
رواية حبيبتي زوجة أخي الفصل الثلاثون30 بقلم عاشقة القلم
✍️في الطابق السفلي، داخل شقة إبراهيم، كانت العائلة مجتمعة في غرفة الجلوس.
كان الحديث يدور في البداية حول أمور متفرقة، إلى أن قال إبراهيم، وهو ينظر إلى أفراد أسرته:
إبراهيم: أخبرني عزت أن باران حصل على وظيفة مهمة في إحدى الشركات الكبرى في البلاد.
رفع روني رأسه وقال بنبرة ساخرة:
روني: لو لم يسافر خارج البلاد، لما حصل على تلك الوظيفة.
التفتت إليه دنيز سريعًا، وقالت بنبرة دفاعية:
دنيز: باران شاب مجتهد وطموح، وحتى لو لم يسافر، لكان حصل عليها، إنه ذكي ومثابر، ولم يصل إلى ما وصل إليه بسهولة، ولن نكر ذلك بسبب غيرتنا منه.
نظر إبراهيم إلى ابنه، ثم قال بحزم:
إبراهيم: هذا صحيح؛ باران مثال للشاب الطموح المجتهد، ثابر طوال سنوات دراسته، وتعب حتى وصل إلى هذه المكانة، ومن الطبيعي أن يحصد ثمرة جهده، وبدلًا من أن تتحدث عن ابن عمك بهذه الطريقة، اجتهد مثله واصنع لنفسك مستقبلًا يشبه مستقبله.
خفض روني عينيه لحظة، لكنه لم يتراجع.
أما دنيز فأومأت برأسها وقالت:
دنيز: معك حق يا أبي، لا ينبغي أن ننكر أن باران تعب كثيرًا حتى حصل على هذه الوظيفة.
ابتسم روني ابتسامة ساخرة، وقال:
روني: وبما أنكما اتفقتما على أن باران ناجح ومثابر، وأنتما معجبان به إلى هذه الدرجة، فلماذا لا تتزوجينه يا دنيز قبل أن تخطفه أخرى؟.
ما إن أنهى جملته حتى تبدلت ملامح دنيز.
وقبل أن تجيبه، صاحت صفية في ابنها:
صفية: روني!!... كفى!! ؛ كفاك كلامًا لا يليق!.
ثم أردفت وهي تنظر إلى ابنتها:
صفية: لو كانت دنيز أصغر منه، لزوجتها إياه دون تردد.
ضحك روني بسخرية، وقال:
روني: ولماذا لم تفعلي ذلك مع مراد؟، هو أيضًا يشغل منصبًا مهمًا، بل وهو أكبر منها، وكان بإمكانك أن تزوجيه إياها، بها بدلًا من أن يتزوج بفتاة أخرى.
كانت الكلمات كالسكاكين بالنسبة إلى دنيز.
لم تستطع البقاء لحظة أخرى.
نهضت مسرعة من مكانها، واندفعت نحو غرفتها، بينما كانت الدموع قد أغرقت وجهها.
صفية: دنيييز!!..
لكنها لم تلتفت.
أغلقت باب غرفتها خلفها، ثم ارتمت على سريرها وانفجرت في البكاء.
أما إبراهيم فالتفت إلى ابنه بغضب وقال:
إبراهيم: هيا، اذهب إلى غرفتك أنت أيضًا، وكفاك كلامًا فارغًا، اهتم بدراستك، فهذا أولى لك.
تمتم روني ببعض الكلمات وهو يغادر، متذمرًا من توبيخ والده، ثم أغلق باب غرفته.
ساد الصمت في غرفة الجلوس،
ولم يبقَ فيها سوى إبراهيم وزوجته صفية.
نظر إبراهيم إلى زوجته طويلًا، ثم قال بنبرة تحمل غضبًا مكبوتًا:
إبراهيم: ذنب ابنتك في رقبتك.
رفعت صفية عينيها إليه.
صفية: ماذا تقصد؟.
إبراهيم: منذ أن كانت دنيز صغيرة وأنت تملئين رأسها بفكرة زواجها من ابن عمها، كنتِ تجعلينها تظن أن مراد سيكون زوجها يومًا ما، حتى صدقت الأمر وتعلقت به.
تنهد بغضب، ثم تابع:
إبراهيم: ها هو الآن قد تزوج، وربما يؤسس أسرته وينجب أبناءه، بينما ابنتك قاربت الثلاثين ولم تتزوج بعد، وكلما تقدم لها رجل مناسب رفضته، لأنها كانت تنتظر رجلًا لم يرَ فيها يومًا سوى ابنة عمه.
ارتجفت شفتا صفية، وقالت مدافعة عن نفسها:
صفية: وماذا كنت أفعل أنا؟؛ زوجة أخيك هي التي أبعدت ابنتي وتركتنا، وخطبت لابنها فتاة من خارج العائلة، ربنا ينت...
توقفت حين قاطعها إبراهيم بحزم:
إبراهيم: لا تدعي على زوجة أخي!.
ثم اقترب منها وقال:
إبراهيم: هي لم تفعل شيئًا، الزواج قسمة ونصيب، وهو طلب وقبول، وليس بالإجبار، أنتِ من جنيتِ على ابنتك، لأنك جعلتها ترفض كل رجل يتقدم إليها، وتتمسكين بابن عمها الذي لم يرَ فيها إلا أختًا تربى معها منذ الصغر.
هزت صفية رأسها بعناد.
صفية: بل كانا يحبان بعضهما بعضًا، لكن زوجة أخيك...
قاطعها مرة أخرى:
إبراهيم: كفاك افتراءً يا امرأة!
ساد الصمت.
ثم قال بحدة:
إبراهيم: كان يحبها كأخته وفقط، تربيا معًا منذ الصغر، ولذلك كان قريبًا منها ويعاملها بحنان، لكنك أنتِ من سرحتِ بخيالك، وتوهمتِ أشياء لا وجود لها، ثم زرعتِها في رأس إبنتك حتى أصبحت أسيرة لوهمك.
انخفض صوت صفية، لكنها قالت:
صفية: لكنه لن يفرح طويلًا مع زوجته... هما لا يتفاهمان، وسيطلقها قريبًا.
ما إن سمع إبراهيم كلماتها حتى نهض فزعًا، وكأنها تجاوزت حدًا لم يعد قادرًا على السكوت عنه.
إبراهيم: ماذا قلتِ؟.
ارتبكت صفية.
أما هو فحدق فيها بغضب شديد وقال:
إبراهيم: هذا كلام لا يليق بك يا امرأة!.
ثم أردف:
إبراهيم: كيف تستطيعين أن تبني سعادة ابنتك على خراب بيت امرأة أخرى؟، كيف تتمنين أن تنتهي حياة زوجين حتى تحصل ابنتك على ما تريد؟.
صمت لحظة، ثم قال بصرامة:
إبراهيم: أقسم بالله، إن علمت أن لكِ أنتِ أو ابنتك دخلًا فيما يحدث بين مراد وزوجته، فلن يكون لكِ مكان في بيتي، لقد أنذرتك.
ثم تركها وغادر إلى غرفته، وأغلق الباب خلفه.
بقيت صفية وحدها، تنظر إلى المكان الذي اختفى فيه زوجها، وقلبها يمتلئ بالغضب.
أما دنيز، فكانت في غرفتها،
كانت جالسة على الأرض بجوار سريرها، ودموعها لم تتوقف.
كلمات روني ظلت تتردد في رأسها بلا رحمة:
"قبل أن تخطفه أخرى..."،
"لماذا لا تتزوجينه؟"،
كانت تشعر بالإهانة، والغيرة، والندم، والغضب في آن واحد،
لقد خسرت مراد،
وهذه الحقيقة كانت تحرقها،
لكنها لم تكن مستعدة للاعتراف بأنها هي من اختارت طريق الخسارة، مسحت دموعها بعنف، ثم وقفت أمام المرآة، كانت عيناها حمراوين من شدة البكاء، لكن شيئًا آخر بدأ يظهر في نظرتها...
إصرار بارد.
همست:
دنيز: لن أسمح لها أن تأخذ كل شيء.
ثم أخذت نفسًا عميقًا، وقالت:
دنيز: هذه المرة لن أتراجع،
تذكرت الرسالة.
الرسالة التي تركها ذلك الشاب لديلان.
الرسالة التي يمكن أن تقلب حياة ديلان رأسًا على عقب إذا وصلت إلى مراد في الوقت المناسب.
اشتدت قبضتها.
دنيز: يجب أن أحصل عليها، ثم أضافت بصوت خافت، وقد عادت تلك الفكرة السوداء تسيطر على عقلها:
دنيز: تلك الرسالة ستنهي زواج مراد من ديلان... ويجب ان آخذها منها مهما كلفني الأمر.
لم تعد دنيز تفكر في العواقب.
لم تعد ترى سوى هدف واحد أمامها.
أن تحصل على الرسالة،
وأن تسقط ديلان،
حتى لو اضطرت إلى هدم بيت كامل في سبيل ذلك، فهي قد علمت مكانها، ويجب ان تفكر بخطة محكمة لتستطيع الحصول عليها دون ان تكتشق ديلان الأمر.
كان الليل قد أرخى سدوله، وهدأت حركة البيت شيئًا فشيئًا، بعد العشاء والمل تفرق لينال قسطا من الراحة.
في شقة ديلان، كانت الأجواء ساكنة، إلا من صوت عقارب الساعة وهي تقطع الصمت بانتظام، كانت تجلس في غرفتها، تحاول أن تشغل نفسها ببعض الأمور، حين سمعت باب الشقة يُفتح، ثم صوت خطوات مراد برفقة باران.
لم تهتم في البداية، حتى اتجه الاثنان إلى غرفة الجلوس وأغلقا الباب خلفهما.
كان مراد قد عقد العزم على ألا يترك أخاه هذه المرة يتهرب من الحديث.
جلس قبالته، وأسند ظهره إلى الأريكة، ثم قال بجدية:
مراد: لن أتركك الليلة يا أخي حتى تخبرني سبب رفضك للزواج، ولا تحاول أن تعطيني حججًا واهية، فأنا أعرفك جيدًا، وأعلم أنك لا تتخذ موقفًا كهذا من دون سبب مقنع، أريد أن أعرف الحقيقة.
تنهد باران، ثم مرر يده على وجهه.
باران: لا توجد هناك حقيقة مخفية يا مراد، أنا فقط لا أفكر في الزواج الآن، لم أستلم وظيفتي حتى، وأريد أن أرتب حياتي أولًا.
ثم نظر إلى أخيه وقال:
باران: وأنت أيضًا لم تتزوج فورًا، بقيت سنوات حتى التقيت بزوجتك وتزوجتما.
ما إن نطق باران بكلماته الأخيرة حتى تغيرت ملامح مراد للحظة،
أطرق رأسه،
لقد لمس أخوه جرحًا قديمًا كان يحاول أن يدفنه بعيدًا عن أعين الجميع، جرحًا لم يكن مستعدًا لفتحه الآن.
لكنه سرعان ما رفع رأسه، وأجاب بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية:
مراد: أنا لم أقل إنني لا أريد الزواج، بل كنت أؤجله فقط، أما أنت، فقد قلت بوضوح إنك لا تريد الزواج.
وقبل أن يجيب باران، سمعا صوت حركة خارج الغرفة.
التفت مراد نحو الباب، فرأى ديلان تخرج من غرفتها، وقد بدا أنها جاءت لتعرف سبب الأصوات التي سمعتها.
ابتسم مراد حتى لايعلم باران ببرود العلاقة بينه وبين زوجته، فهو يعلم جيدا ان أخاه شديد الملاحظة، ثم وقال:
مراد: ديلان، أعدّي لنا فنجانين من القهوة المظبوطة لأضبط هذا الولد الذي يريد أن يتعبني.
توقفت ديلان عند الباب، ثم أومأت برأسها.
ديلان: حاضر، ثوانٍ وتكون جاهزة أمامكما.
وقبل أن تتحرك، قال باران:
باران: أما أنا فلا أريدها مظبوطة، بل خفيفة قليلًا يا زوجة أخي.
كم كانت تألمها تلك الكلمة زوجة أخي، لكنها تماسكت والتفتت إليه دون أن ترفع عينيها كثيرًا.
ديلان: حسنًا، ثوانٍ وتكون جاهزة.
ثم ذهبت إلى المطبخ، لم تكن تعلم أن تلك القهوة ستصبح بعد دقائق شاهدة على سر ظل مدفونًا عامين كاملين.
في الداخل، عاد مراد إلى حديثه،
لم يكن ينوي أن يترك أخاه يتهرب.
مراد: اسمعني يا باران، أظن أن سبب رفضك وتعنتك هو أن هناك فتاة في حياتك، ثم رفع عينيه إلي باران.
فأجابه باران في محاولة للتهرب من الموضوع..
باران: فتاة؟.
ابتسم مراد ابتسامة جانبية.
مراد: نعم، فتاة.
ثم اقترب منه قليلًا وقال مازحًا:
مراد: لا تقل لي إنك تزوجتها في الغربة، وتخفي الأمر عنا حتى لا يغضب والدانا.
ضحك باران لأول مرة منذ بداية الحديث وقال.
باران: لا، وهل تظن أن أخاك يمكن أن يفعل ذلك؟.
مراد: إذن أخبرني بالحقيقة.
سكت باران.
لكن مراد لم يتراجع.
مراد: لا يوجد تفسير لموقفك هذا سوى أن هناك فتاة في حياتك، أخبرني يا أخي، وربما أستطيع مساعدتك.
ظل باران صامتًا لثوانٍ، وكأنه يتردد في فتح باب ظل مغلقًا طويلًا.
ثم تنهد وقال:
باران: حسنًا... سأخبرك الحقيقة، فأنا أعرف طبعك جيدًا، وأعلم أنك لن تحكم عليّ قبل أن تسمعني.
مال مراد إلى الأمام باهتمام.
قال باران بصوت خافت:
باران: نعم... هناك فتاة في حياتي.
اتسعت ابتسامة مراد.
مراد: كنت أعلم ذلك!.
لكن باران أكمل:
باران: وأنا أحبها.
اختفت ابتسامة مراد، وحل محلها اهتمام حقيقي.
مراد: إذن الأمر جدي؟.
باران: جدي جدًا.
ثم أكمل باران بحزم:
مراد: ولن أتزوج غيرها.
ربت مراد على ركبته بحماس.
مراد: جيد! إذن ما المشكلة؟، ومن هي؟، لنذهب ونطلبها من أهلها، أم تظن أن والدينا سيرفضان؟.
خفض باران عينيه، وقال:
باران: المشكلة أنني... لا أعرف من تكون.
تجمد مراد.
ثم حدق فيه وكأنه لم يفهم.
مراد: ماذا !!؟...
باران: لا أعرف من تكون.
ضحك مراد غير مصدق.
مراد: وهل هذه أحجية؟، تحب فتاة ولا تعرف من هي؟.
رفع باران يده مقاطعًا إياه.
باران: نعم، ولا تقاطعني، دعني أخبرك.
ثم أخذ نفسًا عميقًا.
باران: تعرفت إليها منذ عامين في الجامعة، لم تكن علاقتنا طويلة، لكنها تركت في داخلي شيئًا لم أستطع محوه، أحببتها قبل أن أتمكن حتى من معرفة اسمها أو عائلتها أو أي شيء عنها، كل شيء حدث بسرعة... ثم اضطررت إلى السفر إلى الخارج قبل أن أتمكن من الوصول إليها أو التواصل معها.
ظل مراد ينظر إليه غير مصدق.
مراد: يا ولد... فتاة تعرفت إليها منذ عامين ولا تعرف من تكون؟، أظن أنك نسيت حتى شكلها!.
ارتسمت على وجه باران ابتسامة هادئة، مختلفة تمامًا عن كل ابتساماته السابقة.
باران: لا.
ثم رفع عينيه وقال:
باران: لم أنسَ شكلها يومًا.
سكت قليلًا، وكأن صورة قديمة ظهرت أمام عينيه.
باران: ملامحها ما زالت محفورة في ذهني، أحملها معي أينما ذهبت، حتى إنني أحيانًا أشعر أنها لم تغادر حياتي أصلًا، رغم أنها غابت عن عيني طوال هذه السنوات.
قال مراد بدهشة:
مراد: لا تقل لي إنك رسمتها وتحتفظ بصورتها لديك!.
ابتسم باران.
باران: أجل.
مراد: أنت جاد؟.
باران: نعم؛ رسمتها بمشاعري وإحساسي، لا بيدي وحدها.
صمت مراد، بينما تابع باران:
باران: لدي دفتر أحتفظ فيه بكل الرسومات التي رسمتها لها، كل مرة كنت أتذكر فيها وجهها، كنت أرسمه، وكلما اشتقت إليها، فتحت الدفتر.
ثم أضاف بصوت أكثر دفئًا:
باران: وآخر رسمة رسمتها كانت لنا، لآخر لقاء جمعني بها... على متن قطار الأنفاق، فقظ رسمت ذلك المشهد كما تخيلته أنا وتمنيته.
لم يعرف باران أن كلماته كانت تصل إلى شخص آخر خلف الباب.
في المطبخ، كانت ديلان تقف أمام صينية القهوة.
كانت تحمل فنجانين، ويداها تتحركان بهدوء، بينما عقلها منشغل بأمر آخر.
لم تكن تتعمد الاستماع.
لكن صوت الأخوين كان يصل إليها واضحًا من غرفة الجلوس،
في البداية لم تهتم،
لكنها ما إن تحركت بإتجاه غرفة الجلوس، تحمل تلك الصينية التي عليها فنحاني القهوة وكأسين من الماء، حتي إخترقت اذنها تلك الكلمات.
سمعت اولا كلمة واحدة...
"فتاة."
توقفت يدها.
ثم سمعت:
"تعرفت إليها منذ عامين في الجامعة."
تسارعت أنفاسها.
عامان...
جامعة...
ثم جاء صوت باران:
"آخر لقاء جمعني بها على متن قطار الأنفاق."
تجمدت ديلان تمامًا.
سقطت الكلمات عليها كأنها مطرقة تهشم آخر جزء من الإنكار الذي كانت تتمسك به.
القطار...
الجامعة...
عامان...
والرسمة.
تلك الذكرى التي ظنت أن صاحبها نسيها منذ زمن،
لم تستطع الحركة،
كانت تحدق أمامها، بينما أخذت الصور القديمة تتدفق في ذاكرتها دفعة واحدة.
ذلك الشاب...
ذلك اللقاء...
نظراته...
ذلك اللقاء الغريب...
ثم السنوات التي مرت وهي تظن أنها وحدها من احتفظت بتلك الذكرى في مكان ما من قلبها،
لكنها الآن تسمعه يقول إنه لم ينساها،
بل رسمها،
واحتفظ برسوماتها،
وحمل ملامحها معه طوال غربته،
ارتجفت أصابعها، شهقت ديلان، لكنها لم تشعر ألا بتلك الكلمات تقع على رأسها،
لم تشعر بشيء سوى ذلك الخفقان العنيف في صدرها.
لقد رسمها ويحتفظ بصور تحمل ملامحها، الا تكفيها الرسالة لو وجدها مراد، فماذا لو رأى تلك الرسومات فبالتأكيد سيعرف انها هي بدون ادنى شك.
فجأة إرتعش جسمها وإختل توازنها، فوقعت مغشيا عليها من الصدمة و انزلقت الصينية من يديها.
ارتطم المعدن بالأرض.
وتبعته الفناجين، فتحطمت على الأرض، وانتشر صوتها في أرجاء الشقة.
فتح مراد الباب مسرعًا، وتبعه باران.
مراد: ديلان!.
وجدها باران ملقاة على الارض وسط الفوضى، شاحبة الوجه، وعيناها مغلقتان خلف نقابها.
انحنى مراد سريعًا يحاول أن يوقضها، وهو يضرب على وجنتيها فوق نقابها.
مراد: ديلان....ما بك إستيقظي.
نظر له باران وعلامات الدهشة وهو يرى جسدها ملقى على الارض وسط تلك الفوضى.
باران: ما لها زوجتك يا مراد.
مراد: لا اعلم ما بها، منذ ايام وانا ارى وجههة شاحب بعض شيء .
باران: وانا أيضا لاخظت انها لاتأكل جيدا.
مراد: احظر لي قنينة عطر من الغرفة، واشار له نحو غرفة ديلان.
دخل باران بسرعة للغرفة وجد قنينة عطر على جانب الطاولة قرب السرير، حملها وخرج بسرعة.
اراد مراد ان يرفع النقاب ن وجههت ليقرب القنينة من انفها، لكن باران نهره قائلا.
باران: زوجتك منقبة ولايجوز ان تكشف وجهها امامي، دون إرادتها ختغى ولو كانت غائبة عن الوعي، ادخلها للغرفة وانزع عنها ذلك النقاب، لتأخذ نفسها وتشم بعض الهواء والاوكسجين، وشممها العطر ربما تستفيق.
حمل مراد ديلان بين ذراعيه وهي مغيبة عن الوعي، ودخل بها الغرفة، مددها فوق السرير، ثم رفع عن وجهها النقاب، وقرب من انفعا العطر وهو يضرب بخفوت على وجنتها، وبعد لخظات افاقت ديلان وفتحت عينيها، نظرت جليا لمراد، وحالت بعينيها الغرفة لتتأكد اين هي وإذا ما كان هو أيضا واقفا، لكن باران بقي في الخارج، قلقا ينتظر ان يخرج إليه أخيه ليخبره كيف اصبحت زوجته الان.
عندها نظر إليها مراد وقال..
مراد: هل أصابك شيء؟.
لم تجبه.
كان عقلها قد وقف عند كلام باران.
للمرة الأولى، لم ترَ فيه مجرد أخ زوجها.
بل رأت ذلك الشاب الذي ظنت أن السنوات محته من ذاكرته.
اعاد مراد عليها السؤال وقال بقلق:
مراد: هل أنت بخير؟.
خفضت ديلان عينيها بسرعة، ولكن مان جسدها يرتعش من هول الصدمة.
ديلان: نعم... أنا بخير، لا اعلم ما حدث لي وأفلتت الصينية من يدي.
لكن صوتها كان يرتجف.
ساعدها مراد في جلوس على السرير، ووضع بعض الوسائد عند ظهرها وقال..
مراد: هل اخذك للمستشفى او أستدعي الطبيب ليعانك هنا.
صاحت ديلان مقاطعته..
ديلان: لا انا بخير لا داعي للطبيب سانام قليلا واصبح بخير، مجرد تعب وارهاقةاثر بي.
بعد تلك الكلمات تمددت ديلان في السرير واغمضت عينيها، حينها خرج مراد واغلق الباب خلفه وترك ديلان التي إدعت النوم.
بينما ظل باران واقفًا في الخارج ينظر إليها باستغراب لا يعلم ما حدث لها.
إقترب من مراد بمجرد خروجه من الغرفة ليسأله عنها.
باران: ما بها زوجتك؟، ولماذا اغمي عليها؟.
مراد: تقول انها بخير مجرد تعب وإرهاق ستنام وغدا ستصبح بخير.
باران: ولماذا لم تأخذها للمستشفى او تستدعي طبيب ليراها.
احابه مراد قائلا..
مراد: سأرى إن لم تصبح غدا على ما يرام سأعرضها على طبيب.
أما هي، فكانت مستلقية على سريرها تبكي في داخلها، كانت تحدث نفسها:
كان يقصدني أنا...
لم يكن قد نسي.
لم تكن تلك الذكرى من طرف واحد.
لم تكن هي وحدها التي حملت ذلك اللقاء في قلبها طوال عامين.
كان هو أيضًا يحملها.
بل أكثر من ذلك...
كان يحمل صورتها معه.
كان يرسم ملامحها حين يشتاق إليها.
ويحتفظ بها في دفتر لا يعرف عنه أحد.
رفعت ديلان يدها إلى صدرها، وكأنها تحاول تهدئة قلب يكاد يخرج من مكانه.
ثم قالت في سرها:
"يا رب..."
لكنها لم تستطع أن تكمل الدعاء.
لأن الحقيقة التي اكتشفتها للتو كانت أكبر من قدرتها على الاحتمال.
لقد أمضت عامين وهي تظن أنها فقدت أثر ذلك اللقاء إلى الأبد...
لتكتشف الآن أن الرجل الذي أحبته في صمت لم ينسها قط.
وأنها، طوال كل هذه السنوات، كانت تعيش في ذاكرته كما عاش هو في ذاكرتها.
لكن الاخطر من ذلك هو الدفتر الذي رسمها به لو وقع في يدي احد، فسيكشف سرها الذي كانت تحاول جاهدة لتخفيه عن الجميع، لكن إذا كشف فالامر لن يكون جيدا لها وسيقلب الاسرة رأسا على عقب.
في صباح اليوم التالي، اجتمعت العائلة حول مائدة الإفطار كعادتها. كانت الأحاديث تتنقل بينهم في أجواء عائلية هادئة، بينما امتدت الأيدي إلى أصناف الطعام الموضوعة أمامهم.
وبينما كانت عائشة تتفقد المائدة بعينيها، توقفت فجأة، وكأنها تذكرت أمرًا مهمًا.
رفعت رأسها والتفتت إلى مراد قائلة:
عائشة: لماذا لم تنزل ديلان إلى الآن؟ لقد أخبرتني بالأمس أنها ستنزل باكرًا لتعد الفطائر، بعدما أخبرتها أن باران أعجبته تلك الفطائر قليلة الدسم التي تعدها.
سكت مراد للحظة.
ثم رفع عينيه نحو باران بنظرة تحمل تحذيرًا صامتًا.
ففهم باران النظرة، وقال بسرعة وهو يرفع يديه باستسلام:
باران: لا تنظر إليّ يا أخي، فأنا لم أقل شيئًا.
التفتت عائشة إلى باران باستغراب، ثم عادت بنظرها إلى مراد.
بدأ القلق يتسلل إلى قلبها.
عائشة: ماذا هناك؟ ما الأمر الذي تخفيانه عني؟ وما بها ديلان؟ لماذا لم تنزل؟
تنهد مراد بعمق، ثم قال محاولًا أن يبدو هادئًا:
مراد: ديلان تشعر ببعض التعب، لذلك تركتها نائمة.
وما إن سمعت عائشة كلماته حتى تغيرت ملامحها، وظهر القلق جليًا في عينيها.
عائشة: ما بها ديلان؟! هل فعلتَ لها شيئًا؟ هيا أخبرني!
ثم تابعت وهي تحدق فيه بقلق:
عائشة: هل هي فعلًا متعبة؟ أم أنك تخفي عني أمرًا آخر؟
تعلقت جميع الأنظار بمراد.
شعر أنه أصبح محاصرًا من كل جانب، فاضطر إلى الإجابة سريعًا:
مراد: لا يا أمي، لم أفعل لها شيئًا، ولم أمد يدي عليها.
ثم سكت لحظة، قبل أن يتابع:
مراد: بالأمس، بينما كنت أنا وباران نجلس في شقتي ونتحدث، طلبتُ منها أن تعد لنا القهوة. وبينما كنا نتحدث، سمعنا صوت ارتطام قوي بالأرض. خرجنا من الغرفة، فإذا بها ملقاة على الأرض فاقدة للوعي، وصينية القهوة إلى جانبها.
ثم أشار إلى باران:
مراد: اسألي باران إن كنتِ لا تصدقينني.
نظر باران إلى والدته، وقال وقد بدا عليه الاستغراب من شدة قلقها:
باران: صحيح يا أمي. تفاجأنا بها ملقاة على الأرض، وكانت فاقدة للوعي تمامًا.
اتسعت عينا عائشة أكثر، وضرب القلق قلبها بقوة.
عائشة: ولماذا لم تأخذها إلى المستشفى؟ أو تستدعِ طبيبًا ليفحصها ونعرف ما بها؟
أجابها مراد بسرعة:
مراد: لا يوجد شيء يدعو للقلق. عندما استعادت وعيها أخبرتني أنها مجرد حالة تعب وإرهاق، وأنها بخير.
لكن عزت، الذي كان يستمع إلى الحديث بصمت، رفع رأسه فجأة وقال بنبرة هادئة:
عزت: وكيف لا تعرضها على طبيب؟ ربما تكون زوجتك حاملًا.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم اتسعت عينا عائشة، وكأن الفكرة لمعت في رأسها فجأة.
سرعان ما تحولت ملامح القلق إلى فرحة ممزوجة بالدهشة.
عائشة: صحيح! ربما تكون حاملًا!
ثم التفتت إلى مراد بحماس:
عائشة: يجب أن نعرضها على طبيب لنتأكد!
تجمد مراد في مكانه.
شعر أن الموقف بدأ يخرج عن سيطرته.
مراد: لا داعي للطبيب الآن يا أمي. إذا تكرر معها الأمر فسآخذها إلى المستشفى.
لكن باران، الذي كان يراقب أخاه منذ بداية الحديث، قرر أن يزيد الطين بلة، فقال بمشاكسة:
باران: لا داعي للطبيب إذا كنت تغار على زوجتك يا أخي! اعرضها على طبيبة نسائية، فهي أدرى بهذه الأمور.
رمقه مراد بنظرة حادة، بينما كتم باران ابتسامته.
أما عائشة فكانت تنتظر الإجابة، وكذلك عزت.
شعر مراد بأنه حوصر تمامًا.
لم يعد أمامه مخرج مقنع.
صمت لحظة، ثم قال الكلمة التي وجد أنها الوحيدة القادرة على إنهاء هذا السيل من الأسئلة:
مراد: ديلان... حامل.
وكأن الكلمة كانت شرارة أشعلت الفرح في المكان.
تهللت أسارير عائشة، وارتسمت على وجه عزت ابتسامة واسعة.
نهض عزت من مكانه واتجه إلى ابنه، وربت على كتفه بسعادة:
عزت: مبارك يا بني! مبارك لكما.
فتح باران ذراعيه لاخيه يبارك له.
باران: مبارك لك يا اخي، ساصبح عما إذن.
اقتربت عائشة من مراد، وعيناها تلمعان بالفرح:
عائشة: الحمد لله! كنت أتمنى أن أسمع هذا الخبر.
احتضنته للحظات، ثم ابتعدت وهي تفكر في ديلان أكثر من أي شيء آخر.
لقد مضت ستة أشهر على زواجهما، ولذلك لم ترَ في الأمر غرابة، بل اعتبرت فقدانها الوعي أول علامة على الحمل.
قالت بحماس:
عائشة: سأجهز لها إفطارًا مغذيًا، يجب أن تتغذى جيدًا، خصوصًا في الأشهر الأولى، من أجل صحتها وصحة الجنين. وسأتحدث معها أيضًا لأحجز لها موعدًا عند طبيبة نسائية، حتى نطمئن عليها وعلى الجنين، وتتابع معها حتى يحين موعد الولادة بإذن الله.
ابتلع مراد ريقه بصعوبة.
كان يسمع كلمات أمه، وكل كلمة منها تزيد ثقل الكذبة التي ألقاها للتو.
الحمل...
لم يكن هناك حمل.
وهو يعرف ذلك جيدًا.
لكن الآن، وبعد أن خرجت الكلمة من فمه، أصبح التراجع عنها أكثر خطورة من قولها.
أما باران فكان يراقب أخاه بصمت.
لم يلحظ أحد شيئًا غريبًا في ملامح مراد سوى شحوب عابر سرعان ما أخفاه.
وبعد أن هدأت فرحة الخبر قليلًا، بدأ أفراد العائلة يتفرقون كلٌّ إلى عمله.
وقبل أن يغادر عزت المنزل متجهًا إلى عمله، اقترب منه باران وقال:
باران: أبي، كنت أريد أن أطلب منك شيئًا.
التفت عزت إليه باهتمام.
عزت: تفضل يا بني.
باران: أريد أن آخذ إحدى الغرف في الشقة التي أنشأتها في الطابق الرابع، فوق شقة مراد، وأجعلها ورشة لأعمالي، بما أنني سأستلم عملي قريبًا، سأحتاج إلى مكان أمارس فيه أعمالي وأحتفظ بأدواتي ورسوماتي بها.
ابتسم عزت وربت على كتف ابنه.
عزت: هي لك يا بني، لقد أنشأت ذلك الطابق من أجلك منذ البداية، وكنت أفكر أن يكون لك شقة مستقلة عندما تتزوج مستقبلًا.
ابتسم باران بسعادة.
باران: شكرًا يا أبي.
عزت: لا تشكرني. هذا حقك يا بني.
غادر باران ووالده المكان، وتبعهما بقية أفراد العائلة، حتى خلت غرفة الطعام إلا من عائشة.
بدأت تجمع الأطباق وترتب المائدة بسرعة، لكن عقلها لم يكن منشغلًا بالطعام ولا بالأواني،
كانت كل أفكارها عند ديلان.
رفعت عينيها نحو الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي، وابتسمت بحنان.
عائشة: مسكينة... لا بد أنها تحتاج إلى من يعتني بها الآن.
حملت بعض الأطباق، ثم قررت أن تصعد إليها بنفسها.
كانت تريد أن تطمئن عليها، وأن ترى بعينيها زوجة ابنها التي أصبحت، في نظرها، تحمل بين أحشائها أول حفيد للعائلة.
لكنها لم تكن تعلم أن الخبر الذي حملته في قلبها بكل ذلك الفرح...
لم يكن سوى كذبة اضطر مراد إلى اختلاقها في لحظة خوف.
كذبة صغيرة في نظره...
لكنها، من حيث لا يدري، بدأت تكبر منذ اللحظة التي نطق بها.
كانت دنيز جالسة على طرف سريرها، تحدّق أمامها بشرود، بينما تتزاحم الأفكار في رأسها.
منذ أن عرفت بمكان الرسالة، لم يعد يشغلها شيء سواها.
كانت تعيد في ذهنها كل الاحتمالات؛ كيف تصل إليها دون أن تشعر ديلان؟، كيف تنتزعها من مكانها دون أن تترك خلفها أثرًا يقود إليها؟.
لكنها لم تجد جوابًا بعد.
وبينما كانت غارقة في تفكيرها، جاء طرق خفيف على باب غرفتها.
رفعت رأسها.
دنيز: من؟.
جاءها صوت والدتها:
صفية: أنا.
دخلت صفية، وكانت قد جاءت من شقة أخ زوجها عزت، أغلقت الباب خلفها، ثم اتجهت إلى ابنتها وجلست بجانبها على السرير.
نظرت إليها دنيز للحظات، ثم سألتها دون اهتمام حقيقي:
دنيز: هل عرفتِ سبب تلك الحلويات التي أرسلتها زوجة عمي إلينا؟، هل وجدوا عروسًا لباران أيضًا؟.
تغيرت ملامح صفية، وانطفأت الابتسامة التي كانت على وجهها، ثم أجابتها بصوت يحمل شيئًا من المرارة:
صفية: لا... لم يجدوا عروسًا لباران.
توقفت لحظة، ثم قالت:
صفية: بل ديلان... زوجة مراد، حامل.
ما إن سمعت دنيز الكلمة الأخيرة حتى شعرت وكأن شيئًا حادًا اخترق صدرها.
اتسعت عيناها، ونهضت من مكانها دفعة واحدة.
دنيز: ماذا تقولين يا أمي؟!، ديلان حامل؟!.
نظرت إليها صفية باستغراب.
صفية: نعم، حامل. وما الغريب في الأمر؟
دنيز: كيف؟!.
رفعت صفية حاجبها، وكأن سؤال ابنتها لا معنى له.
صفية: كيف؟!، إنه أمر طبيعي بين الزوجين يا دنيز، ثم إنها تأخرت في الحمل، وقد مضى على زواجهما أكثر من ستة أشهر.
لم تسمع دنيز بقية كلمات والدتها،
كانت كلمة واحدة فقط تدور في رأسها:
حامل.
شعرت بأن الغرفة تضيق من حولها.
وبأن الحلم الذي بدأت تنعشه في داخلها، والذي ظنت أنها أصبحت قريبة من تحقيقه، يتسرب من بين أصابعها مرة أخرى.
هزت رأسها بعنف،
دنيز: لا... لا، هذا مستحيل!.
تراجعت إلى الخلف، ثم جلست على السرير وكأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
راحت الأفكار تنهش عقلها.
إذا كانت ديلان حاملًا، فلن يطلقها مراد بسهولة، بل حتى لو أراد ذلك، فلن تسمح له عائلته.
كيف سيقبل والداه أن يهدم زواج ابنهما وزوجته تحمل حفيدهما الأول؟.
لقد عادت إلى نقطة الصفر،
بل ربما أصبحت أبعد من الصفر،
كان كل شيء يتهاوى أمام عينيها.
مراد...
الزواج...
الرسالة...
وحتى الحلم الذي ظلت تتمسك به رغم كل شيء.
غطت وجهها بيديها، ثم انفجرت بالبكاء.
اقتربت صفية منها وربتت على كتفها بحنان، وهي لا تزال عاجزة عن فهم سبب هذا الانهيار كله.
صفية: اهدئي يا ابنتي... وانسيه. التفتِي إلى حياتك ومستقبلك. هناك ألف شاب يتمنونك.
رفعت دنيز وجهها الذي بللته الدموع، وقالت بانكسار:
دنيز: لكنني لا أريد ألف شاب...
سكتت لحظة، ثم خرجت الكلمات من بين شفتيها كأنها اعتراف مؤلم:
دنيز: أريد واحدًا فقط.
تنهدت صفية بحزن، وقالت:
صفية: لكنه تزوج يا ابنتي، والآن ينتظر طفلًا من زوجته، الأمر أصبح مستحيلًا، عليك أن تتقبلي ذلك.
هزت دنيز رأسها، ودموعها تنهمر من جديد.
صفية: انسيه يا دنيز، والتفتي إلى مستقبلك، لا تضيعي عمرك خلف رجل أصبح له بيت وزوجة وأسرة.
ظلت دنيز صامتة.
ومع مرور الدقائق هدأ بكاؤها تدريجيًا، حتى لم يبقَ سوى شهقات متقطعة.
وحين اطمأنت صفية إلى هدوئها، نهضت من مكانها.
صفية: سأذهب الآن لأعد العشاء لوالدك.
ثم نظرت إليها بحنان وأضافت:
صفية: فكري في كلامي يا ابنتي، لا تؤذي نفسك من أجل شيء لن يكون لكِ.
أومأت دنيز دون أن تجيب.
خرجت صفية وأغلقت الباب خلفها.
ساد الصمت.
انتظرت دنيز حتى ابتعدت خطوات والدتها، ثم مسحت دموعها ببطء.
نهضت من السرير.
خطت نحو المرآة.
وقفت أمام انعكاسها طويلًا.
كانت عيناها لا تزالان حمراوين من البكاء، لكن شيئًا آخر بدأ يظهر في ملامحها.
شيء أكثر قسوة.
حدقت في صورتها وكأنها تحاول أن تجد إجابة لسؤال عجزت عن دفنه.
ثم قالت بصوت خافت:
دنيز: لماذا فضلتها عليّ؟،
ارتجف صوتها.
دنيز: ما الذي لديها وجذب انتباهك إليها؟، ما الذي تملكه ولا أملكه أنا؟،
سكتت.
ثم راحت تحدق في نفسها بنظرة مختلفة.
لم تعد تلك الفتاة المنهارة التي كانت تبكي قبل دقائق، بدأ الغضب يحل محل الحزن، وتحوّل الوجع إلى حقد.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة.
دنيز: لا...
ثم هزت رأسها ببطء،
دنيز: لن أتركها تفرح بذلك الطفل.
وضعت يدها على حافة المرآة، واقتربت من انعكاسها.
دنيز: يجب أن يكون كل شيء كما أريد... يجب أن تسقط ديلان ذلك الجنين، وأن أفصلها عن مراد، ذلك الطفل يجب ان يكون طفلي انا لاهي.
ثم تذكرت الرسالة.
تغيرت ملامحها، وكأنها عثرت فجأة على الخيط الذي قد يقودها إلى ما تريد.
دنيز: الرسالة...
همست بها، ثم ابتسمت.
دنيز: إذا حصلت عليها، فسأجعل مراد يصدق أنها خانته، وحينها لن يبقى أمامه سوى طلاقها.
توقفت للحظة، ثم قالت بنبرة امتلأت بالعداء:
دنيز: سأنتزعها منها... مهما طال الوقت.
ثم نظرت إلى انعكاسها مرة أخرى، وقالت وكأنها تقسم:
دنيز: وسأعيدها إلى الجحر الذي جاءت منه... ولن أسمح لها أن تأخذ مني حياتي وحلمي.
ساد الصمت في الغرفة.
أما دنيز، فكانت قد اتخذت قرارها.
لم يعد الأمر بالنسبة إليها مجرد حب لرجل تزوج امرأة أخرى.
لقد تحوّل إلى رغبة عمياء في إسقاط ديلان بأي ثمن.
وكانت الرسالة...
هي المفتاح الثاني الذي ظنت أن بوسعها استخدامه لفتح باب الانتقام.
في شقة مراد...
كان المساء قد أرخى سدوله حين عاد مراد من عمله، وما إن أغلق باب الشقة خلفه حتى وجد ديلان تنتظره في غرفة الجلوس.
كانت جالسة بصمت، لكن ملامحها لم تكن هادئة على الإطلاق.
كانت تنتظره منذ وقت طويل، وكلما سمعت صوت خطوات في الخارج، ازداد اضطراب قلبها.
وما إن دخل حتى نهضت من مكانها دفعة واحدة، واستقبلته بنظرة امتزج فيها الغضب بالخوف.
ديلان: ما الذي فعلته؟!.
توقف مراد مكانه، وعقد حاجبيه.
مراد: ماذا تقصدين؟.
اقتربت منه خطوة، وصوتها يرتجف من شدة انفعالها:
ديلان: كيف استطعت أن تقول لوالديك إنني حامل؟!، كيف قلتها بهذه السهولة؟، أنا لن أستمر في هذه الكذبة يا مراد!.
تنهد مراد، وألقى مفاتيحه جانبًا، ثم قال بفتور:
مراد: لم أجد جوابًا مقنعًا عندما حاصرني والداي بأسئلتهما عن سبب إغمائك، ثم إنهما لاماني لأنني لم أعرضك على طبيب أو آخذك إلى المستشفى للاطمئنان عليك.
رفع عينيه إليها وأضاف:
مراد: وعندما طرح أبي احتمال الحمل... لم يخطر في بالي سوى ذلك.
حدقت ديلان فيه غير مصدقة.
ديلان: كان بإمكانك أن تنفي الأمر!، كان بإمكانك أن تقول إنك لا تعرف سبب إغمائي، أو إنك ستأخذني إلى الطبيب لاحقًا. لكنك اخترت أن تجاريهم في الكذبة!.
اقتربت منه أكثر، وقد بدأت المرارة تتسلل إلى صوتها:
ديلان: أنا لن أستطيع خداع والديك بهذه الطريقة، لقد فتحا قلبيهما لي قبل أن يفتحا لي بيتهما، وعاملاني كواحدة من العائلة، كيف تريدني أن أقف أمامهما كل يوم وأتظاهر بأنني أحمل طفلًا لا وجود له؟.
ظل مراد صامتًا للحظات.
كان يعرف أنها محقة، لكنه لم يكن مستعدًا للاعتراف بذلك.
قال أخيرًا:
مراد: لم أجد جوابًا أمام إصرارهما على الطبيب، أمي كانت على وشك الاتصال بإحدى الطبيبات النسائية.
توقف لحظة، ثم قال:
مراد: ماذا كنتِ تريدينني أن أفعل لو اكتشفت الطبيبة الحقيقة؟.
نظرت إليه ديلان طويلًا.
ثم قالت بصوت أكثر هدوءًا، لكنه كان أشد وقعًا:
ديلان: أي حقيقة يا مراد؟.
لم يجب.
تابعت:
ديلان: هل كنت تخشى أن تكتشف الطبيبة أنني لست عذراء؟.
خفض مراد عينيه للحظة.
ديلان: وهذا أمر طبيعي الآن، فأنا امرأة متزوجة.
ثم اقتربت منه أكثر، وكأنها تريد أن تنتزع منه الحقيقة انتزاعًا:
ديلان: أم كنت تخشى العكس؟.
رفع مراد عينيه إليها.
تابعت ديلان:
ديلان: كنت تخاف أن تكتشف الطبيبة أنني ما زلت عذراء، وأن كل ما قيل لك عني لم يكن سوى كذبة... أليس كذلك؟.
ساد الصمت.
كان سؤالها قد أصاب الموضع الذي حاول مراد الهرب منه طويلًا.
ثم قالت، وعيناها لا تفارقان عينيه:
ديلان: هل بدأت تشك في الكلام الذي قيل لك عني؟.
لم يحتمل مراد المزيد.
انفجر غاضبًا:
مراد: أغلقِي هذا الموضوع الآن!.
ارتدت ديلان خطوة إلى الخلف.
ساد الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمتًا هادئًا.
كان مليئًا بأشياء لم تُقل.
أخذ مراد نفسًا عميقًا، ثم قال محاولًا إنهاء الحديث:
مراد: ستمر أيام... وربما أسابيع، ثم نقول لهما إننا فقدنا الجنين. وتنتهي المسألة.
نظرت إليه ديلان طويلًا.
وفجأة، بدا لها أن الصورة اكتملت.
لقد فهمت الآن لماذا اختار مراد هذه الكذبة تحديدًا.
لم يكن الحمل مجرد مخرج من مأزق اللحظة.
بل كان مخرجًا للمستقبل أيضًا.
قالت بصوت خافت، وقد انكسر شيء في نبرتها:
ديلان: أنت تعمدت أن تقول لهم إنني حامل...
لم يجب.
اقتربت منه خطوة، وعيناها تحملان خيبة عميقة:
ديلان: انتهزت تلك اللحظة فرصة، أليس كذلك؟.
ظل صامتًا.
ديلان: كنت تعرف أنه إذا اكتشفوا لاحقًا أنني لست حاملًا، فستكون أمامك ذريعة جاهزة.
ارتجف صوتها وهي تكمل:
ديلان: ستقول إننا فقدنا الجنين... ثم يصبح طلاقي أمرًا سهلًا، ولن يلومك أحد، ستبدو وكأنك رجل فقد طفله، لا رجل يبحث عن حجة للتخلص من زوجته.
رفع مراد عينيه إليها.
لم يجد في وجهها غضبًا هذه المرة فقط...
بل وجد شيئًا أشد قسوة،
لقد رأت ما كان يحاول إخفاءه.
وربما للمرة الأولى شعر أنها أصبحت تعرف طريقة تفكيره أكثر مما كان يتمنى.
قالت ديلان بصوت مكسور:
ديلان: لهذا قلتها انني حمل، أليس كذلك؟.
لم يجب.
وكان صمته أبلغ من أي اعتراف،
شعرت ديلان بوخزة في قلبها،
لم يكن يؤلمها أن الكذبة ستنكشف فحسب...
بل كان يؤلمها أنه، حتى في اللحظة التي كان يمكن أن ينقذها فيها من مشكلة جديدة، كان يفكر في اليوم الذي سيتخلص فيه منها.
خفضت عينيها، وقالت:
ديلان: حتى كذبتك... وجدت فيها طريقًا للخلاص مني.
لم يملك مراد جوابًا،
استدار عنها، وكأن الكلمات أصبحت أثقل من أن يحتملها، ثم اتجه إلى الأريكة وألقى بجسده عليها.
أسند رأسه إلى الخلف وأغمض عينيه.
أما ديلان فبقيت واقفة في مكانها للحظات، تنظر إليه بصمت.
كان بينهما الآن سر جديد...
كذبة حمل لم يحدث بعد،
لكنها لم تكن تعرف أن هذه الكذبة، بدل أن تنهي زواجهما كما خطط مراد، قد تكون بداية سلسلة من الأحداث التي ستقلب حياة الجميع رأسًا على عقب.
في اليوم التالي...
وقفت دنيز خلف نافذة غرفتها تراقب الطريق بصبر نافذ، كانت عيناها معلقتين بباب المنزل، تنتظر اللحظة التي يغادر فيها مراد إلى عمله.
وما إن رأته يخرج، حتى بقيت تتابعه بعينيها حتى ابتعد، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة.
دنيز: الآن... حان الوقت.
لم تكن تفكر في شيء سوى أسقاط جنين ديلان ثم اخذ تلك الرسالة.
الرسالة التي أصبحت بالنسبة إليها مفتاحًا لتحقيق ما تريد، وإسقاط جنين ديلانالذي سيخرجها من حياة مراد.
أسرعت في الاستعداد، ثم صعدت إلى شقة ديلان وطرقت الباب.
فتحت ديلان، وما إن رأتها حتى فوجئت بدنيز تندفع نحوها وتحتضنها، ثم طبعت قبلتين على وجنتيها.
دنيز: مبارك يا ديلان! لقد فرحت كثيرًا عندما علمت بخبر حملك. أسأل الله أن يتمم لكِ على خير.
ابتسمت ديلان بخجل.
ديلان: شكرًا لكِ.
دخلت دنيز واتجهت إلى الأريكة وجلست، بينما قالت ديلان:
ديلان: انتظري، سأحضر لكِ شيئًا تشربينَه.
لكن دنيز أسرعت إلى منعها.
دنيز: لا، لا تفعلي. اجلسي أنتِ.
ثم نظرت حولها، وتظاهرت بالقلق.
دنيز: رائحة الشقة كلها غبار! هذا ليس جيدًا لصحتك ولا لصحة الجنين.
نظرت ديلان حولها باستغراب.
ديلان: لكنني أنظفها كل يوم وأفتح النوافذ باستمرار. بالأمس فقط كنت متعبة جدًا، لذلك لم أفتح الشقة لتتهوى، لكن كل شيء نظيف.
هزت دنيز رأسها وكأنها غير مقتنعة.
دنيز: لا يا ديلان، في هذه الفترة يجب أن تكون الشقة نظيفة ومعطرة باستمرار، خصوصًا من أجلك ومن أجل الجنين الذي لا يزال في طور النمو.
ثم أضافت، وقد تعمدت أن تزرع في قلبها الخوف:
دنيز: ثم إن زوجك إذا رآكِ مهملة هكذا، فقد ينفر منكِ، وعندها قد يجد امرأة أخرى تعرف كيف تغريه وتأخذه منك.
تغيرت ملامح ديلان للحظة، لكنها لم تجب.
أما دنيز فقد وجدت الفرصة التي جاءت من أجلها.
نهضت من مكانها.
دنيز: سأساعدكِ في تنظيفها.
ديلان: لا، لا داعي، أستطيع أن....
قاطعتها دنيز:
دنيز: أنتِ الآن يجب أن ترتاحي، وأنا سأفعل ذلك بدلًا منك.
بدأت بتحريك الأثاث، تدفع الأريكة من مكانها وترفع السجاد وتنقله إلى الشرفة.
كانت تتحرك بنشاط مبالغ فيه، وكأنها بالفعل جاءت لمساعدة ديلان.
ثم ملأت دلوًا بالماء وأضافت إليه الصابون، وبدأت تنظف الأرضية.
لكن عينيها لم تكونا منشغلتين بالتنظيف.
كانتا تبحثان عن الرسالة.
كانت تعرف أن ديلان أخفتها في الشرفة، لكنها لم تكن تعرف المكان بدقة.
وبينما كانت تتظاهر بالانشغال، راحت تراقب الشرفة بين لحظة وأخرى.
ثم فجأة...
تعمدت أن تتعثر.
دنيز: آه!.
سقطت على الأرض، وأمسكت بكاحلها وهي تتأوه.
أسرعت ديلان إليها مذعورة.
ديلان: دنيز! ماذا حدث؟.
دنيز: أظن أنه قد التوى كاحلي...
ساعدتها ديلان على النهوض والجلوس على الأريكة، ثم أسرعت إلى المطبخ لتحضر لها عصيرًا باردًا.
ديلان: اشربي هذا، ربما يخفف عنكِ قليلًا.
أخذته دنيز منها، وتظاهرت بأنها تحاول السيطرة على ألمها.
لكنها في داخلها كانت غاضبة من نفسها.
دنيز في سرها: ليس الآن... يجب أن أصل إلى الرسالة قبل أن يعود أحد.
مرت دقائق، ثم نهضت من جديد.
ديلان: دنيز، لا تجهدي نفسك.
دنيز: لا تقلقي، أنا بخير. سأكمل قليلًا فقط.
ديلان : لا إجلسي وإرتاحي انت.
دنيز : إذن سأذهب واجلس بالشرفة ختى لا اعيقك عن العمل.
في الطابق السفلي، كان باران مستلقيًا في غرفته حين وصل إلى مسامعه صوت جرّ الأثاث وتحريك الأشياء القادمة من الأعلى.
فتح عينيه، ثم نهض وجلس على طرف السرير.
استمع للحظات.
باران: ما هذه الأصوات؟.
خرج من غرفته واتجه نحو والدته.
باران: أمي، ما الذي يحدث في الأعلى؟، هل زوجة أخي هي التي تقوم بهذه الأعمال؟، أليس هذا خطرًا عليها، خصوصًا في الأشهر الأولى من الحمل؟.
نظرت إليه عائشة وأجابته بهدوء:
عائشة: إنها دنيز يا بني، صعدت إلى ديلان لتساعدها في تنظيف الشقة، بارك الله فيها، عندما علمت بحمل ديلان أرادت أن تقوم بالتنظيف بدلًا عنها.
توقف باران لحظة.
باران: دنيز تساعد زوجة أخي في تنظيف شقتها؟.
ثم عقد حاجبيه.
باران: ومن أخبرك بذلك يا أمي؟.
عائشة: أرسلت ملك إليها منذ قليل لتسألها إن كانت تريد شيئًا مخصوصًا للغداء، فانت تعلم الحوامل في هذه الاشهر قد يشتهون بعض الاطعمة، فأخبرتني ملك أن دنيز عند ديلان لتنظيف الشقة.
تغير وجه باران.
لم يعرف لماذا شعر بالقلق فجأة،
لكنه لم يستطع تجاهل ذلك الشعور.
باران في نفسه: دنييييز؟.
استدار وخرج من الشقة دون أن يقول شيئًا، ثم صعد الدرج بسرعة.
في الأعلى...
كانت دنيز قد انتظرت اللحظة المناسبة.
وحين انشغلت ديلان بالتنظيف وبترتيب بعض الأشياء، اتجهت بخفة نحو الاصيص المعلق قيغ الشرفة.
راحت عيناها تبحثان بين الأصص وهي مختفية خلف السجاد والأغراض الموضوعة هناك.
دنيز في سرها: أين أخفيتها؟.
كانت على وشك رفع أحد الأصص حين...
طرقٌ سريع على الباب، كانت خبطات قوية تتهاوى على الباب، افزعته وتوقفت عنما كانت تبحث، وإختبأت في زاوية لترى من القادم الذي يطرق الباب تلك القوة.
تجمدت في مكانها.
ارتبكت.
دنيز في سرها: من هذا الآن؟!.
أما ديلان، فأسرعت إلى غرفتها، ارتدت حجابها ونقابها، ثم عادت إلى الباب.
فتحته وهي تلهث من التعب.
وما إن رأت باران أمامها حتى اندفع إلى الداخل دون انتظار دعوة.
باران: ما الذي تفعلينه يا زوجة أخي؟!.
ثم نظر حوله بقلق.
باران: أنتِ من تنظفين الشقة؟، أين دنيز؟، قالت لي أمي إنها جاءت لتقوم بهذا بدلًا منكِ!.
أجابت ديلان بسرعة:
ديلان: كانت هي من تنظف، لكنها انزلقت والتوى كاحلها.
التفت باران إليها بدهشة.
باران: وأين هي؟.
وقبل أن تجيب، ظهرت دنيز من جهة الشرفة وهي تتظاهر بصعوبة الحركة، وتضع يدها على جنبها وهي تعرج.
دنيز: لقد جئت لأنظف الشقة بدلًا منها، لكن كما ترى... التوى كاحلي.
حدق باران فيها،
لم تعجبه القصة،
او لم يصدقها من الاساس،
اقترب منها خطوة.
باران: أريني موضع الألم،
تجمدت دنيز.
ثم شعرت بالخوف يتسلل إلى قلبها.
كانت تعرف أن باران يراقب التفاصيل جيدًا.
دنيز: لا... لا داعي.
ثم التفتت نحو الباب بسرعة وقالت:
دنيز: أظن أن أمي تناديني!، لقد سمعت صوتها يأتي من الأسفل.
وقبل أن يمنحها فرصة أخرى للكلام، أسرعت بالخروج من الشقة، متناسية تمامًا كاحلها الذي كانت قبل لحظات تتأوه من ألمه.
تبعها باران بعينيه حتى اختفت عن الأنظار.
ثم التفت إلى ديلان.
وقال بنبرة تحمل شيئًا من السخرية:
باران: أرأيتِ تلك التي كانت منذ لحظات تدّعي أن قدمها تؤلمها؟.
ابتسمت ديلان بحرج.
ديلان: ربما خافت منك عندما صرخت عليها، وظنت أنك ستوبخها... وربما تخبر مراد، وأنت تعرف جيدًا عصبيته.
ظل باران صامتًا للحظة.
ثم نظر إليها بتأمل.
باران في نفسه: أمي معها حق... هذه الفتاة طيبة أكثر مما ينبغي.
كانت ديلان تبرر حتى لمن حاول خداعها.
تنهد، ثم قال وهو يتجه نحو الباب:
باران: انتبهي إلى نفسك جيدًا يا زوجة أخي، لا ترهقي نفسك في هذه الأشهر، وكوني حذرة.
ثم توقف لحظة، ونظر إليها بجدية.
باران: واحذري من دنيز.
تجمدت ديلان للحظة عند سماعها تلك الكلمات.
أما باران فلم ينتظر ردها،
فتح الباب، ثم أغلقه خلفه ونزل إلى الطابق السفلي.
وبقيت ديلان واقفة في مكانها، تحدق في الباب بعد رحيله.
لم تكن تعرف لماذا قال لها باران أن تحذر من دنيز...
لكن شيئًا في نبرة صوته جعل قلبها يشعر بأن تحذيره لم يكن عابرًا.