إللي حصل حصل..
أمسكت يديه وهي تكمل بإبتسامة: والحقيقة إللي قولتهالي دي مش هتغير أي حاجة مابينا؛ لإني بثق فيك ومتأكدة إنك بعدت عن كل ده، الإنسان بطبعه خطاء خصوصا لو الظروف هي إللي هيئتله ده، وللأسف الظروف كانت مهيئة ليك أنت وأخواتك، لأنكم اتولدتوا لقيتوا عيلتكم بتشتغل كده، بس أنت قوي يا ياسين إنك قدرت ترفض كل ده وتبعد عنه.
صمتت لحظة، وأضافت بعقلانية: وهبة من حقها تخاف، مش أي حد يقدر يسمع حاجة زي دي ويتقبلها بسهولة..
أومأ برأسه في صمت، فواصلت: بس إحنا دلوقتي مش بنتكلم عن هبة، ولا عن إللي حصل زمان، إحنا بنتكلم عن دلوقتي...
نظرت إليه مباشرة: أنت هتعمل إيه مع سليم؟
تنهد وهو يمد: مش عارف.
أخفض رأسه للحظة، ثم أكمل: أكيد مش هقف ضده..
صمت للحظة قبل أن يتابع بصوت مثقل: لكن في نفس الوقت، مش هقدر أقف أتفرج عليه وهو بيدمرهم، دول برضو أبويا وأمي وأخواتي.
زفر باختناق وهو يفرك جبهته: مش عارف اعمل ايه يا لوجين، حاسس إن دماغي فيها دوشه مش راضيه تهدي.
رفع عينيه إليها وقد بدا الصراع واضحا فيهما: قوليلي لو كنتي مكاني هتعملى ايه؟ لا قادر ألوم اخويا علي اللى بيعمله لأن اللى اتعمل فيه مش شوية، ولا قادر اشوفه بيقتلهم بأيده واقف اتفرج، قوليلي اعمل ايه؟!
حدقت فيه بنظرة هادئة عكس العاصفة التي تدور داخله: بص يا ياسين، الإمبراطورية دى كلها اتبنت على دم الناس ووجعهم، حتى لو فيها جزء حلال، فالجزء ده اختلط بالباقي لدرجة إنك بقيت مش قادر تفرق بينهم..
هزت رأسها وتابعت: علشان كده مش مستغربة إن سليم عايز يهدم كل ده، أصل هيحتاجها في ايه؟
عقد حاجبيه بتساؤل: تقصدي ايه؟
أشارت إلى نفسها ثم إليه: اقصد إننا نشتغل ونتعب ونبني إمبراطورية خاصة بينا.
ربتت على يده برفق: أنت عندك شركتك، نكبرها ونطورها، ونعيش منها بالحلال.
تساءل بتعجب: يعني أنتِ شايفة إني اسيب سليم يعمل اللى بيعمله واقف اتفرج؟
هزت رأسها بهدوء: لا، شايفة إنك تمنع الدم لو تقدر، لكن متحاولش تمنع الحق.
ظل صامتا لثواني يفكر في كلمتها، وقد بدأت ملامحه تلين قليلا، اومأ اخيرا: عندك حق، أنا مش هقف في وشه في أي حاجه عايز يعملها تخص المجموعه، إن شالله يهدها فوق دماغهم، أصلا مبقتش شايفها زى الأول...
شد فكه وأكمل بحزم: لكن مش هسمحله إنه يأذيهم، أو أشوف بيقتل فيهم واسكت، إلا الدم يا لوجين، إلا الدم..
مسحت على كتفه بدعم صامت، وتبادلا النظرات لثواني طويلة، قبل أن يلقي بنفسه بين أحضانها وكأنه يهرب داخلها من كل ما يثقل قلبه.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
مرت 3 أيام، لم يحدث فيهم جديد.
ظل رشدي مقيم في الاستراحة المقابلة للرعاية، يشاهدها من خلف الزجاج ليلا ونهارا، حتى يغلبه التعب فينام.
أما عائلة مي، فكانت تأتي وتذهب يوميا في معاد الزيارة.
عند لوجين، كانت نالا تتعامل معها بطريقة سيئة؛ لا تتحدث معها، وكلما حاولت الاقتراب منها، كانت ترد ببرود: "أنا عايزة أنام"، "أنا عايزة ألعب مع بابا"، ثم تبتعد عنها..
وبالطبع، لم تتوقف هبة عن بث السموم في عقل الطفلة، وإقناعها بأن لوجين سيئة، وأنها سبب ابتعاد والدها عنهما، وكانت تكرر عليها دائما "قولي لبابي أنا عايزة أرجع عند جدو زيدان"
وبالطبع لم يلاحظ ياسين تلك التغيرات لانشغاله في العمل علي شركته، والذهاب إلي المجموعة بشكل سوري كما اتفق مع سليم.
أما عماد، فكان اختفاء تمساح أكثر ما يثير جنونه، فظل يحاول الوصول إليه بشتي الطرق، كما أنه طلب من المحامي تجهيز الأوراق اللازمة لنقل كل ما تملك صافيناز إلى أولاده ليملك شيئا يأمن به نفسه إذا تأزم الأمر..
أما صافيناز، فكانت حالتها هي الأسوأ؛ فما زالت تستيقظ من نومها مذعورة، ولا تنام إلا تحت تأثير المهدئات، وكان واضحا أن هذه الأدوية تزيد من اضطرابتها النفسيه أكثر!
أما سليم وماسة، فظلت الأمور بينهما كما هي.
وفي المقابل، بدأت العلاقة بين آلاء ومصطفى تقترب أكثر من السابق، خصوصا أنه تولى جلسات العلاج الطبيعي الخاصة بها.
أما عائلة مصطفى، فظلت متواجدة معه في الفيلا.
ومحمود، ظل في المخزن كما هو.
بينما خرج عزت من الرعاية ودخل غرفة بعد ان استقرت حالتة
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
المرج،12ص.
دخل شاهين إلى الورشة كعادته.
كان رجل سليم يقف هناك في الجهة المقابلة من الشارع يراقب المكان من سيارته، وما إن رآه حتى أخرج هاتفه وأجرى اتصالا سريعا: أيوة يا باشا، العصفور وقع في المصيدة.
قصر الراوي
كان سليم وماسة يتناولان الإفطار في الحديقة الخارجية تحت البرجولة، وسط أجواء صباحية لطيفة.
وخلال ذلك اقترب مكي: صباح الخير.
رفع سليم: صباح النور، تعالي أفطر معانا.
هز رأسه نافيا: لا، فطرت مع الرجالة.
ثم تابع مباشرة: شاهين رجع.
ابتسم سليم بمرح: طب حلو، نعمله زيارة.
نهض من مكانه استعدادا للمغادرة، فنظرت إليه ماسة: طب كمل فطارك الأول.
ابتسم وانحنى يقبل رأسها بحنان: فطرت، كملي أنت يا عشقي.
ثم التفت إلي مكي: يلا بينا؟
اومأ له وتحرك الاثنان إلى الخارج.
وبمرور بعض الوقت.
كان شاهين يجلس خلف مكتبه يراجع بعض الأوراق بتركيز، وفجأة دخل سليم بهيبته المعتادة، وخلفه مكي وعدد من الحراس.
لم ينتبه إليه شاهين في البداية، لكنه رفع رأسه، علي حركه انتشار الحراس، وإخراجهم للعاملين في الورشه.
تجمد مكانه باستغراب، بينما تقدم سليم بابتسامه هادئة، وجلس على المقعد المقابل له براحة قائلا: قهوتي مظبوطة، عشان أنا بحب كل حاجة في حياتي تكون مظبوطة.
نظر له باستغراب أكبر: نعم.. أنت مين؟
أجابه بهدوء: أنا جايلك في كلمتين هقولهم ونخلص كل حاجة علطول.
عدل التمثال الصغير علي مكتبه مضيفا: كده احلي.
ثم نظر إليه وأصل بهيمنه: أنا كنت اقدر أبعت رجالتي يجيبوك لحد عندي، بس قولت بلاش ده راجل معلم كبير برضو ويعرف في الأصول، فقولت اجيلك بنفسي، مش بتقولوا برضو إن اللى بيجيلك بيجيب الحق عليك؟
نقر علي المكتب بأصابعه: يعني أنا كده ليا حق عندك.
هز شاهين رأسه: والله يا باشا أنا لسه برضو مش فاهم أنت عايز ايه؟
اعتدل سليم في جلسته وقال مباشرة: أنا جاي أخلص موضوع جوازك من آلاء.
تجمدت ملامحه لثواني، وادعي عدم الفهم: جواز إيه مش فاهم حاجة
أشار له سليم بأصبعه: تؤتؤتؤ، عيب يا جدو تكون راجل كبير وكداب.
ثم قلب عينيه فجأة: هتطلع الورق اللى معاك بالزوق، ولا اخلي رجالتي تطلعه منك بقلة الزوق.
نظر شاهين للرجاله، وابتلع ريقه بتوتر: آلاء مراتي، وأنا اتجوزتها بمعرفة أخوها.
هز سليم رأسه: لا مش مراتك، وأنت عارف كويس إن الجواز ده باطل.
تابع بسخرية: وبعدين مش عيب عليك يا جدو تتجوز واحدة قد أحفادك؟ قوم صلي وصوم وأعمل لآخرتك، أنت خلاص يومين وهنترحم عليك.
رفع نبرته فجأة: هات الورق.
اهتز شاهين علي صراخه وقال: الورقة مش معايا.
سليم بابتسامه بارده: بجد؟ هنشوف... مكي.
تحرك مكي فورا ناحية المكتب وأخذ مفتاح الخزنة، فانتفض شاهين يصيح: أنت بتعمل إيه أنت وهو، أوعى كده!
في اللحظة نفسها تقدم أحد الحراس وثبته من كتفه بقوة: أقعد مكانك...
فتح مكي الخزنة وبدأ يقلب في الأوراق الموجودة داخلها، حتى أخرج ملفا قديما: لقيتها يا سليم... أهي.
أخذ الأوراق منه ونظر إليها، ثم رفع عينيه نحو شاهين: يعني مزور وعينك ذايغة وكمان كذاب!
قلب الصفحات ثم ضحك بسخرية: ضحكت على محمود ب50ألف؟
شاهين باستهجان: أنا مضربتوش علي إيده.
هز سليم رأسه موافقا: عندك حق، مهو حقير زيك.
وفجأة أخرج ولاعة من جيبه وأشعل طرف الأوراق، شهق شاهين واتسعت عيناه: أنت بتعمل ايه؟ إحنا محل خشب!
نظر له سليم بلا مبالاة: إيه المشكلة؟ أهو بنمرنك لنار جهنم إللي هتولع فيها.
شاهين بتوتر والنار تلتهم الأوراق ببطء: طب كفاية كده، وطفيها.
لكن سليم ظل ممسكا بالأوراق حتى أحترقت بالكامل تقريبا، وكأنه يتعمد أن يريه أن مايملكه لم يعد له قيمة.
القي أخر جزء من الأوراق علي الأرض وضغط عليه بحذائة حتي تبدد تماما، ثم رفع نظره اليه قائلا بتحذير خطر: هقولك كلمتين تحفظهم كويس، آلاء ومحمود تمسح من ذاكرتك خالص، وانسي إنك قابلت ناس بالاسم دي.
أخرج ظرفا سميكا وألقاه فوق المكتب: وإذا كان على ال50ألف جنيه...اهم.
ابتسم سليم ببرود وهو يربت على وجنته: علشان تعرف إني حقاني، ومش باكل حق حد.
ظل شاهين ينظر إليه بصمت، بينما التفت سليم ليغادر، وأشار لحراسه، فتبعوه جميعا للخارج.
الفيلا التي يمكث بها مصطفى2م.
جلس مصطف في المكتب يتحدث مع سليم عبر الهاتف، وعلى وجهه ابتسامة واسعة: بجد؟
استمع للحظات، ثم قال بسعادة: ماشي، شكرا جدا يا سليم، والله مش عارف أشكرك أزي؟!
ضحك بخفة وهو ينهض: هقولها حالا.
أغلق الهاتف وخرج مسرعا ينادي علي آلاء، فأخبرته الخادمه أنها تجلس مع اسرته في الحديقه.
اومأ لها، وخرج مسرعا، يقول بصوت مرتفع: مبروك يا لولو.
التفتت إليه باستغراب: مبروك على إيه؟
اقترب يقول بمرح: خلاص موضوع شاهين والجواز انتهى.
نهضت تهتف بفرحه: أنت بتتكلم جد؟
وقف أمامها وقال بابتسامه: اه والله، سليم لسه قافل معايا حالا، وقالي إنه راحله وخلص كل حاجه وحرق الورق بتاع الجواز والوصولات اللى كان كاتبها محمود كمان.
وضعت يدها علي فمها بعدم تصديق ودموع الفرحه تلمع في عينيها: الحمد لله! والله مش مصدقه نفسي!
اومأ بمرح: مش مصدقه ليه يا بنتي، سليم الراوي بنفسه بيقولك إن شاهين اتمحي من ذاكرته إن فيه ناس اسمهم آلاء ومحمود عدوا عليه أصلا.
شعرت بسعادة كبيرة، وهي لا تصدق أن هذا الكابوس انتهي بالفعل، وفجأة، القت بنفسها بين أحضانه بتلقائية من فرط سعادتها، وهي تقول بصوت مرتجف: بجد شكرا، شكرا، مش عارفة أقولك إيه، أنت أنقذت حياتي.
اتسعت عيناه للحظه من الصدمة، لكنه سرعان مارفع ذراعيه وضمها إليه دون تفكير، لم يكن يعرف سبب ذلك الشعور الغريب الذي اجتاحه وهي بين أحضانه، حتي هي احتاجها شعور دافئ لم تختبره من قبل.
انتبه الجميع ونظرا لهم باستغراب، مرت بضع ثواني في صمت، قبل أن تدرك فجأة مافعلته.
ابتلعت ريقها بتوتر، واتسعت عيناها من الخجل، ثم ابتعدت عنه بسرعة وكأنها أفاقت لتوها من غفلة.
أنزلت رأسها إلى الأرض، وعجزت عن النظر إليه، بينما احمر وجهها بشدة وهي تعبث بأصابعها في ارتباك، تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها الآن من فرط إحراجها.
حاول مصطفى تغيير الموقف سريعا، فصفق بيديه قائلا: طب بمناسبة الخبر الحلو ده، هروح اعملكم عصير بموز باللبن.
قال كلماته وتحرك مسرعا، بينما جلست آلاء تشعر بالتوتر والخجل وهي تعبث بطرف طرحتها.
تابعت عائشة المشهد وهي تبتسم بخبث، ثم مالت علي نبيلة وهمست في أذنها: شكل ابنك طب يا نبيلة.
اختلست نبيلة نظرة نحو آلاء ثم قالت بابتسامه: طب أسكتي علشان أمها.
ضحكت عائشة وهي ترفع يديها باستسلام.
قصر الراوي،3ع.
جلست صافيناز على طرف الفراش، تحدق في الفراغ بعينين شاردتين كأنها تبحث عن مخرج داخل رأسها.
بينما جلست فايزة أمامها، تمسك يديها بانزعاج: إيه إللي إنتِ فيه ده يا صافي؟! إيه المنظر ده؟ كأني شايفة واحدة مشوهة مش صافيناز!
ضغطت علي يدها، وتابعت بنبرة أكثر حدة: إنتِ أقوى من كده، إزاي تخلي موضوع عبيط زي ده يعمل فيكي كده؟ إخواتك حلوا الموضوع وكل حاجة انتهت، دي ماسة إللي اتعمل فيها أكتر منك بتروح وبتيجي ومفيش حاجة كسرتها، وإنتِ صافيناز الراوي بنت فايزة رستم آغا تبقى بالضعف ده!؟
رفعت عينيها بصعوبة، بنظرة مكسورة، ردت بصوت مهتز: بس هم ضربوني... وعايزين يقلعوني... كل الناس شافتني وأنا بتضرب... وملفوفة في الملاية، اتفضحت..
شدت على يديها أكثر: كل الكلام ده اتكذب! فوقي بقي
ارتجف جسدها فجأة، وابتعدت للخلف وهي تصرخ بخوف: سيبوني... أمشوا بقى!
تجمدت فايزة لحظة ثم سألتها بذهول: هم مين دول؟ مفيش حد هنا غيري!
كانت صافيناز تلتفت حولها بذعر، وكأنها ترى أشياء لا يراها أحد: عايزين مني ايه، ابعدووا...
اقتربت فايزة منها بسرعة، تحاول تهدئتها: مفيش حد يا صافي، فوقي بقى!
لكن صافيناز ظلت على ذعرها وهي تدفع يديها بعيدا عنها، وكأن كلمات فايزه لم تصل إلي عقلها قط.
في تلك اللحظة، فتح الباب ودخل عماد يقول بنبرة رسمية: مساء الخير يا هانم.
التفتت إليه بسرعة، وقالت بعصبية: إنت إزاي سايب صافيناز توصل للمرحلة دي؟!
أجابها بهدوء: أعمل إيه طيب؟ أنا جبت دكتور وكشف عليها، وبتاخد علاجها، بس هي مش قادرة تنسى إللي حصل.
تنهد قليلا ثم أضاف بتمثيل: المشكلة إنها جت في وقت كل حاجة فيه بايظة، رشدي والمجموعة، حتي شغلها كله واقف.
ردت بحسم مهيمن: ملكش دخل بأي حاجة تانية، ركز في مراتك وبس.
ابتسم بتصنع: متقلقيش ياهانم، كل حاجة هتتحل، وأنا جنبها.
نهضت وأشارت له بنبرة حاسمة: خليها تاخد دواها في ميعاده، وراقبها كويس.
اومأ لها، فخرجت، وأُغلقت الباب خلفها بهدوء ثقيل.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يقترب عماد ويجلس بجوارها على السرير، وقال بصوت منخفض: أنتِ كويسة ياصافي؟
رفعت عينيها إليه، ودموعها تنزل بصمت: مش عارفة أبقى كويسة ياعماد، بشوفهم في كل لحظة وهما بيضربوني ويقلعوني هدومي، وصوري في الجرايد مبتروحش من بالي، حساهم حواليا في كل لحظة...
مد يده نحوها، وابتسامته بدت مطمئنة في ظاهرها:
خدي بس الدوا ده وهتبقي كويسة.
ناولها الحبة، وصوته ظل هادئا: خدى يا حبيبتي ومتخافيش، أنا معاكي..
لكن ابتسامته تلك اللحظة كانت أهدأ من أن تطمئن، وأعمق من أن تفهم.
علي اتجاه آخر.
جلست ماسة ولوجين تحت البروجولة في الحديقة يتبادلون الأحاديث
تساءلت ماسة: أنتِ مروحتيش خالص عند مي؟
هزت رأسها: لا ياسين قالي ملهاش لازمة دلوقتي، نستنى لما تفوق الأول.
تنهدت ماسه هي الأخري: أنا كمان سليم قالي نفس الكلام، يا رب تفوق وتبقى كويسة.
ساد صمت قصير بينهما، لم يكسره سوى اقتراب نالا من الأرجوحة المجاورة، جلست عليها وبدأت تتأرجح وهي تضحك باستمتاع، كأنها تعلن فرحا لا يخص أحدا غيرها.
ابتسمت لوجين تلقائيا، ونهضت وتوجهت نحوها: تحبي ازوقهالك؟
رفعت نالا عينيها نحوها وقالت باقتضاب: لا بعرف ازوقها لوحدى.
ثم هبطت من الأرجوحة، وركضت مبتعده
نادتها ماسة: نالا، تعالي أقعدي معايا أنا وجوجا.
توقفت الطفله للحظة، ونظرت إليها بنظرة باردة، ثم قالت باقتضاب: لا.
ثم تابعت طريقها دون أن تضيف كلمة أخرى.
عقدت ماسه حاجبيها بدهشه: هي مالها؟
هزت لوجين كتفيها، وهي تعود مكانها: معرفش، حاسة إنها متغيرة معايا.
أمالت ماسة رأسها قليلا وقالت بتفكير: يمكن زعلانة إنك غبتي شهر، أعمليلها حاجة حلوة بتحبها، أو خرجيها خروجه حلوه يمكن ترجع زي الأول.
اومأت: هكلم ياسين، ونشوف.
أحد المطاعم الفاخرة،4ع
جلس سليم ومكي أمام بعضهما حول طاولة جانبية بعيدة عن الأنظار،
بينما كان سليم يمسك بين يده هاتف مكي، يشاهد المقطع الذي التقط لحديث عماد مع سارة بالشرفه.
ارتسمت على شفتي سليم نصف ابتسامة ساخرة: كنت متوقع إنه مش هيخرج برة عماد.
ثم وضع الهاتف على الطاولة: بس إيه كمية الخطوط إللي بيغيرها دي؟ ده سنترال متحرك.
ابتسم مكي بسخرية: لازم يعمل كده علشان محدش يرصده.
طرق سليم بأصابعه فوق الطاولة: الأرقام دي لازم تكون معانا يا مكي.
أجابه: وهنجيبها أزاي؟
زفر بضيق: معرفش، لما عرفان يجي هقوله يتصرف.
شرد بنظراته بعيدا قبل أن يضيف: المهم إننا مسكنا طرف خيط وعرفنا اسمه.
ثم ردد الحروف ببطء وكأنه يردد تعويذه: " تمساح "
في تلك اللحظة اقترب عرفان من الطاولة: مساء الخير، اتأخرت عليكم.
أشار له سليم: أقعد.
ما إن جلس حتى هم بالتحدث، لكن سليم أوقفه بإشارة من يده: استنى، قبل أي حاجة، أنا عايز ناس موثوق يبقوا ورا عماد 24ساعة، ميغبش عن عنهم لحظة واحدة...
أشاره بإصبعه وتابع بنبره ذات معني: ولو حصل غدر منهم، أنت المسئول قدامي.
أومأ عرفان بثقه: يا باشا رجالتي برقبتي، ومبيعرفوش أكتر من إللي المفروض يعرفوه.
سليم بهيمنه: حاجه كمان، أنا عايز الأرقام إللي عماد بيستخدمها كلها تكون عندي، ومقصدش الأرقام المباشره عايز الأرقام التانيه اللى بيستخدمها في الخفاء، وياريت لو تعرف تهكرلي تليفون ساره كمان.
هز عرفان رأسه: أيوه بس الموضوع ده ممكن يكون صعب شويه وهياخد وقت.
قطب سليم حاجبيه: يعني إيه صعب، هو أنا بتعامل مع تلميذ يا عرفان؟
صمت عرفان للحظة يفكر ثم قال: طب بص، هو فيه طريقه تهكير جديده، لسه جايه لنا من برا، حتي متوجدلهاش لحد الآن أجهزه حماية لسه، هخليلك التليفون بتاعه لايف معاك 24ساعه، حتى لو دخل الحمام تقدر شوفه مباشر.
ابتسم سليم باستحسان: أهو كده تعجبني يا عرفان.
ثم مال للأمام وتابع بجدية: تعمل الحوار دى النهاردة وتليفون عماد يبقى معايا.
أومأ عرفان: حاضر.
ثم غير الموضوع: المهم، بخصوص الولد إللي طلبتوا أوصلكم لطريقه، أنا عصرت الواد الميكانيكي لحد ما جاب أكبر درجه شبه ليه، وانحصر الشك في 5 عملت عنهم تحريات.
أخرج بعض الأوراق من جيبه وبدأ يبلغهم ما توصل إليه حتى وصل إلي اسم "رضا عبدالله علوان الشهير بتمساح."
تبادل سليم ومكي النظرات فور سماع اسمه، قبل أن يشير سليم بيده: هو ده!
اعتدل في جلسته وتابع بتركيز: براحه بقي وقولى عرفت إيه عنه؟!
اومأ عرفان: واد سوابق، عايش في المعصره ومتجوز ومخلف ولدين، اغلب شغله شمال، أنا شكيت فيه، لأنه مختفي من يوم الحادثه تقريبا، ومحدش عارفله طريق، بس هجيبه، هيروح مني فين.
بينما لمعت عينا مكي، واعتدل يتساءل: استنى بس، أنت قولت المنطقة اللى ساكن فيها اسمها إيه؟
أجابه: المعصرة.
رد: إللي في حلوان؟
اومأ: أيوة.
نظر مكي إلى سليم بسرعة: دي نفس المنطقه اللى كان ساكن فيها دغمش!
قطب سليم حاجبيه: دغمش مين؟
مكي مذكرا: دغمش يا سليم! الواد إللي كلمك قبل كده وقال إن عنده معلومة عن إللي عمل الحادثة، واتقتل بعدها في جنينة الحيوانات، نسيته؟
ساد الصمت للحظات ثم ألتفت سليم لعرفان مسرعا: تمساح ده لازم يجيلي حي، تجبهولي لو في بطن الحوت، بس حذاري تقولى إن جراله حاجه قبل ما تجبهولى.
أومأ عرفان فورا: حاضر، هوزع رجالتي في كل الأماكن اللى بيتردد فيها، واول ما يظهر هيبقي عندك
سليم بتنبيه: ركز جدا مع عماد، أنا متأكد إننا هنقدر نوصله من خلاله، لازم نبقي سابقين عماد بخطوه، أنا مش هسمح إن عماد يخلص عليه قبل ما نوصله، مفهوم؟
اومأ عرفان: مفهوم يا باشا.
ثم تابع بتحفظ: بس مش شرط علشان من نفس المنطقة يبقوا ليهم علاقة ببعض.
هز مكي رأسه: ممكن، لكن ممكن كمان يبقوا طرف خيط يوصلنا للحقيقة.
نظر سليم أمامه بشرود قائلا: نفذ اللى بقولك عليه يا عرفان وأنت ساكت.
♥️______________بقلمي_ليلةعادل
المشفى التي تمكث بها مي،4ع.
دخل رشدي الحمام، يأخذ جرعته المعتادة، ثم غسل وجهه طويلا وكأنه بذلك يمحو آثار ما أصبح عليه.
خرج بعدها ببطء، وتوقف أمام الزجاج الفاصل يتأمل مي الساكنه بلا حراك.
ظل واقفا يراقبها حتى جاءت الساعة المعتادة للزيارة.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، ثم تحرك مسرعا يرتدي الملابس الخاصه بالتعقيم، ودلف اليها بعد أن سمحت له الممرضة بالدخول.
جلس بجوارها، ومد يده يمسك بكفها البارد بين يديه وهمس: عاملة إيه النهاردة؟ أنا مستني اللحظة إللي هتفتحي فيها عينيكي وأشوفك كويسة..
خفض رأسه قليلا وهو يعبث بأصابعها برفق: أنا عارف إنك زعلانة مني، عارف إنك لو صحيتي دلوقتي أول حاجة هتعمليها إنك هتزعقيلي عشان لسه باخد المخدرات...
ضحك ضحكة قصيرة مكسورة، ثم أكمل: بس والله بحاول على قد ما أقدر ماخدش، المشكلة إني مش قادر أتخيل حياتي من غيرك، مش قادر أعمل حاجة وأنتِ مش موجودة، مش هقدر أسيبك..
أدمعت عيناه وهو يحدق في وجهها الشاحب: أنا مستنيكي عشان نروح المصحة سوا، لقيت مكان كويس، ومش هروح غير وأنتِ معايا، هنبدأ من جديد أنا وأتتِ..
صمت لحظة، ثم ابتسم ابتسامة مرتجفة: وهجيب جنة كمان معانا زى ما كنتي عايزه، هعملك كل إللي أنتِ عايزاه، ومش هزعق، ولا أعاند، ولا ههرب من العلاج تاني...
اقترب أكثر وهمس بصوت متحشرج: بس أفتحي عينيكي، أفتحيهم بس وشوفي بنفسك..
انزلقت دمعة على وجنته دون أن يشعر، وظل جالسا جانبها حتى انتهي موعد الزيارة
قصر الراوي،6م.
جلست ماسة بالقرب من حمام السباحة، تستمتع بنسيم الهواء تحت البرجولة، وتقرأ في أحد الكتب.
اقتربت منها فايزة، تقول بسخط: أنتِ ايه اللى مقعدك هنا؟
نظرت لها ماسة من طرف عينيها دون أن تجيب، وكأن وجود فايزة لا يتعدى كونه هواء عابرا.
أما فايزة فلم تحتمل تجاهلها، فضربت الطاولة الصغيرة بعنف: لما اكلمك ردي عليا.
رفعت ماسة عينيها ببرود: أفندم؟
فايزة بحدة: إيه إللي مقعدك هنا؟ أنتِ مش المفروض تقعدي في أوضتك؟
أغلقت ماسة الكتاب وقالت ببرود: والله أنا أقعد في المكان إللي أنا عايزاه، أنا قاعده في ملك جوزي.
اغتاظت فايزة، وجزت علي أسنانها: أنتِ نسيتي نفسك وبتردي عليا كمان يا حشرة، طب أنا هفكرك مين هي فايزه هانم.
رفعت يدها تنوي صفعها، ولكن ماسة امسكت يدها برد فعل سريع، ووقفت أمامها تقول بتحدي: تؤتؤتؤ، كده ازعل منك يا فايزه هانم، وأنا لما بزعل بقول كلام كتير ميصحش.
نزعت فايزه يدها بعنف، بعينين تحمل شرارا مخيفا: أنتِ بتهدديني يا حشرة أنتِ!
وقفت ماسة أمامها بثبات: أه بهددك.
ثم وضعت يدها على فمها بدهشه مصطنعه: هو أنا مقولتلكيش؟! مش سليم أخيرا صدق إن مراته حببته مظلومه، ودور ولقي حاجات تثبت برائتي، وهو كمان اللى سمحلى أنزل واقعد براحتي، ده حتى كان عايز ياخدني يفسحني بس أنا قولتله بطني وجعاني، خليها يوم تاني.
توترت ملامح فايزه لوهله، فهذا ما كانت تخشاه.
بينما تابعت ماسة بتشفي: تفتكري هيكون رد فعله ايه، لو حكيتله حاجه من اللى كانت بتحصل زمان، أصل خدى بالك سليم ذكي، يعني لو عرف حاجة من اللى حصلت زمان، هيبقي سهل عليه يربط زمان بدلوقتي، ويستنتج مين اللى كان السبب في موضوع القضيه.
نظرت لها بعينان مشتعلتان: متعادينيش يا ماسة، أنتِ مش قدي.
ماسه ببرود: أعلي مافي خيلك اركبيه...
ضحكت بسخرية وتابعت: بس أوعي تقعي من عليه لظهرك يتكسر، أنتِ ست كبيرة برضو ومش حمل الواقعه.
في تلك اللحظة اقترب سليم.
فنظرت إليه ماسة بمرح: أهو سليم جه، اسأليه بنفسك.
التفتت فايزة إليه فورا: أنت إزاي مخلي البنت دي قاعدة برة أوضتها؟
رفع حاجبه: واخليها في أوضتها ليه؟ سيبيها، أنا إللي سمحتلها.
أتسعت عيناها بتوتر: سمحتلها إزاي؟! إنت كنت بتتجنن لما تشوفها خارجة في الجنينة، إيه نسيت اللى عملته فيك؟
ماسة تغيظها: سليم، أنا هروح أتمرجح هناك، ماشي؟
أومأ برأسه، فتحركت عدة خطوات ثم التفتت إليهما وقالت بغيظ طفولي: خلص مع مامتك وابقي تعالي مرجحني.
كان سليم يمسك نفسه بصعوبة من الضحك على طريقتها الطفولية في إغاظة فايزة، أما فايزة فنظرت إليه بتوتر: إيه إللى أنا شيفاه ده يا سليم؟! أنت نسيت هي عملت ايه؟!
أجابها بهدوء: منستش، بس من ساعة إللي حصل لصافيناز وأنا شاكك إن فيه حد ورا كل ده، وبعد إللي حصل لرشدي بقيت متأكد إن فيه طرف تالت، المهم دورت ووصلت لحاجات كتير.
اتسعت عيناها، لكنها حاولت التماسك فقالت بتلعثم وهي تستند إلى الطاولة: وصلت... وصلت لإيه؟
ثبت نظره عليها، متعمدا الضغط عليها: عرفت إن فيه رسالة جتلها فعلا بتقول إني تعبان وفي المستشفى.
ابتلعت ريقها بصعوبة، بينما تابع هو: آه الكاميرات مجابتش موضوع خطفها، بس هوصل، وهعرف كل حاجة...
صمت للحظة يعتمد اللعب بأعصابها: وبيني وبينك يا هانم، ماسة تربية إيديا، ومستحيل تخون.
قالت بسرعة: بس... بس هي قالت إنها بتحب إللي اسمه مصطفى.
زم شفتيه: الله يرحمه بقي، يمكن قالت كده علشان تغيظني، لكن واحدة تعرف إني عملت حادثة كبيرة وتخاف عليا وتروح المستشفى عشاني، تبقى مبتحبنيش؟ أكيد لا، أنا بدأت أقتنع بنسبة 90% إنها بريئة، وبدأت أمسك أول خيط اللى هيوصلني للحقيقة كلها، فسبيها يا هانم، وملكيش دعوة بيها تاني، خليها تعمل إللي هي عايزاه.
كان توترها يظهر بوضوع رغم محاولاتها اخفاؤه، قالت بعدم اتزان: آه... علشان كده بقيتوا كويسين وبتقعدوا مع بعض؟
اجابها ببساطة: أنتِ عارفة إني بحبها.
أومأت برأسها بصعوبة: أيوة... بتحبها..
صمتت للحظة، وحاولت تغير الحديث: سليم، إحنا لازم نقعد كلنا ونعرف المصايب دي نهايتها إيه ومين وراها، مش معقول بعد كل ده ولسه موصلناش.
أجابها: أمممم لا تقلقي، إللي اتجرأ يخطف مراتي ويعريها، أول ما أوصله هدفعه التمن هو وكل إللي معاه، بس بعد ما أستمتع شوية وهو بيتكشف قدامي، ده بقى تاري أنا الشخصي.
ثم ابتسم وقال: عن إذنك، هروح أقعد مع مراتي شوية.
تحرك مبتعدا بابتسامه واسعه، بينما كانت فايزة تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها من شدة الخوف، فالأمور بدأت تنفلت بشكل مرعب.
أما سليم فاتجه نحو ماسة وجلس بجوارها على الأرجوحة ضاحكا: إيه العبط إللي إنتِ كنتي بتعمليه ده؟
ردت بابتسامه: ياسيدي، كنت بغيظها، وبعدين أنا لعلعت معاها قبل ماتيجي، بس أنت فاتك العرض وجيت متأخر.
ضحك عاليا: المره الجايه هجيب فشار، واحجز بدري.
وضعت كفها في كفه: اتفقنا.
ثم أضافت: يلا مرجحني.
نهض خلفها وبدأ يدفع الأرجوحة برفق، ومن بعيد، وقفت فايزة تراقب المشهد كله، والنار تأكلها من الداخل، قبل أن تستدير أخيرا وتتجه إلى داخل القصر
خلال أسبوعين.
ظلت ماسة تضايق فايزة بطريقتها كلما تقابلتا هذا ما كان يجعل فايزة تشعر بتوتر متزايد، خاصة بعدما علمت أن سليم يبحث في الأمر وقد وصل إلى أول طرف خيط.
وما زاد من ضيقها أنها لم تستطع طلب المساعدة من أحد؛ فالجميع كان منشغلا؛ عزت ما زال في المستشفى، وعماد مثل الانشغال بصافيناز التي انهارت تماما، كما أن المهدئات التي كان يعطيها لها عماد بدت وكأنها تزيد حالتها سوءا بدلا من أن تحسنها.
في المقابل، بدأت حالة عزت تشهد تحسنا طفيفا، وخضع لعمليه لتركيب دعامة في القلب بعد رفضه التام إجراء عملية جراحية كاملة، مصرا على الخروج في أسرع وقت ممكن.
وفي الوقت ذاته، بدأت العلاقة بين آلاء ومصطفى تقترب أكثر فأكثر، حتى بدأت نبيلة تتعامل معها بطريقة أفضل وتتقبل وجودها بينهم.
أما ماسة وسليم، فقد كانت علاقتهما تمر بأفضل مراحلها، خاصة في تعاونهما المستمر على إغاظة فايزة، أصبحا يقضيان وقت أطول معا، ويتعاملان بعفوية وراحة أمام الجميع، الأمر الذي لفت انتباه من حولهما.
أما نالا، فظلت تتعامل مع لوجين بالطريقة نفسها؛ تبتعد عنها وتتجنب الحديث معها، وهو ما كان يثير توتر لوجين وحيرتها بشدة.
أما مي، فكانت حالتها مستقرة نسبيا، لم يتركها رشدي لحظة، ظل بجوارها ينتظر استيقاظها، بدت ملامحه مرهقة، وذقنه طويلة وثقيلة تعكس ما عاشه من قلق وألم، بينما لم تفارق عيناه وجهها لحظة.
وظل الوضع كما هو عليه حتى جاء اليوم الذي استيقظت فيه مي.
كان الأطباء كعادتهم يقومون بفحصها وإعطائها الأدوية اللازمة، لكنهم انتبهوا هذه المرة إلى أن المؤشرات الحيوية أصبحت أفضل بشكل ملحوظ، بدأوا في استدعاء عدد من الأطباء الآخرين للتأكد من النتائج ومراجعة حالتها.
في الخارج، شعر الجميع بالقلق عندما لاحظوا الحركة غير المعتادة داخل العناية المركزة.
حازم بتوتر: في إيه؟
أجابته إحدى الممرضات وهي تسرع إلى الداخل: لو سمحتوا خليكوا مكانكم، مفيش حاجة.
دخل الطبيب مسرعا وبدأ يفحصها، بينما كانت أصابعها تتحرك قليلا وجفناها يرتجفان، وبعد دقائق أعطاها بعض الأدوية والحقن ثم خرج من الغرفة.
ظل الجميع واقفين أمام الزجاج، يتابعون ما يحدث بقلق دون أن يفهموا شيئا.
اقتربوا منه فور خروجه: في إيه يا دكتور؟
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه: الحمد لله، مي هانم حالتها استقرت بشكل كبير، علشان كده اديناها أدوية تساعدها تفوق، ودلوقتي بنجهزها عشان تتنقل أوضة عادية.
ما إن سمعوا كلماته حتى تبدلت ملامحهم بالكامل.
وضعت تقى يدها على فمها وهي تقول بفرحة: الحمد لله.
ورفع راشد يديه إلى السماء مرددا: الحمد لله، الحمد لله يا رب.
احتضن حاتم وحازم بعضهما بسعادة، أما رشدي فظل واقفا أمام الزجاج لا يتحرك.
هبطت دمعة ساخنة من عينه دون أن يشعر بها، وظلت عيناه معلقتين بها وكأنه يخشى أن تختفي إذا رمش.
تابع الطبيب قائلا: الحمد لله، الحالة دلوقتي مستقرة، بس لسه محتاجين نكون حذرين، ممنوع أي انفعالات أو أخبار سيئة، والأفضل إنها تفضل تحت الملاحظة شوية كمان.
هز رشدي رأسه بتوتر: يعني يا دكتور، حضرتك شايف إن حالتها لسه خطيرة؟
رد الطبيب بهدوء: أنا مقولتش كده، الحالة كويسة جدا، لكن محتاجة راحة، متنساش إنها اتعرضت لإصابة صعبة، وغير كده كمان حصل إجهاض، والجسم محتاج وقت عشان يتعافى بالكامل.
ساد الصمت للحظة.
ثم قال رشدي بصوت منخفض: أنا مش هقولها على موضوع الإجهاض دلوقتي، هستنى لحد ما حالتها النفسية والجسدية تبقى أحسن، ياريت تبلغ كل الدكاترة والممرضات إن محدش يجيب سيرة الموضوع خالص قدامها.
أومأ الطبيب بتفهم: مفيش مشكلة، أهم حاجة دلوقتي إنها ترتاح.
تردد رشدي للحظة قبل أن يسأل: بس هي لسه مفاقتش، مفتحتش عينيها!
ابتسم الطبيب مطمئنا: ده طبيعي، الأدوية لسه مشتغلتش، ممكن تاخد من نص ساعة لساعة بالكتير وإن شاء الله هتفوق.
سأله راشد بسرعة: طب ينفع نقعد معاها لحد ما تقوم؟
اومأ الطبيب: مفيش مشكلة، لكن فرد واحد بس، وطبعا لازم يلبس الماسك ويلتزم بكل التعليمات.
أومأ راشد بامتنان: شكرا يا دكتور.
وبمرور بعض الوقت.
جلس راشد بجوارها، ممسكا بيدها بين يديه، وعيناه تلمعان بالدموع وهو يحمد الله في سره أنها عادت إليهم أخيرا.
أما البقيه، فظلوا يتابعون من خلف الزجاج ينتظرون اللحظة التي ستفتح فيها عينها بفارغ الصبر.
وبعد دقائق...
رفرفت أهدابها ببطء قبل أن تفتح عينيها بصعوبة، فانتفض راشد من مكانه واقترب منها سريعا: حمد لله على السلامة يا بنتي، حمد لله على سلامتك، والله كنت هموت من الرعب عليكي.
أخذت تفتح عينيها وتغلقهما بصعوبة قبل أن تهمس: بابا... إيه اللي حصل؟
مسح على رأسها بحنان: مفيش حاجة يا حبيبتي، إنتِ كويسة، وهتبقي كويسة إن شاء الله.
نظرت حولها بتعب: أنا فين؟ آخر حاجة فاكرها إني كنت مع رشدي... وبعدها مش فاكرة حاجة.
ربت على يدها: متتعبيش نفسك بالتفكير دلوقتي، أنا هنادي الدكتور.
في الخارج، ما إن رأى إخوتها عينيها مفتوحتين حتى تهللت وجوههم من السعادة.
دخل الطبيب بالفعل وبدأ يفحصها مرة أخرى، ويتابع استجابتها وحركة عينيها ووعيها، ثم ابتسم قائلا: إحنا بقينا كويسين خالص الحمد لله، حمد لله على السلامة يا مي هانم.
ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة: الله يسلمك.
سأل راشد بلهفة: إيه يا دكتور؟ شايف إيه؟
رد الطبيب مطمئنا: زي ما قولتلكم، الحالة مستقرة جدا، وهتتنقل جناح عادي، بس طبعا مش عايزين نرهقها بالكلام.
أومأ راشد برأسه قبل أن يقترب من مي: إخواتك هيموتوا من القلق عليكي، هخليهم يدخلوا يطمنوا عليكي، وأنا هرجع أقعد معاكي تاني مش هسيبك، وهبات معاكي النهارده عشان أشبع منك وأطمن قلبي عليكي.
ابتسمت له بتعب وهزت رأسها موافقة.
خرج راشد يخلع الكمامة: خشوا يا حبايبي اطمنوا على أختكم... بس واحد واحد.
نظر الإخوة إلى بعضهم، وقال حاتم: خش أنت الأول يا رشدي.
هز رشدي رأسه: روحوا إنتوا، هستنى أنا لآخر.
ربت حازم على كتفه: يا عم أدخل، دى أنت عينك ناقص تخرم الإزاز من القلق.
ابتسم رشدي ابتسامة باهتة.
وبعد لحظات وجد نفسه يتحرك نحو الباب.
دخل الغرفة بخطوات بطيئة، وكأن قدميه لا تحملانه.
كان يشعر بذنب هائل يجثم فوق صدره، فهو حتى الان لم يستطع مسامحه نفسه لانه السبب فيما أصابها.
رفعت مي عينيها إليه.
توقفت نظراتهما عند بعضهما لثواني طويلة، ثم أشارت له بعينيها أن يقترب.
جلس بجوارها بصمت، لا يعرف ماذا يقول، نظرت إليه، ومازحته بصوت ضعيف: هو أنا فضلت تعبانة كتير ولا إيه؟
ابتسم رغم الألم الذي بداخله: بتقولي كده ليه؟
رفعت حاجبها بتعب: أصل دقنك طولت اوي، إيه؟أشهرت إسلامك وبقيت الشيخ رشدي؟
خرجت منه ضحكة قصيرة رغما عنه: هي الرصاصة علمتك اللماضة ولا إيه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم تعبها: مضحكنيش مش قادرة..
امساك يديها يقبلها: ضحكتك وحشتني قوي.
صمتت لحظة ثم سألته: إيه اللي حصل؟
مرر يده على شعرها برفق: مش عارف، كل اللي فاكره إني سمعت صوت الرصاص، وبعدها الدنيا كلها اتغيرت في لحظة، فتحت عينيا لقيتني هنا..
انخفض صوته أكثر: أنا آسف يا مي... والله آسف.
نظرت إليه باستغراب: آسف على إيه؟
أغمض عينيه للحظة: إني مقدرتش أحميكي، أنا السبب..
ثم تابع وعيناه تمتلئان بالغضب: بس أقسم بالله، هجيب حقك من اللي عمل كده أول ما أعرف مين هو.
رفعت يدها بصعوبة نحو كتفه: أنت كمان اتصبت؟
هز رأسه بلا مبالاة: مش مهم.
تسالت: أزاي مش مهم؟ انت كويس؟
ابتلع الغصة التي في حلقه: هبقى كويس لما نخرج من هنا، ياريت أنا اللي كنت مكانك.
ثم نظر إليها بعينين امتلأتا بالندم والألم: أنا مش قادر أسامح نفسي يا مي، انا اللي كنت مقصود مش أنتِ...
قالت بنبرة تخرج محشرجه وهي تنظر إليه: وأنت ذنبك إيه؟ متشيلش نفسك فوق طاقتها، اللي ربنا كاتبه للإنسان محدش بيهرب منه، المهم إننا كويسين.
ثم ابتسمت ابتسامة ضعيفة: ولسه سوا.
اهتزت شفتاه وهو يحاول السيطرة على دموعه: ومش هنبعد عن بعض أبدا، ولا ثانية واحدة.
مسح دموعه سريعا، ثم اقترب ووضع قبلة طويلة على جبينها: كنت خايف مشوفكيش تاني، كنت خايف تروح مني، أنا بحبك قوي يا مي.
توقفت أنفاسها للحظة وهي تنظر إليه.
أما هو فأكمل بصوت مبحوح: أول مرة أحس الكلمة طالعة من قلبي بالشكل ده، متعرفيش الأسبوعين دول عدوا عليا أزاي.
ابتلع غصته وتابع: كأنهم قتلوا رشدي القديم وخلقوا واحد جديد، صدقيني أنا هبقى رشدي مختلف تماما، من النهارده هبقى الشخص اللي يستحقك فعلا.
انحدرت دمعة من عينه: بس أوعي تسيبيني... أوعي تسيبيني تاني.
ابتسمت له برقة: لو كنت اعرف إن الضرب بالنار هيخليك رومانسي وبتقول كلام حلو كده، كنت خليتهم ضربوني بالنار من زمان.
تبسم بحب: بعد الشر عليكي، من هنا ورايح مش هقولك إلا كلام حلو بس، وهتعلم التلزيق وهبقى ملزق، بحبك، بحبك اوي..
رفعت يدها بصعوبة ومسحت دموعه بأطراف أصابعها.
فمال نحوها دون تفكير وضمها إلى صدره،لكنها تألمت فورا، فابتعد بسرعة: أنا آسف.
هزت رأسها برفض: قرب... وخليك جنبي، أنا عايزة أحضنك.
رفعت ذراعيها بصعوبة نحوه، فتقدم ببطء هذه المرة، وضمها بحذر شديد، وكأنها قطعة زجاج يخشى أن تنكسر بين يديه.
في الخارج، كان الجميع يتابعون المشهد من خلف الزجاج بابتسامات ودموع فرح.
ظل هكذا لدقائق طويلة، يحاول أن يشبع من قربها بعد أسبوعين كاملين من الخوف والانتظار، ثم ابتعد أخيرا وهو يتنهد: هخرج بقى عشان إخواتك عايزين يشوفوكي.
أومأت برأسها موافقة.
وبالفعل دخل إخوتها واحدا تلو الآخر، وكل منهم جلس معها قليلا قبل أن يخرج ليترك الفرصة لغيره.
وبعد فترة تم نقلها إلي جناح عادى، وجلس رشدي وراشد بجوارها.
دخلت الممرضة تحمل ملفا صغيرا: لو سمحتوا، إحنا محتاجين شوية هدوم وحاجات شخصية لمدام مي عشان نغيرلها، ونجهزها للإقامة هنا، بعدين اتفقنا شخص واحد بس اللى يفضل معاها.
رفع رشدي رأسه فورا: مفيش مشكلة، قولي إيه المطلوب وأنا هبعت حد يجيبه.
ناولته الممرضة ورقة: دي كل الحاجات اللي محتاجينها.
أخذ الورقة منها وغادرت، فنظر له راشد قائلا: خلاص يا رشدي، روح أنت هات الحاجات، أنا كده كده النهارده مش هسيب بنتي
هز رشدي رأسه: لا، هبعت حد يجيبهم.
قطبت مي حاجبيها بتعب: لا، روح إنت.
نظر إليها باستغراب: ليه؟
مي بخجل: مش عايزة حد من رجالتك يشوف حاجاتي الشخصية.
ابتسم رغما عنه: محدش هيشوف حاجة، ممكن أبعت حد من الخدم أو أبعت تقى.
تدخل راشد بحزم: تقى مشيت مع حازم وحاتم، روح إنت هات حاجة مراتك، وارتاح شوية وتعالي بكره.
كاد رشدي أن يعترض، فقاطعه راشد بجدية: أنت بقالك أسبوعين مروحتش ومش بتنام كويس، روح استحمى وغير هدومك واحلق دقنك وارتاح، مي الحمد لله بقت كويسة، وأنا النهارده هبات معاها.
اعترض رشدي فورا: مش هعرف أبات بعيد عنها.
قالت مي بصوت ضعيف: اسمع الكلام يا رشدي.
نظر إليها، فتابعت: روح ارتاح عشان خاطري، وتعالي بكره، أنا بقيت كويسة.
ثم ضحكت بخفوت وهي تنظر إلى لحيته الطويلة: وبعدين دقنك دي وحشة أوي...احلقها.
رفع حاجبه معترضا: هجيب ماكينة وأحلقها هنا.
ثم أضاف مدافعا عن نفسه: وبعدين متحسسنيش إني معفن، أنا كنت بستحمى كل يوم علي فكرة، دي عادة عندي من زمان أنتِ عارف.
ضحكت بخفة: عارفة... ريحة الصابون واصلالي والله.
فابتسم للمرة الأولى بصدق.
ثم أكملت وهي تنظر إلى وجهه المرهق: أنت محتاج ترتاح فعلا، وشك مرهق جدا، اسمع الكلام بقى وتعالي بكره، انا مش هقدر اشوفك نايم على الكنبه
تنهد وهو يمسك يدها: مش هينفع أسيبك، أنا ماصدقت إنك فتحتي عينك، مشبشعتش منك لسه.
رفع يدها يقبلها برفق: عايز أقعد أشبع منك شوية.
ابتسمت وهي تهز رأسها: ماشي يا سيدي، اقعد اشبع براحتك.
ثم ضيقت عينيها مازحة: وبعدها تقوم تنفذ الكلام وتروح ترتاح... مفهوم؟ رشدي ده اول طلب اطلبه منك بعد تعب، اسمع الكلام بقى..
نظر إليها طويلا، لا يريد رفض طلبها، لكنه لا يريد الإبتعاد عنها أيضا.
وقبل أن يتكلم، تدخل راشد بجدية: اسمع الكلام يا رشدي، أنت محتاج ترتاح، علشان تستعيد قوتك، مي هتحتاجك الفتره الجايه جنبها، هتحتاج راجل تتسند عليه، مش تلاقي نفسها مضطرة تسنده هو كمان.
ثم أشار إلى ذراعه المصابة: غير كده، إنت محتاج تطمن على دراعك، وتلتزم في علاجك، أنا شايف إنك مهمل في نفسك بشكل كبير.
خفض رشدي عينيه ولم يجد ما يرد به، كان يعلم أن راشد على حق.
فأومأ برأسه موافقا بعد تفكير طويل: حاضر.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه مي وهي تشعر بانتصارها الصغير.
وبالفعل جلس معها بعض الوقت، يتحدثان في أشياء بسيطة، وكأنه يحاول تعويض كل دقيقة ضاعت منهما خلال الأيام الماضية، كان يراقبها وهي تتكلم، وتبتسم، وتغمض عينيها من الإرهاق ثم تفتحهما من جديد، وكأنه لا يصدق حتى الآن أنها عادت إليه بالفعل!
وفي النهاية اضطر للمغادرة، انحنى عليها وقبل جبينها برفق: مش هتأخر عليكي.
ابتسمت له: هستناك.
غادر الغرفة وهو ينظر إليها للمرة الأخيرة قبل أن يغلق الباب خلفه.
قصر الراوي2م.
كانت غرفة الموسيقى هادئة إلا من أنغام البيانو التي تملأ المكان، جلست فايزة أمام الآلة تعزف مقطوعة حزينة، بينما كانت ماسة تمر في الممر الخارجي، توقفت فجأة عندما وصل اللحن إلى أذنيها، فشدها الصوت لتتجه نحو الغرفة.
دفعت الباب ودخلت بهدوء، لتجد فايزة جالسة هناك، غارقة في عزفها، اقتربت منها ببطء، وظلت تنظر إليها طويلا في صمت، قبل أن تقول: ياريت تعزفي لحن الوداع الأخير، علشان نهايتكم اللي قربت.
توقفت أصابعها عن الحركة فوق المفاتيح وقالت بحدة: عايزة إيه يا ماسة؟ بقالك فترة فرحانه بنفسك أوى!
ابتسمت وهي تقترب: ومفرحش بنفسي ليه؟ جوزي صدقني، وقريب جدا هيكتشف لعبتكم القذرة، ومش بس كده، ربنا كمان انتقم لى وبنتك بتعيش نفس المصير اللي كنتوا بتحاولوا ترموني فيه.
اشتدت ملامح فايزة، بينما تابعت ماسه بتشفي: نهايتكم قربت يا فايزة هانم، استمتعي بالأيام اللي فاضلة، وافـرحي بالإمبراطورية دي شوية، عشان خلاص هتتهد.
ثم استدارت واتجهت نحو الباب، وقبل أن تخرج التفتت إليها ومنحتها ابتسامة واسعة زادت من اشتعال غضبها.
بقيت فايزة مكانها، تحدق في الفراغ بشرود، فماسة لم تعد تلك الفتاة الضعيفة التي يمكن السيطرة عليها أو إخافتها، بل أصبحت أكثر خطورة من أي وقت مضى.
وأدركت في تلك اللحظة أن التخلص منها لم يعد خيارا مؤجلا... بل ضرورة يجب أن تحدث قريبا.
قاطع شرودها دخول الخادمه تقول باحترام: فايزه هانم، الدكتور وصل عند صافيناز هانم فوق.
اومأت لها، ونهضت لتصعد.
في الأعلي.
كانت صافيناز في حالة لا تطاق، تصرخ وتبكي بعنف، بجسد مرتجف وكأنها تحارب شيئا غير مرئي داخل عقلها، وتقول بصوت مضطرب: عايزين يموتوني… ابعدوهم عني… متخالوهمش ياخدوني… ابعدوا عني!
كان الطبيب الذي أحضره عماد قد جهز حقنة مهدئ، بينما دخلت فايزة تراقب المشهد بقلق واضح، وعيناها لا تفهمان ما يحدث.
قالت بحدة ممزوجة بالخوف: خير يا دكتور، صافيناز يوم عن يوم حالتها بتسوء، إيه اللي بيحصل؟!
أخذ الطبيب نفسا عميقا وقال بهدوء مهني: هي محتاجة تدخل مصحة.
ارتفع صوت فايزة فورا: لا طبعا! مصحة إيه؟
الطبيب بثبات: ده الحل الوحيد يا هانم، هي عندها انهيار عصبي خطير، ورافضة تتخطى الصدمة اللي حصلتلها.
صاحت فايزة بعصبية: مش هينفع يا دكتور! مستحيل صافيناز الراوي تدخل مصحة نفسية مع المجانين!
تنهد الطبيب بأسف: أنا آسف يا هانم، بس حضرتك أرقى من كده بكتير، مش كل اللي بيخش المصحة مجانين.
قاطعته بعناد: لا! كل اللي بيخش المصحة مجانين! مش عيب إن الإنسان يروح لدكتور نفسي يتكلم معاه لو بيمر بأزمه، لكن يتحجز؟! لا ده مش مقبول!
رد بعمليه: لو مش هتدخل مصحة، يبقى لازم علاج مكثف هنا، ومهدئات أقوى، لأن للأسف ممكن في الفترة الجاية يبقى عندها أفكار انتحارية.
قاطعته بهيمنه: شوف شغلك من غير كلام كتير، ولو مش عارف تعالجها نجيب واحده غيرك.
قالت كلماتها وغادرت، بينما بقي عماد مع الطبيب يتبادلان نظرات غامضة، قبل أن يحقن الطبيب صافيناز بالمهدئ، فبدأ جسدها يهدأ تدريجيا وتغيب عن الوعي.
اقترب الطبيب من عماد وهمس بابتسامة خفيفة: كده تمام؟! اللي اتفقنا عليه اتقال.
اومأ عماد: تمام، حلو أوى.
قال الطبيب بصوت منخفض وهو يراقبها: علي فكره الأفضل أنك تجيبها عندى المصحه فعلا، هتبقى تحت إيدي، وأقدر أديها العلاج بانتظام، أنت جوزها وتقدر تعمل دى من غير الرجوع لحد.
قاطعه عماد: ملكش دعوة أنت، اكتب الحقن بس.
اومأ له واعطاها ورقه بأسماء الأدوية المطلوبه، ثم غادر، فنظر عماد إلى صافيناز الغارقة في النوم وقال بهمس بارد: سوري يا صافي… بس وقتك انتهى معايا، ولازم اوصلك فعلا لفكرة الإنتحار.
ثم أخرج هاتفه واجري اتصالا وقال بهدوء حاسم: عايزك تخلصلي الحاجات اللى طلبتها منك، والنهارده هاجي اخدهم.
وبمرور بعض الوقت
جلست ماسة في الـ«ليفينج روم» تشاهد التلفاز، لكن ملامح التعب كانت واضحة على وجهها، فمنذ أن استيقظت صباحا وهي تشعر بغثيان ودوار لا يفارقها.
كل بضع ثواني كانت ترفع يدها إلى فمها وكأنها تحاول كبح ذلك الشعور المزعج.
وفجأة اشتد الغثيان بصورة أكبر، فقامت سريعا تنوي الذهاب للحمام، ولكن الشعور كان أقوي من سرعتها علي الذهاب فوقفت تتقيأ في سلة القمامة.
علي اتجاه آخر
عاد رشدي إلي القصر أخيرا بملامح مرهقه، فاسبوعين كاملين لم يعرف فيهما للنوم طعم.
ورغم ذلك كان يريد البقاء بجوارها أكثر من أي شيء آخر، فشعوره بالذنب والخوف والحب الذي اكتشف حجمه الحقيقي خلال تلك الأيام جعله عاجزا عن الابتعاد عنها، لكنها هي من طلبت منه ذلك، ولأجلها فقط وافق.
تابع خطواته بثقل، ولكنه توقف فجأة عند سماع صوت تقيؤ يأتي من اللفينج روم.
عند ماسه.
شعرت أن قدماها أصبحت كالهلام ولا تستطيع حملها.
كادت أن تسقط ولكن يد رشدي اسندتها سريعا وهو يتسأل بإهتمام: ماسة... مالك؟
رفعت إليه عينيها الذابلتين وأجابت بإرهاق: ملكش دعوة.
أمسك ذراعها ليسندها وهو يقول: طب تعالي أقعدي.
جلست ببطء وأعادت رأسها إلى الخلف بتعب.
نهض قائلا: أرتاحي، وأنا هروح اجيبلك عصير يفوقك شوية.
وبالفعل تحرك مسرعا إلى الخارج، بينما ظلت كما هي، مغمضة العينين تحاول مقاومة الدوار.
عاد بعد دقائق ومعه كوب من العصير، ثم قدمه لها: خدي أشربي ده، وهتبقي أحسن.
فتحت عينيها بصعوبة ونظرت إليه من أعلى لأسفل، فابتسم ابتسامه باهته: يا ستي متخافيش، مش حاططلك فيه حاجة، أهو...
ارتشف منه قليلا أمامها، ثم مد الكوب إليها: يلا بطلي عند.
تمتمت بضيق: مش عايزة منك حاجة، وأبعد عني.
قرب الكوب منها أكثر وهو يقول بإصرار: أسمعي الكلام، ده هيفوقك.
لكن فور أن وصلتها رائحته شعرت بموجة غثيان أقوى من السابقة.
ابتعدت بسرعة وهي تقول: أوعى كده، ريحته وحشة.
ونهضت مسرعة، تتقيأ في سلة القمامة من جديد.
قرب العصير من أنفه، فوجد رائحته طبيعيه، فنظر لها بتعجب، ووقف يراقبها بقلق حتى انتهت، ثم تناول منديلا وناوله لها.
مسحت وجهها وجلست من جديد بإرهاق شديد، ظل يتابعها بعينيه للحظات، ثم قال مازحا محاولا كسر التوتر: إيه يا ست الحسن، أنتِ حامل ولا ايه؟ مبروك.
نظرت إليه من أعلى لأسفل بضجر، ثم أشاحت وجهها إلى الإتجاه الآخر، فهي في حالة لا تحتمل مزاحه وسخافاته.
لكن رشدي تابع هذه المرة بجدية: بكلمك بجد، أنتِ حامل؟ أصل دي أعراض حمل فعلا.
زفرت باختناق وهي تغمض عينيها: هحمل ازاي يعني؟ أنت نسيت إن سليم عنده مشكلة في الخلفة؟
تنهد بحيرة: مش عارف، يمكن خف.
ثم نظر اليها قائلا: عموما اتأكدي، ولو حامل فعلا، نصيحه مني بلاش حد يعرف لو عايزه تحافظي عليه.
نظرت له بسخرية: عايزه تفهمني أنك خايف عليا يا رشدي؟
مد وجهه، ونهض قائلا: احسبيها زى ما تحسبيها، بس أنا قولت انصحك بدل ما يحصل اخواته.
استدار ينوي المغادرة، بينما عقدت هي حاجبها وتمتمت: يحصل اخواته!!
نهضت رغم تعبها: استنى!
وقفت أمامه تتسأل باضطراب: تقصد إيه بإخواته؟ أنا كنت حامل في حور بس وقت الحادثة!
هز رأسه ببطء: عارف إنها كانت حور بس، بس أنا مقصدش الحادثه، أنا أقصد الحمل الأول لما كانتي لسه 16سنة...
شحب وجهها فجأة، بينما مال رشدي للأمام وهو يضيف بجدية: أوعي تكوني لسه مصدقة إنك سقطتي عشان سنك كان صغير والكلام الفارغ ده...
بدأ قلبها يخفق بعنف، نظر مباشرة إلى عينيها وقال دون تردد: إللي حصل وقتها إنهم سقطوكي عمد..
اتسعت عيناها بصدمة، فتابع: صافيناز كانت بتحطلك حبوب في العصير علشان تنزفي بالاتفاق مع الهانم، والدكتور كان متفق معاهم على كل حاجة.
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها، وقالت نبرة مهتزة: أنت بتقول إيه؟!
خرج صوتها مرتجفا ومختنقا، أما رشدي فظل ينظر إليها بثبات: بقولك إللي حصل صافيناز وفايزة سقطوكي، وده إللي ممكن يحصل تاني لو طلعتي حامل.
