رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم)الفصل الاربعون40بقلم ليله عادل

رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم)الفصل الاربعون40بقلم ليله عادل

          
 ط

       [بعنوان: أمل يولد من رحم المعاناه]

اتسعت عينا سليم، وهو يهز رأسه بعنف: لا يا ماسة!

نظرت إلى الدماء التي تلطخ يده، ثم أنزلت بصرها إلى ملابسها، فبكت بحرقة ورعب: سليم.. لا.. مش عايزاه يموت... مش عايزة يموت يا سليم... آآآه... آآآه! 

اخذ ينتقل بعينه بينها وبين الدماء التي تلطخ يده بتيه للحظه، قبل أن يفيق من صدمته ويحملها نحو إحدى السيارات.

صرخ: افتح العربية بسرعة!

فتح أحد الحراس الباب، فأدخلها إلى المقعد الخلفي وجلس بجوارها، بينما صعد عشري خلفه، وتولى مكي القيادة وهو يصيح: تعالوا ورانا بسرعة!

انطلقت السيارة بأقصى سرعتها، يتبعها سيارات الحراس.

في الخلف، كانت ماسة تبكي بانهيار: مش عايزاه يموت يا سليم، ولادي كلهم بيموتوا وبيسيبوني ليه؟

احتضنها بقوة وحاول تهدئتها بدموع تهبط من عينه: اهدي يا حبيبتي، إن شاء الله هنلحقه، متخافيش.

كلماته المطمئنه لم تصل إلي عقلها المرعوب، فظلت تبكي بحرقة وتردد: كلهم بيموتوا ويسبوني ليه يا سليم؟ هو أنا أم وحشة؟! علشان كده محدش عايز يفضل معايا، ربنا ليه مش بيحبني؟ ليه مش عايزني أبقى أم؟ 

هز رأسه بسرعة، وهو يمسح وجهها بيد مرتجفه: لا متقوليش كده، بالله عليكي متقوليش كده، هيبقى كويس، ولو في حد بيتعاقب يبقى أنا مش أنتِ، صدقيني أنتِ مفكيش حاجة، أنتِ أحسن أم في الدنيا كلها.

ردت بصوت محشرج من البكاء: متخلهوش يمشي يا سليم، والنبي متخلهوش يمشي، والنبي يارب متخلهوش يمشي ويسبنى أنا مصدقت أنه جه.

أخذت تبكي بنهنه، فضم رأسها إلى صدره مرة أخرى، والوجع يعتصره بعنف، وكأن سلكا شائكا التف حول قلبه، يعلم أن ماضيه كان سيئا إلى حد بعيد، وأن ذنوبه تملأ الدهر، ولا يعلم إلى متى سيظل يدفع الثمن.

ورغم المرارة التي تنهش روحه والخوف الذي يفتك به، كان مجبرا علي ارتداء ثوب الهدوء كي لا ينهار كل شيء.

مسح علي شعرها بحنان: إن شاء الله هيعيش، كفايه عياط.

وضعت يديها المرتجفتين على بطنها، وهمست ببكاء: خليك موجود، وحياتي متسبنيش، قوله ميسبنيش يا سليم، متخلهوش يمشي...

ثم صرخت متألمة: آآآه!

رد بسرعه: يا حبيبتي، والله العظيم هيكون كويس، عشان خاطري اهدي.

أغمضت عينيها تبكي: بطني وجعاني اووي، مش قادرة... آآآه...

ازداد الذعر في عينيه، وصاح بصوت مرتجف: بسرعة يا مكي! 

أجابه وهو يضغط على دواسة الوقود أكثر: حاضر يا سليم، حاضر!

وبينما كانت السيارة تشق الطريق بسرعة جنونية، جلس يحتضنها ويمسح دموعها بيد مرتجفة، ولسانه لم يتوقف عن الدعاء.

وبعد قليل.

وصلت السيارة إلى المستشفى، فحملها سريعا، ودخل يصرخ كالمجنون: دكتور! بسرعة، عايز دكتوووور!

جاءت إحدى الممرضات مسرعة: اتفضل من هنا.

ركض خلفها نحو الطوارئ ، ووضعها على الفراش 

ماسة برعب ووهن: سليم انا خايفه، مش عايزاه يموووت

مسح على رأسها: متخافيش، هتبقي كويسه.

وفجاه انتصب يصرخ صرخه رجوليه جهوره: فين الدكتوووور!

في تلك اللحظة، دخل الطبيب: إيه اللي حصل؟

سليم بصوت متقطع من الخوف: حامل ووقعت على ضهرها، نزفت كتير.

التفت الطبيب للممرضة بعملية: جهزوا أوضة العمليات بسرعة! وبلغوا دكتور صابر حالا يلا، مفيش وقت!

بدأ الممرضون في نقلها على الترولي، فركض سليم خلفهم بقلب يرتجف وأنفاس متقطعة، وتبعه مكي وعشري والحراس بخطوات مسرعة.

كانت ماسة تبكي وتصرخ وهي تقبض على يده: سليم والنبي تعالى معايا، أنا مش عايزاه يموت ويسيبني…

مسح على شعرها بحنان وهو يركض إلى جوار السرير المتحرك، وعيناه تفيضان بالدموع: متخافيش يا عشقي، أنا جنبك، مش هسيبك.

وبمجرد أن وصلوا إلى باب غرفة العمليات، اندفع خلفهم، لكن اوقفته إحدى الممرضات بحزم: ممنوع يا فندم.

تشبست ماسه بيده، ودموعها تغرق وجهها بخوف: لا يا سليم متسبنيش لوحدي، أنا خايفه.

انفطر قلبه وهو يرها بهذا الوضع، فانحني يقبل يدها عدة مرات، ودموعه تنحدر دون توقف: أنا هنا يا روح سليم، والله هنا، ومش هسيبك، خليكي قوية عشان ابننا، وعشان خاطر سليم.

هزت رأسها ببكاء: أنا خايفة عليه أوي، مش عايزاه يموت، ويروح مني.

أسند جبينه إلى جبينها وهمس بصوت مكسور: مش هيموت، ربنا كبير، وهتخرجيلي انتِ وهو بالسلامة، فاهمة يا عشقي؟

أجهشت بالبكاء وهي تتمسك بيده أكثر: متسيبنيش…

لكن الممرضة أبعدت السرير برفق، فانسحبت أصابعها من بين أصابعه شيئا فشيئا، بينما كانت تنظر إليه بذعر، وتصرخ باسمه: سليم… سليم…!

كاد ان يتحرك خلفها مرة اخرى

لكن اوقفته الممرضه: يافندم قولتك ممنوع.

هتف بجنون غاضب: ممنوع إيه؟! لازم أدخل معاها!

اومأت برفض: مينفعش يا فندم.

صاح ببحه رجوليه: هو إيه اللي مينفعش؟! دي مراتي! فين مدير الزفت ده، أنا سليم الراوي وهدخل معاها.

هتف مكي محاولا تهدئته: يا ابني هتدخل فين، دي عمليات، بطل جنان بقي.

لكنه لم يسمع شيئا، وكأنه فقد الإحساس بكل من حوله.

اقترب من الطبيب وقال برجاء امتزج بالانهيار: عايز أدخل معاها أرجوك.

أجابه الطبيب بهدوء: صدقني مش هينفع، وجودك جوه هيعطلنا وممكن يسبب ضرر، أرجوك سيبنا نلحقها.

ربت مكي على كتفه: سيبهم يشوفوا شغلهم يا سليم.

لكنه كان منهار تماما، امتلأت عيناه بالدموع، وتمتم بصوت مرتجف بالكاد يُسمع: أرجوك مش هينفع أخسر الطفل ده، مستحيل بعد كل اللي حصل ده أخسره، خليه يفضل أرجوك، أنا مستعد أخسر أي حاجة إلا هو...

نظر إليه الطبيب بحزن وقال وهو يسرع نحو غرفة العمليات: إن شاء الله خير، ادعيلها وإحنا هنعمل اللي نقدر عليه.

أُغلقت الأبواب أمامه، وبقي واقفا يحدق في الباب المغلق بعينين دامعتين، وكأن روحه دخلت معها خلف تلك الأبواب، ولم يبقَ منه سوى جسد يرتجف خوفا من أن يفقد شعاع النور الوحيد الذي تمسك به وسط كل هذا الألم.

رفع يده، ينظر إلى الدماء التي تغطي كفيه، فاهتز ما بداخله بقهر، وفجأة بدأ يضرب بيديه في الحائط وكأنه يعاقبهما على ما اقترفتاه، وهو يصرخ بجنون: أنا غبي وحيوان! أزاي أعمل كده؟! 

خرج صوته مختنقا بالقهر، وعيناه معلقتين بتلك الدماء التي التصقت بيده.

ترنح في وقفته فجأة، وكأن قدميه لم تعودا قادرتين على حمل ذلك الجسد الذي أثقله الخوف والندم، فسقط أرضا وجلس على البلاط يضم ساقيه إلى صدره، كطفل تاهت منه أمه وسط الزحام.

وانفجر ببكاء حارق خرج من أعماقه ممزوجا بمرارة لم يعرف مثلها من قبل، وهو يتذكر اللحظه التي دفعها فيها وأدت الي سقوطها..

ضرب الأرض بقبضته بعنف حتى احمرت يده وهو يهتف باختناق: غبي... أنا السبب... أنا السبب! 

جلس مكي على ركبتيه أمامه، وربت علي كتفه: أهدى يا سليم، متعملش في نفسك كده.

رفع عينيه إليه وقد غامت بالدموع، وهمس بانكسار: أنا السبب، مستحيل أسامح نفسي.

حاول مكي تهدئته: كنت هتعرف منين؟

شهق باكيا: حتى لو مكنتش اعرف، مكنش ينفع أزوقها كده، بس والله ما كنت اقصد، أنا غبي... غبي!

وضع يده على رأسه قائلا بقهر رجل ذبحه اشتياق ان يكون له طفل: أنا مش هتحمل أخسر ابن تاني يا مكي، لو حصله حاجة هكون أنا السبب، ووقتها ممكن أموت فيها.

كبح مكي دموعه بصعوبة وقال بابتسامة مرتجفة: متقولش كده، إن شاء الله هيعيش، وهيكبر، وهتشوف أحفادك منه كمان.

لكن كلماته المطمئنه لم تصل لعقل سليم، فانفجر في البكاء مرة أخرى.

تأثر مكي، ولم يستطع رؤيته بهذا الحال، فجذبه إليه، وربت على ظهره بمؤازره: بالله عليك متعملش في نفسك كده، علشان لما تخرج تلاقيك واقف جنبها.

جلس بجانبه علي الأرض يضم كتفه ويشد عليه بين الحين والآخر بمؤازره، بينما وقف عشري بالقرب منهما يدعو بصمت.

أما سليم، فكان قلبه يتمزق مع كل ثانية تمر وكأنها سنوات طوال، وكلما أغمض عينيه رأى ماسة وهي تسقط،فيمزقه الندم من جديد.
كان يرفع رأسه بين الحين والآخر إلى باب غرفة العمليات المغلق، ويهمس بصوت مبحوح لا يسمعه أحد: يا رب، خد عمري كله، بس متاخدهمش مني، أرجوك يارب متحرمنيش منهم، أنا تعبت... والله تعبت.

أسند رأسه على ركبتيه، وبكى بصمت هذه المرة، بكاء رجل يخشى أن يكون قد هدم بيديه آخر شعاع نور بقي له في هذه الحياة.
♥️_______________بقلمي_ليلةعادل 

في أحد الشوارع المجهولة،7م.

تحرك تمساح بخطوات متوترة، يرتدي كوفية تخفي جزءا كبيرا من ملامحه، ثم توقف أمام أحد الأكشاك وطلب استخدام الهاتف.

أخرج ورقة وبدأ بالضغط علي الأرقام المدونه بها، ثم وضع السماعة على أذنه منتظرا الرد.

بعد لحظات جاءه صوت عماد: ألو؟

ابتسم تمساح: عماد باشا.

عماد باستغراب: مين معايا؟

رد باستفزاز: حبيبك تمساح.

انتفض عماد في مكانه: أنت فين يا غبي؟ كل ده مختفي؟

ضحك تمساح: طبعا يا باشا كان لازم أكن، هو إللي حصل ده حصل مع حد عادي؟

رد عليه بشدة: ما أنت طلعت غبي! ورشدي طلع عايش، يا دوب جت في كتفه.

هز كتفيه بلا مبالاة: يا باشا هو أنا مغسل وضامن جنة؟ أنا مالي! مراته هي إللي وقفت فجأة وبعدين أنا ضربته تاني، بس مكانش ينفع أطول أكتر من كده، الدنيا اتقلبت والناس بدأت تتجمع، وكان لازم أهبأ.

صمت عماد للحظة، ثم قال بهدوء متقن: طب أنا لازم أشوفك عشان تاخد باقي فلوسك.

تمساح بلهفه: جهزهملي في شنطه، وحطها في صندوق الزبالة إللي قدام كنتاكي التحرير، بكره الساعة 4بالظبط، تحطها وتمشي.

عماد: تمام، طب اديني رقمك أكلمك عليه.

تمساح: لا متشغلش نفسك، أنا هبقي اكلمك.

أغلق الخط، وأعطى صاحب الكشك ثمن المكالمة، وتحرك مبتعدا.

عند عماد.

أغلق الهاتف وارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة، قبل أن يقوم بالاتصال بأحد الأشخاص، وما إن جاءه الرد حتى قال: أسمعني كويس جدا فاللي هطلبه منك ده، ومش عايز أي غلط.
♥️______________بقلمي_ليلةعادل 
المستشفى.

كان سليم لايزال جالسا ينتظر خروجها، وقد مر الوقت ثقيل عليه وكأنه دهر كامل.

وبعد قليل خرج المسعفون يدفعون السرير، وفوقه ماسة ترقد بسلام، فنهض مسرعا، ولحق به مكي.

سليم بنبرة متلعثمة: خير يا دكتور؟ طمني؟

ابتسم الطبيب مطمئنا: الحمد لله يا سليم بيه، قدرنا نوقف النزيف.

اطلق زفرة ارتياح عميقه، وردد وهو يكاد يبكي: الحمد لله، الحمد لله.

ثم سأل بلهفة: طب ماسة عاملة إيه؟

حاول الطبيب انتقاء كلماته: الحمد لله، المدام والجنين بخير متقلقش، بس طبعا هي محتاجة راحة تامة الفترة الجاية، إن شاء الله بعد ما مدام ماسة تفوق ونطمن عليها هفهمك كل حاجه، إحنا اضطرينا نديها مهدىء بسيط لأنها كانت منهاره جدا.

تنفس سليم قليلا، قبل أن يتسأل بلهفة وقلق: يعني خلاص؟ مفيش أي خطورة على البيبي؟

نظر إليه الطبيب للحظة، فرأى الشحوب الذي يكسو وجهه، والوجع الذي يملأ عينيه، فلم يشأ أن يزيد حمله حملا آخر، فآثر قول: زي ما قولتلك، إحنا محتاجين شوية راحة، مع العلاج والأدوية والتعليمات اللى هقولهالك، وإن شاء الله الأمور تبقى كويسة.

اوما بسعادة، وشعر أن حملا ثقيلا انزاح عن قلبه، وسأل بسرعة: أقدر أشوفها؟

ابتسم الطبيب: أيوه طبعا هي اتنقلت الأوضة دلوقتي، وشوية وهتفوق.

هز رأسه سريعا: مش مهم، هقعد معاها، حتى لو هتفضل نايمة، المهم أبقى جنبها.

اوما  الطبيب برأسه: مفيش مانع، حمد لله على سلامتها.

التفت سليم إلى مكي بعينين تغمرهما الدموع، وصوته يرتجف من شدة التأثر: ابني عاش يا مكي… عاش!

تبسم مكي وربت على كتفه بسعاده: الحمد لله، قولتلك خلي عندك ثقة في ربنا.

ردد بامتنان: الحمد لله… الحمد لله.

اقترب عشري بابتسامة واسعه: مبروك يا ملك، ولا اقولك يا ابو جاسر.

ابتسم سليم لأول مرة منذ ساعات طويلة: الله يبارك فيك يا عشري، أنا هدخلها.

تحرك بخطوات متعجلة نحو غرفتها، وكأن روحه كلها تسبقه إليها، بعدما عاش ساعات ظن فيها أنه على وشك فقدانها إلى الأبد.

راقب مكي ابتعاده بسعاده، ثم التفت إلى عشري بجدية: احنا لازم نرصد كل حاجة، الفترة الجاية هتبقى صعبة.

هز عشري رأسه: متقلقش، كله هيبقى تحت الكنترول.

دقق مكي النظر في ملامحه، وقد لاحظ الكدمة التي تملأ وجهه، فسأله مداعبا: هو ضربك؟

ملس عشري وجهه بسخرية: مش شايف يعني؟

ضحك ساخرا: الحمد لله المرة دي زقني بس.

هز عشري رأسه بابتسامة متعبة: ده ضربني أنا وكل الرجالة، بس الحمد لله إنها بخير هي واللي في بطنها، والله يا مكي كنت هزعل أوي لو الملك كان فقد الطفل ده، اصلك متعرفش يعني إيه ضنى وهو  خسر اتنين قبله، هي كمان كانت فرحانه اوي وعماله تحضرله في مفاجأه، الحمد لله إن ربنا ستر. 

تنهد مكي: الحمد لله، ربنا يقومها بالسلامة.

صمت للحظة، ثم أردف وهو ينظر للغرفة التي دخل إليها: سليم  كان هيتجنن لو كان جرالهم حاجة، أول مرة أشوفه بالشكل ده، كأنه كان شايل روحه على كفه ومستني يسمع كلمة واحدة تطمنه، الحمد لله إن ربنا سترها عليهم.

داخل الغرفه.

كانت ماسة مستلقية على الفراش، بوجه شاحب، وتتدلى من ذراعها المحاليل الطبية، بينما يحيط السكون بالمكان.

دخل سليم بخطوات متعبة، وعينان مضطربتان، وما زال الشعور بالذنب ينهش روحه رغم اطمئنانه قليلا بعد نجاتها.

اقترب منها، وجلس إلى جوارها، ثم رفع يده المرتجفة ومسح على وجنتها برفق، وانحنى يطبع قبلة عميقة على وجهها، ثم أخرى على جبينها، قبل أن يمسك يدها بين كفيه ويغمرها بقبلة طويلة مرتجفة.

ضم يدها إلى صدره، وكأنها طوق النجاة الأخير، وظل يتأمل وجهها للحظات بعشق وندم، بينما اغرورقت عيناه بالدموع.

همس بصوت مختنق: كنت هموت من الخوف عليكي وعليه، مكنتش هقدر أستحمل أخسره بعد كل السنين دي، والله كان عندي استعداد أخسر الدنيا كلها إلا إنه يضيع مني، بعد ما ربنا كرمني بيه..

عض على شفتيه بقهر: مش قادر أسامح نفسي، أنا السبب، لو مكنتش زقيتك مكانش حصلك كل ده، سامحيني ياحبيبتي والله ما كنت أقصد..

مال على يدها يقبلها مرارا، ثم أخذ يطبع قبلات متفرقة على وجهها الشاحب، وكأنه يحاول أن ينقل إليها روحه كلها.

بعد قليل نهض يتوضأ، ثم وقف يصلي، وما إن كبر حتى انهمرت دموعه بغزارة، كان يبكي في كل ركعة بحرقة رجل يخشى أن يُنتزع منه آخر ما تبقى له من نور.

سجد طويلا، وارتجف صوته وهو يناجي ربه: لسه مسامحتنيش يا رب؟ لسه زعلان مني وبتعاقبني؟! أنا عارف إني غلطت كتير واستاهل العقاب، بس بلاش تعاقبني فيها ولا في ابني يارب...

شهق باكيا، وسقطت دموعه على سجادة الصلاة: نفسي يكون ليا ابن يا رب، أرجوك متاخدوش مني، ده آخر أمل ليا...

ازدادت شهقاته: أمي وأخواتي كسروني حرموني من ولادي، وبسببهم عشت سنين فاكر إني عقيم، ومش قادر أصدق إنك هتكرمني وأخف..

بكي أكثر حتى ارتعش جسده بالكامل: ارجوك يا رب متاخدوش مني، خد مني عمري وصحتي، وأي حاجة بس سيبهولي يارب أرجوك..

وضع جبهته على الأرض، وبكى كطفل صغير، بينما لم يكن في قلبه سوى دعاء واحد "أن يبقى الله صغيرهما حيا بين أحشائها."

فيلا عائلة ماسة.

كانت سعدية تجلس في غرفتها، والتوتر واضحا علي ملامحها، وهي تحاول الاتصال بماسة مرة تلو الأخرى، دون رد.

بينما كان مجاهد نائما على الفراش بجوارها، نهضت من جواره وخرجت من الغرفة تحاول الاتصال مرة أخري دون جدوي

تمتمت بقلق: هو في إيه؟

ثم قالت لنفسها محاولة طمأنتها: يمكن يا حبيبتي مش حامل وزعلت، عشان كده مش بترد.

فكرت أن تتصل بسليم لكنها تذكرت أنه لا يعلم شيء، وفي اللحظة التالية تذكرت مكي، فضغطت على اسمه سريعا.

جاءها صوته من الطرف الآخر: السلام عليكم، إزيك يا ماما سعدية؟

ردت بلهفه: وعليكم السلام يا ابني، بقولك يا مكي هي ماسة عندك؟ أنا عمالة أكلمها ومبتردش عليا، طمني عملت إيه عند الدكتور يا ابني لو عارف حاجه حكم قلبي مقبوض من الصبح مش عارفه ليه.

ساد الصمت لثواني، ولم يعرف كيف يخبرها، فقال بهدوء: هي راحت للدكتور اه، وطلعت حامل الحمد لله.

ابتهجت ملامحها وكادت أن تطلق زغروطه تهليلا واحتفالا، ولكن بهتت ملامحها وهي تسمعه يكمل بتوتر: بس حصلها نزيف بسيط، وحاليا في المستشفى.

شهقت وضربت صدرها: يلهوي! نزفت ليه؟! حد شربها ولا أكلها حاجه!؟ أنا قولتلها قولي لجوزك مسمعتش كلامي.

حاول تهدئتها: محدش عملها حاجه أهدي، هي بس اتكعبلت ووقعت فنزفت، لكن الدكاترة عملوا اللازم، وهي دلوقتي بخير هي والجنين.

وضعت يدها على رأسها تبكي: اخص عليكي يا ماسه، مش تاخدي بالك، ديما واجعه قلبي عليكي كده، هات يا ابني عنوان المستشفى بسرعة الله يسترك.

حاول تهدئتها: ملوش لزوم تيجي وتتعبي نفسك.

صرخت بانفعال: يعني ايه ملوش لزوم؟! بنتي في المستشفى وتقولي مجيش؟! هات العنوان بسرعة.

قصر الراوي،8م

جلست لوجين تتصفح هاتفها بملل، بينما جلس ياسين  أمام اللاب توب بجانبها منشغلا بعمله.

وفجأة رفعت رأسها عن الهاتف وقالت بحماس: تفتكر دلوقتي سليم عامل إيه مع ماسة؟ أكيد مبسوط اووي.

أجابها باستغراب: اشمعني!

اقتربت منه بسرعة، تقول بحماس: أصل ماسة حامل، وكانت بتحضرله مفاجأة.

اتسعت عيناه بفرحه، والتفت إليها بالكامل: بتتكلمي بجد؟!

ضحكت تهز رأسها: آه والله، النهارده روحت معاها للدكتورة قبل ما اروح لماما، واكدت إنها حامل.

تابعت بطيبه: يا روح قلبي لو شوفتها يا ياسين وهي رافضة خالص الفكرة، يا عيني مكانتش مصدقة، وفضلت تقول للدكتور اتأكدي تاني.

ابتسم ياسين من قلبه: فرحتيني والله، كان نفسي أوي سليم يخلف ويبقى ليه عيلة، سبحان الله أول واحد فينا اتجوز، وأول واحد مراته حملت، لكن ربنا مكانش كاتبله وقتها يجيب طفل.

ابتسمت لوجين بهدوء: يمكن وقتها مكانش هيقدر يتحمل المسؤولية، أو كانت هتحصل مشاكل أكتر! الله أعلم؛ بس أنا متأكدة إن ربنا بيعمل كل حاجة في وقتها الصح.

اومأ موافقا: أكيد، ربنا يكملها علي خير.

سألته: تفتكر ممكن يكملوا في القصر بعد الخبر ده؟

تنهدت يمد شفتيه: معتقدش، أنا لو مكانه هخاف وهبعد.

أطرق برأسه قليلا، ثم قال: المهم، اعملي حسابك، نروح نزور مي بكره، أنا كلمت رشدي وقالي الدكتور سمح بالزياره.

ابتسمت لوجين: ماشي، وحشتني أوى اصلا.
♥️____________________بقلمي_ليلةعادل 

المستشفي،8م.

كان سليم لايزال يصلي ويتضرع إلي الله وهو يبكي بحرقه، حتى التقطت أذناه همهمات خافتة خرجت منها.

سلم سريعا، واقترب منها مسرعا وهو يمسح دموعه بكف يده.

جلس بجوارها، وأمسك بيدها يمسح عليها بحنان: ماسة.. عشقيي... أنتِ سمعاني؟!

ارتعش جفنيها وهي تحاول فتح عينها، فابتسم بعينين دامعتين وهمس: حمد لله على السلامة يا روح سليم.

فتحت عينيها ببطء، ونظرت إليه نظرة ضائعة متعبة، وهمست بصوت واهن: سليم...

اقترب منها أكثر وقبل جبينها: أيوه يا عشق سليم، أنا جنبك، متخافيش.

وفجأة اتسعت عيناها برعب، وأمسكت بذراعه بضعف: ابننا حصله حاجة؟

هز رأسه بسرعة: لا لا، والله كويس.

نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع: متكدبش عليا، ابننا حصله حاجة؟

احتضن وجهها بين كفيه، وأخذ يقبل رأسها: والله العظيم لا، لسه موجود معانا يا حبيبتي.

وضعت يدها المرتجفة على فمها، وانفجرت تبكي وتردد: الحمد لله، الحمد لله...

ثم شهقت ببكاء: أنا خوفت يسيبنا زي حور والبيبي الأول..

ارتعش قلبه، وضمها إلى صدره بحنان: لا يا روح سليم، هو لسه معانا، وإن شاء الله بعد 6 شهور هييجي وينور حياتنا كلها.

رفعت رأسها إليه بعينين دامعتين: يارب يا سليم...

قبل جبينها: متتكلميش كتير، ارتاحي.

لكنها همست بقلق: الدكتور قال إيه؟

ابتسم محاولا إخفاء خوفه: قال محتاجة ترتاحي شوية بس.

هزت رأسها بطاعة، وهي تضع يدها بحنان فوق بطنها، وتربت عليها بخوف: حاضر هرتاح، المهم يبقي كويس.

انحنى يقبل يدها الموضوعة فوق بطنها، ثم وضع رأسه بجوارها، وأغمض عينيه، بينما تساقطت دموعه بصمت.

فحتى الآن لم يستطع تصديق أن الله أعطاه أخيرا ما انتظره لسنوات طويلة؛ زوجته بين يديه، وابنه ما زال يقاوم داخل أحشائها.

وفجأة انفتح باب الغرفة، ودخلت سعدية وخلفها سلوى ومجاهد وعلامات القلق تطغي علي ملامحهم.

صرخت سعدية وهي تركض نحو الفراش: ماسة! مالك يا حبيبتي؟! إيه اللي حصلك يا ضنايا؟!

أسرعت إليها، وأحاطت وجهها بكفيها تبكي: كده يا ماسه، توجعي قلبي عليكي، مش تاخدي بالك يا حببتي، دي إحنا ما صدقنا جه بعد شوقه.

قاطعها مجاهد بقلق: استني بس يا سعديه نطمن عليها الأول، عامله ايه دلوقتي يا بنتي.

ماسه بتعب: الحمد لله يا بابا كويسه.

سألت سلوى بقلق: طب أزاي ده حصل؟

تنهد سليم محاولا السيطرة على أعصابه: اهدوا واقعدوا الأول، أنتوا عرفتوا منين؟

أجابت سعدية بعفوية: لما لقيتها مبتردش عليا قلقت، وقولت اتصل بمكي هو عارف كل حاجه، وهو اللى قالي علي اللى حصل.

اتسعت عينا مكي الذي كان يقف عند الباب، وشعر أنه وقع في مأزق، وهو يسمع تساؤل سليم: يعني إيه عارف كل حاجه؟! عارف إيه؟

التفت إلي مكي ينتظر منه إجابه، فابتلع ريقه ولم يعرف ماذا يقول، ولكن انقذه دخول الطبيب بابتسامه: مساء الخير... ماما ماسة عاملة إيه دلوقتي؟

ردت بوهن: الحمد لله...

اقترب وبدأ بفحصها وهو يطرح عليها بعض الاسئله وهي تجاوب بارهاق، وبعد الانتهاء ابتسم مطمئنا: تمام الحمد لله، أنتِ كده تقدري تخرجي من بكرة إن شاء الله، بس طبعا محتاجه راحه تامه، والأهم تبطلي توتر، التوتر غلط علي الحامل.

اومأت برأسها، بينما قالت سعدية: متقلقش يا دكتور، أنا هكلمها وهبقي معاها، هي ماسه أول مرة تحمل، مهي حملت قبل كده وعارفه.

اومأ الطبيب، والتفت إلي سليم: معلش يا سليم بيه ممكن حضرتك تتفضل معايا دقيقتين. 

سألته ماسة بلهفة وخوف: ليه فيه ايه؟ البيبي فيه حاجة؟! بالله عليك متخبيش عليا...

ابتسم الطبيب مطمئنا: لا والله مفيش حاجة، إحنا بس محتاجين سليم بيه يمضيلنا شويه أوراق، لأنه كان خايف عليكي جدا ومكانش مركز، شكله بيحبك أوى.

سعديه بابتسامه: أه والله يا دكتور ده روحه فيها.

لكن ماسة لم تبدُ مطمئنة، بل نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالشك: مش عارفة، حاسة إنك بتكدب عليا.

ابتسم الطبيب بخفة: تحبي تيجي معانا وتشوفي بنفسك! محتاجين البطاقة شوية بيانات بس..

ربتت سلوى على يدها: متخافيش يا ماسة، إحنا كلنا جنبك أهو، وبعدين أنا مبسوطة أوي إني هبقى خالتو، بس بقولك إيه، لو بنت هتتسمى سلوى!

ابتسمت ماسة ابتسامة صغيرة متعبة، بينما نظر سليم إليهم: خليكوا معاها، أنا مش هتأخر.

خرج مع الطبيب بخطوات بطيئة، ووجهه شاحب، وقلبه يشتعل من الداخل.

ابتعد بمسافه معقوله وتساءل بقلق: كنت عايز تقولي ايه؟ انا عارف اني مفيش اجراءات وورق، ولا كلام من ده!!

تنهد الطبيب بهدوء: بصي يا سليم بيه، احنا الحمد لله احنا قدرنا نوقف النزيف، لكن بصراحه الحمل لسه مضطرب جدا ولازم ناخد بالنا كويس، المدام واضح إنها كانت واخده حقنه تثبيت، ومحتمل ان كان ليها تأثير في المحافظه على الجنين بس ده لا يمنع إن الحمل مش مستقر خالص.

شحب وجه سليم، وتساءل بهمس متقطع: يعني... يعني أنا ممكن أخسر ابني؟

حاول الطبيب انتقاء كلماته: مكدبش عليك ده احتمال مش مستبعد، لكن احنا هنعمل اللى علينا واللى كاتبه ربنا هيكون، أنا هكتبلها علي حقن تثبيت قوية مع فيتامينات، والأهم تبعد عن أي توتر أو زعل، وطبعا محتاجه راحة تامة علي الأقل ال10 أيام الجايين دول، تنام على ظهرها، ومتتحركش إلا للضرورة، ولو الفيلا عندكم دورين، الأفضل تقعد في الدور الأول، من غير طلوع ولا نزول.

ابتلع سليم ريقه بصعوبة: يعني لو 10 أيام دول عدو، البيبي هيبقى في أمان أكتر؟

ابتسم الطبيب مطمئنا: إن شاء الله، وبعد 10 أيام هنعمل تحاليل تانية، وسونار ونشوف الوضع استقر قد إيه.

اقترب منه قليلا، وخفض صوته: أنا محبيتش أقول الكلام ده قدامها عشان متتوترش، ولا عرفت اقولهولك اول ما خرجت من العمليات لاني حسيت قد ايه كنت متوتر ومتاثر نفسيا، لكن لازم تعرف علشان تكون في الصوره.

أومأ برأسه بضعف: حاضر يا دكتور، أنا عايزك بس تجهزلي تقرير بحالتها والحاجات اللى اتعملتلها، وأنا هبعت للدكتورة اللى متابعه معاها.

اومأ الطبيب: حاضر، وبإذن الله بكرة هاجي أطمن عليها بنفسي  قبل خروجها.

غادر الطبيب، وبقي سليم مكانه، اقترب منه مكي ومسح على ظهره: روق كده ومتقلقش، إن شاء الله خير.

أخرج تنهيدة طويلة، وأومأ بإيجاب.

كاد مكي أن يتحرك، ولكن أوقفه سليم: تعالى هنا، سعدية كانت تقصد ايه بكلامها، أنت كنت عارف؟

تصنع عدم الفهم: عارف ايه؟!

ضيق عينه: مكي؟

ابتلع ريقه: بص، هو أنا كنت عارف إن هي ممكن تكون حامل، أصلها قالتلي حاول تأخر سليم عشان أعمله مفاجأة.

عقد حاجبيه بغضب: والله أنت بتستهبل يا مكي، كان لازم تقولي.

مكي مبررا: هو أنا يعني كنت اعرف إن كل ده هيحصل؟

سليم باضطراب: كان لازم تعرفني من الأول، افرض كان حصلها حاجة؟

ربت على كتفه: الحمدلله محصلش.

زفر وتحرك نحو غرفتها، وتبعه مكي وهو يحمد الله داخله أن الأمر مر بسلام.

داخل الغرفه.

جلست سعديه وسلوي يحاوطنها من كل جانب، بينما جلس مجاهد مقابلها ينظر إليها بعينان تلمعان من السعاده.

مسحت سعدية على شعرها: أنا موت من القلق عليكي والله أول ما عرفت، بس الحمد لله، شوفتي ربنا كرمك أزاي؟

قالت سلوى: بس إيه اللي حصل وخلاكي تقعي كده؟

ماسة بتعب: موضوع كبير أوي، هحكيلكم بعدين، أنا مش قادرة دلوقتي.

ربتت سعديه على صدرها: ارتاحي يا حبيبتي، ارتاحي.

بينما قال مجاهد بدعاء: ربنا يقومك بالسلامه يا بنتي، ويرزقك طفل سليم معافي، ويتربي في عزكم يارب.

آمنوا جميعا علي دعائه.

ودخل سليم في تلك اللحظة، بابتسامة كبيرة أجاد رسمها على وجهه: ماستي.

رفعت عينيها إليه وتساءلت: الدكتور قالك إيه؟

جلس امامها وامسك يدها يقبلها: جابلي شويه ورق مضيتهم، المهم قوليلي ايه جو المؤامرات اللى مراتي الحلوه بقت بتعمله مع مكي ده، اتعلمتي الشقاوة دي امتي؟

أنهي كلماته وهو يقرص وجنتها بدلال، فابتسمت رغما عنها: هقولك.

وأخذت تقص عليه ما حدث مع رشدي وكل شيء، كان يستمع لها بصمت، حتى انتهت، وقال: هو ده اللي كنتي مخبياه؟

أجابته بتاثر: أنا والله العظيم كنت خايفة أقولك، وحوار الحمل دى كان موترني، وخوفت اقولك تتعشم ويطلع مفيش حاجه.

أخرج نفسا عميقا: ماشي.

ثم رفع عينيه نحو مكي المتوقف عند الباب: بتحور عليا يا مكي؟ ماشي، حسابي معاك بعدين.

نظر لها مكي بغيظ: يا شيخه طب كنتي استنيتي يضغط عليكي شويه، إيه بتعترفي من قبل أول قلم حتى، والله أنا استاهل اللى يجرالي لو اتدخلتلك في حاجه تاني.

ضحكوا جميعا علي حديثه، بينما قبل سليم يدها بثقه: طبعا مراتي حببتي بتقولى كل حاجه. 

بينما قال مجاهد بحزن: منهم لله اللى كانوا السبب، حسبنا الله ونعم الوكيل.

حاولت سعديه تغير الحديث، فتساءلت: المهم قوليلي، الدكتورة قالتلك أنتِ في الشهر الكام؟

أجابتها بابتسامه: في اول التالت.

ابتسمت سعدية: ربنا يكملك على خير يارب، بقولك إيه يا سليم ماتجيبها تقعد عندى لحد ما ربنا يقومها بالسلامه. 

هز رأسه: لا، إحنا هنرجع الفيلا بتاعتنا، وإنتوا اللي هتيجوا تقعدوا معانا.

استغربت سعدية: إشمعنى يا بني؟

اوما بتفسير: المكان عندي أوسع ومتأمن كويس، فتعالوا انتوا أحسن، ولا أنت إيه رأيك يا عمي؟ 

مجاهد: والله يا ابني أنا معنديش مانع، المهم البت تبقي وسطنا وبخير.

بينما تدخلت سلوى وهي تنظر نحو مكي: وأنا كمان معنديش مانع، واهو نغير جو شوية.

ابتسمت سعدية: ماشي، اللي تشوفوه، انت هتبات معاها يا سليم؟

هز راسه: ايوه طبعا، وهكلم سحر تجيبلها اللي هي عايزاه من القصر، وكمان ابلغها إننا هنرجع الفيلا علشان تتنظف ويحضرولها أوضه في الدور الارضي. 

وأثناء ذلك، رن هاتف سليم وكان مصطفي: أيوه يا مصطفى.

جاء صوته قلقا: إيه يا سليم، أنت كويس؟ كنت عايز أطمن عليك.

اجابه باختصار: اه كويس، الحمد لله.

تنفس براحة: طب الحمد لله، أنت فين دلوقتي؟

أجابه بايجاز: ماسة تعبت شوية وإحنا في المستشفى.

انتفض مصطفى: مستشفى ليه؟ في إيه؟

اجاب باقضتاب: بعدين يا مصطفى، معلش، مش قادر أتكلم والله.

سأل مصطفي بقلق: طب ماسة كويسه، والجنين بخير؟

استغرب سليم معرفته، ولكنه أجاب: اه كويسين، الحمد لله.

اوما مصطفي: طب هسيبك دلوقتي، وابقي طمني عليكم، سلام.

أغلق سليم المكالمه ومعها الهاتف بأكمله، ونظر إلى ماسة: هو كمان كان عارف؟

أومأت برأسها: أيوه.

نظر إليها بعتاب: بتقولي للناس كلها كل حاجة، وتيجي عندي ومتقوليش؟

قالت بسرعة: لا والله، هو كلمني وأنا طالعة من عند الدكتوره وكنت فرحانة فقولتله، لكن ميعرفش أكتر من كده، خلاص بقى يا سليم.

زفر بهدوء: ماشي يا ماسة.

على اتجاه آخر عند مصطفى.

أنهى المكالمة، فنظر إليه إيهاب بقلق: ماسة مالها؟

أجابه: بيقول إنها في المستشفى.

نبيلة بخضة: يا لهوي! أحسن تكون سقطت!

مصطفى بسرعة: لا لا، سليم صوته كان كويس، وقال إنها بقت كويسة، يمكن بس تعبت أو في حاجة حصلت وهو كان بيقفل في الكلام مش قادر يتكلم.

نبيله بحزن: لا حول ولا قوه الا بالله، معرفش ايه اللي بيحصل للبنت دي.

ايهاب بقلق: طب احنا مش مفروض نروح نزورها؟

عائشة بقلق: أنا شايفه إننا نسيبهم يرتاحوا دلوقتي، وبكره نبقي نكلمه نطمن عليها.

اومأ لها مصطفي مؤيدا: أنا شايف كده برضو.

عند ماسه 

ظلت عائلتها جالسين معاها لبعض الوقت، قبل أن يهموا للمغادره وقام مكي معهم لتوصيلهم.

في السيارة.

حاولت سلوي فتح مجالا للحديث معه، فتساءلت: هو إيه إللى خلي ماسه تقع كده يا مكي؟

أجابها ببرود وهو يركز نظره علي الطريق: الموضوع مش هينفع يتقال هنا، لما تروحوا عندها بكرة هتفهموا كل حاجة.

سلوى بعصبية: متقول دلوقت خلينا نطمن.

زفر قائلا: كانت بتحاول تهدي سليم، بعد ما عرف إن الهانم ورشدي وصافي هما اللي ورا الحادثه.

صرخت سعدية تضرب صدرها: يا نهار أسود ومنيل! اللهي ينحرقوا بجاز!

مكي بسرعة: إحنا مش عايزين نتكلم في الموضوع ده دلوقتي، خلينا نطمن على ماسة لاول.

سعدية بدموع: ربنا ينتقم منهم، زى ماحرقوا قلب بنتي وكسروا فرحتها ببنتها قبل ما تشوفها.

مجاهد بثقل: لله الأمر من قبل ومن بعد، حسبنا الله ونعم الوكيل.

بينما تساءلت سلوي مره أخري: أيوه يعني نزفت ليه؟

اجابها بايجاز: سليم كان متعصب، وعايز يحرق القصر، بعد اللى عرفه، ماسة حاولت توقفه فزقها من غير ما يقصد، مكانش يعرف انها حامل.

سعدية بحرقه: غبيه، كانت سابته يحرقهم!

مكي بهدوء عقلاني: خلينا نطمن عليهم الأول، وبعدها نشوف هنعمل إيه…

ثم أكمل القيادة حتى أوصلهم إلى الفيلا  

دخلوا الفيلا بعد أن فتحت لهم الخادمة الباب، فقال مجاهد: أنا هطلع أنام، حكم امك قومتني مفزوع من أحلاها نومه، تصبحوا علي خير.

رددوا: وأنت من أهله. 

بينما التفت سعدية للخادمة: بقولك إيه يا أم حسن، اعمليلنا كوبايتين لمون، وطلعيهم على الجنينة.

ثم التفتت إلى سلوى: تعالي يا سلوى، عايزاكي.

تحركت سلوى خلفها، وجلسوا في الحديقة.

تساءلت سعديه: أنتِ إيه الأخبار مع مكي؟ أنا شايفة يعني الولد مش بيتكلم في أي حاجة.

سلوى بتوتر: الصراحة هو مبيتكلمش معايا أصلا.

تسالت بجدية: هو عرف انك سبتى خطيبك؟

أومات بتمثل: معرفش!

سعدية بتنهيده: عموما إحنا رايحين عند أختك، وهتقعدي هناك وهتشوفيه، يعني اكيد هيعرف انك سبتي خطيبك، ساعتها لو الراجل حابب يرجع هيرجع، مش عايز خلاص يا بنتي اقفلي على الموضوع ده.

اومأت سلوي بقلق: حاضر يا ماما.

في أحد الأماكن المعزولة...

وقف عماد أمام رجل يبدو أنه من أصحاب السوابق.

الرجل: عيب عليك يا باشا، هعملك شنطه تجيب من الآخر، هلغمهالك متفجرات تشتغل أول ما تتفتح، لكن طول ما هي مقفولة متخافش منها..

أشار عماد بيده محذرا: المهم متكونش تقيلة علشان ميشكش، ولا خفيفة زيادة.

لوح الرجل بيده: متقلقش، بكرة هتكون عندك زي ما اتفقنا، وبمجرد ما يفتح الشنطة، بووووم هيتفرتك ألف حته.

أكتفى عماد بإيماءه من رأسه، وهو ينفث دخان سيجارته في الهواء بينما ارتسم الرضا على ملامحه. 

وعلى بعد، كان هناك شخص يجلس داخل سيارة مظلمة يراقبهم من بعيد، أمسك بكاميرا احترافية مزودة بخاصية التصوير الليلي، والتقط لهم عدة صور بتركيز شديد.

وبعد أن انتهى، أجرى مكالمة سريعة، ثم أرسل الصور التي ألتقطها.

على إتجاه آخر...

كان عرفان يجلس في شرفة منزله يتفحص الصور التي وصلته للتو، وهو يحتسي فنجانا من القهوة ويدخن سيجارته في هدوء.

ضيق عينيه وهو يتأمل إحدى الصور، ثم رفع هاتفه وأجرى أتصالا بسليم، ولكن وجد هاتفه مغلق.

زفر بضيق، ثم ضغط على أسم مكي وأجرى اتصالا به.

بعد ثواني، جاءه صوت مكي من الطرف الآخر: أيوة يا عرفان.

اعتدل في جلسته بجدية: في حاجه مهمه حصلت، وبكلم سليم باشا لقيت تليفونه مقفول!

أجابه مكي بتنهيده: سليم مشغول شويه، فيه ايه اللى حصل؟ 

أخذ عرفان نفسا من سيجارته ثم قال بصوت منخفض: اسمعني كويس.

وبدأ له ماحدث بين عماد وتمساح وذلك الرجل، ثم قال بثقة: بس عموما، عندي فكرة وهخلص الموضوع ده.

تردد مكي قليلا قبل أن يقول بتحذير: تمساح لو حصله حاجة، سليم هيزعلك.

ابتسم عرفان بثقة: أنت مش بتكلم تلميذ، متنساش أنا كنت شغال إيه وفين؟! سيب الموضوع ده عليا، وأنا هجيب اللى اسمه تمساح ده صاج سليم.

مكي بجدية: ماشي يا عرفان، ولو فيه جديد بلغني، أنا اللى هتابع معاك بلاش تكلم سليم الفتره دى، علشان مشغول.

في المستشفي.

ظل سليم جالسا بجوارها، لا يبعد عينيه عنها، وكأنه ما زال يخشى أن تختفي من أمامه.

ماسة بدلال: ما تيجي تنام جنبي؟

ابتسم بحنان: لا أنا هقعد زي ما أنا كده، علشان تعرفي تنامي مرتاحه.

قالت بدلال طفولي: لا، تعالى بجد، وحياتي.

كادت أن تتحرك، لكنه أشار بيده سريعا وهو يقول بلهفة: استني، أنا هعدلك.

ساعدها في الاعتدال وهو يحركها بحذر بالغ، وكأنها قطعة زجاج يخشى أن يصيبها خدش.
ابتسمت وهي تراقب اهتمامه المبالغ، وقالت بمشاكسة: هاخد علي الدلع ده علي فكره.

نظر إليها بحب: خدي براحتك.

ثم تمدد بجانبها بحذر، وأحاطها بين ذراعيه: وبعدين بطلي بكش، أنا طول عمري بدلعك.

رفعت رأسها تنظر إليه: على فكرة، أنا زعلانة منك.

سالها متعجبا: زعلانة مني ليه؟

ردت بتزمر طفولي: علشان بوظت عليا المفاجأة، كل مرة تعملي مفاجأه ابقي بالبيجاما، ولما أنا أعمل مفاجأه والبس واتشيك تنهيهالي نهاية مأساويه كده!

ثم نظرت إلى نفسها وقالت: هو فين الفستان صحيح؟

أجابها بإبتسامة: أكيد غيرولك في العمليات، عشان يعرفوا يتعاملوا معاكي.

ثم توقف فجأة: ثانية واحدة، أنتِ كنتِ لابسة فستان وفوقيه روب ليه اصلا؟

عقدت ذراعيها: عشان عشري؟

عقد بين حاجبيه: وعشري ماله؟

إجابته بتفسير مدلل: ما هو عشري كان معايا بينفخلي البلالين علشان كنت تعبانة، فكنت لابسة الروب فوق الفستان، ولما مكي اتصل شديت الشبشب وجريت.

ضحكت بخفه، وهي تضربه علي كتفه: ضيعت عليا المفاجأة، الله يسامحك..

ابتسم وقال: لو كنتي اتصلتي بيا وقتها، مكانش كل ده ما حصل.

مدت وجهها ببراءة طفوليه: والله كنت هتصل بيك، بس لوجين قالتلي اعمليله مفاجأة، أنا مش مكتوبلي يا ربي أعملك مفاجأة خالص.

ربت على وجنتها بمهادوه وكأنه يتحدث مع طفله: خلاص يا قطعة السكر، متزعليش كده، أنتِ بس ابقي كويسة واعملي مفاجأة، وأنا هتفاجئ، أنا بعرف أتفاجئ كويس.

عقدت ذراعيها بتزمر: لا، أنا كنت عايزة المفاجأة التانية.

تبسم بلطف: طب ما أنا برضوا اتفاجئت لما قولتي إنك حامل، ومن فرحتي بكيت، هتلاقيكي بس مخدتيش بالك عشان كنتي تعبانة.

أومات بتأكيد: أيوه، كنت تعبانة بس خدت بالي.

ثم وضعت يدها على بطنها بسعادة: سليم، أنا مش مصدقة إن هيبقى عندنا بيبي، أنا فرحانة أوي.

ابتسم وهو يمسح على شعرها: وأنا كمان فرحان أوي، بس أزاي 3 شهور ومنعرفش؟ أنتِ هتجننيني.

ضحكت بخفه: هتعمل زي ماما، والله غصب عني، أنت شوفت اللي كنا فيه، يعني من ساعة ما رجعت من عند مصطفى واحنا من فيلم لفيلم.

وضع يده على بطنها، قائلا بمشاكسه: يعني تقريبا الحمل حصل وأنتِ فاقدة الذاكرة؟ أيام ما كنت بستغلك.

ضحكت عاليا: أنت لسه فاكر، دى أنت قلبك اسود أوى.

قهقه معها: ودى حاجه تتنسي!

هدأت ضحكاتها، ومسحت علي خده وهي تتسأل: هو إيه إللى حصل يا سليم؟ أنا مش فاهمة حاجة.

قبل يدها: متشغليش بالك بأي حاجة؟ متفكريش غير في النونو القمر اللي هنا، وبس.

أومات بإصرار: لا بجد فهمني، يعني هم اللي ورا الحادثة وموت حور؟

تنهد قائلا: هفهمك بس عشان منتناقشش تاني.

وبدأ يروي لها كل ما عرفه، كانت تنظر إليه بصدمة، وبعد أن انتهى، مدت وجهها بحزن: عارف؟ أنا مش مصدومة، اللي يهون عليها ابنها وتعمل فيه كل الأذى ده، هيهون عليها عادي تقتل حفيدتها.

صمتت قليلا ثم تابعت بتعجب: بس رشدي ده غريب أوي، عامل زي البحر قلاب، لدرجه تخليك تحتار اذا كان كويس ولا زباله، حقيقي بني آدم غريب، هو كمان اللي نبهني اني ممكن اكون حامل، وعرفني انهم سقطوني أول مره.

هز رأسه بعقلانية: لا غريب ولا حاجة، كل اللي حصل إن رشدي حب مي، فبقى عنده اللي يوجعه واللي يخاف عليه، وعشان كده بيعمل كل ده، صدقيني لو مي مش موجودة مع رشدي، كان هيفضل زي ما هو.

رفعت حاجبيها باستغراب: يعني أنا لو مدخلتش حياتك كنت هتفضل زى ما أنت؟

زفر بهدوء: أنا ورشدي مختلفين، أنا من قبل ما اقابلك وانا مكنتش حابب الحياه دى وعايز أغيرها، أنا عمري ما قتلت من غير حق، كل اللي قتلتهم كانوا عصابات ومافيا، زي ما بيقولوا يا قاتل يا مقتول.

صمت لحظة، ثم أكمل بألم: لكن عمري ما فكرت أقتل حد من إخواتي، أو أذيهم؟ آه، كتير اتعصبت وقولت هكسر وهقتل، لكن عمري نفذت، بالعكس كان حلمي من وأنا صغير إننا نبقى عيلة بجد، إمبراطورية بإيد واحدة.

أغمض عينيه بألم وهمس: لكن هم اختاروا الغدر، افتكروا إني عايز أورث العرش لوحدي.

اغرورقت عيناه بدموع ساخنة لا يعرف من أين جاءت، وتابع باختناق: رغم إني والله ما كنت عايز أي حاجه غير إنهم يسبوني أعيش مبسوط، توقعت كل حاجة إلا إنهم يعملوا كده، كنت بدور ورا الحقيقة، وكل اللي كنت بتمناه إني أوصل للي يثبت إنهم ملهمش دعوة، وإن شكوكي كانت غلط، رغم إن اللي عملوه فيا قبل كده مكانش سهل، لكن كنت بتمنى ميكونوش هما السبب في الحادثة، يمكن أنا غبي أوي.

مسح دموعه سريعا، ثم ابتسم ابتسامة باهتة: عاجبك كده؟ إحنا اتفقنا إننا مش هنتكلم في حاجة تزعل.

كانت تنظر إليه بتأثر بالغ، فرفعت يدها ومسحت على خده بحنان: أنا مش عايزاك تزعل عشان خاطري، إحنا مش هنعمل حاجة غير إننا نفرح وبس، فاهم؟

ضمها إلى صدره بحب، ثم همس وهو يقبل رأسها: اللي جاي كله فرحة وبس.

ثم ابتسم وهو يضع يده برفق فوق بطنها، وعيناه، تلمعان بحنان امتزج بالأمل: وأكيد، فرحتنا الكبيرة جاية في الطريق.

مررت يدها على بطنها بحنان: تخيل بعد كل اللي عشناه، هيبقى عندنا بيبي بجد.

ابتسم لها بعشق وامتنان: عارفه يا ماسة، أنا ربنا عوضني بيكي، يمكن مرزقنيش بعيلة تحبني، بس رزقني بيكي انتِ ومكي، أقسم بالله لو الدنيا كلها خيرتني بين كل حاجة وبينك، هختارك أنتِ، أنتِ الحياة اللي رجعتلي بعد ما كنت ميت.

ابتسمت بسعادة، ثم أغمضت عينيها واستكانت بين ذراعيه، بينما ظل هو يربت على شعرها بحنان، يشعر لأول مرة منذ ساعات أن قلبه المتعب وجد وطنه أخيرا، وكأن كل ما انكسر بداخله، عوضه الله عنه الآن بقلبها وبالحياة الصغيرة التي تنمو بينهما.

مر الليل عليهم هادئا…

فبالرغم من كل ما حدث، خيم عليهما سكون غريب، وكأن خبر حملها كان بمثابة شعاعا النور الذي تسلل إلى قلب سليم، فأطفأ غضبه وأشعل داخله هدوءا مختلفا. 

ظلت بين ذراعيه طول الليل، يحدق فيها بابتسامه واسعه، لا يصدق أن هذه الليله انتهت برفقة طفلهما الذي انتظراه سنوات، وكأن وجوده في احشائها، أعاد إلى روحيهما بعض الدفء بعد كل ما ذاقاه من ألم.
 ♥️_____________بقلمي_ليلة_عادل.

في صباح يوم جديد.

قصر الراوي،9ص.

اجتمعت العائلة حول مائدة الإفطار، وعلى رأسهم عزت.

وضعت الخادمات الأطباق ثم انسحبن، هبدأ الجميع في تناول الطعام، كانوا يجلسون بصورة طبيعية، إلا صافيناز التي كانت تنظر للأعلى بشرود غريب، تقلب الطعام في طبقها وكأنها في عالم آخر.

رفع عزت عينيه متسائلا: أومال فين سليم ورشدي؟

أجابته فايزة: رشدي مشي من امبارح ومرجعش، أكيد قاعد جنب مراته، أما سليم معرفش فين، مختفي هو وماسه من امبارح.

التفت عزت إلى فريدة: طب يا فريدة، عايزك تجمعيلي كل التقارير اللي اتعملت خلال الفترة اللي فاتت، عايز تقرير تفصيلي عن حجم الخساير، وحليتوا الأمور أزاي مع المستثمرين.

تنهدت فريدة: الكلام ده كله كان مع سليم، أنا كنت مشغولة مع حضرتك والهانم، ومكنتش مركزة في أي حاجه بصراحة.

عزت بجديه: مش مهم، اجمعي أي تفاصيل، واقعدي مع المديرين ورؤساء الأقسام، انا مش هينفع أسيب كل حاجة كده، اجمعيلي منيرة وزكريا ويزيد هنا، مش هينفع نسيب الدنيا غرقانة كده، ولا إيه يا ياسين؟ أنت مقعدتش معاهم؟

أومأ ياسين برأسه: قعدت يا باشا، وكل حاجة هتتظبط، متقلقش، أهم حاجه صحتك، مترهقش نفسك.

عزت: انا كويس، المهم كلم سليم وشوفه فين، عايز أتكلم معاه.

أومأ إيجابا بصمت.

بينما قال عماد بهدوء: أنا كمان هسافر اليومين الجايين أقعد مع المستثمرين، علشان بدأوا يسحبوا نفسهم بعد القضية.

قطب عزت حاجبيه: هو إحنا مش خلصنا الموضوع ده؟ وفي حد هيشيلها؟

أجاب عماد: ايوه يا باشا، بس لازم أسافر برضو اضبط الدنيا معاهم.

فايزة بقلق: وهتسيب صافي لوحدها في الوضع ده؟

تبسم قائلا: أنتِ الخير والبركة يا هانم، وبعدين هو أنا هسافر ليه مش علشان لما تخف وتفوق تلاقي شغلها ماشي كويس.

تدخل عزت: سيبيه يسافر يا فايزه، أهم حاجة ما تتأخرش يا عماد.

اوما برأسه: تمام يا باشا.

عاد الجميع لتناول إفطارهم، وبعد الانتهاء توجه كل منهم إلى وجهته.

بينما توقف ياسين بجوار لوجين وقال: أنا هروح لنالا أطمن عليها وأشوف بقى مشكلتها إيه.

أومأت برأسها، فتحرك للخارج.

الجست هاوس.

جلس ياسين يلعب مع نالا ويدغدغها، بينما كانت ضحكات الصغيرة تملأ المكان، وهي تتلوى من كثرة الضحك وتستغيث: خلاص يا بابي! خلاص يا بابي بقى!

رفع يديه مبتسما: خلاص اتفقنا، يلا جيف مي 5.

صفقت كفها الصغيرة بكفه، ثم ابتسم لها بحنان: بقولك إيه يا نونو، عايز أتكلم معاكي في حاجة، ممكن؟

جلست باعتدال وقالت: ماشي.

نظر إليها بهدوء وتساءل: أنتِ ليه زعلانة من جوجا؟ مش كنتي بتحبيها، وعلطول تقوليلي وديني عند جوجا؟ إيه اللي حصل؟ ليه مبقتيش تحبيها، ولا تحبي تلعبي معاها؟ قوليلي بصراحه؟ ووعد لو هي زعلتك، هزعقلها وهخليها تيجي تعتذرلك.

خفضت رأسها وقالت بخوف: أنا مش بقيت بحبها، وبخاف منها.

قطب حاجبيه: ليه بتخافي منها؟

أجابته ببراءه وعفويه: علشان عايزة تاخدني من مامي، زي ما أخدتك منها.

اتسعت عينا ياسين، وانتصب في جلسته وهو يقول: مين اللي قالك الكلام ده؟

أجابت الصغيرة ببراءة: مامي.

ضاقت عيناه، وقال بهدوء يخفي غضبه: مامي قالتلك إيه؟

ردت براءه: قالتلي إن جوجا وحشة، وبتضحك عليكي، وعايزة تخطفك مني زي ماخدت بابي، وقالتلي أوعى تحبيها ولا تكلميها خالص.

ساد الصمت للحظات، قبل أن يسألها: يعني مامي اللي قالتلك كده؟

هزت رأسها وقالت بحزن: أه، أنا كنت بحب جوجا أوي، ولما مامي قالتلي كده مبقتش أحبها، أنا خايفة منها يا بابي، أنا مش عايزه أبعد عن مامي أنا بحبها.

شعر ياسين بالغضب لكنه حاول تمالك نفسه، فمسح على كتفها بحنان: يا حبيبتي، أنا مش عايزك تخافي أبدا من جوجا، جوجا طيبة خالص، وعمرها ما هتأذيكي ولا هتزعلك، ومامي أكيد كانت بتهزر معاكي.

رفعت عينيها البريئتين إليه، وسألته بحيرة طفولية: يعني مامي كدابة؟

لم يشأ تشويه صورة والدتها في عينها، فهز رأسه بلطف: لا طبعا مامي مش كدابة، بس أكيد كانت بتهزر معاكي، بس هزار تقيل شوية، كانت بتلعب معاكي وتشوفك إنتِ قوية وقلبك جامد ولا بتخافي، وطلع إنك بتخافي، لكن جوجا طيبة جدا، وبتحبك وعمرها ماهتعملك حاجة وحشة، ولا هتاخدك من مامي، ومامي كمان بتحبك أوي، ومفيش حد هيبعدك عنها.

هدأت ملامح الصغيرة قليلا، فاقترب منها ياسين، وضمها إلى صدره، ثم طبع قبلة طويلة على رأسها بحنان بالغ.

ابتعد عنها، ونهض قائلا بابتسامة: العبي هنا شوية، وأنا هروح أكلم مامي، وأرجعلك تاني، اتفقنا؟

ابتسمت، وهزت رأسها: اتفقنا.

ربت على وجنتها وغادر، بملامح تخفي خلفها غضبا مكتوما، فقد أدرك أن الخوف الذي يسكن قلب ابنته الصغيرة لم يولد من تلقاء نفسه، بل زرع فيها عمدا، حتى أصبحت تخشى من كانت يوما أقرب صديقاتها.

حديقة الجست هاوس.

كانت هبة تجلس واضعة الابتوب فوق ساقيها، ويبدو أنها كانت منشغلة بالعمل. 

توقف ياسين أمامها فجأه، وملامحه تنطق بالضجر والغضب الشديد: إيه اللي أنتِ بتقوليه للبنت ده؟ أنتِ بتحاولي تعملي إيه؟

أغلقت الحاسوب، ورفعت رأسها له باستغراب: قولت ايه؟

أجابها بنبرة قاطعة: هبة، لو مبطلتيش اللي بتعمليه ده، صدقيني مش هتلومي غير نفسك، إنتِ بتأذي البنت، مش بتأذيني أنا ولا بتأذي لوجين، هتستفادي إيه؟

عقدت حاجبيها بتمثيل: أنا مش فاهمة أنت بتتكلم عن إيه.

قاطعها بنبرة لا تحمل النقاش: لا أنتِ فاهمة كويس متستعبطيش، أزاي تزرعي في دماغ طفلة عندها 5سنين إن لوجين وحشة وهتخطفها؟ عارفة ده ممكن يعمل إيه في نفسية البنت؟ للدرجة دي غبائك وكرهك ليا وصلوا بيكي؟ أصل أنا مستحيل أصدق إن ده غيرة عليا!!!

ضحكت بسخرية: هو مش غيرة أكيد، بس أنا عايزة أخد بنتي وأمشي من القصر المقرف ده.

اشتدت نظراته: تقومي علشان تهربي من القصر، تزرعي كل المخاوف دي في دماغ البنت؟ افرضي كان حصلها حاجة؟

هز رأسه باحتقار مضيفا: بصي يا هبة، أنا مش هكتر كلام مع واحدة زيك..

رفع إصبعه محذرا بصرامة: لو مبطلتيش الكلام اللى بتقوليه لنالا ده، صدقيني هحرمك منها، ومش هيبقى عندي مانع خالص أقولها إن ماما ماتت.

اتسعت عيناها بصدمة، وانتصبت فجأة تصرخ: أنت بتهدنني؟!

أجابها بحسم: أه بهددك، أنا لحد دلوقتي عامل حساب العشرة وإنك أم بنتي، لكن لو هتفضلي تتعاملي بالغباء ده والله هندمك، والبنت من النهارده هتعيش في اوضتها في القصر، حابة تمشي اتفضلي، حابة تفضلي تخشي تشوفيها جوه القصر،  لكن البنت مش هتقعد معاكي هنا تاني.

ردت بشدة: ياسين بلاش الاسلوب ده

قال بحسم هو ينظر داخل عينيها: انت اللي اضطرتيني استخدم الاسلوب ده، البنت كانت عايشه معاكي، وكنت بستكفى بالزيارات شويه عندي وشويه عندك، لكن خلاص مبقاش ليكي امان، ولعلمك انا مش خايف منك، انك ترجعي تاني تقولي الكلام الاهبل ده، لان ده متوقع، بس انا خايف على نفسيه البنت، مش عارف ممكن يحصل فيها ايه؟!

واضافة بابتسامة: ومتفكريش إني لما هخليها تقعد معاكي لوحدكم، إنك كده ممكن تستغلي الموقف، تبقي غبيه انا هعرف لو فكرتي ترجعي تزرعي السم بتاعك جواها تاني، وانتِ عارفه وقتها النتيجه هتكون ايه، وليك الاختيار

أنهى كلماته وتحرك نحو الداخل، ثم عاد بعد لحظات وهو يحمل نالا بين ذراعيه، وقال بصوت مرتفع حتى تسمعه هبة: نالا، هتيجي معايا نروح عند جوجا وأوريكي إنها بتحبك وطيبة؟

قالت الصغيرة بتردد: لا، أنا لسه خايفة منها.

ابتسم لها بحنان: خايفه وبابي معاكي؟

توقف أمام هبة: قوليلها يا مامي إن جوجا طيبة وعمرها ما هتسرقها منك، وإنك كنتي بتهزري معاها.

نظرت إليه هبة من أسفل عينيها بضيق، وكأن الكلمات ثقيلة على لسانها، لكنه قال بنبرة آمرة وعينين حادتين: يلا يا مامي، قولي لنالا إنك كنتي بتهزري معاها، مش كده؟

جزت على أسنانها، وقالت بابتسامة متكلفة: أيوه، كنت بهزر معاكي يا حبيبتي.

قال ياسين سريعا وهو يحاول طمأنة الصغيرة: شوفتي، مامي كانت بتهزر معاكي عشان تخليكي قوية ومتبقيش خايفة.

أضافت هبة بتلعثم، تؤيد كلامه مجبرة: بالظبط، عشان أعلمك تبقي قوية ومتخافيش.

سألت نالا ببراءة: يعني جوجا طيبة ومش هتاخدني منك يا مامي؟

أجابتها: لأ يا حبيبتي، مفيش حد هيبعدك عني.

ابتسم ياسين: شوفتي بقى؟ يلا بينا نروح لجوجا نلعب معاها.

قفزت نالا بسعادة: يلا يا بابي.

في المستشفى،10ص.

وقف سليم يساعد ماسة على تبديل ملابسها التي أحضرتها سحر، كان يتعامل معها بحذر، وكأنها شيء ثمين يخشى عليه من النسمة.

وبعد أن ساعدها في ارتداء ملابسها وحذائها، وقف أمامها مبتسما بحنان: يلا بينا يا عشقي.

أومأت له وما إن همت بالتحرك، حتي وجدته يحملها بين ذراعيه، ويقول بعزل: لا أحنا من النهارده نبدأ حياة الأميرات يا أم جاسر.

ضحكت بمشاكسه: طب وافرض جت بنت.

أجابها ببساطه: تبقي أم أيسل.

أجابته بتذمر: لا يا حبيبي، لو بنت هسميها تيانا علي اسم الأميرة اللى كانت في الأمير الضفدع.

هز رأسه مستسلما: تيجي بس يا ماسة، وإن شالله تسميها توحيده براحتك.

قهقهت بسعاده، ولفت ذراعيها حول عنقه، مستسلمة لذلك الدفء الذي يغمرها به، بينما اتجه هو نحو المصعد، ثم إلى السيارة، ووضعها برفق شديد، وكأنها قطعة من زجاج نادر يخشى أن يمسها خدش.

جلس إلى جوارها، ثم جذبها إلى أحضانه، قبل أن ينظر إلى السائق بجدية: عايزك تمشي بالراحة يا حسن، علي أقل سرعه عندك فاهم؟

أجاب السائق بسرعة: حاضر يا باشا

وبالفعل، انطلقت السيارة بهدوء شديد، بينما كانت ماسة مستندة إلى صدره، تستمع إلى نبضات قلبه الهادئة، وتشعر للمرة الأولى منذ أيام طويلة بأن الأمان الحقيقي له رائحة وصوت… وكان اسمه سليم.

قصر الراوي.

دخل ياسين إلى غرفته يحمل نالا بين ذراعيه، وما إن رأته لوجين حتى وقفت سريعا، وفتحت ذراعيها بابتسامة واسعة: حبيبتي!

نظرت إليها نالا بترقب وحذر، فنظر لها ياسين بحنان: إيه يا حبيبتي؟ مش إحنا اتفقنا إن لوجين بتحبك، ومستحيل تخوفك أو تزعلك؟

اقتربت لوجين منها بهدوء، وقالت برقة: يا روح قلبي، أنا مستحيل أعملك حاجة، أنا بحبك أوي.

سألتها الصغيرة ببراءة: يعني مش هتاخديني من مامي؟

نظرت إليها لوجين باستغراب، وأجابت بسرعة: لا طبعا استحالة

نالا بطفوله: يعني هتسيبيني ألعب مع مامي وأروحلها؟

ابتسمت لوجين بحنان: طبعا يا روحي. 

ظلت نالا تنظر إليها للحظات بتردد، وكأنها تفكر في كلامها، ثم فجأة ألقت بنفسها بين ذراعيها بخجل وحذر.

ضمتها لوجين بقوة، وأخذت تربت على شعرها بحنان، بينما رفعت عينيها إلى ياسين تسأله بصمت: في إيه؟

فبادلها نظرة مطمئنة، وأشار لها بعينيه أنه سيخبرها لاحقا.

أبعدتها لوجين قليلا وهي تقول بحماس: تيجي تشوفي أنا جبتلك إيه من السفر؟ أنا وبابي جبنالك حاجات حلوة أوي، وكل ما كنت بخرج كنت بجيبلك حاجة، بس إنتِ مكنتيش بترضى تاخديهم، تيجي تشوفيهم دلوقتي؟

نالا بتردد: ماشي، بس بابي ييجي معايا.

ضحكت لوجين: طبعا.

وبالفعل، أخذتهما لوجين، وبدأت تخرج الألعاب والهدايا التي اشترتها لها أثناء سفرها.

في البداية، كانت نالا متحفزة وخائفة في تعاملها مع لوجين، تراقبها بحذر شديد، بينما كانت لوجين تحاول إضحاكها وملاطفتها واللعب معها حتى تشعرها بالأمان.

ومع مرور الوقت، وبوجود ياسين بجوارهما، بدأت الصغيرة تضحك وتنسجم معها شيئا فشيئا، حتى تعالت ضحكاتها البريئة في أنحاء الغرفة، فابتسم ياسين وشعر براحة كبيرة بعدما رأى الخوف الذي كان يملأ قلب ابنته يذوب تدريجيا أمام حنان لوجين وصبرها.

فيلا سليم وماسة.

وصلت السيارة، فهبط سليم أولا، ثم فتح الباب برفق وساعد ماسة على النزول، وما إن وقفت بقدميها علي الأرض أسرع بحملها وتحرك بها الي الداخل. 

ماسة باعتراض خفيف: يا سليم، مش للدرجة دي بجد، أنا ممكن أمشي.

نظر إليها بجدية ممزوجة بالحنان: نفسي افهم أنتِ معترضه علي ايه؟

ابتسمت بدلال: مش عايزه اتعبك.

أجابها بملاطفه: ملكيش دعوة، هو أنا كنت اشتكيتلك.

تبسمت بدلال: براحتك يا سليم يا راوي، افضل علّي سقف طموحاتي وكله هيجي علي دماغك.

ثم أضافت بمزاح وهي تقبل خده بخفة: دلع براحتك بقى، واعمل حسابك هتعملي الغدا النهارده عشان جعانة، بدل ما آكلك أنت! اهم..

اخذت تمزاحه وهي تتصنع التهامه، فضحك وهو يهز رأسه بابتسامة عاشقة: أيوه، هو ده اللي أنا عايزه.

وبالفعل، تحرك بها إلى الداخل، وما إن دخلا حتى وجدا جميع عائلتها في انتظارهما.

اتسعت عينا ماسة بسعادة: ايه المفاجاه الحلوه دي. 

عمار بسعاده: ألف مبروك يا ماما ماسة.

يوسف بمشاكسه: هتكبريني وتخليني خالو بدري.

ابتسم مجاهد بحنان: حمد الله على السلامة يا بنتي.

ردت بابتسامه: الله يسلمك يا بابا، سليم نزلني أسلم عليهم.

هز رأسه رافضا: لا، أنتِ هتروحي اوضتك ترتاحي، وبعدين هم يجوا يسلموا عليكي زي ما هم عايزين، هم قاعدين معانا مش رايحين في حتة.

ثم التفت إليهم معتذرا: معلش يا جماعة، لازم أوديها أوضتها الأول.

في تلك اللحظة اقتربت سحر: الأوضة جاهزة يا سليم بيه، زي ما حضرتك أمرت.

أومأ برأسه، ثم تحرك إلى إحدى الغرف الموجودة في الدور الأرضي، والتي كانت تطل مباشرة على الحديقة والنيل.

وضعها علي الفراش برفق، ثم وضع وسادة خلف ظهرها، وتأملها للحظة قبل أن يسألها بحنان: مرتاحة كده يا قلبي؟

ابتسمت له: آه يا حبيبي، مرتاحة.

خلع عنها حذاءها، وغطاها جيدا، ثم نادى على عائلتها ليجلسوا معها.

اقترب يوسف وقبل جبينها، بينما قال عمار مبتسما:
مبروك يا ماسة.

ابتسمت بخجل: الله يبارك فيك

سألها مجاهد بقلق: عاملة إيه دلوقتي يا بنتي؟ طمنيني عليكي.

أجابت بابتسامة مطمئنة: الحمد لله يا بابا، بقيت أحسن بكتير.

تنهد براحة: الحمد لله يا حبيبتي، ربنا يكملك علي خير وتقومي بالسلامه.

ماسة بسعادة وهي تنظر إليهم: أنا فرحانة أوي إنكم هتقعدوا معايا هنا.

ابتسمت سعدية: وإحنا كمان فرحانين، هنفضل كلنا مع بعض، وهنبقى عيلة واحدة.

وضعت ماسة يدها بحنان على بطنها، وقالت بابتسامة مشرقة: ومش هنبقى لوحدنا كمان يا ماما، هيبقى معانا نونو.

تهللت أسارير سعدية، وربتت على يدها بحنان: ربنا يكملك على خير يارب، وبقولك إيه، تاكلي كويس وتاخدي دواكي، ومش عايزة دلع ولا شقاوه، فاهمة؟

ضحكت ماسة بخفة: متخافيش يا ماما سليم قايم بالواجب.

جلس سليم بجوار واضعا ذراعه حول كتفيها، وقال بثقة جعلت الجميع يبتسم: ايوه طبعا، دي في عيوني، أنا بنفسي هقعد أكلها بإيدي، المهم عندي هي والنونو يبقوا بخير.

ابتسمت ماسة وهي تستند إلى كتفه، وشعرت للمرة الأولى منذ وقت طويل أن قلبها الذي ذاق الكثير من الألم، بدأ أخيرا يتذوق طعم الفرحه.

سعدية بدعاء: ربنا يخليك ليها يا حبيبي، ويبعد عنكم كل شر يارب.

عند ياسين ولوجين...

وقفا في الشرفة، يتابعان نالا وهي تلعب بألعابها.

لوجين بتنهيدة: أنا متوقعتش أبدا إن هبة ممكن تعمل حاجة زي كده، بحسها يعني بنت راقيه ودماغها كبيرة، متعملش الكلام ده.

أجابها: ولا أنا الصراحة، بس بعد اللي عملته معايا مبقتش اتفاجئ.

لوجين بتوتر: طب أنا هعمل إيه علشان أحسن صورتي قدام نالا؟

اجابها مطمئنا: أنا حاسة إنها بدأت تنسى شوية.

أجابت وهو تنظر للصغيرة: وجودك هو اللي مخليها هادية، إنتِ لو مشيت هتخاف.

قال بحسم: خلاص، نروح لثيرابيست يتكلم معاها ونشوف هنعمل إيه.

ابتسمت لوجين، ثم اقتربت من نالا التي كانت تبني برجا من المكعبات، وجلست بجوارها تقول بحنان: الله! إيه البرج الحلو ده؟ ممكن أقعد ألعب معاكي شوية ونبني سوا؟

وافقت نالا بهدوء متحفز، وبدأت تلعب معها لكن مازالت تشعر ببعض الخوف.
♥️________________بقلمي_ليلةعادل 

ميدان التحرير.

مظهر عام لميدان التحرير مع حركة المارة، نرى رجال عرفان منتشرين في المكان؛ منهم من يتصنع أنه بائع جائل، ومنهم من يتظاهر بالتسول، وآخرون يقفون في الممرات يراقبون المكان بصمت.

وفي تمام الساعة 4:00، ظهر أحد الرجال مرتديا نظارة سوداء وكاب يخفي معظم ملامحه، اقترب من إحدى صناديق القمامة، ووضع بداخلها حقيبة سوداء كبيرة، ثم تحرك مبتعدا وكأنه لم يفعل شئ.

في تلك اللحظة، كان هناك رجل يجلس فوق سطح إحدى العمارات المقابلة، يراقب المشهد بمنظار.

تحدث في هاتفه: اتحرك دلوقتي

وفجأة، اقتربت سيارة نقل صغيرة وتوقفت أمام صندوق القمامة لثواني معدودة وكأنها حائل، هبط منها أحد الرجال بسرعة، فتح الصندوق وأخذ الحقيبة السوداء، ووضع مكانها حقيبة أخرى مماثلة لها تماما، ثم أغلق الصندوق مره أخري وعاد إلي السيارة وانطلقت فورا.

أما عرفان، فكان يجلس داخل إحدي السيارات يراقب المشهد بعينين لا تفوتان شيئا،وبعد تحرك السيارة، ظل مركزا نظره على الصندوق، منتظرا اللحظة التي سيظهر فيها تمساح.

نظر إلى ساعته الساعة فوجدها 4:02.

وعلي بعد ظهر تمساح يرتدي كوفية تخفي نصف وجهه، اقترب من صندوق القمامة بحذر، ثم فتحها وألقى نظرة سريعة يمينا ويسارا.

في تلك اللحظة، ضغط عرفان على سماعة الأذن: هاتوه، دلوقتي!

وفي اللحظة نفسها، أمسك تمساح بالحقيبة، لكنه لمح عدة أشخاص يقتربون منه من اتجاهات مختلفة.

تجمد لثانية، ثم فجأة ركل صندوق القمامة بقوة مستغلا الفوضى التي أحدثها، وأنطلق يجري بأقصى سرعة.

عرفان: وراه بسرعه! متخلهوش  يهرب!

قفز عرفان من السيارة، ولحق به رجاله من كل اتجاه، بينما كان يتحدث في السماعة بعصبية: حاولوا توقفوه قبل ما يوصل للمترو!

لكن تمساح كان أسرع.

اندفع نحو مدخل المحطة، ونزل السلالم بسرعة جنونية، وتابع الركض داخل المحطة، وعرفان ورجاله خلفه بكل قوتهم.

كان يدفع المارة ليعرقل من يلاحقه، فيتعثر البعض بينما يبتعد هو أكثر فأكثر. انتشرت الفوضى داخل المحطة، والناس تنظر بدهشة وخوف، وبعضهم يصرخ دون أن يفهم ما يحدث.

ركض بين الممرات، ثم انعطف يمينا ويسارا بين المداخل والمخارج المختلفة، وعند إحدى النقاط التي تتفرع فيها عدة اتجاهات داخل المحطة، اختبأ خلف أحد الجدران يلتقط أنفاسه بصعوبة.

أنزل الحقيبة عن كتفه وفتحها بسرعة، فتجمد مكانه عندما وجدها مليئة بقصاصات الأوراق.

جز على أسنانه بغضب: يابن الكلب، تعمل في تمساح كدة؟ طب أنت إللي بدأت قابل بقى..

وفجأة لمح ظل شخص يقترب من الممر فأغلق الحقيبة بسرعة، ثم ألقاها بقوة في وجه القادم نحوه، مستغلا لحظة ارتباكه، وانطلق يركض من جديد.

في تلك اللحظة كان أحد قطارات المترو يستعد للمغادرة.

ركض بأقصى سرعته وقفز فوق المكن، ثم اندفع داخل العربة في الثانية الأخيرة قبل إغلاق الأبواب.

وصل عرفان ورجاله بعد لحظات قليلة، لكن القطار كان قد ابتعد بالفعل، وقف عرفان يراقب ابتعاد القطار داخل النفق بعينين مشتعلتين بالغضب.

أما تمساح، فوقف داخل القطار يلهث بقوة، وينظر من خلف الزجاج إلى عرفان ورجاله الذين أصبحوا يبتعدون تدريجيا مع تحرك القطار...

على إتجاه آخر...

كان مكي يجلس في الحديقة بقلق، ينتظر الخبر الذي سيحدد مسار الأمور كلها.

وفجأة رن هاتفه، أجاب بسرعه: عملت إيه؟

جاءه صوت عرفان باحباط: الواد هرب!

اعتدل في جلسته بغضب: يعني إيه هرب؟ أزاي يهرب منك يا عرفان؟

زفر عرفان بضيق: دخل المترو وجري، مكنش ينفع نوقفه بأي سلاح وسط الناس، بس أكيد هيحاول يتصل بعماد تاني.

هز مكي رأسه بسخط: ما أنت حاولت تجيبه من الرقم إللي اتصل بيه قبل كده ومعرفتش!

زفر عرفان بضيق: مش عارف يا مكي، هتصرف، ومش هرتاح الا لما أجيب الواد ده.

أجابه مكي ساخرا: دي لمصلحتك، حظك إن سليم مشغول عنك دلوقتي وميعرفش حاجه عن العبث ده، اتصرف وشوف هتجيبه أزاي.

أغلق عرفان الهاتف، ونظر للسائق الجالس بجواره: أطلع على مديرية الأمن.
♥️______________بقلمي_ليلة_عادل

منزل سارة،6م.

جلس عماد يدخن سيجارته بتوتر، فنظرت إليه سارة: مالك متوتر كده ليه؟

نفث دخان سيجارته: لحد دلوقتي مفيش أي خبر عن تمساح.

هزت كتفيها: يمكن خدها وفتحها في المكان إللي قاعد فيه.

مرر يده في شعره بعصبية: مش عارف، أنا قلقان، الواد ده لو عاش ممكن تحصل حوارات ومشاكل كتير أنا في غنى عنها.

زمت شفتيها: أنت غلطت يا عماد إنك روحتله بنفسك، كان لازم تبعت حد مكانك.

زفر باختناق قائلا: عموما عايزك تجهزي نفسك، وخدي الولاد وسافري، وأنا هشوف الدنيا هترسي عليه ايه واحصلكم أنا ومريم وزين.

صمتت لثواني ثم سألته: طب وصافيناز؟

ابتسم بسخرية: صافيناز خلاص بقت عايشه في الهلاوس.

فوق سطح أحد المباني،6م.

صعد تمساح يلهث، وملامح الغضب تكسو ملامحه.

لمحه صديقه الذي كان يجلس علي اريكه مهترئه، فنهض يتساءل: عملت إيه يا تمساح؟ وفين الشنطه؟

زفر بغضب وهو يجلس علي الأريكه: حطلي فيها ورق ابن الكلب، وبعت رجالته تخلص عليا.

اتسعت عينا صديقه: طب وهتعمل إيه؟ كده بانت يا صاحبي، الراجل عايز يخلص منك علشان أنت الشاهد الوحيد عليه.

نظر إليه بعينين مشتعلة: وأنا مش هسيب حقي، مش تمساح اللي يتعلم عليه، أنا معايا إللي يقطع رقبته.

جلسه صديقه بجواره: معاك إيه؟

أخرج هاتفه، وفتح تسجيلا صوتيا لعماد وهو يتفق معه على تفاصيل قتل رشدي.

فاتسعت عينا صديقه: حلو أوي ده.

أشار إلى الهاتف: هكلمه واعرفه إنه لو ممشيش معايا نضيف وجابلي باقي فلوسي، هبعت التسجيل لرشدي الراوي وساعتها يقابل بقي اللى هيجرله.

نظر إليه صديقه بقلق: بس كده هتبقي بتورط نفسك انت كمان يا تمساح!

نظر أمامه بشرود: ولا توريط ولا حاجه، هو أصلا هيخاف، دى كان خايف يقولى اسمه لحد ما دعبست وراه وعرفت إنه جوز اخته.

تنهد وتابع بوعيد: أنا هستني يومين الدنيا تهدى وأتأكد إن مفيش حد ورايا، وبعدها أكلمه، ولو لعب عليا تاني وديني لاطربقها فوق دماغه..

  
تعليقات



<>