[ ليست جميع النهايات تُشبه ما رسمناه في خيالنا، أحيانا يطول الوجع حتى نظن أنه صار قدرا، ثم يبتسم القدر أخيرا، فيذيب سنوات من المرارة بقطرة واحدة من العسل، فالقلوب التي صبرت على الفقد...قد يأتيها يوم تزهر فيه الحياة من جديد..]
ليلة عادل✍️🌹
الفصل التاسع والثلاثون❤️🤫
[بعنوان: مراره بطعم العسل]
اتسعت عيناه حتى احمرتا، واستوحشت ملامحه،
اندفع نحوها، وقبض بيد واحدة على مقدمة بلوزتها من عند صدرها، وجذبها إليه بعنف، حتى كادت قدماها ترتفعان عن الأرض: : أنتِ بتقولي إيه؟! حور مين اللي اتولدت عايشة؟!
هزت رأسها بعنف بملامح مرعبه: أيوه، والله اتولدت عايشة ودخلت الحضانة، وعماد خدها، أنا قولتله ميقتلهاش...اترجيته، بس مسمعش كلامي.
أكملت وهي تبكي بهستيرية واضطراب: اداها لعاطف السواق يقتلها، أسأل عاطف، هو عارف كل حاجه. .
شهقت ببكاء متوسله: انت لازم تقتله، اقتل عماد وخد حق بنتك.
أفلتها فجأة، فتعثرت وسقطت على الأرض.
أما هو، فبقي واقفا يتنفس بصعوبة، وقد تجمدت ملامحه من هول الصدمة. لم يستطع عقله استيعاب أن ابنته التي اعتقد لسنوات أنها وُلدت ميتة، اكتشف للتو أنها أبصرت الحياة بالفعل قبل أن تسُلب منها بوحشية وهي لا تزال رضيعة؟
شعر وكأن الأرض تميد تحت قدميه، جز على أسنانه، وأطلق صيحه جهورة: هقتله، والله لأقتله!
اندفع للخارج كالإعصار، وهو يصرخ بأعلى صوته: مكي!
ركض مكي إليه مذعورا: ايه يا سليم!
أجابه وعيناه تقدحان نارا: عايز عاطف سواق عماد حالا.
اومأ سريعا: حاضر، بس عايزه ليه؟
ضرب الحائط بقبضته، وصاح بغضب: خلص يا مكي، اعرفلي مكانه بسرعه.
شعر مكي أن شيئا كارثيا قد حدث، فأومأ برأسه وأخرج هاتفه على الفور، وبدأ يجري اتصالاته.
في الداخل، كانت صافيناز تضرب الباب بكل ما أوتيت من قوة، وهي تصرخ بجنون: سليم! افتحلي! سيبني أخرج اقتله! لازم أقتله واقتلها، سليييم...
أما سليم، فظل جامدا في منتصف الردهة، يحاول استيعاب ماسمعه للتو! لقد جاء إلى هنا ليصطاد اعترافا عن الحادث، لكنه خرج باعتراف هدم حياته بأكملها.
ألم يكفهم ما اقترفوه في حقه وحق ماسة؟ ألم تكفهم سنوات القهر والوجع التي سلبوهما إياها؟ أي ذنب اقترفته طفلته الصغيرة حتى تنال هذا المصير؟ ألم يرق قلبهم ولو للحظة وهم يذبحون رضيعة لا تعرف عن الدنيا سوى أنفاسها الأولى؟
ماذا يفعل الآن؟ وكيف سيواجه ماسة بهذه الحقيقة التي تهدم الروح قبل القلب؟ وكيف يمكنه إخفاء أمرا كهذا عنها، كان يشعر بجحيم مكتوم يشتعل داخله، ينتظر شرارة واحدة لينفجر ويلتهم كل شيء أمامه..
أطلق زفرة مثقلة بالألم، ثم أسند جبينه إلى الحائط وأغمض عينيه بقوة، كأنه يفرغها من آلاف الأسئلة التي تنهش عقله بلا رحمة، لكن كلما حاول الهرب منها، عادت إليه أشد قسوة، حتى أوشك أن يختنق بها.
ظل علي هذا الحال، وبعد دقائق، جاء مكي مسرعا: عرفت مكانه يا سليم!
رفع عينيه إليه: فين؟
أجابه وهو يمد هاتفه: في شقته في مدينة الشروق، ده اللوكيشن بتاعها.
انتزع الهاتف من يده دون أن ينطق بكلمة، واتجه مباشرة إلى الخارج.
صرخ مكي وهو يركض خلفه: سليم! فهمني طيب ايه اللى حصل، انت يابني!
لكنه لم يستطع اللحاق به، فقد اندفع إلى سيارته، وأدار المحرك، وانطلق كالسهم.
قفز مكي إلى السيارة الأخرى وصاح بالحراس: تعالوا ورايا بسرعه.
ثم انطلقت خلف سيارة سليم التي كانت تشق الطريق بسرعة جنونية.
أما سليم... فلم يكن يرى الطريق أمامه.
اختفت السيارات، وتلاشت أصوات المنبهات، وكأن العالم بأسره انطفأ من حوله.
كان يقود كمن انتزع منه عقله، يضغط على المقود حتى ابيضت مفاصله، بينما كانت عيناه تتقدان بنار امتزج فيها الغضب بالذهول، بينما قلبه يحترق مع كل مرة تتردد فيها الحقيقة داخله "حور.. ولدت حية، وقتلت."
منزل سارة3م
وقف رشدي يطرق الباب بعنف، وهو يصرخ بجنون: افتحي يا سارة!... افتحي!
واصل الطرق بلا توقف، لكن لم يصله أي رد.
وفي تلك اللحظة، خرج البواب من غرفته وهو يقول بحذر: يا بيه... مفيش حد هنا، الهانم مسافره.
التفت إليه بعينين مشتعلتين: سافرت إمتى؟ وفين؟
هز كتفيه: علمي علمك با بيه، هي مسافرها من يجي أسبوع كده... ولسه مرجعتش.
قطب حاجبيه، ثم سأله: وعماد؟
رفع يديه: معرفش عنه حاجه، من ساعه ما الست هانم سافرت وهو مش بيجي.
ضغط على أسنانه حتى كاد يحطمها من شدة الغضب، بينما كانت عروقه تنبض بعنف، وعيناه تشتعلان بقلق لم يعرفه من قبل.
لم يعد هناك مجال للشك... فاختفاء عماد هذا زاده يقينا بأن له يدا فيما أصاب مي، لكن السؤال الذي كان ينهش عقله بلا رحمة "أين اختفى؟"
لم يمنح نفسه فرصة للتفكير. اندفع نحو سيارته، وصفق بابها بعنف، ثم انطلق كالسهم يشق الطرقات بسرعة جنونية، حتي وصل لفيلا زيدان، والد عماد.
ترجل منها بخطوات متسارعة، وقلبه يخفق بعنف، وقد عقد العزم على ألا يغادر هذا المكان قبل أن يحصل على الإجابات التي يبحث عنها... مهما كان الثمن.
ترجل من سيارته، واخذ يضرب الباب بعنف، ففتحت له الخادمة بذعر، لكنه تجاوزها وهو يهتف بصوت هادر: زيدان!...أنت فيين؟
خرج زيدان من مكتبه وهو ينظر إليه باستغراب: في إيه يا رشدي؟ إيه الدوشه اللي عاملها دى؟
اندفع نحوه، وأمسكه من ياقة قميصه بعنف: ابنك فين؟!
صاح زيدان بغضب: أنت اتجننت؟! سيب!
هزه بقوة وهو يصرخ: ابنك فين يا زيدان؟! انطق!
وفجأة أخرج مسدسه، وصوبه نحوه: انطق بدل ما اخلص عليك، ابنك فيين؟
وفي ثواني، اقتحم رجال الأمن المكان، وأمسكوا برشدي وأبعدوه بالقوة.
صاح زيدان وهو يعدل ملابسه: أنت اتجننت؟! جاي ترفع عليا مسدس في بيتي!
لكن رشدي لم يهدأ، بل ظل يحاول الإفلات منهم وهو يصرخ: ابنك فين يا زيدان؟ اوعى انت وهو.
زيدان بحدة: عماد مسافر بقاله أسبوع.
نظر إليه بعينين مشتعلتين: هات رقمه.
أجابه بهدوء: الرقم اللي معايا مقفول، أنا معرفش هو فين، بس اللي أنت عملته ده هتتحاسب عليه.
اقترب رشدي خطوة، وعيناه تمتلئان بالوعيد: وابنك كمان هيتحاسب...بلغه إني مش هسيبه..
ثم صاح بصوت أرعب الجميع: والله لأجيبه وأقتله، وأعلقه على بوابة الفيلا دي بإيدي!
ظل ينظر إليه زيدان بهدوء غريب، بينما استدار رشدي وغادر المكان والغضب يكاد يحرقه من الداخل.
وفور مغادرته، أسرع زيدان إلى مكتبه، وأخرج هاتفه، واتصل بعماد.
جاءه صوته هادئا: خير يا بابا؟
رد بانفعال: أنت عملت إيه لرشدي؟! جه هنا متجنن، وحالف يقتلك!
أجابه ساخرا: معملتش حاجة، تلاقيه متقل في الشرب ولا حاجه..
زيدان بحزم: شوف الموضوع فيه ايه بسرعه.
تنهد قائلا: حاضر... هقفل وأعرف الموضوع.
هز زيدان رأسه بضيق: قولتلك اللعب الكتير ده نهايته وحشة.
رد بضجر: خلاص يا بابا... سلام.
أغلق الهاتف، فاقتربت منه سارة تتسأل بقلق: في إيه؟
مد وجهه: مش عارفه، بابا بيقول رشدي بيدور عليا، وراح لبابا يهدده إنه هيقتلني!
نظرت إليه بقلق: تفتكر يكون عرف إن أنت اللى ورا محاولة قتله!
قطب حاجبيه: مش عارف! هيعرف منين اصلا؟
ابتلعت ريقها بقلق: يمكن الواد اللى اتفقت معاه، نفذ تهديده وبعتله التسجيل فعلا!
تبدلت ملامحه عند هذا الاحتمال، وقال سريعا: طب استني.
نزع الشريحه من هاتفه، ثم وضع الشريحه القديمه، وضغط على رقم رشدي.
في تلك الأثناء...
كان رشدي يقود سيارته بسرعة جنونية، وفجأة... رن هاتفه باسم عماد.
ضغط على الفرامل بعنف حتى صرخت الإطارات، ثم أجاب فورا: أنت فين يا ابن الكلب؟! أقسم بالله هقتلك!
ضحك عماد بخفة: بالراحه علي نفسك يا عم، داخل سخن كده ليه؟
صرخ رشدي: عملت ايه لمي؟
رد ببرود: معملتش حاجة.
صاح بغضب: يعني إيه معملتش؟! قولتلها إيه يا حيوان... انطق!
ضحك عماد باستفزاز: المرة دي... مش أنا.
ثم أكمل بسخرية: شوف مين اللي باعك وراح قالها انت اللي بيكرهوك كتير، معلش يا رشدي... يوم ليك ويوم عليك، ويبدو إن الأيام دي كلها عليك..
اشتعلت عينا رشدي وهو يهدر: لو عرفت إن ليك يد والله لأقتلك! لو مستخبي تحت الأرض هجيبك وهقتلك!
قال كلماته، وانهي المكالمه، ثم انفجر صارخا، وهو ضرب المقود بكل قوته: أمال مين؟!...لما مش الزفت اللى قلها، هيكون مين؟!
♥️_________________بقلمي_ليلةعادل
العمارة التي يسكن بها عاطف٣ونصف
توقفت سيارة سليم بعنف أمام البناية، وترجل منها كالإعصار.
ركض مكي والحراس خلفه: سليم! فهمني في إيه؟ حصل إيه؟
تسأل وهو يصعد الدرج بسرعة جنونية: ساكن في أنهي دور؟
مكي: الثالث.
لم ينتظر المصعد.
صعد الدرجات قفزا حتى وصل إلى الشقة، ثم أخذ يطرق الباب بعنف حتى كاد يخلعه من مكانه.
في الداخل، ارتفع صوت عاطف منزعجا: مين اللي بيخبط كده؟!
وما إن فتح الباب حتي فوجئ بلكمه قويه في وجهه، أسقطته أرضا.
ثم انقض عليه سليم كأسد جريح فقد آخر ذرة من عقله، ولم يعد يرى أمامه إلا قاتل ابنته.
انهالت قبضاته عليه بلا توقف، وهو يصرخ بصوت أجش: قتلتها ليه؟!
لكمة أخرى وهو يصرخ حتى بح صوته: كان عمرها يوم، يوم واحد يا قذر! عملتلك إيه علشان تقتلها؟!
وقف مكي عند الباب مذهولا، لم يكن يفهم شيئا مما يحدث، لكن الكلمات التي سمعها كانت كفيلة بأن تصدمه؛ ابنة سليم... قتلها عاطف؟!
أما الحراس، فتبادلوا النظرات في ذهول، وقد انعقدت الدهشة على وجوههم.
حاول عاطف حماية وجهه وهو يصرخ ويئن: والله ما فاهم عملت إيه؟! مين دي اللي قتلتها؟!
لكن سليم لم يكن يسمع شيئا، استمر بلكمه دون رحمة، ثم قبض على رأسه وضربها بالأرض بعنف، مرة تلو الأخرى، حتى أصبحت رؤيته مشوشة من شدة الضربات.
في تلك اللحظة، خرجت زوجته تركض من إحدى الغرف، يتبعها طفلان صغيران، وقد ارتفعت صرخاتهما خوفا: إيه اللي بيحصل؟! سيبه... هيموت!
لكن سليم لم يسمع، ظل ينهال على عاطف باللكمات، حتى غرق وجهه في الدماء، وهو مازال يصرخ بجنون: قتلتها ليه؟! قتلت طفلة عمرها يوم ليه؟!
هانت عليك ازاي؟!
ركض الطفل الأكبر، الذي لم يتجاوز العاشرة، وضرب سليم بقبضتيه الصغيرتين على ظهره وهو يبكي: سيب بابا... ابعد عن بابا!
لم يتوقف سليم.
ضربه الطفل مره اخري: سيب بابا بقولك.
لكن الضربات الصغيرة جعلته يلتفت بطرف عينه،
رأى الطفل يقف أمام أبيه بجسد مرتعش، يحاول حمايته رغم أنه يكاد يسقط من الخوف.
للحظة، تجمدت قبضته في الهواء، واتسعت عيناه وكأن عقله عاد إليه لثواني، ثم وقعت عيناه على الطفل الأصغر يختبئ داخل أحضان والدته ويبكي بهلع، بينما هي تضمه بقوة وتحاول حمايته، وملامح الرعب تملأ وجوههم جميعا.
سكنت يده للحظة، انقبض فكه بقوة، وأخذ نفسا عنيفا، لا.. لن يحطم أبا أمام أولاده، مهما كان حقيرا.
أعاد بصره إلى عاطف.
ثم نهض وهو يقبض على ياقة قميصه بعنف: امشي معايا... يلا! قووم..
جذبه بقوة للخارج، بينما ظل الطفل يركض خلفهما وهو يبكي، قبل أن تحتضنه والدته بقوة وتمنعه من اللحاق بهما.
ظل سليم يسحبه خلفه، بينما كانت زوجته وولداه يصرخون.
عاطف بصوت متقطع: خليكي هنا يا نوال، متجيش ورايا.
هبط به إلى أسفل البناية، يتبعه مكي والحراس.
وبمجرد أن وصلوا، دفعه بقوة فوق غطاء السيارة، ثم أشهر مسدسه، وكان على وشك إطلاق النار، وهو يصرخ: هقتلك يا عاطف زي ما قتلتها.
اتسعت عيناه رعبا، ورفع يديه المرتعشتين: بالله عليك يا باشا ارحمني، أنا عندي عيال!
صرخ سليم، وعيناه تحترقان: وأنت مرحمتش بنتي وهي عمرها يوم ليييه؟ قتلتها بدم بارد ليييه، هقتلك زي ماقتلتها!
شهق عاطف، وقال بصعوبة: بنتك مين؟! والله ما قتلت حد! انا معرفش ان عندك عيال اصلا؟!
قبض على قميصه بعنف حتى كاد يمزقه: الطفله الصغيرة اللي عماد سلمهالك من خمس سنين! وقتلتها يا حقير، قتلتها ليه؟! مصعبتش عليك؟ ازاي هان عليك تقتل طفله عندها يوم! يوم يا نجس يا عديم الرحمه.
هز عاطف رأسه بجنون: ايوة أيوة... افتكرتها، مقتلتهاش! ومصحف مقتلتها البت دي لسه عايشه...
تجمد سليم عند سماع كلمته، بينما تابع عاطف بلهفه، والدموع تملأ عينيه: والله ما قتلتها يا باشا، أنا عندي عيال، مهانش عليا أقتل رضيعة.
انعقدت ملامح مكي: اومال عملت فيها إيه؟
أجابه بأنفاس متقطعه: اديتها لست غلبانة جوزها وابنها ماتوا في حادثة، وكانت عايشة لوحدها، قولت يمكن تعتبرها بنتها، وهي فعلا ربتها.
ساد صمت ثقيل.
حدق فيه سليم بعينين زائغتين، ثم همس بنبرة متلعثمه من الصدمه: يعني... يعني بنتي عايشه! مماتتش؟
هز رأسه بسرعة: أقسم بالله ما ماتت، ولا لمستها بسوء، أنا أصلا مكنتش أعرف إنها بنتك، كل اللي أعرفه إن عماد بيه سلمني طفلة عمرها يوم، وقالي أتخلص منها...وأنا مقدرتش.
نظر إليه مكي بحدة: أقسم بالله لو بتكدب هجيب عيالك وهقتلهم قدامك.
أجابه دون تردد: وعهد الله ده اللي حصل، ولو مش مصدقني، تعالى أوديكم ليها.
اتسعت حدقتا سليم، وتراجع خطوة إلى الخلف من هول الصدمه، بينما انفرجت أصابعه دون وعي، فانزلق المسدس منها وارتطم بالأرض بصوت حاد، لكنه لم يسمعه، وكأن العالم بأسره توقف في لحظة، تلاشت الأصوات من حوله، واختفت الوجوه، ولم يبقى سوى دقات قلبه التي راحت تقرع صدره بعنف.
"حور... عايشة."
كلمتان فقط... لكنهما كانتا كفيلتين بأن تهدما خمس سنوات كاملة في طرفة عين.
خمس سنوات وقف فيها أمام قبر ظنه يضم ابنته، يبكي اليها، ويحدثها، ويستجديها في دعائه... بينما لم تكن هناك يوما.
خمس سنوات عاش يظن أنها غادرت الدنيا قبل أن تفتح عينيها، في حين أنها كانت في مكان ما تتنفس، وتكبر، وتعيش بعيدا عن أبيها، محرومة من حضنه واسمه!
تسارعت أنفاسه حتى شعر أن الهواء قد اختفى من حوله، فرفع يده المرتجفة وفك الزر الأول من قميصه، ثم الثاني، وهو يلهث بصعوبة، ثم استدار نحو عاطف، قائلا بنبرة تخرج بصعوبه: أنت... متأكد؟
أومأ سريعا: والله يا باشا... تعالى وأنا أوديك لها.
شعر أن عقله قد شل تماما، ولم يعد قادرا على استيعاب شيء، ارتجفت شفتاه، وانحدرت دمعة ساخنة على خده، سرعان ما لحقتها أخرى، ثم أخرى، ولم يحاول مسحهم؛ فقد كان أكبر من أن تحتويه الدموع، وأضعف من أن يمنعها.
يا للمفارقة، لقد خرج من بيته وهو يحمل في صدره نار انتقام لا تخمد، ظن أن نهاية هذه الرحلة ستكون بالثأر وسفك الدماء، لكنه لم يتخيل يوما أن نهايتها قد تكون بلقاء ابنته، الأمل الذي دفنه بيديه منذ خمس سنوات، ثم عاش يبكيه كل ليلة.
اجتاحت صدره غصة حادة، لم يستطع تفسرها؛ أهي فرحة عجز قلبه عن احتمالها؟ أم صدمة قلبت عالمه رأسا على عقب؟ أم أنهما اجتمعتا معا، حتى لم يعد يميز بين وجع البكاء وفرحة اللقاء؟
التفت إلى مكي الذي كان لا يقل عنه زهولا، وهمس والدموع تملأ عينيه، بصوت مرتجف بالكاد يسمع: سمعت قال ايه؟ بيقول إن بنتي عايشة!
شعر مكي بقشعريرة تسري في جسده، وعجز عن إيجاد كلمة يقولها ..
أما سليم فابتلع ريقه، وخرجت كلماته متكسرة، وهو يحاول إقناع نفسه بأنها حقيقة: بنتي طلعت عايشه يا مكي! حور عايشه مماتتش!
أومأ مكي برأسه وارتسمت على شفتيه ابتسامة مرتعشه امتزجت بالذهول، لم يجد ما يقوله، فقد كانت الصدمة أكبر من أي كلمات. كل ما فعله أنه اقترب وربت على كتفه برفق: إن شاء الله هتطلع هي.
مسح دموعه بظهر يده، وهز رأسه وكأنه يتمسك بذلك الأمل بكل ما أوتي من قوة: أكيد هي، إن شاء الله هتطلع هي، مفيش غيرها.
ثم التفت فجأة إلى عاطف، وصاح بحسم: قدامي.
تقدم الحراس، وأمسكوا به، واقتادوه إلى السيارة وأجلسوه في المقعد الخلفي.
بينما اتجه سليم نحو مقعد السائق.
لكن مكي أوقفه، وأخذ المفاتيح من يده برفق: سيبني أنا أسوق... أنت مش هتقدر.
أومأ بصمت، واستدار يجلس في المقعد المجاور له، وعيناه معلقتان بعاطف، في المرآه، وكأنه يخشى أن يختفي قبل أن يدله على مكان ابنته.
❤️______________بقلمي_ليلة_عادل.
المستشفى التي تمكث بها مي،٤م.
كانت لا تزال تجلس على الأريكة، لكن ملامحها بدت أكثر هدوءا من قبل.
جلس راشد أمامها، ينظر إليها بحيرة، ثم قال برفق:
طب فهميني يا بنتي إيه اللي قلبك عليه فجأة كده؟
تنهدت وقالت بهدوء متعب: بابا لو سمحت متضغطش عليا، أنا مش عايزة أتكلم، كل اللي عايزاه إني أطلق من البني آدم ده.
اغرورقت عيناها بالدموع وهي تتابع بصوت مبحوح: أنت كنت صح، كلكوا كنتوا صح وأنا غلط، رشدي مكنتش ينفعني.
قطب حاجبيه بقلق: أنا مش عايز اضغط عليكي، بس محتاج أفهم عملك ايه، ضايقك؟ خانك؟ عرفتي عنه حاجة؟
هزت رأسها برجاء: أنا مش قادرة أتكلم دلوقتي، لو اتكلمت هفتكر ولو افتكرت هتوجع تاني، كل إللي عايزاه إني أطلق منه وبس.
رفعت عيناها الذابلتين لوالدها وتابعت: ولا انت عندك مشكله إن بنتك تطلق بعد أقل من شهرين جواز؟!
نظر لها بحزم: أوعي تقولي الكلام ده تاني، أنتِ بنتي، وهفضل في ضهرك مهما حصل.
أمسك يدها برفق وتابع: أوي تكوني فاكره إننا هنلومك دلوقتي ونجلد فيكي؟ يا حببتي إحنا لما نصحناكي قبل كده فده علشان كنا خايفين عليكي، ولو كنتي اسأتي الاختيار فده مش هيمنع أبدا إن أنا وأخواتك من بعدي هنفضل ديما سندك وفي ظهرك طول العمر.
حدقت فيه بعينين دامعتين من التأثر للحظه، قبل أن تلقي بنفسها بين أحضانه، تاركه لروحها المنهكه الفرصه للترميم بين أحضان والدها الحنونه.
احاطها بحنان واحتواء، وراح يربت علي خصلاتها ويردد: يا حببتي انتِ بنتي الوحيده، وكل اللى بتمناه في الدنيا دى إني اشوفك سعيده ومرتاحه.
ظلا هكذا للحظات، حتي طرق الباب ودخل شريف يتسأل بابتسامته المعتادة: عاملة إيه دلوقتي يا مي؟
ابتعدت عن أحضان والدها، وردت بخفوت: الحمد لله.
نظر حوله باستغراب وتسأل: أومال حاتم وحازم ولمياء وتقى فين؟
ضحكت رغما عنها: ده أنت حفظت العيلة بقى؟
ابتسم شريف: طبيعي احفظهم، بقالهم اسبوع مش مبطلين اسئله وخوف عليكي.
راشد بهدوء: هما روحوا يرتاحوا شوية، ولمياء في الطريق.
أومأ شريف، ثم نظر إلى مي: طب ممكن أتكلم معاكي شوية؟
هزت رأسها بصمت، فنهض راشد: طب أنا هستنا بره.
خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه تاركا لابنته المساحه للتعبير عن كل مابداخلها دون حرج، بينما جلس شريف على المقعد المقابل لها، قائلا بابتسامه: علي فكره، أنا مبسوط منك.
عقدت حاجبيها: إشمعنى؟
اجابها بتشجيع: لأنك قدرتي تواجهي... وتقولي "لأ".
ابتسمت بسخرية مريرة: ولا قدرت ولا حاجة، أنا قعدت أعيط بعدها زي العبيطة.
ابتسم ابتسامة هادئة: ومين قال إن العياط عبط؟
صمت لحظة، ثم أكمل بهدوء عقلاني: العياط قوة مش ضعف، ده شعور إنساني طبيعي الإنسان يحسه لما يتوجع، وده معناه إنك بدأتي تتصالحي مع اللي حصل.
أخذت نفسا عميقا، وقالت بثبات: وأنا من دلوقتي هكون قوية، ومش هخلي الحزن والوجع يسرقوا مني ولا ثانية تاني، حياتي أغلي من إني أضيعها في الحزن، عشان كده كنت عايزاك تكتبلي علي خروج، أنا حاسه إني بقيت كويسه واقدر أخرج.
اوما براسة: معنديش مانع، بس بشرط...هنفضل متابعين مع بعض فتره لحد ما أطمن إنك تجاوزتي الأزمه دي تماما.
ثم أضاف مازحا: ولا أنتِ زهقتي مني وهتدوري علي دكتور غيري؟
ارتسمت ابتسامة خجولة على شفتيها، وقالت وهي تعبث بأطراف حاجبها: لا خالص... بالعكس، أنت ساعدتني كتير، وكلامك كان بيريحني.
أسند ظهره إلى المقعد، وتابع مازحا: الحمد لله... كنت هزعل لو قولتي زهقتي مني!
ابتسمت للحظه، قبل أن تختفي ابتسامتها تدريجيا وتردد بشرود: لازم أخرج واتحمل نتيجه اختياري، أنا كنت غلط من الأول وكلهم حذروني ومسمعتش الكلام، يمكن لو كنت سمعت كلامهم من الأول مكنتش وصلت لكل ده..
هز رأسه بهدوء: متلوميش نفسك علي ماضي، مفيش حد بيبقي قاصد يوجع نفسه، وأنتِ معملتش حاجه غلط؟ أنتِ حبيتي!
هزت رأسها بمراره: أيوه حبيت، بس حبيت واحد مش شبهي!
اومأ بعقلانيه: حتي لو مش شبهك، مين قال إن الناس اللي زيه متستحقش فرصة؟ بالعكس... كل واحد زي رشدي محتاج واحدة زي مي تكون في حياته وتحاول معاه، عشان ميجيش بعدين يقول محدش مد إيده يشدني من الحفرة، كل إنسان سيئ محتاج شخص صالح وهو بقى عليه يختار، بلاش تلومي نفسك.
تنهدت بحزن: بس الموضوع مكانش كده، في حاجات مهما حاولت متقدرش تتخطاها، أنا تجاوزت في حاجات كتير لأني حسيت إنه ملوش ذنب فيها
اغرورقت عيناها بالدموع وتابعت بمراره: لكن في حاجات، حتى لو كانت من الماضي، صعبة اقبلها واتجاوزها، يمكن غيري يستحملها... أنا لأ؟!
أخذت نفسا عميقا، ثم سألته بتردد: تفتكر كده يبقى فيا غلط؟ أبقى وحشة؟
نظر إليها لثواني، ثم سألها بهدوء: أنتِ شايفها ايه؟
هزت رأسها بيقين: أنا مقتنعة إنه صح، بس عايزه أعرف أنت شايفني أزاي.
ابتسم ابتسامة هادئة: أنا شايف إنك إنسانة طبيعية جدا، أنتِ حاولتي لآخر لحظة، واديتي فرص كتير، ولما وصلتي لمرحلة حسيتي فيها إن اللي مطلوب منك أكبر من قدرتك النفسية وقفتي وده حقك، كل واحد فينا ربنا خلقه بقدرة مختلفة على التحمل، ومش ضروري اللى غيرك يقبل بيه، أنتِ كمان تقبلي بيه!
صمت لحظة، ثم سألها: عايز أسألك سؤال...أنتِ خايفة؟
عقدت حاجبيها: هخاف من إيه؟
مد وجه موضحا: إنك تكوني استعجلتي مثلا؟ وإن لو كنتي سمعتيه، كنتي غيرتي رأيك؟
هزت رأسها بثبات: لا مش خايفة، مهما قال وبرر الموضوع مش أخطاء في الماضي وبس، هو عمل حاجات ابشع وإحنا مع بعض..
ارتعش صوتها وهي تكمل: خاني! كان بيروح يخوني كل ما نتخانق سوا ويرجع يقولى أن أسلوبي غلط وبيعصبه، هو فيه اكتر من إنه خاني قبل خطوبتنا بيوم!!!! كان بيبص في عيني ويقولى بحبك وهو بيخوني!!
ساد الصمت للحظات، كان شريف يستوعب حجم ما تخفيه، وأدرك أن ما تعرفه أكبر بكثير مما تقوله.
شريف بهدوء: لو مش حابة تتكلمي...مفيش مشكلة.
تنهدت باختناق: مش عارفة...مبقتش عارفه اتكلم ولا اسكت ومضحكش الناس علي عبطي!
نظر اليها قليلا قبل أن يقول: بصي يا مي...اليوم اللي هعرف فيه إنك خفيتي فعلا، هو اليوم اللي هتيجي تقوليلي فيه إنك قدرتي تواجيهه، وسمعتي رده كمان... دفاع، تبرير، سميه زي ما تسميه، وقتها بس هتقدري تحكمي وأنتِ هادئة، مش وأنتِ موجوعة، وساعتها هعرف إن الجرح بقى تحت سيطرتك، مش هو اللي مسيطر عليك!
نظرت اليه باستنكار حاد: ومين قالك إني عايزة اسمعه؟ أنا لا طايقه اشوفه ولا أسمع صوته.
ازدادت نبرة صوتها حدة: هو إنسان وحش... وأنا اللي كنت غبية لما افتكرت إنه يستحق الفرصة، اها زى ما قولت في ناس ماضيها صعب وتستحق فرصة، زي أخوه مثلا، تقريبا عاشوا نفس الظروف، لكن الفرق بينهم كبير، لدرجة إنه مستحملش يشوف أخوه نضيف فحاول يوسخه زيه، طلع إنسان وحش اووى لدرجه مش متخيلها..
صمتت لحظة، ثم همست باختناق: أنا بكرهه... وكل ماتكلم عنه بحس إني مخنوقة، مش عايزة أتكلم عنه تاني.
أومأ بتفهم: تمام... كفاية لحد كده.
ثم سألها بابتسامة: لسه حاسة إنك تقدري تخرجي؟
اومأت بثبات: أيوه عايزة أخرج وأرجع أعيش حياتي، مش هسيبه يتحكم في مشاعري أكتر من كده، أنا عايزة مي ترجع.
ابتسم برضا: وده بالضبط اللي أنا مستنيه منك، خروجك من المستشفى هيكون أول خطوة، لكن افتكري، القوة مش معناها إننا ننتقم، ولا إننا نثبت حاجة لحد، القوة إننا نكمل حياتنا من غير مانسمح للي وجعنا يفضل ساكن جوانا.
تنهدت بجمود: أنا كده كده مش هواجهه...هسيبه متعذب كده لحد ما أحس إني خدت حقي.
هز رأسه برفض: طول ما أنتِ مستنيه تاخدي حقك من اللى وجعك يبقي أنتِ لسه مربوطه بيه، حقك الحقيقي إنك تعيشي، وتنجحي، وتكوني مرتاحة، من غير مايبقى هو محور حياتك، وقتها بس تبقي خفيتي فعلا، مفهوم؟
أومأت بشرود: مفهوم.
♥️___________بقلمي_ليلةعادل
منزل إسعاد4م
أشار عاطف إلى المنزل، وقال بصعوبة بسبب تكسر بعض أسنانه الضرب: هو ده البيت يا باسا.
نظر سليم إليه من خلال المرآة، ثم أعاد بصره إلى المنزل، وخفق قلبه بعنف، لم يصدق أنه أصبح على بعد خطوات قليلة من ابنته التي عاش سنوات يظن أنها فارقت الحياه!
كان يشعر وكأنه داخل حلم، لكنه لم يعد يعرف، هل يتمنى أن يوقظه أحد منه، أم يظل يعيش فيه؟
اختلطت داخله المشاعر بصورة لم يختبرها من قبل، فمن الطبيعي أن يفقد الإنسان عقله عندما يكتشف بعد كل تلك السنوات، أن ابنته مازالت على قيد الحياة!
لاحظ مكي اضطرابه، فالتفت إلى عاطف وقال: انزل... واستنانا بره العربية.
أومأ برأسه وترجل من السيارة، وما إن ابتعد حتى أشار مكي بيده من نافذة السيارة إشارة متفقا عليها، فخرج الحراس وأمسكوا بعاطف.
ثم التفت إلى سليم، ووضع يده على كتفه بدعم: سليم... أنت كويس؟
نظر إليه بتيه، ثم أعاد نظره إلى المنزل وهو يهز رأسه بنبرة ضعيفه مهتزة: مش عارف، مش عارف أفرح ولا أخاف! من ساعة ما قالي إنها عايشة وأنا حاسس بإحساس غريب، خايف متكونش هي، وخايف يكونوا قتلوا بنتي بجد، خايف تطلع هي؟!
صمت لحظة، ثم أكمل بارتجاف: اصل لو هي هعمل إيه؟ هقولها كنت فين كل السنين دي؟! وسايبها عايشه في مكان زي ده، مش شايف شكل البيت؟!
أكمل بمرارة خرجت من بين أسنانه، وصوته يرتجف من شدة القهر: خمس سنين محروم منها يا مكي، معرفش ريحتها، ولا شكلها، ولا شوفتها وهي بتكبر قدامي، معرفش قالت أول كلمة إمتى، ولا أول خطوة خدتها، ولا أول مرة وقعت مين اللي جري يشيلها، ولا نادت مين بابا ولا ماما...
ابتلع غصته بصعوبة، وامتلأت عيناه بالدموع وهو يكمل بصوت مبحوح: بتحب إيه؟ بتخاف من إيه؟ بتضحك إزاي؟ لما بتعيط حد كان بيمسح دموعها؟ كانت بتنام وهي حاضنه مين؟ كل عيد بتستنى هدية من مين؟ كام مرة نفسها كانت في حاجة ومجبتهاش؟
أغمض عينيه للحظة، وكأن الكلمات تخنقه، ثم همس بانكسار لم يحاول إخفاءه: خمس سنين، اتسرقوا مني محدش يقدر يرجعهم، ولا يعوضني عنهم أبدا..
صمت لوهله محاولا احتمال ثقل الفكرة، ولكن خانته أنفاسه وهو يقول بارتجاف: هقولها كنت فين طول السنين دي؟ هي اصلا هتحبني وتتقبلني؟! ولا هتخاف مني، وترفض حتى تقرب مني؟!
نظر له بحزن متفهما وجعه، بينما تابع سليم متسائلا بألم: طب لما تكبر هتحترمني، هتصدق إنه كان غصب عني، هتحس معايا بالأما لما تعرف إني معرفتش احافظ عليها واحميها؟! ولا هتقول عليا اب ضعيف معرفش يحافظ عليها، ومش هتحب تعيش معايا وتخاف مني، وتزعل اني سبتها كل سنين دي عايشه في المكان ده..
تابع بتوتر وخوف بعينين اغرورقت بدموع: أنا خايف يا مكي، عمري ما حسيت بالمشاعر دي قبل كدة؟! كنت فاكر إن كل اللي مريت بيه قبل كده هو أصعب حاجة، وإني مش هتوجع اكتر من كدة، لكن لا، طلع فيه وجع أصعب بكتير..
خرج صوته مكسورا، بالكاد يستطيع إكمال كلماته: أنا كان اهون عليا افضل فاكرها ميته، أحسن ما ابقي عارف إنها عايشه وكرهاني..
أخرج مكي نفسا طويلا، وقد أثقل حديثه قلبه، كان يشعر بوجعه، ويتخيل حجم السنوات التي سُرقت منه، مد يده وربت على كتفه برفق، ثم قال بعقلانية، محاولا تهدئته: بلاش تقدر البلا قبل وقوعه يا سليم، متحملش نفسك فوق طاقتها، كنت هتعمل ايه يعني؟! ما انت كنت في غيبوبة ومراتك كانت حالتها صعبه كنت هتعرف ازاي؟! بعدين حتى لو هي مفهمتش اللي حصل لانها صغيرة، فمسيرها في يوم هتكبر وهتفهم، مفيش ابن بيكره ابو يا سليم.
نظر له بترقب، وقال بتأمل حزين: يعني هتحبني، وتسامحني!
اومأ بإبتسامة داعمه: إن شاء الله، ولو في مشكله لقدر الله، ممكن نروح الدكتور ياسر يقولنا نتصرف إزاي؟! لكن دلوقتي لازم ننزلها، ولازم تبقى قوي، وتاخد بالك من كل تصرفاتك قدامها.
صمت لحظه، قبل أن يقول بتردد: هي أكيد مش هتعرفك في الأول، فلازم تاخد بالك من شوقك، متخليش شوقك يخليك تتصرف بشكل يخوفها..
مسح سليم دموعه، وقال بانكسار: أنا عارف كل ده، بس أعمله أزاي؟ أنا مش قادر أسيطر على نفسي أصلا.
ثم ابتسم ابتسامة امتزج فيها الألم بالفرحة: بنتي عايشة يا مكي، بنتي عايشة وبيني وبينها خطوتين، كنت فاكر أول ما أوصل هنا هجري عليها، لكن حاسس إني متكتف، كأن في جنازير مسكاني.
ربت على كتفه: اهدى بس، وأنا معاك.
أومأ بإيجاب، وأعاد نظره إلي باب المنزل، ذلك الباب الذي يخفي جنته، وابنته التي عاش سنوات يظنها ماتت، بينما كانت تتنفس وتعيش خلفه.
اغمض عينه للحظه محاولا جمع شتات نفسه وصلابته، ثم اخرج نفس طويل قبل أن يفتح باب السيارة ويترجل منها.
وقف للحظة، مثبتا نظره علي باب المنزل.
بينما ترجل مكي هو الآخر، واقترب يربت على ظهره: يلا.
أومأ برأسه، ثم نظر إلى عاطف بنبرة قاطعه: قدامي.
تحرك عاطف، وسليم ومكي خلفه حتى وصلوا إلى باب المنزل.
رفع عاطف يده ليطرق الباب، لكن سليم أمسك ذراعه: استنى...
أغمض عينيه، وأخذ نفسا طويلا، يحاول السيطرة على اضطرابه، ثم رفع يده، وطرق الباب بنفسه ثم تراجع خطوة للخلف.
وبعد لحظات، فتح الباب.
ظهرت إسعاد، وما إن رأت عاطف حتى قالت بلهفة: عاطف! عامل ايه يا ابني، عاش من شافك يا وحش، كده متسألش على خالتك..
لكن سرعا ما أن انتبهت لملامحه التي تملأها الكدمات، فضربت صدرها بذعر: يالهوي؛ إيه اللي في وشك ده؟
ابتسم عاطف ابتسامة مهزوزه: معايا ضيوف.
ابتسمت في ترحاب: اهلا وسهلا البيت بيتهم، خليهم يتفضلوا.
تقدم سليم خطوة إلى الداخل، وقال بتردد من شدة اضطرابه: مساء الخير، آسف لو جينا من غير ميعاد.
رفعت عينيها نحوه وعرفته على الفور، انعقد حاجباها في دهشة، وضاقت عيناها وهي تحدق به في حيرة.
"ما الذي أتى بسليم إلى هنا؟"
فطوال السنوات الماضية، لم تعتد أن ترى أحدا يطرق بابها سوى رشدي. أما سليم، فلم يكن حضوره متوقعا أبدا.
تسللت إلى عقلها فكرة سريعة؛ لعل رشدي أرسله نيابة عنه بعدما عجز عن المجيء بنفسه، هزت كتفيها بلامبالاة، ولم تُطل التفكير في الأمر، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة ترحيب دافئة: أهلا وسهلا يا ابني تنوروا في أي وقت، اتفضلوا.
أومأ لها بامتنان، ثم تقدم خطوة إلى الداخل...
وفجأة...
تجمدت قدماه في مكانهما، واتسعت عيناه، وانقطع نفسه، وكأن الزمن توقف من حوله.
هناك...
في منتصف الصالة، كانت تتمدد على بطنها، وأمامها كراسة رسم تلونها بانسجام، بينما تحرك قدميها الصغيرتين في الهواء وتغني بصوت طفولي عذب مع انغام الاغنيه التى المنبعثه من التلفاز:
"سنوحي... وحابي... وتيتي شيري..."
كانت تضحك وتكرر الكلمات ببراءة، غير منتبهة إلى العيون التي تجمدت وهي تنظر إليها.
في تلك اللحظة...توقف الزمن، لم ير سليم شيئا سواها، اختفى كل من حوله... إسعاد، ومكي، وعاطف، وحتى المكان نفسه.
لم يبقى أمام عينيه سوى تلك الصغيرة.
ارتجف جسده بأكمله، وشعر بأن قلبه لم يعد ينبض، بل يصرخ داخل صدره، وكأنه يعزف لحنا لم يسمعه منذ سنوات.
خرج الاسم من بين شفتيه بصعوبة، كأنه يخشى أن يوقظ الحلم: حووور...
في تلك اللحظة رفعت رأسها عن كراسة الرسم، ونظرت له بعينيها الواسعه التي تشبه السماء، بالابتسامة نفسها التي كانت تزين وجه ماسة، لكنها لم تسمع بل ضيقت عينيها وعدلت جلستها وهي تتسأل بطفوله: مين دول يا تيتا؟
لم تعرف إسعاد ماذا تقول، فلازالت هي الأخري تحاول استيعاب ما يحدث، كادت تنطق، ولكن نظر لها مكي نظرة حاسمة، وهز رأسه في إشارة واضحة ألا تتكلم.
عقدت حاجبيها باستغراب، والتزمت الصمت، وقد أيقنت من نظراته أن هناك أمرا كبيرا جاء بسليم إلى هنا.
أما سليم...
فشعر بغصة حادة تعتصر قلبه، وخانته دمعة ساخنة بمجرد أن استمع إلى صوتها، ظل يحدق فيها، غير قادر على إبعاد عينيه عنها، وكأن شيئا بداخله يشده إليها دون أن يفهم.
تحرك نحوها بخطوات بطيئة، ثم هبط على ركبتيه أمامها، وأخذ يتأمل ملامحها بصمت... عينيها، ابتسامتها، خصلات شعرها، وكل تفصيلة صغيرة فيها، كأنه يحاول حفظها داخل قلبه.
كان يحاول استيعاب أن تلك الطفلة التي لا يفصل بينه وبينها سوى خطوة واحدة قد تكون ابنته.
بادلته الصغيره النظرات بابتسامة بريئة.
كانت عيناها الزرقاوان نسخة من عيني أمها، حتى أن قلبه انقبض وهو ينظر إليهما.
وفجأة...
مدت كفيها الصغيرتين، ومسحت دمعته برفق، وهي تتسأل بصوت طفولي دافئ: أنت بتعيط ليه يا عمو؟ أنت زعلان؟
بمجرد أن لامست أصابعها خده، اهتز جسده بأكمله، وشعر بقشعريرة غريبه داهمت خلاياه، وانطلقت من أعماقه شهقة وجع مكتومة حبسها بكل ما يملك من قوة، ضغط على أسنانه بعنف حتى برز فكاه، وهو يقاوم انهيارا كاد أن يفتك به، كان يريد أن يصرخ ويخبرها أنه ليس "عمو"...
أنه...إن صدقت الدلائل، فهو والدها الذي عاش سنوات يظنها ميتة
لكن صوته خانه، ولم يخرج منه سوى أنفاس متقطعة مثقلة بالقهر.
كان مظهره مؤثرا إلى حد أبكى مكي، فانهمرت دموعه دون أن يشعر، بينما ظلت إسعاد تنظر إلى الجميع بعدم فهم، وقد ازداد قلقها أكثر، فسألت عاطف بصوت مرتبك: هو في إيه يا عاطف؟
أجابها بصعوبه: اصبري بس..
مد سليم يديه المرتجفتين وأمسك وجه الصغيرة بين كفيه، وعيناه تلتهمان ملامحها، وفجأة جذبها إلى صدره في عناق قصير، وهو يضغط على أسنانه بكل قوته، يحاول السيطرة على دموعه وشوقه امامها.
ابتعدت الصغيرة عنه، وهي تنظر إليه باستغراب: إنت مين؟... وبتحضني ليه؟
ظل ينظر إليها وكأنه يشبع عينيه منها بصمت، ثم أخذ نفسا طويلا بصعوبة، والتفت إلى إسعاد قائلا بصوت مبحوح وهو ينهض: لو سمحتي، عايز أتكلم معاكي لوحدنا.
اومأت بتوتر: حاضر يا ابني...
ثم وجهت حديثها للصغيره: جنة، يلا ادخلي أوضتك لحد ما أتكلم مع عمو.
قطبت الصغيرة حاجبيها باستغراب: هو أصلا مين عمو ده يا تيته؟
إسعاد بحزم: اسمعي الكلام يا جنة.
تنهدت الصغيرة باستسلام: حاضر.
دخلت جنة غرفتها، وأعطتها اسعاد أوراق الرسم لتنشغل بها ثم اغلقت الباب برفق، .
وما إن عادت حتى نظر إليها سليم مباشرة وتسأل: البنت دي جاتلك إزاي؟
نظرت إليه بعدم فهم وأجابت: هو فيه إيه يا ابني، أنا مش فاهمة حاجة، متقول يا عاطف في ايه؟!
تنحنح عاطف بصوت منخفض: يا حاجة هي مش جنه دي هي نفس البنت الصغيره اللي أنا جبتهالك من خمس سنين وهي في اللفه؟
اومأت بتوتر: وطي صوتك عشان البنت، ايوه هي يابني ما انت عارف، في ايه؟ انا بدات اقلق.
أشار إلى سليم وقائلا: البنت دي تبقى بنت سليم بيه!
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية: بنت مين؟! إزاي؟!
عاطف مفسرا: الراجل اللي شغال معاه الله لا يكسبه هو اللي اداهالي، طلع خاطفها من سليم بيه هو ومراته، لما كان في الغيبوبه ....
ثم نظر لسليم بتوسل: والله العظيم ما كنت أعرف، أقسم بالله يا سليم بيه ما كنت أعرف انها بنتك، والله صعبت عليا عشان كده ادتها للحاجة.
أما إسعاد، فكانت تحاول استيعاب ماسمعته.
ابنته... كيف؟!.
كانت تظن أن سليم جاء اليوم فقط ليطمئن عليهم، أو ليترك لهم بعض المال بعد غياب رشدي طوال تلك الفترة، ولم يخطر ببالها ولو للحظة، أن الطفلة التي ربتها بين يديها هي ابنته، وأن رشدي عمها كان السبب في حرمانها من أبيها وأمها طوال تلك السنوات، إذا كل ما أخبرها به كان كذبا، كل الحكايات التي صدقتها، كانت مجرد أكاذيب!!
شعرت وكأن الأرض تميد بها، فاختل توازنها، وكاد جسدها يسقط، لكن سليم أسرع إليها وأمسكها قبل أن ترتطم بالأرض.
نظرت إليه وقالت بصوت مرتجف: معلش يا ابني قعدني، رجلي مش شيلاني.
أجلسها برفق، بينما كان هو الآخر غارقا في صدمته.
وكيف لا؟
وهو طوال تلك السنوات كان يعتقد أن ابنته ماتت... كان يجلس أمام قبر فارغ يبكيها، واليوم تقف أمامه حية، وكل شيء تقريبا يؤكد أنها ابنته بنسبة 90%..
لكن 10% الباقية... تركها كما هي، وكأنها آخر حاجز يحمي قلبه من الانهيار.
فلو تمسك بذلك الأمل، ثم اكتشف أنها ليست ابنته فلن ينكسر قلبه فحسب، بل سينهار تماما.
رفعت إسعاد رأسها لعاطف، وتسألت بارتجاف وهي لاتزال تحاول استيعاب ماتسمعه: يعني أنت كذبت عليا لما قولت إنك لقيتها مرمية في الشارع؟
خفض عاطف رأسه بخجل: أيوه كذبت، مقدرتش أقول الحقيقة، بس البنت دي بنت سليم بيه، بس وعهد الله ما كنت اعرف ان هي بنت سليم بيه الا دلوقت..
صاحت اسعاد بدموع: ازاي يا ابني تعمل كده؟! يعني الراجل يديك بنت صغيره ويقولك خدها تروح واخدها، وتحرمها من ابوها وامها، اخص عليك يا عاطف تسرق طفله!!
رد بدافع: مكنتش اعرف انها بنته، والله ماكنت أعرف، حقك عليا يا باسا، ابوس ايدك ارحمني، الحمد لله إنها طلعت عايشة، والحاجة كانت بتعاملها وكأنها بنتها.
قاطعته بضجر: مكنتش عارف ايه؟! منك لله يا عاطف، حتى لو بنت حد تاني، تحرق قلب أم وأب علي بنتهم ليه، منك لله..
وفجأة صاح سليم بصوت مختنق: بس، اسكتوا. مش عايز أسمع صوت حد.
ساد الصمت للحظة، ولم يبقى سوى دقات قلبه العنيفة، تصرخ داخل أذنيه، وهو يحاول بكل مافيه أن يستوعب الحقيقة التي قلبت حياته رأسا على عقب.
تحرك للخارج دون أن ينطق بكلمة، ووقف في منتصف الطريق، يجذب قميصه بعنف، ويفك أزراره وهو يضع يده فوق قلبه..وهو يحاول التقاط أنفاسه، لكن الهواء كان يرفض الدخول إلى رئتيه، وكأن يدا خفية تطبق على عنقه وتمنعه حتى من التنفس.
لم يعد يحتمل، فالحقيقة التي انتظرها سنوات، جاءت أثقل مما يستطيع قلبه احتماله.
ركض مكي خلفه، فوجده واقفا في منتصف الشارع، يلهث وكأنه خرج للتو من معركة.
وقف أمامه، لكنه لم يعرف ماذا يقول، أي كلمات يمكن أن تقال لرجل عاد إليه جزء من روحه بعد خمس سنوات؟
لم يكن هناك وصف لما يعيشه، ولا كلمات تستطيع أن تصف ذلك الشعور الذي يمزق صدره.
ربت علي ظهره وقال بصوت هادئ: سليم اهدى، وافرح إنها عايشة!
ضحك ضحكة مختنقة بالبكاء: أفرح إنها عاشت 5 سنين بعيد عني! أفرح إنها مش عرفاني!
وضع يده على صدره وقال بصوت مرتجف: أنا حاسس إني مش قادر أفكر ولا أستوعب، حاسس إن فيه حجر محطوط علي قلبي وبيخنقني... مش قادر آخد نفسي، حتى الفرحة مش عارف أحس بيها، حاسس إن قلبي هيقف من كتر اللي أنا فيه يا مكي.
صمت لحظة، ثم انكسر صوته: أنا بقالي 5سنين بقعد أبكي قدام قبر فاضي وفي الآخر تطلع عايشة!
تنهد مكي وقال محاولا تهدئته: إحنا برضوا لسه متأكدناش إنها هي، ممكن عماد يكون اداله أي طفلة تانية، بلاش نصدق 100% غير لما نعمل تحليل.
أغمض سليم عينيه، وهز رأسه بابتسامة متيقنه: هي، مش محتاجه تحليل أنا قلبي حاسس إن هي، دى نسخه من ماسة، نفس العينين، والملامح حتى ابتسامتها..
وضع يده على وجهه وهو يستعيد اللحظة بعينين غامت بدموع الفرح والوجع معا: لما حطت إيديها على وشي ولما حضنتها، حسيت بحاجة أول مرة أحسها في حياتي، جسمي كله قشعر، كأن روحي عرفتها قبل عقلي.
أجابه مكي بهدوء محاولا أن يُغلب عقله على قلبه: أنا كمان حاسس إنها بنتك، بس بقولك الكلام ده عشان لو فيه حتى 1% إنها تطلع مش بنتك، يبقى عقلك وقلبك مستعدين، أنا مش عايزك تتعلق بأمل وبعدها لا قدر الله تغرق في وجع أكبر.
ابتسم ابتسامة يقين، خرجت من بين وجع وصدمة ومشاعر لم يجد لها اسما طوال حياته، وقال بصوت متحشرج: بنتي... أكيد بنتي، ربنا مستحيل يكون جابني لحد هنا، ويخليني أقف قدامها وأحس الإحساس ده، وفي الآخر تطلع مش هي، لا... هي بنتي، أنا واثق إن ربنا مش هيكسرني للمرة التانية، بعد كل اللي حصل
ربت على كتفه بدموع يحاول التحكم بها: إن شاء الله بنتك، بس تعالي ندخل ونفهم كل حاجة الأول، لازم نعرف هي قالت للبنت إيه عنكم، وارجوك حاول تتحكم في مشاعرك على قد ما تقدر.
هز رأسه بالإيجاب، وأخذ نفسا طويلا، ثم مسح دموعه وتحركا..
في الداخل..
كانت إسعاد تجلس وهي تمسك رأسها بكلتا يديها، ما زالت تحاول استيعاب الصدمة، ثم التفتت إلى عاطف وقالت وهي تكاد تبكي: هو أنت يا بني آدم، مش قولت لقيتها في الشارع؟! وبعدين جيت قولتلي إن رشدي بيه كان بيطلع حاجات لله وعرف قصتها، وجه علشان يساعدها ويساعدني!
خفض عاطف رأسه بخوف: والله يا حاجة رشدي بيه هو اللي قالي أقول كده وهددني، أنا لو كنت أعرف اللي فيها مكنتش عملت كده، أنتِ متعرفيش رشدي بيه، ده مش بيرحم حد، وبعدين والله ماكنت اعرف ان هي بنت سليم بيه، انا كنت فاكرها بنت عماد بيه من واحده غير صافيناز اختهم، ورشدي يعني كان عايز يمسكها عليه زله، مكنتش عارف إن الموضوع في سليم بيه.
ضربت كفا بكف وهي تدعو عليه: منك لله يا شيخ... حسبي الله ونعم الوكيل فيك أنت و رشدي، خلتوني أعيش السنين دي كلها على كدبة! وحرمتوا البت من اهلها وهما عايشين.
ثم أشارت إليه بإصبعها محذرة: واسمعني كويس حسك عينك تجيب سيرة رشدي قدام سليم، سامع؟ كفاية المصيبة اللي إحنا فيها.
اومأ بارتجاف: والله ما هتكلم، إحنا مش قدهم.
في تلك اللحظة دخل سليم، توقف امامها وسألها مباشرة: أنتِ كنتي قايلالها إن أنا وأمها فين؟
نظرت إليه، وابتلعت ريقها: قولتلها إنكم مسافرين، وهي فاكراني ستها.
بمجرد أن سمع تلك الكلمات، خرجت من صدره زفرة طويلة، وكأن صخرة أزيحت عن قلبه.
تسأل بتردد: يعني هي عارفه إن أمها وأبوها عايشين؟
اومأت بابتسامة حزينة: أيوه يا ابني، قلبي مطاوعنيش أقولها إن أبوها وأمها ماتوا، هي فاكرة إنكم مسافرين، وحتى كنت بخلي جارتنا تكتبلها جوابات على أساس إنها جاية منكم.
قطب حاجبيه بدهشة: جوابات ايه؟
أشارت إليه أن يجلس: اقعد يا ابني واستهدى بالله، وأنا هفهمك كل حاجة.
ربت مكي على كتفه: اقعد، واسمع الأول.
جلس سليم، بينما بدأت إسعاد تحكي بهدوء حزين: هي فاكرة إن أبوها وأمها مسافرين، كنت بخلي رحمه جارتنا تساعدني في تربيتها، كانت بتكتبلها جوابات كأنها منكم، وساعات كانت تكلمها في التليفون هي واخوها، وتفهما انهم ابوها وامها، لكن لما البنت كبرت شوية وبقت تميز الأصوات، وقفنا الحكاية دي، هي ما شاء الله ذكية جدا، وعقلها سابق سنها.
ظل سليم صامتا للحظات، ثم قال بصوت خافت: طب وهنعرفها أزاي اني ابوها؟
ابتسمت إسعاد بحنان: بسيطة يا ابني هقولها إنك رجعت من السفر.
ثم أمسكت يده برجاء، واغرورقت عيناها بالدموع: بس والنبي يا ابني، متحرمنيش منها، أنا حبيتها واتعودت عليها.
نظر إليها بتردد: حاضر، بس هي شافتني، ومقولتلهاش انا بابا، فجاه كدة هتقوليلها بابا برة؟ مش هتصدق هتستغرب!
ابتسمت وحاولت طمأنته: ما أنت حضنتها، انا هقولها إنك من فرحتك بيها حضنتها، وإنك كنت عاملها مفاجأة، هي لسه طفلة، مش هتقعد تستغرب وكلام الكبار ده.
ثم نهضت وهي تقول: أنا هدخل أمهدلها الأول، وأقولها إن بابا رجع من السفر وبعدها أنادي عليك.
لم يستطع إخفاء لهفته، وقال بسرعة: طب بسرعه من فضلك، أنا مش قادر أستحمل عايز أخدها في حضني.
ابتسمت رغم دموعها، وأومأت برأسها: حاضر يا ابني.
ثم توجهت إلى الغرفة.
بينما نظر سليم إلى مكي بسعادة كادت أن تجعله مختل من شدتها: بنتي رجعتلي يا مكي... حور رجعتلي!
ربت على ظهره بابتسامة هادئة، فلم تكن هناك كلمات يمكن أن تُقال في تلك اللحظة.
في الداخل.
كانت جنة... أو حور حاليا، تجلس ترسم في أوراقها غير منبه لما يحدث حولها.
اقتربت منها إسعاد وسألتها: بتعملي إيه يا جنة؟
رفعت الورقة أمامها: بكمل الرسمه يا تيته.
ثم تسألت: هو مين عمو ده اللي حضني بره ده يا تيته؟ ومين عمو التاني اللي معاه؟
ابتسمت إسعاد ابتسامة خفيفة: هقولك هو مين، بس انتي زعلتيه منك عشان معرفتيهوش.
عقدت الصغيرة حاجبيها بفضول: طب هو مين؟!
اغرورقت عينا إسعاد بالدموع، ثم أشارت نحو الخارج وهمست: ده بابا يا جنه..
اتسعت عيناها بصدمة وفرح معا، وصرخت: بابا؟! هو رجع من السفر؟
اجابتها بارتباك وهي تمسك كتفها: أيوه يا حبيبتي رجع..
ابتلعت ريقها بتوتر مصحوب بتحذير: بس لازم توعديني إنك مش هتجيبي سيرة رشدي خالص..ليزعل منك.
سالتها بتعجب: ليه يا تيتا يزعل مني؟!
صمت لوهله تحاول أن تأتي بفكره تقنعها بها، فقالت بارتباك: اصل .. اصل رشدي عامل مفاجأة كبيرة لبابا، ولو قولتي إنك بتشوفي رشدي أو جبتي سيرته قدام بابا أو ماما، هتبوظي المفاجأه، ووقتها رشدي هيخاصمك ومش هتشوفيه تاني.
هزت الصغيرة رأسها ببراءه: حاضر يا تيته، والله مش هقولهم حاجة، سيبيني بقى أروح لبابا.
سحبت يديها من بين يدي إسعاد، وانطلقت تركض إلى الخارج بكل ما تملك من شوق.
أما إسعاد، فظلت واقفة مكانها تراقبها، وقد تشابكت أصابعها من شدة التوتر، وهمست لنفسها بقلق: يارب عديها علي خير..
كانت تشعر أن هناك شيئا ناقصا، وسرا أكبر مما يعرفه ابجميع، لم تكن تريد فتح هذا الباب الآن، قبل أن تفهم الحقيقة كاملة، فرشدي رغم كل ما عرفته، كان يتعامل معها بحنان، وذلك وحده كان يثير داخلها ألف سؤال وسؤال
رفعت بصرها نحو الباب، وقلبها يخفق بقوة، وهي تدعو ألا تنطق الصغيرة بكلمة تقلب كل شيء.
بينما خرجت جنة تركض نحو سليم بكل ما أوتيت من فرحه، وهي تصرخ بفرحة غامرة: بابا!
كان هو منتصف الصالة، يتحرك يمينا ويسارا بتوتر، منتظرا خروجها في أي لحظة، وما إن سمع تلك الكلمة.... غص قلبه بغصة موجعة ابتلعها بصعوبة، وحاول بكل مايملك أن يتمالك مشاعره.
التفت إليها ببطئ، وخرجت الكلمة من حلقه بصعوبة:
حور...
هبط على ركبتيه بسرعة فركضت إليه، وارتمت بين ذراعيه وهي تبكي، فبكي هو الآخر وهي يضمها بشده.
قالت من بين شهقاتها وهي تدفن وجهها بين عنقه: أنت وحشتني أوي يا بابا، كنت فين كل اليوم، ويوم، ويوم دول، لحد مابقوا أيام كتير، ومبقتش بعرف أعدهم.
شدد علي عناقها بدموع تهبط من عينيه بوجع، وهو يمسح على ظهرها وشعرها: أنا آسف يا حبيبتي، كنت مسافر بعيد ولسه راجع، وأول ماوصلت جيتلك علطول، حقك عليا.
ابتعدت قليلا، ونظرت إليه وهي تضم شفتيها بعتاب طفولي: أنا زعلانة منك أنت وماما، عشان قعدتوا يوم، ويوم، ويوم...
رفعت كفيها في وجه وهي تتابع: وكل دول كتير، مكنتوش بتكلموني، ولا تبعتولي جوابات، ولا شوفتكم ولا مرة..وكل العيال معايا الحضانه، عندهم ماما وبابا انا لا، انا كنت بفضل اعيط لان مش عندي ماما وبابا قاعدين معايا هنا وقاعدين بعيد...
ابتسم وسط دموعه، وهو يمسح على خدها بوعد: مش هبعد عنك تاني ابدا، مش هنبطل نخليك تشوفينا، هنفضل معاكي علطول وهنعيش سوا، مش هنبعد عنك تاني ابدا..
سألته ببراءة: يعني مش هتسافروا وتسيبوني تاني؟
هز رأسه بسرعة من بين دموعه: لا خلاص، مش هنسافر ونسيبك أبدا وعد..
ظلت تتأمله بتدقيق، ثم ابتسمت وقالت وهي تلمس وجهه ولحيته: أنت طلعت حلو أوي يا بابا، عسول اوي
ضحك من بين دموعه وقال بنبرة محشرجه: أنتِ كمان حلوة أوي، شبه ماما خالص.
اتسعت عينيها بابتسامة فرحه: أنا شبه ماما؟
اوما بابتسامة: أيوه، نفس لون عينيها بالظبط.
رفعت راسها تبحث بعينها خلفه: طب هي فين؟ هي مجتش معاك؟
أجابها وهو يبلع ريقه ويمسح دموعه: مستنيانا في البيت، هنروحلها سوا.
عقد ذراعيها وقالت بتذمر: بس أنا زعلانة منكم وهفضل يوم... ويوم... ويوم...
ورفعت كفيها الصغيرين امامه: وكل دول مش بكلمك انت وهي؟
تبسم، وشرد للحظات يتذكر كيف كانت تعد ماسة الأيام بالطريقة نفسها، وتسأل برقة: طب زعلانه ليه؟!
ردت بعتاب طفولي: عشان قعدت كتير ومكنتش بتكلمني، اروى صاحبتي باباها كان مسافر، بس كان بيجي كل يوم كتير، ويقعد معاها وانت وماما لا..
ابتسم بحزن وقال باعتذار: أنا آسف حقك عليا، من النهاردة، مفيش سفر وهنعيش مع بعض، وهتنامي في حضني أنا وماما، ومش هنسيبك أبدا.
تبسمت بتوسع: بجد
أومات بصمت رغم انينه: وعد.
قالت بحماس: وتيته ورحمة يعيشوا معانا؟
ابتسم، واومأ رغم دموعه: وتيته ورحمه وكل اللى تحبيه يعيش معانا.
تعلقت عينا سليم بوجهها الصغير، ولم يعد يحتمل أكثر، فجذبها إلى صدره مرة أخرى، وضمها بقوة، وكأنه يخشى إن تركها للحظة أن تضيع منه من جديد.
تعلقت الصغيرة بعنقه، وبادلته العناق بكل ما تملكه طفلة اشتاقت إلى أبيها، وأراحت رأسها فوق كتفه تبكي وهي تقول بصوت متقطع: أنا كنت بقعد أستناكم إنت وماما كتير، مش بتيجوا فبقعد اعيط، أنا بحبكوا خالص وكان نفسي اشوفكم، انا بحبك اوي انت وماما
أغمض عينيه، وقد اوجعته كلماتها، فشدد من احتضانها، وقال بصوت اختنق بالبكاء: إحنا كمان بنحبك أوي يا حور.
ابتعدت عنه قليلا، وقالت باستنكار: حور مين؟! أنا اسمي جنة أنت مش عارف اسمي؟
تنحنح بحرج، ثم حك مؤخرة رأسه وهو يبتسم بارتباك: أصل... أنت عندك اسمين جنة... وحور.
انفجرت الصغيرة ضاحكة، ووضعت يدها على فمها بطفولية: إيه العبط ده! مفيش حد ليه اسمين، كل واحد ليه اسم واحد بس.
ضحك رغم وجع قلبه، وقال وهو يربت على شعرها: لا فيه
ضحكت: ازاي؟!
أجابها مفسرا: حكاية كبيرة أوي، هحكيهالك بعدين، اتفقنا؟
هزت رأسها بحماس: اتفقنا.
ثم التفتت بعينيها نحو مكي، وأشارت إليه بإصبعها: وده مين؟
رفع عينيه صوب مكي، فاقترب الأخير وجلس على ركبتيه أمامها، وقال بابتسامه ومازالت دموعه تلمع في عينيه من شدة تأثره: أنا يا ستي أبقى عمو أخو بابا، اسمي مكي.
اتسعت عيناها ببراءة: ميكي زي بتاع الكرتون؟
انفجر مكي ضاحكا، ثم نظر إلى سليم: دي مش محتاجة DNA دي لمضة زيها بالظبط..
ضحك سليم هو الآخر، رغم كل الوجع والصدمة التي يعيشها: وبتقول يوم ويوم ويوم، التانيه هخاصمك3 ايام.
ضحك مكي، ثم مد يده إليها قائلا بابتسامة: نسلم بقى؟
نظرت الصغيرة إلى يده، ثم رفعت كفها الصغير وضربت كفه بخفة.
رفع مكي حاجبه باعتراض مصطنع: إيه ده؟! لا أنا عايز حضن.
هزت رأسها سريعا بالنفي، وقالت ببراءة: لا عيب، تيتة قالتلي عيب أحضن راجل غريب غير ..
توقفت لثانية، وكادت تنطق باسم رشدي، لكنها ابتلعته وأكملت: إلا بابا بس.
ابتسم سليم رغم الدموع التي تلمع في عينيه، وقال برفق: تيتة عندها حق، بس عمو مكي مش غريب، ده زي بابا، ممكن نديلو حضن..
نظرت إليه بتردد، ثم إلى مكي، وكأنها تستأذن بعينيها، قبل أن تخطو نحوه وتلقي بنفسها بين ذراعيه.
ابتسم مكي وهو يضمها بحنان، ثم طبع قبلة على رأسها.
ابتعدت عنه بعد لحظات، ونظرت إليهما ببراءة، ثم سألت: مش هنروح لماما؟
ابتسم سليم، ومسح على شعرها بحنان: لا هنروحلها حالا، بس تغيري هدومك الأول!
قفزت بحماس، تمسك بكفه بين يديها، وسحبته وهي تقول بلهفة: يلا يا بابا بسرعه خليني البس، عشان نروح لماما، أنا نفسي أشوفها اوي
ابتسم على يدها برفق، وقال بصوت امتلأ حبا: حاضر يا قلب بابا.
وبالفعل سحبته الصغيرة من يده إلى داخل غرفتها، ركضت نحو خزانة ملابسها وفتحتها بحماس، ثم بدأت تخرج الفساتين واحدا تلو الآخر وهي تقول بسعادة: ألبس الفستان ده... ولا الفستان ده؟ أنا بحب البمبي.
ابتسم بحنان: البسي اللي أنتِ عايزاه.
هزت رأسها باعتراض: لا اختار معايا.
أخذ يقلب بين الفساتين، ثم أخرج فستانا باللون النبيتي: بصي ده شكله حلو أوي، إيه رأيك؟
ابتسمت وهي تهز رأسها: ماشي بحبه.
ثم أشارت إليه بإصبعها الصغير: يلا داري وشك عشان ألبس.
ضحك متعجبا: أداري وشي ليه؟
زمت وجهها: عيب ألبس قدامك عشان أنت ولد.
ابتسم وقال برفق: بس أنا بابا.
هزت رأسها بإصرار: لا رحمة وتيتة قالولي عيب.
اوما برأسه موفقا: حاضر يا ستي هتعرفي تلبسي لوحدك؟
نفخت صدرها بفخر: أيوه، هو أنا عبيطة؟ أنا كبيرة مش صغننة.
ضحك دون رد، استدار وهو يبتسم، بينما بدأت تبدل ملابسها.
وبعد دقائق قالت بحماس: خلصت.
التفت إليها، فتوقف مكانه يبتسم بعينين دامعتين: إيه القمر ده كله؟
ابتسمت بخجل، ثم أمسكت فرشاة شعرها ومدتها إليه: تعالى اعملي ضفيرة، بتعرف؟
أخذها منها وهو يبتسم: أيوه بعرف.
جلس خلفها، وبدأ يمشط شعرها برفق، كان يمرر أصابعه بين خصلاتها برفق وكأنه يخشى أن تؤلمها لمسة منه، اختلطت بداخله مشاعر عدة، فلم يعلم هل يضحك أم يبكي أم يضمها إلى صدره ولا يتركها أبدا.
وأثناء تصفيف شعرها، سألته ببراءة: أنت جبتلي حاجات حلوة؟
ابتسم: أيوه جبتلك حاجات حلوة كتير.
صمتت لحظة، ثم سألت: طب أنت ليه مش كنت بتيجي تاخدني ونسافر نعيش سوا؟
توقفت يده فوق شعرها لثواني، ثم أجابها بهدوء: عشان المكان اللي كنت فيه مكانش ينفع يبقى فيه أطفال صغيرين زيك.
أومأت برأسها: طب أحنا هنعيش فين؟
أجابها بابتسامه: هنعيش في بيت حلو أوي أنا وإنتِ وماما، وتيتة، وجدو، وخالو، وخالتو.
اتسعت عيناها بدهشة: إيه ده! أنا عندي دول كلهم؟
ضحك من قلبه: أيوه عندك دول كلهم.
سألت ببراءة: طب تيتة إسعاد دي مامتك ولا مامت ماما؟عشان مكنتش عايزة تقولي؟!
صمت للحظة لم يعرف بماذا يجيبها، فابتسم وحاول تغير الحديث: قوليلي الأول أنتِ حافظة الـ A B C؟
ابتسمت بفخر: أيوه... حافظاهم كلهم.
انتهي من تضفير شعرها قائلا: شوفي بقى عملتهالك حلوة إزاي.
ركضت نحو المرآة، وأخذت تتأمل شعرها بإعجاب ثم استدارت إليه وهي تبتسم: أنت شاطر خالص.
ثم اقتربت منه وأمسكت يده تشده بحماس: يلا بقى نروح لماما أنا نفسي أشوفها أوى.
ابتسم لها، وخرج معاها إلي الخارج، فنظر إلى إسعاد قائلا: أنا هاخدها معايا.
سألته بقلق: هتخليني اشوفها؟
اوما بتاكيد وامتنان: اكيد، وقت ما تحبي تشوفيها قوليلي، أنا مش هقدر أنسي جميلك ده طول عمري
جنة بسرعة: طب ما تيجي معانا يا تيتا
ابتسمت إسعاد وربتت على رأسها: مش هينفع دلوقتي يا جنة، روحي مع بابا وشوفي ماما، مش كان نفسك تشوفيهم؟
اومأت الصغيره بسعاده، وركضت تحتضن إسعاد، ثم عادت سريعا إلى سليم، وأمسكت يده بقوة: يلا بقى.
وبالفعل خرجوا جميعا، واستقلوا السيارة.
جلست جنة بجوار سليم في المقعد الخلفي، بينما جلس مكي في الأمام، وطوال الطريق لم يرفع سليم عينيه عنها.
كان يتأملها في صمت، وكأنه يخشى أن يرمش فتختفي.
وفجأة توقفت السيارة.
رفع رأسه مستغربا: وقفت ليه يا مكي؟
تنهد، وأجاب: إحنا الفرحة نستنا أهم حاجة، لازم نروح المعمل.
في لحظة، عاد سليم إلى الواقع، صحيح أن كل شيء يؤكد أنها ابنته؛ ملامحها، طريقتها، حتى إحساسه تجاهها، لكن ذلك لم يكن كافيا، لا بد من تحليل لا بد أن يتأكد.
شعر بغصة خفيفة وهو يهز رأسه: عندك حق...الفرحة نستني يلا.
أخرج مكي هاتفه: هكلم أحمد يكون مستنينا.
سليم بحسم: وبلغهم...التحليل لازم يطلع بكرة بأي طريقة.
أومأ بايجاب: حاضر.
قصر الراوي،5م
دخل رشدي القصر بملامح مشتعله كالنار التي تلتهم الهشيم، كان عقله على وشك الانفجار، خاصة بعد حديثه مع عماد الذي اكد أنه لم يفعل شيئا، ازداد جنونه أكثر ولم يبقى أمامه سوى احتمال واحد "فايزة"، ربما افشت لها شيئا لتعكر صفو حياته، خاصة بعد أن رفض التعاون معها لإيذاء ماسة
ما إن دخل القصر حتى صاح بصوت هز المكان: الهانم فين؟!
ارتبكت الخادمة وقالت بسرعة: في الجنينه العلوية.
لم ينتظر ثانية، بل اندفع إليها بخطوات غاضبة وما إن رآها حتى هتف: أنتِ قولتي لمي إيه؟!
رفعت رأسها إليه ببرود، ثم قالت بلهجة حادة: أنت بتزعق كده ليه؟ وطي صوتك وإنت بتكلمني.
ازداد غضبه: هو أنا لسه زعقت؟!
نهضت من مكانها، واقتربت منه بثبات: اتكلم باحترام،
إيه الأسلوب ده؟
أمسك المج الذي بجواره، وقذفه بقوة على الأرض: قولتي لمراتي إيه؟! بتلعبي من ورايا؟!
كاد يكمل حديثه، لكنها قاطعته ببرودٍ مستفز: وهألعب من وراك ليه؟ عندي حاجات أهم منك ومن مراتك؟! وبعدين أنا مشوفتش مراتك من يوم مادخلت المستشفى اصلا.
قطب حاجبيه: يعني، مش أنتِ اللي قولتلها؟
عقدت ذراعيها بنفاد صبر: قولتك لا، هي مراتك عرفت إيه؟
ضغط على أسنانه قائلا: مش عايزة تقولي، بس هي عرفت حاجة أنا متأكد، اصل مش معقول تطلب مني الطلاق، وتبقي مش طايقة تبص في وشي فجأة كده، أكيد عرفت حاجه!
رفعت حاجبها وقالت بهدوء: هتعرف أزاي يعني؟ مين فينا مجنون هيروح يقولها؟
اضافت وهي تعد:صافيناز؟ بقت مختله، وسليم خدها مصحة، عماد؟ مسافر، وحتى لو خبيث عمره ما يعملها، لأنه عارف إنه أول واحد هيتحاسب؟! وأنا بأكدلك إني معملتش حاجة... لأني اصلا مش هستفيد أي حاجة.
زمجر وهو يقترب منها: إنتِ أكتر واحدة مستفيدة، عايزة تبوظيلي حياتي مع مي عشان تلوي دراعي وتخليني أتعاون معاكي.
انفجرت ضاحكة، بسخرية مستفزة، ثم هزت رأسها وهي تنظر إليه باستخفاف: ياااه، أنت غبي أوي يا رشدي.
ضيق عينيه وهو يرمقها بغضب، فأكملت بثقة: لو كنت عايزة ألوي دراعك هعملها بألف طريقة غير الطريقة العبيطة دي! هو أنت فاكر إن يفرق معايا مراتك تسيبك أو تفضل معاك؟ بالعكس ده آخر اهتمامي، وسبق وقولتلك علاقتك بمي عجباني علشان خليتك محترم..
اقتربت منه خطوة، وقالت بنبرة أكثر جدية: أنا لو عايزة أأذيك هأذيك بضربة تانية خالص، ضربة توجعك بجد.
في تلك اللحظه رن هاتفه باسم اسعاد لكنه لم يهتم
نظر داخل عينيها بوعيد: لو عرفت إن أنت ورا اللي حصل، او أي حد بيشتغل لحسابك هو اللي عمل كده أقسم بالله... هدفنه حي.
قال كلماته الأخيرة، ثم استدار وتحرك مبتعدا بخطوات غاضبة.
رن هاتفه مره أخري باسم اسعاد فزفر بضيق واغلقه وهو يتابع سيره بخطوات غاضبه، فلم يكن لديه طاقه لأي شيء آخر، يكفيه ما به الآن.
بينما ظلت فايزة تتابعه بعينيها حتى اختفى من أمامها، وغرقت في التفكير للحظات، وكأنها تعيد ترتيب كل ما دار بينهما وتحاول فهم ما يخفيه رشدي، لكنها سرعان ما أخرجت زفيرا هادئا، وهزت كتفيها بلا اكتراث، ثم عادت لتجلس في مكانها بكل برود، والتقطت المجاله التي كانت تقرأها، وكأن ما حدث منذ لحظات لا يستحق أن يشغلها أكثر من ذلك
المعمل،٦م
خرج سليم من السيارة وهو يحمل حور بين ذراعيه.
نظرت إليه الصغيرة باستغراب وسألته: إحنا رايحين فين؟
قال بمراوغة وهو يربت على شعرها بحنان: أصل بابا تعبان شوية، والدكتور قال لازم أعمل تحليل، فهنروح المعمل الأول.
قطبت حاجبيها بخيبة أمل: يعني مش هنروح لماما؟
هز رأسه بهدوء: لا يا حبيبتي هنروحلها، بس هي لسه موصلتش من المطار، وراحت تجيب الشنط، وكمان معاها مفتاح البيت يعني لو روحنا مش هنلاقي حد يفتحلنا الباب..
اتسعت عيناها ببراءه: طب وهنعمل إيه؟
ابتسم لها: هعمل التحليل، وبعدها أخدك الملاهي.
اتسعت عيناها بفرحة، وصفقت بيديها: بجد؟! أنا بحب الملاهي اوى، وبحب الفراخ كمان!
نظر لها بحنان: أنتِ جعانة؟
هزت رأسها سريعا: لا، بس أنا بحب الفراخ.
قبلها من خدها: خلاص، نروح الملاهي، وبعدها ناكل فراخ بس الأول نخلص التحليل الأول عشان بابا تعبان.
رفعت يدها الصغيرة وربتت على خده بحنان طفولي: معلش، أشرب ليسون وهتخف.
ابتسم رغم الدموع التي كادت تفضحه، وقبل يدها: حاضر يا حبيبتي.
ثم قالت فجأة: طب هات أكلم ماما.
توتر لوهلة ثم قال بسرعة: لا إحنا هنخليلها مفاجأة، هي فاكرة إنها هتيجي تاخدك بنفسها، لكن إحنا هنروحلها وتدخلي عليها وتقوليلها "أنا جيت"
ابتسمت بحماس: نقولها بخ انا جيت!
تنهد بارتياح، وحمد الله في سره أن الأمر مر بهذه السهولة.
كان يتوقع أن ترفض الذهاب معه أو تبكي، لكنها تقبلته بطريقة لم يكن يتخيلها، وكأن قلبها الصغير فتح له الباب دون سؤال.
دخل المعمل، وما إن رآه الطبيب حتى اقترب منه بابتسامة: إزيك يا سليم؟
اجابه: الحمد لله يا أحمد، مكي فهمك؟
أومأ: أيوة، النتيجة غالبا هتطلع خلال 10 أو 12 ساعة، ويمكن أكتر شوية، لكن هنعجلها على قد ما نقدر.
أومأ برأسه، وتوجه مع إلي غرفة سحب العينات.
جلس سليم علي المقعد، بينما جلست حور فوق ساقيه.
اقترب الطبيب وهو يحمل عود المسحة الطبية، فنظر سليم إليها بابتسامه: بصي يا حور
زفرت: اسمي جنة!
اومأ بإبتسامة: حاضر يا ست جنة، بصي الدكتور هيحط دي في بوقك، وشوفي بتوجع ولا لأ، عشان أنا بصراحة خايف.
ضحكت: إيه ده، أنت كبير المفروض مش تخاف.
زم شفتيه بخوف مصطنع: أعمل إيه بخاف اوي، إنتِ بتخافي؟
هزت راسها: لا أنا شجاعة، وقويه.
فتحت فمها بثقة، فأخذ الطبيب المسحة في ثواني.
شهقت وهي تضحك: إيه ده! مش بيوجع خالص.
ثم التفتت إليه بتشجيع: أفتح بوقك بقى متخافش.
ابتسم رغم توتره، وفتح فمه، فأخذ الطبيب منه العينة أيضا.
ابتسم الطبيب وهو يخلع القفاز: خلصنا.
ضحكت بدهشة: أول مرة أشوف دكتور يكشف كده! الدكتور بيكشف عليا بالسماعة، ودكتور السنان عنده حاجات تانية.
ضحك وقال وهو يربت على رأسها: أصل الدكتور كان بيبص في بوقي عشان يشوف عندي إيه، أصل بوقى واجعني..
نظرت إليه بحزن، ووضعت قبله علي وجنته: معلش يا بابا إن شاء الله تخف.
تجمد قلبه، واغرورقت عيناه بالدموع، غير قادر على استيعاب أن الصغيرة بين ذراعيه هي ابنته التي بكى عليها سنوات، كان يتوقع أن تخاف منه أو ترفضه، وأن يحتاج وقتا طويلا ليكسب قلبها، لكن كل مخاوفه انهارت حين احتضنته بعفوية، ونادته: "بابا"، وكأنها تعرفه منذ عمر.
فشدها إلى صدره بقوة، خائفا أن تضيع منه مرة أخرى، أو أن يكون كل ما يعيشه مجرد حلم.
همس بصوت اختنق بالعبرة: أنتِ روح وقلب بابا.
وقال في داخله: أنا متأكد إنك بنتي مش محتاج تحليل..
شدها اليه أكثر دون أن يشعر، فضربته الصغيرة على ظهره وهي تضحك: بالراحة يا بابا أنت بتكسرني.
ضحك وسط دموعه، وأرخى ذراعيه قليلا: معلش آسف.
ثم نظر إليها طويلا وهمس: أصلك وحشتيني أوي.
ابتسمت بحنان طفولي، وأحاطت عنقه بذراعيها الصغيرتين: وإنت كمان وحشتني أوي
مسح دموعه سريعا، ثم ابتسم لها وهو يحاول أن يبدو طبيعيا: يلا بينا بقى نروح الملاهي، ولا تحبي تروحي فين؟
قفزت بحماس وهي تصفق بيديها: أيوة... نروح الملاهي!
ابتسم وأنزلها على الأرض: بصي يا حبيبتي، أقعدي في العربية دقيقة، هعمل مكالمة صغيرة، وبعدها هنروح الملاهي علطول، ماشي؟
حملها بين ذراعيه وهبط بها إلي الأسفل، ثم أنزلها أمام السيارة قائلا: أقعدي في العربية دقيقة يا حببتي، هعمل مكالمة صغيرة، وبعدها نروح الملاهي علطول، ماشي؟
أومأت بابتسامه متحمسه: ماشي.
أغلق الباب برفق، وابتعد خطوتين وهو يخرج هاتفه
اقترب منه مكي يقول بابتسامه: مكنتش متوقع إنها تتقبلك بالسرعة دي، اتعاملت معاك كأنها تعرفك بسرعة غريبة.
زفر سليم ببطء، وظلت عيناه معلقتين على حور: ولا أنا كنت متوقع كده، بس واضح إن المكالمات والجوابات اللى الحاجه إسعاد قالت عليهم خففوا عليها كتير، كأن ربنا كان بيحضرني أنا وهي للحظة دي.
ثم تنهد: المهم دلوقتي لازم أكلم ماسة.
هز مكي رأسه محذرا: أوعى تقولها حاجة، حتى لومتأكد بنسبة 99% .. الـ1% الصغير ده لو خذلك هيقتل ماسة.
أومأ بتفهم: عارف، عشان كده هقولها إن عندي شغل، وهبات بره لحد مانتيجة التحليل تظهر.
سأله: هتبات فين؟
أجابه ببساطه: أي فندق.
مكي بجدية: تمام، أنا خليت صبحي فوق مع الدكتور لحد ما النتيجه تطلع.
ساد الصمت لحظات، قبل أن يقول مكي بتردد: بس يا سليم لو، لو، طلعت مش..
قاطعه بحدة: متكملش.
ابتلع مكي ريقه: أنا قصدي حط احتمال، خايف عليك.
أخذ سليم نفسا عميقا، وقال بثقة لا تعرف الشك: هي بنتي.
خفض صوته وهو ينظر إلى الصغيرة من خلف زجاج السيارة أضاف: مش هقولك الكلام بتاع الأفلام إن قلبي قالي وكده، بس أنا بجد قلبي مال ليها بشكل مش طبيعي، يمكن مشاعر الأبوة لسه مكتملتش جوايا ليها، بس أنا متأكد إنها هتكمل وهحبها أوي.
ربت على كتفه: إن شاء الله خير.
تنهد ثم فتح هاتفه وأتصل بماسة، بعد ثواني جاءه صوتها القلق: ايه يا حبيبي، أنت فين كل ده؟
أجابها بابتسامه مرهقه: معلش يا عشقي عندي شغل.
تسألت بتعجب: شغل ايه؟! مش قولت إنك رايح لصافيناز.
أجابها بمراوغه: روحت بس لسه مش مستعدة تتكلم، مقدرتش أوصل لحاجة، فاضطريت أروح مشوار شغل.
تنهدت: قولتلك العلاج النفسي بياخد وقت، طب هتيجي امتي؟
تردد لحظة، قبل أن يقول: مش عارف، احتمال ابات بره النهارده.
تسألت بقلق: تبات برا ليه؟ سليم أنت مخبي عني حاجه؟ وحياتي قولى فيه ايه؟! متقلقنيش عليك!
ضحك بخفة، محاولا تهدئتها: إيه يا حبيبتى كل القلق ده، والله مفيش حاجه، بس عندى شغل كتير، أنتِ عارفه إني اهملته كتير الفتره اللي فاتت.
ظلت صامته بعدم اقتناع، فأضاف بمرح محاولا تغير الأجواء: وبعدين لازم اهتم بالشغل، ولا عايزه جاسر باشا لما يشرف يلاقي ابوه مفلس!
ضحكت رغما عنها، ووضعت يدها علي بطنها وقالت بدلال: طب ويهون عليك تسيب جاسر باشا ينام بعيد عن حضنك النهارده.
خفق قلبه بابتسامة حالمة، وهو يتخيل تلك الليلة التي ينام فيها محتضنا زوجته وابنته بين ذراعيه، بينما ينمو طفلهما الآخر في رحمها، في لوحة أسرية دافئة.
سليم بابتسامه نظر لحور: معلش النهارده بس، وبكره هجبله معايا أحلي هديه في الدنيا.
ماسه بغيره محببه: يا سلام! يعني هتجيب هديه لجاسر ومامته خلاص بقي راحت عليها؟
أجابها بابتسامه دافئه: مقدرش.
سألته بفضول: طب هتجيب ايه؟
أجابها بمراوغه: بكره تعرفي.
تنهدت بقلق: ماشي، بس وحياتي متأذيش نفسك علشان خاطري، أنا وابننا.
أغمض عينيه وهو يشعر بوخزة في قلبه: وحياتك عندي مابعمل أي حاجة فيها أذى ليا.
تبسمت أخيرا: ماشي خد بالك من نفسك، هكلمك كل شوية أطمن عليك، ترد علطول سامع؟
ابتسم بحنان: حاضر، وأنتِ كمان خدي بالك من نفسك، وكلي كويس، ومتبذليش مجهود.
ضحكت: متقلقش، سعدية قاعدة قدامي، والله بجد دي أشرس منك.
ضحك لأول مرة من قلبه: علشان تقدري قيمتي.
أجابته: آه والله، أنت أرحم بكتير.
همس بابتسامه: مش هتأخر عليكي.
أجابته بدلال: كراملتي هاتلي خوخ وأنت جاي.
ضحك: حاضر.
ردت: سلام.
أجاب بدفئ: سلام يا حبيبتي.
♥️_____________بقلمي_ليلة_عادل.
قصر الراوي،6م
جلست لوجين تلعب مع نالا بألعابها، بينما كان ياسين يجلس بجوارهما يشاركهما اللعب بين الحين والآخر.
وفجأة، رن هاتفه، فنهض قائلا: ثانية واحدة، هرد على التليفون وجاي.
اتجه إلى الشرفة.
بينما ابتسمت لوجين وهي تنظر إلى نالا: إيه رأيك نلعب القطة العمياء؟
قفزت نالا بحماس: أيوة!
أمسكت وشاحا وربطته حول عينيها، ثم بدأت تتحسس طريقها وهي تمد يديها أمامها: فين نالا؟ أنا جاية أهو...
كانت نالا تضحك بصوت عالي، وكلما اقتربت منها لوجين ابتعدت بسرعة، ثم لمست قدمها بخفة وهربت من جديد.
كادت لوجين تمسك بذراعها وهي تقول: مسكتك.
لكن نالا هربت ضاكحه: لااا ممسكتنيش!
انطلقت ضحكاتهما تملأ المكان، لكن فجأة توقفت لوجين وشعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.
رفعت يدها بسرعة ونزعت الوشاح عن عينيها، فصاحت نالا بتذمر: جوجا إنتِ بتخمي.
لكن اسود كل شيء فجأة أمام عينيها، وسقطت على الأرض دون سابق إنذار.
اتسعت عينا نالا، وصرخت بذعر: جوجااا!
ثم ركضت نحو الشرفة وهي تبكي: بابي، بابي، ألحق جوجا!
ترك الهاتف فورا، وركض إلى الداخل.
اتسعت عينا رآها ملقاة على الأرض، ثم اندفع إليها بسرعة: لوجين!
حملها بين ذراعيه ووضعها على الفراش، وربت على وجنتها بخفة: لوجين، أفتحي عينيكي، مالك.
لكنها لم تستجب.
ألتفت إلى نالا بسرعة: هاتي البرفان إللي على التسريحة.
ركضت نالا وأحضرته، فأخذه الزجاجة، ووضع قليلا منها أمام أنفها، وبعد لحظات بدأت تحرك جفونها ببطء، ثم فتحت عينيها وهي تتنفس بصعوبة.
تنهد براحة: الحمد لله، أنتِ كويسة؟ إيه إللي حصل؟
أغمضت عينيها وهي تضع يدها على رأسها: مش عارفة، فجأة حسيت الدنيا كلها بتلف بيا.
وما إن أنهت كلماتها، حتى وضعت يدها على فمها وركضت بسرعه نحو الحمام.
أسرع ياسين خلفها، بينما وقفت نالا عند الباب تنظر بقلق.
انحنت لوجين أمام المرحاض، وأخذت تتقيأ، ثم تحركت نحو الحوض وغسلت وجهها بالماء البارد.
اسندها ياسين برفق: تعالي أرتاحي.
أجلسها على الفراش، وهو ينظر إليها بقلق: هخلي حد يعملك حاجة دافية تشربيها.
هزت رأسها برفض: لا مش قادرة أشرب أي حاجة، عايزة أنام شوية بس.
رد بقلق: طيب نروح للدكتور؟
اومأت برفض: لا مش قادرة، بعدين مش مستاهله تلاقيني خدت برد من التكيف.
ظل ينظر إليها بعدم اطمئنان: طب ارتاحي، ولو التعب زاد هنروح للدكتور فورا.
اقتربت نالا منها، وربتت على يدها: ألف سلامة يا جوجا.
ابتسمت رغم إرهاقها، وربتت على رأسها: الله يسلمك يا حبيبتي.
♥️____________بقلمي_ليلة_عادل.
الملاهي،6م
دخل سليم بخطوات هادئة وهو يمسك يد حور، وعلى وجهه ابتسامة لم تظهر عليه منذ وقت طويل.
كان يشعر بسعادة غريبة، كأنه يكتشف عالما جديدا من خلال عينيها.
سألها بابتسامة: تحبي تلعبي إيه؟
نظرت حولها بحماس، ثم قالت بعينان تلمعان من الفرحة: كلهم!
ضحك عاليا: طب تعالي نلعب كلهم.
وبالفعل أخذها إلى الحصان الدوار أولا، فجلست عليه بسعادة، بينما وقف هو يلتقط لها الصور، ويلوح لها بيده وهو يبتسم، ومكي بجانبه يفعل الشيء نفسه.
كان الحراس منتشرين حولهم كعادتهم، يراقبون المكان، لكن سليم لم يكن يرى سوى حور وضحكاتها.
بعد أن انتهت اللعبة، أخذها إلى لعبة البساط السحري، ثم جلس بجوارها وأمسكها جيدا حتى لا تخاف.
بدأت اللعبة في الارتفاع، فصرخت من الحماس، بينما كان سليم يراقب تعبيرات وجهها ويضحك.
اقترب منها قليلا وسألها: أنتِ خايفة؟
أجابته بعناد وهي تحاول أن تبدو شجاعة: لا.
ابتسم قائلا: أمال ماسكة فيا ليه؟
ضحكت وهي تتمسك به أكثر: علشان بحبك!
ضحك بصوت عالي، واحتواها بين ذراعيه بعاطفة غامرة، بينما كانت ضحكاتها الصافية تتسلل إلى قلبه، فتملأ فراغا ظل يؤلمه لسنوات.
واصلا التنقل معا من لعبة إلى أخرى، وهو يراقب سعادتها بعينين تلمعان بالحنان، وكأن كل ضحكة منها تعوضه عن أعوام طويلة من الحرمان.
وبالطبع، لم يتمكن من مشاركتها معظم الألعاب، فقد كانت مخصصة للأطفال، لذا اكتفى بالوقوف غير بعيد عنها، يراقبها بابتسامة دافئة، ويلتقط لها عشرات الصور، ويصفق بحماس كلما التفتت إليه ولوحت بيدها الصغيرة.
وفي إحدى المرات، خطفت الهاتف من يده بحماس: هات أصور أنا.
رفعت الهاتف بعفوية، تلتقط صور لنفسها تارة، و لسليم ومكي تارة وهما مع بعض، حتى امتلأ الهاتف بلقطات عفوية وضحكات صادقة لا يمكن تكرارها.
أما سليم فكان يكتفي بالنظر إليها ابتسامة واسعة، وعينان تلمعان بدموع دافئة لم يستطع منعها، فقبل أيام قليلة، كان يبكي بقلب مثقل بالفقد أمام قبر ظنه لها واليوم تقف أمامه تملأ المكان ضحكا، وتملأ قلبه حياة بعد أن ظن أن نصيبه منها قد انتهى.
أي مفارقة تلك، التي تحول الحداد إلى عيد، والفقد إلى معجزة تمشي على قدمين وتناديه "بابا"؟
ربت مكي على كتفه مازحا: أنت كل شوية هتعيط؟! أمسك نفسك يا عم واسترجل شوية.
التفت بعينين دامعتين: أنت بتتريق عليا!
ابتسم ومسح على ظهره: لا والله بهزر، أنا حاسس بيك.
تنهد بسعاده وهو ينظر لحور: حاسس إني بحلم حلم جميل أوى يا مكي، ومش عايز أصحى منه.
ابتسم مكي وهو يشير للصغيرة التي كانت تتأرجح على المرجوحة: لا أنت مش في حلم، بص بنتك قدامك أهي، انبسط وعيش اللحظة.
لوح سليم بيده وهو يناديها: حور تعالي.
عقدت حاجبيها باعتراض: قولتلك اسمي جنة!
ابتسم وهو يقترب منها: وأنا قولتلك، أنتِ ليكي اسمين، حور وجنة.
ثم قرص خدها برفق أضاف: بس أنا بحب اسم حور أكتر، مع إنك جنتي فعلا.
وضعت يديها في خصرها بحركة سوقيه: طب عايز إيه دلوقتي، أنا عايزه العب!
نظر لها متعجبا من طريقتها: إيه الأسلوب ده؟ عيب، اسمها نعم يا بابا.
نفخت وجنتيها: ما أنا عايزة ألعب!
ضحك:خلاص تعالي نلعب لعبة تانية.
هزت رأسها بحماس، وتوجهت معه للعبة أخرى وبعد وقت طويل من اللعب، حملها بين ذراعيه قائلا: مش كفايه لعب ولا ايه؟ مزهقتيش؟ تعالي نروح ناكل ونعمل حاجة تانية؟
هزت رأسها بسرعة: لأ أنا بحب الملاهي.
سليم: لا كفايه ملاهي، تعالي أجبلك حاجة حلوة.
رفعت إصبعها الصغير تعدد طلباتها: هاتلي فشار، وآيس كريم بالشكولاتة.
ابتسم وهو يتك على كلمتها: شوكولاتة!
ضحك مكي: دي محتاجة إعادة تدوير في طريقة الكلام.
اومأ ضاحكا: ده أكيد
وبالفعل اشترى لها ما طلبت، وأصر أن يفوز لها بلعبه كبير على شكل أرنب كما كان يفعل مع ماسة، أمسك البندقية وهي تصفق تشجعه، ثم أطلق وفاز، وأعطها الأرنب وسط سعادتها العارمه.
احتضنت الأرنب بسعادة، بينما قال سليم بحنان: يلا بقى يا روح قلبي، كفاية ملاهي.
عبست وهي ترفع إصبعين صغيرين: لعبة كمان قد كده بس.
ضحك على طريقتها اللطيفة: لا هنروح نجيبلك هدوم، وبعدها ناكل، وبعدين نروح الفندق نستنى ماما لحد ماتيجي.
ابتسمت أخيرا: ماشي.
ثم مدت ذراعيها نحوه بدلال: شيلني أنا والأرنب.
حملها بين ذراعيه، لكنها هزت رأسها: لأ شيلني هنا.
وأشارت إلى رقبته.
ضحك بخفة، ورفعها برشاقة ووضعها فوق كتفيه، فأصبحت ساقاها تتدليان على جانبي رأسه، بينما احتضنت الأرنب بيد، وتشبثت الأخرى برأسه، وانطلقت ضحكاتها تملأ المكان.
سار سليم بها وكأنه يحمل الدنيا كلها فوق كتفيه، ولم يشعر يوما أن حملا كان أخف ولا أغلى من هذا الحمل.
اصطحبها إلى أحد المتاجر، واشترى لها ملابس والعاب كثيرة، فكان يريد أن يعوضها عن كل يوم عاشته بعيدا عنه.
وبعد الانتهاء، توجهوا إلى الفندق ليتناولوا الطعام معا.
في المطعم..
جلست حور أمام سليم، ومكي بجواره، بينما امتلأت الطاولة بالطعام الذي طلبه لها.
دفع الطبق نحوها مبتسما: أدي الفراخ إللي بتحبيها يا ستي.
ابتسمت الصغيرة وبدأت تأكل بشهية.
ظل سليم يتأملها للحظات، ثم قال: قوليلي بقى بتحبي إيه تاني؟
رفعت رأسها وهي تمضغ الطعام: بحب كل حاجة بس مش بحب الكوسة ولا اللبن.
ضحك بخفة: ليه؟ الكوسة مفيدة واللبن كمان مفيد جدا.
كرمشت وجهها بنفور: لا طعمهم وحش، مش بحبهم.
هز رأسه باستسلام: زى ماتحبي، مش هنجبرك عليهم.
ثم سألها وهو يراقب سعادتها: المهم قوليلي انبسطتي النهاردة؟
اتسعت ابتسامتها: أوي أوي يا بابا.
توقفت قليلا، ثم تسألت باستغراب: بس ليه عمو مكي بيقولك: يا سليم؟ هو أنت مش اسمك سعد؟
تجمدت ابتسامته للحظة، وتبادل النظرات مع مكي، قبل أن يسألها بهدوء: طب قوليلي اول إنتِ اسمك إيه بكامل؟!
أجابت والطعام في فمها: اسمي جنة سعد حسين الهلالي.
ظل سليم صامتا للحظات، ثم تنهد وهو ينظر لمكي بهمس: الموضوع أصعب مما كنت متخيل...
ابتسم مكي ابتسامة صغيرة دون أن يعلق.
فالتفت سليم إليها بابتسامة: مش أنا قولتلك إن ليكي اسمين؟ أنا كمان ليا اسمين.
نظرت إليه بدهشة: أزاي ده؟
أجابها بتفسير: يعني أنا ليا اسم تانى بحبه أكتر، اسم سليم عزت الراوي.
اتسعت عيناها وهي تضحك: أنا أول مرة أشوف حد عنده اسمين!
ضحك وهو يربت على رأسها: أهو شوفتي بقى.
وضعت يدها على فمها وهي تفكر بحيره: يعني أنا دلوقتي اسمي إيه؟
نظر إليها بحنان: اسمك حور سليم عزت الراوي.
عبست قليلا: بس أنا بحب جنة.
ابتسم وربت على خدها: خلاص يا حبيبتي هقولك جنة، وهقولك حور، أي اسم تحبيه أنا هقوله.
هزت رأسها برضا، ثم عادت تأكل.
وبعد لحظات رفعت رأسها وسألته: طب هنروح لماما امتى؟
التفت إلى مكي متسائلا: كلمت ماما يا مكي؟
هز مكي رأسه: لا لسه في المطار، بتخلص شوية حاجات، والمفتاح معاها.
تنهدت بحزن: يووه كل ده! أنا نفسي أشوفها أوى.
ابتسم بحنان: مش انبسطتي معايا النهاردة؟
هزت رأسها: ايوه انبسطت.
اومأ ببساطة: يبقى نستحمل لحد بكرة الصبح تكون جت، النهاردة أنا وإنتِ هنام جنب بعض، إيه رايك؟
نظرت له بسعاده: وتحكيلي حدوته؟
اومأ بابتسامه: واحكيلك حدوته.
ثم أشار إلى طبقها: يلا كملي أكلك.
نظرت إلى الطبق، ثم إليه وقالت بدلال طفولي: أنا شبعت.
اومأ باعتراض: لا خلصي طبقك.
ثم نهض من مكانه، وجلس بجوارها، وحملها برفق لتجلس فوق ساقيه.
أخذ قطعة صغيرة من الطعام، وقربها من فمها: أفتحي بوقك.
فتحت فمها وهي تضحك، وبدأ يطعمها بيده، بينما كانت تأكل وهي تستند إلى صدره في راحة تامة.
أما مكي...
فكان يجلس أمامهما يراقب المشهد بابتسامة سعيده لأجل سليم وهو يراه أخيرا يعيش الأبوة التي ظنها ضاعت منه إلى الأبد.
♥️_________________بقلمي_ليلة_عادل.
الساحل الشمالي،١١م
انتصف الليل، وخيم الهدوء علي المكان، ومازال مصطفى متوقفا في الأسفل أمام البحر.
مسح وجهه بكفه، ثم رفع عينيه نحو المبنى، وظل يحدق فيه لثواني قبل أن يعيد نظره إلى الأمام، بدا الإرهاق جليا على ملامحه؛ فقد استنزفته هذه الساعات، ولا يزال عاجزا عن مواجهتها، ورؤية أي اتهام في عينيها...
لكن جسده لم يعد يقوى على الهروب، أطلق زفرة طويلة أخرج معها آخر ماتبقى من مقاومته، ثم استسلم للأمر الواقع، وصعد بخطوات ثقيله، مقررا مواجهتها، ومحاولة شرح الأمر لها.
في الأعلي.
كانت آلاء لا تزال جالسة تحدق في الباب بتوتر وتترقب قدومه، هي الأخرى لم تستطع تجاوز ماحدث، ولم تعد تملك الشجاعة لمواجهته لكنها، رغم كل شيء، كانت تنتظر أي كلمة تطمئن قلبها، وتؤكد أنه لم يُسئ فهمها، وأن ماحدث بينهما لم يكن لحظة ضعف أو استغلالا لمشاعرها، بل تصرفا نابعا من حب صادق.
وصل مصطفى إلى باب الغرفة، وأدار المقبض بهدوء
وما إن شعرت به، حتى استلقت سريعا متظاهره بالنوم.
فتح الباب، ودخل بخطوات متثاقلة، ليجدها نائمة على الفراش كما توقع أو هكذا ظن.
ألقى عليها نظرة طويلة، ثم تنهد بإرهاق وأغلق الباب خلفه.
اقترب ببطء، وجلس على طرف الفراش، يمرر يده على وجهه المنهك، بينما كانت هي مغمضة العينين، تحبس أنفاسها حتى لا تفضحها دقات قلبها المتسارعة.
طال صمته، قبل أن يهمس بصوت خافت مليء بالتعب: آسف!
كلمة واحدة فقط.
ثم اتجه إلى الأريكة، خلع سترته وألقاها بجواره، قبل أن يسند رأسه إلى الخلف ويغمض عينيه، وكأن أحداث اليوم استنزفت آخر ماتبقى من قوته.
أما آلاء فظلت مغمضة العينين، لكن دمعة ساخنة انزلقت بصمت على خدها، فهذا الاعتذار كان كافيا ليؤكد لها أن ماحدث لم يكن سوى لحظة ضعف ندم عليها.
الفندق،12ص
دخل سليم الغرفة وهو يحمل حور بين ذراعيه، بينما كان مكي وعدد من الحراس يسيرون خلفه، وانزلها علي الأرض برفق، ثم ألتفت إلى مكي بجدية: تابع مع أحمد، وأول ما النتيجة تطلع بلغني فورا.
أومأ برأسه: حاضر، أنا في الأوضة إللي جنبك، ومش هنام، لو احتاجت حاجة عرفني.
ربت علي كتفه بامتنان: تمام يا حبيبي.
خرج مكي وأغلق الباب خلفه، فتقدم سليم نحو الداخل وحمل حور مره اخرى ووضعها على الفراش.
أخذت الصغيرة تنظر حولها بانبهار: الأوضة دي حلوة أوي.
ابتسم سليم: أوضتك في الفيلا هتكون أحلى منها كمان، وفيها لعب كتير.
اتسعت عيناها بسعادة: بجد يا بابا؟
أومأ بابتسامة: بجد يا قلب بابا.
ظلت تتأمل الغرفة، وتحسس الغطاء بإعجاب: السرير ده شكله حلو أوي.
خلعت الحذاء وألقته، ثم نهضت وظلت تقفز عليه وهي تصرخ بسعادة: حلو أوي هاتلي واحد زيه.
تبسم: حاضر، هجيبلك كل إللي أنتِ عايزاه
ثم اتجه إلى إحدى الحقائب، وأخرج بيجامة صغيرة وعاد اليها: يلا يا حور غيري هدومك علشان ننام.
هزت رأسها سريعا: لا، أنا هلبس لوحدي، قولتك أنت ولد، وده عيب.
ضحك بخفة: حاضر يا ستي.
استدار بعيد حتى يمنحها خصوصيتها: أنا هطلع البلكونة أعمل مكالمة، ولما تخلصي ناديني.
خرج إلى الشرفة، وأخرج هاتفه وأتصل بماسة،
بعد لحظات جاءه صوت سلوي: ألو؟
عقد حاجبيه متعجبا: اومال فين ماسة؟
أجابته بهدوء: لسه نايمه من شويه.
ضحك ساخرا: أومال ايه هتصل بيك ورد علطول وهي ماصدقت تخلص مني باين.
ضحكت سلوي علي كلماته، بينما تابع سليم: عموما هبقي اكلمها الصبح، تصبحي على خير يا سلوي.
اجابها: وأنت من أهله.
أنهى المكالمة، لكنه ظل شاردا للحظات، قبل أن تناديه حور بابتسامه: خلصت.
ابتسم وهو ينظر إليها: إيه العسل ده!
خلع حذاءه وجلس على طرف الفراش، فسألته ببراءة: إنت هتنام بلبسك؟
اومأ: أه، معنديش هدوم تانية هنا.
ذهبت نحوه حتى استقرت أعلاه وتمد جسدها فوقه، ثم امسكت بذراعه ولفتها حول نفسها.
نظر إليها بابتسامه: إيه ده؟
أغلقت عينيها وهي تستند إليه بنعاس: عايزة أنام في حضنك يا بابا.
تجمد قلبه عند الكلمة، وارتسمت على شفتيه ابتسامه حنونه وهو يقبل رأسها، وأخذ يربت على شعرها بحنان أبوي خالص.
أراحت راسها على صدره: أحكيلي حدوتة
اومأ برأسه: هحكيلك حدوتة سندريلا.
وبصوت هادئ بدأ يحكي لها القصة، ومع كل دقيقة كانت عيناها تثقلان أكثر، حتى استسلمت للنوم تماما.
انتظر قليلا ليتأكد أنها غرقت في نوم عميق، ثم حملها برفق، وعدل وضعها على الوسادة، وغطاها جيدا، وأخذ يتأمل ملامحها طويلا بعينان تلمعان بدموع فرحة طال انتظارها، حتي أنه من فرط سعادته لم يعرف للنوم طريقا تلك الليلة.
♥️______________بقلمي_ليلة_عادل
في صباح اليوم التالي،12ظ
انتهت مي من تجهيز أغراضها، ووقفت بجوار الفراش تحمل حقيبتها الصغيرة، بينما كان شريف يراجع بعض الأوراق الطبية وبجانبه راشد.
شريف بابتسامة هادئة: حمد لله على سلامتك، مستنيكي يوم الأربعاء في الجلسة، متتأخريش.
أومأت برأسها: حاضر، وشكرا جدا يا دكتور على كل حاجة عملتها معايا.
ابتسم راشد: يلا يا حبيبتي، إخواتك مستنيينك في البيت، وتقى عملتلك كل الأكل اللى بتحبيه.
ابتسمت بخفة، وتحركت معه إلى خارج الغرفة.
لكن ما إن وصلا إلى الممر، حتى تجمدت خطواتها، عندما رأت رشدي واقفا أمامها.
أشاحت بوجهها وكأنها لم تره، وأكملت سيرها.
تقدم خطوة واعترض طريقها: رايحة فين يا مي؟
تدخل شريف بهدوء حتى لا تحدث مشكلة: مي خارجة النهاردة يا أستاذ رشدي، هي خلاص مش محتاجة تفضل في المستشفى.
لكن رشدي لم ينظر إليه، بل ظل يحدق في مي: طب بصيلي أنا عايز أتكلم معاكي، من حقي أعرف قلبتي عليا ليه؟ عايزة تسيبيني ليه؟
شريف بحزم: أستاذ رشدي لو سمحت متضغطش عليها.
ألتفت إليه رشدي بعصبية: أنت مالك انت، هي كانت عينتك محامي ليها.
عندها رفعت مي رأسها بحده: لأ يتدخل، لإنه دكتوري.
تابعت بعينين خاليتين من أي مشاعر: وأنا مش عايزة أتكلم معاك.
رد عليها بحسم: وأنا من حقي أتكلم معاكي، وأفهم أنا عملت إيه؟! إنتِ لسة مراتي.
اجابته ببرود مستفز: لما يجيلي مزاج هبقى أتكلم غير كده مش عايزة أشوف وشك، حتى لو صدفة.
أبتلع ريقه وهو ينظر إليها بصدمة.
أكملت بثبات: ولازم تعرف إني هتطلق منك، ولو ورقة طلاقي موصلتش علي بكرة بالكتير، هفاجئك باللي هعمله.
حاول مسك يديها وهو يقول بخفوت: طب عرفيني أنا عملت ايه؟ مي أنا بحبك!
اعترضه راشد قبل أن يلمسها، ونفض يده بعيدا: وهي كرهتك يا أخي ومبقتش عايزاك، عايز أكتر من كده إجابة؟
هز رأسه بعناد: لا هي تقولها.
نظرت بجمود: وأنا قولتهلك قبل كده، أنا بكرهك، وبكره اليوم إللي اتجوزت فيه واحد زيك، خلي عندك كرامة بقى وطلقني.
نظر لها بضعف محاولا استعطافها بدموع لمعت في عينيه رغما عنه: طب مش مهم أنا عملت إيه؟ لو غلطت، أنا آسف حقك عليا، بس متعمليش فيا كده إنتِ عارفة إن أنا بحبك قد إيه، وعملت إيه علشانك، واتفقنا على إيه؟!
نظرت له نظرة جامدة: أنا مستنيه ورقة طلاقي.
قالتها ثم استدارت لتغادر دون أن تنطق بكلمة وخلفها والدها.
حاول اللحاق بها، لكن شريف وقف أمامه قائلا: أنا مش هقولك تاني لو فعلا بتحبها، سيبها تهدي دلوقتي، وبلاش تضغط عليها وترجعها لنقطه الصفر من تاني!
ضحك رشدي بسخرية: أسيبها لحد ماتضيع مني؟! أنا عايز أفهم إنت عايز مني إيه؟ بتمنعني عنها ليه
نظر إليه شريف بثبات: أنا مليش أي مصلحة غير إنها تبقى كويسة، وبعدين هبوظ علاقاتكم ليه؟!.
رمقه بابتسامة ساخرة: يمكن حاطط عينك عليها ولا حاجه، أصلا نظراتك ليها مش مريحاني.
تابع باستهجان: لكن قسما بالله لو شكي اتأكد ليكون آخر يوم في عمرك، أنت هنا بتعالج ولا بتشقط!
شريف بحده: إيه اللى بتقوله ده، احترم نفسك.
رمقه نن أعلي لأسفل باحتقار: أو علي الاقل احترم مراتك اللى كنت لسه بتقولها بحبك..
زفر بعنف قائلا: مي بتمر بأزمة نفسية كبيرة، والطريقة إللي بتضغط بيها عليها دي بتزود تعبها.
رشدي بعصبية: يعني أول ماتقولي طلقني أطلقها؟
اومأ بالرفض: أنا مقولتش طلقها، أنا بقول أديها مساحة تستوعب الوجع والصدمة إللي عاشتها.
سأله بلهفة: يعني أنت عارف حاجة؟ طب قولي هي عرفت إيه؟
هز رأسه بالنفي: حقيقي معرفش حاجة، ولو كنت أعرف، مستحيل أخون ثقة مريضة عندي، لكن أقدر أقولك حاجة واحدة...
نظر إليه مباشرة، وتابع بهدوء: واضح إنك بتحبها لكن خلي بالك، ساعات الحب لما يبقى أناني بيبقى مؤذي.
صمت لحظة، ثم أكمل: سيبها يومين تهدي، وبعدها أتكلم معاها، إنما أي كلام بينكم دلوقتي مش هتقابل منه غير هجوم، ورفض، ويمكن الموضوع ميقفش عند كده، والضغط إللي بتعمله عليها يدخلها في إنهيار نفسي تاني، هل ده إللي إنت عايزه؟
تنهد بضيق، ومرر يده في شعره بعصبية، وقال بكلمات يقطر منها القهر: أنا عايز أفهم بس إيه إللى حصل؟ أنا من يومها لا عارف انام، ولا اكل، ولا حتي أعيش، إنت عارف يعني إيه تبقى إنت ومراتك كويسين، وتصحي تلاقيها عاملالك الفطار، تخرج مشوار وترجع تلاقيها عندها إنهيار عصبي، وبتقولك إنها عايزة تسيبك؟! ده ميخليش الواحد يتجن!!
نظر إليه بتفهم: أنا فاهم ومقدر اللى أنت فيه، لكن متخليش إحساسك يؤذيها من غير قصد، ساعات بنحتاج نستحمل شوية ونيجي على نفسنا، علشان الناس اللى بنحبهم.
قال كلماته وغادر، بينما ظل رشدي واقفا مكانه، يشعر بالعجز لأول مرة في حياته، بعدما أدرك أن خسارتها لم تعد مجرد خوف... بل احتمالا حقيقيا.
جز على أسنانه بقهر، ولكم الحائط بكل قوته، حتى ارتد الألم إلى قبضته، لكنه لم يشعر به.
في تلك اللحظة، أضاء هاتفه باسم "إسعاد"، نظر إلى الشاشة بضيق؛ فهذا الاتصال رقم مئة تقريبا منذ ليلة أمس، لكنه لم يكن في حالة تسمح له بالرد، فترك الهاتف يرن حتى انقطع الرنين.
وبعد ثوان .. عاد يرن من جديد.
أغمض عينيه بانزعاج، وضغط زر الرفض، وهو يتمتم بحدة: مش ناقصاكي دلوقتي.
فتح سجل المكالمات، وضغط على اسمها، ثم اختار"حظر الرقم".
دون أن يدرك أن إسعاد لم تكن تتصل هذه المره لتطلب مالا، ولا لأن جنة تريد رؤيته، بل لتخبره بالكارثة التي وقعت في الليلة الماضية.
الفندق،12ظ
كانت حور لاتزال تغط في نوم هادئ، بينما دخل سليم الحمام ليغسل وجهه، لم تمضي سوى دقائق قليلة، حتى بدأت الطفلة تتململ في نومها، ثم فتحت عينيها ببطء، تنظرت إلى المكان حولها، ومدت يدها بجوارها لكنها لم تجده.
اعتدلت جالسة بسرعة، وأخذت تنظر في أنحاء الغرفة بقلق: بابا...؟
لم يجبها أحد، نزلت من فوق الفراش، وبدأت تتجه نحو الباب وهي تنادي بصوت مرتجف: بابا، انت فين، بابا؟
سمع صوتها، فأغلق الماء على الفور، وخرج مسرعا وهو يجفف وجهه بالمنشفة، فوجدها واقفة في منتصف الغرفة، ودموعها تنهمر.
ما إن رأته حتى ركضت نحوه، تضم قدمه وهي تبكي: افتكرتك سبتني ومشيت وسافرت تاني بعيد.
انحى فورا وضمها إليه بقوة، وربت على ظهرها بحنان: لا يا روح قلب بابا، أنا جنبك أهو.
أبعدها قليلا، ومسح دموعها بإبهامه وهو يبتسم: مستحيل أسيبك تاني، أنا وعدتك، وبابا لما يوعد عمره مايخلف وعده ابدا.
هدأت قليلا، وظلت متشبثة به، فقبل رأسها بحنان: متخافيش يا روح قلبي، احنا دلوقتي هنغسل وشنا، ونفطر، ونستنى عمو مكي ييجي، وبعدها نروح لماما.
اتسعت عيناها بفرحة: بجد؟ هروح لماما؟
اومأ بابتسامه: أيوه.
ابتسمت أخيرا، فحملها بين ذراعيه وإتجه بها إلى الحمام: يلا نغسل الوش القمر ده.
غسل وجهها الصغير برفق، ثم جففه بالمنشفة وهو يبتسم لها بحنان.
أمسك فستانها الصغير بابتسامة: يلا يا حبيبتي، تعالي عشان ألبسك.
عقدت ذراعيها أمام صدرها بخجل طفولي: لا أنت ولد، عيب.
ضحك وهو يجثو أمامها: ايوه بس أنا بابا.
هزت رأسها بعناد: برضو عيب.
ابتسم بحنان وربت على رأسها: يا قلب بابا عادي لما البسك، مش عيب.
ظلت علي رفضها، فمد يده يدغدغها: طب طالما مش راضيه البسك هعمل كده بقى.
انفجرت الصغيرة بالضحك وهي تحاول الهرب منه: هاهاها، خلاص يا بابا، خلاص! لبسني!
لكنه ظل يدغدغها ويقترب منها وكأنه سيعض خدها بمزاح، فتتعالى ضحكاتها في أنحاء الغرفة: خلاص بقى خلاص!
توقف أخيرا وهو يضحك معها، التقط الفستان، وأمسك يديها الصغيرتين بلطف: بابا بس اللي يلبسك حد تاني لا اتفقنا.
هزت رأسها بحماس: ماشي، أنا بحبك أوي.
ثم ارتمت بين ذراعيه تعانقه بكل ما تملكه طفلة من حب، فابتسم وضمها هو الآخر بحنان وهو يشعر بغصة مؤلمة تختلط بالسعادة: أنا كمان بحبك أوي يا روح بابا.
قبل خدها قبلة أبوية دافئة، ثم أبعدها وهو يمد يده بالفستان: يلا بقى خلينا نلبس الفستان.
البسها فستانها وصفف لها شعرها بتسريحه انيقه، وهو يمازحها بين الحين والآخر، حتى عادت ضحكاتها تملأ المكان من جديد.
وبعد الانتهاء، نظر لها بابتسامه: كده الأميره حور بقت جاهزه.
صفقت الصغيرة بسعادة، وأخذت تدور حول نفسها في المرآه وهي تتأمل مظهرها الرائع: الله، شكلي حلو اووى، زى باربي!
طبع قبله علي خدها: واحلي من باربي كمان.
اثناء ذلك دوى طرق خفيف على الباب.
نهض سليم وفتحه، ليجد مكي أمامه.
سليم بابتسامه: أدخل يا مكي.
دخل مكي فركضت إليه حور بابتسامة مشرقة: صباح الخير يا عمو.
ربت على رأسها: صباح النور يا روح عمو.
رفعت رأسها إليه بحماس: ماما جت؟
نظر بعينه نحو سليم الذي اومأ له بالإيجاب: أيوة، قربت توصل.
التفت سليم إلى حور وقال بحنان: يلا يا حبيبتي، البسي الكوتشي، لحد ما اقول حاجة لعمو مكي واجيلك.
أومأت بطاعة: حاضر.
خرج الأثنان إلى الشرفة، وأغلق سليم الباب خلفه، ثم استدار وعيناه تمتلئان بالترقب: ها طلع إيه؟
أومأ مكي برأسه في صمت، وأخرج ورقة التحليل من جيب سترته ومدها إليه.
خطفها سليم من يده بسرعة، وأخذت عيناه تتحركان بين السطور في لهفة، بينما كان قلبه يخفق بعنف وهو ينتظر الكلمة التي ستغير حياته إلى الأبد، كانت عيناه تتحركان بين السطور أكثر من مرة، وكأنه لا يصدق ما يراه.
ابتسم ثم ضحك ضحكة قصيرة خرجت ممزوجة بدموع الفرح، وهو يهز رأسه بعدم تصديق: كنت متأكد، والله كنت متأكد.
ربت على كتفه بابتسامه واسعه: مبروك يا سليم.
سليم بعيناه تلمعان من الفرحه: الحمد لله، الحمد لله اخيرا، كنت هتجنن لو طلع احساسي غلط، أنا خلاص اتعلقت بيها.
ضمه مكي بقوة وسعادة: صدقني أنا كمان كنت متأكد بس كان لازم أخليك ترجع خطوة، عشان لو طلع إحساسنا غلط لا قدر الله، ميحصلكش حاجة، ألف مبروك يا اخويا.
ابتعد عنه واختفت ابتسامته وهو يزفر ببطء: أنا دلوقتي مش عارف أعمل إيه مع ماسة..؟!
نظر إليه مكي بصمت، فأكمل سليم بصوت متردد:
أروح أقولها أزاى إن بنتك إللي كنتي واقفه بتعيطي علي قبرها من كام يوم، طلعت عايشة! مش عارف هتستحمل الصدمة دي إزاي؟!
مكي بعقلانية: ماسة قوية، واتحملت أصعب من كده، إن شاء الله هتقدر تتحمل، أنا ممكن أفضل مع البنت هنا لحد ماتمهدلها الموضوع.
هز رأسه بالرفض: لا مينفعش، لازم حور تيجي معايا..
نظر إليه مكي باستفهام، فأردف سليم بابتسامة حزينه: النهارده كنت في الحمام، واول ماصحيت ملقتنيش جنبها، خرجت لقيتها بتنادي عليا وهي مرعوبه، وأول ماشافتني حضنتني وكانت فكراني سافرت وسبتها تاني.
زفر مكي، وزم شفتيه بتأثر: خلاص سيبها معايا تحت في الجنينة لحد ماتقول لماسة.
أومأ موافقا، وهو يحاول استجماع نفسه: أيوه مفيش حل غير كده، جهز العربية خلينا نمشي.
الساحل الشمالي،12ظ.
استيقظ مصطفى أولا، التفت نحو الفراش، ليجد آلاء لاتزال نائمه، ظل ينظر إليها لثواني، ثم تنهد بعمق، وأخذ ملابسه بهدوء متجها إلي الحمام.
لكنها لم تكن نائمة. فما إن أُغلق باب الحمام حتى فتحت عينيها ببطء، وأبعدت الغطاء عن وجهها، ثم أخذت نفسا عميقا.
لم يزر النوم جفونها طوال الليل؛ فقد ظلت تستعيد ما حدث بينهما مرارا وتكرارا، عاجزة عن إسكات أفكارها أو الهروب منها.
أما مصطفى، فوقف أسفل المياه، يأخذ حماما سريعا، بينما يدور في رأسه سؤال واحد كيف سيواجهها؟
كان يعلم أن اللقاء بينهما لا مفر منه، لكنه لم يكن يعرف من أين يبدأ، ولا ماذا يقول، كان متأكدا أن ما فعله لم يكن لحظة اندفاع أو استغلال، بل كان بدافع الحب، لكنه لم يكن يعلم ماذا يدور داخل قلبها تجاهه، ولا كيف تنظر إلى ما حدث، وهل ستراه كما رآه هو أم ستراه خطأ لا يغتفر.
بعد دقائق، ارتدى ملابسه، وخرج من الحمام.
شعرت آلاء بحركته فارتجفت أنفاسها وهي تغمض عينها من جديد، اقترب منها ونادها بنبره منخفضه: آلاء آلاء.
ففتحت عينيها وقالت بخفوت وهي تتحاشي النظر اليه: أنا صاحية يا دكتور.
أومأ بتفهم، وهو يتحاشي النظر إليها هو الآخر، فمازال محرجا مما حدث في الليلة الماضية.
وقال بهدوء: طيب كويس، ياريت تقومي تجهزي عشان نلحق نفطر ونرجع القاهرة.
أومأت برأسها: حاضر يا دكتور.
قال بهدوء: هستناكي تحت في المطعم.
ردت باختصار: ماشي.
أنهى كلماته وغادر الغرفة، بينما بقيت هي مكانها للحظات، شاردة في صمت. لم تكن تتوقع أن ينتهي الحديث بهذه البساطة، كانت تنتظر منه أي كلمة تفسر لها ما حدث، أو تمنح قلبها الطمأنينة التي يبحث عنها، لكنها أقنعت نفسها بأنه ربما يمتلك الشجاعه ليتحدث عندما يجلسان معا على الإفطار.
تنهدت بخفوت، ونهضت تغسل وجهها، وارتدت ملابسها، قبل أن تهبط إلى المطعم.
كان مصطفى في انتظارها، سحبت المقعد وجلست أمامه، وما هي إلا ثواني حتي حضر النادل ووضع الطعام أمامهما.
بدأ الاثنان يتناولان الإفطار في صمت ثقيل.
كان مصطفى يختلس النظر إليها بين الحين والآخر، بينما كانت هي تتجنب النظر إليه تماما، وكأنها تخشى أن تلتقي عيناهما فتفضحها نظراتها.
وفجأة...
ترك الشوكة من يده، ونظر إليها مباشرة: بقولك يا آلاء أنا متضايق..
رفعت عينيها إليه في هدوء، فتابع: كده مش هينفع إحنا مش عارفين حتى نتكلم.
ظل صامتا للحظة، ثم أكمل: أنا عارف إن إللي حصل إمبارح...
قاطعته سريعا وهي تخفض بصرها بخجل: لو سمحت أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع.
تنهد بهدوء: بس أنا مش عايزك تسيئي فهمي، أنا لما عملت كدة..
قاطعه بحسم: وأنا مش عايزة أتكلم فيه بعد إذنك يا دكتور.
ساد الصمت بينهما من جديد...
كانت آلاء تنتظر أن يعترض، أن يتمسك بها، أو يخبرها أن ماحدث كان لأنه يحبها، لكنها بطبيعتها الخجولة والمحافظة، أخفت مشاعرها خلف قناع من الكبرياء حتى لا يساء فهمها، ومع صمته، ظنت أنه ندم على ما فعل، فقررت أن تحفظ كرامتها وتتجاهل الأمر.
أما مصطفى، ففسر صمتها على أنه رفض له، فاختار أن يمنحها المساحة التي ظن أنها تريدها، بينما كان قلبه يتمنى أن يتمسك بها ويصارحها بكل مايشعر به.
كل منهما أساء فهم صمت الآخر، وكل منهما كان ينتظر من الآخر خطوة لكن الخطوة لم تأتِ.
أكملا إفطارهما بصمت، ثم حملا حقائبهما، وغادرا الفندق في طريقهما إلى القاهرة.
أحد كافيهات وسط البلد،1ظ
كانت لوجين تجلس أمام صديقتها تالين، ويتبادلون الاحاديث
تالين متعجبه: يعني عايزة تدوري على شغل؟ وأنتِ متجوزة ياسين الراوي؟!
اومأت ببساطه: ايوه، عايزة يكون ليا كيان مستقل بعيد عن ياسين و.
وقبل أن تكمل كلامها، وضعت يدها على بطنها فجأة، واغمضت عينيها وهي تشعر بالغثيان.
تالين بقلق: مالك يا جوجو؟
لوجين بتعب: مش عارفة، حاسة إني عايزة ارجع.
أومأت: أنا قولتلك شكلك حامل! يلا بينا نعمل تحليل حالا.
ضحكت وهي تهز رأسها: حامل ايه بس، هو احنا لحقنا، مبقالناش شهرين متجوزين!
تسألت: أنتِ بتاخدي مانع؟
هز رأسها: لا طبعا.
ردت بحماس: أهو! يبقى مستنية إيه؟ بقالك يومين عندك غثيان وبتدوخي، يبقي ايه؟! قومي بس.
أخرجت بعض النقود من حقيبتها، ثم أمسكت يدها وسحبتها: يلا بقى متبقيش غلسة، خمس دقايق وهنكون عملنا التحليل وارتحنا.
وبالفعل توجها معا الى أحد المعامل القريبه.
تقدمت تالين إلى موظفة الاستقبال: لو سمحتي، عايزين نعمل تحليل حمل باسم لوجين الراوي.
ابتسمت الموظفة وسجلت البيانات، ثم طلبت من لوجين الدخول لأخذ العينة.
بعد دقائق قليلة خرجت لوجين، وجلست بجوار تالين في صالة الانتظار، مرت الدقائق ببطء شديد، حتى خرجت إحدى الممرضات وهي تنادي: مدام لوجين الراوي؟
نهضت بسرعة، وتبعتها تالين.
ابتسمت الممرضه وهي تنظر إلى نتيجة التحليل بين يديها: ألف مبروك...التحليل إيجابي...حضرتك حامل.
وضعت لوجين يدها على فمها من شدة الصدمة، وامتلأت عيناها بالدموع وهي تتمتم: حامل.
التفتت إلى تالين وكأنها تريد التأكد أنها لم تسمع خطأ: حامل بجد؟!
أما تالين فصرخت بفرحة وهي تحتضنها بقوة: ايوه حامل، مبروك يا روحي.
انسابت دموعها دون أن تشعر، ثم وضعت يدها برفق فوق بطنها، وهمست بصوت مرتجف: أنا... حامل...
ابتسمت الممرضه وهي تناولها النتيجة: مبروك مرة تانية، حددي معاد مع دكتور نسا بقي وتابعي الحمل من بدري.
اومات بابتسامة واسعه: حاضر، شكرا اوي.
ثم ضمتها من الفرحه، فتبسمت الممرضه.
غادرت لوجين المعمل وهي لاتزال تنظر إلى ورقة التحليل، غير قادرة على استيعاب أن بداخلها حياة صغيرة بدأت للتو: ياسين هيفرح اوي.
تالين: مبروك يا حببتي لازم تعملي حفله، ده اول بيبي.
اومات بابتسامة حماسية: أكيد هعمل كدة.
♥️____________بقلمي_ليلة_عادل
فيلا سليم وماسة،1ظ
هبط سليم من السيارة أولا، ثم انحنى وأمسك بيد حور وتحركا معا بخطوات هادئه.
أخذت تنظر حولها بسعادة: بابا هو البيت الكبير ده بتاعنا
تبسم: أيوة... البيت ده كله بتاعنا.
اتسعت عيناها بدهشة: الله!
ثم أشارت إلى حمام السباحة بحماس: وحمام السباحة ده... بتاعنا؟
ضحك وهز رأسه: أيوه وعندنا اتنين كمان غيره.
شهقت بسعادة، وقفزت في مكانها: الله! طب أنا عايزة ألعب فيه.
ربت على رأسها بحنان: هنلعب فيه، بس نشوف ماما الأول.
اتسعت عينا بسعاده: هنشوف ماما دلوقت!
جلس أمامها القرفصاء، وقال بابتسامة هادئة: بصي يا حبيبتي اقعدى العبي مع عمو مكي في الجنينة شوية، وأنا هطلع أقول لماما إني ملقتكيش واعمل فيها مقلب، وبعدين أنت تطلعي تعمليلها مفاجأة وتقوليلها " أنا جيت" إيه رأيك؟
هزت رأسها بحماس: ماشي، بس ماتتأخرش عشان نفسي اشوف ماما أوي.
ابتسم ومسح على شعرها بحنان: مش هتأخر.
وقف والتفت إلى مكي الذي كان يقف بالقرب منه: خد بالك منها.
أومأ مكي بصمت.
بينما تشبست حور ببنطال مكي وهي تصرخ بفرحه: تعالي مرجحني هناك.
اومأ بابتسامه، وحملها علي ذراعيها بمرح: أوامرك يا حور هانم، تعالي نلعب.
ضحكت الصغيرة بحماس: يلا.
أجلسها على المرجيحة، وأخذ يدفعها برفق وهي تضحك بسعادة...
بينما وقف سليم مكانه للحظات، ثم أخذ نفسا عميقا، واتجه إلى الداخل.
كانت خطواته ثقيلة وكأن كل خطوة تقربه من أصعب حديث سيقوله في حياته، توقف أمام الباب للحظات، يحاول أن يجمع شتات نفسه، ويستجمع ما تبقى من ثباته، رفع يده ليطرق الباب، ثم أنزلها مرة أخرى.
كيف سيخبرها؟
بأي كلمة سيبدأ؟
هل يقول الحقيقة مباشرة؟
أم يمهد لها أولا؟
كان يعلم أن أي طريقة سيختارها... ستزلزل عالمها بأكمله، فجملة واحدة منه كفيلة بأن تهدم سنوات من الحزن، وتستبدلها بصدمة قد تعجز عن استيعابها في لحظتها. لذلك ظل واقفا مكانه لثواني، يحاول أن يجد بداية مناسبه... لكنه أدرك أن لا وجود لبداية سهلة لمثل هذه الحقيقة.
ابتلع ريقه، وأخذ نفسا طويلا، ثم فتح الباب ودخل.
كانت ماسة تجلس على الفراش، تتصفح هاتفها، وما إن رأته حتى رفعت رأسها، وقالت بعتاب رقيق: كنت لسه بكلمك... مردتش عليا ليه؟
حاولا أنا يكون مرحا: بردلك الغدر اللى غدرتيه بيا إمبارح لما سبتيني ونمتي!
قهقهت عاليا، فجلس بجوارها، أمسك يدها يقبلها برفق: عاملة إيه؟
عبثت بوجهها: الحمد لله... بس زعلانة منك.
رفع حاجبه: يا شيخه! مين يزعل من مين؟
مالت علي صدره بدلال: أنا طبعا، مش سافرت وسيبتني..!
أجابها بعينين تحمل الكثير: ما أنا قولتلك الظروف إللي كنت فيها.
شعرت بخطب ما في نبرته، فاعتدلت في جلستها ونظرت إليه لثواني، قبل أن تهمس بقلق: مالك يا سليم، فيك ايه؟ عينيك مش طبيعية، وصوتك بيقول إن فيه حاجه.
هز رأسه بابتسامه باهته: لا... أنا كويس.
لكنه لم يكن كذلك، كان ضجيج قلبه مسموعا رغم محاولته الثبات، اقترب منها أكثر... يحاول إيجاد أي بداية لحديثه، ولكنه وجد نفسه يتسأل فجأة: قوليلي يا ماسة، هي حور لما دفنوها مين كان موجود؟
رمشت عدة مرات، وحدقت فيه باستغراب: ايه إللي جاب سيرة حور دلوقتي؟
رفع كتفه متماسكا بثباته: عادي... بسأل.
ابتسمت بخفة، محاولة كسر غرابة السؤال: يا سلام فجأة كده؟ حلمت بيها ولا إيه؟
اومأ ببطء: حاجة زي كده.
لم تتوقع الإجابة، وابتسمت بحنين امتزج بالألم: الله يا سليم، يا بختك، كان شكلها إيه طيب؟ شبه مين؟
همس وسط دموعه التي كان يقاومها: شبهك!
ضحكت بخفة: علشان بتحبني أوي فشوفتها شبهي.
بلع غصته، وقال بصوت متحشرج: مردتيش عليا..مين كان موجود؟
تنهدت بحزن: والله يا سليم أنا يوم ما عرفت إنها ماتت دخلت في إنهيار، وقعدت 3 او 4 أيام مش واعية بأي حاجة... وكانوا خلاص دفنوها.
سألها بترقب: يعني محدش من أهلك حضر دفنها؟
هزت رأسها بالنفي: لا إللي أعرفه إن فريدة كانت موجودة، غير كده معرفش... ليه بتسأل؟
أومأ بهدوء: عادي.
ابتسمت بحماس، وقد لمعت عيناها: طب أحكيلي الحلم.
ساد الصمت للحظات، حتى خطرت له فكرة قرر من خلالها أن يمهد لها الحديث، لعلها تستعد نفسيا لما سيقوله: هحكيلك...بس قوليلي فاكرة فيلم بلية؟ لما رجعت بعد كل السنين دي لمامتها؟
صمتت لحظة، ثم هزت رأسها: أيوه بس معرفتش مين فيهم بنتها، كأن ربنا عوضها ببنتين بدل بنت واحده!
ابتسم ابتسامة باهتة: طب تخيلي لو حور رجعتلنا بعد كل السنين دي، زي الفيلم.
اهتز جسدها من واقع السؤال، واغرورقت عيناها بالدموع، ثم ابتسمت ابتسامة منكسره: الكلام ده مبيحصلش غير في الأفلام يا سليم.
مالت شفتيها بحزن: شكل الحلم مآثر عليك..
همس وهو يحاول حبس دموعه بكل ما اوتي من قوه: أيوة.
ابتسمت وسط دموعها: يا بختك...أنا عمري ما حلمت بيها.
اقتربت منه بلهفه: احكيلي كانت عاملة إزاي؟ شكلها إيه؟ صوتها؟ ريحتها؟ احكيلي كل حاجه.
ابتلع غصته: هقولك كل حاجة يا ماسة...
صمت لوهلة، ثم نهض من مكانه، وأخذ يتحرك في الغرفة ذهابا وإيابا، يحاول أن يجمع شتات نفسه، فهو يعلم... أن أي كلمة سيقولها ستنهي حياة قديمة، وتبدأ أخرى.
ظلت ماسه تتابع خطواته باستغراب، حتى توقف فجأة والتفت إليها: أنا امبارح لما رحت لصافيناز، وقالتلي حاجة غريبة.
نظرت إليه بتعجب: ايه هي؟
صمت يحاول جمع كلماته، فنهضت واقتربت منه بقلق: مالك يا سليم...؟ أنت مخوفني.
هز رأسه سريعا مذكرا نفسه أنها حامل، ووضعها صعب وأي مشاعر متزايدة من الممكن أن تأثر عليها: لا... لا، متخافيش.
أمسك كتفيها برفق، وأجلسها على الفراش، ثم وقف أمامها للحظات، ينظر إليها في صمت.
همست باسمه: سليم! فيه إيه يا حبيبي.
جلس بجوارها، وأمسك يديها بين يديه المرتجفتين: صافيناز لما روحتلها قالتلي..
قال بتلعثم: قالتلي... إن حور.
توقف، وأغمض عينيه للحظة، ثم أكمل بصعوبة: إن حور اتولدت...عايشة.
اتسعت عيناها بصدمة، وكأن الزمن توقف من حولها.
وساد صمت ثقيل...
خرج صوتها هامسا بالكاد يسمع: أنت... أنت بتقول إيه؟
تنفس بصعوبة، ثم قال بسرعة، وكأنه يخشى التراجع: قالتلي إنها دخلت حضانه... وهي وعماد اتفقوا يقتلوها، لكن السواق بدل ماينفذ كلامهم سابها عند واحدة تربيها.
رفع عينيه إليها، وقد سالت دموعه أخيرا: أنا مصدقتهاش، ودورت ورا الكلام ده، وشوفت البنت بنفسي واتكلمت معاها... وكانت معايا طول اليوم امبارح.
صمت لحظة، ثم أخرج الورقة من جيبه، وصوته يرتجف: عملت تحليل DNA، والنتيجة أكدت إنها بنتنا حور يا ماسة!
غص قلبه وتسارعت نبضاته: أنا عارف إن الكلام صعب، ومستحيل يتصدق، بس دي الحقيقة، حور عايشه مماتتش!
كانت تنظر إليه بوجه أصبح شاحبا حتي فقد تعبيراته، كأنه تمثال لا يشعر بشيء.
وفجأة، ضحكت.
ضحكة قصيرة مرتبكة، لا تشبه الفرح ولا التصديق.
ثم ضربت بكفها على صدره ضربة خفيفة، وهي تقول: بطل هزار سخيف يا سليم، حور مين إللي عايشة؟ أكيد هلاوس من الدوا اللى بتاخده، بنتنا ماتت...ماتت.
أمسك يدها والدموع تملأ عينيه: أنا عارف إن الموضوع صعب... بس...
انتفضت واقفة، وسحبت يديها من بين يديه بعنف، ثم تراجعت عدة خطوات إلى الخلف: بس إيه؟! أنت سامع نفسك بتقول ايه؟ مين دي إللي عايشة؟! عايشة إزاي؟! بنتنا ماتت!
كانت تهز رأسها بعنف، وكأنها تحاول طرد كلماته من عقلها: إيه يا سليم؟! إنت شارب حاجة؟! ولا حد ضحك عليك؟!
أسرع نحوها يمد يديه إليها: أهدي علشان خاطري.
صرخت وهي تبتعد عنه أكثر: أهدى إيه بس بعد إللي بتقوله ده؟!
خرج صوته مرتجفا بعينين اغرورقت بالدموع: أنا عارف إنه صعب، بس دي الحقيقة.
انهمرت دموعها بغزارة، وأخذت تهز رأسها بإنكار تام: عايشه أزاى يعني!؟
وضعت يدها على رأسها وهي تتراجع خطوة أخرى، وأنفاسها بدأت تتسارع: لا... لا... مستحيل... مستحيل.
نظرت إليه بعينين غارقتين في الدموع، وهمست بصوت مكسور: أنا دفنت بنتي يا سليم، وبكيت عليها سنين، ووقفت قدام قبرها واتكلمت معاها، تيجي النهاردة تقولي إنها عايشة؟! بسهوله كدة؟! إزاي...؟
جذبها إلى أحضانه بقوة، وأخذ يربت على ظهرها بينما دموعه تنهمر هو الآخر، وهو يقول بصوت متحشرج: أنا عارف إن الموضوع صعب بس دي الحقيقة يا ماسة، حور عايشة..
أغمض عينيه وأكمل بصعوبة: خطفوها، وكانوا متفقين يقتلوها، لكن السواق مقدرش يعمل كده، وسابها تعيش..
ابتلع غصته، وتابع ببكاء: والقبر إللي كنا بنروحله فاضي يا ماسة، كنا بنبكي على قبر فاضي، بنتنا عايشة..
أبعدها وهو يضمم وجهها بكفيه: حور عايشة وتحت دلوقتي، مستنية تشوف مامتها.
ووضعت يديها على فمها، وانفجرت في بكاء مرير، وخي تهز رأسها بعنف: قولي إنك بتهزر، قولي إنك بتهزر وهسامحك والله هسامحك بس متعملش فيا كده...
صرخت بصوت يمزق القلب بتوسل: متقوليش إن بنتي كانت عايشة طول السنين دي بعيد عني! وإني عشت محرومة منها طول السنين دي، عشت كل يوم بعيط عليها، وبروح أبكي على قبرها، وفي الآخر يطلع قبر فاضي!
أنهارت على ركبتيها وهي تبكي بحرقة، فجلس أمامها سريعا، وأمسك وجهها بين كفيه، وقال محاولا التمسك بالأمل وسط كل هذا الوجع: بصيلي يا ماسة، أنا عارف إن إللي حصل عمره ما هيتنسي، وعارف إن السنين إللي راحت محدش هيقدر يرجعها لكن جاوبيني، إيه الأحسن؟ إنها ترجعلنا ولا تفضل ميتة؟
ضم وجهها بين كفيه وهو ينظر لها ويكمل بنبرة موجوعة: بنتنا رجعتلنا يا ماسة، عارف إنها صعبة لكن حاولي تشوفيها من الناحية الحلوة.
شهقت بقوة وهي تهز رأسها بعنف حتى بح صوتها: الأتنين وحشين... الأتنين أوحش من بعض! أنا عشت كل السنين دي فاكرة إنها ماتت، وبالعافية قدرت أتخطى، وفي الآخر تيجي تقولي بنتك عايشة! هي عاشت محرومة مني؟ كبرت بعيد عن أمها؟!
أنهمرت دموعها أكثر، وقالت بصوت مخنوق، تقطعه الشهقات: فين الحلو يا سليم؟! أنا عشت كل السنين دي محرومة منها، مشوفتهاش وهي بتكبر، معرفش شكلها وهي طفلة، ولا ريحتها، ولا أول كلمة قالتها! أول مرة نادت "ماما" قالتها لمين؟ ولما كانت بتعيط وتدور على حضني مين كان بيحضنها؟ أول مرة مشت، أول مرة وقعت، أول مرة ضحكت، أول مرة تعبت مين كان بيسهر جنبها؟ مش أنا...
ازدادت شهقاتها وهي تكمل بمرارة أم موجوعة: أنت ناسي إحنا تعبنا قد إيه علشان تيجي؟ سنة كامله علاج وحقن، و 9شهور بحلم باليوم إللي أشيلها فيه بين إيديا، وفي الآخر قالولي ماتت...صدقت، وغصبت نفسي أعيش، وغصبت قلبي يودعها... تيجي النهاردة تقولي إنها كانت عايشة؟! والمفروض أستوعب ده في لحظة؟!
أمسك يديها المرتجفتين، وقال بهدوء يخفي خلفه وجعه: مقولتش تبقي عادي يا ماسة، ولا طلبت منك تنسي إللي فات، أنا بس بقول إن ربنا أدانا فرصة تانية، ولسه قدامنا عمر كامل نبني فيه ذكريات جديدة معاها.
هزت رأسها بعنف وهي تبكي بحرقة: بس أجمل الذكريات خلاص راحت، الذكريات إللي كل أم بتحلم تعيشها مع بنتها راحت خلاص.
وضعت يدها على صدرها، وقالت بصوت يقطر قهرا: فيه واحدة تانية هي إللي سمعت أول "ماما"، وهي إللي شافت أول ضحكة، وهي إللي حضنتها أول ما وقعت، وهي إللي سهرت عليها وهي تعبانة... مش أنا.
واختنق صوتها أكثر، وهمست ببكاء: 5سنين من عمر بنتي اتسرقوا مني، 5سنين محدش في الدنيا يقدر يرجعهم.
تابعت وهي تبكي بقهر أم حرمت من طفلتها: طب بلاش كل ده أنا هقولها إيه؟ هتعامل معاها إزاي؟ أنا معرفهاش يا سليم، معرفش بتحب إيه وبتكره إيه؟! هي نفسها يمكن متحبنيش، علشان مش هبقى عارفاها، كل ما أشوفها هحس إني غريبة عنها، مش هعرف أتعامل معاها، ولا هبقى فاهمة هي عايزة إيه.
خرجت شهقاتها بحرقة وهي تكمل: ليه حرموني منها؟ إزاي هان عليهم يعملوا فينا كده؟ ليه... ليه يعملوا كده؟ آااه... حرام... والله حرام.
تأثر بشدة، وحاول تهدئتها رغم الضجيج الذي يعصف بقلبه، والدموع التي خانته وانحدرت علي خده تأثرا بوجعها، لكنه كان يعلم أنه لا بد أن يبقى قويا من أجلها.
ضم وجهها بين كفيه وقال وعيناه تمتلئان بالدموع: عارف والله عارف إن وجعك عمره ما هيتوصف، ولو بإيدي أرجع الزمن، كنت عملت المستحيل علشان متفوتيش لحظة واحدة من عمرها.
تنهد بصعوبة، وأردف: بس اسألي نفسك سؤال واحد... لو كان قدامك تختاري بين إن ال5 سنين يكونوا راحوا وبنتك ترجعلك دلوقتي، أو تفضلي عند قبر فاضي طول عمرك... هتختاري إيه؟
صمت لحظة، ثم تابع وهو يمسح دموعها بإبهامه: إحنا مظلومين يا ماسة، لكن مخسرنهاش الحمد لله، هي رجعتلنا، ولسه عندنا فرصة نكون أبوها وأمها، ونعوضها عن كل يوم فات، ونعيش معاها كل يوم جاي، ومهما فات من عمرها... عمره ما فات من قلبها، هي لسه مستنية حضن أمها، الحضن إللي محدش في الدنيا يقدر يعوضه.
قالت بمرارة بنبرة تخرج بصعوبة: طب هما ليه عملوا كدة؟! ودلوقتي بيرجعوها تاني.
مسح دموعها برفق، وقال بصوت مختنق: هما أصلا مكانوش يعرفوا إنها عايشة، والله يا ماسة أنا زيك، الصدمة وجعاني، بس أول ما تشوفيها وتاخديها في حضنك، هتحسي بإحساس عمرك ما حسيتيه، هتلاقي نفسك مش عايزة تعملي حاجة غير إنك تضميها كل شوية، هتحسي إن كل السنين دي بتتعوض في حضن واحد، وإنها طول عمرها بنتك، حتى لو الأيام سرقتها مننا.
بكت وهي تضع يدها على قلبها: هتعامل معاها إزاي؟ مش هعرف...
ابتسم وسط دموعه بيقين وهو ينظر داخل عيناها ليؤكد المعنى: هتعرفي... لإنك بتحبيها، دي كبرت جواكي 9 شهور يا ماسة، القلب عمره ما بينسى بنته، وهي ما شاء الله عليها عسولة، هتلاقيها بترمي نفسها عليكي كأنك مبعدتيش عنها لحظة.
إنهارت أكثر، ووضعت يديها على صدرها، بينما تعالت أنفاسها بصورة متلاحقة، وكأن مطرقة ثقيلة تهوي على رأسها وقلبها معا، خرج صوتها ممزقًا من شدة القهر والمرارة التي يستحيل وصفها: أنا مش قادرة، بجد خلاص مش قادرة، حرام إللي بيحصلي ده.. مش قادرة... آااه...ليه يحصلي كل ده؟ ليه أعيش الوجع ده كله؟ أعيش عمري كله فاكرة إن بنتي ماتت، وهي كانت عايشة... ودلوقتي بتطلب مني أستوعب إنها عايشة وأتعامل معاها كأن كل إللي فات محصلش... أنا مش قادرة يا سليم... والله مش قادرة.
ضمها بقوة، وأخذ يربت على ظهرها بحنان، بينما كانت دموعه هو الآخر تنساب بصمت: أهدي يا عشقي علشان إللي في بطنك، بالله عليكي أهدي.
ابتعدت عنه قليلا وهي تنتحب بشدة، ثم قالت بصوت متقطع: هقولها إيه؟ هقولها كنت فين ال5 سنين دول؟ سبتها فين؟ وهي كانت فين؟ لو سألتني ليه سيبتيني؟! أرد عليها أقول إيه؟
مسح دموعه بطرف كفه، وقال محاولا طمئنتها: الحمد لله الموضوع أبسط من إللي أنتِ متخيلاه، هم فهموها إننا كنا مسافرين، وكانوا بيخلوها تكلم ناس على إنهم إحنا، والبنت ما شاء الله عليها، اتعلقت بيا بسرعة... ونامت في حضني امبارح.
ارتعش قلبها، وظهر وسط دموعها بصيص أمل: بجد؟
أومأ بابتسامه رغم الدموع التي تملأ عينيه: والله العظيم، وهتحبك أوي، بس أول ما تشوفيها، عامليها كأنك عارفاها من زمان، ومتحسسيهاش بأي حاجة..
ابتسم من وسط دموعه قائلا: وعارفة قالتلي إيه؟ قالتلي أنا زعلانة منك يوم ويوم ويوم، افتكرتك علطول لما كنتي بتقولي هخاصمك 3 أيام.
هز رأسه وهو يبتسم بحنان: طلعت حتة منك، ولون عنيها شبهك بالظبط، نسخه صغيره منك.
ضحكت ضحكة بلهاء وهي تمسح دموعها: يا عمري.
اعتدل في جلسته، وقال بصوت هادئ حتى تنتبه: بس خدي بالك يا ماسة، هي عارفه إننا بابا وماما، فحاولي تتعاملي معاها كأنك شوفتيها قبل كده، وكنتي مسافره .. فاهمة قصدي؟
هزت رأسها وهي تبكي بصوت مرتجف:لا مش هعرف.
قال بحسم وهو ينظر في عينيها بثقة: هتعرفي.
هزت رأسها بإصرار، والدموع لا تتوقف عن الانهمار: لا، مش هعرف، أول ما أقف قدامها هلاقي نفسي مش عارفة أعمل حاجة، هتلخبط في الكلام قدامها، مش هعرف يا سليم.
ابتسم رغم الألم الذي يعتصر قلبه، وقال محاولا التخفيف عنها: أنتِ فضلتي سنتين تضحكي على سليم الراوي، مش هتعرفي تضحكي على طفلة صغيرة؟
شهقت بحرقة، وكأن كل ما تبقى بداخلها من قوة قد أنهار في تلك اللحظة، فرفعت عينيها إليه، وقالت بانكسار: بس أنا خلاص مبقتش قادرة أمثل تاني، مبقتش قادرة أداري الوجع إللي جوايا، تعبت يا سليم، بجد تعبت، الوجع المره دي أكبر مني.
أمسك وجهها بين كفيه، وأجبرها برفق أن تنظر إليه، وقال بحنان: المرة دي مش هتمثلي علشان تهربي، ولا علشان حد مهددك، المرة دي هتعملي كده عشان بنتك، المرة دي فيها حب... مفيهاش خوف، ولا تهديد، ولا ولاوجع، فيها فرصة ربنا اداهالنا علشان يعوضنا.
بكت بصوت خافت، وقد خارت قواها تماما: مش هعرف... والله ما هعرف..
أومأ بثقة، وربت على يديها برفق: هتعرفي والله هتعرفي، كل المطلوب منك إنك تقوليلها إننا كنا مسافرين، زي القصة إللي اتقالتلها طول السنين إللي فاتت، هي أصلا مقتنعة بكده، ومش هتشك في أي حاجة، خديها في حضنك وحبيها، والباقي هييجي لوحده..
ابتسم ابتسامة صغيرة وسط دموعه، وأضاف: صدقيني، أول ما تناديكي "ماما" كل الخوف إللي جواكي هيختفي.
لم تستطع المقاومه وانهارت في البكاء مره أخري، فانحنى إليها يحتضنها بقوة، بينما كانت دموعه هو الآخر تنهمر، لكنه كان يحاول أن يبقى ثابتا من أجلها.
خرج صوتها مكسورا: هو ليه بيحصلنا كده؟ لحد امتى هنفضل نتوجع كدة.
مسح على شعرها بابتسامة أمل: بالعكس... أخيرا الدنيا ضحكتلنا، بنتنا رجعت، وإنتِ حامل، وأخيرا هنعيش الحياة إللي كنا بنحلم بيها.
هزت رأسها بأنين: كان نفسي أشوفها وهي بتكبر، كان نفسي أشم ريحتها، أنا معرفش عنها أي حاجة.
مد وجهه بحزن: وانا كمان كان نفسي، بس هنعمل ايه، ربنا كتبلنا كدة، المهم انها رجعت تاني...
ثم ابتسم وابعدها وهو يقول: يلا...حور نفسها تشوفك.
أخذت نفسا مرتجفا، وقالت باضطراب:طب فهمني، هي عارفة إيه؟
أخذ نفسها عميقا، وقال موضحا: فاكرة إننا كنا مسافرين، والست إللي ربتها كانت بتخليها تكلم ناس في التليفون على إنهم إحنا، وكانت بتبعتلها جوابات كأنها جاية مننا، دي كل المعلومات إللي أعرفها دلوقتي، أما حكاية عاطف وصافيناز هحكيهولك بعدين، دلوقتي أهم حاجة إننا منضيعش وقت أكتر من كده.
نظرت إليه بعدم استيعاب، وهي تمسح دموعها: طب الست دي عملت كده ليه؟ ليه فهمتها إن ليها أب وأم عايشين؟ وليه خلت ناس غريبة يكلموها على إنهم إحنا؟
تنهد، وأجاب بصوت هادئ: سألتها نفس السؤال، قالتلي إن قلبها مجبهاش يحرمها من إحساس إن ليها أب وأم، كانت شايفة إن البنت تستحق تعيش وهي حاسة إن فيه حد بيحبها ومستنيها، حتى لو كانت الحقيقة غير كده.
ساد الصمت بينهما لثواني، وماسة تحاول استيعاب كل ما تسمعه ثم همست بارتعاش: طيب... روح هاتها.
ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة ممزوجة بالراحة: أيوه كده، هي دي ماسة إللي أعرفها.
اقترب منها ووضع قبلة طويلة على رأسها، ثم توقف، وأمسك بيديها يساعدها على الوقوف: مش هتأخر عليكي، هي هتيجي تقولك "ماما، أنا جيت" وساعتها اتفاجئي بقى وكده، علشان اقنعتها إننا هنعمل فيكي مقلب وهي هتفاجئك.
أخذت نفسا عميقا، ومسحت دموعها، ثم هزت رأسها وهي تحاول أن تبدو قوية: ماشي، ماشي، خلاص، والله أنا... أنا بقيت قوية خالص.
ابتسم لها بحنان، وربت على خدها برفق، ثم استدار متجها نحو الباب.
خطا خطوة لكن صوتها المرتجف أوقفه: استنى.
ألتفت إليها بسرعة.
كانت واقفة مكانها، تضم يديها إلى صدرها، وعيناها تمتلئان بالخوف، همست بضعف: أنا خايفة!
ظل ينظر إليها بصمت، فأغمضت عينيها وهي تقاوم البكاء: لا... روح... خلاص روح.
وما إن استدار حتى عادت تناديه مرة أخرى: لا... مش هعرف أنا... مش مستعدة.
وانفجرت في البكاء.
عاد إليها سريعا، واحتضنها بقوة، بينما كانت تصرخ من شدة الوجع داخل حضنه.
همس وهو يقبل رأسها: هششش، خلاص يا حبيبتي، أهدي... أنا معاكي، ومش هسيبك.
أضاف كي يقوبها: أنا كمان كنت زيك مش مستعد، لكن هي كانت مستعدة، ومستنية حضن باباها ومامتها من 5 سنين، بلاش نستنى أكتر من كده، بعدين كفاية بقى عشان إللي في بطنك.
أغمضت عينيها، وأومأت برأسها موافقة وهي تاخذ نفسها: ماشي .. ماشي يلا روح.
ربت على كتفها برفق، ثم ابتسم ابتسامة مطمئنة: دقيقة واحدة، وهرجعلك بأحلى مفاجأة في الدنيا.
وبالفعل خرج من الغرفة، بينما بقيت ماسة واقفة مكانها، تحاول استيعاب ماسمعته.
فبعد دقائق قليلة، سترى ابنتها التي حُرمت منها سنوات طويلة، ابنتها التي ظنت أنها ماتت ولم يبقى منها سوى ذكريات مؤلمه، والتي كانت منذ أيام قليلة تبكي أمام قبرها، والآن وبعد لحظات، سيفتح الباب وتدخل منه وتستطيع ضمها إلى صدرها!
حاول عقلها استيعاب الموقف لكنه عجز، شعرت بقشعريرة تسري في جسدها بأكمله، ونبضاتها تتسارع وكأن قلبها سيقفز خارج صدرها.
أسرعت نحو الباب، وأغلقته بالمفتاح، ثم استندت إليه ووضعت يدها على فمها، تحاول كتم شهقاتها، لكنها لم تستطع، فقد كان قلبها يعتصر من الألم...
كان تشعر بوجع لا يشبه أي وجع عاشته من قبل، وجع أم سرقت منها طفلتها لسنوات، ثم عادت إليها فجأة، وطلب منها في لحظة واحدة استيعاب أنها كانت حية طوال هذا الوقت، بل واستقبالها ببساطه وكأن السنوات التي سُلبت من عمرهما لم تكن.
وضعت يدها على بطنها، فتذكرت طفلها الذي تحمله، أغمضت عينيها بقوة: لازم أهدى... لازم أمسك نفسي... علشانه وعلشانها.
لكنها لم تستطع سقطت على الفراش، ودفنت وجهها في الوسادة، وانفجرت في بكاء مرير، تكتم صرخاتها داخلها حتى لا يسمعها أحد.
وبين شهقاتها، تذكرت فجأة، أنها قادمة، مجرد لحظات وستكون بين يديها.
هزت رأسها بسرعة، ومسحت دموعها بكفيها، لا...
لا يجب أن تراها هكذا، لا يجب أن يكون أول ما تراه في أمها، الانهيار.
أخذت نفسا مرتجفا، وأجبرت قدميها على الحركة نحو الحمام، محاولة أن تخفي ذلك الوجع الذي كان ينهش قلبها، قبل أن تأتي اللحظة التي انتظرتها عمرا كاملا..
فتحت الماء، وأخذت تغسل وجهها مرة تلو الأخرى، بينما كانت دموعها الساخنة تسبق الماء، فتنزل دون إرادة، وكأنها لم تعد تملك السيطرة عليها.
خرجت ووقفت أمام مرآة التسريحة، تحاول رسم ابتسامة علي وجهها، لكن شفتيها ارتعشتا.
حاولت مرة أخرى...
فانهمرت دموعها من جديد، رفعت يديها تمسحها بعجلة، لكنها كانت تنزل تلقائيا، كأنها خرجت عن إرادتها.
وضعت يدها على قلبها، وأخذت تربت عليه برفق، تحاول تهدئة نبضاته المجنونة، ثم همست بصوت متقطع، اختنق بالدموع: يا ودود... يا ودود... يا ودود...
ثم رفعت عينيها إلى السماء، وهي تبكي: يا رب... والنبي يا رب قويني، يا رب خليني أستحمل، خلي اللحظة دي تعدي من غير ما يجرالي حاجة، أنا حاسة إني هموت من الصدمة والوجع.
وأغمضت عينيها بقوة، وأخذت تردد وهي تنتحب: يارب...يارب... ياودود.. ياودود... ياودود... يا رب... قوّيني... علشان خاطر بنتي... علشان أعرف أحضنها بس يارب...
على إتجاه آخر
كانت حور تجلس على الأرجوحة، بينما كان مكي يدفعها برفق، وضحكاتها الصغيرة تملأ المكان بسعادة.
في تلك اللحظة خرجت سلوى إلى الحديقة، وما إن وقعت عيناها على الطفلة حتى توقفت باستغراب.
اقتربت منها بابتسامة دافئة، وانحنت حتى أصبحت في مستواها: يا سلام... مين القمر دي؟
ابتسمت حور بخجل، فقالت سلوى وهي تقرص خدها بدلال: إزيك يا حلوة؟ اسمك إيه؟
ابتسمت الصغيرة وهي تجيب: أنا جنة.
ربتت سلوى على شعرها وهي تضحك: اسمك كمان جميل زيك، عاملة إيه يا جنة؟
أجابت: كويسة.
ثم سألتها بابتسامة: أنتِ جاية مع مين؟
أشارت بيدها نحو سليم، الذي كان يقترب: مع بابا.
التفت سلوي تري ما تشير اليه، ثم عقدت حاجبيها بدهشه: بابا؟!
وفي تلك اللحظة اقترب سليم، وما إن رأته حور مدت ذراعيها نحوه وهي تهتف بسعادة: بابا!
إنحني وحملها بين ذراعيه، فطوقت عنقه بذراعيها وهي تضحك.
ثم قالت بحماس: يلا بقي نروح لماما.
تجمدت سلوى في مكانها.
وانتقلت نظراتها بين سليم والطفلة، بعد استيعاب وهي تردد بلا وعي: ماما؟!
ابتسمت حور وهي تهز رأسها بحماس: أيوة، هنروح لماما.
رفع سليم عينيه إليها، والتقت نظراتهما،ثم قال بهدوء: بعدين يا سلوى.
واستدار وهو يحمل حور بين ذراعيه، متجها إلى داخل الفيلا.
ظلت تتابعه بعينيها حتى أختفى، ثم التفتت إلى مكي تتسأل بذهول: هو اللي سمعته ده بجد؟! مين البنت دي يا مكي؟
تنهد ببطء: تعالي نقعد، وهفهمك كل حاجه.
تحركا وجلسا على المقاعد، فسألته بقلق: قولى بقي مين دي؟ وبتقول لسليم بابا ليه؟ وماما ايه اللى رايحالها جوه؟
ظل صامتا لثواني، يبحث عن الكلمات المناسبة، ثم قال بخفوت: البنت دى تبقي حور.
اتسعت عيناها بصدمه: حور أزاي؟! حور ماتت ودفناها من زمان!
صمت لوهلة يرمش بعينه: لا حور مماتش، طلعت عايشه!
اتسعت عيناها حتي كادت تخرج من محجرهما،وهمست بعدم استيعاب: إزاي يعني؟! إنت أكيد فاهم غلط.
هز رأسه نافيا، وقال بهدوء: أنا فاهم ان الموضوع غريب، وشبه مستحيل، بس دى الحقيقه.
وضعت يدها على جبينها، وبدأت دموعها تنهمر: أكيد بتهزر! مش معقول تكون كل السنين دي عايشة، وإحنا منعرفش، أنا حاسة إنك بتحكيلي مسلسل... مش واقع.
تنهد يمسح وجهه: والله يا سلوى أنا زيك، لحد دلوقتي مش قادر أستوعب ولا أفهم إزاي كل ده حصل، بس أكيد هييجي وقت ونقدر نفهم ونستوعب.
هزت رأسها بدموع لا تتوقف: أستوعب إيه بس؟! عايز تقولي إن بنت أختي كانت عايشة كل السنين دي، وإحنا فاكرينها ميتة؟! يا حببتي يا ماسه..
اقترب منها مكي، وأمسك يدها برفق: اسمعيني يا سلوي، احنا مينفعش ننهار، لازم نبقى أقوياء، علشان نقدر نقف جمب سليم وماسه، هما دلوقتي داخلين على أصعب لحظة في حياتهم، لازم نساعدهم يتأقلموا ويستوعبوا إللي حصل ويعدوه، هما دلوقتي محتاجينا أكتر من أي وقت.
مسحت دموعها بطرف كفها، ثم ابتسمت وقالت بصوت مرتعش: دى حلوة أوي، وشبه ماسه خالص
اومأ لها بابتسامه، فتنهدت وهي تنظر نحو الفيلا: ربنا يعوضهم عن كل الوجع إللي عاشوه، ويجبر كسرهم يارب.
على إتجاه آخر
جلس ماسة على الفراش، تحاول أن تبدو هادئة قدر المستطاع، وهي تنتظر مجيء ابنتها.
وفجأة..
تعالت طرقات خفيفة على الباب.
عرفت أنها هي.
فاتسعت عيناها، وأخذت تنظر حولها باضطراب.
وقفت تنظر حولها باضطراب، فها هي علي بعد خطوة واحده من رؤية ابنتها!!
انسابت دموعها من جديد، تحرق عينيها كما كان الوجع يحرق قلبها كيف ستقف أمامها وتستقبلها بترحاب، وكأنها لم تغب عنها يوما؟ كيف ستخفي كل هذا الألم خلف ابتسامة زائفة؟ كيف؟!
كان الأمر صعبا إلى حد يفوق قدرتها على الاحتمال.
ضربت ساقيها في توتر، بينما تعالت شهقاتها المكتومة وهي تحرك يديها الاثنتين بسرعة وارتباك كالملسوعة، لم تكن تعرف ماذا تفعل، ولا كيف تهدئ ذلك الزلزال الذي كان يعصف بقلبها، ويبعثر ماتبقى من تماسكها.
في الخارج...
رفعت الصغيرة رأسها ببراءة: ماما مش بتفتح ليه يا بابا؟!
ابتسم لها ابتسامة هادئة، رغم التوتر الذي يعتصر قلبه: هتفتح دلوقتي يا حبيبتي، استني بس.
أومأت برأسها في طاعة.
في الداخل...
حاولت ماسة جمع شتات نفسها، وتقوية قلبها، فأرغمت شفتيها علي الابتسام مرة ثم ثانية، ثم ثالثة، لكن في كل مرة كانت ترتسم على شفتيها ابتسامة مرتجفة، لا تمت للفرح بصلة، بل تشبه وجعا يختبئ خلف قناع هش، تخشى أن ينهار عند أول نظرة.
أخذت نفسا عميقا، ثم آخر، وأجبرت قدميها المرتجفتين على التحرك بخطوات مضطربة، حتى وصلت إلى الباب، أدخلت المفتاح في القفل، وأمسكت بالمقبض، لكنها أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تستمد ماتبقى بداخلها من قوة
أخذت نفسها عميقا، ثم ارتدت قناع الهدوء، ورسمت على شفتيها ابتسامة مرتعشة، وفتحت الباب
اتسعت عينا حور بفرحة طفولية فور رؤيتها، وقالت بحماس: مفاجأة! أنا جيت يا ماما.
اتسعت عينا ماسة في وجع، لكنها أجبرت نفسها على ارتداء قناع المفاجأة، فهمست بابتسامة مرتجفة: الله حور...أنتِ جيتي؟!
ابتسمت الصغيرة بحماس، واندفعت تحتضن ساقيها: أيوه، أنتِ وحشتيني أوي، وجيت اعملك مفاجأه.
انهار تماسكها وانهمرت دموعها علي الفور، وهي تهبط سريعا وتحتضنها بقوه: يا حبيبتي، أحلى مفاجأة في الدنيا.
ابتعدت عنها حور تردد بحماس: بابا هو إللي قالي نعملك مفاجأة.
لكن كلماتها المتحمسة لم تجد طريقها إلى عقل ماسة، الذي غرق في تأمل ملامحها التي تشبهها إلى حد أربك أنفاسها.
رفعت يديها ببطء، ومررت كفيها المرتجفتين على وجنتيها، بينما راحت عيناها تجولان فوق تفاصيل وجهها، كأنها تحاول حفظ تفاصيله داخل قلبها.
خرجت الكلمات من بين شفتيها دون وعي، بصوت مرتجف يكاد يختنق: أنتِ حور؟ بجد؟ أنتِ بنتي؟!
اتسعت عينا سليم، وشعر أن ماسة لم تعد السيطرة نفسها، فقرر التدخل قائلا: إيه رأيك في المفاجأه الحلوه دي يا ماما؟ حور مستنياكي من امبارح صح يا حور؟
اومأت الصغيره بلهفه: أيوه أنا مستنياكي بقالي يوم ويوم كتيير اووى.
رفعت يديها الاثنين أمامها: وكل دول كتييير، وحشتيني أوى.
ارتجف قلب ماسة متأثرا بطريقتها في عد الأيام مثلها، فجذبتها إلى صدرها مرة أخرى، تحتضنتها بقوة، وتغرق وجهها الصغير بالقبلات، وهي تردد بلهفه: أنتِ كمان وحشتيني أوى يا حبيبتي.
وقف سليم يراقب المشهد بصمت، وعيناه اغرورقتا بالدموع، متأثرا إلى حد لم يعد معه قادرا على الكلام.
بينما ابتعدت عنها حور تتسأل ببراءة كسرت قلبها: طب ليه كنتي سيباني كل ده بعيد؟ وفضلتي يوم، ويوم، ويوم كتيررر بعيد عني؟
ارتعش قلب ماسة بعنف، وشعرت وكأن كل كلمة تخرج من الصغيرة تغرس سكينا في صدرها.
أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت بصوت متقطع وهي تحاول ألا تنهار: ما هو أنا، أنا كنت مسافرة عشان عشان أجيبلك حاجات حلوة.
هزت الصغيره رأسها: أنا مش عايزة حاجات حلوة، أنا عايزاكي أنتِ!
ادمعت عيناها وهي تكمل ببراءة: كل العيال صحابي في الحضانة عندهم ماما بتوديهم وتجيبهم، وتعملهم تسريحة حلوة وأنا لأ، كنت بروح لمامت أروى صاحبتي، وكانت ساعات تعملي تسريحات وحشة، وكنت بقعد ارسمك واخلي رحمه تكتبلك جوابات أنت وبابا، واتصلت بيكوا كتير.
مالت بشفتيها بحزن طفولي: بس مش كنتوا بتردوا عليا
لم تعد ماسة قادرة على الاحتمال جذبتها بقوة إلى صدرها، وأغلقت ذراعيها حولها وهي تردد بين شهقاتها: أنا آسفة يا عمري، آسفة والله آسفة، مش هبعد عنك تاني أبدا، هفضل جنبك علطول، مستحيل أسيبك تاني ثانية واحدة.
دفنت حور وجهها في رقبة أمها تنتحب بحرقة: متسبنيش تاني يا ماما والله ماهعمل شقاوة، أنا بحبك أوي أنتِ وبابا، وعايزة أعيش معاكم علطول زي صحابي، وهشرب اللبن وأكل كوسه والله، بس خليكم معايا ومش تسافروا بعيد تاني.
تأثرت ماسة من حديثها، ازدادت تشبثا بها، وكأنها تعتذر عن ال 5سنوات، كامله من الحرمان بحضن واحد.
وقالت وهي تقبل رأسها ووجهها: وإحنا كمان بنحبك أوي أوي يا روح ماما، ومش هنبعد عنك تاني والله أبدا.
مررت يدها في شعرها، ثم أغمضت عينيها تستنشق رائحتها بشوق أم حرمت من طفلتها لسنوات، وهمست وسط دموعها: ريحتك حلوة أوي.
ثم أبعدتها قليلا، وهمست وهي تتأمل ملامحها بشوق ممزوج بابتسامة باكية: أنتِ حلوة أوي، كنت هموت وأعر...
لكنها توقفت واحتبست الكلمات في حلقها، وكأن الحقيقة صفعتها في تلك اللحظة، فكيف تقول أنها كانت تتمنى معرفة شكلها؟ كيف تعترف لطفلتها أنها تراها لأول مرة؟!
ابتلعت ما تبقى من الجملة، واكتفت بهمس مرتجف: أنتِ بجد حلوة أوي.
ابتسمت حور وهي تمسح دموعها بطرف يدها الصغيرة، وقالت بحماس: وأنتِ كمان حلوة أوي.
ثم اقتربت منها أكثر، وحدقت في عينيها، وقالت وهي تشير إليهما بإصبعيها: عينك شبه عيني!
وضعت كفيها الصغيرين أسفل عينيها، وشدتهما إلى أسفل وهي تحاول أن تثبت الشبه: بصي لونا زي السما والبحر.
ضحكت ماسة رغما عنها، ضحكة امتزجت بالبكاء، ثم قبلت جبينها: أيوة، أنا وإنتِ عنينا شبه بعض، بس أنتِ أحلى مني بكتير.
وضمتها إلى صدرها مرة أخرى، وكأن قلبها أخيرا وجد الجزء الذي ظل ناقصا منه لسنوات.
كان سليم لايزال يراقبهما، والدموع تملأ عينيه من شدة التأثر، أخذ نفسا عميقا، وجلس على ركبتيه أمام حور، وهو يتصنع الغيرة: لا بقى أنا كده هغير، أنتِ معيطتيش عليا زي ماعيطتي على ماما.
تشبثت بحضن والدتها، تردد بدلال: علشان أنا بحب ماما أوي، وطلعت شبهي، أنت لا؟
اقترب منها بخبث: بقى كده؟ طب تعالى هنا...
بدأ يدغدغها، فأطلقت ضحكات متواصلة، وأخذت تتلوى بين ذراعي ماسة وهي تصرخ بصوت مليء بالمرح: الحقيني يا ماما، أبعديه عني!
احتضنتها ماسة أكثر، ولفت ذراعيها حولها بقوة، وهي تضحك: خلاص بقي يا بابا معلش.
لكن سليم عقد ذراعيه أمام صدره، وهو ينظر اليهما بضيق مصطنع: آه بقى، اتحدتوا عليا؟
رفعت الصغيرة رأسها من حضن ماسة، وأخرجت طرف لسانها في مشاكسة، لتتعالى ضحكات ماسة أكثر، بينما لم يستطع سليم مقاومة ابتسامته وهو يتأملهما، شاعرا بدفء تلك اللحظة التي تمنى أن تدوم طويلا.
بينما رفعت الصغيره رأسها تنظر إلي ماسه وتتسأل ببراءه: هو أنتِ كمان عندك اسمين يا ماما؟
رددت باستغراب: اسمين؟!
هزت حور رأسها: أيوة هو عنده اسمين، أنتِ متعرفيش؟
تدخل سليم موضحا: أنتِ نسيتي إني اسمي سعد وسليم ولا إيه يا ماما؟!
اومأت بارتباك: لا، أه أه فاكره
نظرت إليها حور وتسألت: طب وأنتِ كمان ليكي اسمين؟
ابتسمت ماسة وقالت بذكاء: أيوه، أنتِ عارفة اسمي الأول إيه؟
أجابتها الصغيره بحماس: نسمة، بس مش عارفة الثاني؟!
ضحكت ماسة: شاطر اسمي الأول نسمة، وبعدين بقيت ماسة!
قالت حور بسرعة: أنا عندي صاحبتي اسمها ماسة.
اتسعت عينا ماسة ظننا منها أنها تتحدث عن صديقة لها في الحضانة: بجد؟
أومأت: أيوه.
ثم اندست في أحضانها أكثر وهي تردد بحب: بس هحبك إنتِ أكتر، علشان أنتِ ماما.
أغمضت عينيها من شدة التأثر، وبادلتها العناق وهي تهمس: أنا كمان هحبك أوي أوي يا روح ماما.
ابتسمت حور ابتسامة واسعة، وقالت وهي تنظر إلى سليم وماسة معا: أنا فرحانة أوي علشان خلاص بقيت عايشة مع بابا وماما.
لم تستطع ماسة الرد، فقط ضمتها إلي أحضانها أكثر، كأنها تعوضها عن كل السنوات التي حرمت فيها من احضانها. بينما اقترب سليم واحتضنهما معا بابتسامة مرتجفة، اختلط دفؤها بدموع لم يستطع حبسها.
فأصبحت حور في منتصف حضن أبويها، محاطة بذراعيهما من كل جانب، رفعت رأسها تنظر إليهما بابتسامة بريئة: أنا بحبكم أوي.
لم يستطع أحد منهما الرد، وأكتفيا بتشديد، احتضانهما لها في صمت، وكأن ذلك الحضن وحده كان أبلغ من كل الكلمات، وأقدر اعتذار عن غياب لم يكن باختيارهما.
وبعد دقائق.
ابتعدت ماسة تمسح دموعها، وتقول بابتسامة: تعالى بقى أعرفك على تيتة، وجدو، وخالتو، وخالو، كلهم مستنيين يشوفوكي وهيحبوكي أوي.
نظر لها سليم من طرف عينيه يذكرها إنهم حتى الآن لا يعلمون شيئا، لكنها لم تنتبه..
بينما اتسعت عينا حور بحماس: أنا عندي كل دول؟! امال هم كانوا فين وليه مش بيجوا يزوروني؟
رمشت بعينيها: معلش يا حبيبتي، هم كانوا مسافرين معانا ولسه راجعين .
مالت شفتيها بحزن: السفر ده وحش، يارب يموت عشان بيخليكم تبعدوا عني.
تألمت ماسة، واغرورقت عينيها بالدموع: خلاص مش هنبعد عنك تاني ابدا، هفضل علطول جنبك.
حور: هي خالتو اسمها ايه؟
اجابتها: سلوى
شهقت تقاطعها وهي تضع يديها علي فمها: هيييه، شوفتها تحت.
ثم اقتربت من ماسة وهمست بصوت منخفض، وكأنها تقول سرا مهما: بس يا ماما هي خالتو مش بتغسل وشها خالص؟
رمشت باستغراب: ليه؟
أشارت إلى وجهها الصغير وهي تفسر: أصل عندها نقط كتير في وشها، قوليلها تغسل وشها.
لم تستطع ماسه التماسك، وانفجرت تضحك من قلبها، وشاركها سليم الضحك هو الآخر حتى دمعت عيناه، فقد استمع إلي كلماتها.
سليم بانفاس متقطعه من بين ضحكاته: يا نهار أبيض! دى طلعت لمضه أكتر منك بكتير!
ضحكت ماسة حتى ادمعت عيناها، ثم قبلت رأسها، وقالت موضحه: لا يا قلب ماما ده اسمه نمش، حاجة طبيعية ربنا بيخلق شوية ناس بيها علشان يخليهم مميزين وجمال.
أومأت ببراءة: أنا فكرتها نسيت تغسل وشها!
ضحكت: لا متخافيش بتغسله.
ثم قالت بحماس: تعالي نروحلها، دى هتحبك أوى.
نظر إليها سليم نظرة سريعة، وقال بمرواغة: بس الباقي لسة مجوش، استني لما يجوا ونفاجئهم كلهم!
رمشت ماسة باستغراب لثواني، ثم انتبهت لما يقصده: أيوة صح، صح.
ثم التفتت إلى حور، وقالت بلهفه وكأنها لا تريد تضيع ثانية واحدة معها: تعالي يا حور أحكيلي بقى كل حاجه عنك، مين كان بيأكلك ويشربك؟ ومين كان بيوديكي الحضانة؟ أحكيلي كل حاجة...
نهضت وحملتها إلى الفراش، ثم أجلستها أمامها وهي تتسأل بلهفة: كنت بتقولي لمين يا ماما؟!
ردت بتلقائية: مكنتش بقول لحد، عشان أنا معنديش غير ماما إنتِ بس، مينفعش أقول لحد ماما غيرك، بس رحمه كانت بتلعب معايا وتشربني لبن بالعافية هي وتيتة اسعاد.
صمت لحظه، ثم تسألت بحيرة: هي تيته تبقى تيتة مامتك ولا تيتة مامته؟
تبادل سليم وماسة النظرات، فلم يعرف أي منهما ماذا يقول.
لكن سليم تدارك الموقف بسرعة، وحاول تغير الحديث: يلا أحكي لماما مين عملك الضفيرة الحلوة دي.
أجابت بحماس: بابا
مررت ماسة أصابعها بين خصلات شعرها بحنان: أنا كمان هعملك كل يوم ضفاير أحلى وتسريحات حلوة أوي.
تساءلت حور: وتيتة ورحمة هييجوا يعيشوا معانا؟
ربتت على شعرها: أيوه طبعا يا حبيبتي، أي حد بتحبيه هيجي يعيش معانا.
ابتسمت حور، وقالت بحماس: طب تعالي نلعب تحت في حمام السباحة
ضحكت ماسة: حاضر يا روح ماما، هننزل نلعب.
تدخل سليم: يا ماسة يا حبيبة قلبي نقعد هنا شوية، وبعدين ننزل براحتنا.
نظرت إليه باستغراب: هو فيه إيه؟
تنهد، وقال بالإنجليزية كي لا تفهم حور: ربما علينا الانتظار حتى أستطيع التحدث معهم أولا، تجنبا لفعل أي شيء يخرب علينا القصة.
اومأت برأسها بتفهم، واحتضنت حور: طب بصي خلينا نستنى هنا علي ما بابا يروح يجهزلنا حمام السباحة، ويجيبلك مايوه حلو، وبعدها ننزل أنا وأنتِ، صح يا بابا؟
ابتسم سليم: أيوه طبعا.
ثم اقترب من حور وطبع قبله على رأسها: خليكي بقى قاعدة مع ماما علي ما أخلص.
أمسكت يده بحماس: متتأخرش يا بابا، عشان نقعد نلعب مع بعض، وتحكيلي حدوتة زي إمبارح.
ابتسم بحنان: حاضر يا قلب بابا.
ثم تحرك إلى الخارج.
أما ماسة، فما إن أُغلق الباب، حتى أمسكت كفي حور الصغيرين بين يديها، وأخذت تتأمل وجهها بعشق ولهفة، والكثير من الأسئلة تتزاحم في رأسها، فلم تدرِ بأيها تبدأ. كانت تريد معرفة كل شيء... ماذا تحب؟ ماذا تكره؟ كيف كانت تعيش؟ وما الذي فاتها من عمر ابنتها؟
ابتسمت ابتسامة مرتجفة، وهمست بحنين موجع: قوليلى بيقى يا حبي بتحبي ايه
ثم تداركت لهفتها، فابتلعت ريقها بتوتر، وقالت بخفوت: أنا عارفة كل حاجة طبعا، بس قوليلي تاني..
♥️____________بقلمي_ليلة_عادل.
على إتجاه آخر.
اجتمعت عائلة ماسة في الريسبشن، ومعهم مكي والصدمة تسيطر علي ملامحهم.
دخل سليم بخطوات هادئة.
وما إن رأته سعدية حتى نهضت تتسأل بلهفة: إيه إللي سمعناه ده يا سليم؟! مين دي إللي عايشة؟
اومأ برأسه: اهدوا بس وهفهمكم كل حاجه.
اقترب منه مجاهد، يهز رأسه بعدم استيعاب: يا ابني قولنا كلام يخش العقل، هو فيه ميت بيصحى؟
تنهد طويلا، ثم قال وهو يجلس: هي مماتتش أصلا!
صمت للحظه، ثم أكمل بثقل: عماد خطفها بعد ماتولدت وكان ناوي يقتلها، بس السواق مقدرش وسابها عند ناس يربوها.
وضعت سعدية يدها على صدرها: حسبي الله ونعم الوكيل، يقتلوا حتت لحمة حمرة!! للدرجة دي مفيش في قلبوهم رحمه!!
جلست تردد بقهر: علشان كده مخلوش حد فينا يلمحها، قالوا خلاص كفناها ودفناها.
بكت بحسره: حرقوا قلب بنتي علي ضناها ربنا يحرق قلوبهم!
هز عمار رأسه بعدم تصديق: أنا لحد دلوقتي مش مستوعب!! أنت عرفت أزاي، ما يمكن مش هي وبيلعبوا بيك!
هز رأسه بثقه: هي! عملت DNA والنتيجه طلعت متطابقة.
أخذ نفسا عميقا، وتابع بجدية: هفهكم كل حاجه، بس بالله عليكم ركزوا في كل كلمة هقولها علشان محدش يغلط قدامها.
نظر إليه مجاهد باهتمام: قول يا ابني إحنا سامعينك.
اخذ يسرد لهم كل ماحدث، وهم يستمعون في صدمة، وكأن عقولهم ترفض استيعاب مايسمعونه!
وبعد انتهائه، امتلأت عينا سعديه بالدموع: يا ساتر يا رب هو فيه كده؟ بس الحمد لله يا ابني إنها وقعت بلسانها قدامك، بدل ما كانت يا حبة عيني تعيش محرومه منكم طول عمرها.
بينما تسألت سلوي بتردد: طب والبنت عملت ايه لما شافتك أنت وماسه؟ اتخضت؟ زعلت منكم؟
هز رأسه بابتسامة باهتة: لا خالص، الحمد لله حبتنا من أول لحظة، زي ماقلتلكم الموضوع إن هما حكولها إننا مسافرين وكنا بنكلمها، ده خلانا نقطع شوط كبير جدا معاها
عمار بتأييد: فعلا أحسن حاجة إنهم قالولها إنكوا سافرتوا وفجأة، ورجعتوا تاني
يوسف وهو لا يزال غير مستوعب: يعني بنت أختي طلعت عايشة!
هز مجاهد رأسه: والله الواحد لسه مش قادر يصدق!
مسحت سعدية دموعها: والله العظيم حاسة إني بحلم، اللهم لك الحمد يارب، خد بالك منها بقى يا سليم دي أمانة.
هز مجاهد رأسه مؤيدا: أيوه يا ابني خد بالك منها وكفاية بقى انتقام، دلوقتي بقى في رقبتك تلاتة ماسة واللى في بطنها، وحور.
نظر إليه من طرف عينيه: يعني أسيب حقي وحق مراتي!؟
وضع يده على كتفه: سيب حقك لربنا يجبهولك يا ابني، قول حسبي الله ونعم الوكيل، وربنا هيجيبلك حقك، وهيوريك فيهم يوم أسود من غير ماتخسر نفسك.
ظل صامتا لثواني، قبل أن يتنهد منهيا الحديث: نبقي نشوف الكلام ده بعدين، أهم حاجه دلوقتي حور.
نظر إليهم جميعا، وقال بجدية: أسمعوني كويس، لما تنزل عايزكم تتصرفوا معاها طبيعي، كأنكم عارفينها من زمان، أنا قولتلها إنكم كنتوا مسافرين معانا ولسه راجعين، مش عايز أي غلط قدامها.
أومأ الجميع: حاضر متقلقش.
فتنهد ونهض: طب أنا هروح أجيبها وجاي.
اومأوا برؤسهم في صمت، وأعينهم تتبعه حتي باب الغرفه بترقب.
في الغرفة.
كانت ماسة وحور متمددتين على الفراش، ورأسيهما متقاربان، تضحكان على شيء تحكيه الصغيرة، بينما كانت ماسة تنظر إليها بعينين ممتلئتين بالعشق، وكأنها تحفظ كل تعبير يرتسم على وجهها.
تابعت بحماس: وزعلت منها وخاصمتها، يوم ويوم ويوم، والنهاردة كان المفروض أروح الحضانة وأصالحها، بس خلاص بقي هصالحها لما أروح بكرة، أنا كدة شطورة يا ماما؟
قبلت علي وجنتها: وأشطر شطوره كمان، علشان قولتي الحقيقة.
مدت شفتيها بحزن: تيتة زعقلتي وقالتلي إني...استنى
صمتت وهي تحاول أن تتذكر الكلمة، ثم قالت بجدية طفوله: آه خصابة!
ضحكت ماسه عاليا: قصدك خباصة.
ثم قبلت رأسها بحنان: لا يا حبيبتي، أنتِ مش خباصة، الخباص هو إللي يشوف حاجة ويروح يبلغ من نفسه، لكن أنتِ لما الميس سألتك مكدبتيش، وقولتي الحقيقة، يبقى دي كلمة حق، مش خباصة.
ابتسمت بفخر: أنا مش بعمل كده، عشان تيتة قالتلي عيب نشوف حاجة ونقولها.
اومأت بإيجاب: أيوه كده صح.
سألتها حور بفضول: أنتِ بقى كنتِ مسافرة تعملي إيه؟
ابتسمت بحنان: لما انا قولتك كنت بشتغل علشان اجيب حاجات حلوة لحور الأمورة، بس خلاص مفيش سفر تاني، ولو سافرنا هناخدك معانا، قوليلي روحتي البحر قبل كده؟
هزت رأسها: لا، روحت حمام السباحة بس.
ثم رفعت أصابعها تعد: روحت مرة مع رحمة ومامتها وتيتة،ومرة رحمة بس، ومع مامت أروى.
ثم نظرت لماسه وسألتها فجأه: هو أنا ليه عندى اسمين؟ كل صحابي واحد بس!
أجابتها بذكاء: عشان أنا كان نفسي أسميكي حور، وبابا كان نفسه يسميكي جنة، فسمناكي الأتنين!
سألتها: يعني إيه حور؟!
ابتسمت بتوسع: يعني بنت حلوة أوي، أحلى بنت في الكون.
ضحكت بسعادة: الله، أنا أحلى بنت في الكون! خلاص قوليلي حور علطول، حبيته.
اومات بابتسامه: حاضر.
ثم قالت بحماس: طب أحكيلي بقى لما روحتي حمام السباحة عملتي ايه
في تلك اللحظة، فتح سليم الباب دون أن يشعروا به، ووقف عند الباب يراقب انسجامها معا بابتسامه دافئه.
بينما اغرورقت عيناه بدموع فرحه، وهو يشاهد أمام عينه الحياة التي ظل يحلم بها لسنوات.
بينما ضحكت حور وهي تحكي بحماس: فضلت ألعب كتير، وتيتة تقولي تعالي كلي الأول، وأنا أجري واقولها لا عايزة ألعب في الميه.
أخذت تقلدها وهي تلوح بيديها الصغيرة: وهي تفضل تجري ورايا، وأنا أجري منها.
ثم انفجرت ضاحكة: وبعدين أحمد أخو رحمة جري ورايا هو كمان، وقام وقع كده.
أشارت بيديها كيف وقع على الأرض، فضحكت ماسة عاليا: يا حرام!
ضحكت حور أكثر: فضلت أضحك عليه، واقوله في واحد كبير يقع كده! كان شكله عبيط خالص.
شاركتها ماسه الضحك، بينما تدخل سليم بغيرة مرحة: الله الله، خلاص بقيتي تحبي ماما أكتر مني، نسيتي بابا خلاص؟
التفتت إليه تلقي بنفسها في أحضانه: أنا بحبكم أنتم الاتنين.
احتضنها بقوه، ثم اجلسها علي قدمه، وهو يقبل وجنتها: طب احكيلي كنتوا بتضحكوا على إيه؟
قالت بحماس: كنت بحكيلها على أحمد أخو رحمة.
تسأل بابتسامه: عمل إيه أحمد اخو رحمه؟
وقفت فوق الفراش تمثل له ماحدث: كان بيجري ورايا وبعدين اتزحلق ووقع كده.
ألقت بنفسها على المرتبة وهي تضحك.
فأنفجر سليم وماسة في الضحك.
سليم: أنتِ شكلك شقية، وبتحبي الميه أوي زي ماما.
هزت رأسها بحماس: أه، هننزل نلعب؟ جبتلي المايوه؟
اومأ بابتسامه: هجيبلك، بس ننزل نسلم على تيتة، وجدو، وخالو، وخالتو الأول.
اتسعت عيناها بفرحة: هم جهم!
اومأ برأسه: أه، ومستنينك برا.
سألته بسرعة: ورحمة وتيتة؟
ابتسم بحنان: رحمة وتيتة هيجوا بكرة أو بعده، مش هيتأخروا، متقلقيش.
ابتسمت بسعادة، وامسكت يده تجذبه بحماس: طب يلا، عايزة أشوفهم كلهم.
حملها بين ذراعيه، والتفت يقول بمرح: هتيجي معانا يا ماما؟
وضعت يدها علي قلبها، تحاول استيعاب حجم السعاده التي تملأ قلبها: جاية .. جاية.
ثم تحركت خلفهما
♥️ _______________بقلمي_ليلة_عادل
فيلا مصطفى٤م
دخل بسيارته، ثم ترجل منها اولا، وتبعته آلاء بملامح جامدة، خالية من أي تعبير.
دخلا معا، حيث كانت انهار ونبيلة تجلسان تتبادلان أطراف الحديث.
فور أن رأتهما، ابتسمت انهار: حمد لله على السلامة، أنا قولت هتيجوا بالليل.
ابتسم مصطفى ابتسامة خفيفة: الله يسلمك، ده كان يوم واحد بس.
نبيلة بحنان: حمد لله على سلامتكم يا حبيبي.
اكتفت آلاء بابتسامة باهتة: الله يسلمك، عن أذنكم هطلع أستريح شويه، الطريق كان طويل.
لم تنتظر ردا، وصعدت فورا.
تبعها مصطفى بنظره للحظات، ثم التفت إليهما: أنا كمان هطلع آخد دش وأرتاح شوية.
أومأت نبيلة: ماشي يا حبيبي، وأنا هحضر الغدا عشان ناكل كلنا سوا.
اوما بصمت، وصعد هو الآخر.
ساد الصمت لثواني بعد اختفائهما.
نظرت نبيلة إلى انهار، وهي تعقد حاجبيها: إنتِ مش حاسة إن في حاجة غريبه؟ شكلهم مش طبيعي! كأنهم زعلانين.
هزت انهار كتفيها: يمكن تعبانين من الطريق، السكة مش قليلة برضو.
تنهدت نبيلة بعدم اقتناع: يمكن!
ثم نهضت تقول: أنا هروح أحضر الغدا.
همت أنهار بالنهوض: استني، اجي أساعدك؟
قاطعتها نبيلة بابتسامة: لالا، خليكي متتعبيش نفسك، اصلا الاكل جاهز يدوب هسخنه بس.
وبالفعل، لم يستغرق الأمر وقتا طويلا، فقد كانت قد أعدت معظم الطعام مسبقا، ولم يتبقى سوى ترتيبه على السفرة.
بعد دقائق، نادت عليهما، فتجمع الجميع حول المائدة وبدأوا يتناولون الطعام لكن كان هناك شيء واضح، مصطفي وآلاء لا يتبادلان أي حديث!
وإن تحدث أحدهما، جاءت إجابته مختصرة وباردة، وكأن بينهما حاجزا غير مرئي، لم يخف ذلك على نبيلة، ولا انهار، بينما حاولت عائشه كسرت الصمت وهي تتسأل بابتسامه: انبسطتوا بقى هناك؟
صطفي وهو يواصل تناول طعامه: طول اليوم كنا في المؤتمر، وبعدها أنا تعبت، ومقدرتش أنزل خالص، ففضلنا في الأوضة.
نبيلة بعتاب: ملكش حق يا مصطفى، بقي واخد آلاء معاك الساحل وفي الآخر متنزلهاش البحر!
ابتسم ابتسامة باهتة: معلش بقى، المرة الجاية إن شاء الله.
اكتفت نبيلة بالنظر إليه، بينما عاد الصمت يسيطر على المائدة من جديد.
وبعد أن انتهوا من تناول الطعام، نهضت آلاء سريعا: عن إذنكم هطلع أنام.
غادرت قبل أن يعلق أحد وبعدها مباشرة، نهض مصطفى هو الآخر: وأنا كمان هطلع أرتاح شوية، عن أذنكم.
وغادر هو الآخر.
تبادلت نبيلة وانهار نظرة صامتة، فقد بدا واضحا أنهما لا يهربان من التعب، بل من أي سؤال قد يطرح ويكشف ماحدث.
قصر الراوي٤م
كانت لوجين تتحرك بسعادة، تعلق البالونات وترتب الزينة بابتسامة لا تفارق شفتيها، وكلما انتهت من شيء، وقفت تتأمله بإعجاب، وهي تتخيل رد فعل ياسين عندما يأتي ويري كل هذا.
وبعد قليل، فتح ودخل ياسين.
توقفت خطواته وهو ينظر حوله باستغراب، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة: إيه ده، عاملالي مفاجأة؟
هزت رأسها بعينان تلمعان بالسعادة: أيوه، مفاجأة كبيرة كمان.
أمسكت يده بحماس: تعالى معايا.
اغلقت الباب، وسحبته إلي الداخل، ثم وقفت ننظر إليه بعينين مليئتين بالعشق: قولي إيه أكتر حاجة نفسك فيها دلوقتي؟
لف ذراعه حول خصرها، وجذبها إليه وهو يبتسم: نفسي أخدك ونسافر، ونقفل على نفسنا الدنيا كام يوم.
ضحكت بخفة وهزت رأسها: غير السفر.
رفع عينيه يفكر للحظات، ثم عاد إليها: مش عارف!
ابتسمت أكثر، ووضعت يده فوق بطنها، وهمست وهي تكاد تطير من الفرحة: تفتكر فيه خبر أحلى من ده؟
تجمد بصدمه، وهو ينتقل بعينيه بينها وبين يده الموضوعه علي بطنها، بقد فهم قال بصدمه: بجد!
هزت رأسها عدة مرات، ودموع السعاده تلمع في عينها: أيوه، أنا حامل!
ظل يحدق فيها لثواني بعدم استيعاب.
وفي لحظة، جذبها إليه بقوة، يضمها بين ذراعيه ضمة كادت تخطف أنفاسها، وهو يردد بفرحه: مبروك يا جوجا، هتبقي أحسن مامي في الدنيا.
ثم رفعها وأخذ يدور بها في أنحاء الغرفة كطفل تلقى أجمل هدية في حياته.
علي اتجاه آخر.
جلس رشدي على الأريكة، وأمامه زجاجة خمر وكأس، وطبق صغير به بودرة بيضاء، اشعل سجارة تلو الأخرى، حتى امتلأت الطفاية بأعقاب السجائر.
كانت ملامحه مثقلة بالحزن، وعيناه تائهتين بين الألم والحيرة، لم يعد يفهم ما الذي يحدث حوله، كل مايعرفه أن هناك شيئا كبيرا وقع لكنه يجهل ماهيته.
وأكثر ما كان يؤلمه أنه لم يعد قادرا حتى على رؤيتها، فبعد خروجها من المستشفى، شددت عائلتها الحصار عليها، حتي أصبح الوصول إليها شبه مستحيل.
ظل التفكير ينهش رأسه، حتي كاد يفتك بها، فإن لم تخبرها ماسة ولا فايزه ولا عماد بشيء، فما الذي حدث إذا؟!
ظل السؤال يطرق رأسه بلا رحمة، حتى شعر وكأن مطرقة تهشم أفكاره.
زفر بعصبية، وأمسك زجاجة الخمر، ثم ملأ الكأس وارتشفه دفعة واحدة.
لكن الضجيج داخل رأسه لم يهدأ امسك طبق البودرة، وظل يتأملها للحظات، ربما يستطيع أن يسكت ذلك الضجيج الذي ينهش رأسه.
اقترب، واستنشق القليل، ثم عاد يسند ظهره إلى المقعد، وأغمض عينيه للحظات، وكأنه ينتظر أن يعم الصمت داخله.
لكن لا شيء يتغير!
ظلت الذكريات تهاجمه بلا رحمة، وصوت تأنيب ضميره يزداد ارتفاعا، حتى شعر أن رأسه على وشك الانفجار ولا يوجد شيء قادر علي إخماد ذلك الجحيم المشتعل في صدره.
انتفض من مكانه، وركل الطاولة أمامه بكل قوته.
فتبعثرت محتويات الطاولة في كل اتجاه، بينما دوى صوت التحطم في أرجاء الغرفة.
أما هو فظل واقفا يلهث، ويقبض على شعره بكلتا يديه، كأنه يحاول انتزاع تلك الأفكار من رأسه، لكن الألم كان أعمق من أن يقتلع، وأقسى من أن يهرب منه
منزل راشد4م
كانت مي ترتب ملابسها في صمت، قبل أن تقع عيناها على ذلك المجسم الصغير، علي شكل حمامه، الذي صنعه رشدي من الأسلاك خصيصا لها.
لا تعرف لماذا شعرت بتلك الغصة التي خنقت أنفاسها فجأة، ولا لماذا عاد كل شيء دفعة واحدة..
مدت يدها ببطء، والتقطت التمثال، تقلبه بين يديها بشرود، بينما كانت الذكريات تتدفق بلا رحمة.
تذكرت يوم أعطاها إياه، وهو يبتسم بفخر كطفل ينتظر كلمات الإعجاب، تذكرت لمعت عيناه وهو يخبرها أنه سهر علي صنعها طول الليل، وأنه لم يفعل ذلك لأحد قبلها، ثم تذكرت نبرته وهو يقول " مرضتش أعملك عروسه، وقولت اخليها حمامه أحسن، لأنها لايقه عليكي؛ رمز للحب والسلام"
اغمضت عينيها فانسابت دموعها بصمت، وانفلتت منها شهقه بكاء وهي تتذكر كيف كانت تؤمن بموهبته، وتدفعه دائما للعودة إلى هوايته التي أحبها.
تذكرت كيف أحبته بصدق، ووقفت بجواره في كل عثراته، إيمانا به، وبأن الحب قادرا على صنع المعجزات.
لكن...
كيف قابل هو كل هذا؟ خانها وخدعها، واخفي عنها ماضي مظلم ملىء بالخيبات.
شعرت بوخزة حادة في قلبها، حتى أنها وضعت يدها فوق صدرها تلقائيا، تحاول تهدئة الألم الذي اجتاحها
ثم تحولت دموعها لبكاء حارق، بينما راحت أصابعها تقبض على التمثال بقوة، حتى انغرست الأسلاك في كفها، لكنها لم تشعر بالألم، فالوجع الذي يسكن قلبها أكبر بكثير.
تمتمت بصوت مكسور من وسط بكائها: إزاي صدقته؟واديته كل الفرص دي؟ ازاى كنت عاميه ومغفله كده؟
قبضت على التمثال أكثر، حتى انثنى جزء منه بين أصابعها، ثم صرخت صرخة مكتومة، وألقت به بعيدا، وكأنها تلقي معه آخر ماتبقي في قلبها من حنين وحب تجاهه.
♥️_____________بقلمي_ليلة_عادل.
فيلا سليم وماسة.
كان الجميع يجلسون في الصالون بترقب، واعينهم مثبته علي باب غرفه ماسه، منتظرين اللحظه التي سينفتح فيها الباب وتخرج منه ابنه ابنتهم الغائبه.
وبعد لحظات، فتح الباب وخرج سليم يحمل حور بين ذراعيه، وماسة خلفهم.
وقفوا جميعا في اللحظة نفسها بتأهب، وهم يحاولون السيطرة علي مشاعرهم كي لا تفضحهم أمامها.
وما إن رأتهم حور، حتي رفعت يديها بحماس: أنا جيت!
شهقت سعدية وهي تضع يدها على صدرها: يا نهار أبيض، الله أكبر!
اقتربت منها ببطء، وعيناها تفيضان بالدموع: دي نسخه من ماسة وهي صغيرة، لأ أحلى كمان.
ثم فتحت ذراعيها: تعالي في حضن تيتة يا روح تيتة.
ارتمت حور بينا ذراعيها، فضمتها سعدية بقوة، وأغرقتها بالقبلات: يا قلب تيتة الله أكبر عليكي، احنا لازم نخبيكي، عشان متتحسديش، إيه الجمال ده كله؟
ثم ضحكت وهي تنظر إلى ماسة: أمك وهي صغيرة كنت بخبيها برضو، علشان بخاف حد يشوفها ويحسدها.
رمشت الصغيرة بعينيها، وسألت ببراءة: أنتِ تيتة مامت ماما؟
ابتسمت حتى ارتجفت شفتاها: أيوه يا قلب تيتة.
ظلت حور تتأمل وجهها قليلا، ثم قالت فجأة: أنتِ كمان عيونك شبهنا، بس أنتِ شبه الزرعة وأحنا شبه السما.
انفجر الجميع ضاحكين، بينما ضحكت سعدية وهي تقبل وجنتها: يا روح قلبي، هاتي بوسة.
مد مجاهد يده، يهتف بلهفه: هاتيها يا سعدية شوية، تعالي يا حبيبتي.
حملها وهو يضحك: إيه القمر ده؟ الله أكبر عليك.
نظرت إليه مبتسمة: أنت كمان حلو يا جدو.
قبلها من وجنتها: يا روح قلب جدو من جوه.
احتضنها وقبل رأسها بحنان، ثم اقترب عمار وهو يمد ذراعيه: وأنا؟ خالو عمار.
وأشار إلى يوسف: وده خالو يوسف.
ثم أشار إلى سلوى: ودي خالتو سلوى.
أومأت حور بحماس: أيوه، أنا شوفتها.
ثم أشارت إلى وجه سلوى بجدية تامة: عندها ممش في وشها، أنا قولت لماما هي مش بتغسل وشها؟ قالتلي لأ عندها ممش.
انفجر الجميع في الضحك.
بينما شهقت سلوى بمرح: يا سلام! بقي أنا مش بغسل وشي؟
قال يوسف وهو يضحك: اسمه نمش يا حور، نمش.
عقدت حاجبيها: هو اسمه ممش.
اقتربت منها سلوى بسرعة وحملتها: تعالي هنا بقى يا بتاعة الممش.
وأخذت تدغدغها، فتعالت ضحكاتها وهي تتلوى بين ذراعيها: لا لا خلاص، هقول نمش نمش.
ضحك الجميع أكثر، بينما أخذها عمار بعدها، ثم يوسف، كل يحملها لدقائق، وكأنهم يعوضون سنوات كاملة ضاعت منهم.
أما هي فكانت تضحك معهم بعفوية وكأنها تعرفهم منذ سنوات.
لف سليم ذراعه حول خصرها، بينما أسندت هي رأسها على كتفه، ووقفا يراقبان المشهد بابتسامه دافئه.
شعر سليم بقلبه يتضخم بدفء لم يعرفه منذ سنوات، فهمس وعيناه لا تفارقان حور: شوفتيها عسل، وبتاخد علي الناس بسرعه أزاى؟
ابتسمت، واغرورقت عيناها بالدموع: كأنها عاشت وسطهم عمرها كله.
ضغط على يدها برفق دون رد، فالكلمات كانت أقل من أن تصف ما يشعر به
وفي تلك اللحظة صفق مجاهد بحماس: طب يلا بقي يا جماعة نقعد في الجنينة الكبيرة بره، علشان حور تشوف المكان كله.
رفعت يدها بحماس: يلا، أنا عايزه العب في حمام السباحه.
خرج الجميع إلى الحديقة الواسعة، حيث كانت الأشجار تحيط بالمكان، والهواء يحمل نسمة هادئة جعلت الجو أكثر دفئا، جلسوا جميعا حول الطاولة الخشبية الكبيرة، بينما كانت حور تتحرك بينهم في سعادة، مرة تجلس في حضن هذا، ومرة تضحك مع ذاك، وكأنها تعرفهم منذ سنوات.
في تلك اللحظة اقترب مكي: خد يا سليم، كراسة الرسم والألوان اللى طلبتها اهي.
أخذها منه، ونادى الصغيرة بابتسامة: حور تعالي.
ركضت إليه بسرعة: نعم؟
مد لها الكراسة وعلبة الألوان: جبتلك الكراسة والألوان دي، عشان توربنا بترسمي حلو إزاي.
شهقت ماسة بابتسامة: إيه ده، أنتِ بتعرفي ترسمي؟
هزت رأسها بحماس: أيوه، برسم بطة، وعربية، وشمس، وشجرة، وآخر مرة في الحضانة اتعلمت أرسم قطة.
ضحكت وهي تقبل وجنتها: يا روح ماما، نفسي أشوف رسوماتك، هي فين؟
التفتت حور إلى سليم وسألته بلهفة: فين كراسة الرسم بتاعتي؟
حك مؤخرة رأسه بإحراج: مجبتهاش.
ثم ابتسم وهو يقول: بس هخلي عمو مكي يروح يجيبلك كل حاجتك، مش كده يا عمو مكي.
اومأ فورا: آه طبعا، بكره هتكون كل الحاجه عندك.
اومأت برأسها، ثم جلست على الأرض وفتحت الكراسة، ورفعت رأسها إليهم بحماس: اقعدوا جنب بعض، علشان ارسمكم كلكم.
انفجروا ضاحكين، ثم بدأ كل واحد منهم يجلس بجوار الآخر كما طلبت.
قالت وهي تشير بإصبعها الصغير:لا لا خالو يوسف جنب خالتو سلوى، وتيتة هنا وجدو هنا، وبابا يقعد جنب ماما، وعمو مكي جمبه.
امتثلوا جميت لأوامرها، فجلست أمامهم، وبدأت رسمهم بكل تركيز، كانت ترفع رأسها كل دقيقة تنظر إليهم ثم تعود للرسم مره أخري، فكانوا يتابعونها بابتسامات لا تفارق وجوههم.
بعد دقائق طويلة، رفعت الكراسة بحماس: خلصت!
اجتمعوا حولها، كانت الرسمة طفولية جدا، بخطوط بسيطة، لكن كل شخص فيها كان واضحا، والجميع ممسكون بأيدي بعضهم، وفي المنتصف رسمت نفسها بين سليم وماسة.
شهقت سعدية: يا نهار أبيض، دي أحلى رسمة شوفتها في حياتي.
ضمتها ماسة هي تدعبها من بطنها: ايه الحلاوه دي، جميله خالص.
أما سلوى فأخرجت هاتفها بسرعه: استنوا محدش يتحرك.
وبدأت تلتقط لهم الصور، وصورا أخرى لحور وهي تحمل رسومتها بكل فخر ثم جلست بجوارها وأخذت تصورها وهي تضحك.
وفجأة رفعت حور رأسها وقالت بحماس: أنا عايزة أنزل حمام السباحة.
ماسة بحماس: حاضر يا حبيبتي، يلا ننزل
سليم: هتنزلوا بايه؟ أنا لسه مجبتلهاش مايوه!
رفعت ماسة حاجبها: مش مهم ننزل بهدومنا.
هز رأسه معترضا: لا مش شكل لطيف!
ضحكت أكثر: وإيه يعني؟ إحنا مش في القصر عند أمك، فك شوية.
ثم مدت يدها لحور: تعالي ننزل يا حور.
لكن الصغيره هزت رأسها بتذمر وهي تعقد يديها أمام صدرها: لا أنا عايزة مايوه.
ابتسم سليم بانتصار: شوفتي؟ دى جينات عيلة الراوي، أخيرا طلعت واخده حاجه مني.
ضحك الجميع علي كلماته، بينما علقت سعديه: طالعه اليطه زيك.
التفت إلى مكي: معلش يا مكي، هتعبك معانا.
داعب شعر حور بابتسامه: تعب حور هانم راحه، نص ساعه وبيبقي عندك أحلي مايوه.
رفعت حور بحماس: هتهولي لونه بمبي وعليه نجوم.
ضحك عاليا: حاضر.
ربتت ماسه على شعرها: يمكن ميلاقيش اللى أنتِ عايزاه، بجيب أي مايوه وخلاص.
ابتسمت وتابعت: وبكرة أنا وبابا وخالتك سلوى هناخدك، ونجيبلك كل حاجة نفسك فيها.
اتسعت عينا حور: كل حاجة؟
اومات: أيوه كل حاجة.
قفزت من مكانها: ييييه!
غادر مكي، بينما نهضت سعدية تقول بسعاده: وأنا بقى هدخل أعملك أكل يخليكي تاكلي صوابعك وراه.
وضعت حور يديها على فمها، ورددت ضاحكه: مينفعش آكل صوابعي يا تيتا! لو كلتهم مش هيبقى عندي صوابع وهتوجع، اصلا محدش بياكل صوابعه.
انفجر الجميع ضاحكين، بينما اقتربت سعديه تقبل خدها: يعني الواد ياكلك من طعامتك دى ولا يعمل ايه هاا، يا حببتي قصدي الأكل هيبقى طعمه حلو أوي.
بدأت تعد على أصابعها: هعملك بط وديك رومي، ومحشي.
قاطعتها الصغيرة بسرعة: لا أنا بحب الفراخ والبطاطس المحمرة والمكرونة بالبشاميل والمحشي.
ضحكت سعدية: حاضر، هعملك كل اللي بتحبيه.
بينما قالت ماسة وهي تشير إلى الأرجوحة: تعالي يا حور نروح نتمرجح.
أجلستها عليها، وبدأت تدفعها برفق، كانت الصغيرة تضحك بصوت عالي، وشعرها يتطاير مع الهواء.
ظلوا يتناوبون على دفع الأرجوحة، مرة سليم، ومرة ماسة، ثم عمار ويوسف، حتى أصبحت ضحكات حور تملأ الحديقة كلها.
كانت ترفع قدميها في الهواء وهي تصرخ بسعادة: أعلى أعلى يا بابا!
ضحك وهو يزيد دفعتها قليلا: كده؟!
اومات: ايوه.
وفجأة ظهر مكي من بعيد وهو يحمل عدة أكياس: أحلي مايوه، لأحلي حور في الدنيا.
قفزت من فوق الأرجوحة وركضت نحوه بأقصى سرعتها: هاته... هاته!
أعطاها الكيس، ففتحته بسرعة، وأخرجت مايوها أزرق بلون البحر، مزينا بنجوم صغيرة فضية.
شهقت بسعادة: الله حلو أوي!
ثم ركضت إلى ماسة: ماما يلا لبسيني بسرعة.
ضحكت وهي تمسك يدها: يلا يا حبيبتي.
ودخلتا إلى الغرفة، بينما التفت سليم إلى مكي بجدية: خلي الحراس يرجعوا ورا، متخليش حد يقرب من هنا خالص، ومش عايز أوصيك يا مكي، اكشف عليهم وفتح عينك كويس، أنا حاليا مش حمل اي غدر أو خيانه من حد.
اومأت بثقه: متقلقش يا سليم كل الحراس اللى حوالين الفيلا أنا كاشف عليهم قبل كده وضامنهم برقبتي، واصلا كل يوم بغير تمركزاتهم ومحدش فيهم يعرف أماكن الكاميرات هنا، متقلقش انا مظبط كل حاجه.
ربت علي كتفه بسعاده: متشلش هم حاجه، وعيش وافرح برجوع بنتك.
عانقه سليم بامتنان: ربنا يخليك ليا يا مكي، والله طول ما أنت في ظهري ببقي مطمن فعلا ومش شايل هم حاجه.
ابتعد عنه مكي بمزاح: إيه يا عم مالك بقيت طري الأيام دي كده ليه، شكلك كده محتاجلك ماتشين بوكس ينشفوك شويه.
ضحك سليم عاليا، بينما قال مكي: طب انا هخرج بقي علشان اظبط الدنيا مع الرجاله.
غادر مكي، ودخل سليم يبدل ملابسه هو الآخر.
بعد دقائق خرجت ماسة تمسك بيد حور، كانت الصغيرة ترتدي مايوهها الأزرق، بينما جمعت ماسة شعرها وارتدت مايوه قطعه واحده، وفوقه بيتش دريس أبيض، وخلفهم سليم الذي ارتدى شورتا مخصصها للسباحه.
نظر إلى حور مبتسما: جاهزة؟
رفعت يدها بحماس: جاهزة!
حملها بين ذراعيه، ونزل بها درجات حمام السباحة بهدوء، فشهقت وهي تلمس الماء: ياه ساقعة!
ضحك: هتتعودي.
ثم نزلت ماسة بجواره، لم يكن أي منهما يجيد السباحة سوا سليم، لذلك جعلهم في الجزء الضحل من المسبح، يرشون الماء على بعضهم البعض ويلعبون كالأطفال.
وبعد دقائق ظهر عمار ويوسف وسلوى بعدما بدلوا ملابسهم أيضا.
قفز يوسف في الماء: استنونا!
انضموا جميعا إليهم، وامتلأ المكان بالضحكات ورشات الماء.
في الداخل...
وقف سعديه تتابع إعداد الطعام بنفسها.
وبينما كانت تقلب الطعام، توقفت فجأة أسندت يدها إلى الرخامة وانهمرت دموعها.
اقتربت منها سحر بسرعة: مالك يا حاجة؟
مسحت دموعها: زعلانه ان البت عاشت طول السنين دي عاشت محرومه مننا.
ثم بكت أكثر: 5سنين كامله حرمونا منها.
ربتت سحر على كتفها: الحمد لله إنها رجعت بالسلامة.
أومأت وهي تمسح دموعها: الحمد لله.
ثم قالت: هاتي العصاير والكيك والفشار، اخرجهالهم علي ما الأكل يجهز.
اومأت: حاضر يا حاجة.
في الخارج...
كانت ماسة تضحك وهي ترش الماء على حور.
لكن سليم نظر إليها بجدية: ماسة كفاية بقى.
التفتت إليه باستغراب: متهزرش يا سليم، انا مبقاليش ربع ساعه!
اقترب منها، وأمسك يدها برفق: لا كفايه كده اطلعي.
ردتت بتذمر: سليم.
رد بحسم: يلا.
ساعدها على الخروج، ثم أجلسها على حافة المسبح.
اعترضت حور فورا: ليه طلعت ماما؟ خليها تلعب معايا بالعوامة.
ابتسم وهو يمسح الماء عن وجهها: مينفعش ماما تقعد كتير في الميه عشان متتعبش.
عقدت ماسة ذراعيها: على فكرة أنا مش تعبانة.
نظر إليها بحزم: أنتِ حامل متنسيش، وحملك مضطرب.
اتسعت عينا حور فجأة: ايه ده يا ماما.
وضعت يدها على بطنها: انتِ عندك نونو؟
ابتسمت ماسة بحنان: أيوه.
خرج سليم وهو يحمل حور بين ذراعيه، بينما جاءت سلوى وأحضرت لها منشفة صغيرة ولفتها حولها.
جلست حور بجانب ماسه ووضعت كفها الصغير على بطنها: يعني هيبقى عندي أخوات؟
ضحكت ماسه: نفسك يبقى عندك أخوات؟
هزت رأسها بحماس: ايوه، زي داليا وأروى وعمر.
سألها عمار مبتسما: مين دول؟
أجابت: صحابي في الحضانة.
ثم عادت تنظر إلى بطن ماسة: هو فاضله قد إيه؟
أجابت: حوالي 6 شهور.
وضعت أذنها على بطنها: يعني هو دلوقتي جوه؟
ضحكت ماسة وهي تمرر يدها علي شعرها: أيوه.
ابتعدت، وظلت صامتة للحظات، ثم قالت بجدية: طب هو اشمعنا يعيش معاكوا وهو صغنن وأنا لأ؟
ساد الصمت للحظة
تابعت ببعض الغيره: خلوه هو كمان يروح يعيش مع تيتا اسعاد يوم ويوم كتير زى!
تبادلوا جميعا النظرات، وكل منها يستجدي من الآخر إيجاد ردا مناسبا.
تنحنح سليم قائلا: طب وهيهون عليكي يعيش بعيد عننا لوحده؟ هو أنت مش هتحبيه!؟
هزت رأسها سريعا ببراءه: لا والله هحبه خالص وهاخد بالي منه، خلاص مش تخليه يروح، أنا هحبه خالص.
تنفس الصعداء، وأيقن أن ما حدث لم يكن سوى ناقوس خطر يذكره بضرورة العمل مع ياسر على احتواء ذلك الأمر، قبل أن يقودهما إلى عواقب لا تحمد عقباها.
أخرجه من شروده، جذبها ليده: يلا يا بابا تعال العب معايا، وأنت يا ماما اقعدي متلعبيش عشان النونو.
ثم وضعت قبله على بطنها
ضحك الجميع
فأشارت لهم: يلا يا يوسف، وإنت يا عمار، يلا يا سوستا.
شهقت سلوى: مين دى اللى سوستا؟!
هزت رأسها: أنتِ! كلهم بيقولولك سوستا.
خلعت سلوى الشبشب، وركضت خلفها: أنت ايه حكايتك معايا بالظبط، مره مش بغسل وشي، ومره سوستا، تعالي هنا، والله لاوريكي
صرخت حور، وأخذت تجري حول المسبح.
ركضت سلوى خلفها، حتى أمسكتها أخيرا: مسكتك!
ثم حملتها وقفزت بها إلى الماء، تعالت صرخاتها وضحكات الجميع مرة أخرى، وامتلأ المكان بسعادة حقيقية عوضت شيئا، ولو قليل من سنوات طويلة سُرقت منهم قسرا.
قصر الراوي
دخل طه ومنى بخطوات هادئة.
كانت ملامح منى مختلفة تمامًا عن السابق؛ وجهها استعاد شيئا من نضارته، وعيناها أصبحتا أكثر صفاء.
في تلك الأثناء، كانت العائلة مجتمعة حول مائدة العشاء. ابتسمت منى والقت التحيه بهدوء: مساء الخير.
وما إن وقعت عينا أبنائهما عليهما، حتى قفزا من فوق مقعديهما وركضا نحوهما بحماس: بابا ماما
فتح طه ذراعيه، يضمهما بقوة، بينما احتضنتهما منى وهي تضحك لأول مرة منذ وقت طويل.
رفع عزت رأسه عن الطعام، ونظر إله طه قائلا بعتاب: ما لسه بدري!
بينما أضافت فايزه باستهجان: سافرتوا فجأة، ورجعتوا فجأة! وفي أكتر وقت كان المفروض تكونوا موجودين فيه هنا.
تنهد طه: الموضوع كبير يا هانم.
قطب عزت حاجبيه بضيق: إيه أكبر من الكارثة إللي سبتنا فيها وسافرت مع مراتك، وأنا بين الحياة والموت؟
خفض طه رأسه: هتعرف كل حاجة يا باشا، بس بعدين.
في تلك اللحظة، حولت منى بصرها إلى رشدي، وقالت بهدوء ذات معنى: عامل إيه يا رشدي؟
رفع عينيه إليها لثواني، ثم أعادها إلي طبقه مره أخري وأكمل طعامه بعدم اهتمام.
بينما نظر عزت بينهما، وقال بحزم: بعد العشا، لازم أفهم سبب سفركم المفاجئ.
أجابت منى بهدوء: احنا جايين تعبانين، بكرة هتعرف كل حاجة يا باشا.
ثم عادت بعينيها إلى رشدي مرة أخرى، بنظرة عقدت فيها العزم على استرداد حقها، مهما كلفه الثمن.
♥️________________بقلمي_ليلة_عادل.
فيلا سليم وماسة١١م.
وبعد يوم طويل امتلأ باللعب والضحكات، بدأت حور تفرك عينيها الصغيرتين، وقد غلبها النعاس.
انتبهت لها ماسة، التي لم ترفع عينيها عنها، وربتت على خصلاتها بحنان: إيه يا روحي، عايزة تنامي؟
هزت الصغيره رأسها: أممم.
ابتسمت ماسة: حاضر يا حبيبتي، تعالي نروح اوضتنا عشان ننام.
انحنت لتحملها، لكن سليم أوقفها سريعا: استني هشيلها أنا.
نظرت إليه: سيبني أشيلها يا سليم متخافش.
هز رأسه معترضا: لأ، أنتِ حامل!
ابتسمت حور وهي تشير إلى بطن ماسة: أيوه يا ماما، مينفعش تشيليني علشان عندك نونو في بطنك، أروى مامتها مش كانت بتشيلها عشان النونو.
ضحكت ماسة رغم دموع السعادة التي لم تفارق عينيها: ماشي يا ستي، خلي بابا هو إللي يشيلك.
حملها سليم، فالتفتت تلوح للجميع: باي كلكم، أشوفكم بكرة.
ابتسم الجميع ولوحوا لها: باي يا حبيبتي، تصبحي على خير.
ألقى سليم تحية المساء، ثم توجه هو وماسة إلى غرفتهما.
دخلا الغرفة، وأنزل حور برفق على الفراش، بينما اتجهت ماسه إلي حقيبتها وأخرجت بيجامة، وعادت تساعدها علي ارتداءها بابتسامه: البيجامات الحلوة دي بابا إللي جابهالك؟
هزت رأسها: أه.
راقبهما سليم بابتسامة: بكرة ننزل نجيبلك لبس تاني، وكل إللي نفسك فيه.
قفزت بحماس: وتعملي أوضة زى ما قولتلي؟
ضحكت ماسة: طبعا.
رفعت يديها تشرح بحماس: عايزاها شبه بيت باربي.
ضحك سليم وربت على شعرها: واحلي من بيت باربي كمان، هعملك أحلى أوضة في الدنيا.
وبعد أن انتهت من ارتداء البيجامة، ابتسمت لها ماسة بحب: النهاردة هتنامي في حضني أنا وبابا.
ابتسمت حور بسعادة: ماشي، هاتوا الأرنب كمان.
التقط سليم الأرنب وناوله لها، فاحتضنته بقوة، وقبلته، ثم تمددت على الفراش.
أحكمت ماسة الغطاء عليها، ثم مسحت على صدرها بابتسامه: هروح أنا وبابا نغير هدومنا ونرجعلك علطول، ماشي يا روحي؟
هزت رأسها وهي تحتضن الأرنب، وتقاوم النعاس الذي سيطر علي عينيها: ماشي.
دخلا غرفة خلع الملابس.
وبينما كانت ترتدي ملابس النوم، التفتت إليه بعينين تلمعان بالسعادة: سليم، إحنا لازم نجيبلها لبس كتير أوي، وكل إللي نفسها فيه، ونعملها أوضة حلوة أوي.
ابتسم وهو يرتدي تيشرته: أكيد طبعا، أنا بس جبتلها كام طقم مؤقتا لحد مانروح أنا وإنتِ ونجيبلها كل حاجة بنفسنا.
قالت بحماس طفولي: ونجيبلها كراسات رسم، وألوان، وألعاب وكل حاجة بتحبها.
اقترب يحتضنها بحنان: هنجيبلها كل حاجة يا ماسة، مش هنخلي نفسها في حاجة أبدا.
أغمضت عينيها داخل حضنه، وهمست بصوت يرتجف من فرط السعادة: أنا فرحانة أوي يا سليم، حاسة إني بحلم، وخايفة أصحى وألاقي كل ده مش حقيقي.
ربت على ظهرها: لا المرة دي مش حلم، المرة دي ربنا بيعوضنا زرجعها لحضننا بجد.
ابتعدت عنه، ومسحت دمعة فرحة هربت منها رغما عنها: طب تعالى نرجعلها بقي، عشان منتأخرش عليها.
أومأ برأسه، وخرجا معا، فوجدا حور قد أغلقت عينيها، تغط في نوم عميق وهي تحتضن الأرنب الصغير.
اقتربت منها ماسة وتمددت بجوارها، ثم أسندت يدها إلي خدها، تتأملها بدموع فرحه، وكأنها تخشى أن تغمض عينيها فتختفي من أمامها.
بينما تمدد سليم على الجانب الآخر، ونظر لها فلاحظ الدموع التي تلمع في عينيها وتهدد بالهبوط، فمرر كفه علي وجنتها برفق: طب ليه الدموع؟
هزت رأسها وهي تنظر إلى حور: مش قادرة يا سليم، لحد دلوقتي مش قادرة أستوعب، أنا فرحانة أوي، بس في نفس الوقت موجوعة أوي!
تنهدت، وهمست بتأثر: شوف عسولة أزاي؟! كان نفسي أعيش معاها وهي صغيرة، أكيد كانت عسولة أكتر من كده، كان نفسي أربيها، وأشوف أول خطوة، وأول كلمة، وأول ضحكة، كان نفسي أعيش معاها كل الذكريات دي..
خرجت شهقة مكتومة من بين شفتيها: كل ما أبصلها وهي بتتكلم أو تضحك، بغير أوي من أي حد عاش معاها كل السنين دي وأنا لأ، كان نفسي أكون أنا كل ذكرياتها مش رحمة مش تيتة إسعاد!
رمش بتأثر، ثم أمسك يدها وأشار نحو الشرفة: طب تعالي نقعد في البلكونه، علشان متصحاش.
خرجا إلى الشرفة، وأغلق الباب خلفهما.
وقفت ماسة تستند إلى السور، تحاول أن تلتقط أنفاسها.
اقترب منها سليم، ووضع يده على كتفها: يا روح قلبي هوني علي نفسك شويه، أنا كمان كان نفسي أعيش معاها كل الذكريات دي، وغيران زيك ويمكن أكتر كمان.
صمت لحظة، ثم أكمل: بس إللي حصل حصل، وأهم حاجه دلوقتي إنها رجعت لحضننا تاني!
نظر إليها بثبات، وتابع بحكمة: أنا مؤمن إن ربنا ليه حكمه في كده، ورجعالنا في الوقت الصح، إللي بقينا فيه قادرين نحميها، ونربيها، ونعيش معاها من غير خوف..
أخذ نفسا عميقا، وأكمل: افتكري إحنا كنا عاملين أزاي وقتها، أنا كنت في أسوأ حالاتي وأنتِ كمان، لو كانت حور معانا وقتها كانت اتبهدلت معانا، واستخدموها ضدنا، ويمكن كانوا قتلوها بجد!
ابتلع غصته، وأمسك بيديها: صدقيني يا ماسة رغم الوجع اللى إحنا حاسين بيه ده، بس ربنا كان بيحميها بطريقته، حافظ عليها ورجعالنا في الوقت اللى نقدر نحضنها فيه من غير خوف، ونعيشها في بيئة مستقرة.
همست والدموع لا تزال في عينيها: بس أنا زعلانة وموجوعة أوى.
ابتسم بحنان، ومسح دموعها: عارف، ومش هقولك متزعليش، أزعلي براحتك لكن مع الوجع ده، أفرحي كمان..
نظر إلى حور النائمة، وقال بابتسامة دافئة: بصي عليها، الحمد لله متربية كويس، وشكلها مكانتش محرومة من حاجة، مؤدبة، وذكية، وكل حاجة فيها جميلة، وبتعرف تحب، دي نعمة كبيرة يا ماسة، وربنا كتبلنا من النهاردة نكمل معاها باقي عمرها، ونعوضها، ونعوض نفسنا، عن كل السنين إللي فاتت.
وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها، فجذبها إلى صدره يضمها بقوه وكأنه يحاول جمع شتات قلبها بين ذراعيه. وعيناه تلمعان بالدموع التي قاومها بصعوبة، وهو يربت عليها بصمت.
فيلا مصطفى،11م
جلس في الحديقة يدخن سيجارته بشرود.
اقتربت منه نبيلة وعائشة، تحمل إحداهما صينية شاي، بينما تحمل الأخرى قالبا من الكيك، ما إن رآهما حتى نهض بسرعة، وأخذ منهما الصنية وضعهما على الطاولة.
ابتسم وهو يشم رائحة الكيك: تسلم إيدك يا ماما ريحته تحفة.
نبيلة بحنان: بالهنا يا حبيبي.
جلست بجواره: قولي بقى، فيه إيه، مالك؟
رفع كتفيه بتوتر: مفيش.
نظرت اليه بثبات: لا فيه، أنت وآلاء متخانقين ولا إيه؟ وأوعى تقولي لأ، ده أنتم منطقتوش مع بعض نص كلمة، ووشوشكم عاملة زي البيض الممشوش.
انفجر ضاحكا: إيه يا ماما التشبيه ده!
ضحكت عائشة هي الأخرى: ماما عندها حق، إحنا اصلا جايبين الشاي والكيك عشان نقررك.
هز رأسه بابتسامه: حسيت بكده برضو، بس صدقوني مفيش حاجة.
ضيقت نبيلة عينيها، ثم نهضت تقول: أنا عارفه إني مش هاخد معاك حق ولا باطل، عموما أنا هقوم أنام وهسيبلك عائشه، هي الوحيده اللى بتعرف تطلع الكلام منك.
ابتسم مصطفى: تصبحي ع خير يا ماما.
غادرت نبيلة.
انتظرت عائشة حتى اختفت، ثم اقتربت منه وغمزت بمشاكسة، قبل أن تحيط رقبته بذراعها: أعترف بقي مالك؟
ابتسم محاولا تغيير الموضوع: هو إيهاب فين؟
أجابته: بايت في الشغل، وبعدين متحورش، وجيب من الآخر.
أطلق زفرة طويلة: هحكيلك عشان أنا بجد تايه ومخنوق، ونفسي أحكي لحد.
اعتدلت في جلستها تنظر إليه باهتمام: قول، كلي آذان صاغيه.
حك مؤخرة عنقه: الدنيا كانت حلوة جدا وكنا مبسوطين، أنا صحيح كنت تعبان بعد المؤتمر ومقدرتش أخرجها يومها، بس كنت مخطط نقعد يوم كمان وافسحها هناك، كنت عايز أبسطها وكان عندي أفكار كتير، بس إللي حصل امبارح أنا لحد دلوقتي مش فاهم إزاي حصل!
عقدت حاجبيها: ايه اللى حصل؟
أحمر وجهه، وأطرق برأسه: عملت حاجة وهي زعلت.
ضربت ذراعه بخفة: ما تتكلم علطول، هو أنا هسحب منك الكلام، عملت إيه؟
تنحنح بحرج: بوستها!
اتسعت عيناها: يخرب عقلك! علطول كده!
قطب وجهه: متضايقنيش، اتكلمي جد.
ضحكت وهي تهز رأسها: والله بتكلم جد، ايه المشكله دي مراتك! إنتوا مكبرين الموضوع كده ليه؟
خفض رأسه بخزي: علشان مراتي على الورق! أنا وعدتها بكده، ومكنتش قد وعدي!
صمت لحظه، ثم تابع بصدق: أنا مش عارف ده حصل أزاى ولا أمتي، بس أنا بجد حبيتها، واتأكدت من ده الفترة الأخيرة، لأول مرة أحس بالمشاعر دي من بعد ندى، والله ما كان قصدي أي حاجة وحشة، الموضوع حصل فجأة، ولقيت نفسي بعمل كده، بس هي زعلت.
سألته بهدوء: طب قولتلها ايه بعدها؟
زم وجهه بأسف: حاولت اعتذرلها، بس هي قفلت الكلام وقالت مش عايزه اتكلم، ومن وقتها وهي بتتجنب الكلام معايا.
أشارت إليه بيدها: لا بالراحه كده وأحكيلي بالتفصيل ايه اللى حصل؟
قص عليها كل ماحدث منذ تعلق الطرحة، حتى عودتهم اليوم.
وما إن انتهى، ضرب كفا بكف: يا ابني ماطالما بادلتك البوسة يبقى كانت موافقة، وبتحبك هي كمان!
نظر إليها بعدم اقتناع: يا سلام؟ عرفتي منين؟
خفض بصره: آلاء لسه صغيره، أكيد فكرت إني استغلتها.
ابتسمت بثقة: لو كانت فكرت كده بجد كانت لطشتك قلم تولك، اسمع مني احنا بنات ونفهم بعض كويس، هي جريت علي الحمام لأنها اتكسفت، أنت بقي بدل ما تحاول تعتذر كان المفروض تقولها الحقيقه علطول.
تسأل: حقيقة إيه؟
أجابت بابتسامه: إنك بتحبها، وإن إللي حصل ده كان من قلبك، مش لحظة شهوة ولا اندفاع.
اومأ باستنكار: أنتِ بتهزري؟
هزت رأسها بيقين: والله العظيم لأ، صدقني لو آلاء مبتحبكش كان رد فعلها هيبقي عنيف ومختلف، ولما قفلت في الكلام أكيد كانت عايزه منك إصرار، هو أنا إللي هقولك يا صاصا.
ظل صامتا، ثم قال بصوت منخفض: حتى لو كلامك صح، إحنا مننفعش لبعض!
عقدت حاجبيها: ليه؟
أجاب بأسف: لإنها تستحق حد أحسن مني.
ضحكت وهي تشير إليه: مفيش حد أحسن منك يا مصطفى، أنت دكتور، محترم، وراجل بجد، ده أنا نفسي أتجوز واحد زيك، بس للأسف مفيش غير نسخة واحدة منك وطلعت أخويا!
ابتسم رغما عنه: أنا بتكلم جد يا عائشة، أنا أكبر منها ب12سنة، واتجوزت قبل كده، وهي لسه صغيره من حقها تحب وتختار، مش تحس إني اتفرضت عليها.
اختفت ابتسامتها، وقالت بحزم: الكلام المتخلف ده مينفعش يطلع من دكتور مثقف زيك؟ طب ما هي ممكن تتجوز واحد قريب من سنها ومسبقلوش الجواز ويطلع عينها، الحب ميعرفش سن، وبعدين هنروح بعيد ليه ما ماسه اصغر من سليم ب10 سنين وبتحبه وسعيده معاه.
اجابها بخفوت: ماسه وسليم قصه مختلفه!
هزت رأسها: ولا مختلفه ولا حاجه، وبعدين 12سنة إيه؟ والله العظيم ما باين عليكم أي فرق سن، يا ابني أنت عندك 33 سنه، وفي ناس في سنك لسه بتفكر تتجوز، بص على إيهاب داخل على 30 ولسه سنجل!
رمش مصطفى بعينيه وقال بتردد: طب أنتِ شايفة إيه؟
ابتسمت بحماس: شايفة إنك تطلعلها حالا وتعترفلها بكل حاجه.
تنهد بتوتر: الوقت اتأخر خليها بكرة.
ضربته بخفة على ذراعه: بكرة ليه؟ قوم دلوقتي، حلاوتها في حموتها.
نظر لها بتردد: يعني أنتِ شايفه كده؟
دفعته وهي تضحك: أنت لسه هتسأل، قووووم.
في الأعلي
كانت آلاء تجلس أمام والدتها وعيناها تمتلئان بالدموع.
أنهار بقلق: يا بنتي ريحي قلبي، وقوليلي حصل إيه؟ هو زعلك؟
هزت رأسها بالنفي.
أجابتها باستهجان: أومال مالك؟ والله لو ماقولتيلي لأنزل أسأله بنفسي.
زفرت طويلا، ثم بدأت تحكي لها كل ماحدث منذ سفرهما وهي تكاد تنصهر من شده الخجل، وعقب انتهائها انفجرت أنهار ضاحكه. فنظرت إليها باستغراب: أنتِ بتضحكي يا ماما؟!
أجابتها من بين أنفاسها المتلاحقه: أيوة بضحك، بقي عامله في نفسك كل ده علشان بوسه! وايه يعني يا حببتي، ده شرعا وقانونا جوزك.
قالت بخجل وارتباك: يا ماما هو دلوقتي أكيد بيقول عليا بنت مش كويسة، إزاي سبت نفسي كده؟ بعدين مش فاهماكي بصراحة أنتِ واخدة الموضوع عادي كده أزاى؟!
ربتت على يدها: أنتِ كنتي خايفه تحكي أزعقلك؟
أومأت برأسها: أيوة.
ابتسمت بحنان: يا حبيبتي مصطفى راجل محترم، وأنا لو لفيت الدنيا كلها عمري ما هلاقي راجل اطمن عليكي معاه زيه.
ثم زمت وجهها وتابعت: وبعدين ما أنت اللى دخلتي فيه زى القطر وخرستيه، مش يمكن كان هيقولك كلمة تريح قلبك!
خفضت عينيها وهمست بانكسار: هو بس كان عايز يفهمني إنه مستغلش الموقف، لكن هو عمره ما حبني، كانت لحظة ضعف مش أكتر!
عقدت حاجبيها: عرفتي منين؟
تنهدت بوجع: أديته فرص كتير عشان يتكلم، لدرجة
قولتله "دكتور مصطفى" كنت مستنية يقولي قوليلي مصطفى بس زي ما عطول بيقولي بس مقالش، حتى لما جريت علي الحمام مخبطش عليا غير علشان يعتذر، وتاني يوم أول ما قولتله مش عايزة أتكلم، سكت لو كان بيحبني، كان حارب علشاني شوية..
ضحكت انهار: يا حببتي ما طبيعي لما تقوليله اسكت يحترم رأيك ويسكت، ايش دراه باللى جواكي، الرجاله ملهمش في الحاجات بتاع الستات دى، بيفهموا الكلام زى ما هو.
ربتت علي يدها: اسمعي من أمك، أنا قلبي حاسس إنه بيحبك ومن نصيبك.
هزت رأسها بأسي: هيحبني علي ايه؟ ده اتجوزني بتدبيسه عشان ينقذني، أنا عندي مشاكل كتير وأخ عاملنا مصايب، وهو دكتور ومحترم، وأهله ناس محترمين، ألف بنت تتمناه، هيبصلي أنا ليه؟
احتضنتها أنهار بحزم: أنتِ كبيرة بأدبك وأخلاقك.
ابتسمت ابتسامة باهتة: في بنات أحسن مني مليون مرة، إللي هيتجوزني مش هيتجوزني لوحدي يا ماما، هيتجوزني بمشاكلي وبأخويا وبظروفي كلها، حتى والدته مش بتحبني، بس بقت بتعاملني كويس مؤخرا علشان صعبت عليها..
صمتت قليلا، قبل أن تقول بحسم وهي تمسح دموعها: أنا خلاص أخدت قراري..
نظرت إليها أنهار بقلق: قرار إيه؟
أجابت بحسم: هطلب منه الطلاق!
في تلك اللحظة، كان مصطفى قد صعد السلم، وكاد يرفع يده ليطرق الباب لكن صوتها أوقفه "هطلب منه الطلاق"
تجمدت يده في الهواء وظل واقفا مكانه، كأن كلماتها سحبت الهواء من صدره.
سمع أنهار تقول: يا بنتي استهدى بالله بس، وادوا لنفسكم فرصة.
ردت وهي تبكي: لا يا ماما أنا مش هينفع أكمل معاه خلاص، الامتحانات تخلص وهطلب منه يطلقني، ونرجع بيتنا، وهو كمان يرجع لحياته.
أنزل يده ببطء، ثم أغمض عينيه لثواني، وكأنه يحاول احتواء ما يعتمل في صدره، قبل أن يستدير ويتجه إلى غرفته بصمت، دون أن ينطق بحرف.
أما في الداخل، فما إن أنهت آلاء حديثها، حتى انهارت باكية بين ذراعي والدتها. فاحتضنتها الأخيرة بقوة، وربتت على ظهرها في صمت، عاجزة عن إيجاد ما يخفف ذلك الوجع الذي استوطن قلب ابنتها.
في صباح اليوم التالي.
اجتمع الجميع حول مائدة الإفطار بصمت، وبعد انتهاء الفطور، نظرت إليه آلاء بهدوء: دكتور مصطفى، ممكن أتكلم مع حضرتك في موضوع قبل ما تنزل الشغل؟
نظر إليها لحظة، ثم أومأ برأسه: طب خليها لما أرجع.
هزت رأسها باصرار: لا، لو سمحت، دلوقتي.
تأملها لثواني، ثم نهض: حاضر.
خرجا إلى الحديقة، ووقفا في صمت لثواني.
قطعت آلاء الصمت وهي تشبك أصابعها بتوتر: انا أخدت قرار.
انتظرها تكمل، فتابعت بجدية: بعد ما الامتحانات تخلص ياريت يتم الطلاق، وكلم سليم يرجعلي أخويا، وشكرا أوى لحضرتك علي كل اللى عملته معايا، جميلك ده عمري ما هنساه طول حياتي.
ظل ينظر إليها بصمت. ثم سألها بهدوء: إيه إللي خلاكي تاخدي القرار ده؟
حاولت التماسك كي لا تفضحها دموعها: مفيش حاجة حصلت، بس ده الصح، حضرتك اتجوزتني عشان تنقذني، والحمد لله الأزمة خلصت، فكتر خيرك أوى لحد كده.
ساد الصمت لحظه.
ثم تسأل بهدوء: يعني ده قرارك النهائي؟
أومأت باقضتاب: أيوة.
خفض رأسه لحظة، ثم قال: تمام، هعملك إللي إنتِ عايزاه.
راقبها وهي تستدير، وللحظة راوده إحساس بأنها لا تريد الرحيل حقا، وأن كل هذا ليس إلا محاولة منها لإخفاء خجلها والمحافظه على كرامتها بعد ما حدث بينهما.
وقبل أن تبتعد أكثر، خرج اسمها من بين شفتيه دون تفكير: آلاء.
توقفت... لكنها لم تلتفت.
اقترب منها خطوة، وقال بصوت خرج مثقلا: بس قبل ما القرار ده يتم، لازم تعرفي حاجة.
التفتت إليه ببطء، فنظر إلي عينيها مباشرة: إللي حصل بينا في الفندق مكانش لحظة ضعف، ولا اندفاع ولا شهوة زي ما أنتِ متخيلة.
تردد للحظه وهو يقول: أنا عملت كده، لأني...ااا
لكنها أساءت فهم تردده، وظنته يبحث عن إجابه يرفع بها الحرج عن نفسه، فقاطعته بصوت مرتجف، وهي تقاوم الدموع التي تلمع في عينها: لو سمحت أنا قولتلك مش عايزه اتكلم في الموضوع ده، وكده كده الكلام فيه مش هيغير قراري، أنا مصرة على الطلاق.
ثبت نظره عليها لثواني، وكأن شيئا انكسر داخله.
ثم أومأ ببطء: تمام يا آلاء.
استدار قائلا: بعد الامتحانات هعملك إللي إنتِ عايزاه.
صمت لحظة قبل أن يضيف برسميه مؤلمه: ومن النهاردة هترجع علاقتنا زي الأول "دكتور مصطفى وآلاء"
أكمل طريقه دون أن يلتفت لها، بينما بقيت هي مكانها، تحاول السيطره علي دموعها بصعوبة، رددت داخلها وكأنها تحاول إقناع نفسها: هو مبيحبنيش، ده مجرد تعاطف، يمكن حس ناحيتي بشوية مشاعر في لحظة، لكنها مش حب حقيقي.
عضت على شفتيها تحاول كتم الغصة التي خنقت صدرها، لكنها لم تستطع، فخانتها دموعها وانهمرت رغما عنها.
أسرعت إلى غرفتها، وما إن أغلقت الباب حتى انهارت على السرير، تدفن وجهها في الوسادة وتبكي بحرقة على حب أدركت للتو استحالة حدوثه.
♥️_______________بقلمي_ليلة_عادل.
مكتب المحامي ١٢ظ
عدل المحامي نظارته: طب ليه نلجأ للخلع علطول؟ ممكن الأول نتواصل معاه ونحاول نوصل لحل ودي.
هزت رأسها بثبات: هو مش هيطلق غير كده.
ألتفت إليها راشد: طب يا بنتي ما تسيبيني أجرب، يمكن لما أكلمه يعقل ونفضها بهدوء.
تنهدت بثقل: أنا عارفه رشدي يا بابا، لو كان عايز يطلق كان عملها من أول ماطلبت، أنا مش عايزة منه حاجة، ولا حتى حقوقي.
نظر راشد إلى المحامي: أنت رأيك ايه يا متر؟
ضم يديه فوق المكتب بجدية: لو أنتم متأكدين إنه رافض الطلاق تماما، يبقى الخلع هو الطريق القانوني الأسرع، لكن لازم تبقوا عارفين إن الموضوع مش هيقف عند رشدي بس..
تبادل راشد ومي النظرات، فأكمل: إحنا مش بنرفع قضية على رشدي بس! إحنا بندخل في مواجهة مع عيلة الراوي، والموضوع بحكم اسمهم هيوصل للسوشيال ميديا والإعلام بسرعة، صحيح إن ده أحيانا بيكون عنصر ضغط، لكن في نفس الوقت هيعمل ضجة كبيرة، ودي حاجة مش هيقبلوها.
نظر إلى مي وأضاف: الخطوة إللي أنتِ واخداها جريئة جدا، اسمعي كلام البشمهندش وخلينا نجرب نحلها بشكل ودي.
أجابته بهدوء حاسم: ملوش لازمه، أنا واثقه من قراري، ومش عايز اضيع وقت علي الفاضي.
ساد الصمت لثواني، قبل أن يتنهد المحامي باستسلام: تمام، يبقى نبدأ إجراءات دعوي الخلع.
نظرت أمامها بثبات، وشعرت بلذة بارده تتسلل إلى أعماقها، وكأنها أخيرا بدأت تقتص لوجعها، وتطوي صفحته إلي الأبد.
قصر الراوي.
جلست فايزة تقلب صفحات إحدى المجلات بهدوء، توقفت أمامها أحدى الخادمة: في تليفون علشانك يا هانم.
رفعت نظراتها عن المجله: مين؟
هزت رأسها: معرفش والله يا ست هانم.
اخذت منها الهاتف: طب روحي انت.
ذهبت الخادمه بينما وضعت فايزه الهاتف علي أذنها، بملامح هادئة في البداية، ولكن سرعان ما تغيرت معالم وجهها للغضب والاستنكار.
أنهت المكالمه ببرود ظاهري، عكس النار الذي اشعلته الكلمات بداخلها: تمام، ولو حصل جديد بلغني!
أغلقت الهاتف، وصاحت بغضب: ليسا، خليهم يجهزوا العربية حالا.
منزل مي
كانت تجلس في غرفة المعيشة مع والدها وإخوتها، يشاهدون أحد الأفلام الكوميدية ويضحكون جميعا، لكنها كانت شاردة، تنظر إلى شاشة التلفاز دون أن ترى شيئا.
وفجأة رن جرس الباب.
نهض حازم ليفتح، وما إن فتح الباب حتى تجمدمكانه عندما رأى فايزة تقف أمامه بكامل هيبتها، وعلى وجهها ابتسامة هادئة مستفزة.
تنحنح قائلا: اتفضلي.
دخلت بخطوات واثقة، حتى توقفت في منتصف الصالة، وقالت بنبرة هادئة تحمل الكثير من المعاني: إزيك يا مي؟
رفعت رأسها ببطء، لترى فايزة تقف أمامها بابتسامه جانبية مستفزة.
عقدت حاجبيها في حيرة، ولم تفهم سبب مجيأها إلى هنا؟
أخذت نفسا عميقا، ونهضت بخطوات ثابتة، حتى وقفت أمامها مباشرة.
التقت أعيناهما بنظرة متعجبة من مي، وأخرى قوية وثابتة من فايزة، في لحظة خيل فيها للجميع أن حربا صامته نشبت بينهما للتو!
