رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم)الفصل التاسع والثلاثون39 بقلم ليله عادل

رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم)الفصل التاسع والثلاثون39 بقلم ليله عادل

❀༺༻❀✧
رواية: ❝الـمــاســة الـمــكـســورة2💎💔
العودة (عناق الدم)❞ 
بقلمي: لَـيْـلَـةعَـادِلْ
✧❀༺༻❀✧
{بين الحقيقة والشك، سقط في بحر من الوجع، تتنازعه شكوك حينما تحولت إلى حقيقة خلفت كسورا لا تُشفى.
وصار يتسأل بقهر: هل من متسعٍ للرحمة؟ فالأيام أثقل من أن تُحتمل، والصدر لم يعد يتسع لكل هذا الانكسار، حتى صارت أنفاسه وجعًا لا ينتهي.}
ليلةعادل✍️❤️
  
            الفصل السادس الثلاثون 🤫♥️

            [بعنوان: ما خبأته السنوات]

حدقت فيه ماسة بعينين متسعتين، غير قادرة على استيعاب كلماته.

أول طفل لها أجهض عمدا...!

الطفل الذي ظلت سنوات تعتقد أنها فقدته لصغر سنها، فقدته عمدا..!!

امتلأت عيناها بالدموع، أشارت له بارتعاش: أنت بتلعب بأعصابي صح؟! بتنتقم مني زى ما عملت معاك؟؟

أجابها بثبات: هستفيد إيه لما اعمل معاكي كده!

ارتفعت يداها تلقائيا ألي فهما بصدمه: يعني هما إللي سقطوني أول مرة؟

أومأ برأسه: أيوة هما إللي سقطوكي.

ثم أضاف بعد لحظة: أنا عرفت بعدها، وحتى لو كنت عرفت قبلها معتقدش كان هيفرق معايا.

صمت قليلا، وكأن الكلمات تثقل حلقه: لكن المرة دي بصراحة مش عايزك تتأذي تاني..

خرجت منه ضحكة باهتة ممزوجة بالألم: يمكن علشان جربت نفس الإحساس لما عرفت إن مي كانت حامل وسقطت؟!

مد وجهه وهو يبلع ريقه بصعوبة: أحنا مكناش نعرف إنه موجود اصلا، واللحظه اللي عرفت إنه موجود فيها كانت نفس اللحظه اللي عرفت فيها إنه راح، حسيت ساعتها بإحساس وحش أوى..

اشار بيده بجدية وتابع: علشان كده بقولك، لو البطن دي شايلة طفل، خدي جوزك وأمشي.

هزت رأسها بعدم تصديق، بينما أكمل هو بإصرار: مش هيهنوكي عليه صدقيني، وأنا مش هبقى هنا علشان أحميكي، ولا عشان أعرف مخططاتهم وأقولك عليها.

نظرت له باستغراب لا تصدق أن تلك الكلمات تخرج منه، بينما واصل بنبرة منكسرة: أنا عارف إني ظلمتك، وليكي حق تعملي فيا إللي عملتيه... أنا مش زعلان منك..

رفع عينيه إليها وقال بصدق غريب: بس صدقيني يا ماسة أنا خايف عليكي، أنتِ أكتر واحدة اتداس عليها في القصر ده، وأكتر واحده دفعت التمن.

أشار إلى بطنها مضيف بتحذير حقيقي: فبلاش تدفعي التمن مرة تانية.

قال كلماته وغادر، تاركا ماسة في حالة من الصدمة، انهمرت دموعها بصمت وهي تحاول استيعاب ما سمعته.

نظرت حولها بتيه واضح كأنها لا تدرك أين هي، حاولت التنفس، لكنها لم تستطع فالهوا تجمد في صدرها كثلج البارد.

فقد خنقتها كلماته، فجلست ببطء على الأريكة، ووضعت يدها على فمها  بعينين متسعتين من الصدمه،  بدموع تهبط بلا توقف في صمت موجع.

كانت تصدق أنهم فعلوا بها ذلك... فهم فعلوا ما هو أسوأ بكثير؛  لذا لم يكن غريبا عليها أن يكونوا سبب إجهاضها أول مرة

لكن هذا الألم كان مختلفا، وأشد قسوة مما تحتمل.

فقد مرت سنوات طويلة حُرمت فيها من أن تصبح أما بسبب ذلك الإجهاض، سنوات كانت تتمنى فيها طفلا، تحلم بضحكة صغيرة تناديها "ماما"، لكن الحلم ظل بعيدا عنها وحين رزقت بطفلتها الثانية، حُرمت منها هي الأخرى وقتلت..

هم سبب كل شيء, دمروا حياتها مع سليم، سرقوا منها سنوات عمرها، وحرموا قلبها من أشياء كثيرة وسعادة كانت تستحقها.

أخذت تبكي أكثر فأكثر، قبل أن تخرج منها شهقة موجوعة لم تستطع كتمها

لم تعد قادرة على التفكير...ولا على اتخاذ أي قرار.
هل تذهب وتخبر سليم؟ 

تعلم جيدا أنه إن علم شيئا كهذا، فلن يمرره مرور الكرام.

سيقلب الدنيا رأسا على عقب.

شعرت بالحاجة للتحدث مع أحد، فقط لتخرج ذلك الوجع المختنق داخل صدرها.

نظرت حولها بعينين دامعتين، ثم بدأت تبحث عن هاتفها.

اتصلت بسلوى لكنها لم ترد.

حاولت الاتصال بوالدتها، ولم تجب هي الأخري

أغلقت عينيها للحظة وهي تقبض على الهاتف بقوة، تشعر بالاختناق يزداد داخلها وكأن وجع تلك السنوات، عاد دفعة واحدة ليطحن قلبها من جديد.

ظلت تحدق في شاشة الهاتف لثواني طويلة، تحاول أن تتذكر شخصا تستطيع التحدث معه.
شخصا تثق به، شخصا يستطيع توجيهها ونصحها.

وفجأة...تذكرت مكي.

رفعت الهاتف بسرعة، وضغطت على اسمه.
فور أن رد، قالت بصوت مختنق: مكي، إنت مع سليم ولا هنا؟

أجابها: لا، هنا، فيه حاجه؟

حاولت كتم دموعها: طب ممكن تيجي؟ أنا تحت في الليفنج.

أغلقت المكالمة وأخذت تنتظره وهي تبكي.

بعد قليل دخل، وما إن رآها على تلك الحالة حتى أسرع إليها وجلس بجانبها: في إيه يا ماسة؟ مالك؟ حد عملك حاجة؟

رفعت عينيها إليه ببطء، وبدأت تروى له ما قاله رشدي، كانت الكلمات تخرج منها بصعوبة.

استمع إليها بصدمة، وما إن انتهت حتى سب بغضب: يا ولاد الكلب.. 

هزت رأسها بعنف قالت بصوت مكسور: أنا مخنوقة أوي يا مكي، بعد إللي حصل ده قعدت تلات سنين مش عارفة أخلف ولما الدكتور سمحلي، اكتشفت إن عندي مشاكل، وقعدت سنة كاملة على أدوية، الطفل ده كان ممكن يعيش، كان ممكن يبقى ابني أنا وسليم، الطفل إللي يمكن عمرنا مانعرف نجيبه تاني.

نظر إليها بحزن قائلا بعقلانية: ليه بتقولي كده؟ سليم حالته اتحسنت جدا، صحيح بقاله فترة مبيروحش المتابعة بسبب إللي حصل، لكن آخر راح الدكتور طمنه إن النسبه بدأت تعلي، كان قبل ماتفقدي الذاكره.

أومأت برأسها: أيوة، عارفة... هو حكالي. بس لسه مفيش حاجة مضمونة 100%، وبرضو الطفل ده كان موجود... وهما حرمونا منه.

أشار بيده برفق: أهدي يا ماسة الموضوع ده من سنين، عارف إنه مؤلم، بس لازم نفكر في إللي جاي، هنعمل إيه مع سليم؟

تنهدت تمسح دموعها: مش عارفة أقوله ولا لأ، حاسة لو قولتله هيتجنن.

هز رأسه سريعا مفسرا: سليم مينفعش يعرف دلوقتي فعلا، إحنا عرفنا نوصل لطرف خيط هيوصلنا للي عملكم الحادثه، وسليم لو عرف حاجة زي دي دلوقتي هيتصرف بتهور ويضيع كل حاجه، أنا عارف صاحبي كويس.

نظرت له بقلق: طب لو تابع الكاميرات وسمع؟

ابتسم ابتسامة صغيرة: أنا همسحها، وأمري لله.

اتسعت عيناها: سليم لو عرف هيبهدلك!

ضحك بخفة: ملكيش دعوة، أنا إللي هشيل الموضوع ده، وإنتِ خليكي طبيعية وكأن مفيش حاجة حصلت.

صمت للحظة، ثم نظر لها وقال بتمني: وبعدين، مش يمكن فعلا تكوني حامل؟

نظرت إليه بارهاق: إنت كمان هتقولي حامل!

هز رأسه بهدوء: وليه لأ؟ الأعراض اللى ظاهره عليكي بتقول كده، وسليم آخر تحليل عمله كانت النسبة عنده عالية.

خفضت عينيها وهمست: النسبه كانت عالية، بس مخفش!

صمتت للحظات، ثم تابعت بصوت مرتجف: أنا خايفة اتعشم يا مكي، خايفه اتعشم وتطلع كل أحلامي مجرد أوهام، ولو قولت لسليم حاجة زي دي، وهو كمان هيتعشم ويفرح أوى، ولو طلع مفيش حاجه، هيتوجع وهيتأثر.

توقفت تبتلع الغصة التي تكونت في حلقها ثم اضافت سليم موجوع جدا من الموضوع ده، إنت متعرفش مأثر فيه إزاي؟! لدرجة خايف يروح يعمل تحليل تاني تطلع النتيجة زي ما هي.

تنهد وقال بعقلانية: الخوف عمره ما عمل حاجة غير إنه وقف الناس مكانها، اكشفي وشوفي، مش هتخسري حاجه، ومش لازم يعرف، لو مفيش حمل يبقي خلاص مش هيعرف حاجه، ولو ربنا كرم وفيه، يبقى ألف مبروك.

ابتسم ومال للأمام: خلي عندك ثقه في ربنا وروحي اتأكدي.

عضت شفتها بتوتر: طب هخرج من هنا إزاي؟

رد مازحا: أنا اللى هقولك يعني يا ماسه؟ إيش حال إنك هربانه 3مرات منهم واحده مني أنا شخصيا.

ابتسمت بخفوت، فتابع ببساطه: يستي قوليله رايحة عند ماما أجيب شوية حاجات، وخدي سلوى معاكي، كده كده سليم بكرة هيبقى مشغول في معاينه الأرض علشان المجموعة إللي عايز يعملها، وهيبقى عنده ألف حاجة في دماغه، يعني هيبقى قدامك وقت وخدي عشري معاكي كمان.

رفعت عينيها إليه، وكانت نظراتها مازالت تحمل الكثير من الخوف والتردد.

مرت ثواني قبل أن تهز رأسها أخيرا ببطء: ماشي...

ثم أخذت نفسا عميقا وقالت: هروح أتأكد!

ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة وهو يومئ برأسه.

أما ماسة فأعادت رأسها إلى الأريكة، لكن قلبها لم يهدأ.
كان ينبض بعنف بين الخوف والأمل،  الخوف من خيبة جديدة، والأمل من أن تكون للمرة الأولى منذ سنوات، على وشك سماع الخبر الذي انتظرته طويلا.

♥️______________بقلمي_ليلةعادل
في الجاليري6م

كانت سلوى جالسة خلف مكتبها داخل الورشة، منكبة على عملها بدقة، تفكك سلاسل صغيرة من الخرز وتعيد تركيبها في عقدٍ جديد، وكأنها تحاول أن تصنع من التفاصيل المبعثرة شيئًا كاملا، كان المكان حولها يعج بالحياة؛ زميلاتها يتحركن بين الطاولات، وأصوات الأدوات المعدنية الخفيفة تملأ الجو بإيقاعٍ ثابت.

اقتربت منها صديقتها منة بإبتسامة واسعة، وأنحنت قليلا لتلقي نظرة على مابين يديها، ثم قالت بحماس:
إيه يا سوسكا؟ حلو العقد إللي بتعمليه ده… ده عشان العرض الجديد؟

رفعت سلوى عينيها بابتسامة هادئة، وهي تكمل ربط الخيط في صمت، ثم أصدرت صوتًا خفيفًا:
آه… حلو.

ضحكت منة وقالت وهي تشير للعقد بإعجاب:
حلو جدا يا بنتي! إنتِ أصلا من المميزين هنا، ومستر سعيد طاير بيكي والله العظيم. أنا بفكر بصراحة إنك لازم تاخدي نسبة وتعملي شغلك لوحدك… هاتكوني من أقوى المصممين، وهاتتشهري بسرعة، خصوصًا إن عيلة جوز أختك من أشهر العائلات في تصنيع الذهب وبعدين إنتي بتعملي ديزاين شكله حلو أوي ومميز، ينفع كمان يتعمل منه الذهب في الألماس.

توقفت سلوى عن العمل للحظة، ثم قالت بهدوء يحمل شيئًا من الإصرار: أنا بصراحة مش بحب أستغل اسم أي حد أو أستفيد من مجهود حد سليم ساعدنا كتير. مش عايزة أي مساعدة أكتر من كده. أنا فعلًا بفكر أفتح حاجة لنفسي، بس بعد ما أخلص السنة دي في الكلية… وأبدأ بحاجة صغيرة كده على قدّي وهاتكوني معايا.

هزت منة رأسها بإعجاب، ثم مالت نحوها:
طيب… وإيه أخبار مكي؟

تغيّرت ملامح سلوى فورًا، وانخفضت نظراتها إلى العقد بين يديها، وقالت بصوتٍ خافت: لسة مش عايز يسمعني…

رفعت منة حاجبها بدهشة: هو إنتِ حتى حاولتي تكلميه؟ ولا خلاص؟

هزّت سلوى رأسها: لا… ما اتكلمناش من آخر مرة. أنا اشتغلت، وهو شكله كان مشغول جدًا. بس ساعات بكلمه، أسمع صوته بس… وأشغّل له أغنية كدة.

ضحكت منة بخفة وهي ترفع يدها: تشغّلي له أغنية؟! إيه شغل ابتدائي ده؟

ابتسمت سلوى ابتسامة صغيرة، وقالت بنبرة صادقة:
مش مهم ابتدائي ولا إعدادي… المهم إني حاسة بده، وهو أكيد حاسس بيا. المشكلة بس في ماما.

مالت منة للأمام بفضول: جابت لك عريس تاني؟ أقصد عاشر؟

ضحكت سلوى بخفة رغم ثقل الموضوع، ثم قالت:
"لا خالص… بس أنا كنت كلمتها وقولت لها إني عايزة أرجع لمكي بعد ما سبت طارق،. هي رحبت، بس أنا خايفة تفضل تزن عليّا لو الموضوع طول. ولو عرفت إنه رافض… هاتقول خلاص بقى.

رفعت منة حاجبها: هو إنتِ مش كلمتي مامته؟ كلميها تاني.

هزّت سلوى رأسها بسرعة: لا يا ستي… المرة إللي فاتت كان هةيتتجنن عليّا. ماينفعش أضغط أكتر من كده.

سكتت لحظة، ثم قالت منة وهي تنظر لها بجدية:
أنا بصراحة مش فاهمة… إنتوا ليه سيبتوا بعض أصلاً؟

انخفض صوت سلوى أكثر: فيه حاجات حصلت… مش هاينفع أقولها

تنهدت منة وقالت بهدوء: لو بيحبك بجد، هايسامح. لكن لو فضل على موقفه، يبقى عمره ما كان حب حقيقي.

سكتت سلوى للحظة طويلة، ثم أطلقت زفرة خفيفة وقالت وهي تعود لعملها: خلينا نكمّل شغلنا بقى، عاشان مستر سعيد ما يجيش يرفدنا. أنا محتاجة الفلوس الفترة دي بصراحة.

ابتسمت صديقتها وهي تعود لمكانها: يلا…

قصر الراوي،6م

جناح سليم وماسة

كانت ماسة تجلس على الفراش، متمددة وهي ترتدي قميصا منزليًا لطيفا، تنتظر عودة سليم لكن عقلها لم يكن هادئا أبدا.
منذ حديثها مع رشدي وهي لا تستطيع التوقف عن التفكير كلماته عن الحمل، وكلماته عن طفلها الأول...
وحديثه عن صافيناز.

كل شيء كان يدور داخل رأسها بلا توقف حتى شعرت بالاختناق، في تلك اللحظة أضاء هاتفها باسم والدتها.التقطته سريعا.

بنبرة متعبة: أيوة يا ماما، عاملة إيه؟

أجابتها: الحمد لله يا حبيبتي، كويسة إنتِ عاملة إيه؟

اومأت بضيق: الحمد لله: كلمتك من شوية، كنتِ فين..

اجابتها: كنت بصلي، وبعدها أكلت، في حاجة يا حبيبتي صوتك مش عاجبني..

وقبل أن تجيب...فُتح باب الجناح.

رفعت رأسها لتجد سليم يدخل بابتسامة واسعة، وفي يده باقة من الزهور تغيرت ملامحها فورا.

وأخفت كل ما كان يدور داخلها قالت بتمثيل: 
طب تعالي يا ماما، أقعدي معايا يومين، إنتِ وحشتيني.

اقترب سليم منها وهو يضع الباقة بجانبها قائلا بدلع: قطعة السكر وحشتيني.

ردت بإبتسامة: وانت كمان، بكلم ماما.

ابتسمت سعدية من الطرف الآخر: حمد لله على السلامة سلملي عليه.

أخذ سليم الهاتف منها للحظة وقال بابتسامة:
الله يسلمك يا طنط عامله ايه، أبقي تعالي

ضحكت سعدية: ان شاء الله.

أخذت ماسة الهاتف من سليم: سمعتي تعالي بقى.

اجابتها: حاضر هجيلك، يلا  اقفلي، روحي غدي جوزك  هكلمك تاني سلام..

وضعت ماسة الهاتف جانبها وحاولت أن تبدو طبيعية.

ثم نظرت إلى الباقة وقالت: الورد الحلو ده ليا؟

اوما وهو يناولها الباقة: طبعا أحلى قرنفل لأحلى قطعة سكر في الدنيا.

ثم انحنى وقبل خدها بخفة، رفعت ماسة عينيها إليه وظلت تنظر له لثوانٍ طويلة، في تلك اللحظة لم تكن تريد الحديث.

لم تكن تريد شرح مايدور داخلها، كل ما كانت تريده هو أن تشعر بالأمان، أن تشعر أنه موجود، أن تختبئ بحضنه، وفجأة اندفعت نحوه وألقت نفسها بين ذراعيه.

احتضنته بقوة شديدة حتى تفاجأ هو من رد فعلها،
دفنت وجهها في عنقه وشدت على قميصه بأصابع مرتجفة، وكأنها تحاول الاقتراب أكثر رغم أنها بين ذراعيه بالفعل.

كأنها تريد أن تصبح جزءًا منه، أن تختبئ داخله من كل ما يخيفها.

ضمها سليم فورا، ثم شدد ذراعيه حولها بحماية وهو يشعر بتوترها الواضح، كانت تتشبث به بقوة غير معتادة، قوة جعلته يدرك أن هناك شيئا يثقل قلبها.

مرر يده على ظهرها برفق تسأل بقلق: مالك يا حبيبتي؟

هزت رأسها بسرعة وهي مازالت مدفونة في حضنه،
حاولت السيطرة على تلك الدموع الحارقة التي تجمعت خلف عينيها

أخذت نفسًا عميقا، ثم ابتعدت قليلا قبل أن ترفع وجهها إليه: مافيش.

لم يقتنع.

وكان ذلك واضحًا في نظراته، لكنها ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة وقالت: بس بحبك.

ارتخت ملامحه قليلا. فأكملت بصوت خافت: وعايزة أفضل قريبة منك... وأحضنك.

ابتسم سليم ومد يده يمسح على خدها بحنان،
ثم جذبها إليه من جديد.

فاستكانت بين ذراعيه وهي تغمض عينيها ولأول مرة منذ حديثها مع رشدي، شعرت أن الضجيج داخل رأسه، ونيران قلبها  هدئت ولو للحظات.

مال برأسه وهو يدقق النظر في ملامحها تلاشت ابتسامته قليلًا وهو يتأمل وجهها: تؤ فيكي حاجة حد ضيقك؟! 

هزت راسها مسرعه: لا خالص ماشفتش حد أصلا، أغلبية الوقت قاعدة هنا وبعدين نزلت الليفنج تحت  وبعدين طلعت قاعدت هنا.

اعتدل فورا وقال بقلق:طب يلا، أوديكي للدكتور.

هزت رأسها بسرعة: مش مستاهله، بص لو فضلت 
كدة لبكرة نبقى نروح.

نظر إليها بضجر من ولدنتها: إحنا مش كبرنا على حوار إننا بنخاف من الدكتور ده.

ابتسمت ابتسامة باهتة: ما أنا مش تعبانة للدرجة يعني، يمكن عشان مش بنام كويس، والحوارات إللي عندنا بقالها فترة، طبيعي أبقى مرهقة.

تنهد وهو يمرر يده على ساقها بحنان. معلش يا عشقي، كل حاجة هتبقى كويسة قريب.

هزت رأسها بصمت.

ثم سألت محاولة تغيير الموضوع: هو فعلا الباشا خرج من المستشفى... 

اومأ بإيجاب: اممم كمان شوية عايز يشوفنا كلنا مع بعض في الأوضة هيقعد في أوضة من الأوض إللي تحت... 

قلبت وجهها بضيق يعكس رفضها، تبسم وهو يحاول أقنعها، مسح على خدها بحنان: معلش، مضطرين نمثل قدامه شوية فعشان خاطري متضايقش، أنا كمان مش عايز أشوف ولا حد فيهم، بس مضطر عشان المسلسل اللي عملينه يتصدق، الباشا زكي جدا واللعب معاه مش سهل، مش زي الهانم خدي بالك.

تبسمت وهي تمسح على قدمه تنهدت: عشان خاطرك أتحمل النار حتى..

تنهد طويلا وأراح رأسه على ظهر السرير: عارف. يا عشقي..

ابتسم وهو يمرر يده بين خصلات شعرها وقال: عموما، هنزل نتعشى تحت النهاردة، ولا حابة تفضلي تتعشي هنا وحياتك كلها تبقى في الأوضة دي؟

رفعت رأسها قليلًا ونظرت إليه باعتراض مفسرة:على فكرة، أنا بتمشى، وبروح أوقات أوضة الموسيقى، وبخش المكتبة، وبلف زي النحلة الدايخة في القصر أنا ولوجين من كتر الزهق... أنا إللي بيخليني نتعشا هنا، إني مابحبش أشوفهم، مش هينفع أكل معاهم عيش وملح وأنا بلعب بيهم، ومخبيلهم في ظهرى خنجر، ماتربتش على كده ماتربتش أكون خاينة العيش والملح..

سكتت ماسة للحظة.

ثم فجأة رفعت رأسها وسألته:هو إنت قولتلي قبل كده إن صافيناز شالت الرحم؟

هز رأسه بالإيجاب: أيوه. ما إحنا سمعنا الكلام ده سوا.

تمتمت ماسة بشرود: سبحان الله... ربنا اخد حقي وانا معرفش 

نظر إليها مستفسرًا؟!  ثم أشاحت بوجهها قليلا وهي تقول: ربنا مارزقش أختك وحرمها من الخلفة عشان عارف إنها ماتستاهلش وعارف اللي عملته فيا.

ساد الصمت للحظات. نظر لها يحاول فهم ما وراء حديثها، فجاه تهز رأسها وكأنها تطرد تلك الأفكار،: مش عايزة أتكلم في الحوارات ده.

ثم رفعت باقة الورد وابتسمت ابتسامة صغيرة: أنا عايزة أستمتع بالورد الحلو إللي إنت جايبه.

ثم انحنت تقبل خده بخفة.

ثم مالت مرة أخرى وضمته وسندت رأسها على صدرة نظر لها لثواني يشعر أن هناك شئ بها 

يظهر خلف نظراتها الهاربه خلف كلماتها التي مهما حاولت الاختباء تسقط امامة.

اعتدل من جلسته ورفع ذقنها تسال: ماسة مالك؟! مش هقولك تاني؟!

هزت رأسها سريعًا: مافيش يا سليم حقيقي مافيش إرهاق.. وعايزة أفضل في حضنك كده وبس 

نظر إليها طويلا غير مقتنع: بس؟

أومأت برأسها؛ اها خليني في حضنك شوية، ممكن؟

تلينت ملامحه أكثر: ممكن طبعًا.

أسند رأسه وظهره إلى ظهر الفراش، ثم جذتبها بين أحضانها، ثم احاطها برفق حتى استقرت بين ذراعيه بالكامل ثم ووضع قبلة طويلة فوق رأسها.

بينما استكانت هي على صدره تستمع إلى دقات قلبه.

أما سليم...
فكان متاكدت أن هناك شيئا ما يثقل قلبها شيئًا أكبر من مجرد إرهاق أو يوم سيئ، لكنه لم يضغط عليها.
وأكتفى بضمها إليه أكثر.

في حين أغمضت ماسة عينيها بقوة، تحاول أن تمنع نفسها من البكاء لأنها للمرة الأولى منذ سنوات...
كانت تخاف من الأمل أكثر مما تخاف من الخيبة نفسها.

في أحد الغرف الصغيرة المجهولة على سطح منزلٍ ريفي قديم.7م

كان الصمت يخيّم على المكان إلا من صوت تلفازٍ صغيرٍ قديم يصدح بصوتٍ منخفض، وضوءٍ أصفر مرتجف ينسكب على الجدران المتشققة

كان “تمساح” جالسًا على كرسي خشبي مهترئ، مائلًا بجسده إلى الخلف، ساقاه ممدودتان على طاولة صغيرة غير مستقرة، يمسك بسيجارةٍ بين أصابعه، ويشرب كوب شايٍ بارد، بينما عينيه شاردتان في الشاشة، لكن ذهنه في مكانٍ آخر تمامًا.
كان التوتر يلتف حوله رغم محاولته إخفاءه… كمن يجلس فوق قنبلة لا يعرف متى تنفجر.
وفجأة…
ثلاث خبطات متتالية على الباب، بنغمةٍ محددة يعرفها جيدًا.

تجمد تمساح في مكانه للحظة، ثم نهض ببطء، يده تنزلق تلقائيًا نحو موضع سلاحٍ مخفي بجانبه.

اقترب من الباب بحذر، وإنحنى قليلا نحو الفتحة الصغيرة، ثم سأل بصوتٍ منخفض: مين؟

جاءه الرد سريعًا من الخارج: افتح يا عم… أنا.

تنهد تمساح بارتياحٍ خفيف، كأن الهواء عاد إلى صدره بعد انحباس، ثم فتح الباب قليلًا، قبل أن يوسّعه ليدخل الشاب بسرعة ويغلق الباب خلفه.

ما إن دخل حتى التفت إليه بحدة، وقال بلهجة غاضبة: إيه يا عم؟ مالك كده كل ما الباب يخبط هاتترعب كدة؟ وبعدين مش إحنا متفقين على خبطة معينة؟ يعني إللي جاي هايستأذن قبل مايدخل، هايدخل ويكسر الباب فوق دماغك.

ظل تمساح صامتًا لحظة، عينيه ما زالتا تراقبان الباب بحذر، ثم قال بهدوءٍ ثقيل: لازم أكون واخد احتياطي… الدنيا مش مضمونة.

تقدّم الشاب ووضع الأكياس على الطاولة، وقال وهو يهز رأسه: جبت لك أكل وشاي ودخان… يكفوك يومين تلاتة. بس قولي بقى… هاتفضل مستخبي كده لحد إمتى؟!

رفع تمساح عينيه إليه، وفي صوته توتر واضحة:
إنت فاكر الموضوع سهل؟ إللي داخلين معاه دول مش عيال، دول حيتان كبار. وأنا بالنسبة لهم بساريا

رد الشاب بسرعة، وقد بدا عليه الضيق: طب وبعدين؟ طول ما إنت مستخبي كده هاتفضل صغير، فات أسبوعين؟! خد باقي فلوسك وتنغنغ إنت وعيالك.

سكت تمساح لحظة، ثم قال بصوتٍ منخفض:
أنا بلعب مع ناس لو غلطت غلطة واحدة… مش هتلاقيلي أثر.

اقترب الشاب منه قليلا وقال بنبرة حاسمة: أسمعني أتصل بيه وخلص، وخلي المقابلة في مكان زحمة، ميدان كبير، محطة مترو، أي مكان مليان ناس. لو فكر يغدر، هاتعرف تفلق ووقتها زعلوا بالتسجيل إللي معاك وأطلب الضعف.

ابتسم وهو يوميء برأسه: هو ده إللي هايحصل. المهم عايزك تروح لأم العيال عند أمها، تطمّنها وتديها قرشين، قولها إني لسه في سفريّة الشغل.
أومأ برأسه بصمت

♥️_______________بقلمي_ليلةعادل 

قصر الراوي 

جناح عزت وفايزة،7م

كان عزت ممددًا على الفراش، تبدو عليه آثار التعب والإرهاق، بينما ألتف الجميع حوله، عدا رشدي الذي لم يكن موجودا

فريدة بابتسامة سعيدة :حمد لله على سلامتك يا بابي.

ابتسم إبراهيم وهو يقترب: نورت قصرك يا باشا.

لوجين بعتاب لطيف: أنا كان نفسي أجيلك، بس الهانم قالت غير مسموح.

ابتسم عزت ابتسامة خافتة: أنا كويس.

ثم وقعت عيناه على صافيناز، فشعر بالحزن من ملامحها الشاحبة وعينيها التى تشبه الأموات: عاملة إيه يا صافي؟

رفعت عينيها التى تخلى من أى شيء، وقالت بصوت واهن: كويسة.

شعر عزت أن شيئًا ما ليس على ما يرام، فنظر إلى عماد: عماد… خد بالك منها.

أومأ عماد سريعا: دي في عيني يا باشا.

ثم نظر عزت حوله وسأل:فين رشدي أنا عرفت أنه رجع؟

أجابته فايزة بهدوء: إلهام قالتلي رجع تعبان من شويه ونام.

تسأل باهتمام، طب وصلتوا للي عملها  

أجابه سليم: لسه بس قريب؟!

نظر إليه عزت باهتمام: سليم، لازم تقعد معايا وتقولي وصلت لإيه

فريدة قاطعته بسرعة: الدكتور قال ترتاح يا بابي.

تنهد عزت بعناد:مشهرتاح غير لما أطمن على المجموعة.

ياسين بمهاودة: يومين بس وهانقعد معاك أنا وسليم.

في تلك اللحظة، كانت ماسة تقف بينهم، لكن شيئًا بداخلها كان يضيق أكثر فأكثر منذ حديثها مع رشدي، وهناك ثقل يجثم فوق قلبها وفجأة، وقعت عيناها على صافيناز ثم على فايزة.

فبدأت أنفاسها تتسارع دون إرادة منها، وشعرت بالاختناق شعرت بغضب جزت على اسنانها حتى كاد أن يسمع صريرها..

لاحظ سليم ذلك، فاقترب منها قليلا، حتى لا ينتبه احد احاط بذراعه حول ظهرها، قال للجميع: طب إيه… نسيب الباشا يرتاح.

أومأ الجميع بالموافقة وبالفعل، بدأ الجميع يتحركون نحو الخارج.

وبقيت فايزة وحدها مع عزت.

نظر عزت إلى الباب الذي خرجت منه صافيناز، وقال بقلق: صافي شكلها تعبان أوي.

ابتسمت فايزة مطمئنة: جبنالها دكتور النهاردة، هتبقى أحسن، إنت ارتاح وماتشغلش بالك بحاجة.

هز عزت رأسه، ثم أغلق عينيه بتعب.

أما في الخارج…

فكانت ماسة تقف مستندة إلى الحائط، واضعة يدها على صدرها تحاول ألتقاط أنفاسها.

بينما كانت صافيناز تمر بجوارها بوجه شاحب وعينين متعبتين، جزت ماسة على أسنانها، وتحركت خلفها وكأنها تنوي فعل شيء.

لكن يد سليم أوقفتها برفق، وهو ينظر إليها بإستغراب: عشقي… على فين؟

ابتلعت ريقها بتوتر، وأبعدت عينيها عن صافيناز:
مافيش… طالعة أوضتنا بس. هركب الأسانسير… مش قادرة.

أومأ برأسه، ثم أحاط خصرها بذراعه بحنان:يلا.

تحركا معًا نحو المصعد لكن ماسة كانت تنظر بطرف عينيها إلى صافيناز، التي كانت تسير أمامها بجانب عماد وهي تشعر بنيران تشتعل بداخلها، نيران تدمر كل ما يأتي أمامها، كانت تتمنى لو تستطيع الصراخ في وجههم، واقتلاع قلوبهم في يدها ثأرا لطفلها الذي قتلوه بدماء باردة، لكنها فضلت الصمت خوفا علي سليم من غضبه الذي يصعب السيطرة عليه.

أما عماد، فكان يسير بجوار صافيناز وهو يقول بهدوء: بقولك إيه… أنا هروح مشوار مهم.

أومأت صافيناز بصمت.

لم تعلق كانت وكأنها في عالم آخر، شاحبة، تائهة…منكسرة.

ثم تحركت نحو الدرج لتصعد إلى غرفتها، أشار عماد إلى أحد الخدم:وصلي الهانم لفوق

أومأت حاضر يا فندم.

واستدارت صافيناز تتحرك بخطوات بطيئة، بينما بقي عماد مكانه للحظات ثم تحرك مبتعدا خارج القصر.

في إتجاه آخر… عند ماسة وسليم

دخلت ماسة الجناح، وما زالت تشعر بالاختناق وثقل يطبق على صدرها.

اقترب منها سليم من الخلف، وأحاطها بذراعيه، ثم شدها إليه برفق وهمس: مالك يا حبيبتي؟

التفتت إليه بسرعة، وأجبرت نفسها على الابتسام:
مافيش… زي ماقولتلك مرهقة بس 

ضمها أكثر، وقبل رأسها بحنان: طب تعالي نرتاح شوية.

رفعت عينيها إليه، وكانت الدموع تلمع فيهما:
أنا بحبك أوي يا سليم.

ابتسم بحب، ومسح دموعها بإبهامه: وأنا كمان بحبك أوي… أكتر مما تتخيلي.

ارتمت بين ذراعيه بقوة، وكأنها تهرب من العالم كله إليه، ظل يضمها بحنان، بينما كانت تتمسك به أكثر.

ثم ابتعدت قليلًا، تنظر إليه بشوق وحزن، وكأنها تخشى أن تخسره.

ابتسم لها، ومرر يده على وجنتها: إيه النظرة دي؟

ابتسمت وسط دموعها: نفسي أفضل كده في حضنك… طول العمر.

ضمها مرة أخرى، وأسند رأسها إلى صدره: وطول العمر هتفضلي هنا… في حضني.

ظلت هكذا لدقائق وهو يمسح على شعرها من الخلف 
رفعت رأسها ونظرت له بتدقيق، فجأة وضعت شفتيها على شفتيه وقبلته قبلة عميقة وأخذا يتبادلون القبلات بعشق، ثم تحركا نحو الفراش و وو

في إتجاه آخر. عند لوجين وياسين

جلس ياسين ولوجين في غرفتهما بعدما بدلا ملابسهما، وكان الهدوء يسيطر على المكان.

تنهدت لوجين وهي تجلس بجواره:جو القصر بقى صعب أوي.

أومأ ياسين بتعب:مضطرين نتحمل.

سكتت قليلا، ثم قالت بتردد: بقولك إيه؟! فيه موضوع مهم بيحصل، بس ماكنتش حابة أقولك لإني عارفة إن دماغك مش متحملة بس لازم تعرف.

ألتفت إليها باهتمام:في إيه؟

تنهدت لوجين بحزن: نالا بقالها فترة متغيرة معايا، مش عارفة ليه؟! مش متقبلة مني أي كلام، وكل ماتشوفني تمشي وتجري! ما أعرفش فيه إيه؟!وبعدين حسيت إنها خايفة مني، مش مجرد زعل.

أومأ ياسين بتفهم: أنا فعلًا لاحظت ده من وقت مارجعنا، إنها متغيرة معاكي، بس الحاجات إللي حصلت وعرفتها خلت دماغي مش فيا.

أومأت بتفهم عقلاني: أنا مقدرة ده، بس لازم تفهم منها في إيه، أنا مش حابة أبدا إنها تكون واخدة مني موقف، ومش هقبل إني أبقى في نظرها زوجة أب.

ابتسم ياسين بخفة:إيه الكلام الكبير ده؟ دي نالا طفلة.

قالت بجدية: وعلشان طفلة، لازم ماتحسش أبدا، بالمفهوم ده، وتفهم إني مش جاية أخد مكان مامتها،

هز رأسه مبتسما: إنتِ مكبرة الموضوع، أكيد زعل أطفال عادي.

تنهدت وهي تنظر أمامها: أتمنى.

أمسك يدها بحنان: حبيبتي، بطلي حساسية شوية.

ابتسمت بخفوت: أنا بكرة هروح لماما؟

أومأ: ماشي… بس خدي الحراس معاك.

ابتسمت:  حاضر.

ثم ساد الصمت بينهما، بينما بقيت لوجين شاردة، وقلبها غير مطمئن، دون أن تعرف أن هناك شيئًا أكبر من مجرد زعل طفلة… شيئا تخفيه نالا في قلبها الصغير.

♥️____________بقلمي_ليلةعادل 

أحد الكافيهات التي تضم بارا خاصا،11م

جلس عماد في ركن بعيد، وأمامه أحد الرجال، وبينهما كأسين كان يمسك بين يديه عدة جوازات سفر، يقلب فيها واحدا تلو الآخر.

جواز له وجواز لسارة وجوازات بأسماء جديدة لأبنائه منها وأخرى لأولاده من صافيناز.

ابتسم الرجل الذي أمامه بفخر: شغل على نضيف أوي ماحدش هيشك في حاجة.

رفع عماد عينيه إليه: تمام.

لكن الرجل سأله باستغراب: بس ليه يا عماد بيه؟
يعني إيه لازمة الأسماء الجديدة والكنية الجديدة؟
إنت ممكن تسافر باسمك عادي.

تغيرت ملامح عماد، وقال بحدة: ماتسألش على حاجة مش اخدت فلوسك،  يلا أخلع من هنا.

أومأ الرجل برأسه سريعا، وتناول الكأس دفعة واحدة، ثم غادر.

أما عماد…فظل جالسا وحده لعدة دقائق، وبعد قليل دخلت سارة.

سحبت المقعد وجلست أمامه: استغربت أوي لما قولتلي نتقابل بره مش خايف حد يشوفنا؟

ابتسم عماد بسخرية: يشوفونا؟!ما أنا وإنتي أصحاب أي حد يشوفنا في مكان عام عادي المهم…أنا استلمت الباسبورات.

مد يده أسفل الطاولة وأعطاها إياها بطريقة خفية:
خليهم معاكي، قريب أوي هنسافر..

صمت للحظة ثم قال: فيه فكرة في دماغي، هانفذها بس مضطر أسافر بره علشانها،  هاقو لهم إني بحاول أظبط شغل صافيناز، بعد ما المستثمرين سحبت فلوسها، ونسبتها من الشركة، ولو الفكرة دي نفعت، هنبقى في أمان، الأمان.

نظرت إليه بقلق: وإيه الفكرة إللي في دماغك؟

ابتسم ابتسامة غامضة: هكلم تيمو.

عقدت حاجبيها: مين تيمو؟

أجاب مفسرا بيشيطانية: أخو إيريك، بس ده دماغه رايحة منه،حامي زي رشدي…مندفع وهيموت وينتقم من سليم وأي شغل سليم بيدخله بيدخل قصاده لسه مش قادر ينسى إللي حصل لأبوه ولو تيمو بقى معانا، إحنا كده خلاص ركبنا وماحدش هايقدر علينا.

شحب وجه سارة قالت بتوتر: أنا خايفة يا عماد، من رأيي نسيب كل حاجة، حتى لو هانعيش بأسماء مزورة، مش مهم، المهم نعيش مع بعض، علشان ولادنا…وعشان ولادك…أقصد…ولادك بالعشرة.

هز رأسه بعناد: لازم يبقى لينا ضهر.

ثم نظر حوله وقال بهدوء: يلا قومي أمشي كأنك شوفتيني وسلمتي عليا ومشيتي، وأقعدي في أي حتة، وأنا شوية وهمشي،  وهحاول أجيلك قبل ما أسافر.

تساءلت: طب قولي اللي اسمه تمساح ده ظهر؟!

جزع على اسنانه بضجر: لا عندي معاد مع الوسيط كمان ساعة، هسالة يمكن يعرف له طريق. 

أومأت سارة، ونهضت بهدوء، ثم ابتعدت عنه.

أما عماد، فظل جالسا ينظر أمامه بإبتسامة رضا
وكأنه يظن، أنه أخيرا أفلت وترك كل شيء خلفه.

لكن…في الطاولة المقابلة…كان رجل يجلس وحده
يضع قبعة منخفضة على رأسه يمسك فنجان قهوته بهدوء، كانت عيناه مثبتتين على عماد وفي أذنه سماعة صغيرة بينما كان عماد…لا يعلم أن خطواته كلها…كانت تراقب.

بعد وقت في قصر الراوي.

الصمت يعم المكان، ولم يكن يُسمع سوى صوت أنفاس الليل الهادئة ونبضات قلب ماسة المتسارعة وهي تتقلب فوق الفراش بجوار سليم، كانت كلمات رشدي ماتزال تدوي داخل رأسها كالمطرقة، تضرب بلا رحمة.

عيناها امتلأتا بالدموع الساخنة، والغضب يحترق في صدرها كجمر حتى كاد يخنقها..

نعم، مرت سنوات طويلة، تجاوزت تلك المرحلة منذ زمن..

لكن بمجرد أن علمت ما فعلوه صحوا بها وجع دفين

هي لا تبكي على الطفل نفسه بقدر ماتبكي على الحقيقة كلها، على أنهم سرقوا منها فرصة أن تكون أما، أن يكون لها طفل من سليم، طفل يحمل ملامحه وملامحها معا..

كلما فكرت في الأمر شعرت بأن النار تزداد اشتعالا داخلها.
بدا اسم صافيناز يضرب في عقلها استمع لها كممسوسة..
صافيناز...
صافيناز...
صافيناز...
من بين الجميع كانت هي أكثر من آذاها ربما أكثر حتى من فايزة ورشدي، قضية تمس شرفها قتلت احتمال أن تكون أم، وربما هناك الكثير

وفجأة...

شعرت وكأن شيئا يطبق على رقبتها، كأن حبلا يلتف حول عنقها ويشد بقوة، فنهضت من مكانها دفعة واحدة.

في اللحظة نفسها فتح سليم عينيه.

نظر إليها باستغراب: عشفي مالك؟ ؟

التفتت إليه بسرعة: مافيش يا سليم.

جلس جانبها ومسح على شعرها بحنان، ثم أشعل الأباجورة.

أخذ يتأمل وجهها للحظات: لا... فيه حاجة،  إنتِ مش عاجباني من بدري.

أجبرت نفسها على الابتسام. مافيش والله، أصلي عطشانة .

لم يرد، نظراته أوضحت أنه لا يصدق كلمة واحدة،
فهو يحفظها أكثر مما تحفظ هي نفسها.

مدت يدها وأخذت كوب الماء واحتست منه عدة رشفات ثم عادت إلى الفراش.

تأملها قليلا والشك يتآكل داخله تنهد ثم اقترب منها واستلقى خلفها.

لف ذراعه حول خصرها وسحبها إلى صدره، وقبل خدها قبلة خفيفة: طب نامي يا عشقي.

أغمض عينيه وكأنه استسلم للنوم.

أما هي، فكانت أبعد ماتكون، ظلت تحدق في الظلام.

الدقائق تمر ببطء شديد حتى خطرت في رأسها فكرة، فكرة جعلت قلبها ينبض بقوة رفعت رأسها بحذر شديد ونظرت إلى سليم.

وجدته مغمض العينين ويتنفس بهدوء انتظرت عدة ثوانٍ أخرى لتتأكد.

ثم بدأت ترفع ذراعه عنها ببطء شديد، ببطء يكاد لا يُرى.

حتى تحررت من بين ذراعيه، جلست على حافة الفراش.

ارتدت عباءتها المنزلية على عجل فوق قميصها ثم اتجهت نحو الباب.

فتحت الباب بحذر، وخرجت من الغرفة أُغلقت الباب خلفها بهدوء.

وفي اللحظة نفسها، فتح سليم عينيه فكان مستيقظا منذ البداية.

تنهد ببطء وهو ينظر إلى الباب المغلق ثم همس لنفسه بصوت خافت: كنت عارف إنك مخبية حاجة يا ماسة...

نهض من مكانه فورا، وعيناه متسعتان بالقلق، ثم اندفع خلفها بخطوات حذرة لا يسمع لها صوت.

كانت ماسة تتحرك في الممر بهدوء غريب، كأنها ليست على طبيعتها، الأجواء كانت مظلمة وثقيلة، وسليم يتبعها من مسافة، يراقب كل حركة منها محاولا فهم ما الذي تنوي فعله، وكلما التفتت حولها كان يختبئ سريعا حتى لا تشعر بوجوده.

صعدت الدرج حتى الطابق العلوي، واتجهت مباشرة نحو غرفة صافيناز. توقفت لحظة أمام الباب، ثم فتحته ببطء شديد.

كانت صافيناز نائمة بعمق، وحدها فعماد لم يأتي بعد، وقفت ماسة عند الطرف الآخر من الغرفة، تحدق فيها بصمت، وعيناها تشتعلان غضبا مشوشا، كأن لونها تغير من شدة الانفعال، ملامحها لم تكن ملامحها المعتادة، بل مزيج من الحقد والألم.

تمتمت بصوت منخفض، مكسور لكنه حاد: إنتي السبب... لازم أخلص عليكي... زي ماقتلتيني، إنتي دمرتي حياتي.

اندفعت نحو السرير بسرعة، أمسكت وسادة صغيرة، وهوت بها على وجه صافيناز بعنف. 

استيقظت الأخرى مفزوعة، تصرخ وتقاوم، تحاول دفع ماسة بعيدا وهي تلهث: إنتي اتجننتي؟! بتعملي إيه؟! بتعملي إيه؟! أبعدي عني!" ألحقوني

صرخت بصوت عالي ...

لكن ماسة كانت وكأنها في حالة انفصال تام عن الواقع، لا ترى ولا تسمع إلا صوت غضبها الداخلي استمرت بكل ما فيها من قوى في السيطرة على الوسادة..

نجحت صافيناز أن تدفعها للخلف بعنف لكن ماسة لم تتوقف عادت مره أخرى ووجهها يشتعل بغضب جعل ملامحها البريئة  تختفي

وواصلت محاولة السيطرة عليها وهي تردد بإنفعال: ليه عملتي فيا كدة؟ ليه؟! عملت فيكي ايه؟! هقتلك زي ما قتلتني.

كانت صافيناز تصرخ وتقاوم رغم ضعفها، بسبب تأثير المهدئات التي في جسدها جعل حركتها أبطأ وأثقل، وكأنها تقاتل وهي تغرق.

كل ذلك لم يستغرق سوى ثوانٍ، لكنها بدت كدهر كامل.

فجأة...أنفتح الباب بقوة.

دخل سليم مسرعا، وعيناه تتسعان من الصدمة: ماسة إنتي بتعملي إيه؟!

اندفع نحوها فورا، وأمسكها من ذراعها بعنف، محاولا إبعادها عن صافيناز. لكنها كانت تقاوم بشكل غير متزن، وكأنها لا تدرك من أمامها.

سحبها بقوة بعيدا، ثم دفعها للخلف وهو يلتقط أنفاسه بصوت حاد: ماسة بتعملي إيه؟!

رفعت عينيها في توتر واضح، نظراتها مازالت مضطربة، كأنها لم تخرج بعد من الصدمة. 

سحبها من ذراعها بقوة خارج الغرفة، صوته منخفض لكن حاد:يلا قدامي... أمشي من غير كلام.

ظلت تنظر له لثواني وصدرها يعلوا ويهبط

جذبها وهو يقول ببحه رجوليه: يلا

وكل ذلك كانت صافيناز تصرخ 

خرجت معه للخارج تسير خلفه بصمت، خطواتها سريعة لكنها غير مستقرة، وعيناها تجولان في المكان كأنها تحاول استيعاب ماحدث للتو. 
وكانها أخيرا عادت لطبيعتها..

كانت الممرات شبه مظلمة، بينما بدأت الحركة تدب في القصر شيئا فشيئا؛ أحدهم استيقظ، وآخر فتح باب غرفته، وهمسات متفرقة أخذت تتعالى تدريجيا
بينما صرخات صافيناز مازالت ترن في أرجاء القصر..

ألتفت سليم حوله بقلق، يراقب أي حركة قد تفضحهما، ثم أمسك بيدها سريعا وسحبها إلى إحدى الغرف القريبة، عبراها في عجلة، خرج منها من الباب الآخر وتجه نحو المصعد بخطوات سريعة.

دخلا إلى الداخل، فضغط الزر فورا، ثم قال بصوت خافت وحازم:ماتطلعيش صوت... فاهمة؟

هزت رأسها بصمت دون أن تنطق بكلمة، وما إن توقف المصعد حتى خرجا بسرعة إلى ممر جانبي أقل إضاءة

سار سليم عدة خطوات، ثم أوقفها فجأة عند إحدى الزوايا، وعيناه تتفحصان المكان بحذر شديد:
استني هنا... ماتتحركيش.

ألقى نظرة سريعة حوله مرة أخرى، فوقع بصره على ياسين الذي يركض من بعيد وخلفه لوجين
جز على أسنانه بضيق وهو يفكر في مخرج سريع، 

ثم لمح غرفة في نهاية الممر، أمسك بيد ماسة وسحبها إليها مسرعا، وأدخلها إلى الداخل قبل أن ينتبه إليهما أحد

سليم بصوت خافت وحازم: خليكي هنا... هرجعلك تاني.

أومأت له بصمت، بينما استدار هو وغادر الغرفة سريعا

ما إن أُغلق الباب خلفه حتى أسندت ماسة ظهرها إليه، ثم ضربت جبينها بكفها وهي تبكي في صمت، لا تعرف كيف ستخرج من هذه الورطة، ولا كيف ستواجه سليم بعد مافعلته.

كان صوت صافيناز يملئ المكان بفزع وهي تركض في الممر: ألحقوني! ألحقوني! ماسة عايزة تقتلني!

على الجانب الآخر، كان سليم يتحرك بسرعة حتى وصل إلى درابزين الدرج، محاولا أن يبدو وكأنه استيقظ للتو على الضجة.

كان الجميع قد خرجوا من غرفهم على أثر الصراخ، حتى الخدم تجمعوا في الممرات بوجوه مذعورة، 

صعد ياسين الدرج مسرعا، ولحق به عدد من الخدم، حتى وصلوا إلى صافيناز التي كانت تقف في منتصف الدرج بحالة من الهلع.

ياسين وهو يقترب: مالك يا صافي.

صافيناز بذعر: ماسة! ماسة كانت في أوضتي! كانت هاتموتني!

توقف ياسين اماهها وأمسك كتفيها محاولا تهدئتها: أهدي بس... أهدي وفهميني حصل إيه بالظبط.

لكنها كانت ترتجف بعنف، وعيناها متسعتين من الخوف قالت بنبرة متلعثمة:كنت نايمة... وفجأة لقيتها فوقي... كانت عايزة تقتلني!"

اقتربت فايزة بسرعة وهي تنظر إليها بعدم تصديق: إيه إللي بتقوليه ده يا صافيناز؟ أهدي بس...وواطي صوتك الباشا تعبان ونايم.

وفي تلك اللحظة وصل سليم إلى الممر، وتوقف أمامهم ببرود محسوب: في إيه؟! إيه الصويت ده؟

التفتت إليه الأنظار جميعا، فأشارت إليه صافيناز بسرعة وهي تلهث: مراتك! دخلت عليا الأوضة كانت عايزة تقتلني!

رفع سليم حاجبه باستغراب بارد، ثم نظر إليها نظرة ثابتة: مراتي نايمة في أوضتها.

اعترضت بصراخ: لا كانت معايا في الاوضه 

اجابها بنبرة حادة يملؤها الاستهجان: إنتِ بتقولي إيه؟ بلاش هبل وجنان.

صافيناز بإنفعال: أنا مش مجنونة! كانت هنا... وفي راجل طويل جه وخدها ومشاها!

أطلق سليم ضحكة ساخرة قصيرة: كمان راجل طويل؟ صافيناز، مراتي نايمة في حضني.

ثم هز رأسه بضيق: كده ماينفعش... شكل الحالة فعلا بتسوء. لازم تروحي مصحة هو جوزها فين؟!

قالت احد الخدامين: عماد بيه لسه مجاش.

صافيناز بعصبية وهي تكاد تبكي: والله كانت هنا! أنا مش مجنونة!

تقدمت لوجين خطوة للأمام وهي تعقد حاجبيها. طيب هاتقتلك ليه أصلا؟"

اجابتها دون وعي: علشان تنتقم مني.

هنا ثبت سليم عينيه عليها، وقد تغيرت ملامحه قليلا سألها بخبث: تنتقم منك؟ تنتقم ليه؟

وقبل أن تنطق بكلمة أخرى، اندفعت فايزة نحوها بسرعة، وقد أدركت خطورة الموقف.

فايزة وهي تحتضنها: يلا معايا على أوضتك، كفاية كلام دلوقتي.

ثم التفتت إلى لوجين: لوجين، تعالي معانا لو سمحتي.

لوجين: حاضر.

وسحبتهما فايزة معها سريعا قبل أن تتفوه صافيناز بأي كلمة قد تكشف الحقيقة.

ساد الصمت للحظات، ثم اقترب ياسين من سليم وهو يراقب رحيلهن.

ياسين متسال: إللي بيحصل ده مش طبيعي. لازم موضوع المصحة ده يتحسم.

تنهد سليم بضيق: هنشوف الموضوع ده... لإن الهانم رافضة تماما خلينا نروح ننام .

والفعل بدأ الجميع يعودون إلى غرفهم، وعادت الممرات إلى هدوئها تدريجيًا.

        ****************

على إتجاهٍ آخر عند صافيناز

دخلت لوجين وفايزة وهما يسندان صافيناز التي كانت ما تزال تبكي بإنهيار، جسدها يرتجف وكأنها لا تقدر على الوقوف وحدها، وعيناها معلّقتان بخوفٍ لا يهدأ.

فايزة بسرعة وهي تحاول السيطرة على الموقف: خلاص يا لوجين، روحي إنتِ… بس لو سمحتي خلي حد من الخدامين يجهز لنا كوباية ليمون.

أومأت لوجين برأسها بإيجاب، ثم انسحبت بهدوء وأغلقت الباب خلفها.

ساد الصمت للحظات، قبل أن تلتفت فايزة إلى صافيناز، وتبتعد خطوة وهي تقول بحدة مكبوتة: إيه إللي كنتِ هاتعمليه ده؟ للدرجة دي مش قادره تتحكمي على تصرفاتك؟! مش قادرة أستوعب! كنتِ رايحة تقولي لسليم إيه؟

رفعت صافيناز عينيها المليئتين بالدموع، وصوتها خرج متقطعًا: بقولك… هي كانت عايزة تقتلني.

هزت فايزة رأسها بنفاد صبر، واقتربت أكثر: ما كانتش عايزة تقتلك يا صافيناز… ماسة كانت نايمة جنب سليم، ومافيش حد كان موجود. أنا جاية من تحت، وشوفت الدنيا كانت هادية… أكيد إنتِ كنتِ بتتخيّلي.

ارتجف صوت صافيناز وهي تجلس على الأرض، وكأنها انهارت تمامًا: ليه… ليه ماحدش مصدقني؟

تنهدت فايزة، ثم قالت بحذر: علشان ببساطة… لو هي فعلا إللي عملتها كان سليم أول واحد هياخد باله، هو فين عماد؟

رفعت صافيناز رأسها بسرعة: مش عارفة.

جالت فايزة بنظرها في المكان، ثم وقعت عيناها على هاتف صافيناز. التقطته بسرعة، وأجرت أتصالًا.
جاء صوت عماد من الطرف الآخر ببرود: ألو

فايزة بشدة إنت فين يا عماد؟!

أجابها ؟ أنا في مشوار شغل مهم.

ردت بحدة: شغل الساعة 1 بالليل؟! عماد إنت لازم تيجي بسرعة… صافيناز صحيت وبتقول كلام غريب.

تساءل: كلام غريب إزاي؟

أجابت: بتقول إن ماسة كانت عايزة تقتلها.

أجابها ببرود: دي بتتوهم مش أول مرة. إللي بيحصل ده هلاوس، مش أكتر.

أشتد غضب فايزة: طب ما أنا عارفة إنها بتتوهم، بس ماينفعش تسيبها قدام سليم كده! لازم تبقى معاها وتسيطر عليها شوية! كانت هاتقول لسليم كل حاجة.

رد عماد ببرودٍ محسوب: أنا قولتلك قبل كده، محتاجة تروح مصحة.

ارتجف صوت فايزة وهي ترد: صافيناز الراوي مش هاتدخل مستشفى مجانين يا عماد! نص ساعة وتكون عندي… الباشا تعبان ومش ناقص يشوف الحالة دي.

ثم أغلقت المكالمة بقوة.

نظرت لها بهدوء: أنا هبعتلك إلهام تقعد معاكي، مش هاينفع أسيب الباشا لوحده، وإللي حصل ده ها اعتبره ما حصلش يا رب تكوني فايقة وفاهمة إللي أنا بقوله؟!

قالت كلماتها تلك وخرجت للخارج،  التفتت إلى صافيناز التي كانت ما تزال تبكي بصمت، وعينيها تتابعان الباب الذي خرجت منه فايزة، وكأنها فقدت آخر خيط أمان لها…

          ****************
على اتجاه اخر، عند سليم 

أما سليم دخل غرفته انتظر قليلا حتى يخلو المكان، ثم فتح الباب بحذر وألقى نظرة سريعة على الممر. وبعد أن تأكد أن الجميع عادوا إلى غرفهم، خرج مسرعا.

توجه مباشرة إلى الغرفة القديمة التي أخفى فيها ماسة.

كانت جالسة على حافة السرير، متوترة إلى حدٍ كبير، تضم يديها إلى بعضهما وهي تنتظر عودته.

ما إن دخل حتى قال باقتضاب: قومي.

نهضت فورا دون اعتراض.

تأكد مرة أخرى من خلو الممرات، ثم اصطحبها معه سريعا إلى جناحه.

وما إن أغلق الباب خلفهما حتى استدار إليها.

نظر إليها طويلا، وعيناه تحملان مزيجا من القلق والغضب وعدم الفهم، ثم قال بنبرة جادة: محتاج أفهم إيه إللي حصل بالظبط؟

توقفت أمامه، وعيناها زائغتان لا تعرف ماذا تقول أو كيف تبرر مافعلته بالطبع لم تكن تستطيع قول الحقيقة.

ابتلعت ريقها ثم قالت بنبرة متلعثمة قليلا:مافيش حاجة، افتكرت إللي عملته فيا.

ابتسم ابتسامة جانبية ساخرة، ثم رفع حاجبه وهو ينظر إليها: شايفاني غبي علشان تقوليلي حاجة زي دي والمطلوب أقتنع؟

تجمدت ملامحه فجأة، وأضاف بنبرة قاطعة لا تحتمل أي نقاش: جاوبي يا ماسة، صافيناز عملتلك إيه؟

توترت ملامحها وابتلعت ريقها، تحركت قليلا، ثم التفتت بجسدها بعيدا عن نظراته وهي تقول ساخرة تخفي خلفها توترها: هي أختك دي تعرف تعمل إيه دلوقتي؟ خلاص بقت عندها هلاوس.

اقترب منها حتى توقف أمامها مباشرة، وملامحه ثابتة لا تكشف ما يدور بداخله: خلاص، بلاش دي! عرفتي إيه؟

رمشت عدة مرات ثم قالت محاولة التهرب: إيه إللي ممكن أكون عرفته يعني يا سليم؟ قولتلك مافيش حاجة، وبعدين هو أنا كل حاجة أعملها لازم أبررها؟

هز رأسه: آه يا ماسة، كل حاجة تعمليها لازم تبرريها

لانت نبرته وملامحه بعتاب محب: هو إحنا مش اتفقنا إننا مانخبيش عن بعض حاجة؟ ولا هانرجع نعيد نفس السيناريو الممل ده تاني؟ 

أمسك يدها وقال بهدوء: قولي يا ماسة إيه إللي حصل؟! فهميني مش هعمل حاجة هكون هادي يلا أنا سامعك 

صمتت للحظة يتبدلون فيها النظرات بصمت فهي تعرف إذا علم بذلك سينهار وهي تريد تحميه من نفسه 

تنهدت وهي تعيد شعرها إلى الخلف بتصميم: يا سليم، قولتلك افتكرت إللي عملته فيا، افتكرت كل حاجة، وإن حياتي ادمرت بسببها، فكنت بنتقم منها وبس.

سحب يديه من يدها، تجمدت ملامح مرة أخرى قائلا بنبرة لا تحمل النقاش: وأنا للمرة التانية بقولك يا ماسة، أوعي تستخفي بيا، أنا متأكد إن فيه حاجة حصلت.

تحركت مبتعدة عنه خطوة، محاولة الهروب من نظراته الثاقبة: وأنا بقولك مافيش حاجة، افتكرت إللي عملته فيا وبس.

ساد الصمت لثوانٍ.

شعر بوخزة، حزين حقيقية في صدره؛ ليس بسبب ما طحدث مع صافيناز، بل لأنها مازالت تخفي عنه أمورا وتصر على أن تبقيه خارج عالمها كلما اشتد الأمر.

أغمض عينيه للحظة ثم قال بهدوء بارد: ماشي يا ماسة براحتك.

رفع عينيه إليها وأكمل: بس أنا هعرف. ولما أعرف، هيبقى لينا كلام تاني خالص.

التفتت له: قولتلك-

رفع يده مقاطعًا إياها قبل أن تكمل بنبرة محشرجه حاسمه: مش عايز أسمع حاجة تاني، ولا عايز أشوفك وإنت بتكذبي عليا..

ثم نظر إليها مطولا، وكان الألم أوضح من الغضب الذي يملئ عينه: بجد زعلان منك أوي، لأنك لحد دلوقتي مش واثقة فيا، ولسه بتخافي، ولسه بتفتكري إنك لازم تشيلي كل حاجة لوحدك.

صمت لحظة ثم أضاف بصوت خافت: ودي أكتر حاجة بتوجعني.

تساءلت بتأثر: وإنت ليه مش مصدق؟

أجابها بصدق: علشان أنا عارف ماسة كويس.

اقترب خطوة وهو يشير إليها بإصبعه: إنتِ لما بتكذبي بتعملي كده، بتتهربي من عيني، وبتعيدي نفس الكلام أكتر من مرة، وبتحاولي تقفلي الموضوع بسرعة.

هز رأسه بخيبة أمل واضحة: خسارة يا ماسة، كنت فاكر إنك اتغيرتي.

اتسعت عيناها بصدمة قالت بنبرة محشرجه حزينه: يا سليم...

لكنه أكمل دون أن يمنحها فرصة للمقاطعة: طلعتي زي ما إنتِ، كل مايحصل حاجة تقفلي على نفسك وتخبّي..

ضيق عينيه وهو يراقب رد فعلها: بتحمي مين؟ فهميني.

صمت لحظة ثم أضاف بمرارة: مش إنتِ إللي قولتي قبل كده إن المظلوم ممكن يتحول ظالم لو انتقامة عماه؟ لو خلى الحقد والكره هما إللي يمتلكوه؟! مش قولتي ماسة هترجع سليم لو خرج عن طريقة
وسليم هيرجع ماسة لوخرجت عن طريقها طب ازاي وانتي لسه بتخبي؟!
تابع  برجاء: قولي، وانا اوعدك مش هعمل تصرف يخرجني عن طريقي، ولو خرجت رجعيني انتي؟!

نظرت له اللحظة فكرت في حديثه هل تقول هل تعترف لكنها تذكرت حديث مكي: سليم مش هاينفع يعرف دلوقتي..

أخرجت أنفاس ساخنة وهزت راسها بعند: وأنا مصرة إن مافيش حاجة دي مجرد تراكمات، تراكمات على كل إللي حصل بسببهم.

قضم وجهه يخذلان وأومأ برأسه ببطء: تمام.

قالها ببرود جعل قلبها ينقبض، ثم استدار متجها نحو الباب.

انتبهت لحركته سريعًا قالت بقلق: إنت رايح فين؟

توقف دون أن يلتفت إليها مباشرة: لما تقوليلي الحقيقة...
ثم استدار ونظر إليها بعينين امتلأتا بالألم:
ولما تثقي فيا، وتبطلي تخافي، ساعتها هبقى معاكي هنا في الأوضة..

تجمدت في مكانها، أما هو فأكمل بصوت هادئ لكنه حاسم: لكن طول ما إنتِ لسه مخبية عليّا، مش هايجمعنا المكان ده يا ماسة..

ابتلع غصته بصعوبة وواصل: مش هقبل بحضن، ولا بكلمة حب، ولا بأي قرب بينا وهو مبني على خوف وقلق وعدم ثقة.

شعرت بوخزة مؤلمة في صدرها، فأسرعت نحوه وأمسكت ذراعه قبل أن يفتح الباب: إنت مكبر الموضوع على فكرة.

نظر إلى يدها المتمسكة به، ثم رفع عينيه إليها.
مكبر الموضوع؟

ابتسم بسخرية موجوعة: لا يا ماسة، إللي مكبر الموضوع مش أنا.

اقترب منها قليلا وهمس بصوت منخفض: إللي مكبر الموضوع البنت إللي بحبها، وإللي وعدتني إنها هتبقى سندي وأكون سندها، واقفة قدامي دلوقتي وبتبص في عيني وبتكدب.

سقطت كلماته عليها كصفعة: عارفة الوجع الحقيقي إيه؟

هز رأسه بأسى أضاف: بعد كل إللي حصل ومرينا بيه بتعيدي نفس الغلطة تاني..

ثم أبعد يدها برفق عن ذراعه وقال بحسم: عن إذنك 

هبطت دموعها فور أن استدار وابتعد عنها، فخرجت خلفه مسرعة قالت بصوت مرتجف: سليم... استنى بس.

لكنه لم يتوقف، ولم يلتفت إليها حتى، واصل السير بخطوات ثابتة حتى دخل غرفته القديمة.

لحقت به قبل أن يغلق الباب: إنت كده بتكبر الموضوع.

توقف عند العتبة والتفت إليها أخيرا، وكانت ملامحه جامدة على غير عادته: لا... مش بكبر الموضوع. أنا بحط للموضوع حد.

حاولت ان تتحدث: قولتلك لو فيه حاجة.

قاطعها فورا: وأنا قولتلك مش عايز أشوفك وإنتِ بتكدبي عليا..

ساد الصمت بينهما لثوانٍ مؤلمة، ثم أكمل بصوت أخفض، لكنه أشد وجعا: خلاص بقى، لما تحبي تقوليلي الحقيقة تعالي.

نظر إليها طويلا قبل أن يضيف: غير كده لأ، ويا ريت أعرفها منك قبل ماعرفها لوحدي يا ماسة..

ارتجفت شفتاها بينما أكمل: فكري في كلامي..

ثم أشار بيده نحو الممر: يلا.. أرجعي أوضتك.
وأغلق الباب في وجهها.

استند سليم بظهره إلى الباب من الداخل، وأغمض عينيه بقوة.

كانت عيناه تلمعان بالدموع رغم محاولته التماسك،
كان يظن أنها تغيرت، وأنها أصبحت أقوى من ماسة القديمة التي كانت تخفي عنه كل شيء وتتحمل وحدها،حتى يستغل الآخرون صمتها ويتلاعبوا بها، ظن أنها تعلمت أخيرًا أن تشاركه مخاوفها وأوجاعها، وأن تعتبره شريكا لها، لا مجرد شخص تحاول حمايته من الحقيقة، لكن ما حدث الليلة جعله يشعر أن كل تلك الجدران التي هدموها معا بدأت ترتفع بينهما من جديد.

أما ماسة، فظلت واقفة أمام الباب للحظات طويلة.
انحدرت دمعة ساخنة على خدها.

رفعت يدها ولمست الباب برفق، كأنها تحاول، الوصول إليه من خلاله.

ظلت مترددة، لا تعرف ماذا تفعل.

ثم شعرت باختناق شديد فضربت جبهتها بالباب بخفة، وأسندت رأسها إليه للحظة قبل أن تستدير عائدة إلى غرفتها بخطوات مثقلة.

دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها ثم ألقت بنفسها على الفراش وانفجرت بالبكاء.

ماسة بين شهقاتها: أعمل إيه يا سليم، أعمل إيه؟

أخفت وجهها في الوسادة وهي تبكي بحرقة: لو قولتلك الحقيقة الدنيا كلها هتولع.

ارتجف جسدها وهي تهمس بصوت مكسور:أنا بحميك... بحميك من نفسك..

أغمضت عينيها بقوة وانهمرت دموعها أكثر: والله العظيم بعمل كل ده عشانك إنت وبس.

بينما كان سليم في غرفته يتحرك بعصبية واضحة.
كان الغضب والحيرة ينهشان داخله.

ضغط على أسنانه بقوة، ثم توقف فجأة وكأن فكرة خطرت في رأسه.

أخرج زفيرا ساخنا، ثم اتجه مباشرة إلى غرفة ماسة.
فتحت عينيها عندما سمعت الباب يُفتح.

رفعت جسدها بسرعة ونظرت إليه بأمل، بينما تمسح دموعها نظر له بطرف عينه، تقدم نحو طاولة صغيرة بصمت.

أخذ حاسوبه المحمول وهاتفه من فوقه، حاولت أن تتحدث.

ماسة: سليم أنا-

لكنه رفع يده دون أن ينظر إليها إشارة واحدة فقط
إشارة واضحة تقول: لا أريد سماع أي كلمة.

ثم استدار وخرج، وأغلق الباب خلفه بهدوء هذه المرة ذلك الهدوء كان أقسى عليها من أي صراخ.

عاد إلى غرفته وجلس على الأريكة، فتح الحاسوب سريعا وبدأ يراجع تسجيلات كاميرات في جناحه هو وماسة.

كان مقتنعا أن شيئًا ما حدث شيئا جعلها تصل إلى هذه الحالة.

ظل يشاهد التسجيلات بدقة، لكنه لم يجد مايفسر مايحدث.

أمسك هاتفه وأتصل بمكي: مكي صاحي

أجابه: أيوه... 

رد: محتاجك تراجع التسجيلات معايا.

تساءل: تسجيلات إيه؟

أجابه: كل حاجة تخص ماسة، شوف لو حد كلمها أو قابلها أو حصل أي حاجة غريبة.

ساد الصمت لثوانٍ.

مكي بتصنع: بس أنا راجعتها من شوية، مافيش حاجة.

أغمض سليم عينيه وهو يفرك جبينه بإرهاق: معلش يا مكي... راجع تاني.

تنهد مكي: طيب.

ثم أضاف بعد لحظة بخبث: بص إنت راجع أوضة النوم والكاميرات إللي حواليها، وأنا همسك الهول والليفينج والجنينة.

سليم: ماشي.

أنهى المكالمة.

ثم عاد ينظر إلى شاشة الحاسوب من جديد.
وعقله لا يفكر إلا في سؤال واحد:
ما الحقيقة التي تخفيها ماسة بكل هذا الإصرار؟

اتصل مكي بماسة دخلت المرحاض وتحدثت هناك بعد أن أخبرها ان سليم يقوم بمتابعتها،  وأخبرها بكل ما حدث معه وما طلبه منه.

أما هي فلم تعد قادرة على التماسك أكثر من ذلك.
قصّت عليه ماحدث بينها وبين سليم، وكيف انتهى الأمر بينهما بهذه الطريقة.

حاول مكي تهدئتها قدر استطاعته: يا ماسة، أهدي بس، إنتِ عارفة سليم عامل إزاي؟! هو زعلان مش أكتر، ولما يعدي الليلة دي كل حاجة هاترجع زي الأول.

ماسة بصوت مبحوح من البكاء: أنا مش قادرة أشوفه بالمنظر ده يا مكي.

مكي بهدوء: بكرة إن شاء الله هاتتصالحوا، خصوصًا إنه راجع التسجيلات كلها ومش هايلاقي حاجة، ماتقلقيش.

أغلقت معه وهي لا تشعر بأي راحة كانت تعرف أن المشكلة لم تعد في التسجيلات المشكلة أصبحت في الثقة.

         ****************

مر الليل ثقيلا على الأثنين.

ماسة لم تستطع النوم وسليم كذلك، كلما أغلق عينيه تذكر نظراتها المرتبكة وهي تخفي عنه شيئا يعرف يقينا أنه موجود.

وكلما أغمضت هي عينيها، سمعت كلماته تتردد في رأسها: بجد زعلان منك، لإنك لسه مش واثقة فيا.

حتى أشرقت شمس اليوم التالي.

دخل سليم الغرفة، وجد ماسة جالسة على طرف الفراش، عيناها حمراوين ومتورمتين من كثرة البكاء.

رفعت رأسها نحوه فور دخوله نهضت واقتربت منه بخطوات مترددة.

ماسة بصوت خافت: ممكن بقى نتكلم يا سليم؟
لم يجبها.

اتجه إلى الدرسنج وبدأ يبدل ملابسه في صمت.
راقبته للحظات ثم قالت: مافيش حاجة، مش إنت راجعت الكاميرات بنفسك؟

استمر في تبديل ملابسه وكأنها لم تتحدث.
شعرت بوخزة مؤلمة داخل صدرها: على فكرة إللي إنت بتعمله ده ماينفعش.

لا رد. ولا حتى نظرةواحدة.

ابتلعت غصتها وقالت: طب نام شوية على الأقل. شكلك مانمتش من إمبارح.

ظل صامتا.

أنهى ارتداء ملابسه، ثم ألتقط هاتفه ومفاتيحه.
أتجه نحو الباب  نظرت إليه بصدمة.

ماسة:سليم...

توقف للحظة ظنت أنه سيلتفت إليها أخيرًا.
لكنه قال دون أن يدير وجهه: لما تكوني جاهزة تقولي الحقيقة، أبقي كلميني، علشان أنا مش هينفع معايا خالص الأسلوب ده.

ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه وقفت مكانها لثوانٍ.

تشعر أن الوجع يضغط على صدرها بقسوة ثم فجأة التفتت نحو الطاولة المجاورة أمسكت إحدى المزهرات الزجاجية، وبكل الغضب والقهر المتراكم داخلها، ألقتها بقوة على الأرض تحطمت المزهرية إلى عشرات القطع.

ماسة بصراخ مختنق: أعمل إيه بس؟!

إنهارت دموعها من جديد،  لو عرف الحقيقة هايدمر نفسه، ولو خبيتها هخسره!

سقطت جالسة على الأرض بين شظايا الزجاج.
وأخفت وجهها بين كفيها وهي تبكي بحرقة، عاجزة عن إيجاد مخرج من الدائرة التي تحاصرها من كل إتجاه.
            ****************
على إتجاه آخر 

هبط سليم إلى الأسفل ليجد مكي واقفا أمام السيارة في انتظاره. اقترب منه سريعا وسأله بلهفة:
وصلت لحاجة؟

هز رأسه بالنفي وقال: لا يا سليم، مافيش أي حاجة ماسة كانت قاعدة في الليفينج بتتفرج على أفلام، وبعدها طلعت أوضتها.

قطب سليم حاجبيه وسأله: ورشدي؟ رجع؟ دخل كلمها أو حصل أي حاجة بينهم وهي تحت؟

اومأ: لا خالص، رشدي طلع على أوضته على طول ومانزلش خالص، انا راجعت كل الكاميرات، حتى إللي في الممرات والأماكن الداخلية... بصيت على كل حاجة طبعًا ما عدا أوضتك.

تنهد ثم أكمل: بس كان فيه حاجة واحدة، ماسة دخلت للهانم في أوضة الموسيقى الصبح، ويبان إنها دخلت مخصوص تهددها، بعدها خرجت وقعدت شوية في الليفينج وبعدين طلعت أوضتها، غير كده، مافيش أي حاجة أنا بعتهولك.

أطرق سليم برأسه وهو يفكر: أنا شفت الفيديو إللي بعتهولي..

مرر يده في شعره بضيق وقال: مش عارف يا مكي، أنا متضايق جدًا. حاسس إني كل ما أتقدم خطوة معاها برجع ميت ألف خطوة لورا، بسبب خوفها، كل ما أفتكر إن الأمور بدأت تتحسن، يحصل حاجة ترجعنا لنقطة الصفر.

نظر إليه مكي باستغراب مصطنع: أنا مش فاهم إيه حصل.

تنهد سليم بعمق ثم قال: خلينا نمشي من هنا مش قادر أروح الاجتماع دلوقتي، خليه يتأجل شوية.. خلينا نروح نقعد في أي كافيه نشرب قهوة.

أومأ مكي موافقًا، ثم تحركا بالسيارة إلى أحد المقاهي القريبة

في أحد المقاهي، 10صباحا 
جلسا أمام بعضهما بعد دقائق، وما وضع الجرسون القهوة تحدث مكي

مكي بعقلانية: والله يا سليم، إللي إنت بتقوله ده غريب فعلا. ماسة مش هتعمل كده من فراغ، ممكن تكون تراكمات نفسية وخوف متراكم من إللي حصل قبل كده.

رفع سليم عينيه إليه بضيق: تراكمات إيه بس؟ إنت كمان هتقول تراكمات؟ بعد كل الشهور دي؟

ضحك مكي بسخرية خفيفة وقال: شهور إيه يا سليم؟ الموضوع كله ماكملش شهرين أصلًا. وبعدين متنساش إنها حاولت تقتل عماد قبل كده وهي في حالة إنهيار.

صمت لحظة ثم مال للأمام وقال باعتراض:: لا... فيه حاجة تانية، وأنا متأكد، لازم يكون حصل حاجة إحنا مش عارفينها، حاجة شافتها، سمعتها، أو عرفتها وخبتها، أنا عارف ماسة.

حك مكي رأسه بحيرة وقال: طب هي هتعمل كده ليه؟

صمت سليم لثوانٍ، ثم تنهد ببطء وهو يشيح بنظره بعيدا: عارفة اني لو عرفت، وقتها هولّع القصر ده كله باللي فيه.

اتسعت عينا مكي قبل أن يهز رأسه سريعا: طب كويس، يبقى خلّيها ساكتة أحسن، إحنا ماصدقنا إنك بطلت جنان وبدأت تفكر بعقلك.

ثم أشار إليه بإصبعه محذرا: أوعى تعمل أي تهور دلوقتي يا سليم، إحنا خلاص قربنا، قربنا نوصل لحاجات كتير، وأهمها مين إللي عمل الحادثة.

ظل سليم صامتًا، فتابع مكي بجدية أكبر: أي حركة متهورة منك دلوقتي هاتضيع كل إللي بنبنيه من شهور، إحنا محتاجين أدلة، مش غضب. ومحتاجين نعرف الحقيقة كاملة، مش جزء منها.

قبض سليم على فنجان القهوة بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه بينما تابع: أسمعني كويس... الانتقام سهل، لكن لو اتحركت قبل الوقت الصح ممكن المجرم الحقيقي يفلت من بين إيدينا.

رفع سليم عينيه إليه أخيرًا. تابع: والدفاع مش مطلوب منك دلوقتي، ولا إثبات إنك قوي. المطلوب إنك تصبر. أول ما نوصل للحقيقة ساعتها أعمل إللي إنت عايزه... لكن قبل كده، لأ.

زفر سليم ببطء، ثم أسند ظهره إلى المقعد وهو يحاول كبح ذلك الغضب الذي كان يشتعل داخله، بينما ظل صوت مكي يتردد في رأسه: إحنا قربنا ماتضيعش كل حاجة في آخر الطريق.

رفع عينيه أخيرًا وقال بصوت منخفض: أكتر حاجة مخوفاني إن علاقتي بماسة ترجع تتدهور تاني، نرجع لنفس الدايرة إللي مش عايز أرجعلها أبدا.

تنهد وأكمل: أنا خايف أخسرها تاني يا مكي، 
اوما برفض: بس لا، انا المرة دي مركز، وعارف ومش هاسيب أي حاجة تضيعنا من بعض..

صمت لحظة ثم هز رأسه بضيق: أنا أصلا حاسس إني غلطت لما زعلتها ورحت نمت في أوضة تانية كان المفروض أحتويها، مش أسيبها لوحدها.

مكي: أهو بدأت تعترف.

ابتسم سليم ابتسامة باهتة مفسرا: زعلت منها، زعلت إنها لسه بتخاف، لسة سايبة شوية جبناء يلعبوا بمشاعرها ويخلوها تتوتر بالشكل ده، أنا عايزها تبقى قوية،  عايزها تعرف إن ماحدش يقدر يأذيها وأنا موجود.

ثم نهض من مكانه فجأة وهو يخرج هاتفه: هتصل بيها، ماكانش ينفع أغضب بالشكل ده، كان لازم أفضل جنبها وأحتويها لحد ماتتكلم، وهي هاتتكلم... دلوقتي أو بعدين..

نظر له مكي بصمت، بينما رفع الهاتف إلى أذنه، وبعد ثوانٍ جاءه الرد.

ماسة بصوت واهن: ألو؟

سليم بلهفه: ماسة.

ساد الصمت للحظة قائلا بعتاب محب: بصّي... أنا لسه زعلان، بس حقك عليا، لو كنت زودتها شوية، كان لازم أحتوي الموقف أكتر من إني أكبره...

سكت لحظة ثم تابع بصوت أكثر هدوءا: بس والله كنت واخد على خاطري منك، لإني بحبك. ومش عايزك ضعيفة، عايزك قوية..

شعرت ماسة بإنقباض في قلبها، لكنها ظلت صامتة واصل: فكري في كلامي، ولما أرجع أحكيلي إللي جواكي كله، ووعد مني... مش هعمل أي حاجة تزعلك...

ثم ابتسم رغم أنها لا تراه: وإنتِ عارفة إن وعد سليم مابيتكسرش.

خرج صوتها خافتًا: طب...

قاطعها بلطف:: مش عايز رد دلوقتي، خدي بالك من نفسك، ونامي شوية عارف إنك مانمتيش، أنا مش هاتأخر.

ثم أضاف بهدوء سلام يا عشقي.

وأغلق الخط.

ظل ينظر إلى شاشة الهاتف لثوانٍ قبل أن يعيده إلى جيبه ويعود إلى مكانه.

كان مكي يتابعه بابتسامة واسعة: والله ماعرفش اتعلمت النحنحة دي إمتى.

رفع سليم حاجبًا وهو يجلس: أسكت يا مكي.

ضحك مكي بصمت: طب ايه مش هنقوم عشان الاجتماع يا مغلبني .

اوما سليم برأسه: يلا 

نهض الأثنان من مكانهما وأتجها نحو الخارج، بينما كان سليم يشعر للمرة الأولى منذ ساعات أن شيئا من الثقل الذي كان فوق صدره قد خف قليلا، على أمل أن يجد ماسة مستعدة للحديث عندما يعود إليها.

باقي الفصل السادس والثلاثون👇( 2)

على اتجاة اخر عند ماسة 

 كانت ماسة جالسة في غرفتها، تبتسم ابتسامة صغيرة لكن مثقلة بالوجع، بعد انتهاء مكالمتها مع سليم كأنها تحاول إخفاء شيء أكبر من قدرتها على الاحتمال 

بعد وقت، طرق باب الغرفة طرقا خفيفا، ثم دخلت سحر بعد أن أذنت لها ماسة.

كانت سحر تحمل بوكيه ورد جميل، اقتربت بهدوء وقالت: ماسة هانم، جالك الورد ده.

أومأت ماسة برأسها وأخذت البوكيه منها، لحظة صمت مرّت وهي تشم رائحته ببطء، كأنها تحاول تهدئة شيء مضطرب بداخلها. 

ثم مدت يدها وأخذت الكارت الصغير المعلق بين الزهور.

فتحت الكارت وقرأت:
"تشبهين الزهور في براءتها وجمالها،
تنحني لكِ القلوب احترامًا لتستنشق عبيركِ، كأنها تعترف أنكِ الأجمل بينها...
تملئين العالم بهجةً، وتتركين خلفكِ أثرًا لا يُنسى من رائحةٍ دافئة لا تشبه سواكِ.
ليت العالم يكون مثلكِ...
صغيرًا في صمته، عظيمًا في جماله،
يمنح من حوله حبًا وسعادة دون أن يطلب شيئًا.
كوني كما أنتِ دائمًا...
فأنتِ كفيلة بأن تجعلين الحياة أجمل بمجرد وجودكِ.
بحبك.
       سليم."
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها وضمت الورد مرة أخرى..

ماسة بهدوء: طب يا ماما سحر، شكراً.، روحي إنتي.

ترددت سحر قليلا، ثم سألتها بقلق: إنتِ كويسة يا ماسة؟

اومأت بسعادة:. لازم أبقي كويسة، أنا هنام خلاص.

اوما سحر ثم خرجت بهدوء وأغلقت الباب خلفها، بينما بقيت ماسة وحدها، تضم بوكيه الورد إلى صدرها بقوة أكبر من اللازم.

خفضت نظرها للكارت مرة أخرى، وابتسامتها ارتجفت، وكأنها بين رغبتين متناقضتين، واحدة تريد أن تطمئن، وأخرى تعرف أن الطريق ما زال مليئًا بالخوف والشكوك التي لم تُحل بعد.

♥️______________بقلمي_ليلةعادل 

في الفيلا التي كان يمكث بها مصطفى،2م

جلس مصطفى وآلاء أمام بعضهما في غرفة المكتب، وهو يراجع معها دروسها ويسمع لها ما حفظته. وكلما أخطأت، كان يمسك المسطرة بمزاح ويقول: افتحي إيدك بقى!

فتضحك بخفة ودلال، بينما يكمل الشرح وكأن شيئًا لم يكن.

وكان كل منهما يختلس النظرات للآخر من أسفل عينيه، دون أن يلحظ أحدهما ما يدور داخل قلب الآخر.

أخذ مصطفى نفسا عميقا، ثم أغلق الكتاب تسالت بقلق: إيه رأيك؟ تفتكري هنجح؟

أومأ بيقين: طبعاً.

ابتسمت بتوتر: يا رب يا دكتور، أنا قلقانة اوي، ومش مصدقة إن الامتحانات خلاص الأسبوع الجاي.

ابتسم بثقة: متأكد إنك هاتنجحي وتطلعي من الأوائل كمان، وهتقولي: مصطفى قال.

ابتسمت بخجل، بينما أكمل هو بنبرة أكثر اهتماما: ماتقلقيش، أنا معاكي، هنعدي من كل حاجة سوا، قوليلي بس، دراعك دلوقتي بقى أحسن ولا لسة بيوجعك؟

رفعت عينيها إليه وقالت بهدوء:  لا الحمد لله، وبصراحة العلاج الطبيعي خلاني أتحسن بسرعة.

سألها: طب تحبي ترتاحي شوية ولا نكمل؟

هزت رأسها بسرعة: لا يا دكتور، بالله عليك خلينا نكمل، أنا متوترة اوي

مال برأسه قليلًا وقال معترضا: دكتور إيه بقى؟ لا، إنتِ تقوليلي يا مصطفى وبس.

نظرت إليه بخجل شديد: مش هينفع.

رفع حاجبه مبتسما: هو إيه إللي مش هينفع؟ هتقوليلي يا مصطفى، ولو فضلتي تقوليلي يا دكتور، هقولك يا دكتورة آلاء… ودكتورة آلاء دي لايقة عليكي أوي، اصلا كلها كام شهر وتبقي دكتورة بجد.

ابتسمت بخجل: بس والله حضرتك…

قاطعها متظاهرا بالضيق: حضرتك كمان! خلصنا من دكتور تطلعيلي حضرتك؟ اسمي مصطفى، أسمعي الكلام يا آلاء. إنتِ بجد عنيدة غوي يا لولو، وأنا كنت فاكرك مطيعة وبتقولي حاضر ونعم.

ضحكت بخفة:  والله العظيم مش قصة عناد بس..

قلب عينه: مافيش بس.

تنهدت باستسلام وهي تبتسم: خلاص… حاضر يا مصطفى.

اتسعت ابتسامته بانتصار:  أيوة كدة. بقولك إيه، إيه رأيك نخرج نشرب حاجة ونذاكر في الجنينة؟ الجو حلو بره، وأنا هسمع شوية تسجيلات علشان من إمبارح مالحقتش، وبعدها أسمعلك وأعملك امتحان، اتفقنا؟

ابتسمت بحماس: اتفقنا.

ابتسم بمكر: يا مين؟

أحمر وجهها، ثم قالت بخجل: يا مصطفى.

ضحك بخفة: طب يلا بينا.

ثم خرجا معا إلى الحديقة، وكانت آلاء تسير بجواره، تختلس النظر إليه من طرف عينيها، وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها.

أما قلبها فكان يدق بسرعة لم تعهدها من قبل.
ولأول مرة، شعرت أن وجوده بجوارها يطمئنها أكثر من أي شيء آخر… بينما كانت بذور حبٍ هادئ تنمو داخلها دون أن تنتبه، وكل ما تعرفه أنها أصبحت تبتسم كلما ناداها بأسمها… بصوته هو.
♥️______________بقلمي_ليلةعادل 

قصر الراوي،2م

غرفة رشدي

خرج رشدي من الحمام مرتديا ملابس منزلية مريحة، بعد أن هذب لحيته وأخذ حماما دافئا، بعد أسبوعين كاملين من التعب والإرهاق، شعر أخيرا بشيء من الراحة.

توقف أمام المرآة، يدقق النظر في انعكاس وجهه، وملامحه الشاحبة، التجاعيد التي زادتها الأيام، وعيناه اللتان تحملان إرهاق سنوات.

وفجأة…

عادت إليه صورة الحادث، أغمض عينيه سريعا، وكأنه يهرب منها، لكن صورة أخرى اقتحمت عقله "ماسة" وحديثه معها، الكلمات التي خرجت منه دون تخطيط، ودون أن يعرف كيف قالها، لكنه، لم يندم، بل شعر ولأول مرة منذ سنوات، أنه فعل شيئا صحيحا.

زفر ببطء، والاختناق يملأ صدره، ثم تحرك إلى غرفة الملابس، بدل ملابسه، ثم اقترب من حقيبة سفر صغيرة، وبدأ يضع بداخلها بعض الملابس والأشياء الخاصة بمي.

وأثناء ذلك، سمع طرقا خفيفا على الباب: أتفضل.

خرج صوته عاليا دون أن يلتفت، بينما انفتح الباب بهدوء ودخلت فايزة بهيمنة اعتادت عليها، لكن وجهها كان متجهما، وعيناها تخفيان شيئا لا يمكن تفسيره.

توقفت عند عتبة الدريسنج تنظر إليه: قالولي إنك رجعت من إمبارح.

رد دون أن يلتفت: آه مي فاقت، ورجعت أخدلها حاجات محتاجاها.

تحرك مبتعدا وهو يحمل الحقيبة، ووضعها على الفراش، ثم اتجه نحو التسريحة وبدأ يفتح الأدراج، يخرج منها بعض الأشياء ويضعها داخل الحقيبة.

بينما تحركت فايزة خلفه، ثم توقفت عند الفراش، تنظر إليه باستغراب: ماكنتش متخيلة إنك عاطفي للدرجة دي تفضل قاعد جمب مراتك كل ده يا رشدي! الصراحة موقف غريب منك؟!

نظر لها بضيق: ليه هو رشدي ده ماعندوش إحساس؟ وإللي كانت مضروبة بالنار دي مش مراته!

ابتسمت بسخرية: لا… عنده إحساس، مافيش إنسان ماعندوش إحساس، بس إنت عندك أحاسيس من نوع تاني.

زفر بإختناق، وعاد يضع بقية الأشياء داخل الحقيبة: أنا مش فاضيلك، ودماغي مصدعة، فسيبيني في حالي وفكك مني.

قاطعته بحدة: لا مافيش وقت، إحنا لازم نتكلم، فيه حاجة مهمة حصلت، ولازم نتكلم فيها، أقعد يا رشدي وبطل أسلوبك الوقح ده.

جلست على الأريكة واضعة ساقا فوق الأخرى: يلا أقعد.

نظر إليها لثواني بإختناق، ثم اتجه نحو المقعد المقابل وجلس يقول بضيق: خير؟

قالت بهدوء: ماسة بقالها فترة بتهددني ..

وفور سماعه تلك الكلمات، ضحك بسخرية، لكنها أكملت: وصلت إنها وقفت قصاد عيني وهددتني.

هز كتفيه بلا مبالاة: طب وأنا مالي بكل ده؟

نظرت إليه بحدة: يعني إيه مالك؟ بقولك ماسة هددتني… وقالت لسليم.

رفع رأسه فجأة، ونظرة قلق ظهرت في عينيه: قالتله إيه؟

تبسمت ابتسامة جانبية: ماتقلقش، قالتله على موضوع خطفها.

تنهد براحة: طب ما هي قايلة له من زمان؟!

ابتسمت ابتسامة غريبة، وقالت بسخط: الجديد بقى، إنه صدق، ومش بس صدق، صدق ودور ووصل لأول خيط إللي لو أتجر هايجر وراه كل حاجة..

أجابها ساخرا: ماتقلقيش الباشا أكيد مقفل ورقه على المضمون.

حدقت فيه بصدمة: هو ده ردك؟

عقد حاجبيه متعجباً: امال عايزاني أقولك إيه؟! أصلا أنا مش فاهم، إنتِ بتقوليلي الكلام ده ليه؟

مالت عليه قليلا، وقالت بحسم: بقولك الكلام ده، علشان، إحنا لازم نحط أيدنا في أيد بعض، ونتخلص من البنت دي بسرعة، قبل سليم ما يوصل لأكتر من كدة.

ضحك عاليا حتى ملأت ضحكاته الغرفة، فنظرت إليه باستغراب: إيه البرود إللي إنت فيه ده؟ بتضحك؟

هز رأسه وهو يضحك بمرارة: أيوه بضحك.. بضحك لإنك لحد اللحظة دي، لسة حاطة ماسة في دماغك، ولسة بتحاولي تقتليها! قوليلي، حاولتي كام مرة تقتليها وفشلتي؟ كام مرة حاولتي تبوظي علاقتها بسليم وبرضو فشلتي! من وقت مادخلت القصر، وإنتِ وراها! وكل مرة بتفشلي، فخلاص بقى، فكك منها، وأقبلي بالأمر الواقع، إحنا خسرنا وماسة كسبت، ماسة وسليم مستحيل يفترقوا، وزي ماقولتلك الباشا أكيد مقفل ورقه كويس، استحالة يعرف حاجة أكتر من إللي عرفه..

هزت رأسها برفض عنيف: مافيش حاجة اسمها الباشا مقفل ورقه! سليم يتخاف منه، وهي كمان يتخاف منها، دى بتقف قدامي وبتهددني كل يوم إنها هاتحكيله إللى حصل زمان وواثقة إنه هايصدقها، إذا كان صدقها في موضوع خطفها بعد إللى شافه بعينه ووصله، واقف قصاد عيني قالي بحبها!!!

عادت بظهرها على المقعد وهي تشير له بإصبعها بهدوء حاد: إنت يمكن قلبك جامد كده عشان ماكنتش معانا المرة دي، بس أوعى تنسى إن كل إللي حصل زمان، إنت كنت جزء منه، ومش بس كده، ده إنت كمان إللي مخططله.

زفر ببطء، وقال بصوت ميت: صح، أنا كنت جزء منه، بس أنا دلوقتي عايز أبعد عن كل ده، ومش عايز يبقى ليا علاقة بأي حاجة، أنا هاخد مراتي وأسافر، وأبعد عن مشاكلكم وقرفكم، كفاية بقي..

صمت للحظة، وشرد في نقطة في الفراغ وتابع بأسي: يمكن لما أبعد عنكم أنجح إني أنضف نفسي، وأكون رشدي جديد يستحق يكون مع واحدة زي مي، رشدي أقف قصاده في المرايا أحبه وأحترامه مش أقرف منه ومن حياته.

ردت بنبرة مستخفة: من إمتى الكلام ده؟

رفع عينيه إليها، بنظرة مليئة بوجع لم تراها فيه من قبل: من اليوم إللي مراتي اتضربت فيه بالنار قدام عيني وماعرفتش أحميها، من اليوم إللي عشت فيه إللي عاشه سليم يوم الحادثة، وأنا شايف مراتي مرمية في العمليات بين الحياة والموت ومش عارف أعملها حاجة، من اليوم إللي فقدت فيه ابني قبل حتى ما أعرف إنه موجود.

انكسر صوته، لكنه أكمل: أنا مش فاهم! إنتِ إزاي بعد كل إللي حصلنا ده، لسه مكملة؟ كلنا عيشنا نفس إللي عاشه سليم وماسة بالظبط، وإنتِ لسة مكملة؟ لسه بتخططي؟ لسة بتفكري في قتلها؟! 

تنهد بإختناق، ثم أضاف بمرارة: لازم تصدقي وتقتنعي، إن حبهم كسب، ماسة الفلاحة كسبت يا فايزة هانم رستم آغا، أرفعي الرايا وسيبيها في حالها، كفاية إللي حصلها بسببنا وهي مالهاش ذنب..

مسح وجهه وهو يهز رأسه بإختناق: سيبيها في حالها، وسيبيني أنا كمان في حالي، أنا خلاص قررت أمشي بمجرد ما مي تخرج من المستشفي،  هاخدها وأسافر ومش راجع تاني... ففكك مني، وسيبيني أشوف أنا بعمل إيه علشان متأخرش علي مراتي.  

كانت تستمع إليه بصمت غريب، أما هو، فتوجه نحو الفراش يكمل تجهيز الحقيبة.

رسمت ابتسامة جانبية على شفتيها، نهضت وتوقفت خلفه، وقالت بهدوء بارد: أنا مش فاهمة بصراحة إيه الكلام الجديد والغريب إللي بتقوله ده يا رشدي؟! إللي يشوفك دلوقتي، مايشوفكش من كام سنة وإنت واقف قصادي نفس الوقفة دي، وبتقولي "عندي خطة جهنمية، هاتخلصنا من ماسة والبيبي

تجمدت يده فوق الحقيبة، بينما أكملت وهي تقترب منه: بلاش جو الإنسانية والضمير إللى صحي ده لإنه مش لايق عليك يا رشدي، كان فين ضميرك ده وإنت بترفع مسدسك وبتهدد السواق يضرب العربية وأخوك فيها ها؟ 

نظرت له من أعلي لأسفل وتابعت: حتي لما طلع علي أخوك العصابة الغريبة واتكاتروا عليه، وقفت تتفرج عليهم وهما بيموتوا من غير ما تتدخل أو تحاول تنقذه، كان فين ضميرك ده وقتها؟! 

التفت إليها يصيح بتبرير: مدخلتش علشان كانوا كتير، وكنت مصدوم معرفش جم منين، لكن علي الأقل كان عندى رحمه وطلبتلهم الاسعاف تنقذهم، لو كنتي مكاني كنتي وديتي سليم بس المستشفي، وسبتي ماسه تموت، طبعا ماهي متستحقش تعيش، ولو الجنين اللي في بطنها كان عاش،  أنا متاكد انك كنتي هتكملي عليه وتقتليه، عشان الايوج بتاعك ميسمحش إن فايزة هانم رستم اغا يكون لها أحفاد من ماسة الخادمه، زي ما سقطيها زمان كدة.. 

أجابت بصرامه قاطعه دون الشعور بأي ذنب: طبعا كنت هعمل كده! انا مستحيل اسمح يكون ليا احفاد من الحشرة دي، ولا إني اتساوى بسعدية ومجاهد الرعاع!! 

هز رأسه وكأن يقول بداخله " مفيش فايدة"

بينما ركزت هي النظر في عينه وواصلت بنبرة قاطعه: ومهما تحاول تقنع نفسك بالكلام الفارغ اللى بتقوله ده، هتفضل الحقيقه واحده، كل اللي حصل لماسة وسليم، من أول الحادثة لحد النهارده، كانت أفكارك أنت...

قاطعها بعنف، بعينان قاتمتان: ومباركتك! 

أضاف يذكرها: حتى لو كانت أفكاري، إنتِ وافقتي وباركتي! ومش بس كده، إنتِ كمان حاولتي تأذيها بعد ما خرجوا من الحادثة كويسين وأبنك فاق من الغيبوبة.

أشار لها بأصبعه بإتهام: قبل ماتلوميني علي أفكاري لومي نفسك؟ هو أنا اتربيت على إيه غير كده؟! غير الكره والحقد والغل؟! إنتوا إللي زرعتوا الكره جوايا ناحية سليم من وإحنا صغيرين!
دايما:
"سليم أحسن…"
"سليم أفضل…"
"سليم… سليم… سليم…"
كان لازم أطلع كده!

أشار إليها بغضب ومرار: وبعدين إنتِ بتحاسبيني على إيه؟! أخ قتل أخوه؟ شوفناها كتير! إخوات بيقتلوا بعض، وبيغيروا من بعض!

واصل بنبرة قاتمة وكأنه يذكرها بجريمتها: لكن عمرك شوفتي أم تقتل ابنها؟! وماتقوليش إنك ماكنتيش هاتقتليه! هو القتل بس إنك تدفنيه في التراب؟! لا… القتل إنك تموتيه بالحياة، وإنتِ عارفة كويس، إن إللي حصل لماسة، كان مموت سليم بالحياة، إنتِ بنفسك شوفتيه أتغير إزاي؟! وكان حزين، وموجوع، ومش متزن، عايش نص بني آدم...

صوته بدأ ينكسر: وده كان إللي أنا بعمله وشغال عليه، لإني كنت عارف الراجل لما بيحب بيبقى عامل إزاي؟! استغليت حبه لماسة علشان أدمره من كرهي وحقدي عليه.

رفع عينيه إليها، والدموع تلمع فيهما: إنتِ بقي دمرتي ابنك بإيدك، وكل مرة كان بيتوجع فيها، كنتي بتشوفيه وبتسكتي، ومكملة ومش عايزة ترحميه، جيتي في مره وقولتيلي كفاية سليم  بيموت وهو عايش؟ بالعكس كرهك لماسة عماكي، وكل يوم كنتي بتتفني معايا في آذاه، وبتدوسي على ماسة وعلى وجع سليم..

ضحك بوهن بسخرية: تخيلي أبنك المدلل عملتي فيه  كل ده؟! أومال أنا هايحصل فيا إيه لو قلبتي عليا..!!

اقترب منها، وعيناه تمتلئان بالقهر: أنا وحش ومجرم وأستاهل أي عقاب، بس أنا أخوه لكن إنتِ كنتي أمه! فاهمة يعني إيه أمه..؟!

نظرت إليه فايزة وكأنه لم يقل شيئا، لم تهتز ملامحها، ولم يظهر عليها ندم بل قالت بهدوء بارد: إنت ليه بتقولي المحاضرة الكبيرة دي كلها؟

تابعت بعدم اقتناع أو شعور بذنب: إيه الغلط لما أحب أشوف ابني عايش سعيد مع واحدة في مستواه؟ أنا مستحيل أسمح أن حاجة تمس سليم طول ما أنا عايشة؟! إنت إللي حاولت تقتل أخوك؟!  وأنا لو كنت أعرف مستحيل كنت أوافق..

أشارت بيدها في وجهه بشدة: أوعى تعمل عليا أنا الوش ده يا رشدي؟! لإني أكتر واحدة عارفة كرهك لسليم واصل لفين؟! 

تساءلت وكأنها لا تشعر بأي خطأ:  بعدين قتل إيه إللي كنت بقتله لسليم وهو عايش؟! هو كان هايتوجع شوية وبعدين خلاص ها أجوزه ست ستها. 

حدق فيها باشمئزاز، وكأن الكلمات نفسها أصابته بالقرف هز رأسه باختناق من تكبرها الذي لا نهاية له

فجأة رد عليها باستهجان حاد: على أساس يعني ماسة دي مش بني آدمة؟! قتلها عادي؟ مستباحة؟ زمان لما وافقتي علي قتلها هي وإللي في بطنها كان عادي؟ ولما سليم اتأذى تبقى مصيبة بقى رشدي قاتل أخوه، لكن قتل ماسة وإللي في بطنها كحك بسكر؟!

اومأ برأسه بضجر: آها أنا حاولت أقتل سليم زمان، لإني وقتها كنت غبي! كنت فاكر إن هو المشكلة، طلع مسكين زيي ودفع الثمن أكتر مني، بس أهو با أحاول أصلح إللي عملته زمان..

تابع باستهجان مستنكرا: وبعدين جاية تقوليلي ليه؟ أتصلي بالباشا خليه يجيبلك قناص تاني، زي القناص إللي جبتوه يقتلها علشان تموتوا السر معاها وفشل، ولا أعمليلها قضية قذرة زي إللي عملتوها تاني، ما إنتوا بتعرفوا تحلوها مع بعض، بتعرفوا تسلكوا أموركم من غيري، بتدخليني أنا ليه؟!

صمت للحظة، وتابع بابتسامة ساخطة بسخرية: ولا أقولك قولي لعماد، أنا أقطع دراعي من هنا لو مكانش هو ومراته إللي كملوا باقي الحادثة، وإنهم تبع العصابة المجهولة، روحي قوليله.

ارتجف صوته وهو ينظر لها بعينان مشتعلة بالاتهام: أنا أصلا مش مستبعد تكونوا إنتوا ورا إللى حصلي أنا ومي، ما هي زى ماسة وخلتني مش علي هواكم!

ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت بتهكم: لا أطمن، التغير إللى عملته مي فيك جاي علي مزاجي، علي الأقل دلوقتي أقدر أقول للناس إنك ابني من غير ما أبقي مكسوفة من تصرفاتك! 

تابعت وهي تشير بأصابعها في وجهه: وماتقارنش نفسك بسليم، علشان إنتوا الأتنين مستحيل تتحطوا في خانة واحدة..

نظر لها بغيظ وقهر لكنها تابعت بتحزير آمر: عامة أنا ها أعتبر الكلام السخيف إللى اتقال ده علشان بس أعصابك تعبانة من إللى حصل لمراتك..

أشارت بإصبعها وهي تركز النظر في ملامحه دون أن ترمش بتحذير: لكن لازم تفكر كويس أوي في إللى طلبته منك، لإن الحبل ده لو أتفك، هايشنقك إنت أول واحد، ومش إحنا بس إللي هانتحاسب، لاااا، إنت أولنا، وأعتقد إن إنت دلوقتي عندك إللي تخاف عليه، وبسببه عايز تجري وتهرب برة، فاكر إنك كده هاتحمي نفسك؟

أومأت بإزدراء مسحوب بإبتسامة سخرية: لا يا رشدي تبقى غبي، حمايتك في وجودك معانا، لكن طول ما إنت بعيد… ولابسلي الوش الجديد إللي مش لايق عليك ده…رصاصة سليم مش هاتعرف تهرب منها، خصوصا لما يعرف إللي عملته في مراته.

لمعت عيناه بغضب لم تره فيه من قبل: بتهدديني؟

ابتسمت أكثر وهي توميء برأسها: لا أنا بفكرك علشان شكلك بقيت تنسي كتير الأيام دى، تخيل سليم لو عرف ممكن يعمل فيك إيه؟ ومش هو بس،  ومي كمان إللي مش هتبص في وشك تاني، إنت مش بس بتحمي نفسك من سليم، إنت بتحمي جوازك كمان،  لو المستور أنكشف...

اقتربت منه، وعيناها مليئتان بالبرود: ساعتها، لا أنا ولا الباشا هانعرف نحميك..

نظر إليها بصمت مخيف ثم ضحك فجأة وقال بثبات رغم النار التي اشتعلت في عينيه: ماتقلقيش عليا، أنا ها أعرف إزاي أحمي نفسي كويس، معايا إللي يحميني،  الدور والباقي عليكم أنتم؟!

ثم أشار بيده محذرا: ويكون في علمك لو اتأكدت إن ليكوا يد في إللى حصل لمراتي، لها أقلبها عليكم جحيم وها أروح بنفسي لسليم، وها أقوله كل حاجة حصلت.

استدار يغلق الشنطة بعنف وهو يردد: فرأيي بدل ما إنتي شاغلة تفكيرك بماسة وإزاي تخلصي منها، أشغلي نفسك بإنك تمنعي الشك إللي جوايا يبقي حقيقة!

أمسك الحقيبة بيده، ونظر لها مباشرة بعينين قاتمتين: لإني ساعاتها صدقيني مش ها اسمي علي حد!

قال كلماته تلك، ثم استدار وغادر بخطوات غاضبة، تاركًا خلفه فايزة التي ظلت تحدق في أثره للحظات، قبل أن تجز على أسنانها بضيق، وتضرب بيدها بقوة على ظهر الفوتيه وهي تتمتم بغيظ:
"عيل غبي!"
أطلقت زفرة حادة، ثم بدأت تتجول في الغرفة بعصبية، تشعر بأن كل شيء يفلت من بين يديها، وأن الأمور التي ظنت يومًا أنها تحت سيطرتها أصبحت تزداد تعقيدًا مع كل لحظة. فكلما حاولت إصلاح شيء، ظهر ما هو أسوأ، حتى باتت تشعر بأن الخيوط التي نسجتها بنفسها بدأت تلتف حول عنقها، وأن القادم لن يحمل لها سوى المزيد من العواصف.
خصوصًا بعد مرض صافيناز، التي أصبحت خارج نطاق سيطرتها تمامًا، فلم تعد قادرة على متابعة ما يدور حولها أو التدخل كما اعتادت دائمًا. ورشدي هو الآخر ابتعد، تاركًا إياها وحيدة في مواجهة تلك العواصف المتلاحقة، بلا سند حقيقي، بينما كانت تشعر للمرة الأولى بأن الأرض التي وقفت عليها طويلًا بدأت تتصدع تحت قدميها، وأن كل ما بنته بيديها قد ينهار في أي لحظة.

           *****************
على اتجاه اخر، في غرفة ماسة 

استيقظت ماسة على شعور بالغثيان، فتنفست بضيق وهي تضع يدها على صدرها، ثم قالت بصوت منخفض متعب: لا بجد كدة كتير.

جلست للحظات تحاول استيعاب مابها، ثم عادت في ذهنها كلمات مكي: ممكن تكوني حامل، وسليم ممكن يكون خف.

رفعت عينيها إلى السقف في توتر، وكأنها تخاف أن تركض خلف وهم جديد يخذلها مرة أخرى، هزت رأسها بانزعاج..

ثم أمسكت هاتفها وكادت تتصل بوالدتها، لكنها توقفت فجأة.

خافت أن يسمع سليم المكالمة، أو أن يطرح عليها أسئلة لا تملك لها إجابات.

ترددت قليلا، ثم دخلت إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها، جلست على حافة البانيو، وأخذت نفسا عميقا قبل أن تضغط زر الاتصال.

بعد لحظات جاء صوت، سعدية: ماسة... عاملة إيه يا بنتي؟

ماسة بصوت خافت: مش كويسة خالص.

بتوتر ردت: ياقلب أمك... ليه؟

سكتت ماسة لحظة، ثم بدأت تحكي لها كل ماحدث، وكأنها تخرج ثقل الأيام من صدرها بعد أن انتهت، 

 سعدية بضيق حاد: يانهار أسود! لازم تقولي لجوزك.

توترت ماسة فورا:خايفة...

سألتها بتهكم: خايفة من إيه؟!

بتوضيح: خايفة عليه، إحنا وصلنا لمعلومات خطيرة، ولو سليم عرف حاجة زي كده هايتجنن وهيقلب الدنيا، وممكن نرجع ألف خطوة، ومكي نفسه شايف كده.

سعدية بغضب: ربنا يبتليهم بمصيبة ويحرق قلبهم! حسبي الله ونعم الوكيل فيهم!

تنهدت ماسة ثم غيرت الموضوع:: طب يا ماما، أعمل إيه في الموضوع تاني؟

سالتها: هي بقالها قد إيه ماجتش

سكتت للحظة، وكأنها لأول مرة تنتبه للوقت فعلا: بصراحة... ما أعرفش..

ردت بإستهجان: يعني إيه ماتعرفيش؟ أمال مين إللي يعرف يا فلاحة.

ماسة بتبرير مرتبك: والله يا ماما ماركزتش، من ساعة مارجعت من عند مصطفى وأنا في مشاكل وحوارات، 
ماخدتش بالي من حاجة عموما هسأل سليم 

ردت عليها بتهكم ساخر: ليه هي بتجيلوا هو.

ضحكت ماسة: ياماما ايه إللي بتقوليه ده؟!

ردت: أصلك بتقولي كلام يعصب..

بتوضيح: هو بيركز عني ده إللي أقصده

ردت بعقلانية: خلاص، اسمعيني، إنتي تعملي اختبار حمل ونشوف..

ارتبكت ماسة فورا: لا مش هاينفع، لو طلع مافيش حمل سليم ممكن يزعل أوي.

سعدية بهدوء: يا بنتي أنا حاسة إنك حامل، أعراضك كلها بتقول كده ترجيع، ودوخة ونفسك بالحادق، وكل إللي بتحكيه ده حمل، بعدين هو الحمل جديد عليكي يا ماسة ما إنت شيلتي في بطنك مرتين..

حاولت التوضيح، لكن صوت أمها كان حاسما: روحي أعملي تحليل دم، ويكون في السر، قوليله هروح مع سلوى تشتري حاجة، أو خدي مرات ياسين معاكي مش رجعت ولا هيرفض؟!

ترددت ماسة: ماعتقدش إنه هيعارضني...

أجابتها بحنان: خلاص روحي يا بنتي وطمني قلبك، وأنا واثقة في ربنا إنه هايفرحكم..

بدأت ماسة تتأثر بكلامها، ودمعت عيناها قليلا: يا رب يا ماما، أنا نفسي أكون حامل، بس خايفة أفرح على الفاضي، خايفة أتمسك بأمل وأصحى على وهم أصلا أنا من ساعة ماعرفت إني ماسقطتش علشان كنت صغيرة هاتجنن، الطفل ده كان ممكن يفضل موجود، حرموني من فرصة إني اكون أم، خايفة يكون أمنية كلنا بنتمناها فعلشان كده بنتشعبط، بنتشعبط في أي أمل..

سعدية بلطف: تفائلي بربنا يا بنتي، وربنا كريم، وإن شاء الله يرزقك باللي نفسك فيه، إنتي وسليم وأنا متأكدة إنك هتروحي وترجعي مجبورة الخاطر ثقي في ربنا.

مسحت ماسة دموعها سريعا وقالت بصوت خافت: ونعمة بالله، ماشي يا ماما، بس خلينا لحد ما اتأكد، ماحدش يعرف حاجة.

سعدية: ماتخافيش...

أغلقت ماسة الهاتف، وظلت جالسة مكانها للحظات، تضع يدها على صدرها، بين خوفٍ لا يهدأ... وأمل صغير بدأ يتسلل رغما عنها أخذت نفس عميقا يبدو أنها اتخذت قرارها هاتواجه

رفعت هاتفها مرة أخرى، ثم ضغطت على اسم لوجين وأتصلت بها.

لوجين: ألو؟

ماسة بسرعة: لوجين، بقولك إيه؟! إنتِ في أوضتك ولا فين؟

لوجين: لا، تحت.

ماسة بتنبيه: طب اسمعيني كويس. تعالي أوضتي بعد شوية وقولي إنك عايزة تنزلي معايا نشتري أي حاجة أو نروح الكوافير أو أي حوار، المهم ماتسأليش دلوقتي، وماترديش على كلامي، هفهمك كل حاجة لما نخرج من القصر ماتقوليش أسمي..

سكتت لوجين لثوانٍ بإستغراب: طيب... ماشي. سلام.

أغلقت ماسة المكالمة، ثم خرجت من الحمام وجلست على الأريكة أمام التلفاز، تحاول التظاهر بالهدوء.
بعد دقائق، طُرق الباب.

ماسة: أدخل

دخلت لوجين وهي تحاول إخفاء حيرتها.

لوجين بحماس مصطنع: ماسة! بقولك إيه، ماتيجي ننزل نتمشى شوية؟ نروح الكوافير مثلا. نفسي أغير شعري وأعمله أحمر.

رفعت ماسة عينيها إليها وقالت بسخرية: والله إنتِ رايقة حد يخرج في إللي إحنا فيه ده.

نظرت لها لوجين بتعجب وكأنها تقول لها إنتي مجنونة؟!

بينما ماسة مدت وجهها ففهمت لوجين قالت بتمثيل: بصراحة مخنوقة وعايزة أعمل أي حاجة وخلاص.

ثم أضافت وهي ترمش لها بخفة:: يلا أتصلي بسليم وقولي له.

أومأت ماسة، ثم أمسكت هاتفها واتصلت بسليم.

في الجهة الأخرى.

كان سليم يجلس في اجتماع بأحد المطاعم. وما إن رأى اسمها على الشاشة حتى استأذن للحظات وابتعد عن الطاولة قبل أن يجيب سريعا بابتسامة: إيه يا عشقي؟ جالك الورد؟

ابتسمت ماسة دون أن تشعر جالي من بدري وأخدته في حضني ونمت شوية بصراحة، علشان مانمتش طول الليل.

ثم أضافت بمشاكسة: بس إيه ده؟ إنت بقيت شاعر وإحنا مانعرفش؟ هانقول لك سليم القباني بعد كده

ضحك وهو يهز رأسه: طب بطلي لماضة شوية عشان أنا مشغول ها يا ماستي تأمري بإيه؟

قالت بدلال: عايزة أخرج مع لوجين، نتمشى شوية ونروح الكوافير، وماتقوليش لا، وحياتي. مخنوقة بجد. هاخد عشري معايا.

تنهد سليم باستسلام: طيب، ماشي.

أضاءت عيناها فورا: بجد؟

اومأ: آه بجد، بس خدي بالك من نفسك، ولو حد من الصحفيين اتعرضلكم، ما تردوش عليهم، وخلي الحراس يتصرفوا.

ثم أضاف بجدية: وأنا هكلم عشري وأبلغه.

ابتسمت ماسة أخيرا، ابتسامة حقيقية هذه المرة: شكرا يا أحلى كراميل في العالم بحبك موت موت أمووووواه باي 

أغلقت الخط بسرعة وهي تضحك لأول مرة منذ أمس.

أما سليم، فظل ينظر إلى الهاتف للحظات قبل أن يهز رأسه مبتسما ويعود إلى اجتماعه، غير مدرك أن زوجته لم تكن تريد الخروج للتنزه... بل كانت ذاهبة لتعرف إن كان الحلم الذي انتظرته طويلا قد بدأ أخيرا أم لا.

نظرت ماسة إلى لوجين وقالت بسرعة: طب روحي إنتِ البسي وأنا هلبس.

أومأت لوجين برأسها وغادرت الغرفة، بينما أسرعت ماسة لتبديل ملابسها، كانت متحمسة بشكل لم تشعر به منذ فترة طويلة، وقلبها يدق بقوة بين الخوف والأمل.

وبعد دقائق هبطت إلى الأسفل، لتجد لوجين بانتظارها.
           
         ****************
في الجهة الأخرى

كانت فايزة تراقبهما من نافذة الصالون وهي تحتسي قهوتها، ضاقت عيناها قليلا وهي تراهما تغادران معا، ثم مسحت على فنجانها بأصابعها وظلت تفكر في شيء مابصمت.

دخلت فايزة إلى غرفة عزت، حيث كان ممددا على الفراش، تبدو عليه ملامح الإرهاق.

قالت بحدة مكبوتة: إحنا لازم نتخلص من ماسة قريب يا عزت.

تنهد ببطء، ثم أجاب بصوتٍ متعب: لسه شغلة دماغك في موضوع ماسة يا فايزة؟ عندنا مشاكل أكبر من كدة بكتير.

اقتربت منه بتوتر، وقالت بعصبية واضحة وهي تتحرك في المكان: إنت ماتعرفش إللي حصل، هي بقت خطر، أخطر مما تتخيل طول الفترة إللي فاتت كانت بتلعب بيا، وتهددني، وهي حاطة عينها في عيني، خصوصا بعد ماسليم عرف.

ارتسمت الصدمة على وجه عزت، فمال بجسده قليلا:
عرف إيه؟

ارتبكت للحظة ثم قالت بصوتٍ مضطرب: ماكنتش عايزة أقولك، بس لازم تعرف، سليم قال لي إنه إللي وصل الرسالة إللي بعتها لما اتفقنا نودّي ماسة المستشفى، علشان نقدر نخطفها، بس لحد دلوقتي ماوصلش لأكتر من كدة

صرخ بحدة: وماتقوليش حاجات زي دي إزاي!

ردت بضجر متوتر: أقولك إزاي وإنت تعبان..
تنهد ثم أكمل: عموما، هو مش هايوصل لحاجة أكتر من كده، أنا واخد احتياطي ماتقلقيش.

ثم رفع عينيه إليها ببرودٍ متعب: وبخصوص ماسة، سيبيها دلوقتي. لو كانت عايزة تتكلم كانت اتكلمت من زمان، هي بس بتلعب في أعصابك.

ارتبكت وجلست مقابلة له، سحبت سيجارة من علبة السجائر الموضوعة على الكومود كانت أعصابهما مشدودة، وكأن الغرفة نفسها تضيق عليهما.

قالت بصوتٍ مهتز: إنت ماتعرفش الضغط العصبي إللي أنا فيه… أنا عمري ماتحطيت تحت ضغط زي ده، كل حاجة بتنهار حواليا… صافيناز حالتها النفسية مدمرة، ولا رشدي، إنت ماسمعتش رشدي قال لي إيه؟!، خسيس، هددني أنا وقال لي هقول لسليم تخيل..

تبسم عزت بسخرية وقال: وإنتِ صدقتيه؟

عقدت فايزة حاجبيها فأكمل وهو يهز رأسه: تفتكري هيفضح نفسه يعني؟

صمت لحظة ثم تابع: مش إنتِ بنفسك إللي قولتيلي زمان إنه كان صاحب أغلب الأفكار إللي كنتوا بتعملوها؟ الضغط النفسي على ماسة، التهديد بأهلها، وحادثة أبوها، كل ده مش كان من تخطيط رشدي؟

هزت فايزة رأسها بالإيجاب.

تنهد عزت وقال بعقلانية: يبقى خلاص هو دلوقتي بيقول أي كلام وخلاص.

ردت بتوتر وهي تسحب من دخان سيجارتها: بس هو قال إنه معاه حاجة تنقذه من سليم 

ضحك بسخرية أكبر: وإنتي برضوا صدقتي هيكون معاه إيه؟! بيقول كلام، وخلاص مالك بقيتي خفيفة ليه كدة يا فايزة 

ثم نظر إليها مباشرة وأضاف: وإنتِ عارفة رشدي كويس. عمره ماهيعترف بحاجة تدينه بسهولة.

رمشت فايزة بعينيها وأخرجت نفسا عميقا بقلق يبدو أنها حتى الآن لم تقتنع،ثم مال للأمام، وخفض صوته بنبرةٍ حاسمة تابع: بصي يا فايزة… إحنا مش هاينفع نخسر سليم دلوقتي خالص، أي غلطة ممكن تفتح علينا النار… وسليم ممكن يجمع الخيوط، فعلا هايكتشف كل حاجة، أنا دلوقتي محتاج له جدا جدا علشان أرجع كل الخسارة إللي إحنا خسرناها، أركني ماسة على جنب، طول ما إنت ما بتضايقيهاش هي هاتفضل ساكتة ط ومن ناحية إن سليم يوصل لأكتر من إللي وصل له؟!  أنسي لإن أنا عارف أنا مقفل علي كل حاجة إزاي، أنا عزت الراوي أوعي تنسي

أومأت بصمت رغم قلقها المثقل 
♥️____________بقلمي ليلةعادل

أما في الخارج، فكانت السيارات جاهزة. 

كان عشري بانتظارها بعد أن أخذ أوامر من سليم، اقتربت ماسة منه وهمست: بقولك إيه ياعشري، إحنا هنروح مكان قبل الكوافير.

ألتفت إليها باستغراب: مافيش مشكلة، الملك قالي أشوف الهانم حابة تروح فين.

اومأت: عارفة، بس المكان ده ماينفعش سليم يعرفه دلوقتي.

عقد حاجبيه برفض: يا هانم، الكلام ده ماينفعش.

ابتسمت له محاولة اقناعه: هينفع والله، ده أول طلب أطلبه منك، وبعدين أنا دايما بقول عليك عسول وبتسمع الكلام... مش زي مكي رخم.

رد بتوتر: يا هانم، على عيني وراسي... بس 

قالت بماقطعة: مافيش بس بقى، يلا أسمع الكلام.

اومأ بتردد: طب الموضوع ده فيه حاجة خطيرة؟

أومأت بسرعة: لا خالص بالعكس، لو طلع صح هيبقى أسعد خبر في حياة سليم.

نظر إليها لثوانٍ، ثم اومأ باستسلام 

صعدت ماسة ولوجين إلى السيارة، بينما جلس عشري في المقعد الأمامي تحركت السيارة، 

ما إن ابتعدوا قليلا حتى التفتت لوجين إليها تتساءل أنا بقى مش فاهمة حاجة، فهميني إحنا رايحين فين؟

خفضت ماسة صوتها: رايحة لدكتورة.

رفعت حاجبها بتعجب: دكتورة؟ ليه؟

ترددت قبل أن تهمس: أصل أنا شاكة إني حامل.

وضعت لوجين يدها على فمها من شدة المفاجأة:
بجد؟!

أومأت بتوتر: بس أصبري أنا مش متأكدة وخايفة أفرح سليم وأفرح نفسي وفي الآخر يطلع مجرد وهم.

ابتسمت لوجين بحماس: يا رب يكون حقيقي.
ثم أضافت:زتعرفي دكتورة كويسة؟

أومأت: آه، الدكتورة اللي كنت بروحلها قبل كده.

ثم أعطت ماسة العنوان لعشري، بعد فترة، وصلت 
السيارات إلى إحدى العيادات الخاصة.

ما إن قرأ عشري اسم العيادة حتى اتسعت ابتسامته وفهم كل شيء، لكنه لم يقل كلمة واحدة.

صعد معهما بينما بقي الحراس في الخارج، سجلت ماسة اسمها وانتظرت دورها بقلق شديد بينما كانت لوجين تربت على قدميها.
             **************
في المستشفى التي تمكث بها مي٤م

كانت مي متمددة على الفراش، وقد بدت ملامحها أفضل قليلًا، بينما كان رشدي يجلس أمامها ممسكًا بيديها بين كفيه، وعيناه لا تفارقان وجهها.

قال بصوت مشتاق: وحشتيني… وحشتيني أوي، لحد دلوقتي مش مصدق إنك قدامي. أنا مش ها أمشي تاني، أنا قاعد معاكي.

ابتسمت مي بحنان: وأنا أصلًا مش ها أخليك تمشي بس كده أحسن، شكلك نمت وارتحت… حتى وشك بقى مرتاح.

ومسحت على خده برفق: ودقنك؟ كدة بقيت أحلى 

ضحك بخفة وقال: والله يا مي، أول ما روحت طلبت من الخدامة تعمل لي أكل، أكلت واتدلدقت زي الجردل على السرير، وما صحيتش غير تاني يوم! مش عارف نمت كل ده إزاي.

تبسمت: علشان كنت مرهق وتعبان.

أجابها غير مقتنع: ما أنا كنت بنام هنا برضو، يعني كنت بخطفلي ساعتين تلاتة.

أجابت بنبرة واهنة: بس أكيد دماغك كانت تعبانة

زفر ببطء: فعلا… دماغي تعبانة.

ثم نظرت إليه وتساءلت:  قولي بقى، إيه الأخبار طول الفترة دي؟ كنت… بتشرب؟

أطرق برأسه للحظة، ثم قال بصراحة: مش عايز أكدب عليكي آه، كنت بشرب، ماكنتش قادر أوقف، أعصابي كانت تعبانة جدًا، وخوفي عليكي كان واكلني. كنت باخد جرعات صغيرة بس.

هزت رأسها بتفهم لكنه متعب: يا رشدي، حاول تقتنع إن حتى الجرعة الصغيرة في الأول وفي الآخر جرعة وغلط. عموماً أنا مش زعلانة، كنت متوقعة ده… بس إحنا وعدنا بعض.

أمسك يدها وقبلها: والله العظيم على وعدنا، أنا كلمت مصحة وحجزت، ومستنيين بس تخرجي بالسلامة، وآخدك ونسافر، وأقولك على حاجة كمان هناخد معانا جنة. ها أعملك كل إللي نفسك فيه، ومش ها أسيب حاجة تقدر ترجع الضحكة للوش القمر ده إلا وها أعملها.

ابتسمت بحب بصوت يخرج محشرج من التعب: تعرف؟ هي وحشتني أوي، عايزة أكلمها.

اومأ بحماس: تعالي نكلمها.

رفع هاتفه واتصل، فردت إسعاد:  ألو، إزيك يا حبيبي؟ عامل إيه؟ إحنا عرفنا بالحادثة وحاولنا نكلمك كتير، ما كنتش بترد. قولي مراتك كويسة؟

اجاب: الحمد لله إحنا كويسين. جنة جنبك؟

ردت: آه، استنى أنده عليها.

أخذت جنة الهاتف بسرعة: ألو! رشدي وحشتني.

فتح السماعة الخارجية، وقال مبتسما:وإنتِ كمان وحشتيني، طمنيني عليكي.

قالت بنبرة طفولية: أنا كويسة، عرفت إن أنت ومي عندكم واوا كبيرة وروحتوا مستشفي، إنتوا كويسين؟

خرج صوت مي الضعيف لكنه مليء بالحب: آه يا حبيبتي، إحنا كويسين أوي. إنتِ عاملة إيه؟

أجابت: الحمد لله… كنت عايزة أجي، بس رحمة وتيتا، قالولي إن رشدي هايزعل منك.

ضحك: لا يا ستي، أول ما مي تبقى كويسة هاجي آخدك، وهاتشوفيها قريب.

ردت: ماشي.

قال: طيب هانقفل دلوقتي عشان مي ماتتعبش.

ردت: ماشي باي يا مي.

أجابتها بنبرة واهنة: مع السلامة يا قلب مي.

أغلق رشدي الهاتف، ثم التفت إليها مبتسمًا:  مبسوطة يا ستي؟

هزت رأسها بسعادة: أوي.

صمت للحظة ثم قال: طب بقولك إيه؟! أنا جعان، وفطار الصبح ماعملش معايا حاجة. ها أطلب غدا ناكل سوا.

أومات::ماشي.

وبالفعل طلب الطعام، وبعد قليل جلسا يتناولان الغداء معًا.

كان يطعمها بيده بحنان، لكن كل بضع دقائق كانت عيناه تهربان نحو الجرح الممتد بجسدها، ويغيب بعيدًا.

لاحظت شروده، فقالت برفق بنبرة متعبة: مالك يا رشدي؟

تنهد بألم:  كل ما أبص للجرح ده، أحس بوجع وذنب.

مسحت على خده: ما تحملش نفسك ذنب مالكش علاقة بيه… ده قدر ربنا، وكان مكتوبلي أشوفه.

هز رأسه بعناد: أنا السبب يا مي مهما هربنا، أنا السبب.

ربتت على كتفه بحنان: خلاص بقى، هو أنا إللي تعبانة ولا إنت؟ مفروض إنت إللي تهديني.

ابتسم بحزن، ثم مال برأسه وقبل خدها قبلة طويلة، وعاد يطعمها بنفسه.

ثم نظر إلى موضع الجرح بقلقٍ واضح، ثم سألها بصوتٍ هادئ: قوليلي يا مي… الجرح لسه بيوجعك؟

ابتسمت له ابتسامة صغيرة وهي تهز رأسها: لا، مش أوي… غيرولي عليه الصبح، وبقيت أحسن.

ثم أضافت بحنان: وبابا فضل معايا طول الليل، ما سابنيش غير لما إنت جيت.

ابتسم رشدي وهو يربت على يدها: أنا شفت الدكتور قبل ما أدخل، وقالي إن شاء الله الفترة الجاية هاتكوني أحسن بكتير، بس لازم ما تتعبيش نفسك، لا بالكلام الكتير ولا بالحركة.

تنهد وهو يبتسم بحزن: أنا كل ما أبصلك بحمد ربنا ألف مرة إنه رجعك ليا. كنت فاكر إني ها أضيعك من إيدي يا مي…

مدت يدها وربتت على كفه بحنان:  أنا معاك أهو… وبعدين بلاش تبصلي بالنظرة دي، كأني لسه خارجة من الموت
خفض رأسه قليلًا، ثم قال بصوتٍ مخنوق: أصل فكرة إنك كنتي ممكن ما تبقيش هنا… بتوجعني.

ابتسمت له بحنان، ثم قالت بمشاكسة خفيفة رغم تعبها: طب إيه هانفضل نتكلم، أنا جعانة، أكلني، الأكل برد.

ضحك أخيرًا، وأخذ قطعة صغيرة من الطعام وقربها من فمها: ـ حاضر يا ست مي… بس بالراحة، الدكتور قال ما تتعبيش نفسك.

وبينما كانت تأكل من يده، كان يبتسم لها، لكن خلف تلك الابتسامة كانت عيناه تسرحان بعيدًا، وكان عقله غارقا في حديثه مع فايزة، وفي كل ماحدث وكل ما سيحدث.

كان يعلم أن الأيام القادمة لن تكون سهل وأنه، لأول مرة منذ سنوات طويلة، لا يملك رفاهية الانكسار فمن أجل مي… كان عليه أن يبقى قويًا، مهما كانت العواصف القادمة.
             *******************
مكتب الطبيبة،4م.

جلست ماسة أمام الطبيبة، بينما جلست لوجين بجوارها

بدأت ماسة تشرح أعراضها بالتفصيل، فاستمعت الطبيبة بإهتمام.

سألت الطبيبة: والأعراض دي بقالها قد إيه؟

ماسة بتوضيح: كانت عندي من فترة، بعدين اختفت ورجعت تاني اليومين دول بس بشكل أقوى.

سالتها وهي تدون شي: والعادة الشهرية منقطعة من إمتى؟

عقدت حاجبيها وهي تحاول التذكر: والله مش فاكرة؟! الفترة إللي فاتت حصل فيها حاجات كتير خليتني مش دارية بنفسي والله..

ثم أضافت بسرعة وكأنها تسبق أفكارها: بس أنا عارفة إن حضرتك ممكن تفكري في الحمل... وأنا متأكدة إن ده مستحيل.

رفعت الطبيبة حاجبيها باستغراب: مستحيل ليه؟

حكت ماسة في خديها باضطراب ونكران: لإني عارفة حالتي كويس، وعارفة إن سليم لسه ماخفش بالكامل، وانها مجرد اعرض، وإني مش حامل، يعني ده مش حمل، دي أعراضه عادية جدا، ومتشابهة بس مع أعراض الحمل لكن أنا مش حامل.

صمتت الطبيبة لحظة ثم قالت مبتسمة: طيب بما إنك متأكدة للدرجة دي، إيه إللي جابك؟

تنهدت ماسة بضيق: علشان أخلص من زن الناس في البيت، وكمان لأن التعب بقى غريب شوية، خصوصا الفترة الأخيرة، بعد أي علاقة زوجية بحس بإرهاق شديد.

تسالت: اخر مرة حصل علاقه امتى؟!

هبطت راسها لاسفل بخجل: امبارح.

أومأت الطبيبة برأسها: مفهوم. خلينا نكشف الأول، وبعدها نتكلم في كل التفاصيل.

أومات: ماعنديش مشكلة.

رغم كلماتها الواثقة، كانت أصابعها تعبث ببعضها بتوتر واضح.

همست وهي تنظر للأرض بإنكار كانها لا تريد أن تجعل نفسها تصدق لو 1% أنها حامل: بس برضوا أنا عارفة إني مش حامل.

أمسكت لوجين يدها وربتت عليها بحنان محاولة طمأنتها.

استلقت ماسة على الفراش، وبعد أن وضعت الطبيبة الجل على بطنها بدأت تحرك جهاز السونار برفق فوقه

كانت ماسة متوترة بشدة، وعيناها لا تفارقان شاشة الجهاز وكأنها تخشى ماقد تسمعه بعد لحظات.

اقتربت لوجين منها أكثر وأمسكت بيديها بين كفيها، تضغط عليهما برفق محاولة أن تبث فيها بعض الطمأنينة: أهدي يا ماسة، كله هيبقى بخير.

أخذت ماسة نفسا عميقا وهي تحاول التماسك، بينما واصلت الطبيبة الفحص بهدوء وتركيز

ظلت الطبيبة تنظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم ابتسمت فجأة: قوليلي يا ماسة... نفسك مره دي في ولد ولا بنت يعني؟

رفعت رأسها إليه باستغراب: يعني إيه؟

الطبيبة مبتسمة: يعني نفسك في ولد ولا بنت؟

أجابت بتوتر وهي تبتلع ريقها: الأتنين... بس ليه بتسألي؟

ابتسمت أكثر.: أصل إللي شايفاه قدامي شكله بيبي شقي جدا.

تجمدت ماسة في مكانها واتسعت عينها: إنتي.. بتقولي إيه؟

ألتفت الطبيبة إليها: ألف مبروك يا مدام ماسة، إنتِ حامل.

اتسعت عيناها بصدمة كاملة: إيه؟!

الطبيبة: حامل في بداية الشهر الثالث.

وضعت ماسة يدها على فمها فورا، وكأنها لا تستوعب ماتسمعه بدأت الدموع الساخنة تتجمع بين عينينها..

تساءلت بصوت مرتعش: إنتي متأكدة؟ اتأكدي تاني، بالله عليكي اتأكدي تاني شوفي مرة كمان.

ابتسمت الطبيبة بلطف، ثم أدارت الشاشة نحوها.: متأكدة جدا...

ثم أشارت إلى نقطة صغيرة على الشاشة: وده البيبي.

كانت ماسة تحدق في الشاشة وكأنها ترى معجزة:
يعني ده ابني أنا ما هو ممكن يكون بتاع إللي قبلي اتأكدي..

الطبيبة وهي تحاول أن تهديها: لا ياماسة ده بتاعك إنتي وإحنا دلوقتي كأننا في صورة مباشر بالظبط طب بصي

ثم فجأة امتلأت الغرفة بصوت سريع ومتتابع.
دقات... متتالية

تجمدت ماسة بالكامل تابعت الطبيبة: وده صوت قلبه.

ارتعش جسد ماسة بكملة انهمرت دموعها فجأة دون أن تشعر: يعني أنا... حامل؟

نظرت إلى الشاشة ثم للطبيبة بعدم تصديق: بجد؟ ده بجد؟

تبسمت الطبيبة وهي تمسحه على يديها بحنان: ايوه يا ماسة إنتي حامل ألف مبروك، ليه مش مصدقة ربنا كريم الحمد لله رزقك..

أخذت ماسة تبكي و تضحك في الوقت نفسه: يعني ده صوته؟

الطبيبة: أيوة.

كانت لوجين تمسح دموعها هي الأخرى: ألف مبروك يا ماسة.

لم تستطع ماسة الرد.

كل ما استطاعت فعله هو النظر إلى الشاشة، مدت يدها المرتجفة ولمستها برفق. 

أعطتها الطبيبة المنديل: إحنا كده خلصنا اتفضلي...

تحركت الطبيبة مبتعدا، بينما ظلت جلست ماسة مكانها، تحدق في الشاشة أمامها.

كانت الشاشة قد أُغلقت بالفعل، وأختفت الصورة منذ دقائق.

لكن بالنسبة لها مازالت تراه، ترى تلك النقطة الصغيرة، ومازالت تسمع ذلك النبض السريع الذي غير عالمها كله في لحظة.

رفعت يدها ببطء إلى بطنها، وكأنها تحاول استيعاب أن هناك حياة صغيرة تنمو بداخلها الآن.

أغلقت عينيها للحظة، وانهمرت دموع جديدة على وجنتيها لم تكن دموع حزن بل دموع سنوات طويلة من الانتظار..

سنوات من الدعاء الصامت.

من الخوف أن يبقى حلم الأمومة مجرد حلم.

من رؤية الأطفال حولها والتظاهر بأن الأمر لا يؤلمها، ومن محاولاتها المستمرة لإقناع نفسها أن وجود سليم وحده يكفيها، حتى لو لم ترزق يوما بطفل منه، لكن الله كان يدخر لها هذه اللحظة.

لحظة تسمع فيها نبض صغير يناديها أما،ارتجفت شفتاها وهي تهمس بصوت بالكاد سمعته هي نفسها: الحمد لله... الحمد لله شكرا يارب شكرا

ثم ابتسمت وسط دموعها تخيلت وجه سليم عندما يعرف تخيلت صدمته وفرحته.

وكيف سيحدق في صورة السونار عشرات المرات وكأنه لا يصدق.

وكيف سيضع يده على بطنها كل ليلة منتظرا أن يشعر بأي حركة.

ضحكت من بين دموعها وهي تتخيله يفقد عقله من السعادة.

ثم وضعت كفها فوق بطنها مرة أخرى وهمست بحنان: إنت جيت أخيرا...

انكسرت الكلمات في حلقها، وخرجت شهقة باكية ممزوجة بضحكة مرتعشة:كنت مستنياك من سنين، لحد مافقدت الأمل..

رفعت عينيها ببطء نحو لوجين، وكأنها لا تزال غير قادرة على استيعاب ماسمعته.

ماسة بصوت مرتجف بين دموعها وكأن الخبر جعلها تبدو كالمجنونة: أنا... حامل؟

أومأت لوجين برأسها بقوة، ودموعها تنساب على وجنتيها بينما تبتسم بسعادة. أيوة... حامل يا ماسة. حامل، الحمد لله مبروك.

ارتجفت شفتا ماسة قبل أن تنفجر ضاحكة وسط دموعها، ثم اندفعت نحو لوجين وألقت نفسها بين ذراعيها.

احتضنتها لوجين بقوة، بينما أخذت ماسة تبكي في حضنها من شدة الفرح والصدمة.

سنوات طويلة مرت وهي تتمنى تلك اللحظة، تتمنى أن تصبح أما، أن تحمل طفلا من سليم، أن تسمع يوما كلمة "ماما" من صغير يحمل ملامحهما معا.

واليوم، بعد كل مامرت به، أصبح الحلم حقيقة، دفنت وجهها في كتف لوجين وهي تبكي، غير قادرة على التوقف.

أما لوجين فكانت تمسح على شعرها بحنان هي الأخرى وقد أغرورقت عيناها بالدموع.

لوجين بابتسامة واسعة: خلاص بقى... كفاية عياط ابنك هيقول عليكي نكدية.

ضحكت ماسة من بين دموعها أكملت لوجين: يلا قومي عشان الدكتورة تكمل كشف وتكتبلك كل إللي محتاجاه.

أومأت ماسة برأسها وهي تمسح دموعها بصعوبة، ثم أخذت نفسًا عميقًا محاولة استعادة هدوئها.

نهضت من على السرير وساعدتها لوجين في تعديل ملابسها ومازالت الابتسامة لا تفارق وجهها، قبل أن تجلس مرة أخرى على المقعد المقابل للطبيبة كان قلبها مايزال يخفق بقوة...

لكن هذه المرة لم يكن من الخوف، بل من فرحة انتظرتها سنوات طويلة.

الطبيبة بعملية لطيفة: بصي يا ماسه الحمل تمام فيه شوية انقبضات في الرحم

اتسعت عينا ماسة بصدمة، قاطعتها بقلق شديد: يعني إيه؟! فيه خطر على البيبي؟

هزت الطبيبة رأسهت سريعا: لا لا، ماتقلقيش مافيش خطر إن شاء الله، بس لازم نهتم شوية من دلوقتي..

وضعت يدها على بطنها بخوف بعينين تلمع بدموع: طب قوليلي بالله عليك، فيه إيه بالضبط؟ ماتخافيش عليا

تنهدت وأجابتها بشكل عملي لكنه حنون: لا كدة غلط، أنا مش عايزة خالص الطريقه دي، لإن الطريقة دي هي إللي هتبقى خطر ممكن..

هزت ماسة راسها ببراءة طفولية بطاعة: حاضر مش هعمل حاجة.

ربتت لوجين على كتفها: ماسة أهدي ماتخافيش.

تنهدت الطبيبة وقالت بهدوء عقلاني: بصي يا ماسة، من كلامك واضح إن الفترة إللي فاتت كانت مليانة ضغوط ومشاكل، وده خلاكي ما تاخديش بالك من أعراض الحمل، غير طبعًا حالة الإنكار إللي كنتِ عايشة فيها...

أومأت ماسة برأسها ببطء واصلت: علشان كده أنا عايزاكي تهتمي بنفسك كويس جدا، ومش عايز أي توتر أو مجهود زيادة، أهم حاجة الراحة والهدوء... وتفرحي. إنتِ هتبقي ماما أخيرا.

ارتجفت شفتاها، ثم وضعت يدها على بطنها بحركة تلقائية وكأنها ما زالت غير مصدقة::حاضر... حاضر، والله هسمع الكلام كله.

ثم رفعت عينيها إليها مرة أخرى وسألت بخوف:
بس قوليلي... البيبي كويس؟

تبسمت تحاول أن تطمئنها: الحمد لله كويس. بس فيه شوية انقباضات بسيطة في الرحم، وده غالبًا لإن الحمل اتأخر اكتشافه، وإنتِ ما كنتيش عارفة إنك حامل، فكنتي بتمارسي حياتك بشكل طبيعي فهنديكي حقنة تثبيت، وشوية فيتامينات، وهنعمل بعض التحاليل للاطمئنان بس.

أومات ماسة بإيجاب، بدأت الطبيبة تكتب بعض الأدوية ثم قال: هاتعملي التحاليل دي، وتيجيلي بعد أسبوع. والأدوية لازم تتاخد بانتظام، وراحة تامة الفترة الجاية.

أومأت ماسة برأسها فورا حاضر.

تابعت وكمان مافيش أي علاقة زوجية الفترة دي لحد ما نطمن تمامًا.

أحمر وجهها قليلا لكنها هزت رأسها بسرعة: حاضر.

عاد نظر ماسة إلى الشاشة مرة أخرى.

كانت غير قادرة على التوقف عن النظر: ممكن تسجلليي صوت القلب؟ وتطبعيلي الصور دي؟

الطبيبة: أكيد.

أخذت الهاتف وسجلت لها النبض، ثم طبع عدة صور للسونار.

ناولتها إياها مبتسمة.

الطبيبة: ألف مبروك يا ماما.

احتضنت ماسة الصور إلى صدرها بقوة، ومازالت غير مصدقة.

كانت تسمع النبض يتردد في أذنيها وكأنه أجمل صوت سمعته في حياتها.لقد أصبح الحلم حقيقة أخيرًا.

خرجت ماسة من غرفة الكشف وهي ما زالت تحتضن صور السونار وكأنها شيء يخاف أن يُسلب منها.

أخذت تمشي بخطوات بطيئة، غير متزنة، وكأن الأرض نفسها لم تعد ثابتة تحت قدميها. يدها ترتجف قليلًا وهي تمرر أصابعها على الصورة مرارًا، لا تصدق أن تلك النقطة الصغيرة التي رأتها منذ دقائق، حقيقية.

كانت لوجين تسير بجوارها، تراقبها بابتسامة هادئة، ثم همست وهي تميل نحوها: بصوت خافت: حاسّة إنك لسه جوة الحلم مش مصدقة؟

مسحت لوجين على ظهرها بحنان وهي تبتسم وسط دموعها لا، صدقي بقى... ألف مبروك يا حبيبتي.

رفعت ماسة رأسها بسرعة، وعيناها تلمعان من شدة السعادة قالت بحماس: أنا هتصل أقول لسليم! هيفرح أوي

أمسكت هاتفها بسرعة وكادت تضغط على اسمه، لكن لوجين أوقفتها فورا: استني!

ماسة باستغراب: إيه؟

لوجين بتوضيح: تليفون إيه؟! خبر زي ده يتقال في التليفون؟

توقفت ماسة للحظة تابعت: لازم المفاجأة تبقى وش لوش.

اتسعت ابتسامة ماسة أكثر:عندك حق.

ثم ضحكت بخفة: الحماس خدني أصل سليم هيفرح أوي... أنا متخيلة شكله من دلوقتي.

لوجين تساءلت: وناوية تعملي إيه؟

تبسمت ماسة بتوسع هقولك..

خرجا من العيادة، كان عشري ينتظرهما بجوار السيارة.

ما إن رأى الابتسامة المرسومة على وجه ماسة حتى فهم النتيجة دون أن تسأله.

عشري بإبتسامة واسعة:ألف مبروك يا هانم.

ابتسمت ماسة بسعادة: الله يبارك فيك.

ثم رفعت إصبعها محذرة: وأوعى تقوله

ضحك عشري: ماتخافيش... السر في بير.

ماسة: معلش إنت هاتاخذني مول كده علشان عايزة أجيب شوية حاجات 

اومأ بإيجاب، تحركت السيارات بعدها نحو المول 

كانت ماسة تسير بين الممرات وكأنها تطير من السعادة.

اشترت تورتة صغيرة ثم توقفت أمام أحد محال ملابس الأطفال. اشترت أول قطعة لطفلها.
قطعة صغيرة جدًا.أصغر من كف يدها.

وحين أمسكتها شعرت أن قلبها يكاد ينفجر من الفرح.

لوجين: لسه بدري على الحاجات دي.

ماسة وهي تحتضن الكيس: لا... دي أول حاجة أشتريها للبيبي كمان علشان جزء من المفاجاة.

ثم اشترت فستانا جديدا لنفسها بلون عينيها وبعض الزينة البسيطة للمفاجأة التي تخطط لها.

طوال الطريق كانت ماسة تتحدث بحماس وتضحك بين الحين والآخر، حتى إن لوجين لم تتذكر آخر مرة رأتها سعيدة بهذا الشكل.
♥️__________________بقلمي_ليلةعادل 

في الفيلا التي يمكث بها مصطفى5م

الحديقة

جلس مصطفى وإيهاب في الحديقة، وكل منهما أمامه حاسوبه المحمول، يضع سماعة في أذنه ويتابع التسجيلات التي حصلوا عليها من قصر الراوي باهتمام شديد، بينما كانت أصابعهما تتحرك بين الحين والآخر لتدوين بعض الملاحظات المهمة.
وعلى مقربةٍ منهما، جلست آلاء وعائشة، وقد انشغلتا بالمذاكرة، تتبادلان الأسئلة وتراجعان ما تبقى من المنهج، بينما كانت نظرات آلاء تخطف مصطفى بين الحين والآخر دون أن تشعر.
أما نهال ونبيلة، فكانتا تجلسان قليلا بعيدا عنهما، تتحدثان بهدوء.

وفجأة…

اتسعت عينا مصطفى بصدمة، فقد كانا يستمع للحوار الذي دار بين رشدي وفايزة.

وما إن انتهى التسجيل…

حتى نزع مصطفى السماعة من أذنه بسرعة، وأغلق الحاسوب وهو ينظر أمامه بذهول.

تمتم بصوت مختنق: يا نهار أسود…

توقف للحظة، وكأنه لم يستوعب ماسمعه: يا نهار أسود، هما…! طلعوا هما

التفتت إليه نبيلة بقلق: مالك يا مصطفى؟

نظر إليها، والصدمة ما زالت واضحة على وجهه:
مصيبة يا أمي، مصيبة!

انتبه إيهاب فورا: مصيبة إيه؟

ابتلع مصطفى ريقه، ثم نظر حوله بحذر، لاحظ أن الحراس بعيدون، ولا يوجد أحد قريب منهم، ففتح الحاسوب مرة أخرى، وشغل التسجيل وبدأ الجميع يستمعون.

في البداية.. بدت علامات الاستغراب على وجوههم، ثم تحول الاستغراب إلى صدمة، ثم إلى حزن.

أما آلاء ووالدتها، فكانتا الأكثر ذهولا، فهما لم تعرفا عن تفاصيل الماضي إلا القليل لكن ما سمعاه الآن، كان شيئا أكبر بكثير شيئا مرعبا.

شيئا جعل الدم يتجمد في عروقهما كان الحديث عن القتل، يخرج من الأفواه ببساطة مخيفة وكأنهم يتحدثون عن أمر عادي.

كانت نبيلة تضع يدها على فمها، والدموع تتجمع في عينيها، وهي تهز رأسها بعدم تصديق: لا حول ولا قوة إلا بالله، القتل عندهم عادي كده؟! كانوا عايزين  يقتلوا البت هي وإللي في بطنها علشان فقيرة؟! فيه أم تعمل في ابنها كدة؟! أخص على ده زمن!

تنهدت أنهار بحزن:  الواحد يا حجة ياما هايسمع وهايشوف في الزمن ده والله حرام، ده ابنها ده زي الفل يا ريت يكون عندي ابن زيه.

مسحت عائشة دموعها وهي تقول:أنا صعبان عليا ماسة وسليم أوي.

قالت آلاء بحزن: أنا كنت فاكرة إللي حصل معايا مافيش أصعب منه، طلع ولا حاجة جنب إللي عاشه سليم وماسة 

تنهد مصطفى بضيق، وهو يمرر يده في شعره: يا جماعة، مش وقته مشاعر  جياشة دلوقتي، أنا هعمل إيه؟! هقول لسليم إزاي؟! إنتوا ماتعرفوش لما بيتعصب بيبقى عامل إزاي… أنا شوفته ده مكي رابطه علشان يقدر يتحكم في غضبه.

إيهاب بقلق واضح: لازم يعرف بسرعة كل دقيقه بتمر فيها خطر على حياة ماسة.

أومأ مصطفى برأسه: أكيد هقوله، بس مش عارف إزاي.

إيهاب بسرعة: كلمه قوله تعالى هنا وإحنا كلنا هنكون معاك، ونحاول نوصله إللي حصل بالتدريج، بس لازم يعرف دلوقتي أي دقيقة فيها خطورة على ماسة.الله أعلم ممكن يعملوا إيه.

أومأت عائشة: إيهاب بيتكلم صح.

فكر مصطفى قليلًا، ثم قال: طب أكلم ماسة؟
أخرجها من القصر لحد مانتفق على طريقة نقوله بيها.

نظرت إليه إلاء باستغراب: هتروح فين الموضوع مش محتاج التوتر ده، اعتقد موضوع الحادثة مش هايبقى أصعب من إللي حصل لما حاولوا يثبتوا إن ماسة على علاقة بيك.

التفتت نبيلة إليها بسرعة، وقالت بحدة: إزاي يا بنتي؟!ودول قتلوا بنته! وماسة كانت حامل في شهرها الأخير، وبسبب الحادثة بقى عقيم!يعني حرقوا قلبه على بنته، وحرقوا قلبها على أمومتها وقتلوا حلمهم إن يكون عندهم إبن

ردت أنهار وهي تهز رأسها: والله الأتنين يكسروا أي راجل، قوله يا ابني من حقه يعرف وإللي يحصل يحصل.

زفر مصطفى بضيق، ثم أمسك هاتفه وقال: هقوله ييجي ووقتها هنشوف.

وبالفعل، رفع مصطفى هاتفه وأتصل بسليم،ىفي ذلك الوقت، كان سليم يجلس في أحد المطاعم، يحضر اجتماعا 

رن هاتفه، فنظر إلى الشاشة، ثم أجاب بهدوء: مساء الخير يا دكتور.

خرج صوت مصطفى مترددًا بعض الشيء: سليم ممكن تيجي؟ محتاجك في حاجة مهمة.

عقد سليم حاجبيه: خير؟

تنهد مصطفى: مش هينفع في التليفون، فيه حاجة حصلت؟

تبادل مصطفى وإيهاب النظرات، ثم قال: لما تيجي هتعرف.

نظر سليم إلى ساعته، ثم قال: طب أنا في اجتماع، أخلصه وأجيلك.

اومأ: تمام في انتظارك.

أغلق مصطفى الهاتف، ثم تنهد بقلق: عنده اجتماع، هيخلص وييجي.

هزت نبيلة رأسها، وقالت وهي ترفع يديها بالدعاء:
ربنا يسترها يا رب.

تنهد إيهاب وهو ينظر إلى الجميع: يارب يجي بسرعة… الموضوع ده كل دقيقة بتعدي فيه بتخوفني أكتر.

أما عائشة، فكانت تضم يديها لبعضهما، وعيناها مليئتان بالقلق: نفسي أعرف رد فعله هيكون إيه؟!

تابعت أنهار بحزن: الله يكون في عونه، ده لو جبل كان إنهار من إللي عاشه.

بينما ظل مصطفى ينظر إلى الهاتف بين يديه، وقلبه غير مطمئن كان يشعر بشيء ثقيل يضغط على صدره.

فجأة، رفع مصطفى رأسه وقال بسرعة: أنا هكلم ماسة أطمن عليها، وأنبهها ماتخرجش من الأوضة. لازم تعرف.

وبالفعل، لم ينتظر رد، وألتقط هاتفه وأتصل بها، في تلك اللحظة كانت ماسة على وشك الصعود إلى سيارتها.

أجابت بمرح وسعادة واضحة: ألو يا مصطفى! عامل إيه؟ وحشتوني أوي.

ابتسم رغم توتره وهو يفتح الميكرفون: الحمد لله بقولك، حد جنبك؟

أجابت بصوت يحمل سعادة كبيرة: لا، أنا في الشارع.

ثم قالت بسعادة تلقائية: بس عندي خبر حلو أوي،  أنا حامل يا مصطفى! حامل أنا في الشهر الثالث… تخيل!

ساد الصمت، لوهلة اتسعت عينا مصطفى بين الصدمة والفرحة، ونظر إليه الجميع هم الآخرون بذهول وسعادة مفاجئة.

وضعت نبيلة يدها على فمها، وعيناها امتلأتا بالدموع.

أما عائشة، فابتسمت دون إرادة منها، بينما قال 

إيهاب بصدمة: حامل؟!

نظروا جميعًا إلى مصطفى الذي كان غير مصدق لما سمعه.

بينما أكملت ماسة بنفس الحماس، غير مدركة للصمت الذي أصابهم: بس ده سر، عشان عاملة مفاجأة لسليم، أنا عرفت بالصدفة، ولسه ماقلتلوش، تخيل لما يعرف! أكيد هيفرح أوي أنا من وقت ماعرفت هاتجنن من السعادة قول لماما نبيلة بقي وكلهم فرحهم ها..

ابتسم مصطفى رغم انقباض قلبه:مبروك يا ماسة فرحتيني يعني سليم خف؟

أومات بسعادة الحمد لله.

صمت للحظة، لا يعرف كيف يخبرها بما سمعه، ولا كيف يهدم فرحتها، فاختار الصمت الآن وقال مبتسمًا: فرحتيني أوي.

ثم سألها باهتمام: طب إنتِ لوحدك ولا معاكي حد؟

أجابت بتلقاءية: معايا عشري، والحراس، وجوجو، مرات ياسين، أقصد لوجين.

تنهد براحة بسيطة:طب كويس.

أضاف بتنبيه قاطع: خدي بالك من نفسك ها وماتغبيش عن عين الحراس وخليكي جنب عشري سمعاني؟ بلاش جنان.

ضحكت ماسة: مالك يا مصطفى؟ أنا أخلص من سليم تطلعلي إنت!

قال بسرعة: أسمعي الكلام يا ماسة، خلصي مشوارك، وخدي بالك من نفسك كويس، وأول ماتوصلي القصر، ماتخرجيش من أوضتك لحد ماسليم يرجع.

لم تنتبه ماسة لما وراء كلماته بسبب فرحتها قالت: حاضر يا بابا مصطفى، يلا أقفل بقى عشان ألحق أروح قبل ما سليم يرجع.

رد باهتمام: طيب، طمنيني أول ما توصلي، وماتقفليش تليفونك.

تبسمت:حاضر… باي.

أغلق الخط.وظل مصطفى ينظر إلى الهاتف بعيون مختنقة.

رغم السعادة التي اجتاحت قلبه من أجلها، وأنها أخيرا أصبحت حاملا إلا أن الخوف كان أكبر، خوف من أن تضيع فرحتها مرة أخرى.

كانت آلاء تنظر إلى مصطفى بصمت، لكن في نظرتها شيء من الغيرة بسبب اهتمامه المبالغ فيه لماسة، بينما الجميع ما زال تحت تأثير الخبر.

قالت نبيلة وهي تهز رأسها بدهشة ممزوجة بالحزن: سبحان الله! في نفس اليوم إللي هايعرفوا فيه مين إللي اتسبب في موت بنتهم، يسمعوا خبر زي ده!

تنهدت أنهار بهدوء: يمكن ربنا عمل كده عشان يهدّي قلبه مايتعصبش..

صمتت لوهلة ثم أكملت: بس والله إللي اتسمع ده يجنن الحجر، الله يكون في عونه، صعبه عليه إنه يعرف أن أمه قتلت عياله دي كبيرة أوي..

مصطفى قال بصوت منخفض وهو يجلس على الكرسي: أنا… أنا ماعرفتش أقولها حاجة، حسيت لساني اتلجم كل إللي سمعته منها خلاني مش قادر أفكر.

هزت عائشة رأسها بسرعة:وإنت كنت هاتقولها إيه أصلاً دلوقتي؟! ده وقت فرح، مش وقت أي صدمة.

ثم أضافت بابتسامة خفيفة: أنا فرحانة لها أوي.

ابتسمت نبيلة بحزن: ربنا يسعدها، هي قاست كتير.

آلاء: طب ما بلاش نقول له النهاردة ونقول له بعدين 

هز ايهاب رأسه معرضا: لا في خطورة على حياة ماسة يمكن يعملوا حاجة وإحنا نسمعها متأخر، بعد ماتحصل لازم يكون في الصورة أحسن 

ساد صمت خفيف للحظة، كأن كل واحد فيهم غارق في أفكاره بين الفرح والخوف…بين الخبر الذي يفرح القلب…والحقيقة التي تثقل الروح أما مصطفى فظل ينظر أمامه بشرود، يفكر فيما سيحدث

سيارة ماسة،6م

كانت ماسة ولوجين تجلسان في خلف  وعشري بجانب السائق.

قالت ماسة وهي تبتسم بعينين لامعتين: أنا فرحانة أوي، مش مصدقة. يا ترى إمتى هاييجي الوقت إللي أقول فيه لسليم؟

ابتسمت لوجين وربتت على يدها. ربنا يفرح قلبك يا حبيبتي، أهم حاجة دلوقتي تاخدي أدويتك من النهاردة.

أومأت ماسة بسرعة: ماتقلقيش، خلاص جبناها أهو. هاخدها بانتظام إن شاء الله.

ثم سكتت فجأة سرحت بعينيها للحظات وكأن خاطرا مفاجئا مر بعقلها.

التفتت إلى عشري قائلة: عشري، هو إنت عارف حور مدفونة فين؟

نظر إليها عبر المرآة الأمامية: أيوه يا هانم. مدفونة في مقابر العيلة.

تنهدت ماسة بهدوء: عايزة أروح لها لو سمحت.

نظرت إليها لوجين باستغراب: هتروحي ليه؟

هزت ماسة كتفيها بخفة: مش عارفة، بس حاسة إني عايزة أروح.

ظلت لوجين تنظر إليها لثوانٍ قبل أن تقول: طب خلاص، نزلوني أنا في الطريق،  هروح  لماما، أنا أصلاً كنت رايحة لها، بس قولت أطمن عليكي الأول.

أمسكت ماسة يدها بقوة: شكرا يا لوجين، بجد. وآسفة إني دخلتك في كل ده وعطلتك و

اوقفتها لوجين ونظرت إليها وكأنها سمعت شيئًا غير معقول: إنتِ اتجننتي؟ أنا كنت هزعل منك لو ماعملتيش كده احنا خلاص بقينا اصحاب 

ثم ابتسمت وأضافت: مبروك يا أحلى مامي.

ضحكت ماسة والدموع تلمع في عينيها: الله يبارك فيكي يا حبيبتي عقبالك.

ثم التفتت إلى عشري نزل لوجين يا عشري.

اومأ: حاضر يا هانم.

وبالفعل أوقف السيارة، وساعد لوجين في إيجاد سيارة أجرة، ثم عاد ليكمل الطريق.

جلست ماسة صامتة هذه المرة، إحدى يديها تستقر فوق بطنها بحنان، والأخرى تنظر من خلالها إلى الطريق الممتد أمامها، حتى بدأت بوابات المقابر تظهر في الأفق.
♥️______________بقلمي_ليلةعادل 

المقابر
هبطت ماسة من السيارة وهي تحمل باقة صغيرة من الورود وكيس صغير وهي ترتدي نظارتها الشمسية، تحركت بخطوات هادئة حتى مقابر عائلة الراوي بعد أن فتح لها التربي الباب.

جلست أمام قبر حور، ثم وضعت الورود برفق فوقه،ثم فتحت حقيبتها وأخرجت لعبة صغيرة وضعتها بجوار الورود.

خلعت نظارتها ومسحت عينيها ثم أخذت نفسا عميقا:عاملة إيه يا حور؟ بصي جبتلك لعبة حلوة وورد يارب يعجبوكي .

ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم الدموع التي بدأت تتجمع في عينيها: وحشتيني أوي.

صمتت لحظة قبل أن تكمل بصوت خافت: أنا آسفة... عارفة إني مقصرة في حقك ومش بجيلك، بس إنتِ أكيد شايفة وحاسه بكل إللي حصل معايا من بعدك،

وضعت يدها فوق القبر بحنان: وعد مني هجيلك تاني وهاجي كتير كمان..

ثم ابتسمت فجأة وكأنها تذكرت شيئا: بس مش هاجي لوحدي هاجي مع بابا و أخوكي أو أختك 

فتحت حقيبتها مرة أخرى وأخرجت صورة السونار نظرت إليها طويلا قبل أن ترفعها أمام القبر: بصي...
ارتجف صوتها من شدة التأثر: ده أخوكي.

انهمرت دموعها وهي تضحك في الوقت نفسه: لسة صغير أوي، مجرد نقطة...

مررت أصابعها على صورة السونار بحنان: كل مايكبر شوية أنا وباباه هانجيبهولك، وهاتحبيه أوي... وهو كمان هايحبك...

سقطت دمعة على الصورة: عشان أنا هفضل أحكيله عنك، وهقوله إن عنده أخت جميلة جدا في الجنة اسمها حور، حلوة وجميلة خالص..

بدأ صوتها يهتز أكثر: أوعي تفتكري إني نسيتك يا حور، أو إني ممكن أنساكي يوم..

هزت رأسها بقوة: مستحيل.

وضعت يدها على صدرها: إنتِ حتة مني، وهتفضلي جوا قلبي طول العمر..

بكت بصمت للحظات قبل أن تتابع: أنا وبابا بنحبك أوي، وهفضل أكلم أخوكي عنك، وأحكيله قد إيه كنتِ غالية علينا، وازي حرموني منك..

ثم ابتسمت وسط دموعها: وهجيبه هنا كمان يتكلم معاكي ويحكيلك كل حاجة، لما أولده 

تنهدت وهي تنظر إلى السماء: مش هسيبك لوحدك تاني... وعد..

رفعت عينيها للأعلى وكأنها تبحث عنها بين الغيوم: أنا عارفة إنك في الجنة دلوقتي، وفرحانة، وبتلعبي،  في مكان أحسن بكتير من الدنيا دي كلها، وهاييجي يوم وهانتجمع كلنا مع بعض أنا وإنتي وبابا وإخواتك..

اهتزت صوتها وهي تبكي: حرموني منك في الدنيا، بس أنا عارفة إن ربنا رحيم، اخدتك مني علشان تكوني لينا شفيعة في الجنة..

انحنت وقبلت شاهدة القبر برفق: بحبك يا روح ماما، انا همشي بقى عشان عايزة أروح أقول لبابا على النونو..
ونعملة مفاجاه حلوه 
نهضت من مكانها ومسحت دموعها وتحركت للخارج.
عادت السيارات إلى قصر الراوي.

حتي تبداء في صنع مفاجاه طليق بذلك الحدث الذي تنتظره منذة  سنوات


باقي الفصل السادس والثلاثون (3)👇

فيلا التي يمكث بها مصطفى،6م

كان مصطفى يجلس تحت البرجولة، يدخن سيجارته، وعيناه شاردتان في الفراغ، بينما القلق ينهش صدره.

كانت إلاء تذاكر على بُعد خطوات منه، لكنها لم تستطع منع نفسها من مراقبته، فمنذ مكالمة ماسة، وسماعهم التسجيلات، وهو ليس على طبيعته.

شيء ما بداخله كان خائفًا عليها بشكل مبالغ فيه، وهذا ما جعل شيئًا من الغيرة يتسلل إلى قلبها دون إرادة.

وضعت كتابها جانبها، ونهضت متجهة نحوه.

قالت وهي تتحرك: دكتور.

التفت إليها وابتسم ابتسامة صغيرة: أيوه يا إلاء، خلصتي؟

أومات توقفت امامه: يعني قربت.

تبسم ابتسامة صغيرة باهتمام: أول ما تخلصي، تيجي اسمعلك.

هزت رأسها: حاضر.

نظر إليها للحظة، فتنهدت وهي تساله:  إنت شكلك مخنوق أوي، من ساعة مكالمة ماسة… ومن ساعة اللي سمعناه وانت للاسف ساكت وشكلك مخنوق.

أخرج زفرة طويلة متعبه: طبيعي يا إلاء… لازم أبقى كده.

زمت وجهها بأسف: بصراحة، اللي سمعناه صعب جدًا، بس لازم تفكر في الإيجابي، الحمد لله ربنا كرمهم بطفل بعد كل سنين دي.

هز رأسه بضيق: أنا خايف على ماسة، إنتِ متعرفهمش، دول الشياطين الله واعلم ممكن يعملوا فيها ايه؟!

نظرت إليه من طرف عينها، ثم سألته بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية بغيرة مبطنه: شكل ماسة غالية عليك أوي.

ابتسم دون تردد: غالية عليا جدًا، في محبة كبيرة في قلبي ليها، رغم إني بسببها اتأذيت كتير، بس سبحان الله… اللي يعرف ماسة، ميعرفش غير إنه يحبها.

شعرت إلاء بانقباض في قلبها، وغيرة، ابتلعت غصتها، وسألت بنبرة خافتة: تعرف إن ساعات بحس إنك حبيتها؟ خوفك عليها وطريقتك… تخلي أي حد يشك إنك حبيتها.

نظر إليها باستغراب، ثم ضحك بخفة: لا خالص، ماسة بالنسبة ليا أخت… أخت ربنا بعتها ليا في وقت الدنيا كلها وقفت ضدها فيه، اختارتني أنا من بين كل الناس عشان أبقى سند ليها، وبعدين اللي يحب ماسة هيبقى إنسان في منتهى الغباء.

أومأ بتفسير أضاف:
ماسة مش هتحب غير سليم، وسليم مستحيل يسمح انها تكون لحد غيرة عشقهم لبعض بجد زي عشق الروايات والمسلسلات، لا لا حكايتهم كبيره قوي، تخلصي بس الامتحانات، واحكي لك القصه بالتفصيل.

خفضت إلاء عينيها، ثم سألته بشك: الكلام ده طالع من قلبك؟

ضيق عينيه متسائلا باستغراب، فردت على نظراته موضحه بغيرة مبطنه: اقصد يعني موضوع انك مش بتحبها غير حب اخوه

ابتسم بهدوء قائلا بيقين: طالع من قلبي فعلًا ولو كان في حاجة تانية، كنت هقولك هخبي ليه؟!

اومات ابتسامة صغيرة، بينما هو تابع: وبقولك إيه، يلا روحي ذاكري عشان أسمعلك.

أومأت برأسها، ثم ربتت على كتفه بلطف بتلقائية: عموما، روق كده إن شاء الله هتبقى كويسة، ومش هيحصل حاجة وحشة.

ابتسم لها، لكن عينيه عادتا للهاتف الموضوع أمامه.
أما إلاء…

بينما عادت هي إلى مكانها، لكنها لم تفتح كتابها، بل ظلت تنظر إليه من بعيد، وقلبها يهمس بغيرةٍ مؤلمة: بس أنا حاسة إنه مش أخوها خالص، ده هيموت من القلق عليها، وطريقته معاها حتى في الكلام أوفر أوي..

صمتت للحظة، ثم عادت الأفكار تهاجمها، فتمتمت بقلقٍ موجع: يا ترى… مشاعره وخوفه عليّا أنا كمان أخويه؟ ولا 

صمتت للحظه ثم قالت في نفسها بتوبيخ وكانها تذكر نفسها بالحقيقه: ايه العبط اللي أنا بفكر فيه ده 

عضّت على شفتيها بضيق، ثم هزت رأسها بقوة وكأنها تعنف نفسها: دكتور مصطفى واقف معايا جدعنه وبس، راجل شهم،  أوعي تفكري في حاجة أكتر من كده يا آلاء، يا غبية. ركزي في مذاكرتك.

لكنها، رغم كلماتها، لم تستطع أن تُبعد عينيها عنه، وظلت تراقبه من بعيد، وقلبها يخفق بأسئلةٍ تخشى حتى أن تعترف بها لنفسها.
❤️_________________بقلمي_ليلةعادل 
قصر الراوي، 6م

ترجلت ماسة وهي تحمل أكياسها بنفسها، رافضة أن يلمسها أحد، وكأنها تخشى أن يفسد أحد هذا اليوم بأي تفصيلة صغيرة.

كل ما كان يدور في رأسها الآن هو لحظة واحدة فقط:
حين يدخل سليم الغرفة ويرى المفاجأة ويعرف أن الحلم الذي انتظراه سنوات أصبح حقيقة.

صعدت بسرعة إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. أخرجت صورة السونار بيدين ترتجفان، وعينين تلمعان بدموع الفرح... فرحة ظلت سنوات طويلة تنتظرها. ضمت الصورة إلى صدرها بقوة، وكأنها أغلى ما تملك في الدنيا.

تحركت حتى وقفت أمام المرآة، وضعت صورة السونار على بطنها، وكانت دموعها تنهمر بسعادة، بينما ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها، مررت يدها على بطنها بحنان، وقالت بنبرة سعيدة امتزجت بوجع السنين واشتياقها:
حبيبي... إنت هتيجي وتنور لي حياتي،  إنت ماتعرفش أنا استنيتك قد إيه. أنا هحبك أوي، وبابا كمان هايحبك أوي وهيفرح بيك أوي، إحنا فضلنا سنين مستنيينك، وبنتمنى نشوفك، هنجيبلك كل حاجة، ومش هنحرمك من أي حاجة، وكل إللي نفسك فيه هانجيبه لك، إنت هتبقى شعاع النور والبوصلة إللي في حياتنا، هعمل كل حاجة عشان أخليك أسعد وأحسن إنسان في الدنيا، لو كنت بنت أو ولد مش مهم، المهم إنك تيجي بالسلامة، وأنا هحبك وهخليك دايمًا مبسوط، انا والله ماما طيبه اوي وبابا اطيب كمان مني..

ابتسمت وسط دموعها، وربتت على بطنها بحنان أكبر وهي تهمس: يلا... تعالى نعمل المفاجأة مع بعض، ونفاجئ بابا. يلا يا حبيبي.

تحركت نحو الخزانة، وأحضرت علبة صغيرة أنيقة، ثم أمسكت بصورة السونار ووضعتها داخلها بحرص شديد، بعد ذلك أخرجت سلوبتًا صغيرًا من الحقيبة، ووضعت القطعة بعناية بجوار صورة السونار.

وقفت تنظر إليهما طويلًا، وابتسامة واسعة تزين وجهها، وقلبها يكاد يقفز من فرط السعادة.

 ثم بدأت تزين الغرفة بحماس طفولي، تعلق الزينة هنا، وتضع الشموع والورود هناك، وبين كل خطوة وأخرى كانت تعود بعينيها إلى العلبة الموضوعة على الفراش، وكأنها لا تصدق أن حلمها الذي انتظرته سنوات طويلة أصبح أخيرًا حقيقة تنبض داخلها.

ثم أخذت حماما سريعا، وخرجت بعدها وهي تشعر بسعادة لا تسعها الدنيا، وقفت أمام المرآة وبدأت تضع الكريمات والعطور برفق، ثم وضعت

مستحضرات التجميل بالطريقة التي كان سليم يحب رؤيتها بها دائما، وكأنها تريد أن تكون أجمل امرأة في عينيه في هذه الليلة المميزة.

وفي النهاية ارتدت الفستان الذي اشترته خصيصا لهذه المناسبة، فانسدل على جسدها بأناقة، يبرز جمال قوامها برقة ومفاتنها بسخاء، وتركت شعرها منسدلا على ظهرها في تموجات ناعمة.

كانت تتحرك في الغرفة بحماس طفولي، تضع الوسائد في أماكنها، وتعدل الزينة مرة بعد أخرى، وكلما وقعت عيناها على العلبة الصغيرة الموضوعة فوق الفراش، اتسعت ابتسامتها أكثر.

لكن مع مرور الوقت، بدأ الإرهاق يظهر على ملامحها.
توقفت فجأة، ووضعت يدها على رأسها وهي تشعر بدوخة خفيفة.

جلست على طرف السرير، وأخذت نفسًا عميقًا وهي تهمس لنفسها: لا تعبت مش قادرة.. بس لازم أخلص..

لكن الدوخة ازدادت قليلا، فأغمضت عينيها للحظة، ثم تنهدت بخفة وهي تحدث نفسها: أعمل إيه بس؟ لازم أخلص قبل ما سليم ييجي... ولسة البلالين، والزينة...  أنا عايزة حد ينفخهم ويساعدني.

تأففت بضجر طفولي، سكتت قليلًا، وأخذت تفكر، وعيناها تتحركان في الفراغ، وفجأة اتسعتا وكأنها تذكرت شيئًا مهمًا. عشري!

ارتسمت ابتسامة على شفتيها، وهزت رأسها بسرعة.
فهو الوحيد الذي يعلم.

ألتقطت هاتفها بسرعة وأتصلت به: ألو عشري، أطلعلي، عايزاك.

بعد دقائق، دخل عشري الغرفة كانت ارتدت ماسة فوق فستانها روب طويل

عشري: خير يا هانم؟

ماسة وهي تشير للبالونات: شوف... عايزاك تنفخلي دول وتعلقهم. أنا مش قادرة بصراحة، دوخت.

عشري: حاضر يا هانم.

ثم توقفت لحظة وأكملت بجدية: وبلغ الحراس يبلغونا أول ماسليم يوصل أو لو حد من العائلة جه، مش عايزين ننكشف..

عشري: تمام

ابتسمت له بإرهاق: شكراا

ثم جلست على الكرسي تتابعه وهو يجهز كل شيء، وعيناها لا تفارق الباب... تنتظر اللحظة التي يعود فيها سليم من الخارج، ثم أمسكت هاتفها لتتصل بيه

ماسة أنتظرت لحظة ثم تبسمت بتوسع وقالت: ألو... سلوملوم، إنت فين؟

أجابها بإبتسامة: عند مصطفى لسه بنزل من العربية 

تساءلت بتعجب: عايزك ليه

اومأ: مش عارف لسه.. 

ماسة بابتسامة خفيفة: طيب... أنا روحت، ماتتأخرش. 

سليم: حاضر.

أغلقت الهاتف وهي تهمس لنفسها بسعادة: بابي جاي خلاص...

بينما عشري يعلّق البالونات خلفها بصمت.
♥️__________________بقلمي ليلةعادل 

في إتجاهٍ آخر عند مصطفى

في إتجاه آخر...

دخل ومكي خلفه نحو غرفة الجلوس حيث كان مصطفى والعائلة بانتظاره.

كانت نظراتهم متوترة، ولا أحد يعرف كيف سيخبره بالحقيقة المرة.

دخل سليم يقول بهدوء: مساء الخير.

ساد الصمت للحظات، وتبادل الجميع النظرات قبل أن ينهض مصطفى سريعا: مساء النور يا سليم، تعالى أقعد.

جلس سليم بينما وقف مكي خلفه كعادته..

نظر سليم إليهم متسائلا: عاملين إيه؟ كله تمام؟ في حاجة ناقصاكم؟

ابتسمت نبيلة بخفة: لا يا ابني، كلنا كويسين الحمد لله، وشكرا على إللي عملته مع آلاء.

هز رأسه باحترام: ده واجبي، آلاء زي أختي بالظبط.

سألته آنهار بقلق: ومحمود يا ابني؟ هتعمل معاه إيه؟

أجاب بهدوء: متقلقيش عليه، هو محتاج يتعلم شوية من إللي حصل عشان يبطل إللي هو فيه، لكن هو كويس متخافيش، خليكي واثقة فيا.

ساد صمت ثقيل تبادلت فيه العائلة النظرات بتوتر، وكل منهم يفكر في كيفيه تهيئة الموقف بأي طريقة.

وفجأة تدخلت عائشة بتوتر: ماسة كويسة؟

أومأ بابتسامه: أيوة، إن شاء الله المره الجايه هجيبها معايا.

عادت النظرات تتبادل بينهم مرة أخرى، بينما ازداد استغراب سليم من تصرفاتهم.

تنحنح مصطفى أخيرا: سليم، أنا كنت عايزك في حاجه مهمه.

نظرا له باهتمام: خير؟

ابتلع ريقه وحاول ترتيب كلماته: أنا وإيهاب كنا متابعين شوية حاجات الفترة إللي فاتت، وعائشة وآلاء كانوا بيساعدونا.

ابتسم سليم ابتسامة هادئة: متشكر يا جماعة، معلش تعبتكم معايا، بس إن شاء الله قريب كل ده هينتهي.

هز مصطفى رأسه بجدية: المهم إن وإحنا بنتابع النهاردة الصبح، سمعنا حاجة لازم تعرفها.

اختفت ابتسامة سليم تدريجيا، وتساءل متعجبا: حاجة إيه؟

كان مكي ينظر إلى مصطفى من خلف سليم بعدم فهم، وكأنه يسأله بعينيه عما يحدث

تابع مصطفى بحذر شديد، يحاول تهيئته لما سيقوله:
بص يا سليم… إللي هتسمعه صعب، بس لازم تسمع للآخر، ومهما حصل، حاول تهدى وتمسك أعصابك العصبية عمرها ماكانت حل، بالعكس بتخلي الإنسان يغلط ويندم بعدين، وأنا عارف إن إللي هتعرفه دلوقتي صعب،  وصعب جدا كمان، بس التهور مش هيفيد، ومش هيجيب غير وجع أكبر..

نظر إليه سليم باستغراب، وقد بدأ الضيق يظهر على ملامحه: إيه المقدمة الطويلة دي؟ سمعتوا إيه؟ أدخلوا في الموضوع علطول.

تنهد مصطفى، وقال بصوت ثقيل: رشدي رجع إمبارح و..

فور استماع مكي تلك الجملة اتسعت عيناه بصدمة وتوتر، فقد ظن أن الحديث سيدور حول ما قاله رشدي لماسة بالأمس، لكنه مسح التسجيل بيده! فكيف علم إذا؟!

ألتزم الصمت وحدق في مصطفى ينتظر ما سيقوله.

أكمل مصطفى بصعوبة: ودار حوار بينه وبين والدتك النهارده الصبح، اتقال فيه كلام لازم تسمعه بنفسك، هتلاقي فيه إجابات للأسئلة فضلت سنين بتدور عليها!!

شعر سليم بتوتر خفي يتسلل إلى صدره: أدخل في الموضوع يا مصطفى، مبحبش الأسلوب ده خالص في الكلام.

تنهد وأخرج هاتفه ثم أعطاه لسليم: شغل التسجيل ده... وهتعرف كل حاجة.

نظر مكي إلى مصطفى من طرف عينه بعدم فهم، وشعر أن مصيبة كبيرة على وشك الوقوع.

أخذ سليم الهاتف بيد ثابتة، وضغط على التسجيل.
فبدأ صوت فايزة… ثم صوت رشدي.

في البداية، كانت ملامحه هادئة وطبيعية، يستمع فقط دون أي رد فعل ظاهر، لكن مع استمرار الحديث، ومع كل كلمة كان رشدي ينطق بها، بدأت ملامحه تتغير تدريجيا.

أختفت الراحة من وجهه، عقد حاجبيه، ثم اتسعت عيناه بصدمة…

ثم اتسعتا أكثر لشيء أشد قسوة من الصدمة نفسها.
كأن عقله يرفض استيعاب ما يسمعه.
الحادث…
حور…
ماسة…
القناص…
كل شيء…

كل تلك السنوات التي قضاها يبحث عن الحقيقة، يطارد الأشباح، ويحترق بنار الانتقام، كانت الإجابة أمامه طوال الوقت.
هم…
هم من فعلوا ذلك.
هم من قتلوا ابنته.
هم من دمروا حياة زوجته.
هم من حاولوا قتله وقتلها.
هم من سرقوا منه سنوات كاملة.

كانت يداه ترتجفان بشدة، وعيناه مثبتتين على الهاتف، بينما أنفاسه بدأت تتسارع بصورة مخيفة.

أما مكي، فتصنم في مكانه بوجه شاحب، وعينان ممتلئتان بالذهول، غير قادر على استيعاب أن الأشخاص الذين عاشوا بينهم كل تلك السنوات كانوا سبب كل هذا الخراب.

انتهى التسجيل…وساد صمت ثقيل مرعب، لم يجرؤ أحد علي كسره

ظل سليم جالسا، لا يتحرك، وعيناه مثبتتان أمامه، لكنهما لا تريان شيئا… كأن روحه انفصلت عن جسده.

سقط الهاتف من يده على الأرض دون أن يشعر، فارتفع صوت ارتطامه في الغرفة.

بينما تسارعت دقات قلبه بعنف، حتى شعر وكأن حية سامة ألتفت حول عنقه، تسحق أنفاسه دون رحمة.

اشتعلت عيناه بدموع حارقه كالجمر دون أن يدرك

ولأول مرة منذ سنوات، شعر أن الألم الذي يحمله بداخله لم يعد يحتمل.

بدأت الذكريات تنهال عليه بلا رحمة

ذلك اليوم، صرخة ماسة، طعنتها، الدماء، دموعها، انكسارها...

 الليالي التي كان يستيقظ فيها مذعورا، والكوابيس التي عاشها كل ليلة، كل شيء، كل شيء عاد إليه دفعة واحدة

سنوات مرت وهو يبحث عمن فعلها دون جدوى 

،نعم كان يراوده الشك اتجاهم بعد كل ماعلمه، لكنها كانت مجرد شكوك لم يتخيل أن تكون موجعه بهذا القدر حينما تتأكد وتصبح حقيقه مهلكه، تكفي لتحطم أقوى الرجال.

خرجت منه شهقة موجوعة، ثم أخرى، ثم انحنى بجسده للأمام وهو يضع يده على صدره، وكأن قلبه ينتزع من مكانه.

خرج صوته مخنوقا: حور…!

هز رأسه بلا تصديق، ثم رفع عينيه إلى مكي بقهر: طلعوا هما إللي عملوها فعلا؟!

ابتلع ريقه بصعوبة، وكأن الكلمات نفسها تمزق حلقه، ثم تابع بصوت خرج مبحوحا، يحمل قهر رجل تحطمت الدنيا فوق رأسه: مطلعتش شكوك… طلعت حقيقة..!

رفع عينيه الممتلئتين بالدموع، ثم أكمل بذهول ممزوج بمرارة: طلعوا هما… هما يا مكي .. أمي! وإخواتي!طلعوا هما؟!

ضحك ضحكة موجوعة، وأشار بيده المرتجفة: وهي كانت عارفة، كانت عارفة وسكتت؟! كانت عارفة،
ووافقت! وافقت إنهم يقتلوا مراتي وبنتي! ومش مكفيها كل إللي عملوه؟! لااا...  عايزة تعيد كل ده تاني! عايزين يعيدوه من أول وجديد!

تابع بدهشه مقهورة: جابوا قناص لمراتي؟! كانوا عايزين يقتلوها علشان يدفنوا السر معاها؟!

ضحك بمرارة أشد، والدموع تخونه رغما عنه: أبويا!! أبويا جاب قناص لمراتي، علشان يقفلوا على السر! أبويا وأمي، اتفقوا عليا! اتفقوا على قتل مراتي، وعلى نهش سمعتها، ونهش شرفها، من غير رحمه، أمي وأبويا؟!

خرجت آخر كلماته كطعنات، ثم ضحك مرة أخرى ضحكة مختنقة بالقهر، قبل أن يرفع يده ويمسح دموعا خانته رغم كبريائه: وأنا، أنا كنت فاكر إن ظهري متسند عليهم، فاكر إنهم أهلي وسندي!! لكن اتضح إني كنت متسند على سكينة، والسكينة دي كانت كل يوم بتغرز في قلبي أكتر وأكتر من غير رحمه ولا شفقه! ده انا شكيت في كل الناس وقتها اللي هما قولت استحاله

ضحك بوجع، وخانته دموعه وهبطت على وجنتيه مرة أخري وهو يتسأل بقهر: عملت إيه لكل ده؟! عملت إيه أستحق عليه كل ده؟! أنا عمري ما أذتهم!! عمري حتي ماسمحت لحد يأذيهم؟! رشدي ده أنا فديته بعمري لما مراتي كانت حامل! وفي الآخر يكون دى جزاتي!؟ يخطط لقتل مراتي وبنتي؟!

لم يملك أحد جوابا، فالجميع كانوا ينظرون إليه بصمت حزين…حتى مكي كان يحدق فيه بعينان دامعتان عاجزا عن قول كلمة واحدة.

أما مصطفى، فكان ينظر إليه وقلبه يتمزق من أجله، فبعض الحقائق…لا تؤلم فقط، بل تقتل.

 كان سليم يشعر بخذلانٍ كبيرٍ ينهش روحه ويحرقها ببطء، كأن الألم لا يكتفي بأن يسكن قلبه بل يتعمّد تمزيقه. لم يكن يتخيّل يومًا أن يصل بهم الأمر إلى هذا السوء، أن يختاروا أن يفعلوا به ذلك.

اقترب منه مصطفي ببطء: أنا عارف إن إللي عرفته صعب، بس...

قاطعه بعينين تمتلئان بالدموع خارق  قال بغضب: بس إيه يا دكتور؟! 

أرتفع صوته أكثر وهو يهز رأسه بنبرة مريرة غليظة:
بس إيه؟! أمي وإخواتي، قعدوا مع بعض واتفقوا على قتل مراتي وبنتي، ومش بس كده! لا وكمان جابوا قناص لمراتي علشان يقتلها، وبعد مافشلوا عايزين يعيدوها تاني؟!

توقفت نبيلة تقول بحزن: يا ابني والله إحنا حاسين بيك وبحرقة قلبك.. بس اا

ألتفت إليها بعينين غامت فيهما الظلمة، وقاطعها بصوت مخيف محشرج: أنت عمرك ما هتحسي بيا، أنتِ لما بنتك اتخطفت منك كام ساعة قلبتي الدنيا، أنا بقي بنتي ماتت والسبب في موتها أهلي! او اللى المفروض يكونوا أهلي، قتلوا بنتي وحرقوا قلبي عليها من قبل حتى ما اشوفها، وخلوني لحد اللحظه دي بتمني اسمع كلمه بابا ومش طايلها!!

نظر لها بعينين تحترقان من الدموع والقهر والوجع،
وواصل بصوت مرير، متهدج: أنا محدش حاسس بيا، محدش حس بحرقتي ولا بعذابي طول السنين إللي فاتت، محدش عاش إللي أنا عشته… ولا مر باللي أنا مريت بيه.

ابتلع غصته المريرة ثم أكمل، وصوته ينهار مع كل كلمة: سنين وأنا عايش في كوابيس، لحد ما بقت جزء من حياتي، كل ليلة بشوف الحادثة قدام عيني، وكل يوم بصحى على وجع جديد، الكل افتكر إني اتخطيتها لكن لا، أنا لسه عايش في اللحظة دي، ومستني اليوم إللي أجيب فيه إللي عمل في مراتي وبنتي كده، وأدفعه الثمن.. شكيت في كل الناس وقتها إلا هما!!!

تشنج وجهه وهو يرفع صوته أكثر: كانوا بياكلوا معايا على سفرة واحدة، وبيبصوا في عيني وهما عاملين فيا كل ده أزاى؟!

صمت لثواني يلتقط أنفاسه، ثم تابع بمرارة أشد: فايزه أقصد أمي كانت بتدخل تطبطب عليا، وتواسيني، وهي إللي عاملة كل ده..!!

اشتدت قبضته، وأسودت عيناه بنظرة انتقامية قاتمه: بس ورحمة بنتي ماهنيمهم متهنين النهارده، وزى ما حرقوا قلبي عليها، هحرقهم وهولع فيهم ...

اقترب منه مصطفى: التهور مش هيفيد بحاجه يا سليم، حكم عقلك علشان خاطر ماسه حتي!

ضحك سليم ضحكة قصيرة خرجت ممزوجة بالقهر والوجع: عقل!!! عقل إيه؟

ثم صاح بغضب: مبقاش فيها عقل خلاص، وحياة حرقت قلبي على بنتي لمولع بيهم القصر النهارده!!

قال كلماته وأندفع فجأة كالعاصفة الهوجاء، وعيناه تشتعلان بشراسة مرعبة.

لكن مكي وقف أمامه سريعا، فتح ذراعيه ليمنعه من المرور: سليم، استنى بس، خليني أفهم، هتعمل إيه؟

نظر له بعينين محمرتين، وصوته كان منخفضا بشكل مخيف: زى ما سمعت…!

حاول يتخطاه، لكن مكي ثبت مكانه، رغم أن الغضب كان يشتعل بداخله هو الآخر.

وخرج صوته أقوى هذه المره، ممزوجا بالألم: ماشي… إنت صح في كل إللي قولته،  أنا نفسي أحرقهم قبل منك! أنا كمان اتوجعت عليك وأنت في الرعاية 4 شهور!  ونفسي أكل قلبهم على إللي عملوه في أخويا ومراته! أنا مش أقل منك وجع يا سليم، أنا طولت أذاهم زيك بالظبط، بس فيه حاجة لازم نفهمها…

اقترب خطوة أكثر، وصوته هدأ لكن بقى أثقل: مين المجهولين دول؟ رشدي قال إنه ميعرفش عنهم حاجة؟! يبقى لازم نفهم النقطة دي الأول، أحنا ماصدقنا وصلنا لخيط متخليهوش يضيع مننا، أنا حاسس إن اللى اسمه تمساح ده هنطلع منه كتير، ارجوك استني بس نكشف الحقيقه كامله!

تردد لحظة، ثم قال بمرارة خفيفة: ويا عم ساعتها أنا هجيب البنزين وأرمي معاك لو ده هيهديك.

لكن سليم كان قد أنفجر من الداخل، وصرخ مقاطعا، وصوته هز المكان: مش مهم! كفاية إللي عرفته! أنا عرفت مين السبب، أكتر من كده مفيش!

دفع مكي بقوة، فتراجع خطوات للخلف، وارتطم جسده بالحائط.

في اللحظة نفسها اندفع سليم نحو الباب كالعاصفة، أنفاسه متقطعة، وملامحه لا تحمل سوى شيء واحد"النار"

 صرخ مكي خلفه: سليم! استنى!

، ثم ركض فورا، ولحق به مصطفى وإيهاب بسرعة، يحاولون إيقافه قبل أن يخرج عن السيطرة تماما.

لكن سليم كان كمن فقد السيطرة تماما، لا يسمع، لا يرى، لا يفكر، كل شيء بداخله إنهار وتحول إلى رماد مشتعل، اندفع نحو السيارة، بينما الجميع يركض خلفه.

أمسكه مكي قبل أن يصعد، وهو يهتف بلهفة محاولا إيقافه: سليم فوق! متضيعش كل اللي وصلناله!

شد ذراعه بعنف، وصوته خرج حادا كالسيف: قولتلك أبعد عني يا مكي!

لكن مكي لم يتركه، بل زاد تمسكه وهو يهتف: مش هبعد! قولتلك أصبر! نفهم وبعدين نحرقهم سوا!

أرتج صدر سليم من الغضب، وعيناه لم تعد ترى أمامهما بوضوح: أنا قولتلك مش هصبر!

مكي بنبرة جهورة بحسم: لازم تصبر، علشان نجيب حقك كامل!

ساد صمت لحظة، قبل أن يجز سليم على أسنانه، ويبدل الغضب ملامحه كأن إنسانا آخر ظهر مكانه.

وفجأة…

سحب مسدسا من خصرة، ورفعه في وجه مكي.

فتجمد الجميع  واتسعت أعينهم وامتلىء المكان بالتوتر، وكأن الهواء توقف عن الحرك.

بينما وقف مكي مكانه دون حركة، عينيه ثبتت على فوهة السلاح، لكن صوته خرج رغم ذلك، هادئا بشكل مخيف: سليم، متعملش كده.

اللحظة امتدت ثقيلة… خانقة… لا صوت فيها إلا أنفاس متقطعة.

عين سليم كانت مشتعلة، لكن داخلها كان هناك شيء آخر… مهشم، ومكسور لدرجة لا تُرى بسهولة.

صوته خرج منخفضا، لكنه مرعب: أبعد عن طريقي يا مكي!

لم يتحرك مكي، ولم يرفع يديه، فقط قال بثبات موجوع: لو هتضرب… أضرب.

توقفت أنفاس الجميع، واتسعت اعينهم بصدمة

بينما ثبت مكي نظره عليه دون أن يرمش، ضغط سليم على أسنانه، وأرتفعت يده بالسلاح في الهواء، وأطلق عدة رصاصات في الهواء دوى الصوت في المكان، فأرتجف الجميع.

وفي لحظة خاطفه، دفع سليم مكي بعنف من صدره حتى سقط أرضا، واتجه إلي السيارة.

نهض مكي يقول بتوسل: سليم…

قبض على السلاح بقوة، ثم صوبه على مكي بغضب هائل: مكي أرجع مكانك متقربش فاهم..

ثم انكسر صوته حتي خرج ممزقا: سيبني أخد بتار بنتي ومراتي… متحمهمش أكتر من كده!

قال كلماته تلك ثم صعد السيارة، وأنطلق بها بسرعة جنونية.

صرخ مكي: سليم استنى!

لكن السيارة كانت قد ابتعدت.

أندفع نحو سيارة الحراس، ومصطفى يركض خلفه وهو يقول: لازم ألحقه!

نظر للحراس: تعالوا ورايا بسرعة.

دخل مكي السيارة بسرعة، وأدار المحرك بعصبية، ثم انطلقت السيارة كالسهم خلف سليم.

توقف مصطفى وعائلته مصدومين مما حدث.
ضربت نبيلة كفًا بكف وهي تردد بوجع: لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا ينتقم منهم.

ايهاب بتوتر: هنروح وراهم.

نظرت إليه نبيلة بسرعة قالت بشدة: تروح فين يا ابني؟ والله محدش ينقل من قدام عيني.
احنا ناقصين مصايب؟

زم مصطفى وجهه وهو ينظر إلى هاتفه:إن شاء الله مكي يوقفه في الطريق، وإلا هيبقى يوم أسود على الكل.

قالت عائشة بدموع:و يا رب يا مصطفى… سليم لو وصلهم وهو بالحالة دي هيقتلهم.

تنهد مصطفى بضيق: وأنا خايف من كده.
الراجل اتدبح، اللي عرفه كفاية يجنن أي حد.

 أنهار بحزن:  ربنا يصبر قلبه، ده الواحد من اللي سمعه مش قادر يستوعب، أمال هو هيبقى عامل إزاي؟

أما إلاء، فكانت تنظر إلى مصطفى الذي بدا عليه القلق الشديد، ثم قالت بهدوء: إن شاء الله مكي يعرف يهديه

رفع مصطفى عينيه إليها، ثم زفر بقهر:يا رب
يا رب بس يوصله قبل ما يوصل القصر وتبقى مجزرة

على اتجاه اخر في الطريق…

كان سليم يقود في صراع جنوني، كأن الطريق كله لا يعني له شيئا، فقط صوت واحد في رأسه يدفعه للأمام… الغضب.

خلفه كانت سيارة مكي تحاول اللحاق به، لكن سليم كان يسبقه بمسافه، وبعد محاولات، استطاع الوصول له وبقى في محازاته، وهو يقود بعصبية.

صرخ مكي وهو ينظر من النافذة: سليم! وقف! بالله عليك وقف! خلينا نتكلم!

لكن سليم لم يرد.

نظر له بعينين متوحشتين من المرآة، ثم ضغط على البنزين فجأة، فانطلقت السيارة بسرعة أكبر، وابتعد.

ضغط مكي على البنزين هو الآخر: مش هسيبك!

تحولت الشوارع إلى مطاردة مرهقة، سليم أمامهم كالسهم، ومكي خلفه كمن يطارده بلا توقف.

كان المشهد كأنه مطاردة بين شرطي ومتهم، لكن الألم الحقيقي كان أكبر من أي قانون.

فجأة، لمح سليم صندوق قمامة كبير على جانب الطريق.

مر بجانبه بسرعة، فارتطم بسيارته برطمة خفيفة، لكن ذلك الارتطام كان كافيا ليجعل الصندوق يميل ويسقط بقوة على الأرض بعرض الطريق، فتتناثرت القمامة في الطريق.

حاول مكي تفاديه وهو يزفر: أوووف!

لف بعنف وتجاوزه، لكن تلك الثواني القليلة كانت كفيلة بأن يضيع منه سليم، وعندما رفع نظره للأمام…

لم يعد سليم موجودا، اتسعت عينه بصدمة: راح فين؟!

جز على أسنانه، وأمسك هاتفه بسرعة، وأجرى اتصالا بعشري 

على إتجاه آخر…

كانت ماسه وعشري لا يزالان يباشران ما يفعلاه بصمت، حين قاطعهم رنين هاتف عشري.

نظرت إليه بقلق: رد بسرعه ليكون حد جه! 

أمسك هاتفه بسرعة، وقال مطمئنا: لا متخافيش، ده مكي…

ابتسمت ونهضت من مكانها على عجل: طب رد بسرعة، يمكن جم… أفتح الأسبيكر.

أومأ بإيجاب، وفتح المكالمة على المكبر، لكن ماسة تحدثت أولا بصوت مرح: مكي؟ إنتم في...

لكن فجأة جاء صوت مكي صارخا، متقطعا من شدة التوتر: عشري، خد الرجالة ووقف سليم بسرعة!

اتسعت عينا ماسة بصدمة وخوف: في إيه؟!

حاول عشري أن يسحب الهاتف، لكن ماسة تمسكت به بسرعة: في إيه يا مكي؟!

مكي بصوت أعلى وأشد توترا: مش وقته يا ماسة! أدي التليفون لعشري.

رد عشري مستعجلا: أنا معاك.

أجاب مكي بلهفة: عشري بسرعة وقف سليم، متخهلوش يوصل، أنا مش عارف أوصله سايق زي المجانين، قابله في الطريق أنت والرجالة ووقفه...

صاح مكي كمجنون: سليم عرف إن هما إللي عملوا الحادثة، وحالف يحرق القصر! وقفه بسرعه.

قال عشري بسرعة: طيب…اقفل أنت دلوقتي وانا هتصرف.

كانت ماسة تستمع للمكالمة بعينين متسعتين، خرج صوتها مكتوما: إيه إللي سمعته ده يا عشري!!

اومأ بعدم معرفة متعجلا: خليكي هنا..

ركض نحو الخارج بسرعة، تاركا خلفه ماسة التي تجمدت مكانها للحظات، تحاول استيعاب ما سمعته لكن قلبها انقبض فجأة! خصوصا عندما تذكرت كلمته "وقف سليم… هيحرق القصر..هم إللي عملوا الحادثة"

ترددت الجملة في عقلها كصدى مؤلم.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، وقلبها بدأ ينبض بعنف، وكأن شيئا في داخلها يصرخ محذرا.
:سليم…

همست باسمه، وقد بدأ الخوف يزحف إلى قلبها.
تجمعت دموع حارق في عينيها، ثم فجأة، وكأن جسدها سبق عقلها، ركضت خلف عشري.

التفت إليها بسرعة، واتسعت عيناه بصدمة: رايحة فين؟! خليكي هنا.

هزت رأسها باصرار والدموع بدأت تهبط من عينيها: لا هاجي معاك… يلا يا عشري! مفيش وقت!

لم يكن هناك وقت للكلام، هز عشري رأسه بسرعة، وتحرك.

ركضت ماسة خلفه دون توقف، تهبط الدرج بسرعة، وقلبها يكاد يقفز من صدرها.

لكن بسبب سرعتها، ألتف طرف فستانها حول قدميها، وخانها توازنها للحظة فتعثرت، وسقطت مكانها بقوة على الدرج:  آهااا…

خرجت منها صرخة متألمة، وتجمد عشري وهو يلتفت إليها بصدمة: ماسة!

وضعت يدها على الأرض، وأنفاسها متقطعة، والألم بدأ يشتد في جسدها، لكنها لم تهتم.

نهضت فورا، رغم الألم الذي اجتاح ظهرها، وكأنها لم تشعر بشيء، كان كل وعيها، وخوفها، وقلبها، مع سليم فقط.

نهضت متألمة: يلا أنا كويسة، خلينا نلحق سليم.

ركضت مرة أخرى، فلحق بها عشري، وفتح باب السيارة بسرعة.

صعدت بجانبه دون أن تنظر خلفها، ودون أن تدرك في تلك اللحظة أنها تحمل حياة صغيرة بداخلها.

قاد عشري السيارة مسرعا، كانت طوال الطريق، تبكي بصمت، يداها ترتجفان وهي تقبض على المقعد بقوة.
أنفاسها متقطعة.

وقلبها ينبض برعب لم تفهم سببه، التفتت إلى عشري فجأة، وصوتها المرتجف خرج على هيئة أمر: عشري… وقف العربية!

نظر إليها بتعجب: ليه؟!

ردت بملامح مشدودة، وفيها إصرار: في فكرة في دماغي، وقف يا عشري!

تردد لحظة، ثم أخرج يده من النافذة وأعطى إشارة للحراس، فتوقفوا جميعا على جانب الطريق.

قالت بتفكير: وقف العربية بعرض الطريق.

اومأ بإيجاب وفعل ما قالته، ثم هبط من  السيارة، وتوقف بجانبها يتساءل بقلق: هتعملي إيه؟

قالت وهي تمسح دموعها: عايزة سليم لما ييجي ميعرفش يكمل الطريق، لازم نقفله هنا.طوخليهم واقفين زيك كدة، واحد ورا واحد عشان ميعرفش يعدي..

أومأ بسرعة، وبدأ يوجه الحراس بيديه.

وبالفعل، انتشروا في الطريق، كل سيارة في موضعها، في انتظار سليم، وكأنهم صنعوا حاجزا على الطريق المؤدي للقصر

ظلّوا متوقّفين لعدّة دقائق على طريقٍ خالٍ تمامًا، بدا وكأنه غير مستخدم إلا لشيء واحد فقط… وهو الوصول إلى القصر. كان طريقًا زراعيًا طويلًا يلفّه الصمت من كل جانب، وعلى امتداده تمتد أراضٍ شاسعة من الزراعة، وكأنها جزء من ملكيات الراوي نفسه، لا يقترب منها أحد ولا يمرّ بها سواه وأصحاب القصر.

بعد دقائق… بدأ صوت محرك يأتي من بعيد صوت سيارة تقترب بسرعة جنونية.

عشري: ماسة… أقفي على جنب.

ثم التفت للحراس: خليكم جاهزين.

توقفت ماسة جانب الطريق، وقلبها يكاد يخرج من مكانه.

وفجأة… ظهرت سيارة سليم تقترب بسرعة مرعبة.

كان سليم يقود وعيناه مثبتتان علي الطريق بلا وعي تقريبا، وعندما لمح السيارات تسد الطريق… 

ضيق عينيه، وحاول تفاديهم، فضغط علي الفرامل بشده حتي التفتت السيارة مرتين حول نفسها..

صرخت ماسة برعب: سليييييييم 

كادت أن تتحرك لكن أمسكها عشري: أستنى.

تمكن سليم أخيرا من إيقاف السيارة، وخرج منها يصيح بنبرة مشتعله وصدره يعلو ويهبط بغضب: مين حاطط العربيات دي هنا؟!

وفي تلك اللحظة، ظهرت ماسة من بين السيارات تتحرك ببطء، وخلفها عشري والحراس.

حدق فيها سليم متعجبا: إنتِ بتعملي ايه هنا؟ شيلوا العربيات دي!

اقتربت  بسرعة تحاول تهدئته بنبرة مهتزة: سليم، أرجوك اهدى خلينا نتكلم..

صرخ بعنف: نتكلم في إيه؟! مفيش كلام، هما إللى عملوا الحادثة، هما السبب في كل إللي حصلنا، هما إللي قتلوا حور وحرقوا قلبنا عليها من قبل حتى مانشوفها.. 

ابتلعت غصتها، وهزت رأسها بدموع: ماشي بس حرقك للقصر مش هو إللي هيرجع حور ولا هيرجع كل السنين إللي راحت مننا، خلينا نتكلم.

نظر لها بعينين متسعتين، ووجهه لا يحمل سوى الألم والغضب: نتكلم في إيه؟! مفيش حاجة نتكلم فيها! لازم أحرقهم زي ماحرقوا قلبنا! لازم أقتلهم زي ما قتلونا! لازم يدفعوا الثمن! خلاص يا ماسة، خلاص! مينفعش يعيشوا ثانية واحدة بعد كل إللي عرفته! مينفعش!

تحرك مبتعدا، لكن ماسة ركضت خلفه بسرعة، وأمسكته من كتفه: سليم، طب أسمعني! أصلا محدش هناك غير صافيناز والعيال الصغيرة..

أجابها بلامبالاه: مش مهم! 

صرخت بانهيار: مش مهم أزاى!؟ العيال الصغيرة ذنبها إيه يا سليم!!

استدار يصرخ هو الآخر بقهر: وأنا بنتي كان ذنبها ايييييييه!!

أمسكت يده بكف مرتعش: مش ذنبها حاجه، بس أنا مش عايزة حق حور ييجي بالقتل! مش عايزة حق إللي حصلنا يجي كدة يجي بدم يجي بأن ابوها يغرق بدم عيلته.

استدار وعيناه لا تريان شيئا سوى النار المشتعلة داخله: لا! هييجي بالقتل!  وبدم، وهحرقهم زي ما حرقوني!  العين بالعين والسن بالسن، والبادي أظلم...... 

صاح بها بيبيعها رجوليه جهوره حتى برزت عروقه:
وعي يا ماسة! 

وبدون وعي  دفعها بقوة، فارتطم ظهرها بإحدى السيارات بقسوة: آآه…

خرجت منها شهقة ألم، ووضعت يدها على بطنها تلقائيًا، وقفت لوهلة تاخذ أنفسها، تشعر بألم حاد يسري في جسدها كله، أزداد بسبب سقوطها السابق، وركضها، وتوترها الشديد.

توقفت تاخذ أنفسها وهي تشاهده يصرخ كالمجنون، ويضرب بيده على إحدى السيارات بعنف: شيلوا العربيات دي! حالا!

لكن عشري توقف أمامه بعند: مش هنشيل حاجة 

اتسعت عينا سليم: إنت بتقولي أنا كدة!

قلب وجهه فجأة، رفع يده واعطاه لكمة قوية، وبدأ يضرب كل من يقترب منه، كأنه فقد السيطرة تماما، يصرخ بجنون: شيلوا العربيات دي!

تقدمت ماسة مرة أخرى، رغم خوفها تحاول تهدئه: سليم! أسمعني! إللي عايز تعمله غلط! هتقتل أطفال ملهمش ذنب؟! أبوس إيدك فوق!!

لكن كلمتها لم تهدئه، بل زاد اشتعاله.

صرخ بعينين محمرتين: وايه يعني ولادهم مش أحسن من بنتي، مش كل حرب ليها ضحايا، مش ده كلامهم، خلاص يبقي ولادهم هما الضحايا.

هزت رأسها بعنف، والدموع تنهمر من عينيها بحرقة: لا، مش هنبقى زيهم! إحنا مش زيهم يا سليم! أنا مش هسمحلك تعمل كده!

ورغم الألم الذي كان ينهش جسدها، اقتربت منه من الخلف، وأحاطته بذراعيها بكل مابقي فيها من قوة، تحاول إيقافه.

لكن سليم… كان بعقل غائب، وقلب أحترق حتى لم يعد يميز شيئا.

فالتفت إليها بعنف، وصاح بها وهو يدفعها، وكأنه يدفع رجلا يقف في طريقه، لا المرأة التي أحبها: قولتلك أوعي يا ماسة!!

ترنحت إلى الخلف عدة خطوات، حتي سقطت على ظهرها بقوة علي الأرض.

أنقطع الهواء من صدرها للحظة: آآآآآآآه…

خرجت منها شهقة موجوعة لكن هذه المرة…
كان الألم مختلفا.

وضعت يدها على بطنها تلقائيا، وعيناها اتسعتا، وأنفاسها ارتجفت.

أما سليم…

فكان قد استدار بالفعل، وعلى وشك أن يصعد إلى إحدى السيارات المتوقفة.

رفعت رأسها بصعوبة، والدموع تغرق وجهها، ثم صرخت من بين شهقاتها: سلييييييم!!

صرخت مرة أخرى، بصوت مزقه البكاء: سليم… أنا حامل!!

تجمد، وتوقفت يداه على باب السيارة احتبست أنفاسه، وتوقف العالم كله من حوله، واتسعت عيناه كادت تخرج من محجرها..

بينما تابعت ماسه بنبرة واهنة: أنا حامل.

ألتفت لها ببطئ وكلمات تخرج بصعوبة: بتقولي إيه؟!

رفعت رأسها رغم الألم الذي تشعر بيه ووجها يعكس مدي الوجع: أنا حامل… والله حامل.

اقترب منها ببطء بعدم تصديق، وكأن الكلمات احتبست في حلقه. 

تابعت هي لكن هذه المرة خرجت الكلمات منها بنبرة أضعف، وهي تحتضن بطنها بيديها المرتجفتين بعينين تهبط بدموع: أنا حامل يا سليم، كان نفسي أقولك بطريقة حلوة وأفرحك، روحت كشفت وخدت صوره من السونار وتسجيل لصوت النبض كمان، وكنت عمللاك مفاجأة حلوة أوي

خرجت تأوهات منها خافضة، وكانت الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف.

ثم أدخلت يدها المرتعشة في جيب الروب، وأخرجت صورة السونار، ومدتها نحوه وهي تقول بصوت واهن: بص ابننا أهو..

بدأت كلمتها تخرج متقطعة: هو دلوقت في بداية الشهر التالت.

تناولها سليم ببطء، كأن يديه لا تطيعانه، ونظر إليها طويلا، يتأملها بصمت غريب، كأن العقل يرفض التصديق والقلب يرتجف.

ثم انحنى فجأة على ركبتيه أمامها، وارتجف صوته:
يعني… ابني هنا؟

وضع يده على بطنها بحذر شديد، وكأنه يخشى أن يختفي كل شيء إذا تحرك.

هزت رأسها بإيجاب، رغم الألم الذي بدأ يشتد داخلها:
أيوة…

كانت ملامحها تعكس بداية الألم الذي يداهمها، لكنه لم ينتبه.

خرجت منها تأوهات صغيرة متقطعة، ويداها تستقران فوق بطنها بحماية غريزية، بينما تحاول بكل ما تملك أن تتحمل الوجع وتكتمه، حتى لا تزيد من اضطرابه أو تلفت انتباهه إلى ما تعانيه.

في تلك اللحظة، ظهر مكي في الخلف، مترددا، يراقب المشهد، يمسك سلاحه وهو يريد ان يضربه على راسه كي يوقف جنونه،  لكن نظراته انكسرت أمام ما يحدث.

كان سليم يبكي بصمت، وملامحه تتغير من الغضب إلى الإنهيار، وهو يضع يده علي خدها ويهمس: إنتِ متأكدة

أومأت بتعب: آه… متأكدة.

بدأت دموعه تهبط بغزارة، وهو ينظر إليها بعينين مرتجفتين، ثم وضع يده المرتعشة فوق يديها الموضوعتين على بطنها، وكأنه يخشى أن يكون ما يسمعه حلما سينتهي.

خرج صوته مبحوحا، مليئا بالذهول والفرحة والألم معا: يعني… أنا هبقى أب؟ بعد كل السنين دي، هيتقالي بابا؟ هيكون ليا طفل؟

كانت ملامح ماسة تزداد وجعا، لكن وسط الألم الكبير الذي بدأ يهاجمها، خرجت منها همهمات موجوعة خافتة، وأومأت برأسها بابتسامة مرتعشة، وقالت بصوت متقطع:  أيوه…هتكون أب يا سليم…هتكون أب ...آآآه…

ابتسم وسط دموعه، وكأنه لا يصدق، ثم ضمها إليه للحظة قصيرة، وقبل رأسها وهو يبكي: أنا مش مصدق،أنا هبقى أب،  الحمد لله يارب، الحمد لله،
يا رب…

ثم أبتعد قليلا، ينظر إلى وجهها الشاحب وهو يقول بدموع رجلا انتظر سنوات كي يكون له ابنا: ماسة خلاص هيكون لنا أبن..

وضع يده على بطنها: إنت سامعني؟ أنا بابا، أنا هحبك أوي، مش هخليك نفسك في حاجة، أنا استنيتك سنييين 

فجأة خرجت منها تأوهة أعلى هذه المرة، لكنها ما زالت تحاول خفض صوتها: آآه…

انتبه أخيرا، وتساءل بقلق وهو يمسح دموعه بطرف يديها: مالك يا ماسة؟

رفعت عينيها إليه، ودموع الألم بدأت تختلط بدموع الفرح، وهمست: مش عارفة…حاسة بوجع جامد أوى…

اتسعت عيناه برعب: وجع إيه؟

وضعت يدها على بطنها، وأنفاسها متقطعة: مش عارفة…حاسة بوجع وبدأ يزيد، آآه… مش قادرة

أنقبض وجهها بقوة، وانحنت قليلا، وخرجت منها تأوهة موجوعة.في تلك اللحظة…

أختفت النار من عيني سليم أختفى الغضب.
أختفى الانتقام، ولم يبقَ سوى الرعب.

رعب رجل رأى زوجته تتألم أمامه: ماسة!

احتضن وجهها بين يديه، وصوته أصبح مرتعشا: بصيلي! مالك؟! وجع إيه؟! ردي عليا!

هزت رأسها باكية، ويديها تضغطان على بطنها: مش عارفة… وجع… آآه…فظيع، ألحقني يا سليم، مش قادرة 

مرر يده المرتجفة على شعرها وهو يقول بسرعة:خلاص… خلاص يا حبيبتي… تعالي، هوديكي للدكتور حالا… مفيش حاجة هتحصل، أنا معاكي.

أنحنى بسرعة يحملها، ولكن تجمدت يداه وشعر بأنفاسه تختنق، وهو يري الدماء تتدفق أسفلها، وتلطخ ملابسها.

اتسعت عيناه برعب، وتوقف قلبه للحظة: م… ماسة؟

نظر إليها بجنون، ثم إلى الدم مرة أخرى، وكأن عقله يرفض تصديق ما يراه: لا…لا…

  
تعليقات



<>