رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم)الفصل الثامن والثلاثون38 بقلم ليله عادل

رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم)الفصل الثامن والثلاثون38 بقلم ليله عادل
{ الماضي لا يموت... بل ينتظر، وكل ظلم تظنه انتهى، يعود يوما في صورة ثمن تدفعه من أغلى ما تملك، فالانتقام الحقيقي ليس دائما دما... أحيانا يكون حقيقة تُكشف، وقناعا يسقط، وشخصا أحبك يوما يتركك بعدما عرف من أنت، لهذا؛ لا تستهن بأي وجع زرعته في قلب غيرك، فلكل فعل ثمن، ولكل ظلم حساب، وما تزرعه اليوم... ستدفع ثمنه غدا.}
ليلةعادل✍️ 🌹 
            الفصل الثامن والثلاثون❤️🤫

               [بعنوان: ثمن ما زرعته]

همس بصوت خرج كالفحيح: أنت...!

في اللحظة نفسها، شعر تمساح بتجمد الدم في عروقه، وفجأة صاح سليم بكل ما في صدره من غضب ببحه رجولية جهورة اهتزت لها أرجاء المكان: يا ابن الكلب!

لم يمهله ثانية واحدة، وانقض عليه، يمسكه من رقبته، ثم ألقاه أرضا بحركة عنيفة، وأنهال عليه باللكمات بلا رحمة: عملت كده ليه؟! ليه؟! 

خرج كل سؤال يرافقه لكمة أقوى من التي قبلها.

وفجأة أخرج مسدسه، وأمسك يد تمساح بعنف وهو يصرخ بعينين غامت بسواد خطر: مش هي دي الإيد إللي طعنت مراتي؟! مش دي الأيد إللي بسببها بنتي ماتت..

وفجأة وفي لمح البصر، ضغط على الزناد، فانطلقت رصاصة استقرت في كفه.

صرخ تمساح، واتسعت عينا مكي بصدمة، بينما ظل الجميع يحدقون فيهم بعدم فهم لما يفعله.

كانت أنفاس تتعالى بعنف، وقد غرقت عيناه في سواد مخيف، رفع المسدس بيده المرتجفة وصوبه نحو رأسه، وكأنه على وشك أن يطلق الرصاصة التالية، لينهي كل شيء.

صرخ تمساح، واتسعت عينا مكي، وهو يقول بفزع خاشيا أن يفعل شي يندم عليه: سليم...!

بينما شد سليم على أسنانه بقوة، حتى برز فكه، محاولا أن يتمسك بآخر خيط من عقله، بذلك الوعد الذي قطعه لماسة أمس بألا يلطخ يديه بالدماء، ظلت تتعالى بعنف، وغرقت عيناه في سواد مخيف، وكأنه على وشك أن يترك رصاصة تستقر في رأسه في أي لحظة، بينما ظل الجميع يحدق فيه بترقب.

ومن شدت الغضب وعدم استطاعته قتله، أطلق صرخة رجولية جهورية هزت أرجاء المخزن، ثم رفع المسدس إلى أعلى، وضغط على الزناد فانطلقت الرصاصة لتستقر في سقف المخزن، فتردد صداها في المكان، بينما ارتجفت القلوب من هول غضبه.

تنهد مكي بارتياح خافت، فقد خشى أن يستسلم سليم لغضبه، ويقتله ويضيع معهم آخر خيط قد يقودهم إلى الحقيقة.

ابتعد سليم بضع خطوات، وأخذ عدة أنفاس متلاحقة، يحاول أن يستعيد هدوءه، كان يعلم أن الغضب لن يعيد له حقه، وأن عليه ارتداء ثوب الهدوء مهما اشتعلت النيران داخله، حتى ينتزع الحقيقة بنفسه.

بينما، كان تمساح يصرخ من الألم، ممسكا بكفه التي اخترقتها الرصاصة، بينما ارتجف جسده من الخوف وهو ينظر إلى سليم، وكأنه يرى الموت واقفا أمامه.

اقترب مكي منه وحاول فهم سبب غضبه: مالك يا سليم؟ إيه إللى حصل؟! مين ده؟ 

لكنه لم يرد فقط مرر يده على وجهه بعنف، محاولا محو غضبه، ثم التفت صوب تمساح وقال بأمر حاد: وقفوه عدل.

أسرع الحراس، وأمسكوا بتمساح من ذراعيه، وأوقفوه بالقوة حتى أصبح واقفا أمام سليم مباشرة.

اقترب منه ببطء، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة، ثم قال بهدوء خطر: أنا لو قتلتك دلوقتي هبقى ريحتك، لكن ليه أريحك؟ 

كان تمساح يتلوى من شدة الألم، والدموع تنهمر من عينيه دون إرادة..

نظر إليه سليم بإمالة خفيفة من رأسه، وتابع بصوت هادئ أثار الرعب: وجعك؟ أحسن، أنا مستمتع بصرخاتك وألمك...

ثم ارتسمت على شفتيه الابتسامة نفسها التي كان تمساح قد سخر بها منه من قبل، وأضاف: فاكر الابتسامة دي؟ النهاردة جاي أردهالك...

وفجأة أمسك بيده المصابة وضغط عليها بعنف، فتعالت صرخة تمساح الرجولية تهز أرجاء المكان.

سليم بابتسامة تشفي: اصرخ، أصرخ أكتر، صوتك مستفز، بس النهارده عاجبني...

أخذ يحرك رأسه ببطء، وعلى شفتيه ابتسامة باردة، وكأنه يستمتع بتلك الصرخات، كأنها معزوفة جميلة تطرب أذنيه، ثم همس بهدوء مخيف: جميلة، جميلة جدا، بس خلاص زهقت.

وفجأة تبدلت ملامحه، وأشار برأسه إشارة صغيرة، تبعتها حركة حاسمة من يده، وكأنها أمر صامت لا يحتاج إلى كلمات، فتقدم أحد الحراس ليكمم فم تمساح.

وما إن وضع الحارس يده على فم تمساح، حتى عاد سليم يتحدث بذلك الهدوء المرعب، وعيناه السوداوان لا تعرفان الرحمة: أسمع بقى، أنت كده كده ميت، فتحب تتدفن لوحدك، ولا تاخد عيلتك كلها معاك؟

ساد صمت ثقيل.

ثم أكمل بنبرة باردة: يعني أجيب الست الحاجة والحاج، ومراتك وعيالك، وإخواتك، بمرتاتهم وعيالهم، وسلسال عيلتك كلها، اوقفهم واحد واحد قدامك وأضرب كل واحد رصاصة في نص دماغه، أو يمكن أدبحهم بالسكينة، إيه المشكلة؟

اقترب أكثر حتى أصبح صوته يكاد يلامس أذنه: بنتك ياسمينا مثلا! نجيبها وندبحها!؛ إيه المشكلة؟ ما إنت موت بنتي؟! وطعنت مراتي في بطنها وإنت بتضحكلي بتشفي وكأني قتلتلك قتيل..

رمشت عينا تمساح بضعف ودموع وخوف، بينما واصل سليم دون أن يرفع عينيه عنه: مش كنت بتسألني يا مكي مين ده؟ ده إللي طعن ماسة في بطنها! طعنتين وهو بيتلذذ ..

اتسعت عينا مكي بإدراك، واشتعلت النيران في صدره هو الآخر، وتمنى لو ينقض عليه الآن ويطبق أصابعه حول عنقه، وينتزع منه الحقيقة قبل أن ينتزع روحه.

كان تمساح يتمتم من أسفل يد الحارس الذي يكتم أنفاسه، لكن سليم لو يهتم لتمتمته ونظر إليه ببرود، وهو يقول بصوت خرج كالفحيح: بص بقى عندي ليك عرض كومبو ميترفضش، لو عايز مراتك وعيالك وإخواتك يعيشوا هتقول كل إللي عندك، إنما لو فضلت ساكت هخليها مدفنة جماعية، ونخلص من نسلكم النجس ده، أصل إللي يعمل كده في ست حامل يبقى أكيد نسله نجس..

كان تمساح يبكي وقد أنهار تماما من الرعب، ثم حرك وجهه بصعوبة، يشير أنه يريد أن يتكلم، أومأ سليم للحارس، فرفع يده عن فمه فورا.

انهارت دموع تمساح وهو يلهث، ثم هتف بارتجاف: والله، والله ما أعرف أنت بتتكلم عن إيه.

وجه له سليم لكمة استقرت في بطنه، جعلته ينحني وهو يلهث من شدة الألم، جذبه سليم من خصلاته وهو يهتف: أنا هنا مش بديك اختيار، أنطق! مين إللي وراك؟ وعملتوا كده ليه؟ بدل والله العظيم هجيبهم دلوقتي حالا ساعتها مش هتلحق حتى تندم.

لكنه لم يجب... ظل يلهث فقط، وعيناه تتحركان في ذعر.

شهق عدة مرات، ثم قال بصعوبة: عماد هو إللي اتفق معايا، عشان اقتل أخوك.

انفرجت شفتا سليم عن ضحكة جانبية خالية من المرح: معلومة قديمة...

وفجأة اختفت الابتسامة من وجهه تماما، وانقلبت ملامحه إلى قسوة مخيفة.

انحنى نحوه، وقبض على ياقة قميصه بعنف، وصاح: أنا عايز أعرف حوار الحادث.

صاح مكي وقد نفد صبره: سيبهولي يا سليم، وأنا هنطقه.

ولم ينتظر ردا، بل أندفع نحوه كالإعصار، وإنهال عليه بلكماته بعنف شديد، لم تكن ضربات رجل غاضب فحسب، بل كانت ضربات صديق رأى أخاه يرقد 4 أشهر كاملة بين الحياة والموت، وابنة قتلت لجريمة لم ترتكبها قط.

كان يلكمه ويصرخ في وجهه: أنطق! مين إللي وراك؟! أنطق يا ابن الـ...!

تهاوى تمساح أرضا تحت وطأة الضربات، يحاول حماية وجهه دون جدوى، بينما أستمر مكي ينهال عليه، وقد فقد السيطرة على نفسه تماما.

وبعد لحظات، أمسكه سليم من كتفه وجذبه بقوة إلى الخلف: خلاص يا مكي... استنى.

كان مكي يلهث بعنف، وعيناه تقدحان شررا، بينما يحاول الإفلات من قبضة سليم.

أردف سليم وهو يثبت نظره على تمساح: ينطق الأول وبعدها أعمل فيه إللي أنت عايزه.

اقترب من تمساح الذي بدا وكأن كل ما يملكه من قوة يذوب أمام تلك النظرة السوداء التي يرمقه بها سليم، ابتلع ريقه بصعوبة، وقال بلهاث: اسمه دسوقي، الناس كلها كانت بتناديه المعلم، كان بيغير أماكنه كل شوية، ومحدش كان يعرفله عنوان ثابت.

ظل سليم صامتا، يراقبه دون أن يرمش، فتابع تمساح بسرعة، وكأنه يخشى أن يتوقف فيقتله: كنا بنتقابل معاه في مخزن قديم أو قهوة، كل مرة مكان غير التاني، الفلوس كانت بتتسلم كاش، ومكنش بيسيب وراه أي أثر.

سأله سليم ببرود: شكله؟

أغمض تمساح عينيه يحاول التذكر: في الخمسينات... طويل، وعنده دقن خفيفة فيها شعر أبيض، وإيده الشمال فيها حرق قديم وكان دايما لابس خاتم فضة كبير.

ألتفت سليم إلى عرفان: سجل كل كلمة.

أومأ عارف في صمت، بينما عاد سليم ببصره إلى تمساح: كمل.

ارتجف تمساح وهو يقول: والله ده كل إللي أعرفه، أقسم بالله، إحنا مجرد منفذين، عمره ما قال مين إللي بيدفع ولا لمين بيشتغل..

ساد الصمت لثواني.

ثم انحنى سليم نحوه، وتساءل بهدوء خطر: آخر مرة شوفته إمتى؟

أجابه بنبرة محشرجة: قبل العملية بيومين، بس هو اتقتل ياباشا بعد العملية بيوم..

لم يتفاجأ سليم، بل سأل: اتقتل إزاي؟

هز تمساح رأسه بعجز: معرفش، سمعنا بعدها إنه اتصفى، وكل واحد فينا خاف واستخبى.

ظل سليم يحدق فيه طويلا، ثم سأله: يعني إللي وصلكم مات، وإللي فوقه محدش يعرفه؟

أسرع تمساح يهز رأسه: والله العظيم لو كنت أعرف كنت قولت، أنا مليش مصلحة أخبي، بعدين يا باشا أنت شواف وعارف إن أحنا بيترميلنا فتافيت المعلومات، بس اللي اعرفه، إن كل إللي كان بيفكر يفتح بوقه بيتصفى، زي دغمش لما حب يقولك على الحادثة.

نظر إليه مكي باحتقار، ثم قال ببرود: تعرف دغمش منين؟

ارتجف تمساح، وانهمرت دموعه وهو يهز رأسه بسرعة: صاحبي، هو إللي كان سايق العربية! والله العظيم ده كل إللي أعرفه، وحياة حبيبك النبي يا باشا سيبني، أنا مليش دعوة ورحمة بنتك، سيب مراتي وعيالي، هما مالهمش ذنب، أرحمني.

سليم بصوت بارد خالي من أي شفقة: أرحمك؟ وأنت مرحمتنيش ليه؟ 

صرخ تمساح متوسلا: عيالي ملهمش ذنب والنبي يا باشا سامحني.

ظل تمساح يبكي ويتوسل، لكن سليم لم يتغير وجهه.

استدار نحو الرجال وقال بهدوء مخيف: أنا كده أخدت إللي عايزه... 

ثم أشار إلى تمساح، وتابع ببرود قاسي متحدث الحراس: اعتبروه من دلوقتي بتاعكم، أعملوا فيه إللي إنتوا عايزينه، لحد ما أبلغكم بالأوامر الجديده.

قال كلماته وتحرك مبتعدا بخطوات ثابتة، دون أن يلتفت خلفه.

وما إن غادر، حتى التف حوله الحراس جميعا بنظرات مليئة بالغضب، ثم انقضوا عليه دفعة واحدة، بالأقدام واللكمات بلا رحمة، وكأن كل منهم يفرغ غضب سنوات، وينتقم ممن كان سببا في عذاب رئيسهم وكل ما مر به.

بينما ارتفعت صرخات تمساح في أرجاء المكان.

في الخارج.

قال مكي وهو يسير بجواره: لو كان عندنا 1% شك إن عماد له يد في الجزء التاني من الحادثة، كدة اتأكدنا..

أومأ سليم برأسه، وعيناه تشتعلان بعزم بارد: باقي خطوة واحدة بس، نعرف عماد كان متفق مع مين من المافيا؟! وساعتها هوريهم مين هو سليم الراوي.

توقف لثانية، ثم أكمل بصوت منخفض لكنه يحمل 
وعيدا واضحا: ومش هرحم حد.

اومأ له مكي بهدوء: بس بالعقل يا سليم.

أجابه بثقة قاتمة: أكيد... بالعقل.
❤️____________بقلمي_ليلة_عادل.

في أحد المستشفيات الحكومية،2ظ

جلس مصطفى داخل مكتب المدير، يتبادلان الحديث حول ترتيبات العمل خلال الفترة المقبلة، وبعد أن انتهيا، نهض المدير يصافحه.

المدير: خلاص تمام يا دكتور، إن شاء الله من أول الأسبوع الجاي تبدأ شغلك.

ابتسم مصطفى وهو يصافحه: إن شاء الله.

وقبل أن يغادر، قال المدير: فيه مؤتمر طبي مهم جدا يوم الخميس في الساحل، إيه رأيك تحضره؟ هيفيدك كتير

توقف مصطفى يفكر لثوني: هشوف كده، وإن شاء الله أرد عليك.

أومأ المدير: تمام، لو أكدت حضورك بلغني عشان أسجل اسمك، وكمان تقدر تاخد معاك اتنين أو تلاتة مرافقين.

مصطفى: تمام.

ودعه ثم غادر المستشفى.

وصل إلى سيارته، وكاد يفتح الباب، لكن انتبه إلي بائع يقف بالقرب من البوابة، يعرض أساور وإكسسوارات بسيطة ومن بينها ... لمحت عيناه سوارا بسيطا يتوسطه خرزة زرقاء، توقفت يده في الهواء، وسرح لثواني، وعادت به الذاكرة...

فلاش باك

كانت آلاء تجلس معه في حديقة الفيلا، بينما كان يشرح لها أحد الدروس كالعادة.

وفجأة، وهي تجاوب بحماس وتشير بيدها، أنقطع السوار الذي كانت ترتديه.

نظرت إليه بحسرة: أوف

إنحنى يساعدها في جمع الخرزات المتناثرة.

كان سوار بسيطا جدا، مجرد خيط رفيع تتوسطه خرزتان زرقاوان على شكل عين.

ابتسم وهو يجمع القطع: معلش فداكي.

تنهدت بحزن: أنا بحب الإسورة دي أوي.

رفع رأسه إليها: هجيبلك أحسن منها.

ابتسمت بخفة: لو ماما عرفت هتقوللي ده فال وحش وهيحصلك حاجة وكلام قد كدة.

ضحك: للدرجة دي؟

هزت رأسها مفسرة: ماما هي إللي عملاها بإيديها، هي دايما بتقول إن أكتر حد بيحبك ممكن يحسدك من غير قصد، ويصيبك بالعين، فعلشان كده عملتهولي.

ثم ابتسمت وهي تنظر إليه: أنا أصلا مش مقتنعة بالكلام ده، بس بلبسه علشان مزعلهاش.

ظل ينظر إليها بإعجاب: حاجه حلوه جدا إنك تعملي حاجة أنتِ مش مقتنعة بيها، علشان تفرحي حد بتحبيه.

ابتسمت بخجل: دي أمي، مينفعش أزعلها، وبعدين شكله حلو، المهم أوعى تجيب سيره قدامها.

ضحك: خلاص نعملك غيره سهلة، يلا نكمل مذاكرة. 

عودة للحاضر...

ابتسم دون أن يشعر، وأتجه إلى البائع: بكام الإسورة دي؟

اشترى السوار، ووضعه داخل علبته الصغيرة، ثم ركب سيارته وأتجه إلى الفيلا.

هبط من سيارته ودخل يبحث عنها، فلمحها تجلس وحدها أسفل البرجولة في الحديقة.

كانت تمسك كتابا، تذاكر منه بضيق، وهي تزفر كل بضع دقائق.

ابتسم دون أن يشعر، وظل للحظات يراقبها من بعيد وهي عابثة، حتى ضحك في سره.

ثم توجه نحوها: عاملة إيه في المذاكره؟ شايفك بتتخانقي مع الكتاب!!

رفعت رأسها إليه، ثم زفرت باختناق: بجد المادة دي تحرق الدم، مش عايزه تخلص.

جلس على المقعد المقابل لها: هي طويله فعلا، بس أنتِ قدها وهتقدري تلميها، لسه معاكي وقت.

اومأت له بابتسامه: إن شاء الله.
ثم تسألت: عملت إيه في المستشفى؟

أجابها: الحمد لله، خلصت كل حاجة، وإن شاء الله أستلم من أول الأسبوع الجاي.
ثم أضاف: وعندي مؤتمر في إسكندرية كمان، تيجي معايا؟

اتسعت عينيها: مؤتمر إيه؟! أنا عندي مذاكرة قد كده أروح فين؟ أنا بضيع.

ضحك: لا هتيجي، هقول لعائشه كمان تيجي، علشان تغيروا جو شوية.

ثم أشار باصبعه أمامها بحزم: وده قرار مش بخيرك.

ابتسمت باستسلام، لكنها لم تعلق.

حينها أخرج العلبة الصغيرة من جيبه، ومدها إليها: اتفضلي.

نظرت إليه باستغراب: إيه ده؟

ابتسم: هدية.

فتحت العلبة ببطء وما إن رأت السوار والخرزة الزرقاء، حتى اتسعت عيناها بدهشة.

نظر إليها مبتسما: مدام الإسورة إللي كانت فيها العين الزرقا اتقطعت، قولت أجيبلك واحدة جديدة.

رفعت عينيها إليه، وقد غمرتها الدهشة: بجد؟ دي  علشاني أنا؟

غمز لها وتابع: أه، علشان تحميكي من عين الناس إللي بتحبك وممكن تحسدك من غير قصد.

ضحكت بخجل: أنا اتفاجئت بصراحة، شكرا لحضرتك، كلفت نفسك

ابتسم وهو يهز رأسه: إحنا مش كنا تخطينا "حضرتك" دي خلاص.

ضحكت: أيوة، بس بجد شكرا.

مد يده إليها: تعالي ألبسهولك.

مدت يدها بخجل فأمسك السوار برفق، وأغلقه حول معصمها.

ظلت تتأمله بإعجاب: حلو أوي...

ثم رفعت رأسها إليه: بجد شكرا إنك افتكرت.

ابتسم بهدوء: مفيش شكرا.

ثم أشار إلى وجهها: يكفيني إني خليتك تضحكي، وشوفت ضحكتك، أنا من ساعة مادخلت، وأنتِ قاعدة مكشرة ومخنوقة.

ضحكت وهي تنظر إلى السوار: خلاص، مفيش تكشيرة تاني.

نهض يقول: طب أنا هطلع أغير هدومي، وأنزل نكمل مذاكرة، اتفقنا؟

أومأت بابتسامة واسعة: اتفقنا.

وقبل أن يتحرك، قالت بسرعة: على فكرة.

التفت إليها، فرفعت معصمها الذي يزينه السوار الجديد: مش هقلعه أبدا.

اتسعت ابتسامته دون أن يجيب، ثم استدار واتجه إلى الداخل، بينما ظلت آلاء تنظر إلى أثره بابتسامه، ثم خفضت بصرها إلى السوار، وأخذت تمرر أصابعها عليه برقة، وقلبها يمتلئ بسعادة لم تستطع إخفاءها.
❤️_____________بقلمي_ليلة_عادل. 

قصر الراوي،2ظ

دخل عشري إلى الردهة يتبعه أثنان من الرجال، ثم أوقف إحدى الخادمات: صافيناز هانم فين؟

أجابت بسرعة: في أوضتها.

سألها: فيه حد هنا؟!

أجابت: مفيش حد غير ياسين بيه ولوجين هانم.

أومأ برأسه، ثم صعد الدرج حتى وقف أمام الباب.
طرقه طرقات خفيفة، ثم فتحه ببطء.

كانت صافيناز تجلس على حافة السرير، تنظر إلى الفراغ أمامها، بعينين شاردتين، وكأنها لا تشعر بمن حولها.

اقترب منها عشري، وقال بهدوء: صافيناز هانم اتفضلي معايا.

رفعت رأسها إليه ببطء، وظلت تنظر إليه لثواني دون أي رد.

مد يده إليها، فتأملت كفه باضطراب، ثم وضعت يدها في يده دون مقاومة.

ساعدها على الوقوف، فنهضت وخرجت معه من الغرفة بخطوات بطيئة، بينما كان الرجلان يسيران خلفهما في صمت.
مروا بالممرات، ثم نزلوا الدرج، وغادروا القصر دون أن تبدي صافيناز أي اعتراض، أو حتى تسأل إلى أين يأخذونها، كانت تمشي كجسد بلا روح، تستجيب لمن يمسك يدها، ليس أكثر.

بعد دقائق...

توقفت السيارة أمام أحد الأماكن، نزل عشري أولا، ثم فتح الباب الخلفي، وقال برفق: اتفضلي يا هانم...

ظلت جالسة مكانها، تنظر أمامها بشرود، وكأنها لم تسمعه.

تنهد عشري، ثم مد يده إليها: تعالي معايا.

أمسكت يده بهدوء، فانزلها من السيارة برفق، وظل ممسكا بكفها يقودها إلى الداخل.

كانت تسير خلفه بلا أي مقاومة، كجسد تحركه خيوط خفية، لا إرادة له.

خطواتها كانت بطيئة ومنتظمة، وعيناها شاردتان في الفراغ، لا تلتفت يمينا ولا يسارا، وكأنها منفصلة تماما عما يدور حولها، لا تسمع، ولا ترى، ولا تدرك إلى أين تُقاد.

فتح أحد الرجال باب غرفة كانت مجهزة مسبقا، فأدخلها عشري إلى الداخل برفق، ثم أجلسها على الأريكة.

جلست في هدوء تام، وأسندت ظهرها إلى المقعد، وعادت تحدق في نقطة ثابتة أمامها، بينما بقيت ملامحها جامدة، خالية من أي تعبير، وكأن روحها غادرت جسدها، بينما خرج عشري من الغرفة، وأغلق الباب خلفه بالمفتاح.

اقترب منه أحد الرجال، وسأله: نبلغ الباشا إننا جبناها؟

هز عشري رأسه بالنفي: لا هبلغ مكي.

سيارة سليم

انهي مكي المكالمه، ثم التفت إلى سليم: عشري جاب صافيناز، ومي خرجت من المستشفي، هما قاعدين عند أبوها من إمبارح.

ظل سليم ينظر أمامه بشرود: أنا عايز أقول لمي كل حاجة النهاردة، بس هننزل رشدي إزاي؟

فكر مكي لثواني، ثم قال: طب بقولك إيه، ممكن أقعدلك واحد من الرجالة قدام عمارة أبوها، وأول ما رشدي ينزل يكلمني، وساعتها تطلعلها.

هز سليم رأسه نفيا: وإحنا هنعرف منين أصلا رشدي هينزل إمتى؟ وممكن يرجع في أي لحظة؟! 

أشرق وجه مكي فجأة: طب ماتقول لياسين ينزله.

التفت اليه: حلوة الفكرة دي.

وفي الحال أخرج هاتفه وأجرى اتصالا: ياسين، إنت فين؟

جاءه صوت ياسين: في القصر.

سليم بسرعة: طب أسمعني كويس، أنا عايزك تنزلي رشدي وتعطله شويه لحد ما ارن عليك، قوله إنك عايزه في موضوع مهم، ألف أي حوار المهم تخليه يقعد معاك أطول وقت ممكن، فاهم؟

ساد الصمت لثواني، قبل أن يسأل ياسين باستغراب: ليه كل ده؟

أجابه بنبرة حازمة: مش مهم تعرف ليه؟! المهم تعمل اللى بقولك عليه، لو مش عايز تساعدني قول واشوف غيرك.

تنهد ياسين بتردد: حاضر يا سليم، هشوف بس الموضوع مش هيكون سهل، مي لسه خارجة امبارح، وممكن رشدي ميرضاش يسيبها.

اشتدت ملامح سليم، وقال بصرامة: لا، أنا مش عايز أسمع كلمة "صعب" اتصرف يا ياسين، وبعد شوية تكلمني وتقولي إن رشدي نزل يقابلك، فاهم؟

ياسين باستسلام: حاضر يا سليم.

أنهى سليم المكالمة، فنظر إليه مكي وقال: خلينا نستنى مكالمة ياسين.

أومأ سليم بصمت.

ثم سأله مكي: طب، أنت محضر هتقولها إيه؟

ظل سليم صامتا للحظات، ثم زفر ببطء: لا، بس هوريها كل حاجة، وهي تختار بعدها.
❤️_____________بقلمي_ليلة_عادل. 

شقة حاتم،3عصرا.

كان رشدي واقفا في الشرفة، شاردا وهو ينظر إلى الطريق.

اقتربت منه مي، وأسندت رأسها علي كتفه، وقالت بمشاكسة: إيه يا رشروش، واقف لوحدك بتعمل إيه؟

التفت إليها بابتسامة خفيفة: كنت بعمل مكالمة.

عقدت حاجبيها باستغراب: مكالمة إيه؟

تنهد، وقال: أنا مضطر أسيبك شوية، وهروح لجنة.

رفعت رأسها سريعا: تروح لجنة ليه؟

أجابها وهو يتجنب النظر إليها: هسفرها النهاردة، وإحنا نبقى نروحلها بعدين.

عقدت حاجبيها بعدم فهم: وليه منسافرش كلنا مع بعض؟

هز رأسه بتوتر: مينفعش حد يشوفها معانا.

زفرت مي بضيق: يخربيت خوفك من عيلتك! مش عارفة إيه التوتر إللي عايش فيه ده.

أمسك يدها برفق: مي، عشان خاطري سيبيني أعمل إللي أنا شايفه صح.

نظرت إليه للحظات، فهي تتفهم خوفه ولا تريد أن تثقل عليه، فتندهت وسألت بقلق: طب مين هياخد باله منها؟

أجابها بهدوء: شوقي هيسافر معاها، وهناك فيه خدامه هتبقي معاها، مش هتكون لوحدها.

عضت على شفتيها: طب لو اتأخرنا عليها؟

ابتسم محاولا طمأنتها: مش هنتأخر، الموضوع كله هيخلص بسرعه، بإذن الله.

ظلت تنظر إليه في صمت، ثم قالت بخوفت: يعني هي هتسافر النهاردة؟

أجابها بهدوء: أيوه، هلبس وأروح أوصلها وأطمن عليها، وأرجعلك علطول مش هتأخر.

نظرت إليه بتردد، ثم قالت: طب هاجي معاك، أطمن عليها وأودعها.

هز رأسه وقال برفق: مينفعش، أنتِ لسة تعبانة والمفروض ترتاحي، خليكي أنتِ هنا وحاولي تمهدي الموضوع لأبوكي علي ما أجي.

قالت برجاء: علشان خاطري يا رشدي، عايزه اجي معاك أطمن عليها، دى وحشتني أوى.

ابتسم وربت على خدها بحنان: هطمنك عليها أنا، وبعدين مهي خلاص هتبقي معانا علطول بعد كده.

أمسك يدها وضغط عليها برفق، وأضاف مبتسما: أسمعي الكلام بقي، ومتتعبيش نفسك أكتر من كده إنتِ لسة خارجة من المستشفى.

اومأت باستسلام: طب خليني أكلمها لما توصل.

اومأ: حاضر 

وبالفعل بدل ملابسه وغادر.

سيارة رشدي.

كان يقود سيارته متجها إلى جنة، وعيناه تتابعان الطريق في تركيز.

وفجأة، رن هاتفه.

نظر إلى الشاشة، ثم ضغط زر الرد: ياسو، عامل إيه؟

جاءه صوته مبتسما: الحمد لله، أنت أخبارك إيه؟ ومي عاملة إيه دلوقتي؟ حمد لله على سلامتها.

ابتسم رشدي بخفة: الله يسلمك، هي الحمد لله بقت أحسن دلوقتي.

تنحنح ياسين، وقال بجدية: طب أنا كنت عايزك في موضوع مهم جدا، ومينفعش يتأجل.

عقد رشدي حاجبيه: موضوع إيه؟

أجابه: مينفعش في التليفون، لازم نتقابل.

ثم سأله: أنت فين دلوقتي؟

أجابه رشدي وهو يواصل القيادة: عندي مشوار مهم.

ياسين بسرعة: خلاص خلص مشوارك، ونتقابل في الأريزونا، ماشي؟

ازداد استغراب رشدي: طب فهمني طيب إيه الموضوع؟

ياسين بسرعه: لما تيجي هتعرف، مستنيك.

قال كلماته بسرعه ثم أنهي المكالمه، فمد رشدي شفتيه بتعجب، وأعاد تركيزه علي الطريق مره أخري

عند ياسين 

عقب إنهاء مكالمته مع رشدي، اجري اتصالا بسليم.

في ذلك الوقت، كان سليم ومكي يجلسان في مطعم خال من الزبائن ينتظران مكالمه ياسين، بينما انتشر أفراد الحراسة حولهم في المكان.

وفجأه رن هاتف ياسين، فأجاب مسرعا: إيه يا ياسين؟ كل ده؟

ياسين: كنت بفكر في حوار أقولهوله عشان يوافق يقابلني، المهم إنه وافق، هو بره دلوقتي في مشوار، ولما يخلص هيجيلي.

ساد الصمت للحظة، قبل أن يتسأل سليم: متأكد إنه دلوقتي مش عندها؟

تردد ياسين وهو يقول: أيوه، بس أنت ناوي تعمل إيه ياسليم؟

أجابه ببرود: زي ماقولتلك طول معاه على قد ما تقدر، وأول ما تخلص كلمني، ومتسألش كتير.

ياسين بقلق: حاضر يا سليم.

أنهى سليم المكالمة وبدأ بكتابه شيء في هاتفه، فنظر إليه مكي وتساءل: طب وأفرض مجتش بعد الرسالة إللي هتبعتها؟

ارتسمت على شفتي سليم ابتسامة واسعة، وهو يدون الرساله، ثم قال بثقة: هتيجي.

رفع عينيه إليه وأضاف بهدوء: أول ما تعرف إن الموضوع له علاقة برشدي، هتيجي.

توقف لحظة، ثم أكمل بنبرة حملت إصرارا واضحا: ولو مجتش...

أغلق الهاتف بعد أن أرسل الرسالة: هروحلها أنا.

عند مي.

كانت في الصالة تشاهد التلفاز، وتضحك بخفوت علي أحد المشاهد، حتى أضاء هاتفها معلنا وصول رسالة.

التقطته بابتسامه، ظنا منه أنه رشدي، ولكن اختفت ابتسامتها تدريجيا عندما قرأت " مي... أنا سليم،
لو سمحتي عايز أقابلك، فيه موضوع مهم جدا بخصوص رشدي وميستحملش أي تأخير، صدقيني الموضوع حياة أو موت، وأرجوكي متقوليش لرشدي إنك جاية تقابليني، ولا حتى إنك نازلة من البيت. هبعتلك اللوكيشن، أرجوكي متتأخريش."

اتسعت عيناها بصدمة، وأخذت تقرأ الرسالة مرة ثانية وثالثة، وقلبها يخفق بعنف، لم تفكر كثيرا، وضغطت على اسمه واتصلت به فور.

كان سليم يجلس أمام مكي، وعيناه معلقتان بالهاتف.
وفجأة أضاءت الشاشة باسم " مي " 

نظر إلى مكي بابتسامه منتصره: شوفت!

ثم ضغط زر الرد، فجاءه صوتها القلق: موضوع إيه يا سليم؟ ماله رشدي؟

أجابها بهدوء: اهدي، متقلقيش.

أرتفع صوتها بتوتر: يعني إيه مقلقش؟! تبعتلي رسالة تقول فيها "حياة أو موت" وتقولي متقلقيش؟! فيه إيه؟

سليم بنبرة ثابتة: لما تيجي هتعرفي كل حاجة.
ثم أردف بجدية: بس لو سمحتي بلاش رشدي ولا أي حد يعرف إنك جايه تقابليني.

صمت لحظة، ثم أكمل: أنا عارف إنك واخدة عني فكرة وحشة وحقك، لكن فيه حاجات كتير إنتِ متعرفيهاش، ولازم تعرفيها بنفسك.

ابتلعت ريقها بصعوبة: هو... هو رشدي حصله حاجة؟

سليم بسرعة: لا رشدي كويس.

ثم أضاف: بس لازم أشوفك قبل مايرجع.

ضيقت عينيها باستغراب: أنت عرفت منين إن رشدي مش موجود؟

ساد الصمت لثواني، ثم قال بهدوء: متتأخريش يا مي، أنا مستنيكي.

وأنهى المكالمة مباشرة.

عند مي.

ظلت تحدق في الهاتف، وعشرات الأسئلة تدور في رأسها، دون أن تجد إجابة لأي منها.
لكنها لم تستطع الانتظار وارادت الاطمئنان عليه، فاجرت اتصال حتي أتاه صوته مداعبا: إيه يا ميوشي لحقت اوحشك؟ 

تنهدت بارتياح، وتسألت بتوتر: أنت كويس؟ 

استغرب سؤالها وقال: آه كويس، مالك في ايه؟ 

زفرت بهدوء: مفيش يا حبيبي، كنت بشوفك وصلت ولا لسه.

أجابها بابتسامه: لا لسه، بس خلاص اهو قربت.

تمتمت بخفوف: توصل بالسلامه، خلي بالك من نفسك.

ابتسم باتساع عندما أدرك خوفها عليه: حاضر، أنتِ كمان خلي بالك من نفسك علي ما أجي، مش هتأخر عليكي.

أنهت المكالمه، وأغلقت عينيها تزفر ببطء، ثم أعادت خصلات شعرها إلى الخلف بعصبية، وهي تتذكر رسالة سليم " موضوع حياة أو موت..."

ظلت الكلمات عالقة في ذهنها، لم تكن تعرف ماذا تفعل، ولا أي قرار عليها اتخاذه.

فهي لا تثق في سليم، وتحمل داخلها كثيرا من الغضب تجاهه، لكن لماذا سيطلب مقابلتها سرا؟ ولماذا أصر على ألا تخبر رشدي؟

عضت شفتها في حيرة، ثم همست لنفسها: أكيد فيه حاجة مهمة، وإلا عمره ما كان كلمني بالطريقة دي.

أخذت نفسا عميقا، ثم حسمت أمرها أخيرا، واتجهت إلى الغرفة لتبدل ملابسها استعدادا للخروج، والقلق يعتصر قلبها مع كل خطوة.

منزل إسعاد،4ع.

كانت جنة ترتدي ملابس الخروج، وشعرها مصفف بعناية بتسريحة مميزة، جلست على الأرض ترتدي حذاءها الرياضي بحماس واضح.

رفعت رأسها نحو إسعاد تسألها بفضول حماسي: هو رشدي قالك إيه يا تيتة؟

ابتسمت إسعاد بحزن: قالي لبسي جنة علشان هنسافر دلوقت.

سألتها بسرعة: طيب ورحمة فين؟

رمشت بعينيها وقالت بمراوغة: رحمة هتيجيلنا بعدين..

نظرت لها وطالت النظرة ثم قالت: تعالي يا جنة.

نهضت وتوقفت أمامها، فأمسكت إسعاد وجهها بين يديها بحنان، ثم مررت يدها على خدها وهي تقول بتأثر: هتوحشيني وتقطعي بيا والله، بس أعمل إيه مش بإيدي.

ادمعت عيناها رغما عنها، فرفعت الصغيره يديها تمسح دموعها ببراءة وهي تقول: بتعيطي ليه يا تيتة؟ رشدي قالي المكان إللي هتنسافرله حلو خالص، وفيه ألعاب وبيت حلو.

وأضافت بحماس طفولي بريء: وبعدين ماما وبابا هييجولنا هناك.

تبسمت اسعاد: مش بعيط يا حبيبتي، أنا مبسوطة إن إحنا مسافرين. 

عقدت الصغيرة حاجبيها: طب فين شنطتك يا تيتة؟ ليه محضرتيهاش؟

ابتسمت بتوتر: هعملها، مستنية رحمة تيجي تساعدني.

جذبتها جنه بحماس: يلا أنا هساعدك.

وفي اللحظه نفسها طُرق الباب فقفزت جنة بسعادة وركضت نحو الباب وهي تردد: رشدي جه! رشدي جه!

ذهبت وفتحت الباب بسرعة، وما إن رأته حتى تهللت ملامحها: رشدي!

إنحنى وحملها بين ذراعيه: عاملة إيه يا حبيبتي؟

ضحكت بحماس: أنا مبسوطة خالص عشان هنسافر بعيد!

ثم نظرت خلفه بإستغراب: فين مي وماسة؟ ومين عمو ده؟

رمق شوقي بنظرة سريعة ثم أغلق الباب ودخل بها، جلس على الأريكة وأوقفها أمامه، ثم نظر إلى إسعاد: حضرتي شنطتها؟

اومأت بتاييد: آه، كل حاجة جاهزة.

عاد ينظر إلى جنة بإبتسامة حاول أن يجعلها طبيعية: طب يلا يا جنة، علشان منتأخرش.

لكنها ظلت تنظر حولها بحيرة: مش هنستنى مي وماسة ورحمة؟ وتيتة كمان لسه معملتش شنطتها.

صمت لحظة، ثم حك ذقنه بتوتر: لا هما مش هييجوا معانا، إحنا هنسافر لوحدنا.

اختفت ابتسامتها فورا: لا أنا مش عايزة أسافر لوحدنا، أنا عايزة أسافر معاهم.

اومأ بهدوء: مش هينفع يا جنة، هما بعدين هييجوا.

عقدت حاجبيها أكثر: ليه بعدين؟ أنت قولتلي كلنا هنسافر سوا، وبعدين فين شنطتك؟

تنهد محاولا التماسك: بصي أنتِ هتسافري الأول مع عمو اللى بره ده، وبعدها أنا وتيتة ورحمة ومي هنخلص شغلنا ونحصلك.

هزت رأسها وهي تتراجع للخلف بدموع وخوف: لا، أنت بتكدب عليا! أنت هتخليني أسافر الجزيرة البعيدة إللي بيقعدوا فيها العيال لوحدهم!

نظر لها بدهشة: جزيرة إيه؟

بدأت تبكي بخوف حقيقي: تيتة قالتلي إن العيال إللي بيعملوا شقاوة بيروحوا جزيرة لوحدهم ويقعدوا فيها، أنا مش هعمل شقاوة تاني والله! والله هسكت خالص، بس متودنيش هناك لوحدي يا رشدي، وحياتي عندك والنبي!

نهض بسرعة واقترب منها: يا حببتي مفيش الكلام ده، أنتِ مش هتروحي أي جزيرة، أنتِ هتروحي مدرسة حلوة فيها جنينة وألعاب زي ما وريتهالك..

أبتعدت بظهرها وهي تبكي بخوف: لا، أنت بتكدب عليا! هتوديني الجزيرة عشان أنا بعمل شقاوة، كلكم زعلانين مني علشان بعمل شقاوة،  والله ما هعمل شقاوة تاني، والنبي مش توديني هناك يارشدي،  أنا حتى مش هكلمك كتير في التليفون، وهسمع كلام تيتة، هي قالتلي إنك بتضايق لما بكلمك كتير…

شهقت وهي تبكي أكثر: بس أنا بحب أكلمك عشان بحبك يا رشدي، إنت ومي بالنسبالي زي بابا وماما، علشان أنا أصلا مش بكلمهم.

تأثر من حالتها وحاول تهدئتها: جنة أسمعيني طيب..

انفجرت في البكاء وهي تتشبث بملابس إسعاد بخوف طفولي موجع: والنبي يا رشدي متاخدنيش هناك، يا تيتة متخلوهش ياخدني بعيد، والله ما هعمل شقاوة تاني!

كانت كلماتها تخرج متقطعة وسط شهقاتها وهي تواصل: هسمع الكلام، وهاكل الكوسة، وهشرب اللبن، وهاكل البيضة والعسل، وهعمل واجبي أول ما أرجع من الحضانة، وأنام بدري، ومش هتفرج على التليفزيون كتير، هعمل كل حاجة بتحبوها، بس سبوني اعيش معاكم..

إنهارت إسعاد أكثر وهي تستمع لها، وهبطت دموعها دون أن تشعر، فاقتربت من رشدي ترجوه بصوت مرتعش: سيبها يا رشدي، وأنا والله هاخد بالي منها، أنا عارفة إني ست كبيرة وبقصر ساعات، بس هحاول، أو هات حد يساعدني بدل رحمة…

شدت جنة على يد جدتها وهي تبكي: قوليله يا تيتة.

أغمض رشدي عينيه للحظة ثم قال بصوت حاول جعله حازما: مش هينفع يا جنة، أسمعي الكلام علشان مزعلش منك، قولتلك إنتِ هتسافري مكان حلو، وبعد شوية هجيلك أنا ومي، لإن مي تعبانة مش إنتِ عارفة إن عندها واوا؟ أول ما تكون كويسة هنجيلك والله، ومفيش جزيرة، تيته كانت بتهزر معاكي.

إسعاد  بتأيد رغم حزنها: آه كنت بضحك عليكي علشان تسمعي كلامي

اقترب منها وجلس علي ركبتيه امامها، واحاط كتفيها بيديه، وقال بحنو: مش أنتِ بتثقي فيا؟ أنا هكذب عليكي يعني؟ والله مي بس تخف وهجيلك أنا وهي علطول. 

هزت رأسها بعنف: أنت بتكدب عليا زي بابا وماما! كل شوية تقولولي هييجوا ومبييجوش! حتي بطلوا يكلموني، هما مبقوش يحبوني ليه..؟

نظرت له بعينين مليئتين بالخذلان: إنتم كمان مبقتوش تحبوني زيهم؟ طب ليه مش بقيتوا تحبوني؟ أنا بحبكم أوي، ونفسي أعيش معاكم كلكم، وبقعد أرسمكم..

أخذت تبكي بإنهيار وهي ترجوه بصوت موجوع: والنبي يا رشدي متودينيش بعيد، علشان خاطري.

ادمعت عيناه رغما عنه، ولم يحتمل رؤيتها بهذه الحالة، فجذبها الي احضانه، وقال بصوت مبحوحة: هوديكي مدرسة حلوة أحلى من إللي بتروحيها، فيها بيت كبير وشجر وألعاب زي مابتحبي وفيها مطعم بيلف..

بكت أكثر: أنا مش عايزة شجر ولا بيت حلو ولا مدرسة حلوة، أنا عايزة أقعد معاك انت ومي وتيتة ورحمة، وكل أصحابي إللي هنا والميس بتاعتي.

تشبثت بملابسه وهي ترجوه بدموع موجوعة: متودينيش بعيد يا رشدي وحياتي عندك، أنا بحبك والله وهسمع الكلام، ومش هعمل شقاوة، ولا حتى هكلمك في التليفون أنت ومي، هستنى إنتم تكلموني..

لان قلبه لدموعها وتوسلاتها الخائفه، بينما اشتعل في داخله ضجيجا، بين قلب يصرخ به أن يبقيها وترحل مع، وعقل أشد قسوة يدق ناقوس خطر ويجبره علي إبعادها.

ظل غارقا في صراع ثقيل ينهش روحه، وكأنه يقف بين قلبه وعقله في معركة لا تهدأ، كان القرار يكسر شيئا بداخله، لكن دموعها وتوسلاتها جعلت الصراع أكثر قسوة، وكأنها تنتزع منه آخر ما تبقى من تردده.

أخذ نفسا عميقا، ورفع عينيه إلى الأعلى طويلا، كأنه يبحث عن حل لا إجابة له، وفجأة، جالت في خاطره فكرة...

ألا يذهبا إلى المطار سويا، بل يلتقيا داخل الطائرة فقط، ربما بدت الفكرة ساذجة، لكنها قد تكون الحل الوحيد في الوقت الحالي، أو على الأقل تمنحه بعض الوقت حتى يجد حلا أفضل.

تبسم وقال وهو يربت علي خصلاتها المندسه داخل صدره: خلاص يا حببتي، بطلي عياط مش هتسافري لوحدك.

رفعت وجهها عن صدره بلهفة وسط دموعها: يعني مش هتوديني بعيد؟

اومأ بابتسامة: لا هستنى مي تخف ونروح كلنا مع بعض.

شهقت بسعادة وارتمت في حضنه بقوة: أنا بحبك خالص يا رشدي.

بادلها العناق هو الآخر، وكأنه يحاول طمأنة قلبه قبل طمئنتها، بينما كانت هي متشبثة به بكل قوتها.

اقتربت إسعاد منهما، وربتت على كتفه بحنان: زين العقل يا ابني.

ثم أكملت بتأثر: متخافش عليها والله، أنا هاخد بالي منها على قد ما أقدر.

ظل صامتا للحظات، قبل أن يهز رأسه بإرهاق واستسلام، بينما ابتعدت عنه جنه تقول بابتسامه واسعه: أنا مبسوطه أوي إني مش هسافر لوحدي، وهسمع الكلام والله ومش هعمل شقاوة ولا هكلمك أنت ومي كتير، هستني أنتم تتصلوا، بس كلمني علطول، مش تقعد يوم ويوم 

رفعت يديها الصغيرتين أمام وجهه وهي تقول بتذمر طفولي: وكل دول متكلمنيش!

ابتسم رغم توتره وربت على شعرها: لا هكلمك كل يوم، وهخلي مي تكلمك كمان..

ثم وقف وقال: يلا روحي غيري هدومك، عشان أجيب أكل ونلعب سوا.

هزت رأسها بحماس: ماشي!

ركضت للداخل، بينما ألتفت نحو إسعاد وسألها: هي رحمة كانت عارفة؟

هزت رأسها بسرعة: لا يا ابني، أنا اتفاجات لما كلمتني، جنة كانت عمالة تقولنا إنك عايز تسفرها لما جيتلها آخر مرة، وإحنا افتكرناها بتتخيل.

تنهدت بحزن: أكمنها يعني ساعات تيجي تقول بابا وماما قعدوا يتكلموا معايا بالليل، وساعات تقول رشدي ومي جم قعدوا معايا، وإحنا خدنا على خيالها يعني.

ثم نظرت له بقلق حقيقي: بس لما كلمتني النهاردة وقولتلي إنك هتسفرها، فهمت إنها كانت بتقول بجد، والله قلبي اتخلع..

اقتربت منه أكثر وقالت برجاء صادق: سيبهالي يا رشدي بيه، أنا بحبها، دي عوض ربنا ليا عن علي ابني إللي راح، أنا بعتبرها حفيدتي بجد، مش بنت يتيمة بربيها.

خفض عينيه للحظات، ثم قال بهدوء متعب: أنا عارف والله، بس أنا مسافر ومي وعايزها تبقي معانا، وبعدين أنا بس أظبط أموري هناك وهبعتلك تيجي تعيشي معانا..

وفي تلك اللحظة خرجت جنة بعد أن بدلت ملابسها، تبتسم بحماس: يلا يا رشدي! أطلب أكل حلو ونرسم سوا!

رتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة رغم كل ما يثقله: تحبي نطلب إيه 

ردت بحماس: بيتزا.

اومأ بإبتسامة: ماشي نطلب أحلى بيتزا، بس ناكل ونرسم بسرعة؛ علشان مش هعرف اتأخر على مي.

❤️____________بقلمي_ليلة_عادل.

في المطعم 3م

كان سليم لا يزال جالسا في المطعم، ينتظر وصول مي، أمامه لابتوب مفتوح، وعدة ملفات وأوراق وصور، وهاتفه موضوع بجوارها، وكأنه أعد كل ما يمكن أن يثبت الحقيقة التي جاء ليكشفها.

جلس  مكي إلى جواره، يتابع الباب بين الحين والآخر.. وبعد دقائق...دخلت مي.

بدت ملامحها متوترة، وعيناها تبحثان عن سليم حتى وقعتا عليه.

وقف سليم فورا لاستقبالها: حمد لله على السلامة يا مي.

اقتربت منه بخطوات سريعة، وقالت بلهفة: في إيه؟ إيه إللي حصل؟ ممكن تفهمني بقى إيه الرسالة دي؟

أشار إلى المقعد المقابل له: أقعدي الأول وأهدي.

حدقت فيه بإنفعال: أهدى؟! أهدى إزاي؟

أجاب بهدوء:  لازم تهدي لإننا بالطريقة دي مش هنعرف نتكلم.

زفرت باختناق، ثم جلست وهي لا تزال تنظر إليه بقلق: اتفضل... قول.

نظر مكي إلى سليم، ثم قال: أنا هستناك هناك.

أبتعد، تاركا لهما بعض الخصوصية.

جلس سليم أمامها، ثم تشابكت أصابعه فوق الطاولة، وقال بهدوء جاد:  بصي يا مي، أنا هدخل في الموضوع على طول، مش هلعب بيكي، ولا هلف وأدور، مع إني كان يحقلي أعمل كده!  لكن أنا مش هحاسبك على حاجة إنتِ مالكيش ذنب فيها.

نظرت إليه بتعجب أكمل: إنتِ وقفتي جنب ماسة في أوقات كتير، وكنتي بتدافعي عنها، علشان كدة مستحيل أتلاعب بيكي..

عقدت حاجبيها بعدم فهم، أنا مش فاهمة إنت بتتكلم عن إيه؟!

نظرت من حولها متسائلة: وبعدين هو المكان فاضي كده ليه؟!

تنهد موضحا: عشان نعرف نتكلم براحتنا؟!

ردت بضجر: ويا ترى عايز تتكلم معايا في إيه؟! وإيه هو الموضوع الخطير إللي فيه حياة أو موت؟!

تنهد ببطء وقال: الموضوع باختصار، كل إللي إنتِ شوفتيه بيني وبين ماسة الفترة إللي فاتت كان تمثيل.

عقدت حاجبيها تحاول أن تستوعب، بينما ظل هو يراقب ملامحها للحظات، ثم مال بجسده قليلا إلى الأمام واصل مفسرا بنبرة باردة: يعني أنا ولا كنت بضرب ماسة، ولا كان بينا المشاكل إللي إنتِ شوفتيها، كل ده كان تمثيل، ومكياج اتفاق.

سألته بتعجب: وتعملوا ليه كدة مش فهمه؟!

أجابها بتوضيح: أنا وماسة كنا متفقين على كل حاجة، كنا عاملين المسرحية دي كلها قدام العيلة، عشان يصدقوا إننا بقينا ضد بعض، ونعرف نوصل للحقيقة من غير مايشكوا فينا..

هزت رأسها بعدم استيعاب قالت بحدة:. أنا مش فاهمة حاجة؟! تمثيل إيه؟! وحقيقة إيه؟! وأنا دخلي إيه في الموضوع ده عشان تجيبني وتقول لي فيه مصيبة! ماتدخل في الموضوع على طول زي مابتقول.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة، قائلا مرارة: الموضوع أكبر بكتير مما تتخيلي، وبدأ من يوم ما اخترت أتجوز ماسة وهي مجرد بنت خدامة وأهلها ناس على قد حالهم، كنت فاكر أسوأ حاجة ممكن تحصل، الحاجات إللي حصلت يوم فرحنا، لما الهانم  اتفقت مع مأجورين عشان يقتلوا ماسة، ولما سبت كل حاجة وبعدت عن العيلة، لكن إللي حصل بعد كده كان أسوأ بكتيييير، برغم ذكائي وقوتي ماتوقعتش إن عيلتي إخواتي وأبويا وأمي يعملوا كده؟!

صمت لثوانٍ، ثم تابع بمرارة تخرج من عينه قبل لسانه: أنا دفعت تمن الاختيار ده... وماسة دفعت معايا..

ابتلع غصته حاول أن يبدو متماسكا لا يضعف وأن يحافظ على هيمته وقوته تابع: بصي يا مي... كل إللي إنتِ شايفاه قدامك، من ورق، ولاب توب، وصور... كل حاجة فيهم، ليها حكاية وجواها دليل 

عقدت حاجبيها تحاول أن تستوعب ماذا يقول؟! فهي تشعر أن هناك شيئا كبيرا لكنها ما زالت لم تفهم ما علاقة رشدي بكل هذا

 قالت بنبرة محشرجة قليلا: حكاية إيه؟ ودليل ايه؟! ايه دخل رشدي بكل ده؟!

ثبت عينيه عليها، وقال بصوت هادئ: حكاية
ماحصلتش حتى في المسلسلات،أنا دلوقتي لو رميت قدامك الأدلة مرة واحدة،  مش هتصدقي،  اما رشدي دخلة إيه؟!
مد وجهه بمرارة واصل: تحبي نبتدي منين؟! من خيانته ليكي ليلة حفلة العزوبية؟ ولا أحكيلك من البداية، لما رشدي هدد ماسة بأهلها، وخبط أبوها بالعربية، عشان تكست، عشان يجبرها تبعد عني وتعكنن عليا حياتي، على أمل أكرهها ونسيب بعض؟

بدأت ملامح مي تتغير تدريجيا، وقد ارتسمت الصدمة على وجهها مما تسمعه. ورغم محاولتها التماسك، فضحت عيناها اضطرابها، وعكستا كمَّ الصدمة والحيرة التي اجتاحتاها.

واصل، وصوته لا يزال هادئا، لكنه يحمل ثقل سنوات كاملة من الألم: ولااا لما أخويا، وأمي، وأختي قعدوا مع بعض واتفقوا يقتلوا مراتي وهي حامل، وفاضل لها عشر أيام وتولد... علشان كانوا شايفين إن التخلص من ماسة هو أسهل طريق للتخلص مني؟
غير انه اصلا رشدي قتل السواق لانه رفض يخبط العربيه لما لاقاني فيها، ولا لما شافني خارج أنا وهي من العربية سلام وشاف العصابة، عماله تتدبح فينا مافكرش حتى يرفع المسدس ويدافع عننا

مالت شافتيه بإبتسامة بسخرية: ولا لما ضحك عليكي وقالك إني ضربته علشان كان بيدافع عن ماسة، والحقيقة إنه كان بيخنقها، لأنها هددته إنها هتحكيلك كل حاجة؟  لما عرفنا إنه كان عارف إنهم لفّقوا لها قضية زنا... وسكت، سابها تواجه كل ده لوحدها، وهو عارف الحقيقة من أولها لآخرها...

هز رأسه بمراره: ولا احكيلك عن معرفته باتفاق امي واختي علي تسقيط ماسة في حملها الأول، ولا عن معرفته باتفاق الهانم والباشا علي قتل ماسة علشان يموت سرهم معاها،  وسكت لانه جبان، احكيلك عن إيه ولا ايه؟ 

سكت للحظة، ودقق النظر في ملامحها، يترقب أثر كلماته عليها، محاولا أن يلتقط أي تغير في تعابير وجهها.

فوجدها تائهه ومضطربة، وكأنها تعيش كابوسا سيئا وتحاول بشتى الطرق الاستيقاظ منه. كيف له أن يتهم رشدي، زوجها، بكل هذه الأفعال المشينة؟ لا بد أنه يكذب.
وعلى الفور تمسكت بهذا الاحتمال، رافضة تصديق أي كلمة. هزت رأسها بعنف واضطراب، وهي تردد بصوتٍ يعلو مع كل كلمة:

قالت بصوت مرتجف امتزج بالغضب: مستحيل... مستحيل أصدق إن رشدي يعمل الحاجات دي! ده جوزي... وحبيبي! انت كداب 

 ارتست بابتسامة واسعة ساخرة:  كنت متوقع ده، وإلا مش هتكوني مي اللي اعرفها، خلينا نمشي واحدة واحدة، وبالأدلة والبراهين، أصل واحدة عرفت إن جوزها مدمن وسامحته بكل السهولة دي! مش هيكون سهل عليها تصدق أي كلام أقوله، ولا تصدق إن جوزها خانها ليلة فرحهم.

رافعت حاجبها بستنكار، ثم أطلقت ضحكة ساخرة قصيرة، وهزت رأسها بعدم تصديق، وقالت:
إيه العبط إللي إنت بتقوله ده؟! خيانة إيه؟ وضرب مين؟ وزنا إيه؟ وحادثة إيه؟ أنا مش فاهمة أي حاجة! عايز تفهمني إن رشدي ليه علاقة باللي حصل لك إنت وماسة؟! ومطلوب مني بكل سذاجة أصدق الكلام ده؟! أنا جيت هنا فاكرة إن عندك حاجة تخص رشدي، مش عشان تحكيلي كلام مالوش أي معنى!

توقفت بضجر شديد وهي تقول: أنا أصلا غلطانة إني بتكلم مع واحد زيك..

كادت أن تتحرك لكن أوقفها حديثه البارد بشكل مستفز: أنا أصلا... ماطلبتش منك تصدقيني..

زم وجهه وهو يتابع بهدوء بارد يحاول استفزازها لتعود: كنت قدر أوصلك للحقيقة بنفس الطريقة إللي رشدي وصل بيها لماسة... بالتلاعب والكذب والتهديد وصدقيني، أنا أعرف أعمل ده كويس أوي ..

رفع عينيه إليها وقال بفحيح: لكن الفرق بيني وبينه... إني مش هخلط الحقيقة بالكذب، ولا هاهددك علشان تصدقيني..انا هوريكي رشدي على حقيقتة، حقيقته اللي خيالك نفسه مستحيل كان يقدر يتصورها..

صمت لحظة، ثم أردف: ومش هقولك: "لو بلغتي رشدي هأذي أبوكي"... زي ما هو عمل مع ماسة لما هددها بأهلها وخبط أبوها بالعربية علشان يسكتها..

اتسعت عينا مي بصدمة، وقالت بانفعال: إنت بتقول إيه؟! اسكت بقي وبطل كدب حرام عليك.

أجابها بإبتسامة باردة: أنا بقول الحقيقة... مش أكتر من الحقيقة اللي مش قادرة تسمعيها...

اومأ برأسه بعدم اهتمام: وتصدقيها أو ماتصدقيهاش، ده قرارك، تكملي مع رشدي أو تسيبيه، ده قرارك برضوا، أنا مش جاي أقرر عنك..

توقف أمامها مباشرة،  ونظر داخل عينيها بثبات، وأكمل هو يرز الشك داخلها: أنا كل إللي عايزه إنك تعرفي مين الشخص إللي عايشة معاه، وبعدها، أعملي إللي إنتِ شايفاه صح.

جزت على اسنانها بضجر: أنا لسه مش فاهمة إنت عايز توصل لإيه؟ 

مد وجهه ببساطة: عايز أوصلك لحقيقة واحدة..

توقف لثانية، ثم أكمل: إنك مخدوعة في رشدي..

ارتسمت الصدمة على وجهها، بينما تابع: وإنه كان سبب رئيسي في دمار حياتي أنا وماسة، وإن أغلب المصايب إللي حصلتلي كانت من ورا أفكاره.القذرة

ضيقت عينيها بضيق وقالت بثقه كاملة: و قولتك إنت كداب، وإني مستحيل اصدق كلمة منك، وأنك بتحاول تشوه صورته وبس.

اومأ برأسه وهو يشير إلى اللابتوب بشيطانية: علشان كده مش هقولك صدقيني، هقولك اتفرجي، ولو بعد أول خمس دقايق حسيتِ إن أنا بكذب، أمشي، وأنا مش هوقفك، وبعدين أنا هكذب عليكي ليه؟! هكسب إيه؟! جربي مش هتخسري حاجة؟! 

جلس مرة أخرى في هدوء، ثم فتح اللابتوب ببطء، وكأنه يعرف جيدا من أين يبدأ وكيف يهدم كل ما تؤمن به. لم يكن مرتبكًا أو مترددا، بل كان يتصرف بثقة شخص يمسك بكل الخيوط بين يديه، ويعلم أن الحقيقة، مهما كانت قاسية، ستكون كفيلة بإسقاط أوهامها وجعلها تصدقه في النهاية.

كانت مي لا تزال تنظر إليه بغضب وعدم تصديق، لكنه لم يمنحها الوقت لتستعيد هجومها أو تنهي الحديث، كان يعرف أن أول دليل هو الأصعب، فإذا كسر حاجز الإنكار الأول، ستجلس لتسمع الباقي بنفسها.

فتح أول ملف، ثم رفع عينيه إليها، وقال بإبتسامة جانبية حملت قدرا من السخرية والثقة:
إنتِ عارفة يا مي، أكتر حاجة ساعدتني النهاردة إنك سامحتي رشدي بسهولة بعد إللي اعترفلك بيه، وقتها عرفت إن لو جبتلك كلام بس، مش هتصدقيه.

حرك اللابتوب نحوها قليلا، ثم أردف: علشان كده أنا مجتش أتكلم، أنا جاي أخلي الأدلة هي إللي تتكلم..

ضغط زر التشغيل، ثم قال بهدوء وهو يثبت عينيه عليها: تعالي، نبدأ من ليلة حفلة العزوبية،من أول خيانة عملها ليكي، أعتقد دي أكتر حاجة ممكن تكسر أي ست، إنها تعرف إن جوزها، قبل فرحهم بليلة واحدة، خانها، بجد حاجة تقرف...

هز رأسه بسخرية، ثم أردف بصوت خافت: مأقدرش يتحمل حتى كام ساعة، بس هو ده رشدي، لا جديدة عليه، ولا متفاجئ منه..

وبالفعل ظهر رشدي وهو بين أحضان نورهان، بالفيديو وهو يقومون بعلاقه محرمة..

اتسعت عيناها تدريجيا، بصدمة، همس دون أن ينظر إليها، وقال بفحيح أفاعي شيطانية: دي نورهان، المفضلة بالنسبة لرشدي، وعلى فكرة، دي ماكانتش آخر مرة...

ضغط زرا آخر، فظهر مقطع جديد: فاكرة اليوم إللي اكتشفتي فيه إنه مدمن؟ بعد ماخرج من عندك، راح يقابلها، بدل مايفكر إزاي يصالحك، ويصلح اللي عمله

تابع بلؤم خبيث يستفزها: يعني حاجة صعب اوي أنا لو مكانه افكر اصلح غلطتي ازاي؟! لكن اروح اخونك، ولسه مكملتوش شهر.. بجد يعني مش عارف اقولك ايه؟!

ضغط زر التشغيل. في اللحظة التالية بدأ الفيديو يُعرض أمامها.

, اتسعت عيناها كادتا تخرجان من محجريهما، وتسارعت أنفاسها بعنف، بينما أخذ قلبها يخفق بقوة مؤلمة، حتى خيل إليها أنه سيتوقف من شدة الوجع
لم يخطر ببالها، ولو للحظة واحدة، أن يكون رشدي قد خانها...

لم تتخيل أبدا أن يغرس ذلك الخنجر في قلبها، وفي أي وقت؟!

ومتى؟! في ليلة زفافهما، وبعد أقل من شهر على زواجهما، كان وقع الحقيقة أقسى من أن يستوعبه عقلها، وأثقل من أن يحتمله قلبها.

اخذت تحدق في الشاشة، وكل ثانية تمر تمزق جزءا من ثقتها العمياء به، تلك الثقة التي بنت عليها حياتها، وواجهت بها الجميع، ودافعت عنه دون تردد.

شعرت وكأن نارا اشتعلت داخل صدرها، تلتهم قلبها ببطء، ثم تمتد إلى كل جزء فيها بلا رحمة، بينما كانت الكلمات والصور تتلاحق أمام عينيها، تحطم كل ذكرى جميلة ظنت يوما أنها حقيقية.

رفع عينيه إليها، يراقب ملامحها بصمت، يتابع انهيارها لحظة بلحظة، لكنه لم يتراجع، ولم يمنحها فرصة لتلتقط أنفاسها.

واصل بصوت هادئ، وكأنه يعدد وقائع لا تعنيه: بس الخيانة دي، مش أسوأ حاجة عملها. تعرفي إن رشدي اعتدى قبل كده على بنتين؟ واحدة منهم ما استحملتش وانتحرت، والتانية جوزوها واحد من رجالتنا عشان يقفلوا الموضوع،  غير انه حاول يغتصب ماسة قبل ما نتجوز؟! ده غير القتل، مرة عشان كيفه كدة، ومرة عشان واحد دافع عن خطيبته فسابه بعجز مستديه، ونيللي اللي علمته الادمان قتلها، لا... لا... رشدي حكاياته كتير أوي، ولو قعدت أحكيهالك مش هنخلص.. ولا حتى هاتصدقيني فتسمعيها بنفسك أحسن..

ثم ضغط على مقطع آخر، وانطلق صوت رشدي واضحا، وهو يتحدث مع عزت، معترفا بما ارتكبه، بينما كانت التسجيلات المصورة توثق كل شيء بالصوت والصورة.

كانت مي تستمع إلى صوت رشدي، وترى كل شيء بعينيها مع كل كلمة تخرج من فمه، ومع كل اعتراف موثق بالصوت والصورة، كانت تشعر وكأن شيئا بداخلها يتحطم بلا رجعة.

اتسعت عيناها شيئا فشيئا، وانحبست أنفاسها، وأخذ قلبها يخفق بعنف حتى شعرت وكأنه سيخرج من بين ضلوعها، أما الدموع، فكانت تنحدر في صمت على وجنتيها، بينما ملامحها تزداد شحوبا لحظة بعد أخرى.

لم تعد قادرة على استيعاب ماتسمعه أو تصديقه، كل حقيقة كانت تهوي فوقها كضربة جديدة، تسحق ماتبقى من ثقتها، وتحطم الصورة التي رسمتها لرجل ظنت يوما أنه زوجها.

شعرت بأن ساقيها لم تعودا تحملانها، ترنح جسدها، فحاولت أن تستند إلى الكرسي حتى لا تسقط، لكن يديها كانتا ترتجفان بعنف، وأنفاسها تتقطع، وصدرها يعلو ويهبط بصعوبة، وكأن الهواء لم يعد يكفيها.

كان سليم يراها وهي تنهار أمام عينيه، وكل جزء فيه يدفعه إلى إيقاف مايحدث، لكنه أجبر نفسه على التماسك حتى لا يضعف، وحتى لا يستسلم للشفقة

ثبت بصره عليها للحظات، بينما كانت صورة ماسة لا تفارق مخيلته؛ دموعها، وخوفها، وكل ما مرت به على يد رشدي، شعر وكأنه ينتزع حقها من بين أنياب الماضي، وأن هذا الألم، مهما كان قاسيا، لا يساوي شيئا أمام ما عانته.

قبض على يده بقوة، وكأنه يقبض على قلبه حتى لا يلين، ثم ابتلع أي ذرة تعاطف حاولت أن تتسلل إليه، وقال ببرود: وعلى فكرة... دي نقطة في بحر، أنا لسه مابدأتش أنا بس كنت بوريكي شخصية الرجل إللي متجوزاه، قد إيه ماضيه وسخ وقذر، مش مجرد انه كان واحد بيشرب وبتاع بنات او مدمن زي ما حاول يوهمك،  ولو كل ده بالنسبة لك ممكن يتسامح فيه... يبقى إللي هاتشوفيه دلوقتي هو إللي هيفرق..

نظرت إليه بعينين دامعتين، وهمست بصعوبة، وصوتها يكاد يختفي: كفاية...ارجوك كفاية، ايه إللي ممكن  اعرف اصعب من كده.

هز سليم رأسه ببطء، رافضا تابع بقسوة يحاول أن يتمسك بها: لسه... إللي فات كوم، وإللي جاي كوم تاني خالص... وهو ده اصلا إللي يهمني..

ثبت عينيه عليها، ثم أردف بهدوء: أنا مش بوريكي ماضيه عاشان تكرهيه، أنا بوريكي الحقيقة إللي اتخبت عنك.

أكمل بصوت جامد: ولو إللي فات بالنسبة لك ماضي، يبقى إللي جاي هو إللي هايحدد كل حاجة.

ضغط على تسجيل جديد.

وأنطلق صوت رشدي من جديد وهو يتحدث مع فايزة،  وآخر لعزت يعترف بما فعله، من تهديد ماسة وأهلها... إلى قضية الزنا... حتى اليوم الذي حاول خنق ماسة فيه بصوت والصورة

توالت التسجيلات أمام عيني مي، واحدًا تلو الآخر.
كانت تحدق في الشاشة بعينين زائغتين، لا ترمش، وكأن عقلها توقف عن استيعاب ما تسمعه، بينما كانت دموعها تنساب في صمت وقلبها يعتصر من الألم.

لكن حين وصل التسجيل إلى الحادث، وتقاصيلها...أنهار آخر خيط من تماسكها.

ترنحت في مكانها، وأسندت بيدا مرتجفة إلى الطاولة، شعرت بالاشمئزاز  والقئ ثم اندفعت  فجأة نحو سلة المهملات، وانحنت عليها، وأخذت تتقيأ بعنف، بينما كانت شهقاتها الممزقة تختلط ببكائها.

شعرت وكأن الهواء اختفى من حولها، وكأن صدرها يطبق عليها بقوة،  فالحقيقة التي اكتشفتها في دقائق قليلة تسحق كل ما آمنت به.

رفعت رأسها بصعوبة، وهي تنتحب بعنف، ثم صرخت بصوت مبحوح: كفاية... أرجوك... كفاية. مش قادرة اسمع..

لم تعد تقوى على النظر إلى الشاشة، فجلست على ركبتيها، تضم ذراعيها إلى صدرها، وكأنها تحاول أن تمنع قلبها من التفتت.

هزت رأسها بعنف وهي تبكي بانهيار: أنا... أنا مش قادرة أسمع أكتر من كده... مش معقول... مش معقول يكون بالفظاعة دي... ومستعد يعمل كل الجرائم دي...

ثم رفعت عينيها إليه، وقد غمرهما الذهول والانكسار، وهمست بصوت مرتجف: إزاي... إزاي فيه بني آدم كده؟ إزاي ضحك عليا طول الفترة إللي فاتت دي؟ إزاي اتخدعت فيه؟... إزاي؟

أخذت تهز رأسها بعنف، ودموعها لا تتوقف: إزاي كنت بصدقه؟ ليه يعمل كل ده؟ عشان الفلوس؟ عشان  كانوا بيحبوك أكتر منه؟! وكانوا بيعاملوك أحسن منه؟! إزاي يحاول يقتل مراتك... ويقتلك... ويعمل كل المصايب دي؟ أنا... أنا مش قادرة أصدق إن كل ده طلع من بني آدم واحد.

وضعت يدها على صدرها، تضغط فوق قلبها بقوة، وكأنها تحاول إيقاف ذلك الألم الذي يمزقها قالت: قلبي، قلبي واجعني أوي، قلبي واجعني أوي...

تابعت وهي تحاول أن تتعلق بأي شيء: سليم إنت مش بتضحك عليا صح كل الكلام ده بجد مش كذب 

هزت راسها بنبرة محشرجة: بس هو حقيقي الفيديوهات مافيهاش كدب، انا غبية غبية

لم يستطع سليم أن يتحمل رؤيتها على تلك الحالة أكثر من ذلك.

اقترب منها بخطوات بطيئة، جلس أمامها وقال بصوت خافت الأسف: أنا آسف يا مي، والله آسف بس ماكانش ينفع ماقولكيش الحقيقة، ما كانش ينفع أسيبه يعيش مبسوط، بعد ما دمر حياتي، ودمر حياة ماسة..

رفعت إليه عينيها الممتلئتين بالدموع، وقالت بمرارة:
ياريتك قولتلي من زمان، ليه ماقولتليش من زمان؟

تنهد بألم، ثم أجاب: لو كنت جيتلك وقتها، من غير دليل... لا إنتِ ولا أي حد كان هيصدقني، ولا هيصدق ماسة...

أخذت أنفاس مي تتسارع، وشعرت بأن الاختناق يزداد، فسارعت تفك وشاحها من حول رقبتها وهي تحاول التقاط الهواء.

انتبه إلى حالتها، فانحنى قليلا وسألها بقلق:
إنتِ كويسة؟

ثم التفت إلى مكي بسرعة: هات مية بسرعه.

جاء مكي مسرعا ومعه كوب ماء ساعدها سليم  رشفة صغيرة، لكنها ظلت ترتجف.

همست بصوت متقطع: أنا... عايزة أمشي.

حاولت أن تقف، لكن ساقيها خانتاها، وكادت تسقط، فأسرع سليم وأمسك بها قبل أن ترتطم بالأرض.

كانت تضع يدها على قلبها، وتبكي بحرقة، وقد وصلت إلى مرحلة لم تعد فيها قادرة على احتمال المزيد.

ساعدها على السير ببطء، لكنها كانت تشعر بدوار شديد، فتعثرت مرة أخرى، فأسندها بذراعه.
قال بهدوء: أنا هوصلك، إنتِ مش هترجعي لوحدك..

لم تعترض.

ساعدها على ركوب سيارتها، ثم جلس خلف المقود، بينما تبعته سيارة مكي والحراس.

طوال الطريق.. لم تنطق بكلمة.

كانت تحدق من نافذة السيارة، ودموعها تنساب في صمت بلا توقف، بينما تشعر وكأن شوكة حاد مغروسة داخل قلبها، تمزقه مع كل نفس تحاول أن تأخذه.

أما سليم...

فكان ينظر إليها بين الحين والآخر، وقد اعتصر الأسى قلبه، كانت تصعب عليه، لكنه كان يعلم أنه لو أخفى عنها الحقيقة، لكان ظلمها كما ظلم هو وماسة.

توقفت السيارة أمام البناية ترجل سليم أولا، ثم ساعدها على النزول.

نظر إليها قائلا بهدوء: أطلعك؟

أومأت برأسها نفيا في صمت، ثم سحبت يدها برفق، واتجهت نحو مدخل البناية بخطوات بطيئة، وكأنها تحمل فوق كتفيها عمرًا كاملًا من الانكسار

ظل سليم يتبع اثارها حتى اختفت اقترب منه مكي 

تنهد مكي وهو يتابع مي بعينيه حتى اختفت داخل البناية، ثم قال بأسى: بجد... صعبانة عليا.

ظل سليم ينظر إلى مدخل العمارة لثوانٍ، ثم قال بصوت خافت: صعبانة عليا أنا كمان...

صمت قليلا، ثم أكمل وعيناه شارِدتان: بس إللي اتعمل فيها دلوقتي، صدقني ولا حاجة جنب إللي رشدي عمله في ماسة، أنا يمكن ماشفتش كل إللي حصل بعيني، لكن إللي ماسة حكيتهولي، وإللي عاشت فيه بعد كده، كان كفاية أعرف هي كانت عايشة في جحيم، حجمة ايه؟!

ابتلع غصته، ثم تابع: مي على الأقل أنا ماهددتهاش، ما خلتهاش تشوف أبوها بيتخبط بالعربية قدام عينيها... وماخلتهاش تعيش وهي شايفة إخواتها، وبينهم وبينها رصاصة قناص بكلمة واحدة يتقتلوا.

ساد الصمت للحظات.ربت مكي على كتفه برفق، وقال: يلا خلينا نمشي.

أومأ مكي برأسه، ثم تذكر شيئل وسأل: ياسين... مابعتش حاجة، صح؟

أجاب: لا... لسه.

سليم وهو يخرج هاتفه: خلاص... هبعتله رسالة. لو عايز يمشي، يمشي.. خلينا بقى نروح نشوف الخاينه التانية احنا كده خلصنا من واحد فاضل الخاينه الثانيه.

وبالفعل صعد سليم السيارة، وانطلقت مبتعدة عن المكان.

             *************

في المقابل، دخلت مي إلى البناية، واستقلت المصعد.
لم تكن تعلم كيف وصلت إلى باب الشقة، ولا كيف رفعت يدها لتطرق الباب، كان وجهها شاحبا
كالأموات، وعيناها غارقتين في الأحمرار، دموعها تهبط بصمت مريع، بينما كانت خطواتها مترنحة، وكأنها تسير بلا وعي.

فتحت تقي الباب، وما إن رأتها حتى ابتسمت قائلة:
مي... تعالي.

لكن ابتسامتها اختفت فور أن وقعت عيناها على ملامحها

قطبت حاجبيها بقلق، وسألت بسرعة: مالك يا مي؟

لم تجب.

مرت من جوارها ببطء، وعيناها مثبتتان أمامها، وكأنها لا ترى أحدا، ولا تسمع أحدا.

في تلك اللحظة خرج حاتم من الداخل، وما إن لمحها حتى قال باستغراب: مي؟! إنتِ جيتي؟

ظلت صامتة.

أكملت تحركها الى وجهتها وجه يشبه  الملاك الحزين دموع تهبط بصمت وقلبها يعزف وجع، شعروا بالتوتر تحركا خلفها وما زالوا ينادوا عليها 

يا مي

دخلت غرفتها مباشرة، ثم أغلقت الباب بالمفتاح،
تبادل حاتم وتقي نظرات قلقة، ثم أسرعا خلفها.

طرق حاتم الباب عدة مرات وهو يقول بقلق متزايد:
مي... أفتحي الباب مالك.

لم يصله أي رد.

في تلك اللحظة اقترب راشد: فيه إيه 

تقي بقلق: مش عارفة مي دخلت أوضتها ومابتتكلمش مع حد وشها حزين اوي ومعيطة 

اتسعت عيناه بصدمة:  بتقولي إيه؟!

ازداد توتره، وأخذ يطرق الباب بقوة أكبر: مي مالك؟ أفتحي يا بنتي.

ثم انضمت إليه تقي، وقد بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها، وهي تنادي بصوت مرتجف: مي ردي علينا أفتحي الباب يا حبيبتي.

لكن لم يأتي أي رد 

على الجانب الآخر...

في الداخل، وقفت مي في منتصف غرفتها، عاجزة عن الحركة، تحاول أن تستوعب كل ماسمعته، كانت الصور تتلاحق داخل رأسها بلا رحمة، رشدي وهو يقوم بعلاقة مع نورهان.

وصوت سليم يتردد في أذنها: وده كان ليلة فرحكم.

شهقت بألم، ثم أغمضت عينيها بقوة، لكنها لم تستطع الهروب من المشهد.

ثم بدأت الاعترافات تتدفق داخل عقلها كالسيل
الحادث، تهديد ماسة وعائلتها، محاولة قتلها وهو يخنقها بيديه.

ارتفعت شهقاتها بعنف، وشعرت وكأن حبالا من النار تلتف حول عنقها، تشتد لحظة بعد أخرى، وتخنق أنفاسها حتى أصبحت عاجزة عن التقاط الهواء.

نزعت طرحتها بعنف وألقتها بعيدا، وهي تلهث في محاولة يائسة لاستنشاق نفس واحد، لكن الاختناق كان يزداد، وكأن الهواء قد أختفى من حولها

ارتجفت يدها وهي ترتفع إلى صدرها، وضغطت فوق قلبها بقوة، بعدما اجتاحها وجع لم تعرف له وصفا. 

كان الألم يمزق صدرها، حتى خُيل إليها أنها تسمع قلبها وهو ينكسر داخل ضلوعها، وأن كل نبضة أصبحت سكينا تغرس نفسها في أعماقها، لم يكن وجع خيانة فقط! بل وجع عمر كامل اكتشفت في لحظة أنه كان مبنيًا على الكذب والخداع.

في لحظة واحدة... أنهار كل شيء.

اكتشفت أن الرجل الذي أحبته، واختارته من بين الجميع، ودافعت عنه في وجه كل من حذرها... لم يكن سوى مجرم.

قاتل...

وخائن...

ومغتصب...

رجل لم يتورع عن تدمير حياة أخيه، واستغلاله، والتسبب في مأساته، ولم يرحم حتى زوجة أخيه، فسلبها الأمان، وحاول أن يسلبها حياتها وحياة ابنتها..

لم يترك جريمة إلا وتلطخت بها يداه.

كل صورة جميلة رسمتها له داخل قلبها تحولت إلى كابوس مرعب.

كيف أحبت إنسانا كهذا؟

كيف نامت يومًا في حضن رجل مجرد من كل إنسانية؟

كيف اطمأنت إليه، وسلمته قلبها وروحها، وهو يخفي خلف وجهه كل هذا السواد؟

شعرت وكأن نارا مستعرة اندلعت داخل صدرها، تلتهمها من الداخل بلا رحمة، وكأن آلاف الأشواك تغرس نفسها في قلبها وروحها في اللحظة نفسها، 

بينما مطرقة ثقيلة تهوي على رأسها مرة بعد أخرى، لا تمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها أو استيعاب ما حدث.

لم تعد تحتمل...

لم يعد عقلها قادرت على استيعاب هذا القدر من الصدمات.

وفجأة، انطلقت من أعماقها صرخة مدوية، صرخة مقهورة، خرجت من أعماق روحها، صرخة ممزقة، تحمل من المرارة والألم ما لم تعرفه في حياتها من قبل.

ثم اندفعت تحطم كل ما تقع عليه يداها ألقت المزهرية على الأرض، ثم دفعت المصباح، وأسقطت كل ما أمامها، وهي تصرخ بانهيار: كذاب... كذاب!

ثم انفجرت في البكاء وهي تصرخ: حيوان!... حقير!... إزاي عمل فيا كده؟!

في الخارج...

تجمد الجميع عندما سمعوا صوت تحطم الأشياء وصراخها.

نظر حاتم إلى راشد بصدمة، قبل أن يندفع الاثنان نحو الباب.

بدأ حاتم يطرق الباب بعنف: مي!... أفتحي الباب!

لكنها لم ترد.

بل ازداد صراخها، وأرتفع صوت تكسير الأثاث في الداخل.

صرخت تقي وهي تبكي: مي أفتحي... بالله عليكي أفتحي!

راشد بسرعة: حاتم... أكسر الباب!

لم يتردد.

تراجع خطوة، ثم اندفع بكل قوته بكتفه نحو الباب.
مرة...
واثنين...
وفي الثالثة انفتح الباب بعنف.

أندفع الجميع إلى الداخل.

كانت مي ملقاة على الأرض وسط شظايا الزجاج، تبكي وتصرخ في حالة انهيار هستيري.

أسرع راشد إليها، وجثا على ركبتيه، ثم ضمها إلى صدره وهو يهتف بفزع: مالك يا مي؟! ردي عليا... مالك يا بنتي؟!

لكنها لم تستطع الرد.

كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة، تشهق شهقات متلاحقة كالغريق الذي يصارع من أجل نفس أخير، بينما ارتجف جسدها كله بين ذراعيه وفجأة...ارتخت أطرافها تمامًا وسقط رأسها إلى الخلف، لتفقد وعيها بين يديه.

صرخ راشد بفزع: ميييي!
صرخ راشد بفزع: مي!

بينما أسرع حاتم بحملها ووضعها على الفراش، والتفوا جميعا حولها في حالة من الذعر.

صرخ راشد: اتصلوا بالدكتور بسرعة

اومأ حاتم برأسه، وخرج يهاتف الطبيب.

بينما جلبت تقي زجاجة برفان ووضعت القليل علي يدها وقربتها من أنف مي، وأخذت تبكي وهي تراها أمامها ممددة بلا حراك.

سألها راشد: إيه إللى حصل؟ وفين رشدي؟ ازى يسيبها بالوضع ده

هزت تقى رأسها ببكاء: معرفش... والله ماعرف

وفجأة صدرت من مي تأوهات خافته، فنظر إليها راشد بلهفه وقلق: مي...حبيبتي... ردي عليا.

وبعد لحظات...

بدأت أهدابها ترتعش، ثم فتحت عينيها ببطء، وأخذت تنظر حولها بتيه، وكأنها لا تعرف أين هي.
وفجأة...
تذكرت.
فارتمت في حضن والدها، تتشبث به بكل قوتها، وهي تبكي بحرقة تقطع القلب، دون أن تنطق بكلمة واحدة.

ضمها إلى صدره بلهفه، ومسح على شعرها بحنان: بس يا حببتي، اهدي، مالك إيه إللى حصل؟ رشدي عملك حاجة زعلتك؟

صرخت من بين شهقاتها: متجبليش سيرته، مش عايزة أسمع اسمه، مش عايزة أسمع اسمه!

اقترب حاتم منها أكثر، وقد ازداد قلقه: عملك إيه رشدي طيب، فهمينا.

أخذت تهز رأسها بصورة هيستيرية، وهي تغطي أذنيها بيديها: مش عايزة أسمع اسمه، مش عايزة أسمع اسمه أرجوكم...

ضمها راشد إلى صدره، وربت على ظهرها محاولا تهدئتها: خلاص يا حببتي اهدى، محدش هيجيب سيرته.

ثم التفت إلى حاتم وصاح: كلمت الدكتور ولا لسه؟

حاتم: كلمته والله وزمانه جاي.

أما مي...

فكانت منهارة تماما.

تتشبث بوالدها بكل ما أوتيت من قوة، وتبكي بحرقة وشهقاتها تعلو بصورة مفزعة، بينما هو يحتضنها، ويمسح رأسها في محاولا تهدئتها.

وظلوا علي هذا الوضع دون أن يفهم أيا منهم ما حدث، كل ما كانوا يرونه، أن ابنتهم عادت إليهم، وكأن روحها قد أنكسرت إلى الأبد.
♥️_______________بقلمي_ليلة_عادل. 

في أحد الكافيهات،5م

جلس رشدي وياسين يتبادلان الحديث، كان ياسين ينتقل من موضوع لآخر دون رابط واضح، يتحدث عن المجموعة تاره، وهبه ونالا تاره أخري، ثم يعلق على خبر عابر، قبل أن يتركه فجأة ويبدأ في أمر مختلف تماما عندما يفقد مسار الحديث فيه.

أما رشدي، فكان يصغي إليه بملامح يملؤها الاستغراب، يحاول أن يفهم إلى أين يريد أن يصل، لكنه لم يجد أي خيط يقوده إلى نهايه واضحه!!

ومع مرور الوقت، بدأ صبره ينفذ، فزفر بضيق: مالك يا ياسين؟! أنت شارب حاجه؟

أجابه ببراءة: لا، ليه؟

اوما رشدي بمزاح: اصلك من ساعة ما قعدت مقضيها مراجيح، مره هبه ونالا، ومره صفقه البترول اللي الباشا جابها، ومره ريال والبرسا؟! أنا مال امي أنا بالريال اللي اتغلب من البرسا، والبرسا اللى هتاخد الدوري؟ ما تاخده، هي هتاخده من جيبي!

ابتسم ياسين موضحا: متسخرش من احزاني لو سمحت! أنت عارف إني بحب الريال، وبعدين مش نالا دى بنتي وأنت عمها، والمفروض يهمك أمرها، قولى بقي اعمل ايه علشان ارجع علاقتها بلوجين تاني.

اجابه ساخرا: يعني يوم ما تحتاج نصيحه جاي تاخدها مني أنا؟ والله يا زين ما اخترت، كان القرد نفع نفسه يا اخويا!! طب روح لفريده و سليم علي الأقل عاقلين.

ياسين متصنعا الحزن: سليم مش بيرد علي حد، وأنا بصراحه مخنوق أوى فقولت أكلمك نغير جو، وتديني شوية انرجي.

رمقه بنظرة حادة: أنا هديك في دماغك.

ضحك ياسين بخفوت: خلقك بقي ضيق كده ليه يا رشدي

لوح بيده: قعدت تقولي موضوع مهم ومصيبة، وفي الآخر عمال تقول كلام فارغ!

نهض يقول: أنا غلطان إني جيتلك اصلا.

أسرع ياسين يمسك بيده: استني بس عندي موضوع اهم.

نفض يده، وقال بسخرية: إيه هتكلمني ف بتروجيت اللى كسبت المحله، أوعي يلا أنا راجع لمراتي علشان اتاخرت عليها، سلام.

تحرك رشدي مبتعدا، بينما ظل ياسين يتابعه بعينيه حتى أختفى، فامسك هاتفه يجرى اتصالا بسليم، وما إن جاءه الرد حتى قال بضيق: إيه كل ده يا سليم!! علي فكره رشدي لسه ماشي، ممكن بقى أفهم فيه ايه؟ أنا مش هفضل زي الحمار كده كتير.

جاءه صوت سليم الهادئ: قابلت مي وقولتلها كل حاجة.

ساد الصمت لثواني قبل أن يتسأل ياسين بقلق: وبعدين؟

رد بهدوء حاسم: القرار قرارها تسامحه أوتكمل معاه هي حره، دي حياتها.

ثم أردف: المهم، لو عايز تسيب القصر، سيبه.

ياسين باستغراب: اشمعني بتقولى كده دلوقتي؟

أجابه بهدوء: علشان اللعب الفتره الجايه هيبقى على المكشوف، فلو عايز تبعد ابعد، علي الأقل علشان خاطر بنتك.

ابتلع ياسين ريقه، وتساءل بحذر: أنت ناوى ع إيه يا سليم؟

ظل صامتا، فتابع ياسين بقلق: أنا خايف عليك، خايف توصل للدم، رشدي مش هيسكت، ومي أكيد هتقوله، أنا مش هقدر أقف أتفرج على اخواتي وهم بيقتلوا بعض.

ابتسم ابتسامه ساخره: إحنا لسه هنقتل! دول بدأوها من زمان أوى يا ياسين!

ياسين بعدم فهم: بدأوها من زمان أزاى؟

تنهد سليم بهدوء: متشغلش بالك، وطلع نفسك من الموضوع ده وسيب القصر، وأنا هأمنك.

رد بصدق: أنا مش خايف على نفسي، أنا خايف عليك يا سليم.

ابتسم بخفه: متخافش عليا، بعدين انت معايا.

ياسين بخوف حقيقي: معاك، بس انا ضعيف مش هعرف أقف ضدهم.

رد بثقة: إنت مش ضعيف، إحنا مع بعض أقوى صدقني.

ساد الصمت لحظة، ثم قال ياسين: خد بالك من نفسك.

رد بهدوء: وأنت كمان، سلام.

انهي سليم المكالمه، مع توقف السياره أمام احد المنازل.

كان منزلا واسعا من طابق واحد، تحيط به حديقة صغيرة، وقد بدا هادئا.

وما إن دخل سليم حتى استقبله عشري: حمد لله على السلامة يا ملك.

أجابه بهدوء: الله يسلمك، هي جوه؟

أجابه: أيوة يا ملك، بقالها حوالي ساعة.

أومأ برأسه، ثم سأل: ودكتور ياسر؟

أجابه: مستني حضرتك في المكتب.

ظل صامتا للحظة، ثم قال: شافها؟

هز رأسه: لا، إحنا مستنيين أوامرك الأول.

تسأل بهدوء: هي في أنهي أوضة؟

أشار إلى آخر الممر: آخر أوضة على اليمين.

تحرك بخطوات بطيئة نحوها، ووقف أمام الباب للحظات، قبل أن يدفعه.

في داخل

كانت صافيناز تجلس على طرف السرير، ظهرها منحني قليلا، وشعر مبعثر، وعيناها معلقتان بنقطة ثابتة في الفراغ، بوجه شاحب يخلو من أي تعبير، ونظرة خاوية لا تشبه صافيناز التي يعرفها.

دخل بخطوات هادئة حتي توقف أمامها مباشرة واخذ يمرر عينه عليها بنصف إبتسامة مريرة، ثم تحدث هامسا وكأنه يحدث نفسه: شوفتي وصلتي نفسك لإيه يا صافيناز؟

ابتلع غصته، وأكمل بخفوت مليئ باللوم: لو كنتي اخترتي تصدقيني يومها ووافقتي لما قولتلك نحط إيدنا في إيد بعض ونبقى إخوات بجد، كان زماني النهاردة واقف قدام أي حد يقربلك وأول واحد ياخد حقك، وأكولك قلب عماد بعد إللي عمله فيكي..

صمت لحظة، ثم أضاف وقد غلب الألم على صوته: كان نفسي أرحمك، بس أنتِ مسبتليش حاجة أرحمك عشانها، قتلتي ولادي وطعنتي ماسة في شرفها، ودمرتي حياتي وحياتها..

هز رأسه بحرقة: نفسي أعرف ليه؟ طب رشدي أقدر أفهمه، الكره والغيرة اتزرعوا جواه من وإحنا صغيرين.

أشار إليها بإصبعه، وأكمل بصوت مبحوح: لكن أنتِ ليه؟ قوليلي... دى أنتِ أكتر واحدة فينا اتربت في حضن فايزة وعزت، شبعتي من حنانهم واهتمامهم..

أغمض عينيه لثواني، ثم زفر زفرة طويلة أثقلت صدره، قبل أن يهمس: ورغم كل إللي خدتيه، اخترتي تكوني جزء من تدميري، وأنا أسف منظرك ده مش هيهون عليا ومش هرحمك..

ظل يرامقها لثواني بلوم، ثم اقترب ونادها بصوت عالي: صافيناز...

لم تتحرك، فأعاد النداء مره أخري: صافيناز سمعاني؟ أنا سليم..

رفعت رأسها ببطء، حتى التقت عيناها بعينيه، وهمست بصوت مرتجف: سليم...أنت جيت.

صمتت لحظة، ثم اتسعت عيناها فجأة بضطراب: أمسكهم يا سليم 

عقد حاجبيه: مين دول؟

أخذت تنظر حولها في هلع، وأشارت إلى أحد أركان الغرفة بيد مرتعشة: دول إللي عايزين يقتلوني، عايزين يقلعوني هدومي، خليهم يبعدوا بليز.

ظلت عينه ثابتة عليها دون أن يرمش، ثم قال بهدوء: مفيش حد هنا يا صافيناز.

هزت رأسها بعنف: لا موجودين، واقفين هناك بيبصولي.

ارتجف جسدها باكلمه، ثم مدت يدها نحوه فجأة، وضمته بشدة تتحامي به: متسيبنيش أرجوك، خليهم يمشوا أنت الوحيد إللي تقدر تمشيهم.

كانت ترتجف كطفلة مذعورة تندس بين أحضان والدها، بينما ظل سليم ينظر إلى يدها المتلفة حول يده دون أن يهتز.

أبعدها قليلا، وقال بحزم: بصيلي.

رفعت عينيها إليه، فتابع: طول ما أنا واقف هنا محدش هيقربلك.

ساد الصمت للحظات.

ثم أضاف وهو ينظر إلى الركن الذي كانت تشير إليه، وكأنه يخاطب أشباحها ليطمئنها: أمشوا، هي خلاص معايا.. 

عاد ينظر اليها: اهم مشيوا، اهدي بقى.

عادت صافيناز تنظر إلى الركن الذي كانت تشير إليه، تراقبه بعينين يملؤهما الخوف، ثم بدأت أنفاسها تهدأ تدريجيا، وأرخت قبضتها عن كم قميصه، بينما ظلت عيناها معلقتين به، وكأنه آخر شخص يمنحها شعورا بالأمان.

ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال بهدوء: أنا جبتلك دكتور شاطر، هيقعد معاكي شوية، ويخليكي أحسن.

هزت رأسها، وهمست بخوف: لا متسيبنيش هنا لوحدي.

أجابها باقتضاب: مش هتبقى لوحدك أنا موجود، وعشري والرجالة بره، الدكتور بس هيشوفك ويطمن عليكي.

أمسكت يده مرة أخرى بقوة، وكأنها تخشى أن يختفي: سليم بليز متسبنيش، هييجوا تاني لو مشيت.

نظر إلى يدها المتمسكة به، ثم فك أصابعها برفق: محدش هيقربلك قولت، أنا بره أول ما تخلصي هدخلك.

لم تقتنع.

وما إن بدأ يتحرك نحو الباب، حتى أسرعت خلفه بخطوات مرتبكة: سليم... استنى... متسبنيش معاهم... أنا خايفة منهم عايزين يضربوني.

فتح الباب، ثم ألتفت إليها للحظة، وقال بجمود: أنا بره.

خرج من الغرفة، وأغلق الباب خلفه، بينما كان دكتور ياسر يقف في الممر ينتظره.

سليم بابتسامه: سوري يا دكتور، تاعبك معانا.

ابتسم ياسر مجاملة: ولا يهمك.

أشار سليم ناحية الحديقة: ممكن نتكلم بره شوية؟

اومأ: طبعا.

خرج الأثنان إلى الحديقة، حتى توقفا بعيدا عن الغرفة.

سليم بتوضيح: صافيناز من فتره اتعرضتك لازمه في شغلها، ومن وقتها وحالتها النفسية بتسوء يوم بعد يوم، في الأول افتكرنا إنها مجرد صدمة وهتعدي، لكن للأسف الموضوع وصل لمرحلة أخطر، بقت تشوف أشخاص مش موجودين، وتتكلم معاهم، وتفزع منهم كأنهم واقفين قدامها فعلا.

صمت لوهلة ثم تابع: أنا وصلت لمعلومة إن فيه أدوية كانت بتاخدها، والأدوية دي غالبا زودت عندها الهلاوس اللي بتجيلها، وخلت حالتها تتدهور بشكل أسرع عشان كده جبتك تشوف حل معاها.

ظل ياسر يستمع إليه باهتمام، حتى انتهى، ثم قال بهدوء: مقدرش أقول أي تشخيص دلوقتي قبل ما أكشف عليها، ولازم أعرف نوع الأدوية والجرعات اللي كانت بتاخدها، وأعملها شوية تحاليل، بعد كده أقدر أحدد حالتها بدقة.

أومأ بتفهم: تمام، انا بس كل إللي محتاجه إنها تستعيد وعيها حتى لو بنسبة بسيطة، محتاج أعرف منها مين كان بيديها الأدوية دي، وإيه إللي حصل معاها.

أجابه بعملية: هعمل إللي أقدر عليه لكن لازم تبقى عارف إن العلاج مش هيكون سريع.

اومأ برأسه: تمام

ياسر: طيب، محتاج أشوفها.

هز رأسه وهو يشير للداخل: اتفضل.

تحرك  حتى دخلا الغرفة.

وبمجرد أن وقع بصر صافيناز على ياسر، حتي انتفضت في مكانها، وتراجعت إلى آخر السرير، وهي تهتف بخوف: أنت مين؟! عايز مني إيه؟

اقترب منها سليم، وقال بهدوء: أهدي يا صافيناز، ده الدكتور ياسر جه يساعدك.

هدأت أنفاسها قليلا

فابتسم ياسر ابتسامة مطمئنة، وجلس أمامها، وبدأ يتحدث معها ويطرح عليها بعض الأسئلة، ويراقب نظراتها، واستجابتها، وطريقة حديثها، بينما كان يدون ملاحظاته في دفتر صغير.

وبمرور بعض الوقت، انتهى من الكشف، وخرج مع سليم.

في الخارج

نظر إليه سليم بترقب: ها يا دكتور؟

أجابه: لسه بدري جدا إني أديك حكم نهائي، محتاج أشوف الأدوية إللي كانت بتاخدها، ونعملها كام تحليل الأول، هي فين الأدوية دي؟

التفت سليم إلى عشري: عشري جبت الأدوية ؟

تقدم عشري بشنطة صغيرة: كلها هنا يا ملك.

أخذها ياسر، وقلبها بين يديه باستغراب: غريبه! أزاى الدوا ده دهور حالتها كده؟ 

سليم موضحا بهدوء: لانه متغير بدوا تانى، أنا عايزك تعملى تحليل عليه وشوف لو فيه حاجه توقف مفعوله وترجعلها وعيها زى ما قولتلك..

 اومأ ياسر: تمام هفحصها، وبعدها أقدر أحدد خطة العلاج.

سأل: امتى تقدر تديني تقرير واضح؟

أجابه: اديني يومين، وهقولك حالتها وصلت لفين.

أخرج سليم دفتر شيكاته، وكتب شيكا، ثم ناوله له،
نظر ياسر إلى الرقم، وقال باستغراب: ده مبلغ كبير يا  سليم!

أجابه بهدوء: اعتبره مقدم، ومن النهاردة، صافيناز مسؤوليتك.

تردد لحظة، ثم قال: بس أنا عندي شغل وحالات كتير، بس هحاول ارتب مواعيدي.

سليم بحزم: من بكرة أهم حالة عندك تبقي صافيناز، عايز بعد أسبوع بالكتير تكون حالتها وصلت لمرحلة تخليني أقدر اخد منها معلومة واحدة حتي..

أومأ برأسه موافقا، بينما ظل سليم ينظر إلى باب الغرفة في صمت، يفكر في الطريق الطويل الذي ينتظرهم جميعا.
😍__________________بقلمي_ليلة_عادل.

منزل مي،6م

كانت مي تتمدد فوق الفراش، تنتفض بين الحين والآخر، بينما تختبئ داخل أحضان والدها كطفلة صغيرة وتبكي بانهيار، غير قادرة حتى على التقاط أنفاسها.

بينما وقف الطبيب أمامها يغرس إبرة مهدئه في ذراعها برفق.

ظلت تبكي للحظات، حتي بدأ جسدها يرتخي تدريجيا، وتثقل جفونها شيئا فشيئا.

ابتعد الطبيب خطوة إلى الخلف، بينما ساعد راشد ابنته حتى استلقت على الفراش بهدوء.

اقتربت تقى، وجلست بجوارها: روح أنت يا بابا مع الدكتور، أنا هقعد جنبها.

أومأ برأسه، وخرج مع الطبيب، وبرفقته حاتم وحازم.

الطبيب بعملية: واضح إنها اتعرضت لصدمة نفسية عنيفة جدا، سببتلها انهيار عصبي. 

ابتلع راشد ريقه بصعوبة، وسأله بقلق: طب والعمل يا دكتور؟ نعملها إيه علشان تبقي كويسه؟

أجابه بهدوء: الإبرة اللى ادتهالها هتخليها تنام وتهدي شويه، لكن لازم تفضلوا ملاحظينها أول ماتصحى.

عقد حاتم حاجبيه: ملاحظينها ليه؟

وضح الطبيب بعمليه: لأن في بعض حالات الصدمات النفسية الحادة، المريض ممكن يؤذي نفسه أو يفكر في الانتحار، وده بيخلينا أحيانا نضطر ندخله المستشفى يوم أو اتنين تحت الملاحظة لو حالته مستقرتش.

اتسعت عينا راشد، وقال بلهفة: انتحار! لا يا دكتور مي مستحيل تعمل كده، وتعمل كدة ليه؟!

هز الطبيب رأسه مطمئنا: أنا مش بقول إنها هتعمل كده، أنا بقول لازم ناخد احتياطنا، المهم دلوقتي تعرفوا إيه اللي وصلها للانهيار ده.

صمت لحظة، ثم أردف: أكيد شافت أو سمعت حاجة كانت فوق قدرتها على التحمل.

تنهد حازم: حاضر يا دكتور، شكرا جدا.

صافحه، ثم اصطحبه حتى باب المنزل.

وما إن عاد، حتى وجد والده يقف في الصالة شارد الذهن.

تسأل حازم بقلق: إيه اللي حصل؟ انا مسلم عليها الصبح بنفسي قبل ماروح الشغل كانت كويسة.

هز حاتم رأسه بحيرة: والله يا حازم محدش فاهم حاجة، آخر مرة شوفتها كانت امبارح، سلمت عليها هي ورشدي، وبعدها مشوفتهاش.

زفر راشد بغضب مكتوم: اتصلوا بالزفت رشدي، أكيد اللي حصل لأختكم سببه.

أجابه حاتم بضيق: كلمته أكتر من مرة تليفونه مغلق.

وفي تلك اللحظه، تعالي صوت طرقات متتالية على الباب، تحرك حاتم نحوه وفتحه، فوجد رشدي أمامه بابتسامة تلقائيه: ازيك يا حاتم، هي مي هنا..؟

حدق فيه حاتم للحظات، بوجه خالي تماما من أي تعبير، ثم تنحى جانبا وقال ببرود: ادخل.

عقد رشدي حاجبيه من طريقة استقباله، لكنه لم يعلق ودخل.

وقعت عيناه على راشد وحازم الواقفين في الصالة، فاقترب قائلا بتلقائية: السلام عليكم...عاملين إيه؟

ما إن سمع راشد صوته، حتى اندفع نحوه يوجه له لكمه قويه علي وجهه دون سابق إنذار وهو يصيح: عملت في بنتي ايييييه؟ 

تراجع رشدي عدة خطوات بصدمه، وهو يضع يده  محل الضربه، بينما صاح راشد مجددا بعينان محمرتان من الغضب: عملت ايه في بنتي انطق؟! بنتي كانت كويسة، رجعتلي منهارة! عملت فيها إيه؟!

رشدي بزهول: أنت بتتكلم عن ايه؟! مالها مي؟!

أمسكه من ياقة قميصه: أقسم بالله لو جرالها حاجة هدفنك بإيدي!

أبعده حازم بصعوبة: اهدى يا بابا!

ثم التفت إلى رشدي، وقد اشتعل الغضب في عينيه:
عملت في مي إيه يا رشدي؟! رد علينا!

عقد حاجبيه بعدم فهم، ونظر بينهم جميعا: معملتش حاجة! انا اصلا مش فاهم انتوا بتتكلموا عن ايه؟!

تابع بارتباك: أنا سايبها كويسة، كان عندي مشوار مهم نزلت اخلصه، رجعت ملقتهاش في البيت قولت اكيد هنا، ايه حصل؟! مالها مي؟

صاح حازم: اللي حصل إن أختي جالها انهيار عصبي، والدكتور لسه خارج من هنا، ومش طايقة تشوفك ولا حتى تسمع اسمك!

اتسعت عينا رشدي بصدمة حقيقية: إنت بتقول إيه؟! مستحيل! انهيار ايه، اازاي؟!

صاح راشد بشده: زي ماسمعت، انت السبب ..

هز رأسه بعنف، وهو يحاول استيعاب الكلام: والله العظيم لما سيبتها كانت كويسة، كنا بنتكلم ونضحك، وكانت عاملالي الفطار بنفسها، واتفقنا النهارده نيجي نتعشى عندكم ونتكلم في موضوع السفر.

حاتم بحدة: لما أختي تفوق هنعرف كل حاجة.

ثم أشار إليه بإصبعه محذرا: ولو طلع ليك إيد في اللي حصلها، أقسم بالله مش هينفعك لا اسم عيلتك ولا نفوذهم.

ابتلع رشدي ريقه، ثم قال بلهفة: حاتم أنا معملتش حاجة، اكيد انتم فاهمين غلط، سيبوني أدخل اشوفها طيب وافهم منها ايه اللي حصل.

صاح راشد بغضب واستنكار: تشوف مين!؟ اطلع بره بيتي مش عايز اشوفك تاني

رشدي بضجر: دي مراتي!

اقترب منه خطوة، وقال من بين أسنانه: هطلقها منك، انا أصلا مكنتش قابل بيك من البداية، ولما بنتي تفوق هعرف انت عملت فيها ايه؟! وساعتها هيكون حسابك عسير معايا، اطلع بره بيتي.

هز رأسه بعصبية: أنا مش هتحرك من هنا، أنا عايز أشوف مراتي! من حقي أعرف حصلها إيه!

اندفع نحو باب غرفة مي وهو يهتف: وسعوا أنا لازم أشوف مراتي!

اعترضه حازم، ووضع ذراعه أمامه: قولتلك مش هتشوفها دلوقتي.

حاول ازاحته: إنت اتجننت، دي مراتي! محدش يقدر يمنعني عنها.

دفعه حازم بقوة للخلف: وأختي قبل ماتكون مراتك!

في اللحظة نفسها أمسكه راشد من ذراعه بعنف، وحازم دفعه: اطلع بره بيتي.

اشتعل الغضب في عيني رشدي: مش همشي قبل ما أطمن عليها! وافهم مالها..

حاول التقدم مرة أخرى، لكن حازم وقف في طريقه، وانضم إليه حاتم، ليصبح الثلاثة حاجزا أمام باب الغرفة.

صاح حاتم: امشي دلوقتي يا رشدي. 

رشدي بانفعال: إنتوا مجانين؟! دي مراتي، من حقي أشوفها! محدش يقدر يمنعني عنها، اوعي انت وهو.. أنا مش همشي من هنا من غيرها.

راشد بغضب: لما نعرف عملت فيها إيه الأول! وادعي يكون الموضوع بعيد عنك.

نظر إليه من أعلى لأسفل: ولو إني اشك!

صاح رشدي بغضب: بقولك اوعى انت هو، أنا مش همشي من غيرها، مي .. يا مي.. مييي.

اشتد الموقف بينهم، حتى كاد رشدي يفقد أعصابه تماما، وفجأه تحركت يده غريزيا نحو السلاح المعلق أسفل سترته.

توقفت أصابعه فوق المقبض وهو ينظر إليهم...
راشد...
حازم...
حاتم...
عائلة مي.
أغلق عينيه لثانية، ثم أنزل يده ببطء، وكأنه يجبر نفسه على التراجع قبل أن يرتكب خطأً لا يغتفر.

اختنق صوته من شدة القهر: طب سيبوني أطمن عليها بس، والله العظيم ما عملتلها حاجة، أنا خارج من عندها وهي بتضحك، معرفش ايه اللي حصل!! 

لكن راشد لم يلن، أشار إلى الباب بعنف، وهو يصيح:
قولتك اطلع بره! ولما بنتي تفوق، ساعتها هنعرف مين الكداب ومين الصادق، ولو عرفت انك انت السبب ساعتها يا ويلك مني.

رشدي بعند: وانا قولتك مش همشي هنا غير لما اطمن عليها.

حازم بشدة: لا هتمشي.

رشدي برجوليه: مش همشي يا حازم مش همشي.

في تلك اللحظة، خرجت تقى من الغرفة بعد أن سمعت الأصوات المرتفعة، نظرت إليهم بقلق: في ايه يا جماعة اهدوا، إللي بتعملوا ده غلط، إحنا لحد دلوقتي مش متأكدين إن رشدي هو السبب، او لا! مينفعش نحكم عليه من غير مانسمع مي الأول.

حازم  بتهكم: هيكون مين السبب غيره يعني وهي بتقول مش طايقه اسمع اسمع؟!

تقى بعقلانية: مينفعش نحكم الا لما نسمع منها، سيبوه يقعد.

صاح راشد بغضب: أنا مش طايق أشوف وشه!

أمسكت ذراعه برفق: عشان خاطري يا عمي اهدى، خليه يقعد لحد ما مي تفوق ولما تصحى هنعرف الحقيقة كلها ساعتها، اعملوا اللي إنتوا شايفينه صح.

ظل راشد ينظر إليه بغضب لثواني، قبل أن يشيح بوجهه دون أن يتحدث.

التفتت تقى إلى رشدي، وقالت بهدوء: اتفضل اقعد هناك واستنى.

رشدي برفض: لا انا عايز ادخلها.

تقى بهدوء: مش هينفع لأنها حقيقي اول ماجت وهي بتصرخ انها متشوفكش، اصبر واقعد لو بتحبها.

ظل ينظر إليها بصدمة، يحاول استيعاب ما سمعه،  وأدرك في النهاية أن الأفضل الآن هو أن يسيطر على نفسه... من أجلها.

أومأ برأسه في صمت، ثم اتجه إلى الأريكة بخطوات ثقيلة، وكأن كل خطوة تستنزف ما تبقى من قوته. 

جلس، لكنه لم يعرف معنى الراحة؛ كان جسده على الأريكة، أما قلبه فظل معلقا خلف باب غرفتها، كل بضع ثواني، كانت عيناه ترتفعان تلقائيا نحو الباب، يحدق فيه بقلق وخوف، وكأنه ينتظر أن يُفتح في أي لحظة ليطمئن عليها.

أما الباقون، فظلوا يراقبونه في صمتٍ مشحون، لا يجرؤ أحد منهم على كسر ذلك السكون، وظل التوتر يملأ المكان، حتى بدا وكأن كلمة واحدة فقط قد تشعل الجميع من جديد.

فيلا سليم وماسة،6م

كانت ماسة تتمدد فوق الفراش، بينما جلست سعدية بجوارها تقطع لها الفاكهة وتطعمها بنفسها، في حين كان مجاهد يجلس أمامهما يتبادل الحديث معهما.

ماسة وهي تبتسم: يعني كل ده كنتوا عارفينه وماحدش قال لي

ضحكت سعدية: أقولك إزاي؟ سليم كان عايز يعملهالك مفاجأة.

ابتسمت بسعادة،: بصراحة يا ماما، أنا مبسوطة أوي، حاسة إني مانبسطتش كده من زمان.

ابتسم مجاهد بحنان: ربنا يديم الضحكة دي يا بنتي، ويسعد قلبك، ويبعد عنكم كل شر ويباركلك في حملك.

بابتسامة وهي ترفع عينيها لاعلى: يا رب.

سألتها سعدية: هو قالك رايح فين؟ أو هيعمل إيه؟

هزت رأسها: كل اللي أخدته منه وعد إنه مايعملش حاجة متهورة بش معرفش حاجة.

تنهدت سعدية: ربنا يسترها عليه، ويكفيه شرهم.

وفي تلك اللحظة، انفتح الباب.

دخل سليم وهو يبتسم:  مساء الخير.

ما إن رأته ماسة، حتى ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها.

اقترب منها، وانحنى يقبل رأسها قبلة طويلة، ثم وضع يده برفق على بطنها عاملة إيه؟ وجاسر الصغير عامل إيه؟

ضحكت وهي تضرب يده بخفة: خلاص، ربطت دماغك إنه ولد؟

ابتسم بثقة: أيوه.

ضحكت أكثر: إحنا كويسين، بس سعدية مش سايباني أقوم من السرير، لدرجة مسكتلي الشبشب بنفسها.

ردت سعدية بسرعة: أيوه وهفضل ماسكاه كمان، اقعدي واهدي بقى، بطلي فرك.

ضحك سليم، بينما نهض مجاهد وهو يقول:  يلا يا سعدية، سيبي ماسة  تقعد مع جوزها شوية.

رفع سليم حاجبيه متعحبا: انا جيت قومتكم ولا ايه اقعدوا معانا شوية.

مجاهد يربت على كتفه: اقعد مع مراتك انا اصلا كنت هقوم عشان اصلي  العصر.

سعدية وهي تتحرك نحو الباب: وأنا هروح أحضر الغدا اكيد ماكلتش..

اضافت بفخر: هعملك مسقعة تاكل صوابعك وراها.

ضحك: خلاص... مستني.

خرجت سعدية ومجاهد، وأغلقا الباب خلفهما.

ساد الصمت لثوانٍ.

رفعت ماسة عينيها إليه، ثم سألت بقلق: طمني عملت إيه؟

عدل جلسته امامها وامسك يدها وهو يطلق زفرة طويلة: حكيت لمي كل حاجة.

تغيرت ملامح ماسة، لكنها لم تقاطعه تابع: وخدت صافيناز من القصر، ووديتها مكان، جبتلها ياسر، يعالجها، يعني بحاول أفوقها من اللي كانت فيه،عشان اخد منه اي معلومة، خصوصا بعد الأدوية اللي كان عماد بيديها لها.

تسالت باهتمام: ومي عاملة إيه؟

صمت لحظة، ثم قال بصوت خافت: طبعاً اتصدمت جدا، صعبت عليا أوي تقريبا هتدخل في ازمه نفسيه.

عبث وجه ماسة بخزن، بينما خفض عينيه إلى الأرض وتابع: كان بيجي عليا لحظات كتير وأنا بحكيلها، ببقي عايز أسكت،وبقول كفاية عليها كده..

ابتلع غصة، ثم أكمل: لكن كل ماكنت بضعف، كنت بفتكر اللي حصل لينا، السنين اللي اتسرقت من عمرنا، واللي عملوه فيكي، من تهديد  وترهيب...

رفع عينيه إليها باسى: انهيار مي وجعني، والله وجعني، لكن مهما وجعني، عمره ما هيكون أغلى من حقك، حتى لو رشدي مشتركش في حاجات منهم بس سكوته بنسبالي مشاركة.

تنهدت وهو يقول: بس المهم اني ارتحت واني مبسوط.

ظلت تنظر إليه في صمت، ثم همست: بس أنا حاسة إنك مش مبسوط.

ابتسم ابتسامة باهتة، خالية من أي فرحة: طبيعي، هو في حد يبقى مبسوط وهو بيكسر ناس المفروض انهم اهلوا؟

هز رأسه ببطء مضيف: لو كنت مبسوط، كنت أبقى إنسان ماعندوش قلب.

سكت قليلا، ثم قال بمرارة: أنا كل يوم بحاول أقنع قلبي إنه مايضعفش، لأنهم ماضعفوش معانا..

نظر إلى بطنها، ثم واصل بصوت اختنق بالألم: قتلوا ولادنا، ودمروا حياتنا، وطعنوا في شرفك، وماسابوش باب للرحمة إلا وقفلوه.

تنهد، وأكمل بهدوء:ويمكن لسه جوايا حتة نظيفة، هي اللي مخلياني موجوع وأنا باخد حقنا.

مدت ماسة يدها وأمسكت بكفه، ثم قالت برفق: وسيبها موجودة يا سليم، أوعى تخسرها دي الحاجة الوحيدة اللي هتفرق بينك وبينهم..

ثم أضافت بحزن: أنا كمان مي صعبانة عليا أوي، هي كمان ضحية، بس كان لازم تعرف، ماينفعش تفضل عايشه مع واحد زي رشدي..

صمتت لوهلة، ثم قالت بتردد: إيه رأيك... أكلم مي؟

نظر إليها باستغراب: تكلميها؟ إزاي يعني؟

مدت وجهها  موضحه: يعني، آخد بخاطرها، وأعتذرلها، هي برضوا وقفت جنبي كتير، وضحية هي كمان.

ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال بهدوء: معنديش مانع، اعملي اللي إنتِ شايفاه صح.

ثم أضاف بتنبيه: بس... مش دلوقتي.

تسالت: ليه؟

تنهدت مفسرا: لأنها دلوقتي مش هتكون مستعدة تسمع أي حد، سيبيها تستوعب اللي عرفته الأول، وبعدها ابقي كلميها.

أومأت برأسها في تفهم، ثم سألته بقلق: طب ورشدي؟ هتعمل معاه إيه لما يعرف إنك قولت لمي كل حاجة؟ انا خايفه عليك.

ابتسم  ابتسامة ثقه هو ينظر امامه: مستني أشوف هيعمل إيه؟!

سكت لحظة، ثم أكمل بنبرة هادئة لكنها تحمل يقينا: أنا عارف إن اللي جاي... حرب..

التفت إليها، وعيناه امتلأتا بالإصرار: وحرب مش سهلة، لأن رشدي لما يعرف إن كل حاجة اتكشفت، هيبقى مستعد يعمل أي حاجة، انا وجعته من الحته اللي بيتوجع منها، زي ما عمل معايا بالظبط. 

مدت يدها، وأمسكت بوجهه بين كفيها، وقالت بثقة: وأنا متأكدة، إنك قدها..

ابتسم لها لأول مرة ابتسامة صادقة، اقتربت منه، وطبعت قبلة طويلة على شفتيه، كانت تحمل كل ما عجزت الكلمات عن قوله... دعما، وامتنانا، وحبا.

أغمض عينيه للحظة، وكأن تلك القبلة أزاحت عن صدره جزءا من الثقل الذي يحمله.

ثم مال برأسه على كتفها، وبقي هكذا لثوانٍ، يستمد منها هدوءا افتقده منذ زمن.

ابتعد قليلا، واستلقى إلى جوارها، ثم جذبها برفق إلى أحضانه، وضعت رأسها فوق صدره، بينما لف ذراعه حولها بإحكام، انحنى، وقبل رأسها قبلة طويلة، ثم أخذ يمرر أصابعه بين خصلات شعرها في هدوء.
ساد الصمت...

لكن ذلك الصمت لم يكن راحة، كان صمت شخصين يعرفان أن ما ينتظرهما أصعب بكثير مما مضى، فما إن تستعيد مي قوتها، وتواجه رشدي بالحقيقة... سيبدأ الفصل الأخطر، وسيعلن الجميع الحرب... دون أن يكون فيها منتصر بلا ثمن.

قصر الراوي،6م.

كان عزت وفايزة يجلسان في الهول، وعلامات الاستغراب لا تفارق وجهيهما، بينما وقفت إحدى الخادمات أمامهما.

فايزة بحدة: فهميني إيه إللي حصل بالظبط؟

أجابت الخادمة بتوتر: يا هانم عشري جه الضهر، وأخد ست صافيناز معاه، وقال إنها هتروح مصحة، وإن ده بأوامر من سليم بيه.

انتفضت فايزة من مكانها. وإزاي حاجة زي دي تحصل وماحدش يبلغني؟!

ارتبكت الخادمة: والله يا هانم أنا افتكرت إن حضرتكم عارفين، بعدين ده سليم بيه يعني ينفع أسمع إن سليم إللي أمر وأقول لا،

لوحت فايزة بيدها بضيق: غبية غوري.

انصرفت الخادمة سريعا.

التفتت فايزة إلى عزت: إيه رأيك في إللي سمعناه ده؟

قطب عزت حاجبيه:  لازم أفهم سليم بيعمل إيه، اتمنى إن تليفونه يكون مفتوح. 

فايزة بشدة: لو تليفونه مقفول كلم عشري أو مكي أو أي حد من الحرس بتوعه.

أخرج هاتفه على الفور، وأتصل به ظل الهاتف يرن...

ثم قال وهو ينظر إلى فايزة: أخيرًا... بيرن

في فيلا سليم وماسة

كان سليم لا يزال يجلس بجوار ماسة وهي بين أحضانه.

رن هاتفه أخرجه من جيبه وهو يعدل جلسته..

نظر إلى الشاشة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة: الباشا.

توترت ماسة وهي تعدل من جلستها: هاترد؟

اومأ بإيجاب: لازم... ما إحنا اتفقنا إن اللعب بقى على المكشوف.

ضغط زر الرد وأجاب  ببرود: أيوة يا باشا.

جاءه صوت عزت غاضبًا: أخيرًا ظهرت! كنت فين كل ده؟

رد باقتضاب: مشغول.

أجابه بشدة: مشغول بإيه إن شاء الله؟

تابع وهو يضيف بسخرية ولا: هتقولي كنت بصلح مشاكل المجموعة؟

مالت شفتي سليم بإبتسامة باردة وهو يرد: مع إن مش مطلوب مني أبرر أنا كنت فين! لكن كنت مشغول في حاجة تخصني أنا.

صمت لحظة، ثم قال: هو أنا هكرس حياتي كلها ليكم ولا إيه؟!

اشتدت نبرة عزت. أنا عايزك تيجي القصر خلال ساعة تكون عندي.

رفع سليم حاجبه:  ده أمر؟

أجابه بحدة: أحسبه زي ما تحسبه، المهم ساعة وتكون هنا.

أجابه بمنتهى الهدوء:  للأسف... مش فاضي، ثم أكمل: ممكن بالليل أبقى أعدي عليك، لكن دلوقتي عندي حاجات أهم.

عزت بحدة: وأنا عايز أعرف عملت إيه مع أختك.

ابتسم سليم: بالليل نتكلم..

ثم أنهى المكالمة دون انتظار رد.

ظل عزت ينظر إلى الهاتف لثوانٍ.

 فايزة بقلق:  حاسة إن المكالمة دي مش مريحة.

 عزت وهو يضغط على أسنانه: خليه بس ييجي، وساعتها هانعرف هو بيلعب في إيه.

بينما في نفس اللحظة أغلق سليم الهاتف.

بينما على الجانب الآخر...

نظرت إليه ماسة وهي تهز رأسها باستهجان: ليه كلمته بالطريقة دي؟ مش كنت تخليك أهدى وأعقل؟

رفع حاجبه باستغراب: طب ما أنا هادي وعاقل أهو!

اومأت باعتراض وقالت: لا إنت كنت بتهاجمه، أنا عايزاك تبقى خبيث... بارد... تخليه هو إللي يفكر ويتحرق دمه.

زفر بضجر: يا ستي ما أنا بقالي شهر كامل بتعامل معاهم بالخبث واللف والدوران... زهقت.

أشارت إليه بإصبعها بعقلانية: أنا عايزاك تكمّل بنفس الطريقة،  هما لسه مايعرفوش، إنك فهمت كل إللي كانوا بيعملوه.

ثم أكملت بثقة ومكر: سيبيهم مطمنين روح لهم بالليل، وقولهم إنك وديت صافيناز تتعالج وبس، وخليهم يفضلوا فاكرين إنهم لسه ماسكين اللعبة.

ابتسمت بمكر وهي تتابع: وبعدين، أول ما مي تتكلم، ورشدي يعرف إنها عرفت الحقيقة، والدنيا تولع، ساعتها أبقى واجههم.

مال سليم برأسه إليها مصغي لحديثها تابعت بابتسامة واسعة: ووقتها قولهم: "آه... عرفت كل حاجة من زمان، إنتوا بس اخذتوا إن سليم يضرب في الوش، لا كان ماضي، لكن الهجوم إللي إنت كنت بتعمله ده مش وقته صدقني، كده كده هو جاي بس سيبه يجي منهم.

ظل ينظر إليها للحظة، يبدو أنه اقتنع ثم أومأ برأسه بإيجاب عندك حق الاستعجال دلوقتي مش في صالحي.

ابتسمت برضا: أهو كده، ده سليم إللي أنا أعرفه.

ابتسم وهو يغمز لها: حاضر يا قطعة السكر.

ثم سألها: أمال فين يوسف وعمار وسلوى؟

أجابته: يوسف وعمار في الشغل، وسلوى غالبًا رجعت، هي كمان كانت في شغلها، بس أكيد وصلت.

وفي تلك اللحظة...

طرقت سحر الباب، ثم دخلت وهي تقول: الغدا جاهز يا سليم بيه والست سعدية بتقولكم اتفضلوا.

أومأ سليم: تمام.

نهض من مكانه وساعدها على التوقف، واتجه نحو الباب، فقط تحرك خطوة واحدة! لكن ماسة لم تتحرك.

التفت إليها باستغراب: مالك؟

رفعت أحد حاجبيها، وقالت وهي تعقد ذراعيها: إيه ده؟

أومأ وهو يضيق عينه: إيه؟

زمت وجهها بتزمر: هو إنت مش هتشيلني وتوديني لحد السفرة؟ خلاص زهقت مني مابقتش تحبني؟!

انفجر ضاحكًا من جنانها: لا حول ولا قوة إلا بالله صبرني يا رب، لو شيلتك تقوليلي: "ما تعاملنيش كأني مشلولة"... ولو ماشيلتكيش تقولي: "مش بتدلعني  وبطلت تحبني.

هزت كتفيها بدلال:  أيوة... أنا كده، إذا كان عاجبك.

ضحك وهو يشير إليها بإصبعه: حاضر يا ماستي الحلوة... بس أروح أغسل إيدي الأول، وأرجع أشيلك بنفسي لحد السفرة، ونقعد ناكل سوا، وهاكلك بإيدي كمان. 

اتسعت ابتسامتها وهي تومئ برأسها: تمام وأنا مستنياك.

في الفيلا التي يمكث بها مصطفى6م.

كان الجميع يجلسون حول السفرة، يتناولون الغداء وسط أجواء هادئة.

غمس مصطفى قطعة من الخبز في الملوخية، ثم أغمض عينيه باستمتاع وهو يتذوقها:  الله! الملوخية دي جملية مين عملها.

ابتسمت نبيلة وهي تشير إلى آلاء: آلاء هي إللي عاملاها.

نظر إليها مصطفى مبتسما: تسلم إيدك.

ابتسمت آلاء بخجلء: ألف هنا يا دكتور.

أخذ مصطفى عدة لقيمات، ثم قال وكأنه تذكر شيئا: بقولكم إيه... عندي مؤتمر يوم الخميس في مراسي. يوم بليلة بس، فقلت ناخدها تغيير جو. أقدر آخد معايا تلاتة. إيه رأيك يا إيهاب؟ تيجي إنت وعائشة؟ كده كده آلاء جاية معايا.

رفع إيهاب رأسه معتذرًا: والله يا مصطفى عندي شغل، ومش هاينفع آخد أجازة تاني بعد الفترة إللي فاتت

ألتفت مصطفى إلى عائشة: وإنتِ؟

عائشة اومأت وهي تتناول الطعام: مستحيل... عندي امتحانات ولازم أذاكر

رفعت آلاء رأسها وقالت بسرعة: وأنا كمان عندي امتحانات.

نظر إليها مصطفى باستغراب: امتحاناتك لسه ما بدأتش. وبعدين إنتِ جاية معايا ده قرار.

عقدت حاجبيها: يعني إيه جاية معاك؟! هو أنا ماليش رأي؟

ابتسم وهو يكمل أكله في هدوء: لا... في الحتة دي مالكيش رأي.

شهقت وهي تنظر إليه: يا سلام! هو فيه إيه؟

تبسم موضحا: فيه إنك محتاجة تغيري جو. بقالك فترة قافلة على نفسك، ويوم وليلة مش هيأثروا في حاجة.

هزت نبيلة رأسها مؤيدة: معاه حق يا بنتي. روحي غيري جو شوية. من ساعة إللي حصل وإنتِ لا خرجتي ولا ضحكتي

أومأت أنهار  هي الأخرى: سافري يا آلاء... هاترجعي نفسيتك أحسن.

ابتسم مصطفى وهو ينظر لأنهار خلاص بقى... تعالي إنتِ كمان يا حاجة، وإنتِ يا ماما.

لوحت أنهار بيدها وهي تضحك: لا يا خويا... يوم بليلة ده يتعبنى أنا ست كبيرة روحوا إنتم انبسطوا.

تنهد مصطفى بمبالغة وهو يرفع يديه مستسلمًا.
والله العظيم إنتوا عالم فقرية!

ضحك الجميع أكمل وهو يهز رأسه بيأس مصطنع:
: ده الساحل الشمالي يا جماعة... والساحل الشرير كمان!

انفجر الجميع في الضحك، بينما اكتفت آلاء بالنظر إليه وهي تحاول إخفاء ابتسامتها، قبل أن تعود لتناول طعامها في صمت.

منزل مي،7م.

كان رشدي ما يزال جالسا لا يكف عن الحركة، ينظر كل دقيقة إلى باب الغرفة والتوتر ينهش صدره، لم يكن يفهم ما الذي حدث، ولا لماذا إنهارت بهذه الصورة.

أما راشد، فكان يجلس بجوار ابنته، وإلى جواره تقى، بينما وقف حازم وحاتم في الخارج يراقبان رشدي بصمت، لم ينطق أحد معه بكلمة، فالجميع يشعرون أنه السبب، لكن لا أحد يملك دليلا لذلك الاحساس.

وبعد دقائق...

بدأت مي تحرك عينيها ببطء.

مال راشد عليها، وربت على رأسها بحنان بقلق: حبيبتي، عاملة إيه دلوقتي؟ طمنيني يا روح قلبي.

فتحت عينيها، ونظرت حولها بعدم استيعاب، وقالت بصوت مرهق: إيه إللي حصل؟

ابتسم راشد ابتسامة مطمئنة رغم قلقه: مفيش يا حببتي، تعبتي شوية بس الحمد لله بقيتي أحسن، مش عايزين نتكلم دلوقتي خدي نفسك، وتقى تساعدك تغيري هدومك وتأكلي لقمة، وبعدها نبقى نفهم مالك.

أغمضت عينيها للحظة، ثم خرج صوتها متقطعا، والدموع تسبق الكلمات: مش... مش عايزة أتكلم..

هزت رأسها بعنف: سيبوني لوحدي أرجوكم...

ثم انفجرت في البكاء، حتي أرتفع صوتها بهستريا ووصل إلى الصالة..

انتفض رشدي من مكانه، وأنطلق نحو الغرفة، وخلفه حازم وحاتم.

فتح الباب بسرعة، وما إن وقع بصره عليها حتى أسرع إليها.

رشدي بلهفة: مي!

جلس أمامها مباشرة: مالك يا حبيبتي؟ إيه إللي حصل؟ مش أنا سايبك كويسة!

رفعت مي عينيها إليه، وظلت تحدق في وجهه... ثانية... ثم ثانية أخرى...وكأنها تراه لأول مرة.

لم تعد ترى الرجل الذي أحبته ووثقت به وأعطته قلبها...بل رأت إنسانا آخر لا تعرفه.

رأت خائنا... وقاتلا... ومغتصبا... رجلا تجرأ على ارتكاب كل ما تجرده الإنسانية من معناها.

كانت ملامحه بالنسبة إليها تتحول شيئا فشيئا إلى وجه مرعب، كأنها تنظر إلى وحش يرتدي ملامح رشدي فقط.

صوته الذي كان يوما يبعث فيها الطمأنينة، صار يخترق أذنيها كالشوك، ونظراته بدت لها كالنيران، تحرق روحها وتغرس فيها الألم بلا رحمة.

وفي لحظة واحدة...

اختلطت أمام عينيها كل المشاهد التي رأتها قبل ساعات.
فيديو خيانته ليلة خطبتهم...
اعترافاته...
ضحكاته الباردة...
وصورته وهو يخنق ماسة بكل قسوة...
وصوته وهو يقر بكل الجرائم التي ارتكبها...
وكأن كل تلك المشاهد تحولت إلى سكاكين تنهال على قلبها دون توقف، حتى شعرت أنها لم تعد قادرة على ألتقاط أنفاسها أو التمييز بين الواقع وما يدور داخل رأسها.

وصوت سليم وهو يقول "ده الراجل إللي أنتِ متجوزاه.."

مد رشدي يده وأمسك كفها بقلق: ردي عليا يا مي، فهميني مالك؟!

فور أن شعرت بلمسته، شهقت بقوة، وكأنها لمست نارا.

سحبت يدها بعنف، صرخت وهي تبكي بانهيار: إنت حيوان!  أنا بكرهك! أبعد عني... متلمسنيش!

أخذت تزحف للخلف فوق الفراش وهي تصرخ في بكره واشمئزاز: خلوه يمشي، مش عايزة أشوف وشه! مش عايزة أشوووفه

كانت تنظر إليه وكأنه وحش يقف أمامها: بكرهك.. بكرهك!

ثم صرخت بأعلى صوتها: حيوان...أنت حيوان! وحقير 

بينما وقف رشدي يحدق بها بعينان متسعتان من الصدمة، والدموع تجمعت فيهما دون أن يشعر.

تمتم بصوت مرتعش: مي...أنتِ بتقولي إيه؟ مالك؟!

لكنها لم تعد تسمعه، تصرخ فقط... بهستريا حتى بح صوتها.

وتبكي...وكأن قلبها يتمزق.

ضمها راشد محاولا السيطره على ثورتها: مي! أهدي يا بنتي.

حازم: إيه إللي حصل؟ فهمينا!

لكنها لم تستطع الرد.

أخذت تصرخ بانهيار تام، صرخات متلاحقة خرجت من أعماق قلبها، ممزوجة ببكاء هستيري وآهات مزقت سكون المكان، حتى بدأ صوتها يبح من شدة ما صراخها.
تصرخ وكأنها تحاول أن تقتلع الوجع من صدرها... لكن دون جدوى.

وفجأة...

انقطع صوتها دفعة واحدة، ارتخت أطرافها، وأنسحب اللون من وجهها، وأغمضت عينيها وسقط فاقدة للوعي بين أيديهم.

تقى بفزع: مي!!

اندفع الجميع نحوها.

بينما ظل رشدي واقفا مكانه كأن الأرض سُحبت من تحته.

وفجأة...

اندفع حاتم نحوه، وأمسكه من ياقة قميصه وهو يهزه:  عملت في أختي إيه؟! أنطق!

أمسك راشد به هو الآخر، وعيناه تقدحان نارا: بنتي بقت بالمنظر ده بسببك! عملت فيها إيه؟!

هزه بعنف: أنطق!

هتف بإنهيار: والله ما عملتلها حاجة! والله العظيم ما أعرف حصلها إيه!

تدخلت تقى وهي تبكي: كفاية! بدل ما تتخانقوا، شوفوا مي الأول! حد يجيب دكتور بسرعة!

لم ينتظر حازم ثانية واحدة.

أمسك هاتفه واتصل بالطبيب، بينما كان راشد وتقى يحاولان إفاقتها دون جدوى.

حازم بقلق: الدكتور قال منستناش، لازم تتحجز في المستشفى حالا.

أغلق الهاتف، ثم التفت إليهم وهو يقول بحسم: يلا لازم نتحرك دلوقتي.

أندفع رشدي نحو مي وهو يقول بلهفة: أنا هشيلها.

لكن راشد وقف أمامه في اللحظة نفسها، ومد ذراعه يمنعه، وهو يصيح بغضب: متقربش منها... سامع؟

نظر إليه رشدي بصدمة: دي مراتي!

تقدم خطوة أخرى، لكن حاتم دفعه بقوة في صدره: قولنا متقربش!

ترنح رشدي للخلف، واشتعلت عيناه بالغضب: أبعدوا عني، أنا عايز أطمن على مراتي.

وفي لحظة فقد فيها أعصابه، فاندفع نحوها مرة أخرى، فلكمه حاتم بقوة في وجهه، ثم دفعه بعنف، وهو يردد بصراخ: مش فاهم يعني إيه متقربش؟!

تراجع رشدي خطوتين، ومسح الدم من جانب فمه، وضغط على أسنانه بقهر، وفي ثواني نزلت يده على خصره، وأخرج مسدسه، يشهره في وجوهه، وعم المكان صمت مرعب.

شهقت تقي، وقالت بصراخ: رشدي! أنت بتعمل إيه؟!

ثبت المسدس أمامه، وصوته خرج مرتعشا من الغضب والخوف معا: محدش يقدر يمنعني عن مراتي! محدش!

هز حاتم رأسه باحتقار، ولم يتراجع خطوة واحدة: السلاح ده يخوف غيري، إنما أنا لا.

صرخت فيه تقي بعقلانية:رشدي، نزل المسدس، اللي بتعمله ده هيكبر المشكلة، مش هيحلها، أرجوك، علشان خاطر مي نزله.

ظل ينظر إليها بعينين مشتعلة، بينما كانت أنفاسه تتلاحق.

أكملت وهي تشير نحو مي: إنت بنفسك شايف حالتها، هي مش قادرة تشوف وشك، ولا حتى تسمع صوتك، ومش فاهمين السبب!! لو فعلا بتحبها، يبقى آخر حاجة تعملها دلوقتي إنك تزود عليها..

صمتت لحظة، ثم قالت بلهجة أكثر حدة: الحركة الغبية إللي عملتها دي... لو كان لسه فيه بينك وبينها شعرة، إنت قطعتها بنفسك، نزل مسدسك، وسيبنا ننقذها..

في تلك اللحظة، حمل حازم مي بين ذراعيه، وخرج مسرعا بها، ولم يلتفت أحد إلى تهديد رشدي.

ارتخت يده وهبط المسدس وهو يقول بعينين غامت بدموع: أنا مكنتش عايز أعمل كده هم إللي اضطروني، أنا من حقي أقعد جنب مراتي، أنا معملتش حاجة يا تقى والله العظيم ما عملت حاجة، معرفش مالها. 

تقي بعقلانية: طب خلينا دلوقتي نشوف إيه إللي حصل، ونطمن عليها وبعدين نشوف بقى إيه إللي عملته و إيه إللي معملتوش. 

بينما نظر راشد إليه بنظرة نارية، ثم قال وهو يشير إلى المسدس: أنا هعرفك إزاي ترفع سلاحك في وش ولادي، وإللي عملته في بنتي، هتتحاسب عليه، أوعى تكون فاكر إن راشد هايخاف من المسدس إللي في إيدك، ولا من اسم عيلتك، هدفعك ثمن كل دمعه نزلت من عين بنتي يا رشدي. 

ثم تحرك هو وتقى خلف حاتم وحازم الذين حملوا مي بينما ظل رشدي واقفا مكانه، وصدره يعلو ويهبط بعنف، بينما كانت عيناه تدوران في ذهول.
لم يكن يفهم...
ماذا حدث؟
كيف انقلب كل شيء في دقائق؟
منذ ساعات قليلة كانت تودعه بابتسامتها، والآن تصرخ في وجهه، وتنعته بالحيوان، وترفض حتى أن يلمسها.
زفر باختناق، وأغمض عينيه للحظة، ثم ركض وصعد سيارته وقادها خلفهم حيث المشفى

الفيلا التي يمكث بها مصطفى٧م.

في إحدى الغرف، كان مصطفى يجلس أمام شاشة الحاسوب يتابع كاميرات القصر كعادته. لم يكن هناك أي جديد؛ فكل شيء هادئ منذ اختفاء الجميع، دخلت نبيلة، وهي تحمل كوبًا من الشاي، ووضعته أمامه.

نبيلة تساءلت: فيه حاجة جديدة؟

هز رأسه دون أن يبعد عينيه عن الشاشة: لا... الدنيا هادية. بس برضو لازم أطمن أول بأول، علشان لو حصل أي حاجة أبلغ سليم.

جلست أمامه، ثم نظرت إليه قليلًا وقالت:طب وإنت ناوي تعمل إيه؟

التفت إليها باستغراب: أعمل إيه في إيه؟

ردت مفسرة: إنت وآلاء.

زفر بهدوء: زي ما اتفقنا أول ماتخلص امتحاناتها ونرجع الشقة، نبقى نشوف هنعمل إيه.

رفعت حاجبها:  يعني هتطلقها؟

سكت لحظة، وكأنه لم يتوقع السؤال حك خده: مش،مش عارف... مافكرتش.

ضيقت عينيها وهي تراقب ملامحه: ما فكرتش... ولا مش عارف تاخد القرار؟

تنهد وهو يحرك كوب الشاي بين يديه: القرار ده لازم يتاخد في الوقت الصح. مش هاينفع أخده وهي مضغوطة، ولا وهي عندها امتحانات... وبعدين...
توقف قليلًا.

تساءلت بخبث: وبعدين إيه؟

حك مؤخرة رقبته بتوتر: وجودها... مش مضايقني. بالعكس، اتعودت عليها في البيت، يعني لو طولنا شوية عادي يعني لحد ما تخلص وتظبط أمورها..

ابتسمت والدته ابتسامة واسعة: يبقى إنت حبيتها.

رفع رأسه إليها بسرعة: إيه يا ماما! هو أي كلام وخلاص؟

ضحكت:  أومال ليه مأجل الطلاق؟ وليه مستني تخلص امتحاناتها؟ وليه واخد بالك من أكلها وشربها وسفرها؟ وليه كل شوية تسأل عليها؟

ارتبك مصطفى، ثم قال وهو يحاول الهروب من نظراتها: دي مسؤوليتي مش أكتر.

هزت رأسها وهي تبتسم:  لأ يا ابني... المسؤولية حاجة، وإنك تخاف على زعلها  وتهتم بيها حاجة تانية وبعدين أنا إللي ها أقول لك بعدين أنا ما عنديش مانع آه في الاول ما كنتش قبلاها لإنه كان وراها مشاكل بس لما عاشرتها لقيتها بنت كده كويسة ومحترمة وشبهنا.

صمت لحظة، ثم قال بصوت منخفض: ما ينفعش يا ماما... أنا أكبر منها بكتير، ومتجوز قبل كده، وحياتي كلها مشاكل. هي تستحق واحد في سنها، تبدأ معاه من أول السطر.

قلبت وجهها بتهكم ساخر: حوش حوش  يعني هي إللي حياتها كلها بمبي بمبي ده عندها بلاوي قد كدة كفاية أخوها ده.. بعدين ماتحسسنيش إن إنت أكبر منها ب 30 سنه تقريبا 12 ولا 11سنة. 

أعاد نظره إلى شاشة اللابتوب، ثم قال وهو يهز كتفيه:: عموماً، مافيش أي حاجة حصلت أصلًا، ده كله أوهام أنا بعزها، زي أختي وبس..

رفعت والدته حاجبًا، ثم نظرت إليه نظرة طويلة قبل أن تبتسم بمكر : آه... زي أختك؟

أومأ بثقة مصطنعة: أيوة.

ضحكت وهي تهز رأسها: طب ماشي... المهم السفرية إللي كنت بتتكلم عنها وإحنا بنتغدى؟ لسه ناوي عليها؟

اعتدل في جلسته وهو يقلب بعض الأوراق: أيوه. فيه مؤتمر نفسي أحضره بصراحة... أغير جو شوية، وأستفيد منه علميًا. بقولك إيه... ما تيجي معايا؟

لوحت بيدها رافضة: لا، أنا ها أقعد هنا. إخواتك محتاجيني ..

أضافت بنبرة ذات معنى: كفاية آلاء معاك.

سكت مصطفى لحظة، ثم أومأ برأسه.

ابتسمت بحنان، ثم قالت وهي تنظر إليه بحسرة أم: ربنا يسعدك يا مصطفى، نفسي أفرح بيك وبأخوك وبأختك، نفسي أشيل عيالكم قبل ما أكبر أكتر. الناس كلها اتجوزت واستقرت... إلا عيالي.

ابتسم ابتسامة هادئة، ومد يده يمسك يدها: ربنا يديكي طولة العمر يا أمي، وهاتفرحي بينا كلنا إن شاء الله.

ربتت على يده بحنان، ثم نهضت: يلا، كمل شغلك.

وقبل أن تخرج، التفتت إليه مرة أخرى: آه، وما تنساش نبقى نروح نزور ماسة ونطمن عليها.

أومأ بإيجاب: أكيد. هشوف سليم أنسق معاه، ولو الظروف سمحت نروح لهم بعد ما أرجع من المؤتمر

ردت: ربنا يتمم بخير.

خرجت والدته من الغرفة، وأُغلقت الباب خلفها، ظل مصطفى جالسًا مكانه لثوانٍ، لا يفعل شيئًا، فقط ينظر إلى شاشة اللابتوب دون أن يرى ما عليه.

ترددت كلماتها في أذنه: إنت حبيتها.

زفر بضيق، وهز رأسه كأنه يطرد الفكرة بالقوة: مستحيل... همس بها لنفسه.

أعاد تركيزه إلى الكاميرات مرة أخرى، وهو يحاول إقناع عقله أن كل ما يشعر به ليس إلا تعاطفًا... لكن للمرة الأولى، لم يكن مقتنعًا بما يقوله لنفسه.

في أحد المستشفيات،8م.

جلست مي فوق الفراش، وعيناها ثابتتان في الفراغ، بلا أي تعبير... وكأن روحها غادرت جسدها.

وقف الطبيب أمامها، يحرك كشافا صغيرا أمام عينيها يمينا ويسارا، ثم رفع ذراعها وتركها تسقط، فلم تبد أي مقاومة... فقط جسد بلا إرادة.

تنهد الطبيب، وخرج من الغرفة حيث كانت العائلة بأكملها تنتظر في الخارج، يتقدمهم راشد، وحاتم، وحازم، ورشدي.

تنحنح الطبيب وقال بهدوء: زي ما قولتلكم... واضح جدا إنها اتعرضت لصدمة نفسية عنيفة جدا، والصدمة دي خلت عقلها يدخل في حالة دفاع، هي دلوقتي شبه منفصلة عن الواقع.

اتسعت عينا راشد: يعني إيه يا دكتور؟

الطبيب النفسي: يعني عقلها أختار يهرب من الوجع، لازم نعرف إيه إللي حصل قبل الحالة دي... لإن ده هو مفتاح العلاج.

استدار حاتم فجأة نحو رشدي، وقال بغضب مكتوم: يا ريت بقى تنطق... وتقول عملت فيها إيه؟

جز على اسنانه وصاح بغضب: والله العظيم ما عملتلها حاجة! أحلف بإيه تاني؟! دي كانت لحد إمبارح في حضني... أقولك أكتر من كدة إيه؟؟؟؟

ساد الصمت للحظة.

نظروا إليه جميعا بذهول، بعدما خرجت منه كلمات أوحت لهم بمعنى لم يكن يجب أن يفهموه. انتبه رشدي إلى زلته متأخرا، فتوقف عن الكلام.

رفع الطبيب يده مقاطعا: يا جماعة... لو سمحتوا، ده مش وقت اتهامات، حتى لو هي رافضة تشوف أستاذ رشدي، ده مش دليل إنه السبب.

نظر إليه راشد باستغراب: إزاي يعني؟

الطبيب بعملية: لإننا لازم نحط كل الاحتمالات، ممكن تكون عرفت خبر صدمها شافت حاجة أو اكتشفت حاجة قلبت حياتها.

تجمد رشدي مكانه فور أن استمع إلى حديث الطبيب، وترددت الكلمات داخل رأسه كالصدى، عرفت حاجة؟!

هبطت عيناه إلى الأرض، وشعر بقشعريرة باردة تجتاح جسده، بينما انقبضت معدته بعنف، وأخذ قلبه يخفق بجنون: مستحيل... تكون عرفت؟! هتعرف منين؟ ممكن تكون ماسة
قالتلها؟! أو سليم عرف حاجه وقالها؟؟

ظل للحظات غارقا في أفكاره، ثم هز رأسه بعنف وكأنه يطرد ذلك الاحتمال "لا... لا... مستحيل."

دوى صوت حازم بغضب: ما تنطق! عملت إيه؟!

انتفض من شروده، ورفع رأسه بسرعة، وحاول أن يخفي الارتباك الذي ارتسم على وجهه، ثم قال بصوت خرج متقطعا: لا... لا... معرفش، والله ما عملتلها حاجة تخليها توصل لكده... والله ما أعرف حصلها إيه.

راشد ببرود ممزوج بشك: لحد ما نعرف الحقيقة...مش عايز أشوف وشك قدامها.

رفع رأسه بعناد: محدش يقدر يمنعني عن مراتي.

اقترب منه حاتم خطوة: إحنا هنمنعك.

ثبت نظره عليه بحدة: قانونا وشرعا... أنا جوزها، وأنا أول واحد ليه حق يقرر علاجها، أقدر أنقلها أي مستشفى، ومحدش هيعرف يوصلها، بس أنا مش هعمل كده علشان مي وبس، فبلاش تجبروني أوصل للمرحلة دي.

صاح حازم: انت بتهددنا؟؟ فاكرنا هنخاف.

رفع الطبيب صوته بحزم: كفاية! دي مستشفى، مش ساحة حرب مين يكسب ومين يخسر؟!

ساد الصمت.

ثم التفت الطبيب إلى رشدي بعملية: بص يا أستاذ رشدي... أنا عايز أجرب حاجة، هتدخل معايا دقيقة واحدة بس، لو ظهر عليها أي رد فعل عنيف، يبقى هتكون ممنوع من زيارتها مؤقتا.

ثم التفت إلى راشد وأستاذ راشد يدخل الأول.

دخل راشد إلى الغرفة وقف أمام ابنته ظل يناديها بهدوء... لكن مي لم تتحرك، لم ترفع رأسها...ولم ترمش.

خرج راشد، بعدها دخل رشدي، وقف أمامها مباشرة.

اقترب منها بحذر: مي...

لم تجيب.

انحنى أمامها قائلا بنبرة متأثرة قلقة بعينين اغرورقت بالدموع: بصيلي يا مي...قوليلهم إني معملتش حاجة، قولي لهم قد إيه بحبك... وإننا كنا كويسين، وإننا اتفقنا نسافر... فاكرة؟ ردي عليا... بالله عليكي.

بدأ الطبيب يرفع ذقنها برفق: مي..شايفة إللي واقف قدامك؟ ده رشدي... جوزك.

امسك يدها بوجع: مي حبيبتى إيه إللي حصلك؟!

تحركت عيناها ببطء نحوه، ثانية، ثم ثانية أخرى...
وفجأة...

اتسعت حدقتاها تسارعت أنفاسها بدأ جسدها يرتجف، وانطلقت شهقة قوية من صدرها.

ارتفعت يداها وهي ترتعش بعنف، ثم صرخت فجأة: ااااااه... لاااااا... أبعده... أبعده عني... مش عايزة أشوفه!

بدأت تتشنج بعنف.

أسرع الطبيب وهو يصيح: أستاذ رشدي... أطلع بره حالا.

وقف رشدي مكانه مصدوما، قبل أن يندفع الممرضون نحوه ويخرجوه سريعا من الغرفة.

قال بإرتباك وهو يحاول العودة إليها: إيه إللي حصل؟! مي مالها؟!

وقفت إحدى الممرضات في طريقه وهي تشير إلى الباب: من فضلك... أخرج حالا.

تراجع خطوة للخلف، وعيناه معلقتان بها من خلف الزجاج.

كانت تصرخ، وجسدها ينتفض بعنف، بينما الأطباء يحاولون السيطرة عليها.

وفجأة...

هبطت دمعة من عينه دون أن يشعر بها، أسند ظهره إلى الحائط، ومرر كفه فوق وجهه بعجز، وهو يتمتم بصوت مبحوح: أنا... عملت فيها إيه؟!

في الداخل، قال الطبيب بحزم: هاتوا الحقنة... بسرعة.

ثم ألتفت إلى الباب وأغلقه وهو يقول: لو بتحبها فعلا...أبعد عنها دلوقتي.

لم يقوَ على الاعتراض، وأومأ برأسه في استسلام.

ظل واقفا خارج الغرفة، يستند إلى الحائط، وأنفاسه متقطعة، والدموع تنساب من عينه بصمت، بينما لم يكن يسمع سوى صوتها المكتوم من الداخل... وكل صرخة كانت تغرس في صدره سكينا جديدا.

وفي الداخل...

حقنتها الممرضة بالمهدئ، وبعد دقائق بدأت التشنجات تهدأ تدريجيا، وانخفضت شهقاتها شيئا فشيئا، حتى استلقى جسدها ساكنا فوق الفراش، بينما بقيت دموعها تنساب من عينيها المغلقتين، كأن الألم ما زال يطاردها حتى وهي غائبة عن الوعي.

خرج الطبيب إلى الجميع.

نظر إلى رشدي بجدية: للأسف التجربة أكدت إللي كنت شاكك فيه، وجود حضرتك بيسببلها انتكاسة شديدة جدا.

تنهد، ثم أكمل: هي دلوقتي عقلها حابسها جوه صدمتها... وإحنا هنشتغل على إخراجها منها بالتدريج، لكن في المرحلة دي... أي احتكاك بيك ممكن يرجعنا خطوات لورا.

نظر إليه مباشرة، وتابع: لو فعلا بتحبها يبقى ساعدنا، ومن فضلك امتنع عن زيارتها مؤقتا، لحد ما حالتها تستقر.

ظل رشدي صامتا للحظات، ثم أومأ برأسه بصعوبة، بينما كانت الصدمة تملأ عينيه، لأول مرة يشعر أن المرأة التي كانت لا ترى سواه، أصبحت ترتعب من مجرد رؤيته.

اقتربت منه تقى ببطء، بينما كان ما يزال واقفا أمام باب الغرفة، وعيناه معلقتين به وكأنه ينتظر أن تخرج مي وتنفي كل ما يحدث.

قالت بصوت هادئ، رغم الدموع التي كانت تلمع في عينيها: من فضلك... أمشي يا رشدي.

التفت إليها ببطء، ونظر إليها بطرف عينه: بس أنا...

قاطعته بهدوء: أمشي... محدش هنا قادر يشوفك دلوقتي. كل ما نبصلك... هنفتكر إنك السبب في إللي هي فيه.

ازدرد ريقه بصعوبة، بينما أكملت: حاتم، وحازم، وبابا، حتى أنا كلنا مش قادرين نتقبل وجودك دلوقتي...

رمش بعينه بحزن وكالمتهم البرئ حاول أن يتحدث لكنها واصلت بتنهيده ألم: أنت متعرفش مي بالنسبة لنا إيه، اللي بيحصل دلوقتي رجعلنا لذكريات وحشة أوي، فكرنا بإنهيارها زمان لما حماتي ماتت، وإحنا بالعافية قدرنا نخرجها منه.

أغمض عينيه للحظة، وكأن كل كلمة كانت تسقط فوق صدره كالحجر.

قال بصوت مبحوح: أمشي إزاي، وأسيبها بالحالة دي؟

ردت بهدوء: أوقات كتير لازم نبعد عن إللي بنحبهم، علشان يبقوا كويسين، مش مهم إحنا نتوجع المهم هما يرتاحوا.

ظل صامتا للحظات يفكر، شعر أنها محقة، ثم سألها برجاء لم تعتد أن تسمعه منه: طب... هتطمنيني عليها؟

أومأت برأسها: أكيد، أول ما يبقى فيه جديد هبلغك.

تنهد وقال: أنا هاجي بكرة أطمن عليها.

ابتسمت ابتسامة باهتة: لو الدكتور سمح تعالى، إحنا مش هنمنعك، لكن أرجوك متحتكش ببابا، ولا بحاتم، ولا بحازم. مهما قالوا أو عملوا، افتكر إنهم أبوها وإخواتها، وطبيعي يكونوا خارجين عن شعورهم.

هز رأسه باستسلام: أنا مستحمل، والله ما فارق معايا أي حاجة، المهم مي تبقى كويسة.

ثم رفع عينيه إليها وقال بصوت خافت: هكلمك أطمن عليها، ماشي؟

أومأت: ماشي.

أخذ نفسا عميقا، ثم استدار متجها نحو الخارج.
وقبل أن يغادر، ألتفت إلى راشد وحاتم وحازم، وقال بهدوء لم يكن يشبهه: علشان خاطر مي أنا همشي، غير كده والله ما كنت سيبتها.

لم يرد عليه أحد.

خرج من المستشفى بخطوات ثقيلة، وكأن الأرض تسحبه إليها.

صعد سيارته، وأدار المحرك، ثم أنطلق دون أن يشعر بالطريق.

قصر الراوي،8م.

كان عزت وفايزة يجلسان في الصالون ينتظران يبدو على ملامحهما الضجر، وما إن دخل سليم حتى رفع عزت رأسه وقال بحدة: أخيرا جيت ممكن بقى أفهم إيه اللي عملته مع أختك؟

خلع سليم سترته بهدوء، وألقاها على ظهر المقعد، ثم جلس وكأنه لم يسمع نبرة الغضب اجاب ببرود:  اللي عملته، كان لازم يتعمل منكم.

ضيقت فايزة عينيها قالت بتهكم: يعني إيه كان لازم؟! إزاي تاخد أختك من غير ماترجع لنا؟

نظر إليهما باستغراب، ثم حك ذقنه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة لاذعة، وقال: طب أنا الحمد لله كويس، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنتم عاملين إيه؟

اشتعلت نظرات فايزة، وقالت بحدة:سليم، بلاش أسلوبك ده؟! ده لا وقته ولا مكانه خالص، رد علينا، إيه اللي إنت عملته ده؟

رفع عينيه إليها أجابها بتنهيدة مفسرا: بعد ماعرفت إنها حاولت تنتحر، وحاولت تقتل مفيدة، مابقاش عندي رفاهية إني أستنى رأي حد.

اتسعت أعينهما بصدمه.

عزت بدهشه تسأل: إيه كلام ده !! حصل امتى ده؟!

مد سليم وجهه وهو يتعدل جلسته: اسألوا مفيدة.

نظر عزت إلى الخادمة التي تبتعد بعد الامتار على صوته: نادي على مفيدة.

وبعد لحظات دخلت مفيدة، وقد بدا عليها الارتباك، قالت: امرك يا بيه؟!

فايزة: احكي اللي حصل.

ابتلعت ريقها وقالت وهي تنظر  نحو سليم: والله يا باشا، كنت بدخل لها الأكل كعادتي، وفجأة هاجمتني، حاولت تخنقني، وكانت ماسكة سكينة، ولولا إن عشري دخل في اللحظة دي كان زماني مت.

ساد الصمت.

عقدت فايزة حاجبيها باستغراب، وقالت: وعشري إيه اللي يخليه يدخل القصر في الوقت ده! وكمان يطلع فوق؟

أجابها سليم بهدوء، وكأنه يتحدث عن أمر عادي: كان بيجيبلي شوية حاجات، ولما سمع الصوت... طلع يشوف في إيه؟!

أكملت  مفيدة على حديثه وهي ترتجف: وعشري هو اللي بلغ سليم بيه.

نظر سليم إليهم مفسرا: أول ماعشري بلغني... قولت له يجيبها فورا،  لاني فهمت ان حالتها بتنهار كل يوم عن اللي قبله،..

ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامه جنبيه وهو يشير بيده: وماتقلقيش يا هانم، دخلتها مكان محدش يعرفه، لو انت قلقانه احسن حد ياخد خبر وتبقى فضيحه،

عزت بستنكار حاد: فتدخلها مصحه مصحه؟!

أجابه بهدوء: مش مصحة بالمعنى المعروف، لكنه مكان مجهز بالكامل. دكاترة، وممرضين، وكل اللي تحتاجه.

ثم أكمل بنبرة أكثر جدية: أنا دخلت كلمتها بنفسي، ماعرفتنيش، كانت بتتكلم مع ناس مش موجودين،وبتستخبى مني، وبتقول إنهم عايزين يقتلوها فزاع عايزيني بعد كل اللي انا عرفته وسمعته وشفته اسيبها كده.

خفض عزت رأسه قليلا بأسف دون رد.

أما فايزة فقالت بضيق: الناس هتقول إن بنت عزت الراوي اتجننت ودخلت مصحة نفسية.

نظر إليها سليم باستغراب ثم قال بسخرية: ما هي فعلا اتجننت؟! وده كان الحل الوحيد اللي كان لازم يتعمل حبسها هنا في القصر مش حل؟!

ثم نظر إلى عزت وقال: ولا انت إيه رأيك يا عزت باشا؟

عزت بحدة: كان لازم تاخد رأينا الأول، مش تيجي تاخد أختك من القصر بالشكل ده.

أجابه سليم بهدوء: ماكانش فيه وقت. 

ثم زفر بضيق وأضاف: أنا مش فاهم أنتم مضايقني ليه؟! ولو خايفين عليها أوي، روحوا زوروها، محدش مانعكم.

نظر إليه عزت متنهد: الدكتور قالك إيه؟

مدت وجهه مفسرا: لسه مستني التحاليل، لكنه شاكك إنها كانت بتاخد أدوية معينة أثرت على مخها،هنستنى النتيجة... وساعتها هنعرف الحقيقة.

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يغير عزت الموضوع: طيب وسيبنا من صافيناز، إيه أخبار المجموعة؟

رفع سليم حاجبه: زي ما بلغتك يا باشا،أنا شغال وبدور؟!

اجاب عزت بحدة: شغال إيه؟! أنا كلمت ناس كتير، وكلهم قالوا إنك ماعملتش أي حاجة.

لم يهتز سليم بل ابتسم قال بثقة: طبعا هيقولوا كده، لأن ده الاتفاق اللي بيني وبينهم  كلم ماركو وسألوه.

لوح عزت بيده: بلاش ماركو ده صاحبك، وحتى أبوه بيفضلك.

رد سليم فورا قال: خلاص لو مش مصدقني... كلم راميلو... أو مستر تيفل... أو الدمنهوري... أو اللواء محمد. أو الوزير نفسه قولهم: سليم بيقولكم الحفلة في معادها؟! وشوف هيقولولك إيه.

علقت فايزة باستغراب: وليه عامل كل ده؟ وليه بتبين للكل إنك ما عملتش حاجة؟ وبعدين لو كنت فعلًا بتشتغل، كنا أكيد هنحس.

ابتسم سليم ابتسامة خفيفة وقال: مش مطلوب من أحكي أنا بعمل إيه كل خمس دقايق، لأني بدور على اللي مستخبي ورا كل ده، مش فارق معايا اللي خسرناه، لأن اللي راح هيرجع، اللي يهمني أعرف مين اللي بيلعب من ورا الستار..

ظل عزت صامتا، فأكمل ثم أشار إلى عزت بابتسامة ذات مغزى: بعدين أنا عرفت إن الباشا قدر يجيب صفقة البترول الجديدة، وشركة الشحن شغلها ماشي زي الفل، وإنك قعدت مع المستثمرين وظبطت كل حاجة، واجتمعت برئيس الوزراء وطلبت منه مهلة ست شهور... وحتى قابلت الرئيس بنفسه، وقدمت له اعتذار عن اللي حصل.

نظر عزت إليه باستغراب: وإنت ماكنتش تقدر تعمل الكلام ده من الأول؟

هز سليم كتفيه بلا مبالاة: انت عارف إني مليش في الشغل مع الحكومة، ومابحبوش بس ده مش موضوعنا.

ثم تغيرت نبرة صوته قليلا وقال: الموضوع الأهم... إني شاكك في عماد.

اتسعت عينا فايزة: عماد؟!

أومأ سليم: أنا ماشي ورا كذا خيط، ونسبة كبيرة جدًا إن عماد هو اللي ورا اللي بيحصل.

لوح عزت بيده باستهانة: عماد؟! ده صرصار مايقدرش يعمل كل ده.

اوما باعتراض: بالعكس يا باشا، عماد عمرة مكان صرصار ، أخطر الناس هم اللي محدش عامل لهم حساب، وعماد من زمان وأنا بقول لكم إنه ثعلب، بس محدش كان بيصدقني.

اوما فايزة مؤيدة: سليم ممكن يكون عنده حق، أنا عمري ما ارتحت لعماد.

رفع سليم عينيه إليها، وظهرت ابتسامة جانبية ساخرة على شفتيه بخبث: غريبة يا هانم.

نظرت له باستغراب ايه الغريب؟!

أجابها  يحاول توترها: أصل الفترة الأخيرة كنت حاسس إنك بقيتي قريبة منه جدًا

اجابت بتوتر مبطن: عشان أختك... مش أكتر.

أومأ يمثل الاقتناع: اممم، عموما، أنا ماشي ورا كام خيط كده، أول ما أتأكد، هتعرفوا كل حاجة.

في تلك اللحظه داخل رشدي الذي لا يعرف كيف وصل لهنا، وملامح الضجر وعدم الفهم تملأ وجهه.

اتجه نحو الداخل بخطوات سريعة، وقبل أن يصعد الدرج، استمع إلى صوت سليم يأتي من الصالون.
تجمدت قدماه في منتصف الدرج، واستدار ببطء، يحاول أن يتأكد مما سمعه.

تسلل التوتر إلى صدره، وعاد ذلك الخوف الذي ظل يطارده منذ خروجه من المستشفى... ماذا لو كانت ماسة قد تكلمت؟ ماذا لو عرف سليم كل شيء؟
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم هز رأسه محاولا طرد تلك الأفكار.
"لا... مستحيل."

لكنه لم يستطع إخماد شكوكه، فاتجه بخطوات حذرة نحو الصالون، عازما على أن يقطع الشك باليقين

وما إن دخل الصالون حتى وجد سليم يجلس بكل هدوء، يتحدث مع عزت وفايزة وكأن شيئا لم يكن.
تجمد مكانه للحظة، ثم قال باستغراب:
رشدي: إنت هنا؟!

رفع سليم رأسه إليه، ثم ابتسم ابتسامة خبيثة 

رفع سليم رأسه إليه بابتسامة خبيثة: اه هنا عامل إيه؟ ومي عاملة إيه؟

رمقه رشدي طويلا، وكأن السؤال وحده أزاح جزءا من شكوكه، ثم تساءل: أنت هنا من بدري؟

أجابه ببرود وهو يفهم ترقبه: مش من كتير، نص ساعة كده.

رشدي بتوتر مبطن: وجاي من البيت؟

اومأ بخبث: آه، جاي من البيت، فيه حاجة؟

هز رأسه سريعا: لا بس بسأل عادي.

تأمله لحظة، ثم قال بابتسامة خبيثه مستمتعا بالتلاعب به: مالك؟ شكلك متضايق، فيه حاجة؟

تردد لثواني، ثم قال: لا مفيش.

سليم بتلاعب: أنا وماسة اتفقنا  نروح نطمن على مي.

سأله تلقائيا: أمال هي فين دلوقتي؟

سليم بلؤم: مين! تقصد ماسة؟!  

اومأ بإرتباك: اه

أجابه: في الفيلا، بتسأل ليه؟!

ابتلع ريقه: عادي، أمال أنت كنت مختفي ليه بقالك فترة؟

تدخلت فايزة بسخرية: كان بيعمل شهر عسل مع مراته.

ضحك سليم قاصدا استفزازها: حقها بعد كل إللي عملته فيها.

ثم نظر إلى رشدي، وقال بنبرة تحمل معنى خفي: على فكرة طلع عندك حق يا رشدي، أنا كنت غبي فعلا وماسة كانت مظلومة، وبحاول دلوقتي أكفر عن إللي عملته فيها، شكرا إنك كنت دايما بتدافع عنها.

رمقه رشدي بصمت، بينما راقبه عزت بإهتمام، ثم سأله بتوتر: يعني وصلت لحاجة جديدة؟

أدار نظره بينهما، ثم قال بإبتسامة شيطانية: لسه بس جالي خيط مهم جدا، هيوصلني للباقي قريب.

تنفس رشدي بصعوبة: طب أنا طالع فوق.

ناداه سليم قبل أن يتحرك: استنى يا ابني، مقولتليش مي عاملة إيه؟ أجي أنا وماسة إمتى؟!

تجمد للحظة، ثم رد بسرعة: كويسة... كويسة الحمد لله.

صعد الدرج بخطوات متسارعة، بينما ظل سليم يتابعه بابتسامه شامته، فأخيرا رأي رشدي يتذوق أول جرعة من ذلك الخوف الذي عاشه لسنوات؛ وهو يري من يحبه يتغير أمامه فجأة دون أن يدرك سببا لذلك، بدا وكأن المشهد يعيد نفسه من جديد، لكن هذه المرة تبدلت الأدوار.

أخذ نفسا عميقا، وأخفى أي ملامح للرضا قد تفضحه، ثم ألتفت بهدوء نحو فايزة وعزت وكأن شيئا لم يكن.

سليم بهدوء: زي ما قولتلك يا باشا، أنا لسه بجمع الخيوط، وأول ما أوصل لحاجة أكيدة هبلغك.

ثم أضاف وهو ينهض: وبالنسبة لصافيناز، أطمنوا، هي في أمان، والدكتور بدأ يتابع حالتها.

نظر إليه عزت بجدية: طب وموضوع عماد؟ هتتأكد منه إمتى؟

عدل سترته وهو يجيب: بالكتير...أسبوع، أو 10أيام.

عزت باهتمام: طب فهمني وصلت لإيه؟ وإيه إللي خلاك تشك فيه من الأساس؟

اجابه بجمود: مش لازم كل حاجة تعرفها دلوقتي يا باشا، كل حاجة هتعرفها في معادها، ولما أتأكد هتعرف كل التفاصيل.

نظرت إليه فايزة بضيق: أنت هتفضل بالأسلوب ده لحد إمتى؟ مش كنت بطلت تخبي علينا؟

زفر بهدوء: فيه مواقف كده بتضطر الواحد يرجع لأسلوبه القديم، قولت أصبروا عليا أجمع باقي الخيوط وابلغكم.

ثم أردف وهو ينظر لعزت: ولو عماد رجع اتعاملوا معاه عادي، كأن متعرفوش حاجة.

ابتسم ابتسامة جانبية وتابع: مع إني شايف إنه مش هيرجع.

عقدت فايزة حاجبيها: يعني إيه مش هيرجع؟

أجابها بهدوء: أصل نسيت أقولكم، إنه متجوز سارة من سنين، وعنده منها ولد وبنت ودلوقتي عايشين مع بعض في روما.

اتسعت عينا عزت بصدمة: أنت متأكد من إللي بتقوله ده؟

نظر إليه بثبات: زي ما أنا متأكد إني شايفك قدامي يا باشا.

ثم أردف بجديه: وعلشان كده بقولكم بلاش تهور، نهدى الأول ونعرف إحنا واقفين قدام إيه بالظبط، لما الصورة تكتمل، ساعتها كل واحد هياخد جزاءه، سلام.

تحرك للخارج، ساد الصمت لثواني...

تبادل عزت وفايزة النظرات، قبل أن يزفر عزت ببطء: أنا مش مصدق إللي بسمعه!

فايزة بحدة: لازم تحاسب عماد.

هز رأسه بحزم: هيتحاسب طبعا، وهدور وراه لحد ما أتأكد من كل كلمة قالها سليم.

عقدت حاجبيها: وسليم هيكدب ليه؟

فرك ذقنه بتفكير: مقولتش إنه بيكدب، لكن فيه حاجة مش راكبة، فيه حاجة ناقصة!

سألته باستغراب: ايه هي؟

نظر إليها طويلا، ثم قال ببطء: أنا مش شاكك في جزئيه عماد، دي ممكن تطلع صح، لكن إللي مش داخل دماغي إنه معملش حاجة علشان بيدور على إللي ورا كل ده؟!

أشار بيده بضيق: ده أنا خلال كام يوم بس رجعت صفقات، وفتحت خطوط شغل، وخدت موافقات من ناس كانت رافضة حتى ترد علينا... وييجي يقولي معملتش حاجة لإني مشغول في حاجات أهم!  هو إيه إللي أهم؟! خسارتنا متقلش أهمية عن معرفة إللي عمل كده؟

صمت لحظة، وأكمل بدهاء: أنا راجل بقالي 50سنة في السوق وبعرف أقرا الناس كويس، سليم النهاردة كان هادي وواثق زيادة عن اللزوم، وفي نظرة في عينه أنا عارفها كويس رغم إنه حاول يخبيها.

هزت رأسها برفض: أنت مكبر الموضوع يا عزت، سليم ملوش في اللف والدوران، مبيعرفش يتلاعب. 

ابتسم ابتسامة لم تصل إلى عينيه: يا رب يكون إحساسي غلط، لكن أنا مش هسكت، هدور بنفسي، وهتأكد من كل حاجة، سواء ورا عماد أو ورا سليم، واتمنى شكي يطلع غلط، لإني استحالة أحارب ابني!

علي اتجاه آخر

كان رشدي يتحرك في الغرفه ذهابا وإيابا بعصبية، كأنه عقله يدور في حلقة مفرغة وهو يتسأل: إيه إللي حصل؟ وغيرها بالشكل ده؟

توقف فجأة، وأتخذ قراره بالتحدث مع ماسة، فأخرج هاتفه وأتصل بها.

في الفيلا سليم وماسة 

جلست ماسة تجلس على الأريكة تشاهد التلفاز، وفجأة اهتز هاتفها..

نظرت إلى الشاشة، وابتسمت بسخرية عندما رأت اسم رشدي.

أخذت نفسا عميقا، وأجابت ببرود: عايز إيه؟

جاءها صوته متوترا على غير عادته: ماسة قوليلي الحقيقة، أنتِ حكيتي أي حاجة لمي؟

ساد الصمت لثواني، قبل أن ترد ببرود متعمد: حاجة زي إيه؟

جز على أسنانه: متستعبطيش.

ضحكت بسخرية: هستعبط ليه، هخاف منك مثلا؟

تابعت باستفزاز: إنتوا اتخانقتوا مع بعض ومقالتش السبب؟! فافتكرت إني قولتلها؟!

ضحكت بفرحة:  أحسن تستاهل، وبعدين يا رشدي، أنا مش محتاجة أقول لحد حاجة عن بلاويك، تاريخك لوحده كفاية.

أشتعل الغضب داخله، ولم يتحمل سخافتها أكثر، فاغلق الهاتف بعنف، والقاه باهمال،ثم كور يده وضرب الحائط بقوة، حتى أحمرت مفاصله.

ثم جلس على الأريكة، وأسند مرفقيه فوق ركبتيه، ودفن وجهه بين كفيه، يحاول جمع خيوط ماحدث

ظل يفكر لثواني، ثم تجمد مكانه عند اسم معين"عماد"

اشتدت ملامحه: هو مفيش غيره، أكيد قالها حاجه؟

جز علي أسنانه: والله العظيم يا عماد لو طلعت أنت لأدفنك.

عند ماسة

جلست تتابعه علي اللابتوب، بإبتسامة شماتة: أحسن.

وظلت تتابعه وهو يغرق أكثر فأكثر في دوامة الاضطراب والدموع والوجع.

على اتجاه آخر...

جلست سلوى في الحديقة، شاردة الذهن، وقد ارتسمت على ملامحها علامات الحزن والضيق.

في تلك اللحظة، دخل سليم وخلفه مكي وهو يتحدث عبر الهاتف باللغة الإنجليزية: تمام كما اتفقنا عزت سيتحدث معك اليوم أو غدا على الأكثر حسنا، إلى اللقاء.

أنهى المكالمة، وزفر بعمق.

فنظر إليه مكي: استعجلت لما قولت لعزت على عماد؟ 

هز رأسه: بالعكس، أنا عايزه يشك فيه، ويدور وراه بنفسه.

ثم أردف بهدوء: أنا عارف إنه مصدقش كل إللي قولته شوفتها في عينه، وهيدور ورايا، كده كده مش هيوصل لحاجة، لكن عزت مش سهل، الراجل ده بنى إمبراطورية من الصفر، وإللي يعمل ده عمره مايبقى غبي..

ابتسم ابتسامة باهتة وأكمل: أنا بطلت أستهين بأي حد عموما..

أومأ مكي برأسه: تمام، أنا هراجع الكاميرات والتسجيلات، وهبلغك باللى اتقال.

اومأ: ماشي.

تحرك مكي مبتعدا.

عندها انتبه سليم إلى سلوى، التي كانت تتابع حديثهما من بعيد، ثم أسرعت تشيح بنظرها.

اقترب منها، وجلس على المقعد المجاور لها: عاملة إيه؟

حاولت رسم ابتسامة صغيرة، لكنها خرجت باهتة: كويسة.

ضيق عينه بشك: مش شايف كده خالص؟

صمت قليلا قبل أن يسأل: إيه أخبارك مع مكي؟ وصلتوا لإيه؟

نظرت له من طرف عينها: يعني متعرفش؟

هز رأسه: لا، كل إللي أعرفه إنه كان معاند بسببه جرحه منك، لكن معرفش إيه إللي حصل بعد كده.

تنهدت بحزن: زي ما احنا..يوم خطف عائشة جه يزعقلي لإني روحت لطنط ليلى وقولتلها تساعدنا نرجع لبعض، وهي رحبت جدا.

صمتت لحظة، ثم أكملت: بس مرضيتش أقولها السبب الحقيقي، لإن فيه حاجات تخص شغلكم القديم، وطنط متعرفهاش.

تنهدت بأسى: هو اتعصب جدا، وقال إنه مش هيقدر يسامحني.

مالت شفتيها بضجر: ويوم ماجيت هنا، حاولت أتكلم معاه تاني، وحسيت إنه بدأ يلين شوية، لكن الموضوع وقف، لإن بابا وإخواتي موجودين طول الوقت، ومفيش فرصة نتكلم لوحدنا.

سليم بهدوء: أنتِ بتحبيه بجد وعايزة ترجعيله؟

هزت رأسها بحزن: تفتكر واحدة تعمل كل ده متبقاش بتحب؟! ده روحت لأمه واترجتها تساعدني بعد مايئست منه.

أطرقت برأسها وأكملت بندم: أنا غلطت وندمانه يا سليم، بس غلطي مكانش بالسوء إللي مكي بيحاسبني عليه ده، كان منتظر مني ايه، وأنا قبل فرحي بايام اكتشفت بلاوي عن الإنسان إللي كنت بحبه، واتهددت، وكنت منهارة نفسيا، حتى لما اتخطبت لطارق، كنت ضعيفة ومكسورة، والإنسان الموجوع ساعات بيغلط... ده أنا من وجعي وجعت ماسة نفسها لما وافقت تديك فرصة.

نظر إليها بتفهم وقال بعقلانية: أنا والله مش ضدك، بس أنتِ صعبتيها أوي لما اتخطبتي، إنتِ عارفة مكي غيور، وكرامته كبيرة، وكان موجوع، صدقيني لو كنتي وقفتي عند إللي عرفتيه، كان رد فعله اختلف.

قالت بسرعة: وأديني اهو يا سليم عرفت غلطتي، وفسخت خطوبتي، وبرضو مش راضي يسامحني.

تنهد سليم وسألها: قالك إيه آخر مرة؟

ابتسمت بحزن: قالي إنه حتى لو لسه بيحبني، مش هينفع نرجع، لإنه خايف أجرحه تاني.

اومأ: خلاص سيبي الموضوع ده عليا، بس والله يا سلوي لو كررتي غلطك فيه تاني، لأنا بنفسي هجوزه واحدة تانية.

ضحكت رغم دموعها: خلاص بقى، إحنا كلنا غلطنا في الفترة دي، لإن كل واحد فينا كان بيحب بجد، وكل واحد رد فعله كان على قد وجعه، ده إنت نفسك في مرة طلعت المسدس علينا!

ضحك وهو يهز رأسه: ده أنتِ قلبك أسود سواد، خلاص يا أم لسان،! أنا كنت فاكر  إن مفيش حد غلابوي قد ماسة، طلعتي جنبها مدرسة كاملة!

انفجرت ضاحكة لأول مرة منذ أيام، فابتسم سليم، شاعرا بأن الأمل بينهما مازال حيا ويحتاج فقط إلى الوقت.
نهض من مكانه: طب أنا هطلع لماسة 

اومأت براسها: شكرا يا سليم.

تبسم لها وتحرك.

جناح سليم وماسة.

لا تزال ماسة تجلس على الأريكة، تتابع شاشة اللابتوب بابتسامة واسعة.

دخل سليم يقول بدلال: ماستي الحلوة.

رفعت عينيها إليه، ثم أشارت إلى اللابتوب وهي تضحك: تعالى يا كراميل شوف ومتع عينك.

نظر إليها باستغراب، ثم تقدم وجلس بجوارها، فوجدها تشاهد رشدي عبر الكاميرات.

ماسة بفرحة: بقاله أكتر من ساعة كده، لا قادر يقعد، ولا قادر ينام، كل شوية يقوم يكلم تقى مرات أخو مي، هيتجنن ويعرف إيه حصل؟! عمال يكلم نفسه زي المجانيين 

نظر إليها مفسرا بأسى: جالي خبر إن مي في المستشفى وجالها إنهيار عصبي؟

هزت رأسها بحزن: أيوه، أنا فهمت من كلامه، والله زعلت عليها أوي..

ثم عادت تنظر إلى الشاشة، بابتسامة منتصره: بس منظره مفرحني، افتكرت نظرته ليا وهو بيهددني بأهلي كان قاسي وفاكر نفسه شيطان محدش يقدر عليه، بصله دلوقتي، كله ضعف وخوف.

مد يده وأغلق الشاشة، ثم نظر إليها بابتسامة: بقولك إيه... سيبك منهم دلوقتي، وخلينا فينا شوية.

ابتسمت وهي تنظر إليه: طب الأول عملت إيه مع الهانم والباشا؟

تنهد بهدوء: بدأوا يشكوا فيا.

اتسعت عيناها بصدمة: يا نهار أسود!

ابتسم بهدوء: شيء متوقع جدا، عزت مش راجل غبي، وطبيعي يحسبها.

ماسة بقلق: طب فهمني... إزاي؟

نهض من مكانه وهو يتمطئ: خلي سحر تعملنا فنجانين قهوة الاول، ونقعد نشربهم قدام النيل، وهحكيلك كل حاجة بالتفصيل.

أومأت برأسها، لكن الخوف ظل واضحا في عينيها.

لاحظ ذلك، فاقترب منها، ومسح على شعرها بحنان: حبيبي متخافيش، أنا عامل حساب كل حاجة.

قالت بتوتر: حاسة ان الموضوع بيكبر يا سليم، تعالى نسافر، وكفاية لحد كده.

نظر داخل عينيها بثقة: قولتلك متخافيش. ربنا معانا؛ لإننا أصحاب حق.

امسك يده بخوف: وأنا مليش غيرك.

ابتسم بحب، وربت على يدها: ولا أنا ليا غيرك، وعشان كده بقولك متقلقيش، أنا عامل حسابي كويس، ومش هرتاح غير لما أجيب حقنا، ده إحنا لسه أول ليلة لحقتي تخافي؟

حاول أن يخفف الأجواء فقال مداعبا:فين ماسة إللي كانت بتكلمني من كام ساعة وأهدى ولاعبهم على الهادي، وخد حقك بعقل، ايه هرمونات؟

قالت بعينين ممتلئان بالخوف: لازم أخاف، لما تقول إن عزت باشا بدأ يشك فيك.

ضم وجهها بكفيه، وأخذ يدقق النظر داخل عينيها بثبات: لا... متخافيش، أنا عايز ماسة قوية، متتهزش ولا تخاف، إللي معاه الحق عمره مايخاف.

ثم أردف وهو يربت بإبهامه على وجنتها: وافتكري إن خطوة واحدة بس عملناها، خلتك قاعدة دلوقتي تتفرجي على رشدي وهو بيتعذب، بعد ما كان فاكر نفسه فوق الكل.

تنهد وأكمل بنبرة أكثر عمقا: إحنا مش بننتقم وخلاص، إحنا بنرجع حقك، وحق أهلك، وحق حور، وحق كل ظلم اتعمل فينا.

اقترب أكثر وأسند جبينه إلى جبينها، وتابع بخفوت: وطول ما ربنا معانا، يبقى مفيش حد يقدر علينا، متخليش الخوف يكسبك، لإن دي أول حاجة أعدائنا مستنيينها.

طبع قبلة طويلة على عينيها، وقال وهو يبتعد: هروح أخد شاور، وبعدها أقعد أحكيلك كل إللي حصل.

ظلت تتابعه بعينيها حتى اختفى داخل المرحاض، بينما بقي قلبها يدعو في صمت أن تمر تلك العاصفة بسلام.
♥️_____________بقلمي_ليلة_عادل.

وخلال اليومين التاليين...

كانت مي في حالة نفسية بالغة السوء.
دخلت في صدمة جعلتها صامتة تماما، لا تتحدث مع أحد، ولا تبكي، ولا حتى تعترض، كانت تحدق في الفراغ لساعات طويلة، وكأن روحها انسحبت من جسدها، وتحولت إلى تمثال بلا مشاعر.

أما رشدي،لم يفهم ماذا حدث، ولا لماذا انقلبت عليه بهذه الصورة المفاجئة.

ورغم منعه من زيارتها، كان يذهب إلى المستشفى كل يوم، يكتفي بالنظر إليها من خلف الزجاج، ويتحمل في كل مرة إهانة والدها واخواتها ورفضهم لوجوده...فقط ليطمئن عليها.

حاول البحث عن السبب لكن دون جدوى، كل ما كان يشعر به أن هناك كارثة كبيرة وقعت، ورغم جهله بتفاصيلها، إلي أنها قلبت حياته رأسا على عقب.

ومع الضغط النفسي الذي كان ينهشه، عاد يدخن بشراهة، وزاد من تعاطيه للمخدرات، محاولا الهروب من ذلك الاختناق الذي يلتهمه من الداخل.

على الجانب الآخر...

بدأ عزت يتحرك بنفسه، ويبحث خلف كل معلومة، محاولا التأكد مما أخبره به سليم.

لكن سليم كان يراقب كل خطوة يخطوها، وقد أحكم سيطرته على كل الخيوط، وأغلق جميع الطرق التي قد توصله إلى الحقيقة، وفي الوقت ذاته كان يترك له عمدا بعض المعلومات التي أراده أن يراها، مثل حقيقة زواج عماد من سارة، وبعض تفاصيل الصفقات الجديدة، والتعاملات التي كانت تتم من خلف الستار.

كان يلعب اللعبة بدقة شديدة، يحرك الجميع كما يريد، دون أن يشعر أحد بأنه من يرسم الطريق، ورغم كل ما كان يدور حوله، لم يغفل لحظة عن ماسة، التي كانت تحتل الجانب الأكبر من اهتمامه.

وفي المكان الذي نُقلت إليه صافيناز، كان الدكتور 
ياسر قد انتهى من تحليل الأدوية التي كانت تتناولها، وبدأ يضع خطة علاج واضحة، بعد أن اتضحت أمامه طبيعة حالتها النفسية، وأسباب الانهيار الذي وصلت إليه.

((بعد يومين))

روما

جلس عماد أمام رجل بدت من هيبته  أنه من المافيا الإيطالية، داخل مزرعة معزولة على أطراف روما.

 عماد بالإنجليزية: متى ستأخذني إلى تيمو؟ أريد أن أراه في أقرب وقت ممكن.

أجابه: تيمو خارج روما حاليا.

عقد حاجبيه وسأله: ومتى سيعود؟

هز كتفيه قائلا: لا أعلم... لكن يمكنني ترتيب لقاء لك مع إريك.

هز رأسه: لا أريد إريك... أريد تيمو، جوزيف بمجرد وصول تيمو إلى روما، أريد أول موعد معه، هناك امرا مهم.

أومأ الرجل برأسه موافقا.

وعلى مسافة ليست ببعيدة، كانت تقف سيارة سوداء بزجاج معتم، جلس بداخلها رجل أمام حاسوبه المحمول، واضعا سماعة في أذنه، يستمع إلى الحوار كاملا عبر الهاتف الذي يحمله عماد، بعدما نجح في اختراقه والتنصت على كل كلمة تدور. 

في أحد المولات التجارية،2ظ

كان سليم وماسة يتجولان بين المحلات، يشتريان ملابس لطفلهما القادم، وقد ارتسمت على وجهيهما ملامح السعادة والحماس، يتأملان كل قطعة وكأنهما يعيشان الحلم لأول مرة.

التقطت ماسة سالوبيتا صغيرا باللون الوردي، ورفعته أمامها وهي تبتسم بحماس: الله يا سليم بص، جميل أوي.

أمسك بين يديها يتأملها بابتسامه حالمه: فعلا حلوة جدا.

ثم التفت إلى البائعة: لو سمحتي، هاتيلي منها الأزرق كمان.

التفت إليها باستغراب: ليه الأزرق؟

اجابت بابتسامة:: عشان لو جت بنت يبقى عندنا الوردي، ولو جه ولد يبقى عندنا الأزرق.

هز رأسه وهو يضحك: طب ما كنا استنينا أما نعرف نوع البيبي بدل الحيره دى؟

هزت كتفيها بابتسامه: يا سيدي عادي، لو مستخدمناهوش نبقى نتبرع بيه، وبعدين، ما يمكن يطلعوا توأم!

رفع حاجبيه بابتسامة واسعة: يا رب، أنا نفسي أوي يبقى عندنا توينز.

نظرت إليه بدهشة: أول مرة تقولي كده!

ابتسم وهو يضع يده على بطنها برفق: هو الإحساس ده جالي من قريب، بس بجد نفسي يبقي عندنا اولاد كتير.

وضعت يدها فوق يده بحماس: وأنا نفسي يبقوا بنتين توأم.

ضيقت عيناها بشك: أنت طبعا عايزهم ولدين

هز رأسه ضاحكا: أكيد.

ماسة بحماس: عارف ومجهزة حتى أسمائهم جاسر وآسر.

ابتسم وهو ينظر إليها بحب: حلوين جدا.

نظرت بعيدا، فوقعت عيناها على فستان أبيض صغير، فاتجهت إليه وأمسكته بابتسامة: بص يا سليم، شكله حلو أوي.

نظر إليه بابتسامه: فعلا جميل، هتجيبي معاه البدلة بقى؟

هزت رأسها وهي تبتسم: لا ده هجيبه لحور!

صمت لحظة، فقد ظن أنها تقصد طفلهما الذي ينمو باحشائها، وكاد يعترض علي تسميته هكذا، لكنها أكملت بابتسامة دافئة: أنا عايزة كل ما أجيب حاجة للبيبي، أجيب لحور زيها، مش عايزاها تحس إننا نسيناها

ابتسم بحزن، وأومأ برأسه: ماشي، نجيبلها، ونروح نزورها كمان.

وقعت عيناه على لعبة صغيرة موضوعة على أحد الأرفف، فألتقطها وهو يرفعها أمامها: وأنا هجيبلها اللعبة دي.

ابتسمت بسعادة، ثم واصلا التسوق، ولم ينسي سليم ماستة الغالية أيضا، فكلما أعجبته قطعة تناسبها، كان يشتريها لها، خاصة بعدما بدأ حملها يظهر قليلا، وزاد وزنها بشكل بسيط، فصار يحرص على أن تكون مرتاحة وأنيقة في الوقت نفسه.

وبعد أن انتهيا من التسوق، خرجا من المول، يتقدمهما الحراس وهم يحملون عددا كبيرا من الأكياس.

كان مكي ينتظرهما عند السيارة.

ابتسمت ماسة، وقالت بعتاب لطيف: مجيتش معانا ليه؟ هو أنت مش عمو؟ هتخلع من مسؤولياتك من دلوقتي؟!

ابتسم بخفة: المرة الجاية.

فتح لهما باب السيارة فصعدا، وبعد أن استقر الجميع في أماكنهم، ألتفت سليم إليه: أطلع على مقابر العيلة يا مكي.

نظر إليه من طرف عينه باستغراب، ثم أشار للسائق، فتحركت السيارة متجهة نحو المقابر.

بعد قليل.

دخل سليم وماسة حتي توقفا أمام قبر ابنتهم.

توقفت عينا سليم على بعض الألعاب والورود الموضوعة أمام قبرها، فعقد حاجبيه باستغراب، ثم التفت إليها: أنتِ جيتي هنا؟

أومأت برأسها وهي تنظر إلى القبر: أه، أول ما عرفت إني حامل جيت، كنت عايزة أفرحها وأقولها إني عمري ماهنساها.

ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تربت على القبر: شوفتي يا حور؟ زي ماوعدتك، جبتلك بابا معايا.

وقف سليم صامتا للحظات، ثم قال بصوت اختنق بالحزن: عاملة إيه يا حور؟ وحشتيني أوي.

أخرجت ماسة الأشياء التي تم شرائها من الأكياس: بصي جبنالك إيه النهاردة، دي مني، ودي من بابا.

ثم نظرت إلى سليم: هو أنت مش عايز تقولها حاجة؟

نظر إليها بصمت، فقد باغته السؤال، ولم يكن قد هيأ نفسه لمثل هذه اللحظة.

عاد ببصره إلى القبر، وتمتم بخفوت: مش عارف، حاسس إن المشاعر غريبة، مش عارف أقول إيه؟

أمسكت يده برفق: قول إللي قلبك حاسس بيه، هي سامعاك، على فكرة.

أغمض عينيه للحظة، وحاول جمع شتات نفسه، فانحدرت دمعة على خده وهو يقول: أوعدك مش هسكت غير لما أجيبلك حقك من كل واحد شارك في قتلك وحرمنا منك، وهرجعلك هنا يومها وأقولك إن بابا قدر يجيب حقك.

وضع يده فوق القبر، وأكمل بصوت مكسور: سامحيني، متزعليش مني، معرفتش احميكي، بس والله ما كان بإيدي يا بنتي.

ساد الصمت للحظات، قبل أن يتحدث مرة أخرى بمرارة: هي الحياة كده مش عادلة، دايما بتنصر الظالم، ولما المظلوم يفكر ياخد حقه، تلاقي كل السكاكين اتفتحت عليه، وكأنهم بيقولوله "أنت مالكش حق تاخد حقك" اتفرج عليهم وهم بيعذبوك، ولو دافعت عن نفسك، تبقى انت الظالم، وينسوا كل لحظة وجع عاشها.

وضعت ماسة يدها على ذراعه برفق: بلاش يا سليم الكلام ده.

تنهد بعمق، ومسح دموعة، ثم نظر إلى القبر مرة أخيرة: إحنا هنمشي بقى، عشان ماما تعبت النهارده ولازم ترتاح، بس أوعدك هنرجعلك تاني.

ماسة بإبتسامة: مش هتاخر عليكي مع سلامه يا حبيبتي.

انحنت ماسة، ووضعت الهدايا والألعاب بجوار القبر بعناية، ثم أمسكت يد سليم، وغادرا المقبرة معا، بينما بقيت الألعاب والورود تزين المكان، وكأنها رسالة حب لا تنتهي إلى روح حور.

المستشفى التي تمكث بها مي،4ع.

كانت على حالها، تجلس هلي الفراش، تحدق في نقطة ثابتة أمامها، بلا أي تعبير، وكأنها جسد فقد روحه.

فتح الباب، ودخل طبيب شاب في بداية الثلاثينيات، بملامح هادئة (شريف)

اقترب وجلس على المقعد المقابل لها، بابتسامة خفيفة: عاملة إيه النهاردة؟ أنا شريف فاكراني؟!

لم يصدر منها أي رد.

فتح دفتره الصغير ودون ملاحظة، ثم عاد ينظر إليها: باباكي وأخواتك وتقى كلهم بره، نفسهم يسمعوا صوتك، حتى لو كلمة واحدة بس..

ظلت كما هي، كتب ملاحظة أخرى، وقال بهدوء: طب ورشدي؟؟ موحشكيش.

صمت.

تابع محاول استفزازها: رشدي كمان كل يوم هنا، نفسه يدخل يشوفك، حتى لو هتفضلي قاعدة ساكتة كده، بس طبعا إحنا مانعينه، لإننا عارفين إن وجوده بيضايقك.

ظل يراقب ملامحها بدقة، وأكمل بهدوء: طب مش عايزة تقولى حاجه..

صمت ثم أكمل بهدوء: عارفة؟ أوقات الكلام بيداوي، والناس إللي بتحبنا متستحقش إنها تتعذب بسبب حد تاني وجعنا..

ظل ينظر إليها، وقال متعمدا استفزازها: يعني أنتِ دلوقتي حطيتي باباكي، وإخواتك، وتقى، ولمياء صاحبتك، كلهم في كفة واحدة مع رشدي، بما إن رشدي وهو سبب جعك، فقررتي تعاقبي الكل..

مال بجسده قليلا يراقب أي رد فعل: رغم إن شكله بيحبك جدا، وكل يوم بيقف بالساعات يبصلك من ورا الإزاز، ومبيرضاش يمشي غير بالعافية، ده مرة هدد أفراد الأمن بالمسدس عشان يدخل يشوفك، ولولا إننا فهمناه إن ده هيضرك كان عمل كارثة..

تنهد وتابع: أنا فاهمه كويس، أصل الحب ساعات بيعمل كده، بيعمي صاحبه، ويخلي ردود أفعاله مش متزنة..

صمت لحظة قبل أن يضيف بحسم: لكن أنتِ زعلتيني منك يا مي..

كان يعلم أن كلماته ستصيب هدفها: كان لازم تكوني أقوى من كده، على الأقل علشان متوجعيش الناس اللى بتحبك، إللي بتعمليه ده اسمه هروب، وأنانية وضعف.

وفجأة، حركت عينيها نحوه لأول مرة فقد استطاع استفزاها، خرج صوتها مبحوحا، وكأنه يخرج بصعوبة من بين ركام الألم: أنا... أنانية؟

نظرت إليه بمرارة: بعد كل إللي صبرت عليه، واتعمل فيا، أنا أنانية؟

ارتسمت ابتسامة رضا على وجه، وقال: عظيم، أنا من البداية كنت شايف إن أنتِ إللي واخدة قرار إنك متتكلميش..

ثم أردف وهو ينظر إليها بثبات: واضح إنك فاهمة في علم النفس، وعارفة أعراض الانغلاق النفسي، واخترتي تدخلي فيه بإرادتك..

أخفضت عينيها للحظات، وقالت بصوت متعب: أنا معرفش إمتى رجعت، في البداية فعلا مكنتش شايفة، ولا سامعة أي حاجة..

صمتت لحظة، وأكملت: بعد كده بقيت سامعة وشايفة، حسيت إن الأحسن إني أفضل ساكتة.

سألها بهدوء: ليه؟

ضحكت ضحكة باهتة، خالية من أي حياة: عشان عارفة إللي هيتقال..

عدت على أصابعها وهي تتحدث بمرارة:
ـ كان اختيارك.
ـ متزعليش.
ـ أنسي.
ـ بكرة أحسن.
ـ هتبقي أقوى... وهتتخطي.

هز رأسه بتفهم، وقال بهدوء: أنا عارف إن الوجع إللي جواكي أكبر من أي كلام ممكن يتقال..

هزت رأسها بعنف، والدموع تلمع في عينيها: لا أنت مش عارف حاجه..

خرج صوتها مبحوحا، لكنه كان يحمل كل الألم الذي خنقها: أنت عارف يعني إيه تكون مأمن لحد، وبتحبه لدرجة لو قالك: "لفيت الكرة الأرضية في ساعة" تصدقه؟

ابتسم شريف ابتسامة حزينة، بينما أكملت هي بإنهيار: تبقى مأمن بيه أكتر ما أنت مؤمن بنفسك، مصدقه في كل حاجة، ومسلم له روحك... وفجأة تكتشف إنك كنت موهوم بإرادتك، الحقيقة كانت قدامك طول الوقت... بس إنت إللي اخترت تعيش الكذبة... اخترت تبقى مغفل ومخدوع.

توقفت لحظة، ثم همست بصوت مرتجف: ولما الحقيقة تخبطك مرة واحدة، بتبقى أكبر من قدرة الإنسان على الاحتمال، أنا مكنتش عايزة أرجع، كان نفسي أفضل هناك، في المكان إللي عقلي خدني له، مكنتش شايفة... ولا سامعة... ولا حاسة بحاجة، كأني كنت في غيبوبه، مكنتش عايزة أفوق لإن الصحوة معناها إن الكابوس حقيقي.

ساد الصمت لثواني، قبل أن يقول شريف برفق: أنا مش هقولك أنسي، ولا هقولك متزعليش، ولا هقولك بكرة أحسن، الوجع ده حقيقي، ومن حقك تعيشيه، لكن الهروب عمره ما كان علاج.

رفع نظره إليها وأردف بهدوء: المواجهة مش معناها إنك تسامحي، ولا إنك تنسي، المواجهة معناها إنك تستردي نفسك من إللي كسرك، إنك تبقي أقوى من الشخص إللي سببلك الوجع..

أشار برأسه نحو باب الغرفة: الناس إللي بره دول ملهمش ذنب، هما مش مستنيين منك تبرري ولا تحكي، كل إللي نفسهم فيه إنهم يعرفوا إن مي لسه موجودة، وإنها لسه بتحارب.

ابتسم ابتسامة هادئة، وتابع: خدي وقتك، لكن أوعي تسيبي الوجع يعاقب الناس إللي بتحبك بذنب شخص واحد، لإن ساعتها، هو هيكون كسب مرتين.

أخفضت عينيها، فأكمل بعقلانيه: واختيارك  حتى لو كان غلط، فافتكري إن ربنا سبحانه وتعالى خلق الدنيا صح وغلط، وجنة ونار، وكان عارف إننا بشر وخطاؤون، علشان كده فتحلنا باب التوبة، وباب الرجوع والتعلم.

ابتسم ابتسامة خفيفة وواصل: مش عيب أبدا إن الإنسان يختار غلط، بالعكس... أوقات كتير بنعرف قيمة الصح بعد مانتوجع من الغلط، بنتعلم، وبننضج، وبنبقى أقوى.

ثم نظر في عينيها مباشرة: وصدقيني، ربنا مبيوزعش الوجع عشوائي، كل ابتلاء بيكون على قدر صاحبه، يمكن مش هتقدري تتخطيه النهاردة، ولا بكرة، ومحدش هيجبرك، لكن أنا واثق إن اليوم إللي هتقفي فيه على رجلك هييجي.

نهض من مقعده بهدوء: مش هتقل عليكي أكتر من كده النهارده، أنا مبسوط إنك اتكلمتي، كل إللي هطلبه منك إنك مترجعيش للانغلاق النفسي تاني..

إتجه نحو الباب، ثم استدار إليها: وهستأذنك أطمن باباكي وإخواتك إنك اتكلمتي.

هزت رأسها بخفة، وقالت بخفوت: بس، مش عايزة أشوف حد.

أومأ بتفهم: مفيش مشكلة، مش هنجبرك على مقابلة أي حد لحد ما تكوني مستعدة. إحنا هنا علشان نساعدك، مش علشان نضغط عليكي.

ثم خرج من الغرفة في هدوء، تاركا لها المساحة التي تحتاجها.
♥️____________بقلمي_ليلة_عادل.
((بعد أسبوع ))

الساحل الشمالي،12ظ

توقفت سيارة مصطفى أمام الفندق، فأطفأ المحرك، ثم ترجل منها واتجه إلى صندوق السيارة، أخرج حقيبتين صغيرتين، ثم أغلقه، بينما كانت آلاء تقف إلى جواره تنظر إلى الفندق بإعجاب.

قالت بابتسامة: المكان شكله حلو أوي.

ابتسم، وناولها حقيبتها: يلا، عشان نسجل الدخول ونلحق نرتاح شوية قبل المؤتمر.

تحركا معا إلى داخل الفندق، حتى وصلا إلى مكتب الاستقبال.

ابتسم موظف الاستقبال باحترام، ثم نظر إلى شاشة الحاسب: أهلا بحضرتك، الاسم؟

اجابه: دكتور مصطفى عبد الحميد.

أخذ الموظف يبحث لثواني، قبل أن يبتسم قائلا: تمام يا فندم، الحجز موجود، دكتور مصطفى، وحرمه، غرفه سرير واحد!!

تجمد الأثنان في مكانهما، وتمتم مصطفي باستنكار: نعم؟

أعاد الموظف النظر إلى الشاشة: أيوه يا فندم، غرفة باسم حضرتك وحرمك.

قطب مصطفى حاجبيه، وقال بهدوء: أكيد فيه حاجة غلط، أنا كنت مبلغ إننا محتاجين أوضتين.

بدأ الموظف مراجعة البيانات مرة أخرى، ثم رفع رأسه بأسف: للأسف يا فندم، الجهة المنظمة هي إللي بعتت بيانات الحجز، والمسجل عندنا غرفة واحدة فقط.

تنهد مصطفى بضيق: طب فيه أوضة تانية؟

هز الموظف رأسه نفيا: للأسف الفندق كامل بسبب المؤتمر

سالته آلاء: طيب أي فندق قريب؟

اومأ بأسف: دورنا قبل كده لأكتر من ضيف، وكل الفنادق إللي حوالينا تقريبا كاملة لنفس السبب.

ساد الصمت لثواني.

ثم قال الموظف معتذرا: ممكن بعد المؤتمر نحاول نشوف لو حصل إلغاء لأي حجز، أو فضيت أي غرفة.

تنهد مصطفى مرة أخرى: تمام... شكرا.

ابتعدا عدة خطوات عن مكتب الاستقبال.

التفتت إليه آلاء بتوتر واضح وهمست: هنعمل إيه؟

مرر يده في شعره مفكرا: مش عارف.

ظل صامتا لحظة قبل أن يكمل: تعالي نستنى لحد ما المؤتمر يخلص، يمكن يلاقوا حل، ولو معرفوش، نرجع القاهرة.

نظرت إليه باستغراب: نرجع؟

هز رأسه بإيجاب: آه، أنا معنديش مشكلة، أنا أصلا متعود أسافر من إسكندرية للقاهرة في نفس اليوم، ده بيحصل معايا أكتر من مرة في الأسبوع.

تنفست ببطء، لكن التوتر ظل واضحا على ملامحها، بينما كانت تشعر بخجل شديد من الموقف كله.

ابتسم لها ابتسامة مطمئنة، متفهم خجلها، وقال محاولا تخفيف ارتباكها: يلا بلاش نفكر في الموضوع دلوقتي، تعالي نطلع الأوضة نغير هدومنا ونجهز، فاضل حوالي ساعات على بداية المؤتمر.

أومأت برأسها في صمت، ثم حملت حقيبتها، وسارت إلى جواره نحو المصعد، بينما ظل التوتر يخيم على كل خطوة يخطواتها.

دخلا الغرفة بعد أن فتح لهما عامل الفندق الباب، ثم حمل الحقائب ووضعها في أحد الأركان.

أخرج مصطفى بعض النقود وأعطاها له: اتفضل.

ابتسم العامل شاكرا، ثم غادر وأغلق الباب خلفه.

ساد صمت قصير.

وقفت في مكانها تعبث بطرف بلوزتها في توتر واضح، بينما كانت تتجنب النظر إليه.

لاحظ مصطفى ارتباكها، فابتسم ابتسامة هادئة: بقولك إيه؟! أنا هدخل آخد دش سريع وأغير هدومي.

ثم أشار إلى الحمام وأضاف: وأنتِ براحتك، غيري هدومك أو أعملي إللي يريحك، ولما تخلصي خبطي على الباب علشان أعرف أخرج.

رفعت رأسها وقالت: يعني أجهز من دلوقتي؟

نظر إلى ساعته، ثم هز رأسه: لسه بدري فاضل حوالي ساعتين، ألبسي أي حاجة مريحة، نقعد نشرب حاجة أو ناكل لقمة، وبعدها نبقى نجهز  للمؤتمر، ولا إنت من إللي بيقعدوا 10ساعات قدام المراية..؟

تبسمت بخجل: حاضر.

دخل الحمام وأغلق الباب.

أما آلاء فظلت واقفة لثواني، ثم أخرجت هاتفها، واتجهت إلى شرفة الغرفة المطلة على البحر، وقفت تتأمل الأمواج للحظة، ثم أجرت اتصالا بوالدتها: أيوه يا ماما...

جاءها صوت والدتها: عامله ايه يا حببتي؟ وصلتوا؟

تنهدت وأجابت: أيوه، بس حصل موقف وحش أوي.

قلقت انهار: خير؟ إيه إللي حصل؟

بدأت تروي لها ماحدث، وكيف اكتشفا أن الحجز لغرفة واحدة فقط، وما إن انتهت، حتى سمعت ضحكة انهار: يا بنتي! كل ده عاملك أزمة؟

آلاء بخجل: يعني أنتِ شايفة الموضوع عادي يا ماما؟

ضحكت مرة أخرى: طبعا عادي، ده جوزك.

نفخت بضيق: يعني إيه جوزي يا ماما؟! هو إحنا لحقنا؟ كل ده بالنسبالي لسه جديد.

انهار بحنان: يا آلاء، إنتِ متجوزاه على سنة الله ورسوله، وكل الناس عارفة إنه جوزك، وبعدين مصطفى شكله راجل محترم وابن أصول. هو هيعملك إيه يعني؟

ظلت صامتة، فأكملت انهار: بطلي توتر، وريحي دماغك دى شويه، مش قالولكم إنهم هيحاولوا يوفروا أوضة تانية بعد المؤتمر، لو لقوا يبقى خير، ملقوش يبقى يوم وهيعدي.

آلاء بتوتر:  أيوه... بس برضو..

قاطعتها مبتسمة: مفيش "بس". روحي ارتاحي، وكلي لقمة، واستعدي للمؤتمر، وربنا يعدي اليوم على خير.

ابتسمت آلاء أخيرا: حاضر يا ماما.

أغلقت المكالمة، ثم أخذت نفسا عميقا وهي تنظر إلى البحر، محاولة أن تهدئ ارتباكها قبل أن تعود إلى داخل الغرفة.

القاهرة.

المنزل الذي تمكث به صافيناز،1ظ

كانت تجلس على الفراش تضم ركبتيها إلى صدرها، شارده في نقطه معينه في الفراغ، وكان واضحا أن مفعول العقاقير التي كانت تتناولها قد بدأ يزول، لكن عقلها كان لايزال غارقا في فوضاه.

وبعد لحظات، فتح الباب، ودخل سليم.

ما إن رأته حتى نهضت مسرعة واتجهت نحوه، تقول بلهفة واضطراب: سليم، أنا عايزة أمشي من هنا.

نظر إليها من أعلى إلى أسفل لوهلة، قبل أن يقول ببرود: أنتِ هنا علشان تبقي أحسن.

هزت رأسها: لا مش أحسن.

اقتربت منه وهمست بجوار أذنه: أنا خايفة!

عقد حاجبيه: خايفة من إيه؟

اتسعت عيناها وهي تنظر حولها بفزع: لحسن الناس اللي كانوا عايزين يقتلوني يرجعوا تاني.

أجابها بهدوء: الحراس واقفين بره، محدش هيقدر يقرب منك، ولا يوصلك وانتِ هنا.

لكنها هزت رأسها بإضطراب: لا هييجوا... لازم أمشي من هنا قبل مايعرفوا مكاني.

زفر بهدوء، ثم قال بمهاوده: حاضر، بس الأول لازم تكملي علاجك، ولما تبقي أحسن هخرجك بنفسي.

نظرت إليه برجاء وضعف: طب عالجني في القصر هم هيستنوك تمشي ويقتلوني.

خفض رأسه حتى أصبح في مستوى نظرها، وتساءل بهدوء محاولا استدراجها: مين دول اللي عايزين يقتلوكي، وليه؟

ابتلعت ريقها، وأخذت تنظر حولها بخوف، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد: كلهم...كلهم كانوا عايزين يقتلوني.

ثم انتفضت فجأة وهي تنظر ناحية الباب: ششش، أوعى تتكلم بصوت عالي، هيعرفوا إن قولتلك، هييجوا يقتلونا إحنا الاتنين.

هز راسه باختناق: لا فوقي بقي ابوس ايدك، مفيش وقت لجنانك ده!

حركت عينها باضطراب: كمان عماد..عماد حبيبي جالي بس هما مشوه.

حك خده بضيق، وقد أدرك أن الأمر أصعب مما توقع، فما زالت غارقة في عالمها، بعيدة عن الواقع.

شرد لثواني، ثم لمع شيء في عينيه، وكأنه اهتدى إلى فكرة.

رفع عينه إليها وقال بنبرة بنبرة خبيثه: بس عماد مجاش أصلا علشان يمشي! مسألش عليكي حتي..

تحركت عيناها، وارتجفت شفتاها بتوتر، لكنه واصل الحديث بالنبرة نفسها: أنا لو مكانه، ومراتي عملت عشاني كل ده، كنت هبات على باب أوضتها، لحد ماتخف وتفوق، تفتكري ليه عماد مجالكيش خالص؟

رفعت عينيها إليه باضطراب، وهمست: هما...منعوه؟ علشان يقتلوني!

زم شفتيه بأسف مصطنع: لا محدش منعه، هو اللي سافر وسابك لوحدك!

اتسعت عيناها بعدم تصديق: سافر؟

أومأ بخبث فقط استطاع لفت نظراها: أمم...مع سارة!

رددت بعدم وعي: ساره!!

مد وجهه بتأثر مصطنع، وظل يراقب انفعالات وجهها للحظه، قبل أن يقول بجدية وكأنه يعرف جيدا متى يضغط على أعصابها: صافي أنا عرفت حاجة، وعايزك تمسكي أعصابك.

أمسكها من ذراعها وأجلسها على الكرسي، كي يزيد التوتر داخلها ويعرف كيف يتلاعب بها: لازم تعرفي اللي عرفته، انا عارف إن وهو صعب، بس المهم إننا عرفنا الحقيقة، حتى لو بعد سنين، على الأقل متبقيش مغفلة طول عمرك.

رفعت عينيها إليه في حيرة: في إيه يا سليم؟ بتقول كده ليه؟

تنهد وقال بشيطانيه: أصل، عرفت إن عماد متجوز عليكي سارة صاحبتك!

اتسعت عيناها بصدمة، وانتفضت واقفة: أنت كذاب!

رفع حاجبه متعجبا بتمثيل: أنا كذاب؟

صاحت بثقه: أيوه! طبعا كذاب! إيه اللي بتقوله ده؟ عماد يتجوز عليا...وسارة؟ مستحيل. 

ضحك بسخرية: ليه؟ مش من فترة جالك صور ليهم مع بعض، ولا انت صدقتي إنه شافها صدفه زى ماقالك؟ تبقي غبيه!

توترت واضطربت ملامحها للحظه، ولكنها هزت رأسها بعنف: انت بتكذب، أنا مش مصدقاك، عماد حبيبي مستحيل يعمل كده، انت اللي مانعه عني عشان بتكرهني وعايز تاخد الكرسي لوحدك.

ظل ينظر لها بابتسامه، ثم تنهد واومأ براسه، وهو يخرج هاتفه ثم توقف جانبها و قرب الشاشة من وجهها: عندك حق... أنا كذاب.

بدأ يقلب الصور أمامها واحدة تلو الأخرى وهو يقول بسخرية لازعه: وعشت حياتي كلها كذب، كذبت على إخواتي، وعملت اتفاقات مع مراتي عليهم، وفي الآخر سابتني واتجوزت غيري، ومش بس كده، حطتلي حبوب هلوسة عشان أوصل للانتحار..

كانت عيناها تتحركان بين الصور، ووجهها يفقد لونه تدريجيا.

صور لعماد وسارة في أوضاع لا تترك مجالا للشك.

سليم ببرود: ولو الصور دي مش كفاية، بسيطه نتفرج علي ده سوا...

أمسك الريموت وفتح الشاشه فظهر عليها ذلك المقطع الذي التقطه عرفان من قبل في أحد لياليهم الخاصه.

اتسعت عيناها ولم تكن تصدق ما تراه، بينما القي هو عليها نظره ساخره: هسيبك بقي تستمتعي بصولات وجولات عمده مع الانتيم، واجيلك كمان شوية تقوليلي رأيك، انجوي يا صافي.

قال كلماته وغادر وأغلق الباب خلفه بالمفتاح، بينما بقيت هي تحدق في الشاشة بذهول وعينان متسعتان لا تصدق ما تراه، وفي خلال ثواني، تعالت صراخاتها بغضب ورفض واضطراب وأخذت تحطم في الغرفه والشاشه وكل ما تطاله يداها وهي تصرخ بقهر واضطراب.

المستشفى التي تمكث بها مي،2م

خرج راشد وحاتم وحازم من غرفتها، بينما كان رشدي يقف في الممر، ينظر إلى باب الغرفة بعينين تملؤهما الحيرة والاختناق، كل ما كان يتمناه أن يراها ويسمع صوتها، ويعرف ماذا حدث لها؟ فقد مر اسبوع كامل وهو لا يستطيع رؤيتها سوي خلسه من خلف الزجاج.

في تلك اللحظة، اقترب الطبيب شريف: قعدتوا معاها؟

اومأ راشد: حوالي نص ساعة زي ماحضرتك طلبت بس لحد دلوقتي مش عايزه تتكلم ولا تقول مالها؟

ابتسم شريف يطمئنهم: مش مهم إنها تتكلم وتحكي دلوقتي، المهم إنها بدأت تستجيب معاكم، وإن شاء الله واحدة واحدة هتبدأ تتكلم لما تحس إنها مستعدة.

نظر حاتم نحو رشدي بضيق: مش محتاجه تتكلم يا دكتور، الموضوع واضح، هي بتعرف تتكلم معانا كلنا عادى، ماعدا واحد بس مش طايقه تشوفه!

تنهد شريف بهدوء: إحنا من أول لحظة عارفين إن رد فعلها مرتبط بأستاذ رشدي، لكن هو نفسه واضح إنه مش فاهم عمل إيه؟ فطبعا مهم إنها تتكلم بس في الوقت اللي هي تختاره، الضغط عليها هيأذيها أكتر، مي إنسانة حساسة وواضحه إنها مجروحة، فسيبوها براحتها.

أومأ راشد بحزن: أهم حاجة عندي إنها ترجع كويسة، أي حاجة تانية متفرقش.

بينما كانوا يتحدثون، كان رشدي يقف بعيدا يستمع لكل كلمة، وقلبه يزداد اختناقا

حك مؤخرة رأسه بعصبية، واستغل انشغال الجميع، وعاد بظهره نحو غرفتها بخطوات سريعه.

فتح الباب في لحظة... ودخل قبل أن ينتبه إليه أحد.
كانت مي تجلس على الأريكة شاردة، تنظر أمامها بلا تركيز.

وما إن وقع بصرها عليه، حتى اتسعت عيناها.
أما هو، فلم يشعر إلا بشوقه، ركض نحوها بسرعة: مي..

ضمها بقوة وهو يقول بصوت مرتجف: وحشتيني أوي، قوليلي إيه اللي حصل؟ أنا عملت إيه زعلك بالشكل ده؟ فهميني، إحنا كنا كويسين، إيه اللي اتغير فجأة؟

ابتعد عنها قليلا وهو ينظر في عينيها برجاء: أنا عارف إني غلطت معاكي قبل كده كتير، لكن الفترة الأخيرة والله ماعملت حاجة، ايه اللي حصل فهميني أنا عملت إيه؟ مش كنا متفقين نسافر سوا؟

ظلت تحدق فيه بجمود، وكأنها تحاول إجبار عقلها على مواجهة حقيقة لم يكن مستعدا لها.

ثم... تبدلت نظرتها بالكامل.

لم تعد ترى رشدي زوجها، بل رأت ذلك الوجه الذي شاهدته في الفيديوهات... الوجه الذي هدم كل ما آمنت به، وحول حبها وثقتها إلى كذبة..

جزت على أسنانها، وارتجف جسدها من شدة الغضب، ثم رفعت يدها وصفعته بقوة على وجهه.

مي بصراخ: اطلع بره!... اطلع بره...مش عايزة أشوف وشك!

راحت تدفعه بكل قوتها بعيدا عنها.

بينما تجمد رشدي مكانه، واضعا يده على خده، ينظر إليها بصدمة: طيب... ماشي... بس فهميني، عملت إيه؟ قوليلي أنا غلطت في إيه؟

صرخت وهي تبكي: أنا مش عايزة أعيش معاك! عايزة أطلق منك!

ثم أكملت بنبرة يملؤها الاحتقار: أنا كنت غلطانة لما فكرت أتجوز واحد زيك..

ارتجف صوته وهو يسألها: ليه بتقولي كده؟

ضحكت بسخرية ممزوجة بالبكاء: دي الحقيقة اللي كنت رافضة أشوفها.

ثم أشارت إليه بإصبعها وهي تقول بحدة: أنت واحد مدمن وضعيف وجبان، بتعلق ضعفك على أي حاجه، لكن الحقيقة إنك أنت اللي الضعيف، أنت اللي اخترت الطريق القذر ده، لأنك إنسان قذر!

بدأت دموعها تنهمر بغزارة، لكنها لم تتوقف: تستاهل تعيش لوحدك، لأنك متستاهلش يبقى في حد يحبك أو يقف جنبك..

أشارت لنفسها بمرارة: وأنا...أنا كنت مجنونة لما فكرت إنك ممكن تتغير..

تذكرت كلمات الطبيب، فقالت بصوت مكسور: الدكتور قالي كلمة "هو سرق منك كام شهر  بالكدب، ليه تسيبيه يسرق باقي عمرك بالحزن؟ وعنده حق، ليه أضيع عمري على واحد زيك؟ ليه أزعل عليك اصلا؟ لا أنا لازم أخرج من حياتك، وأعيش، أتجوز راجل محترم، يعرف يعني إيه أمان، مش واحد زيك.

نظرت إليه بعينين تمتلئان بالقرف، وقالت بحسم: طلقني، أنا مستحيل أعيش مع واحد زيك تاني.

كان يستمع إليها وعيناه متسعتان من الصدمة، لا يصدق مايسمعه، ولا يفهم سبب هذا التحول المفاجئ، لكن وسط كلماتها بدأ يشعر أن الأمر أكبر من مجرد ادمان، هناك شيء ماخفي اكتشفته وأوجعتها حتى حطمتها بهذا الشكل، كل كلمة كانت تؤكد أنها لا تتحدث عن إدمانه فقط، بل عن شيء آخر هز صورته بالكامل في عينيها، وجعلها تنظر إليه وكأنه شخص لا تعرفه.

رشدي باختناق: أنتِ ليه بتعملي فيا كده؟ من حقي أعرف أنا عملت إيه؟

نظرت إليه ببرود مؤلم: هو أنت شايف إن اللي قولته ده مش كفاية يخليني أطلب الطلاق؟

هز رأسه بعنف: كل اللي قولتيه كنتي عارفاه من الأول ووافقتي تكملي، وأنا وعدتك إني هتغير.

قاطعته بسخرية: ومتغيرتش، ولاهتتغير، اللى زيك هيفضل قذر طول عمره!

اقترب منها خطوة، وقال بلهفه وهو يكاد ينهار: لا هتغير، إحنا كنا متفقين نسافر، وأدخل المصحة، ونبدأ من جديد، إيه اللي اتغير فجأة؟

ضحكت ضحكة خالية من أي حياة: اللي اتغير إني اكتشفت إني كنت حمارة لما اخترت واحد زيك، وبعدين أنا حرة، مش عايزة أكمل معاك.

نظر إليها طويلا، وكأنه يبحث في وجهها عن إجابه لكل ما يحدث: يعني صحيتي من النوم فجأة لقيتي نفسك عايزه تتطلقي وتدخلي في الحالة دى؟ بعد كل اللي بينا؟ لا يا مي... في حاجة تانية أنا مش برياله.

اقترب منها أكثر، وعيناه لا تفارقان عينيها: قوليلي عرفتي إيه؟ 

ارتجف قلبها للحظة، لكنها تماسكت: عرفت؟ هو في حاجة المفروض أعرفها؟

تجمد في مكانه، وشعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه، ابتلع غصته: أنا، مقصدش، بس..

قاطعتـه وهي تشير إلى الباب: اطلع بره! أنا مش عايزة أشوف وشك!

ثم صرخت بكل ماتبقى فيها من قوة: وهتطلق منك غصب عنك، أنا بكرهك، وبحتقرك! عارف يعني إيه؟ بكرهك، وبحتقرك!

أخذت تدفعه بكلتا يديها من صدره، وهي تصرخ بانهيار: اطلع بره، مش طايقة أشوفك، ولا أسمع صوتك، اطلع بره، بره!

وفي تلك اللحظة، وصل صوتها إلى الخارج، فركض راشد وأخواتها ومعهم الطبيب نحو الغرفة.

راشد بلهفة: مالك يا مي؟

لكن كلماته توقفت فور أن وقعت عيناه على رشدي.
اتسعت عيناه بغضب: إنت بتعمل إيه هنا؟! اطلع بره!

نظر إليهم رشدي بعناد: محدش يقدر يطلعني بره، دي مراتي.

اقترب منه حازم وهو يكاد ينفجر: هو أنت مبتفهمش؟! هي مش طايقة تشوفك!

صرخت صوت مي وهي تشير إلى الباب: طلعوه برا، مش عايزه أشوف وشه.

هز رأسه بعناد، وعيناه لا تفارقانها: مش قبل ماعرف إيه اللي حصل، إيه اللي عرفتيه خلاكي كده؟

ارتجفت شفتاها، وقالت ببرود موجع: مش هقولك وهسيبك كده قلبك محروق، زي ماحرقت قلبي.

تدخل الطبيب سريعا محاولا تهدئة الموقف: يا مي ممكن تهدي

أجابته بثابت: أنا هادية جدا، ويمكن دي أول مرة أبقى هادية كده، بس خليه يطلع برا!

أجابها رشدي بعناد: مش طالع.

وكاد أن يتدخل أباها وأخواتها، ولكن الطبيب تدخل سريعا وحاول إخراجه قبل أن ينشب عراك آخر: لو سمحت اللى أنت بتعمله دى مينفعش، اتفضل برا لو سمحت.

دفعه بهمجيه قائلا: مش خارج، إنت كمان بتعالجها ولا بتقويها عليا، بقالك اسبوع مانعني أشوفها علشان تملي عقلها بكلام فارغ عني؟! أنت مين مسلطك عليا.. وسع، أنا هنقلها من المستشفي دى

صاحت مي بغضب واحتقار: وأنا مش راحه معاك في حته، ولا طايقه أشوف وشك القذر ده، لو عندك ذرة دمي طلقني واخرج من حياتي بقي.

صاح بعناد: مش هطلقك.

قالت باصرار: يبقي هرفع عليك قضيه خلع!

اتسعت عيناه، وصاح بغضب جهوري وكأنه فقد برجا من عقله:  في إيه يا مي؟! متجننينيش! عملت إيه أنا عشان تعملي فيا كل ده؟! قوليلي، إيه اللي عرفتيه؟

لكنها أغلقت وجهها تماما.

لم تجبه.

جلست على المقعد في صمت، تنظر أمامها، وكأنها قررت أن تتركه يحترق بأسئلته، كما احترقت هي بالحقيقة.

صرخ بها وهو يكاد يجن: ردي عليا!

لكنها لم تنظر إليه حتى.

اقترب حاتم منه وقال بحدة: خلي عندك دم بقى واخرج، وورقة طلاقها تيجي بالزوق بدل مانطلقها منك بالعافيه.

رفع الطبيب صوته بحزم: يا جماعة، اللي بيحصل ده مينفعش، أستاذ رشدي، لو سمحت اتفضل بره، حالتها النفسية لسه غير مستقرة، ووجودك دلوقتي هيضرها أكتر.

اوما بعند وهو ينظر لها: مش همشي غير لما أفهم.

الطبيب بهدوء حازم: مش هينفع دلوقتي، لو بتحبها بجد، من فضلك اخرج.

التفت إليها، وعيناه تتوسلان إليها: مي، أرجوكي فهميني حتى أنا عملت ايه؟ من حقي أعرف، قولها يا دكتور... من حقي أفهم أنا عملت إيه؟

رد بتفهم: من حقك تعرف، وهي كمان من حقها تاخد وقتها، هي لسه مش مستعدة إنها تواجه اللي حصل أو تحكيه، والضغط عليها دلوقتي هيأذيها أكتر.

ظل رشدي صامتا لثواني، صدره يعلو ويهبط بعنف، يشعر أن هناك سرا كبيرا يخفى عنه، وأن كل كلمة قالتها تؤكد أنها اكتشفت شيئا قلب حياتها رأسا على عقب.

أغمض عينيه للحظة، ثم هز رأسه باستسلام: حاضر، همشي .. لكن دي مش هتكون آخر مرة، والله ما هرتاح غير لما أعرف مالك، وإيه اللي حصل.

استدار وغادر الغرفة بخطوات مضطربة.
وما إن خرج حتى لكم الحائط بكل قوته، ثم أسند جبهته إليه وهو يحاول التقاط أنفاسه، بينما كانت الأسئلة تمزق رأسه.

داخل الغرفة...

ظلت مي جالسة تتظاهر بالقوة، وفي داخلها كان يتمزق قلبها من الوجع... فما أقسى الخذلان حين يأتي ممن وثقت به ثقة عمياء، وجعلته وطنا وأمانا.

بدأت قوتها تنهار، فارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها بصمت.

اقترب منها راشد، وجلس أمامها: مالك يا بنتي، في إيه؟ عمل معاكي إيه؟

لكنها لم تكن تسمعه.

كانت غارقة داخل ذلك الألم الذي مزقها، تعيش كل مارأته، وكل ماعرفته، وكل ماتهدم بداخلها.

اقترب شريف منها برفق: مي...

وما إن سمعت صوته حتى ارتفعت شهقاتها، والتفتت إلى والدها تبكي بحرقة: بابا... أرجوك... طلقني منه أنا مش عايزة أعيش معاه ولا عايزة أفضل على اسمه ثانية كمان، علشان خاطري يا بابا... طلعني منه، أنا بكرهه وبحتقره.

فتح راشد ذراعيه وضمها إلى صدره بقوة: حاضر حبيبتي، هعملك كل اللي إنتِ عايزاه، اهدي، والله هعملك كل اللي يريحك.

انفجرت في البكاء داخل حضن والدها، بينما وقف أخواها ينظرون إليها بعجز، لا يفهمون ماذا حدث وأوصلها إلى كل هذا الانهيار.

نظر حاتم إلى الطبيب بقلق: يا دكتور هي كده مش محتاجة مهدئ؟

هز شريف رأسه: بالعكس، أنا عايزها تعيش الوجع، وتخرجه من جواها، الكبت هو اللي كان خطر عليها، لكن البكاء، والغضب، والكلام دي بداية المواجهة.

نظر إلى مي وتابع بهدوء: هي بدأت تواجه، ودي أول خطوة حقيقية في العلاج.
♥️___________________بقلمي_ ليلة_عادل.

الساحل الشمالي،2ظ.

جلس مصطفى وآلاء إلى جوار بعضهما، يستمعان إلى المؤتمر بتركيز حتى انتهت آخر فقرة.

ومع إعلان بدء فترة البوفيه، وقفا معا.

مصطفى وهو يفرك يديه: أنا جعان جدا.

آلاء بابتسامه: بصراحة أنا كمان، رغم إنهم وزعوا علينا الصبح سندوتشات، بس حاسة إني جعانة أوي.

ضحك قائلا: طب يلا قبل ما الأكل يخلص.

تحركا معا نحو البوفيه، الذي امتلأ بأصناف شتى من الطعام والحلوى والمشروبات أخذ كل منهما ما يشتهيه، ثم توجها إلى إحدى الطاولات المطلة علي البحر مباشرة.

جلست آلاء تتأمل الأمواج، ثم قالت بابتسامة: المكان هنا حلو أوي.

ابتسم وهو ينظر إلى البحر: حقيقي.

أومأت برأسها، ثم سألته: كده خلاص؟ المؤتمر خلص؟

ابتسم وهو يهز رأسه: لا لسه، ده مجرد بريك، بعد شوية هنرجع تاني.

أومأت بتفهم: لو حابة تقعدي على البحر، ومتكمليش براحتك.

ابتسمت: أنا أصلا استفدت جدا من وجودي هنا، كانت فكره حلوه 

تبسم: قولتك.

تبادلا الحديث أثناء تناول الطعام، وبعد أن انتهيا، عادا مرة أخرى إلى قاعة المؤتمر لاستكمال فعالياته.

بعد انتهاء المؤتمر والحفل، اتجها إلى الفندق، لكنهما فوجئا بأن جميع الغرف لاتزال ممتلئة فلم يقم احد بترك غرفته..

تسأل مصطفى: يعني مفيش ولا أوضة فاضية؟

هز الموظف رأسه باعتذار.

زفر بضيق، ثم التفت إلى آلاء: خلاص، نرجع القاهرة خلينا نطلع نجيب الشنط ونمشي.

كاد ان يتحركا، لكن آلاء لاحظت شحوب وجهه وإرهاقه الشديد

توقفت أمامه وقالت بقلق: أنا حاسة إنك تعبان ومش هتقدر تسوق.

هز رأسه سريعا: لا، أنا كويس.

نظرت إليه بعدم اقتناع: لا، إنت فعلا مرهق، بلاش نسافر وإنت بالحالة دي.

تنهد وهو ينظر إليها: بس... أكيد إنتِ هتتضايقي لو قعدنا في أوضة واحدة، وأنا مقدر ده.

ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تهز رأسها: أنا كمان لازم يبقى عندي دم، مش هخليك تسوق وإنت تعبان بالشكل ده، يوم واحد مش هيحصل حاجة.

نظر إليها لثواني، قبل أن يبتسم باستسلام: خلاص زي ماتحبي.

صعدا إلى الغرفة.

دخل مصطفى إلى الحمام ليبدل ملابسه، بينما بدلت آلاء ملابسها في الغرفة وبعد دقائق، طرق الباب من الداخل قبل أن يخرج

مصطفى: خلصتي؟

كانت آلاء تجلس على المقعد تضع طرحتها على شعرها ترتدي بيجامة: آه... أتفضل.

خرج وهو يرتدي ملابس مريحة، ثم تمطى بتعب: مش عارف حاسس إني مرهق اوي مش عارف ليه؟!

آلاء بابتسامه: اليوم كان طويل، أرتاح.

ألتقط إحدى الوسائد وإتجه نحو الأريكة.

آلاء: رايح فين؟

مصطفى: هنام هنا.

نظرت إلى الكنبة، ثم إليه: لا انا هنام هنا نام، أنت على السرير.

هز رأسه: لا طبعا.

عقدت ذراعيها وقالت باعتراض: أنت الطويل والكنبة هتتعبك، أنا أقصر منك، لو حد هينام عليها يبقى أنا.

ضحك بخفة: يا ستي هو انا اشتكيتلك، وبعدين أنا أصلا مش هنام دلوقتي، لسه بدري، انا مرهق بس.

رفع عينيه نحو باب الشرفة: هقعد شوية في البلكونة، الجو شكله حلو.

توقف بالشرفة أخذ نفسا عميقا، والبحر يمتد أمامه. فتح عينيه، ثم التفت إليها وقال بابتسامة: ماتيجي تقفي هنا شوية معايا؟

ابتسمت وتحركت نحوه، ووقفت بجانبه: المنظر هنا حلو أوي.

اومأ: أهو ده بقى الساحل الشرير بتاع الأغنياء.

ضحكت بخفة، وهو زفر بتعب: والله كان نفسي ألف بيكي ونتمشى شوية، بس حاسس إني بقيت راجل ستيني من تعب المؤتمر.

ابتسمت وهي تهز رأسها: خلاص نبقى نيجي مرة تانية.

نظر إليها مبتسما: طب تعالي نتصور صورة.

اقتربت منه، وأخذ هاتفه، وبدءا يلتقطان عدة صور سيلفي وسط ضحكاتهما، وما إن همت بالابتعاد، حتى علقت طرحتها في أحد أزرار قميصه.

آلاء وهي تشدها بخفة: آه استنى، استني... متتحركش.

اقترب منها يحاول فكها بحذر، بينما لم يكن يفصل بينهما سوى سنتيمترات قليلة.

كانت تنظر إليه بتوتر، وهو منشغل بالزر.

وفجأة...

انزلقت الطرحة من فوق رأسها وهي تحاول تحريرها، وانسدل شعرها دفعة واحدة على كتفيها وظهرها.
تجمدت مكانها، واتسعت عيناها بخجل، ورفعت يدها بسرعة لتعيد الطرحة.

لكنه سبقها وأمسكها برفق: استني ثانية.

رفعت عينيها إليه، فابتسم وهو يتأملها للحظة، ثم قال بصوت هادئ: أنتِ مكسوفة ليه؟

ازدادت وجنتاها احمرارا: عشان...

قاطعها مبتسما: على فكرة أنا جوزك، ومش بقولك أقلعي الطرحة، بس متتوتريش مني بالشكل ده.

ثم نظر إلى شعرها وقال بإعجاب صادق: شعرك جميل أوي يا آلاء.

ارتعشت شفتاها من الخجل، ولم تستطع النطق.

ابتسم وهو ينظر إليها، وقال بصوت خافت: إنتِ كمان شكلك حلو أوي.

رفع يده بتردد، ولمس غمازتها بطرف إصبعه، وهو يضحك بخفة: وغمازاتك دي حكاية لوحدها.

شعرت بحرارة تتسلل إلى وجنتيها، وبرودة غريبة تسري في أطرافها لم تكن تعرف أين تنظر، فأكتفت بخفض عينيها وهي تبتسم بخجل.

ظل يتأملها للحظات، لأول مرة يراها بهذا القرب، من دون حجاب، وشعرها منسدل حول وجهها، وعيناها تهربان منه كلما التقتا بعينيه.

همس دون أن يشعر: إزاي مخدتش بالي إنك جميلة كده؟

رفعت عينيها إليه ببطء، والتقت نظراتهما لثواني طويلة، حتى بدا وكأن صوت البحر أختفى من حولهما.

ابتلع ريقه، ثم اقترب خطوة واحدة فقط، وكأنه ينتظر منها أن تبتعد، لكنها لم تتحرك.

تردد للحظة، ثم مال برأسه قليلا، ووضع قبلة هادئة على شفتيها..

اتسعت عيناها بصدمه، وتجمدت للحظة، قبل أن تستسلم للمشاعر التي باغتتها، فتبادله القبلة بخجل شديد، لثواني معدودة.

ظل هكذا لبضع ثواني، قبل ان يعود مصطفي لوعيه فجأه ويبتعد سريعا. 

ظل الأثنان ينظران إلى بعضهما في صمت، لا أحد منهما يعرف ماذا يقول.

ثم أطرقت رأسها بخجل، وأسرعت نحو الحمام، وأغلقت الباب خلفها، وهي تضع كفيها على وجهها من شدة الخجل.

أما مصطفى فظل واقفا مكانه، يمرر يده في شعره بعصبية، وضرب بكفه على سور الشرفة يلوم نفسه: يا نهار... أنا عملت ايه؟

اقترب من باب الحمام وقال بصوت مرتبك: آلاء

رفعت عينيها نحو الباب بتوتر وخجل لكنها لم ترد 

شعر بتوتر شديد عندما لم يسمع منها أي رد.

ظل واقفا أمام باب الحمام للحظات، ثم قال بصوت خافت يملؤه الندم: أنا آسف، لو زعلتك، حقك عليا.

تنهد وهو يمرر يده في شعره بعصبية: يا ريت متكونيش افتكرتي إني استغليت إننا لوحدنا، وإن دي كانت فرصة بالنسبة لي، صدقيني معرفش إللي حصل ده حصل إزاي؟!

صمت لحظة، ثم أكمل بصوت أكثر خفوتا: ارتاحي براحتك وأنا هنزل تحت.

لم ينتظر ردها.

ألتقط مفاتيحه وخرج سريعا من الغرفة، وكأنه يهرب من نفسه قبل أن يهرب منها.

بعد لحظات، فتحت آلاء باب الحمام بحذر، وأخرجت رأسها أولا، ثم نظرت حولها.

لم تجده.

عقدت حاجبيها باستغراب وهمست: هو... مشي بجد؟

خرجت ببطء، ثم جلست على طرف الأريكة، رفعت أصابعها إلى شفتيها، ولمست مكان قبلته بخجل، فارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، سرعان ما أخفتها.

لم تكن غاضبة...

ولم تشعر لحظة أنه استغل وجودهما وحدهما، كل ماحدث أنها ارتبكت، وخجلت من نفسها، ومن قربه، ومن تلك المشاعر الجديدة التي لم تختبرها من قبل.

لكنها، في المقابل، بدأت تخشى أن يكون ماحدث مجرد اندفاع منه، لحظة ضعف لرجل وجد نفسه قريب من امرأة أصبحت زوجته على الورق لا أكثر.

أما مصطفى...

فكان يسير بجوار حمام السباحة بخطوات بطيئة، واضعا يديه في جيبيه، بينما يلوم نفسه بلا توقف.

صحيح أنها زوجته شرعا،  لكن زواجهما كان اتفاقا منذ البداية، ولم يكن يريد أبدا أن تشعر بأنه استغل هذا الاتفاق أو استغل وجودهما في غرفة واحدة.

أغمض عينيه وهو يزفر بقوة.

لكن ولأول مرة، اعترف لنفسه بالحقيقة التي كان يهرب منها، لقد وقع في حبها، وحدث ما حدث.

لذلك خرج؛ لأنه خاف أن يرى في عينيها نظرة احتقار، أو خوف، أو اتهام بأنه مثل أي رجل يستغل امرأة في لحظة ضعف.

المنزل الذي تمكث به صافيناز،3ع.

كانت صافيناز منهارة تماما، تجلس في منتصف الغرفة تبكي وتصرخ، وكل شيء حولها محطم. 

كان سليم يراقبها عبر الكاميرات، نظر إلى ساعته وقال لمكي: كفاية عليها ساعتين، هدخلها.

أخذ نفسا عميقا، ثم اتجه إلى غرفتها، على أمل أن ينتزع منها أي معلومة صغيرة تقوده إلى الحقيقة.

دخل وجال بعينيه في الغرفة، متأملا الفوضى التي أحدثتها، ثم علق بسخريه: كسرتي الاوضه والشاشه كمان!! تؤ تؤ تؤ، علي فكره الاوضه دى مكلفاني كتير اووى، بس مش مهم فداكي ياصفصف.

رفعت عينيها إليه ببطء، بأنفاس متقطعه من شدة الغضب، بينما ظل هو ينظر إليها ببرود.

مال بجسده نحوها حتى أصبح وجهه قريبا من وجهها، ثم قال بابتسامة مستفزة: مقولتليش صحيح إيه رأيك في أداء عمده؟ هو بيكون معاكي كده برضو ولا الانتيم اسبشيال؟  

نهضت تصرخت بغضب: أنا عايزه امشي من هنا، هقتله، والله لاقتله الحقير.

كادت تركض نحو الباب، لكنه أمسكها من ذراعها، وأعادها للخلف بسهولة: على فين بس؟ لسه مخلصناش كلامنا.

ابتسم باستفزاز وأردف: أنا لسه مورتكيش صور عياله...

مال برأسه وتابع: أصل عماد متجوز سارة من زمان أوي... من قبل ما يتجوزك بحوالي سنتين.

ضحك بسخرية: طلع واد ثعلوب فعلا علي رأي رشدي.

اتسعت عيناها بصدمة: أنت بتقول إيه؟! 

 سليم ببرود قاتل: اللي سمعتيه، وده لسه ولا حاجة، عماد عنده بلاوي أكتر من كده بكتير.

اقترب منها خطوة، وأضاف وهو يتعمد غرس كل كلمة في قلبها: هو اللي كان بيحطلك حبوب الهلوسة، عشان تنتحري.

 انفجرت، وتحولت ملامحها إلى غضب هستيري: هقتله، والله العظيم هقتله! وهقتلها هي كمان! هولع فيهم الاتنين،  يتجوز عليا أنا؟!

نظر لها من اعلى لاسفل بتقليل مستفز: تقتلي مين بس؟؟ شوفي نفسك دلوقتي يا صافي، هو أنت قادرة تمسكي كوباية علشان تقتلي فرخه حتي!

قالت بأنفاس مضطربه: بابي هينتقملي منه، ومامي مش هتسيبه.

ضحك  بسخرية لازعه: هو حد فاضيلك ولا سائل فيكي اصلا؟ بابي دلوقتي غرقان في إنقاذ امبراطوريته، ومامي دى مش بتفتكر اننا ولادها إلا لما حد فينا يحصله حادثه كبيره بس..!

صمت لحظة، ثم أكمل ببرود، متعمدا أن يدفعها إلى حافة الجنون: وبعدين أصلا... عمده مش هنا، خد الإنتيم وخلع على روما، بعد ما نقل كل أملاكك للعيال اللي مش ولادك، علشان لما يوصلك للانتحار، يورثك من غير ما حد يشك، مش بقولك طلع ثعلوب.

ابتسم ابتسامة جانبية وأضاف: وعلى فكرة... هو عارف إن مريم وزين مش ولادك، وإنك متبنياهم.

اتسعت عيناها بصدمة "كيف عرف ذلك؟"

لكن الصدمة لم تدم طويلا، فقد ابتلعها غضبها من عماد، وأصبحت الفكرة الوحيدة المسيطرة على عقلها هي "الانتقام"

هزت رأسها بعدم تصديق: عماد فيا كل ده ليه؟ أنا حبيته؟ ليه يعمل فيا كل ده؟

انفجرت بضحكة مضطربة امتزجت بالبكاء: خدعني بعد كل اللي عملته عشانه... خدعني! أنا.

زم سليم شفتيه بتصنع: معلش بقى نصيب.

رفعت رأسها إليه، وقالت بلهفة: وأنت هتسيبه يسرق فلوسي؟! لازم تنتقم منه يا سليم!

رفع حاجبه باستغراب مصطنع: أنتقم منه ليه؟

صاحت وهي تقترب منه: علشان أنا أختك!

ضحك بسخرية: من إمتى؟ اعتقد عمر ما كان بينا أخوة ولا حب والكلام ده، طول عمرنا علاقتنا كانت ماشية بالمصلحة وبس!

نظر إليها نظرة ثابتة، وقال مساوما أياها علها تنطق بشيء يساعده: قوليلي سبب واحد يخليني أخاطر بنفسي، وأنتقم من عماد علشانك؟!

وقفت صامتة، تتنفس بسرعة، وعيناها تتحركان بجنون، وكأن عقلها يحاول التمسك بأي شيء.

وفجأة رفعت رأسها إليه، وقالت بصوت مرتجف: انتقم لنفسك...مش عشاني! عماد... عماد هو السبب في كل اللي حصلنا.

حاول الا يظهر لهفته، وفضل الصمت ليدفعها لأن تكمل هذيانها.

ظل يراقبها بصمت، فهزت رأسها بعنف، وواصلت تحاول اقناعه باضطراب: عماد هو... هو اللي عمل كل حاجة... هو اللي خلى رشدي يدمن.. وهو اللي دمرني... وهو...

توقفت لحظة، ثم شهقت فجأة وهي تصرخ باضطراب: وهو اللي قتل بنتك! بنتك متولدتش ميتة يا سليم... بنتك اتولدت عايشة.

ساد صمت ثقيل للحظه، قبل ان يطلق سليم ضحكة ساخره: أنتِ رجعتي تهلوسي تاني ولا ايه؟ ما كنا ماشين حلو.

نظر لها باستهزاء وهو يقول بخبث: عايزة تلبسي عماد أي مصيبة وخلاص؟ قولي حاجة تعقل حتي...قولي مثلا إنه اتفق مع المافيا، إنما بنتي اتولدت عايشة وهو قتلها؟! متخلش عليا يا صافي!

هزت رأسها بعنف، واقتربت منه وهي تبكي بإصرار: والله ما بكدب... ولا بهلوس! بنتك اتولدت عايشة... دخلت الحضانة..

كانت الكلمات تخرج منها متقطعة من شدة انهيارها، لكنها كانت تتعمد أن تغرس كل كلمة في قلب سليم، لتؤجج غضبه عمدا، وتدفعه إلى طريق الانتقام، على أمل أن ينتقم لها من عماد: هو... هو راح للدكتور... إداله فلوس... وخدها... واداها لعاطف... عشان يخلص منها.

ارتجف صوتها وهي تكمل: بس هددني... قالي لو اتكلمت هيقتلني... وأنا... أنا خوفت منه... وسكت... وسكتت لحد ما ضاع كل شيء، انت لازم تقتله يا سليم..

اختفت السخرية من وجهه، وشعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه، وهو يطالع تعابير وجهها التي لا يبدو عليها الكذب!

بينما أمسكته صافيناز من كتفيه، وهي تهزه وتصرخ: لازم تنتقم منه يا سليم! عماد هو اللي دمرنا كلنا، دمرني... وخلى رشدي يدمن... وهو اللي لفق قضية ماسة... ماسة بريئة... هو السبب في كل حاجة... وهو كمان اللي قتل بنتك!

انفجرت بالبكاء وهي تردد بجنون: اقتله... اقتله حتى عشان بنتك...!

لم يعد سليم يسمع شيئا، تلاشت صرخاتها، واختفت الكلمات التي تلتها، وكأن العالم كله انقطع صوته فجأة.

لم يبقَ في أذنيه سوى جملتين، تترددان كالصدى "بنتك اتولدت عايشة، وعماد هو اللي قتلها"

تجمد في مكانه، وانحبست انفاسه، وكأن قلبه توقف عن النبض لثواني
وتغلل إلي داخله شعورا بالخوف، من أن تكون صافيناز، وسط كل جنونها، قد قالت الحقيقة!
تعليقات



<>