رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الرابع والاربعون44بقلم ميفو السلطان
تركت ملوك عامر متصنما في مكانه من الصدمة ولم يصدق أنها تركته كحشرة لا قيمة لها ونزلت الدرج تتهادى ببرود دون أن تقيم له وزنا. فاشتعلت النيران في عروقه واندفع خلفها كالإعصار وقبض على ذراعها بقوة وعنف وهتف بغضب عارم ........
أنتِ سيباني ورايحة فين وبتدفعي يدي وبتنزلي من غير إذني هو أنا هوا قدامك واتكلمي معايا عدل إيه ده .
نظرت إليه ملوك باستعلاء شديد ونفضت ذراعها من بين كفيه بقوة وتحدثت بكبرياء أحرق دمه تماما........
أنا رايحة فين دي حاجة ما تخصكش أنا نازلة تحت عشان هجيب الكلام من صاحب الكلام الكبير اللي كلمته بتمشي على الكل.
هتف عامر بغيظ قاتل ........
أنا صاحب الكلام وصاحب الجوازة دي كلياتها ومفيش كلام هيتِجال في السرايا دي غير اللي هيطلع مني أنا وبس أنا هنا كبير وكلمتي ما عادش يِتنى لها حد.
قطبت ملوك جبينها بذهول وراحت ترقبه ونظرت إليه من فوق لتحت ببرود قاتل زاد من اشتعال النيران في صدره وهتفت لتضع كبريائه تحت قدميها........
أنا مش معتبراك الكبير ولا هعتبرك في يوم كِدة أنا كبيري هنا الحج سعفان وبس.
تنحنح عامر مسرعا والشرار يتطاير من عينيه بكلمات حارقة دمرت ما تبقى من وقاره الصعيدي وقال بغيره ........
انت مالك متمسكه بامجد ده بتحبيه أمال إيه هجعد عمري كله لعمر. أمجد ماهتتجوزهوش فاهمه ماينفعلكيش.
هزت راسها بيأس.... انت متخيل اني بحب أمجد هو اللي انا فيه ده يخليني اعرف أحب انت بتقول ايه. انا هنزل اتكلم اشوفلي حل في مصيبتي
وقف امامها كس منيع وهتف بثبات.....
جبل ما تنزلي جدي مش موافج حد غيري يتم الجوازة دي لجل ان أنا كبير الرجال من بعده وأنا اللي لازم أشيل شيلة أخوي عمر الله يرحمه أنا إللي هتجوزك .
تجمدت هيا في مكانها وكأن الزمن قد توقف فجأة ليعيدها إلى نقطة الصفر.
رفعت بصرها نحوه ببطء وعيناها مليئتان بأسئلة حائرة وذهنها يحاول فك طلاسم ما يحدث. قالت بصوت بصدمه.... اللي هو إزاي مش قفلنا الموضوع ده من شوية هو فيه إيه بالظبط.
لم تكن عيناه تكشفان عما يدور في خلده . هتف ببرود قاطع لا يقبل الجدال...... لاه... جدي مصمم والكلمة كلمته. هو اللي أصر إني أنا اللي أتمم الجوازة دي.
سخرت منه بحدة ممزوجة بالألم.... إيه؟ بيلزق لك جوازة غصب عنك هو إحنا في أي زمن يا باشا فهمني. إنت عايز تقنعني إنك بتتغصب على حاجة مش عايزها؟ إنت فعلًا الشخص اللي بيرضى لنفسه كده.
استشاط عامر غضبا من كلماتها التي فهتف مندفعا ...... لاه عايزها.
تجمدت الكلمة على لسانه وتلاقت نظراتهما في صمت مشحون بالتوتر. نظرت إليه بذهول .
الا انه أكمل هو بنبرة أقل حدة محاولا تبرير اندفاعه.... أجصد عايزها لأجل ابن أخوي عشان ما يخرجش بره عشان أضمن له حقه ومكانته ودي هي الغاية.
مطت ملوك شفتيها بسخرية مريرة وذكرته بكلامه القاسي الذي قاله في الأسفل وجرح به أنوثتها وهتفت بنبرة تقطر وجعا ........
بس سيادتك عايز بنت بنوت تفرح قلب أمك وتليق بمقامك العالي وأنا واحدة مش قد مقام المستشار عامر الراوي.
اندفعت خطوات عامر نحوها بخطوة سريعة وعيناه تلتمعان بأسف خفي وندم يداريه خلف عصبيته وتلعثم وقال بارتباك شديد لأول مرة في حياته........
على فكرة أنتِ السبب في كل اللي حصل ده أنتِ إللي خلتيني اجول أكدة بكلامك وعنادك وخلتيني اجول كلام مايصحش.
ابتسمت بسخريه.... ليه انا اللي قولتلك تقف تتجبي عليا. انا رفضتك يا باشا وإنت هنت دا الفرق انا ماعملتش حاجه.
تلبك عامر في حديثه وتابع يبرر موقفه وعيناه تتهربان من نظراتها الحادة التي تخترق حصونه ........
آيوه أنتِ السبب أولا لما كُنتي واجفة وبتضحكي مع أمجد تحت تخيلتك هتتخلي عن الواد وعن الدار ولما جولتي مش رايدة جوازتي جولت هتمشي وتتجوزيه وتتخلي عن ابن أخوي لجل تعيشي حياتك وعشان كِدة أنا اتعصبت وعمي عيني وجولت كلام بزيادة ما كانش ينفع يتجال واصل.
تنفست ملوك قليلا وهدأت ثورتها بعدما سمعت اعترافه وتبريره ولكن ألمها وكسرة كرامتها كما هي في قلبها لم تتغير فأكمل عامر بصوت خفيض ونبرة لينه تحمل رجاء مستترا........
أنا ما جصدتش الكلام يطلع بالشكل الوعر ده.
نظرت إليه ملوك بنظرة طويلة وهتفت بنبرة باردة وضعت بها النقاط على الحروف وكسرت آخر ما تبقى من كبريائه الثائر........
بص يا باشا إنت طلعت اللي جواك إنت شايفني جربوعة إنت شايفني قليله دا جواك في طبيعتك وشخصيتك ليك مبدأ ماشي عليه وحاطط وراسم ليك حاجات معينه. انا في نظرك مش هانم ماتليقش بيك. ما تجيش دلوقتي تقول كلام ما عادش ينفع يتقال وإنت طالع ومتأكد إني استحالة أوافق فطالع تحدفلي كلمتين هما أساسا مالهمش لازمة عندي.
هتف عامر بنبرة جادة وصادقه والتكلم بالعقل والمسؤولية... هو إحنا هنحاسب بعض على غضبنا وغلطنا وهننسي مصلحة الواد؟.
نظرت إليه بابتسامة باهتة قالت بنبرة هادئة لكنها تقطر شماتة مغلّفة بالثبات.... مصلحة الواد... مصلحة الواد ياباشا بتيجي بالاحترام مش بالتحقير. انت دايما اي كلمه مني بتقابلها لإهانة وتجني كاني في نظرك مصدر للغلط وبس.
تحرك عامر خطوة نحوها، كانت عيناه تلمعان ببريق يجمع بين الرغبة في التهدئة والحيرة وتابع بصوت خافت....
أنا عارف إني زودتها والسم اللي كان في كلامي كان نابع من خوفي على الواد خلاني أتخبط.
لم تلتفت له بل ظلت تنظر للفراغ أمامها ثم ردت عليه بصوت واثق......
الخوف مش مبرر للإهانة . إنت قولت أنا آخد واحدة ما تنفعليش مرة وفعلا إنت صح تماما.
.
اقترب أكثر صوته الآن كان نبرة رجاء متخفية خلف وقار مظهره..... إنتِ ليه مصممة تحطيني في خانة العدو. أنا عايز نلم الشمل لجل خاطر اللي ملوش ذنب في صراعاتنا.
توقفت عن الحركة، واستدارت لتواجهه بنظرة حادة وشامخة.....
لأنك في لحظة غضبك ورتني وشك الحقيقي. مصلحة الواد في عيوني وهحافظ عليها بس من غير ما أكون واحدة ما تنفعلكش مرة.
صمت عامر وشعر لأول مرة أن هيا ليست تلك المرأة التي يمكن استمالتها بسهولة بل هي قلعة حصينة لا تفتح أبوابها إلا لمن يثبت أنه يستحق المفتاح.
تراجع عامر خطوة محاولا استجماع هدوئه اقترب منها بليونة غير معهودة..... أظن إنت بتجولي حجانيه وتعرفي الغلط. إنتِ خلتيني اغضب لما تجي في وسط الكل وذكرتي الاسم تحديدا وجولتي لو هموت ماخدوش وانت كنتِ عارفة إن عمار كان جزء من الحسبة ومع ذلك رميتي كلمتك اللي هنتيني فيها. ليه مادخلتيش عمار وجمعتنا ليه.
ارتبكت هيا داخليا فهيا فعلا لم ياتي ببالها عمار من أساسه ولا تفهم لماذا هاجمت عامر فقط.. تجلدت و نظرت إليه وأجابت بنبرة واثقة....
ممكن أكون غلطت في طريقتي ممكن أكون انفعلت إللي مكاني تتجنن من جبروتك. بس أنا في عمري ماكنت اقصد اهانتك انت اللي هنت واتجاوزت . صمتت للحظات قبل أن تضيف بتهكم مرير.... وبعدين هو أنا اللي محتاجة أهينك إنت كفيل بإنك تهين نفسك بنفسك لما تفتكر إن الكلمة بتقلل مني أو إن تلميحاتك المتعاليه دي ممكن تكسرني.
شعر عامر بلسعة كلماتها فاندفع يدافع عن نفسه بقوة مبررا تسرعه.... أنا ما كنتش قاصد الإهانة كان غضب الخوف على الواد بيخليني اتجاوز أحيانا. وانت برضك ماسكتيش دانت مادخلتيش واندفعت زي الوابور جولتي مافي الخمر وانا سكت.
قاطعته بسخرية أكبر.....ماتقصدش.... لا يا باشا اللي إنت قلته كان اعتراف من جواك بجربوعتك اللي شايفها قدامك . ثم تابعت بلهجة متهكمة.... تفتكر إنك بكلمتين لينين دلوقت هتمسح اللي فات إنت طالع ومتأكد إني هرفض. فليه ليه أصلا نعمل في بعض كده.
هتف عامر بضيق محاولا السيطرة على أعصابه.... إنتِ ليه مصممة تحولي كل محاولة مني ااقرب الدنيا لمعركه أنا بحاول ألم الليلة دي قبل ما تضيع من إيدنا.
ردت ببرودة...... الليله ضاعت من بدري يا باشا بس فعلا لازم أتكلم في المفيد قدام الراجل الكبير هشوف كلامه النهائي هنعمل إيه.
انفجرت الكلمات من عامر فجأة بلهفة جارفة وهو يقترب منها خطوة وعيناه تترجيان ثباتها........
يعني إيه نعمل إيه مافيش عمايل نازله ليه من غير مانخلص.. طب أنتِ يعني هتوافجي عليا يا ملك.
نظرت إليه ملوك باستغراب شديد وذهول من تبدل حاله بهذه السرعة فارتبك عامر وارتبكت ملامحه واستعاد لهجته الصارمة بسرعة ليداري لهفته المفضوحة........
جدي تعبان وداخل على عيا ومش حمل وجع دماغ وعناد واصل هتوافجي إديني رد دلوك وخلي الليلة دي تعدي على خير.
هتفت ملوك ببرود تام وهي تشيح بوجهها عنه وتستعد لمواصلة هبوط الدرج بكبرياء لا ينحني........
قولتلك هدي للي طلبني الرد وجدي هو اللي طلب يبقى هو اللي هيسمع.
التفتت ملوك لترحل فاندفعت يد عامر وقبضت على معصمها بقوة يمنعها من التحرك وهو يشعر بأن زمام الأمور يفلت من بين أصابعه وصاح بضيق........
ما أنا بكلمك أهو وواجف جِدامك وطالب الرد عاد.
نظرت ملوك ليده القابضة على معصمها ثم رفعت عينيها إليه وتلاقت نظراتهما في تحدٍّ وهتفت بنبرة حادة وساخرة زلزلت كبريائه مجدداً........إنت ما طلبتنيش يا سيادة المستشار إنت طالع تقول جدك بيقول وأنا هنزل أديه هو الرد ففوتني من قدامك عشان نخلص من الليله دي زي مابتقول. .
انفعل عامر من ثباتها وبرودها الذي فاق توقعه واندفع صوته بحدة.... طب أنا بطلبك.. هتتجوزيني هتوافجي؟.
تجمّدت ملوك في مكانها شعرت برهبة غريبة تتسلل إلى أعماقها واستغراب لم تعهده من قبل. اقترب منها عامر خطوة أخرى هذه المرة لم يكن الغضب هو ما يغلف صوته بل لين غريب جعل أنفاسها تضطرب. كرر سؤاله بصوت خافت كأنه يرجو غفرانًا لم يطلبه..... تتجوزيني يا ملك.
اقترب منها عامر وتلاشت حدة ملامحه هتف برجاء لا يليق بهيبته.. ملك.. أنا بطلبك وموافق على كل شروطك أي طلب هتطلبيه أنا ليه جاهز وسداد.
نظرت إليه ملوك ببرود وكانت عيناها تحملان طعنة من رده سألته بنبرة ساخرة تقطر مرارة.... هتدفع فلوس يعني عشان تتجوزني هو أنا رخيصة قوي كده في عينك؟.
تراجع عامر كمن تلقى صفعة على وجهه واندفع بحدة مغلفة بالخوف من فهمها الخاطئ: لا لا.. لا والله .. إنتِ فاهمة غلط.
ثم أضاف بتبرير يحاول فيه ترميم ما انكسر لكنه زاد الطين بلة.... أنا كل اللي في دماغي إني بضمن حج الواد.. إنتِ فاكرة إنك لما تتجوزي غريب هيحس بيه زي ما أنا هحس. إنتِ عارفة إن الراوي مش هيسيب لحمه. وأنا المستشار اللي الناس بتعملي ألف حساب إنتِ عايزة تحطيني في موجف إني أشوفك في دار تانية والناس تشوفك في حضن واحد تآني وأنا موجود الكبير يسيب لحمه.... وأنا اللي كنت شايفك....
سكت فجأة كانت عيناه تلمعان بوجع لم يستطع إخفاءه أكمل بصوتٍ خفيض جريح... أنا كنت شايفك... مش هينفع أجول بس اللي أعرفه إنك لو اتجوزتي حد تآني الواد هيضيع.
استمات عامر في محاولة إقناعها وقف كالحائط أمامها يمنعها من التحرك نحو الجد، صوته الآن يرتجف.... أنا بطلبك لأني مش متخيل إن حد غيري يلم شمل الواد.. وافجي وأنا بكررها كل شروطك مجابة.
رفعت وجهها لتتأمل ملامحه باحثة في عينيه عما يخفيه فرأت نظرة غريبة نظرة لم تألفها فيه من قبل مما زاد من ارتباكها ورهبتها. سألته بصوت متقطع بالكاد يخرج.... يعني... إنت بترجع في كلامك؟.
هزت رأسها بأسى والتفتت بجسدها بعيدا عنه تحاول الهروب من تأثير نظراته. حينها هتف بلهفة واضحة كسرت حدة الموقف..... برجع في كلامي كله.
رفعت نظرها اليه وقلبها يرجف... اقترب عامر بلهفة ووقف أمامها مباشرة مقتحما مساحتها الخاصة وقال بصوت يملؤه رجاء غير معهود يحاول مداراه اندفاعه... برجع في كلامي كله يا ملك.. عشان.... عشان الواد وعشان ننهي الليلة دي بقرار يرضي الكل.
نظرت إليه وقد ارتسمت على وجهها ملامح بلاده وبداخلها وجع من استرساله وكأنها تضع جدارا عازلا بينها وبينه. قالت بصوت يحمل نبرة استنكار قوية.... آه.. بترجع في كلامك كله عشان المصلحة لكن الحقيقة كل شيء زي ما هو الكلمات اللي رمتها في حقي. والتقليل اللي حاولت بيه تكسرني ما اتغيرش منه ذرة.
تجاهلت توسلاته تحركت ملوك من أمامه بخطوات سريعة وواثقة وهبطت الدرج متجهة مباشرة حيث يجلس الحج سعفان تاركة عامر خلفها في حالة من الذهول والضياع قلبه يرتجف ليس فقط خوفاً على الواد بل خوفا من أن تكون قد اتخذت قرارها بكسره للأبد. وهيا تردد..... يبقي كلامي مع إللي هتفق معاه .
كان عامر يسير خلفها وعيناه تشتعلان بنيران الغيظ والقهر والخوف ينهش صدره لأول مرة من أن تطيح بـ هيبته أمام جده وتفسد كل شيء بلسانها السليط.
دخلت ملوك الغرفة بقوة ووقفت أمام الجد سعفان مباشرة دون أن تلتفت لعامر الواقف خلفها كالبركان الموشك على الانفجار.
في تلك اللحظة اقترب الجد بخطواته الثقيلة وملامحه التي تكسوها رغبة صادقة في إصلاح ما انكسر. وقف بينهما ونظر لـها بنظرة أب حكيم وبدأ بكلمات هادئة.... تعالي يا بتي.... ربت علي كتفها..... عامر ما كان جصده اللي فهمتيه الغضب بيعمي الجلوب أحيانا. هو طلبك وعايزك بالحلال وكلنا عايزين نلم لحمنا ونداري على بيتنا. حجك علينا وما عاش اللي يهينك في دارنا. بس أنا ماعايزش غريب يخش عالواد الله اعلم النفوس وانا عمري خلاص اخاف عالواد وعليكي برضك .
كان عامر واقفا في زاوية الغرفة تائه بين كبريائه الذي كُسر وبين رغبة دفينة بدأت تنمو في صدره بأن تلين ملوك وتوافق كان قلبه يرتجف خوفا من رد فعلها وعيناه تراقب ملامحها بدقة باحثا عن أي أثر للقبول.
اقتربت فواده باكيه ملقية بنفسها أمام ملوك. بدأت تمثل التعب والإعياء ببراعة وتنوح بصوت يملأ المكان... أرجوكِ يا بتي.. سامحينا. والله عامر بيجدرك وعارف إنت إيه بس هو انفعل وإنت برضك ماسكتيش ورديتي وهو سكت مانطجش وده مش ولدي كلامه آه واعر بس إنت رديتي بكلام يموت برضك وأنا ولدي كبير في نفسه وماتطحش ليه بقه لانه عارف ان الكلام كان واعر . بالله عليكي ريحي جلوبنا الواد يتربي وسط دارنا وسط اعمامه لحمه. مفيش غيرك اللي يجدر يلم شملنا وعضم التربه. وافجي وحجك علي راس راسي والله جال مايجصد .
ظلت فؤادة تعتذر وتتوسل إليها حتى توافق في حين كان عامر يقف مشدوها قلبه يرتجف من نظرات ملوك التي أصبحت الآن محاصرة بين ضغوط الجد وتوسلات فؤادة المريضة.
اقترب الجد ومسك يدها بحنان.... عارفه لو ماكلتيش إنه كت بقت سهله والله بس جد نا انك أمه.
رجف قلبها بعنف وقهر وهمست.... لو ماكتش أمه كت هتعمل اية يا حج يعني.
هتف الحج بوعيد.... يمين الله ماتباتي فيها لحظه. الجريحة دي جايمه وحايده عشان إنت إمه والورطه دي عشان إنت آمة والشبكه عشان إنت آمة.. غير اكده والله ماكنت جعدتك وخلصناها.
تجمدت ملوك وعلمت إن هذه نهاية حريتها نهايه حياتها. فضلت الموت عن ترك روح أختها... علمت ان قرارها مصيري لابد من الأقدام عليه بلا رجعه حتي لو قتلوها بعد ذلك. تنهدت ملوك وتذكرت كلام أختها ووعدها عهد أخذته علي نفسها والمخرج الذي ستخرج منه من تلك الجوازه و تحفظ وجودها بينهم دون فضحها.
صمتت بينما أنفاس الجميع بانتظار كلمتها. ليخرج صوتها بنبرة مقتضبة لم تكن تحمل مودة بل كانت تحمل مسؤولية ثقيلة تفرضها الظروف... تمام يا حاج.. أنا موافقة.
في تلك اللحظة شعر عامر وكأن الأرض مالت به. امتزجت في أعماقه مشاعر متناقضة لم يختبرها من قبل راحة غامرة لأن المعضلة قد حُلت، وفرحةٌ طاغية تغلغلت في كيانه لا يصدق أنها بكل عنادها وكبريائها ستكون ملكا لاسمه أخيراً. كان ينظر إليها بنظرات تائهة يغمرها الحب الذي لا يعلم عنه شيا بداخله. لكنه الآن وقف عاجزا عن فهم حقيقة ما يشعر به أهو فعلا حمايه للولد أم هي رغبة في تملك تلك الفرسة.
ظل واقفا في مكانه قلبه يرتجف بانتظام . لم يصدق أن كلمتها جعلت المستحيل واقعا. فهي الآن بقرارها هذا أصبحت جزءا من قدره واسما مقترنا باسمه أمام الجميع. كانت عيناه تلاحقان حركاتها بلهفة لم يستطع إخفاءها. ليتجمد حين اكملت.....
هوافق عشان خاطر عمر أنا هعمل كل اللي تقوله يا حج والكلام اللي اتفقتوا عليه هيتنفذ والرد اللي جابه مرسالك أنا موافقة عليه بس حابة بس أشهدك على كلمتين يا حج عشان لما الزمن يعدي ما ترجعش تقول ملك خانت الكلمة أنا كلمتي سيف على رقبتي وعمري ما برجع فيها .
التفتت ملوك فجأة بكامل جسدها نحو عامر واقتربت منه خطوات بطيئة ومرعبة وثبتت عينيها في عينيه اللامعتين بالشرار وهتفت بنبرة تقطر سما زحف إلى عروقه وأحرق دمه تماما أمام جده العجوز........
زي مانت قولت مانفعلكش أنا كمان بقولهالك وبأكدها عليك قدام جدك إنت كمان ما تنفعليش.
ساد صمت ثقيل في الغرفة صمت يسبق العاصفة. تصاعد غضب عامر وبرزت عروقه و تشنجت يديه لكنه حبس غضبه احتراما لوجود الجد والا يفسد تلك الموافقه. .
اكملت ملوك كلامها بثبات... الجوازة دي عشان ابنكم وبس وعشان أحميه . أنا كدة بنهي حياتي ودنيتي كلها بجوازي منك أهي موتة وخلاص وما تفرقش كتير بس اربي إبني انتو غصبتوني أوافق بس عشان أوافق ليا شروط عشان الجوازه وشرطي هو اللي هيمشي......
صمت الجميع.. حتى الهواء في الغرفة بدا وكأنه توقف عن الجريان. ملوك لم تكتفِ بالموافقة بل جعلتها موافقة . عامر لم يصرخ كما هو متوقع بل تراجعت عيناه للداخل وظهرت في ملامحه عاصفة من الهدوء القاتل. تشنجت يده خلف ظهره لدرجة أن مفاصل أصابعه أصبحت بيضاء كالثلج وهو ينظر لملوك. اقتربت من عامر نظرت في عينيه ببرود يشل الأطراف وهمست بصوت سمعه الجد بوضوح....
#######
هنا أعلنت ملوك الحرب داخل سرايا الراوي وبشروطها بين كبرياء صعيدي لا ينحني وعناد بندري يرفض الانكسار. ملوك لم تقبل بالهزيمة بل حولت جوازها من عامر لـ حبل مشنقة لـ كبريائه وعامر يقف لأول مرة عاجزا امام لسانها الذي ينقط سم وجبروتها الذي هز هيبته امام جده الكبير.
الليلة لن تمر علي خير وكتابة العقد لن يكون مجرد مجرد ورقة بل ستكون بداية لـ معركة تكسير عظام بين المستشار وبين بنت البندر....
بس إيه هو شرط ملوك الصادمه اللي هتقوله للحج سعفان وهيقلب موازين الجوازة كلها ويجنن عامر زيادة؟!
وهل عامر سيصمت على الإهانة دي وكسر هيبته قدام جده وإلا ستري منه وجه الصعيد القاسي فور ما ان يتقفل عليهم الباب ؟!
