رواية وداد الحب الفصل الثاني2بقلم فاطمة شلبي


رواية وداد الحب الفصل الثاني2بقلم فاطمة شلبي

بارت ( 2 ) ..
مفاتش وقت كتير.. كان الممر الطويل في المستشفى بيغلي بتوتر يكتم الأنفاس.. الكل كان واقف قدام باب العمليات اللي دخلته "ملك" بمجرد ما وصلت وهي بين الحيا والموت...المكان كان خالي من تلاتة (يوسف، وأمه سهام، وأبوه عماد. )

​زين كان واقف رايح جاي دماغه هتنفجر ومش قادر يستوعب ازاي الوضع وصل بين أخته وجوزها للي حصل ده وفي نفس الوقت كان هيموت من الخوف على ملك وعقله مشتت بين إنه يفضل يهدي أمه "ثريا" بقلم فاطمةشلبي اللي منهارة في العياط،ولا يسيب كل حاجة ويروح يقتل يوسف ويشرب من دمه...وكان "زياد" واقف وعروقه بارزة في رقبته وإيديه مضمومة بقوة مش طايق حتى نفس حد يقرب منه.

​أما الكبار.. فكان الجد "عثمان" قاعد وساند راسه على عصايته بقلة حيلة وكسرة نفس أول مرة تظهر عليه وجنبه "أمينة" بتدعي وعيونها مليانة دموع ومثبتة إيدها على كتفه.."وفاء" كانت واخدة "حبيبة" في حضنها وبتطمنها وحبيبة جسمها كله بيرتعش من الرعب اللي شافته في الأوضة..وعلى الناحية التانية كان الحاج "عمرو" و"عبد العزيز" واقفين ونظراتهم كلها ضيق وقرف من الفضيحة والوضع اللي وصلوا له.

​وفجأة.. قطع السكون ده صوت خطوات قريبة.. رفعوا عيونهم لقوا "يوسف" جاي ووراه أبوه "عماد" و"سهام"داخلة وراهم بكل برود الدنيا.

​زياد أول ما لمح وش يوسف.. عقله طار.. هجم عليه زي القذيفة وقبل ما يوصل له كان "زين" بيتحرك يلحقه بس متأخر.. مسك زياد يوسف من رقبة قميصه بكل غله وزقه في الحيطة وبنبرة فحيح مرعبة قال..
​_ أنا قولتلك لو لمحت خلقتك هنا هموتك! أختي لو جرالها حاجة صدقني مش هسيبك عايش!

​زين دخل بينهم بصعوبة وهو بيحاول يفك إيد أخوه من رقبة يوسف وهتف بصوت جهوري مكتوم..
​=  خلاص يا زياد مش وقته.. إحنا في مستشفى.. لينا بيت نتلم فيه!

​هنا سهام ربعت إيدها واتكلمت ببرود مستفز..
​_ واحد جاي يشوف مراته.. في إيه جاي تضربه؟!

​زياد التفت ليها وعيونه بطق شرار بس زين هو اللي رد ببرود حاد ونظرة جامدة أخرستها..
​= مش وقته الكلام ده.. وبعدين لو خايف عليها..ليه من الأول مد إيده على أختي؟!

​يوسف رد ببرود..وبالرغم من إن وشه كان كله جروح وعلامات ورم من علقة زياد... إلا إنه قال..
​"_ دي حاجة تخصنا..!"

​الكلمة لسه مالحقتش تطلع من بوقه..ولقى الحاج "عمرو" بيقرب منه بخطوات سريعة وزي الإعصار.. وفجأة! شق هدوء المستشفى صوت "قلم حامي" نزل على وش يوسف قلم هز طرقة المستشفى كلها وسط ذهول و صدمة كل اللي واقفين!

​سهام شهقت بخضة وحطت إيدها على بوقها برعب وعماد وقف مكانه مش عارف ينطق ولا يقول إيه على الخيبة اللي ابنه عملها.. عمرها ما حصلت في عيلة الشهاوي كلها إن راجل يمد إيده على مراته ويسيل دمها بالشكل ده..!

​وسط الدوشة دي كلها.. كان الجد "عثمان" قاعد مكانه متابع كل تفصيلة في صمت غريب يخوف.. ملامحه كانت حجر وقرر في سره إن الموضوع ده مش هيمر مرور الكرام ..بس لما يطمن على ملك الأول.

_________________//______________//______________

في الوقت اللي كانت فيه الطرقة بتغلي.. كان "ياسين" واصل المستشفى وخطواته سريعة وملامحه مقلوبة.. أول ما مريم كلمته وهي بترتعش من الرعب وحكت له على اللي حصل ساب كل حاجة في إيده وجري.. ياسين كان متوقع من يوسف أي طيش أو مشاكل..بس إنه يوصل لإنه يمد إيده على بنت عمه.. دي اللي مكانتش تخطر له على باله..!

​أول ما دخل الطرقة..لقى الجو مشحون لدرجة تخنق والكل متباعد...لمح أخوه "يوسف" واقف في زاوية لوحده..منبوذ ومفيش حد راضي حتى يبص في وشه بعد القلم اللي أخده من عمهم عمرو...قرب ياسين منه بخطوات ثابتة.. ووقف جنبه وسند ضهره على الحيطة..وبص له بقرف وهمس بضيق حاد..
​_ أنت ازاي تعمل كده يا بني آدم أنت؟! جبت البجاحة بتاعتك دي منين؟!

​يوسف بصله بطرف عينه وسكت ملامحه كانت جامدة ومفيهاش أي ندم..ياسين نفخ نفس طويل وهو حاسس بالاشمئزاز من تصرفات أخوه..وتابع بنبرة لوم..
_ لو جدي ولع فيك دلوقتي.. يبقى له كل الحق!

​يوسف جز على سنانه..ورد بصوت واطي ومكتوم وهو بيبص للأرض..
​= مبقاش غيرك أنت كمان يجي يديني نصايح دلوقتي..!

​ياسين نفد صبره..وقرب وشه منه وضغط على كلامه..
​_  أنت معندكش دم؟! بعد كل اللي عملته ده ولسه بتقاوح؟.. أنا مش فاهمك!

​هنا يوسف رفع عينه وبص لياسين باستغراب وهز راسه بسخرية
​= ومن إمتى فهمتوني أصلاً؟! قولتلكم من الأول مش عاوزها.. كلكم بصيتوا للمصلحة..

​ياسين لقى يوسف بدأ يخترف في الكلام وهيفتح سيرة الجوازة  فـ قطع كلامه بسرعة وحسم وهو بيبص لآخر الطرقة..
​_ خلاص خلاص مش وقته الكلام ده.. الدكتور خرج!

​اتفتحت أبواب العمليات..وخرج الدكتور وهو بيقلع الكمامة بتعب وفي ثانية واحدة كانت العيلة كلها وعلى رأسهم زين وزياد والجد عثمان..بيجروا عليه مستنين الكلمة اللي هتحسم مصير ملك..
قرب الحاج عمرو بخطوات مرعوبة سابقة أنفاسه.. ولأول مرة تتهز هيبته وهو بيبص للدكتور ويسأله بصوت يترعش من القلق..
_ ​"طمني يا دكتور.. بنتي كويسة ؟؟"

​الدكتور بص لهم بنظرة أسف ممزوجة بصرامة.. وقف في وسطهم 
= للأسف يا جماعة.. الحالة اللي جوة دي متعرضة لضرب شديد أوي! وده سبب لها إجهاض.. الجنين مستحملش وللأسف فقدناه.

​الكلمة نزلت على الروس كأنها قنبلة فجرت المكان.. ثريا صرخت والكل شهق بصدمة حلت على الطرقة كأنها شلل...حبيبة حطت إيدها على بوقها بقلم فاطمةشلبي وعيطت بذهول ورعب وهي مش مصدقة إن يوسف وصل بيه الجبروت للدرجة دي.. قتل ابنه بإيده زين وزياد عيونهم لفت وبصوا ليوسف بنظرات لو كانت بتقتل.. كان يوسف اتفرم في مكانه.

​وقبل ما حد يستوعب الصدمة..كمل الدكتور بجدية حازمة مفيهاش تراجع..
= إحنا لازم ومضطرين قانوناً نعمل محضر وناخد أقوالها أول ما تفوق.. استأذنكم.

​سابهم الدكتور ومشي وكلمة "محضر" رنت في ودن الجد عثمان  دي مش هتبقى مجرد فضيحة دي قضية وجناية هتدخل اسم الشهاوي أقسام الشرطة.

​مفاتش دقيقة..واتفتحت أبواب العمليات تاني وخرجت "ملك" على الترولي عشان تتنقل أوضة عادية..ملامحها كانت عبارة عن لوحة من الذبول والكسرة وشها شاحب وهارب منه الدم وعيونها المقفولة بتحكي وجع وكسرة نفس مش هتدبل وتتمحي بسهولة.

 جريت وراها ثريا وحبيبة بدموعهم.. والرجالة واقفين مكانهم والجو بينهم بقى أشبه بساحة حرب حقيقية مستنية أول طلقة
​ساد الصمت في الطرقة بعد كلام الدكتور عن المحضر والتفت الجد "عثمان" بملامحه الحجرية وبص لـ "زين" واتكلم بنبرة هادية بس فيها أمر..
​_ زين.. أنا مش عاوز الشرطة تدخل تحل بينا من إمتى يا بني حصل الكلام ده؟!

​زين بص لجده بهدوء شديد وعقلانية تداري البركان اللي بيغلي جوة صدره وهز راسه بطاعة واحترام لكبير العيلة..
​= اللي أنت عاوزه هيحصل يا جدي متقلقش.

​التفت عثمان بعدها لـ "عماد" وعيونه اسودت من الغضب الشديد ونطق بحدة خلت عماد يتسمر مكانه..
​_ أنا مش طايق أشوفك لا أنت ولا ابنك! خده وغور من قدامي.. وياريت تاخد مراتك معاك الدنيا مش ناقصاها.

​عماد بص لأبوه بذهول وصدمة من الطردة المهينة قدام إخواته وولادهم بس ملقاش أي حل غير إنه يلم الموضوع وينقذ ما يمكن إنقاذه...أخد يوسف في إيده ومشيوا ومن وراهم كانت "سهام" بتجر رجليها ونظرات عيونها كلها غيظ وشر وغل مالي قلبها من ثريا وبنتها.

​في الناحية التانية.. كانت "ثريا" قاعدة على الكرسي وساندة راسها على كتف جوزها "عمرو" وهي بتبكي في صمت وقلبها كأم بيتقطع من القلق والوجع على بنتها.
​وسط ده كله "ياسين" مرضيش يمشي مع أبوه وأمه وأخوه وفضل واقف عشان يطمن على بنت عمه  بس "زياد" بصله باحتقار شديد وضيق وقاله بنبرة مستهزئة ومستفزة..
​_ وأنت يعني اللي هتعملي فيها شهم؟! روح وراهم..!

​زين بص لزياد بنظرة حازمة عشان يسكت وما يولعش الدنيا مع ياسين في وقت مش مناسب واتدخل عمهم "عبد العزيز" وقال بهدوء ورزانة..
​_ زياد خلاص كفاية كده.. عاوزين نطمن على أختك الأول.
________________//______________//_______________

​فات تقريباً ساعتين ونص والكل على أعصابه لحد ما بدأت "ملك" تفوق جوا الأوضة وصوت أنين وجعها وتعبها واصل لبرا.. خرجت الممرضة من عندها.. فالكل جري عليها بلهفة وخوف..
"طمنينا يا بنتي؟!"

ابتسمت الممرضة بهدوء وقالتلهم..
= ​مفيش حاجة يا جماعة اطمنوا.. المريضة فاقت بس واحد بس اللي يدخلها دلوقتي عشان متتعبش.

​زين رد بسرعة وبدون تفكير وعينه على الباب بلهفة أخ..
_ ​"أنا هدخل أشوفها وأطمنكم."

​فتح زين الباب براحة ودخل الأوضة بخطوات هادية.. بس أول ما عينه وقعت على السرير.. قلبه اتقبض "ملك" أخته البنت اللي كان بيشوفها دايماً مالية البيت حركة بقلم فاطمةشلبي كانت دبلانة كأنها ورقة شجر في الخريف.. وشها الجميل كان مليان كدمات وبتحكي قسوة الجبروت اللي اتعرضت له.

​قرب عليها بحزن مالي ضلوعه..وسحب الكرسي وقعد جنبها وهو بيبص لها بقلة حيلة.. ملك حست بالحركة حواليها فـ فتحت عينيها ببطء وتعب وأول ما ميزت ملامحه..همست بصوت مخنوق ومكسور..
​"_ ززين.."

​زين حاول يرسم على وشه ابتسامة هادية يطمنها بيها. وباس إيدها بحنية..
​= حمدالله على سلامتك يا حبيبتي.

​تلقائياً وبمجرد ما شافت الأمان في عيون أخوها دموعها نزلت زي السيل على خدها المجروح..زين مقدرش يستحمل المنظر مد إيده بسرعة ومسح دموعها بأصابعه. وبنبرة صوته اللي طالع منها شرار الغضب.. حلف وقال..
​_ صدقيني يا ملك.. وحياة دموعك الغالية دي لاجيبلك حقك والي عمل فيكي كده حسابه معايا أنا!

​ملك مسمعتش كلامه عن الحق.. كان في حاجة تانية واجعة قلبها ومرعبة روحها..همست وسط دموعها وهي بتحرك إيدها المرتعشة ببطء وتثبتها على بطنها بنظرة رعب..
​"_ ابني يا زين..؟!"

​زين اتسمر مكانه.. بص في عيونها وسكت.. ملقاش الكلمة اللي يقدر يكسر بيها قلبها...بس سكوت زين ونظرته المكسورة للأرض كانوا الإجابة اللي ملك خايفة منها..
​فهمت ملك كل حاجة في ثانية واحدة.. وانفجرت في بكاء هستيري وصرخات وجع هزت الأوضة كانت بتصرخ بدموع قهر على حتة منها راحت بسبب ظلم وضغط.. زين حاول يضمها ليه ويهديها بس كانت في حالة غياب عن الوعي من الصدمة.

 جري بسرعة ونده للممرضة اللي جت تجري..ومع دوشة صراخها.. الباب اتفتح ودخل الكل ورا بعض بلهفة.. واتصدموا واتجمدوا مكانهم من حالة الانهيار المرعبة اللي ملك فيها.
​الممرضة جهزت حقنة مهدئ بسرعة وضختها في المحلول.. ومفاتش دقيقة لحد ما بدأ جسم ملك يرخي وعيونها تقفل وهي لسه بتشهق بدموعها والكل انسحب وخرج برا الطرقة بسكات تام.

​وسط الذهول ده كله.. كانت "حبيبة" واقفة في زاوية بعيد لوحدها ساندة ضهرها على الحيطة الباردة وجسمها كله بيترعش.. مش قادرة تستوعب ولا تستحمل الرعب اللي بيحصل في عيلتها ولا قادرة تصدق إن يوسف ابن عمها بالوحشية دي كلها!

بعد ما الجو هدي نسبياً وملك نامت تحت تأثير المهدئ، بدأ الكل يستعد للمغادرة..زياد أخد الحاجة "ثريا" اللي مكنتش قادرة تقف على رجليها ومعاهم الجد "عثمان" والجدة "أمينة" عشان يروحهم البيت في حين إن الحاج عمرو أخد عبد العزيز ووفاء في عربيته والوجوم والضيق مسيطر على ملامحهم كلها.

​قبل ما يمشوا التفت زين وبص لعمُه عبد العزيز وقال بنبرة هادية بس هادية..
​_أنا هفضل هنا مع ملك يا عمي.. ويا ريت حبيبة تفضل معايا عشان لو ملك فاقت واحتاجتها جنبها.

​عبد العزيز بص لحبيبة المرعوبة وبعدين لزين.. وهز راسه بالموافقة ثقة في رجولة زين وأمانته.. وفي اللحظة دي قرب "ياسين" خطوة ووضع إيديه في جيوب بنطلونه وبص لزين وقال بجدية..
​_ وأنا هفضل معاكم.. مش هسيبكم لوحدكم هنا..

​زين بصله بنظرة طويلة..كان فيها عتاب وتقدير في نفس الوقت.. عتاب على اللي عمله أخوه يوسف.. وتقدير لأن ياسين اختار يقف مع الحق وميمشيش مع أهله بقلم فاطمةشلبي.. هز زين راسه بسكات.. وبدأ الممر يفضى لحد ما بقوا هم التلاتة بس اللي واقفين في طرقة المستشفى الباردة.

​ياسين انسحب بالراحة وقعد على كراسي الانتظار البعيدة..وساب مساحة لزين وحبيبة
قعد زين جنب حبيبة وعيونه كلها قلق عليها..وبص لملامحها المخطوفة وقال بصوت واطي..
​"_ أنتِ كويسة ؟؟"

​حبيبة انتبهت لصوته..واتنهدت بتعب وإرهاق وهزت راسها..
​= الحمد لله... أنا مش مصدقة اللي بيحصل!

​زين سند ضهره لورا بإرهاق وعيونه اسودت وهو بيفتكر منظر أخته..ورد بنبرة حاسمة..
​_ فاهمك.. أنا أهم حاجة عندي دلوقتي أطمن على ملك وبعدها اللي يحصل يحصل!

​حبيبة بصلت له برعب حقيقي وخافت من النبرة الانتقامية اللي في صوته وسألته بلهفة..
​"هتعمل إيه يا زين؟!"

​زين حاول يداري ملامحه وقالها ببرود عشان يطمنها..
= ​كل خير.. أجيبلك حاجة تشربيها؟

​حبيبة ردت بهدوء وهي بتبص للأرض..
​_ لا.. حاسة مليش نفس لأي حاجة.

​في الوقت ده..كان "ياسين" نازل تحت ورجع وخطواته سريعة وهو شايل في إيده شنطة فيها عصير ومية وأكل.. زين اتفاجأ بيه وهو داخل الطرقة وشايل الحاجات دي.. فـ قام وقف وقاله بنبرة محرجة..
​"مكانش له لزوم تعبت نفسك.."

​ياسين ابتسم ابتسامة خفيفة وحزينة..وبص لحبيبة وقال بأدب..
​= حاجة بسيطة.. عشان حبيبة أكيد تعبت بقالها كتير هنا من غير أكل.

​زين أخد الشنطة منه..وفتح إزازة ميه ومدها لحبيبة اللي أخدتها بسكات.. ياسين وقف وهو مش عارف يقول إيه..الكلمات هربانة منه..هو بيحترم زين جداً وبيعتبره الأخ العاقل في العيلة..وفي نفس الوقت جواه خجل شديد ومعترف بالذنب والجريمة اللي عملها أخوه يوسف.

​قطع الصمت ده صوت زين الهادي وهو بيبص لياسين..
​_ شكراً يا ياسين.

​ياسين رد بسرعة ولهفة كأنه بيتمسك بأي خيط يلم العيلة..
​= على إيه.. إحنا إخوات!

​الكلمة لسه مالحقتش تطلع من بوق ياسين..ولقوا "حبيبة" بتقوم تقف ووشها محقون بالزعل وردت بحدة وصوت خارج من وسط الوجع..
​وفيه إخوات بيتعاملوا كده؟! أنتم مش شايفين بتعملوا إيه؟!!

​زين اتصدم من دخلتها وبص لها بحدة وتحذير..
​"حبيبة...!"

​حبيبة مأخدتش بالها من تحذيره وبصت لزين ودموعها لمعت بغضب..
​_ إيه يا زين؟ مش دي الحقيقة؟! طنط سهام ويوسف وعمو عماد دايماً بيعاملونا بالطريقة دي!

​زين قرب خطوة وبصلها بنظرة حادة ومرعبة أمرتها تسكت فوراً.. وفعلاً حبيبة كتمت باقي كلامها وبصت الناحية التانية..ياسين اتنهد بحسرة..وبص لزين وقال بنبرة مكسورة..
_ ​"خليها تكمل.. عندها حق."

​زين وقف جنب ياسين..وطبطب على كتفه وهو بيحاول يلم الليلة 
​= مفيش حاجة يا ياسين.. حبيبة متقصدش كلامها..هي بس مضايقة ومخضوضة من اللي حصل لملك.. تقدر تروح أنت عشان عندك شغل الصبح ومعلش تعبناك معانا.

​ياسين لقى بالرغم من ذوق زين...إلا إن وجوده في الممر مبقاش مرحب بيه.. هز راسه بأسف ومشي.. وفعلاً خرج من المستشفى بس رجليه مرجعتوش على بيت أبوه عماد وأمه سهام.. كان حاسس بخنقة تمنعه يدخل مكان فيه يوسف بعد اللي عمله.

_______________//_________________//_____________

​فات الليل بطيء وثقيل على العيلة كلها.. ومع أول خيوط الشمس  تاني يوم الصبح..شق هدوء المكان وصول قوة من الشرطة عشان ياخدوا أقوال "ملك" بناءً على التقرير الطبي.

​الكل كان واقف على أعصابه.. وزين كان مربع إيديه وعيونه على الباب مستني .. بس المفاجأة إن ملك بالرغم من كل الوجع والكسرة اللي في عيونها..صت للضابط وبمنتهى الثبات والهدوء نفت إنها اتعرضت لأي ضرب من جوزها وقالت إنها "حادثة بسيطة" وقعت فيها من على السلم.

​زين مكانش متوقع من أخته تعمل كده بعد كل ده بس أول ما القوة مشت والملف اتقفل كـ "حادثة" اتنفس براحة..هو عارف إن التضحية دي هتكبر ملك في عين جده "عثمان" اللي كان شايل هم الفضيحة والشرطة وفي نفس الوقت زين متأكد إن جده مش هيعدي اللي حصل ده بالساهل.. الحساب جاي جاي بس بأصول عيلة الشهاوي.

​مفاتش ساعة..ووصل الحاج عمرو ومعاه ثريا اللي ملامحها كانت دبلانة من قلة النوم..وزياد وراهم .. أول ما الباب اتفتح جريت ثريا بلهفة ودموع على السرير وأخدت بنتها ملك في حضنها بقوة وهي بتعيط.. بقلم فاطمةشلبي وملك اتمسكت فيها كأنها طفلة بتستخبى من كابوس.. عمرو بص لمراته ثريا نظرة حاسمة من بعيد.. نظرة أمرها فيها إنها متفتحش مع البنت أي سيرة في الموضوع ده دلوقتي عشان نفسيتها.

​التفت عمرو وبص لـ زين..وأخده من إيده على جنب بعيد عن السرير..وبص له بعيون مليانة قلق وسأله بصوت واطي..
​"طمني يا بني.. حصل إيه مع المحضر؟"

​زين بص لأبوه بأسف وضيق وهز راسه..
​_ ملك مرضيتش تعترف على يوسف .. وقالت إنها وقعت.

​عمرو اتفاجأ بس سكت..فـ كمل زين وبنبرة صوت رجولية حادة وعيونه بتقد شرار..
​بس صدقني.. وحياة دموعها وحق ابنها اللي راح..أنا مش هعدي حق أختي! يوسف لازم يتعلم الأدب من أول وجديد على اللي عمله، والحساب بينا مبدأش أصلاً.

الحاج عمرو بصله بنظرة طويلة.. لقى في عيون ابنه نفس القوة والجبروت بتاعة الجد عثمان الشهاوي.. هز راسه بهدوء شديد وعلامات الرضا والموافقة باينة على ملامحه وكأنه بيدي لزين التفويض الكامل عشان يربي يوسف ويرجع حق أخته بطريقتهم الخاصة.

بعد ما الكل اتطمن إن ملك عدت مرحلة الخطر.. التفت زين وبص لأبوه وأمه..واستأذن منهم إنه هياخد "حبيبة" يرجعها البيت.. عشان ترتاح شوية من قعدة الليل وتغير هدومها وتجيب لملك معاها لبس وحاجات تحتاجها في المستشفى.

​طول الطريق في العربية..السكوت كان شبه حيطة سد بين زين وحبيبة.. حبيبة كانت بتبص برا الشباك بملامح حزينة ومكانتش بتتكلم معاه ولا كلمة.. زين لمح ضيقها فحاول يكسر الجليد وقطع السكوت وقال بنبرة دافية..
​"_ تعبناكي معانا.."

​حبيبة لفت وشها وبصت له بعيون لمعت بالزعل والعتاب.. وردت بصوت واطي ومخنوق..
​= ملك أختي يا زين.. أختي بجد!

​زين حس بالكلمة ولمست قلبه..بصلها بهدوء ونظرة تقدير صافية لأصلها..ومردش.. كمل طريقه بسكات لحد ما وصلوا البيت الكبير..
​أول ما دخلوا من الباب قابلتهم "مريم" اللي كانت قاعدة على أعصابها ومستنياهم.. قربت منهم و سألت حبيبة بتوجس وخوف حقيقي...
​_ طمنيني.. ملك عاملة إيه؟

​حبيبة ردت بضيق ونبرة جافة..
= ​وأنتي من إمتى بيهمك؟! على العموم كويسة.. ولما ترجع بالسلامة لينا كلام تاني!

​مريم اتصدمت من هجوم حبيبة.. ونزلت عيونها الأرض وترددت وبأحراج همست..
​_ أنا بسألك عشان خايفة عليها يا حبيبة.. ملك بنت عمي.

​زين لقط التوتر..وعرف إن حبيبة بدأت تخبط في الكل فـ اتدخل بهدوء ودبلوماسية عشان يقفل الكلام..
​= اطمني يا مريم.. شكراً لسؤالك.. عن إذنك.

​وبلا تفكير.. أخد حبيبة من إيديها بقوة وسحبها وراه وطلعوا السلم بسرعة.. أول ما وصلوا الطرقة فوق ووقفوا قدام باب أوضتها حبيبة نفضت إيدها من مسكته بقوة وعصبية وبصت له بوش محقون ..
​_ في إيه يا زين؟! ساحبني وراك ليه كده؟!

​زين وقف مكانه بنفاذ صبر وتعب..ومسح على وشه بزهق ورد بصوت مكتوم وحاد..
​_ في إيه إنك مش عارفة توزني كلامك في إيه؟! هو أي حد بتقابليه بتخبطي فيه وخلاص؟!

​حبيبة بصت له باستغراب وضيق..وحست إنه بيلومها في وقت غلط فقالت بعلو صوتها..
​= بجد مش فهماك! أنت مش خايف على أختك؟!

​زين قرب منها خطوة..وقال بنبرة حازمة..
​_ خايف طبعاً.. بس مش كده! خدي بالك من كلامك شوية يا حبيبة ومتحمليش مريم ذنب غيرها.

​حبيبة مردتش عليه.. بصت له بنظرة عتاب مكسورة ولفت ضهرها بسرعة ودخلت أوضتها وقفت الباب وراها بقوة هزت الخشب وسابت زين واقف في الطرقة لوحده وهو بينفخ بقلة حيلة.

_________________//_______________//______________

مر يومين..
 والبيت الكبير هادي هدوء يخوف..هدوء أشبه باللي بيسبق العاصفة.. جوا أوضة ملك..كانت وحبيبة قاعدة على طرف السرير وجنبها صينية صغيرة عليها كوباية مية وشريط الدوا...كانت بتمسك إيد ملك بحنية وبتناولها الجرعة في معادها وهي بتبص لوشها اللي الكدمات بدأت تبل فيه بس ملامح الكسرة لسه معلمة جوة عيونها.

​حبيبة اتنهدت بوجع..وبصت لملك وقالت بنبرة عتاب دافية وخافتة..
​_ أنتي كنتي عارفة إنك حامل؟ ليه معرفتيش حد.. يمكن الأمور كانت خدت طريق تاني أو حتى كنتي عرفيني أنا يا ملك..!

​ملك بلعت الدوا بصعوبة وسندت راسها لورا على المخدة..وبصت لحبيبة بنظرة باهتة مليانة مرارة وسخرية من الأيام وردت بصوت دبلان..
​= طريق تاني إيه يا حبيبة؟! كنت هقول لمين أصلاً.. إذا كان يوسف نفسه مش عاوز مني ولاد .

​الكلمة نزلت على حبيبة بصدمة برقت عيونها وبصت لملك بحزن حقيقي..
​_ أنا بجد مصدومة.. إحنا مكناش كده ولا عمره يوسف كان عدواني بالشكل ده! إيه اللي جرى له وإيه اللي غيره كده؟؟!

​ملك لفت وشها الناحية التانية وعيونها لمعت بالدموع.. واتنهدت بتعب مالي صدرها وقالت بنفاذ صبر وقرف..
​= قفلي على الموضوع ده.. أنا أصلاً مبقتش عاوزة أسمع اسمه ولا أعرف حاجة عنه.. أنا كل اللي عاوزاه دلوقتي إني أمشي من هنا!

​حبيبة اتخضت من كلمتها.. وقربت منها بسرعة ومسكت إيديها الاتنين بلهفة طفولية وخوف من إنها تتساب لوحدها في البيت..
​_ روقي بس! تمشي من هنا تروحي فين وتسيبيني لوحدي؟! أنا سمعت من زين إن جدي هيتصرف في الموضوع ده كله بس مستني أول ما تبقي كويسة ويطمن عليكي.

​ملك غمضت عيونها بضيق.. وهي حاسة ان طاقتها خلصت ومباقاش فيها حيل حتى للعياط وقالت بنبرة يائسة ومستسلمة..
​= اعملوا اللي أنتم عاوزينه.. مبقتش فارقة معايا أي حاجة.

 في نفس الوقت ..
كانت الأجواء مشحونة ومكتومة كأنها قنبلة موقوتة...جوا أوضة "يوسف" كان قاعد وساند ضهره على الكرسي ملامحه باردة وعيونه مثبتة بقلم فاطمةشلبي على شاشة اللاب توب بيكمل شغله وكأن ولا في روح ضاعت بسببه من يومين! وشه لسه معلم فيه جروح من علقة زياد بس البرود اللي في عيونه كان كفيل يجمد الميه..!

​فجأة.. الباب اتفتح بعنف ودخلت "سهام" ووشها محقون بالغل والغيظ..بصت له وهو قاعد بالبرود ده فـ زعقت بصوت عالي 
​_ قاعد هنا ولا على بالك حاجة؟! عاوز تخسرنا اللي بنعمله بغباءك!

​يوسف بصلها بملل..وبإيد واحدة قفل شاشة اللاب توب..ورد بنبرة صوت جافة وخالية من أي مشاعر..
​= عاوزاني أعمل إيه يعني؟! جواز واتجوزت.. أعملك إيه تاني؟!

​قربت سهام منه وقعدت على الكرسي اللي جنبه بحدة.. وعيونها بتطق شرار وقالت بنبرة لوم موجوعة على خططها اللي بتبوظ..
​_ تروح تضربها وتسقط العيل اللي كان هيبقى كارت رابح في إيدينا يا خايب؟! أحمد ربنا إنها ماجبتش اسمك في المحضر كان زماننا مفضوحين في الأقسام والبلد كلها!

​يوسف حواجبة اترفعت باستغراب حقيقي..
​= هي.. هي عملت كده من نفسها؟! لغت المحضر؟!

​سهام لوت بوزها بسخرية وقرف وردت بنبرة حاقدة..
​_ أيوه يا حليتها.. البت بتحبك وأنت مش عارف تكسبها! طالع خايب ومش عارفة ليه مكانش حتة عيل تضمن بيه مكانك في قلب جدك وعمك عمرو!

​يوسف رجع ضهره لورا..وبصلها ببرود مريض تداري بيه الوجع اللي جواه..وقال..
​= مش فارق معايا.. حتى لو طلقتها مبقاش يهمني.

​هنا سهام وقفت وبصت له من فوق لتحت بحدة وتحدي..
​_ بقولك إيه.. شغل العيال بتاعك ده ماينفعنيش! أنت تشوف لك صرفة وتراضي عمك وجدك قبل ما الدنيا تطربق فوق راسنا! أنا معرفش عثمان الشهاوي إيه مسكته عليك لحد دلوقتي.. داهية لياخد منك شغلك ويحرمك من كل حاجة .

​يوسف نفخ بضيق حاد.. وحس إن جدران الأوضة بتخنق عليه.. وهز راسه وقال بنبرة غامضة تخوف..
​= حاضر.. بس محدش يلومني بعد كده على أي حاجة هتحصل.

​سهام مسمعتش جملته الأخيرة ولا ركزت في التهديد اللي بين السطور.. لفت ضهرها وخرجت من الأوضة وهي شايطة ورزعت الباب وراها وسابته في ضلمة أفكاره..

__________________//____________///_____________

في نفس الليلة..
 كان الهدوء مسيطر على البيت الكبير بس جوةا القلوب كانت الدنيا بتغلي.. بقلم فاطمةشلبي في أوضة ملك كانت حبيبة قاعدة جنبها بتواسيها لحد ما شق السكوت خبطات هادية على الباب...حبيبة افتكرته زين فقالت بصوت واطي..
​"ادخل يا زين.."

​الباب اتفتح براحة.. بس الصدمة إن اللي دخل مكانش زين.. كان "يوسف"! ملامحه كانت هادية وعيونه مثبتة على ملك.. بص لحبيبة وقال بنبرة هادية ومترددة..
​= بعد إذنك يا حبيبة.. عاوز ملك في كلمتين.

​أول ما عيون ملك وقعت عليه.. جسمها كله اترعش واتعصبت بقوة والوجع رجع ينهش في روحها..فـ صرخت بصوت مخنوق..
​_ مليش كلام معاك بعد اللي حصل! اطلع برا..!

​حبيبة اتخضت ومسكت إيديها بسرعة تحاول تهديها..
​= اهدي  يا ملك.. اهدي عشان خاطري.

التفتت حبيبة لباب الأوضة وبصت ليوسف وحبت تديهم فرصة أخيرة لعل وعسى يوصلوا لحل يريح القلوب فقالت لملك بصوت حنين..
​= أنا برا وهسيبكم شوية دلوقتي.. اسمعيه..يمكن تلاقوا حل.

​ملك دموعها نزلت بغزارة..واتمسكت في هدوم حبيبة برعب وكسرة نفس..
​_ أنا مش عاوزة أتكلم معاه يا حبيبة! نادي زين والنبي.. نادي زين!

​يوسف خطى خطواته لجوة الأوضة وبصلها بتركيز شديد.. وعينه مانزلتش من عليها.. واتكلم بنبرة صوت ناعمة وهادية جداً عكس جبروته القديم..
​= أنا مش جاي أعملك حاجة والله.. محتاج بس اتكلم معاكي لو سمحتي .

​حبيبة بصت لملك بنظرة بتطمنها فيها إنها هتفضل قريبة على الباب.. وانسحبت بقلم فاطمةشلبي وخرجت بهدوء وقفلت الباب وراها.. أول ما بقوا لوحدهم ملك لفت وشها الناحية التانية بسرعة وودته بعيد عنه.. مكانتش طايقة تشوف ملامحه ولا تبص في وشه اللي بيفكرها بموت حتة منها.

​قرب يوسف بخطوات بطيئة.. وقعد على طرف السرير قريب منها.. وأخد نفس طويل وقال بنبرة طالع منها الأسف..
​"= أنا آسف يا ملك.."

                الفصل الثالث من هنا
تعليقات



<>